← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الشيخ أحمد أفندي بن المرحوم الشيخ عقيل أفندي الزويتيني مفتي حلب الشهباء وعالمها، وحامل لواء الشريعة بها وخادمها، قد صرف نقد عمره من صغره في العلم والعمل، وعكف على ما يرفع شريف قدره إلى أوج برج الحمل، ولم يزل يرضع لبان المعارف، ويتحلى بحلية العوارف، لدى كل عالم وعارف، إلى أن أضحى ببراعته برد البلاغة موشى، وبفصاحته ثوب النباغة مطرزاً ومغشى، فلا ريب أنه جنة ثمرات الفنون، ولا عيب فيه سوى أنه عن نسبة العيب إليه مصون، فيا له من جهبذ قد لبس سوار الفضائل في معصم الكمال، واقتبس من مشكاة الدلائل نور الوقوف على أصح الأقوال وأرجح الأفعال. ولد تقريباً من سنة ألف ومائتين وأربعين، ومن حين تمييزه جلس من حدائق الطلب على مهاد التمكن والتمكين، ولم يزل يفيد ويستفيد، ويزيد في الاجتهاد لكي يزداد مما يريد، إلى أن خطبه الإفتاء الشريف لهامته تاجاً، ولترقيه إلى سماء الفضائل معراجا، ولم ينقل عنه ميل عن جادة الصواب، ولا فعل يوجب له نسبة شك في كماله أو ارتياب، بل حالته الخوف من الله والتقوى، والاستقامة في السر والنجوى، إلى أن فارق دنياه، وأجاب دعوة من إليه دعاه، ليلة السبت من أواخر شعبان المكرم سنة ألف وثلاثمائة وست عشرة واحتفل بتشييعه الكبير والصغير، والغني والفقير، ودفنوه في مقبرة الصالحين أسكن الله روحه في عليين. الشيخ أحمد أفندي بن الشيخ عبد الكريم أفندي الترمنيني الحلبي عالم حلب وإمامها، وقدوتها في كل فضيلة وهمامها، بدر الهداية لكل رشاد وصلاح، وفجر العناية الموصلة لكل رفعة وفلاح، صاحب المكارم التي أشرق بدرها في سماء الإسعاد، والعزائم التي أبرق نورها فأرشد إلى نوال كل مراد، فلا ريب أنه البحر الذي لم يعرف الواردون ساحله،

стр. 212

والحبر الذي جعل الكتاب والسنة وسائطه إلى الله ووسائله، دأب على تحصيل العلوم منذ كان طفلاً، واعتصم بحبل التقوى والعبادة قولاً وفعلا، وزهد في الدنيا فكانت تأباه ويأباها، وأقبل بجده واجتهاده على أعمال الآخرة إلى أن صارت تهواه ويهواها، واعتزل عن الناس وألف الانفراد، وواصل السهاد وطلق الرقاد، واعتكف في حجرته ليله ونهاره، وقصر على العمل والعلم أطواره وأوطاره، وكان إذا جلس في حجرته قفل بابه، وإذا أراد أحد منه مسألة وقف أمام شباك حجرته فإذا سأله أجابه، ثم رجع إلى ما كان عليه في الحال، واشتغل بما ينفعه من غير إمهال، وللناس به اعتقاد قد بلغ ذروة الكمال، واعتماد يتأملون به الوصول من المرغوب إلى نقطة الاعتدال، وقد رحل في أيام طلبه إلى مصر القاهرة، وجاور في أزهرها ذي المنقبة الفاخرة، وحضر دروس السادة الأفاضل، إلى أن صار معدوداً من الأوائل، ثم رجع إلى بلده بعد بلوغ آماله، ونجاح مقاصده وأعماله، ولم يزل مستقيماً على حالته، مستزيداً من طاعته وعبادته، إلى أن دعاه داعي الآخرة، إلى الجنة العالية الفاخرة، وذلك سنة ألف ومائتين ونيف وثمانين. الشيخ أحمد أبو العباس شهاب الدين البربير الشامي البيروتي سهم الأغراض والأماني، وكنانة البيان والمعاني، ذو الأدب الباهي الباهر، والأرب الزاهي الزاهر، والنفس الزكية والأخلاق المرضية، من تستعذب النفوس نثره، وتستطيب نطمه وشعره، فلا ريب أنه العمدة الإمام، والنخبة القطب الهمام، الذي ما رأى أحد مثله في مصر وشام، وكان مولده ﵀ في ثغر دمياط سنة ستين ومائة وألف حيث كان والده بها يتعاطى التجارة، ولما بلغ رشده، وملك أشده، قرأ على أفاضرض العال ل عصره العلوم النقلية، والعقلية، غب أن حفظ القرآن المجيد وجملة من

стр. 213

الأحاديث النبوية، ونظم الشعر وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وحضر إلى بيروت وطنه الأصلي في سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف، ثم توجه إلى دمشق الشام، ثم عاد إلى بيروت، فأكرهه الأمير يوسف الشهابي على تولية القضاء بها، فقام بأعبائه، ثم استعفى منه لورعه وتقواه، ثم عاد إلى دمشق سنة خمس وتسعين ومائة وألف وسكن في الصالحية، وأقبل على الترقي بهمة قوية، إلى أن صار فرداً يشار إليه، وعمدة في المشكلات يعتمد عليه، وشهد له مشايخه بالفضل، وإنه لما يثنى عليه به مستحق وأهل، وقد أخذ عن العلامة الشيخ مصطفى الصلاحي، وشرح له شيخه المرقوم بديعيته المشهورة، وله كتب في كل فن ورسائل، هي لوصول مطالعها إلى المقصود طرق ووسائل، منها الشرح الجلي على بيتي الموصلي، ومنها كتاب في اقتباس آي القرآن، ومنها مؤلف باسم سليمان، وشرح قصيدة سيدي الشيخ محي الدين العربي، وله مقامة تشهد بعلاه، وتقضي لمطالعها بأن يعترف لمنشئها بأنه قد جمع ما تفرق من الفضل وحواه، وقد أحببت أن أثبتها في هذا المكان، لتكون للواقف على تلاوتها جالبة للسرور ومذهبة للأحزان، وليعلم الإنسان فضل منشئها وفضل ممدوحه عبد الرحمن أفندي العمادي المرادي العلامة الإمام، والفهامة الهمام، فأقول ذاكراً لها بتمامها، بنثرها ونظامها. بسم الله الرحمن الرحيم حمداً لمن خلق العناصر، وجعل لكل منها فضلاً تعقد عليه الخناصر، وصلاة وسلاماً على الجوهر الفرد الذي منه عرض العالم، ومن هو في

стр. 214

الدارين سيد بني آدم. وعلى آله وصحبه. ومن تعلق بحبه. ما اكتحلت عيون الطروس بمراود الأقلام. وقلدت نحور الدروس بعقود ألفاظ العلماء الأعلام. وبعد فإن الفكر والخيال. دخلا بي إلى رياض ضاع زهرها فنم عليه النسيم ودار عليه الماء الزلال. أكلها دائم وظلها. كأنما قابلت مرآتها جنة النعيم فانطبع فيها مثالها وشكلها. فتلقتنا عوديات طيورها بالصدح. ومجامر كمائم ورودها بالنفح. وزهرها بثغر باسم ونهرها بقلب صافي. وأدواحها ببسط بساط البسط من ظلها الضافي. وقامت لنا الأشجار على سوقها. وسفرت لنا عرائس الورود على لثام غبوقها. وأدارت علينا سلاف طلها كؤوس الزهور. قبل أن ترشفه شمس البكور. وحيتنا راحة الراحة والسرور. بأصابع المنثور. وغنت لنا مطوقات شواديها على العيدان. وأعربت وهي عجماء بفنون تمايلت لها قدود الأفنان. حتى لو سمعها ركب العشاق. على النوى لنسي الحجاز والعراق. وتمنى الدخول لذلك البستان. ورقصت بين أيدينا جواري الماء. وظهرت مع وجود شمولنا وبدورنا نجوم النبات حتى ظنناها نجوم السماء. ولاح لنا عارض الغيث وشارب الآس فاذكر العيش السالف. وطاف النسيم بكعبة صفانا طواف القدوم فما كان ألطف ذلك الطائف. غير أننا كنا نسمع محاورة. ضمنها منافرة ومحاضرة. فسألنا الرياض عن جلية الأثر. فقالت سلوا النسيم فقد أصبح عند النسيم الخبر. فوجهنا وجه السؤال الوسيم. إلى قبلة النسيم. فتدلى وتدلل. وما ألطف النسيم إذا تعلل، ثم مر بنا مقبلاً ومقبلا، وكلما مر حلا، وقال يا أهل الفراسة والسياسة، والفتوة والمروءة والحماسة، إنها منافسة بين الماء والهواء أوجبها حب انفراد كل منهما عن صاحبه بالرياسة، فهل تنعمون بحضورهما لديكم، ومثولهما بين يديكم، ليعرض كل ماله من حسن الأوصاف، وتحكموا بينهما بالعدل والإنصاف، فقلنا لا نكره ذلك ولا نأباه، فهلم بهما إلينا

стр. 215

لنرفع ما بينهما من الاشتباه، فشمس الحق لا يحجبها حجاب الباطل، وهيهات تكتم في الظلام مشاعل، فلم يزل الحق أبلج، والباطل لجلج، وحسبك قول خالق الخلائق، " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق "، فعند ذلك سرى النسيم إليهما مسرى النوم في الأجفان، والروح في الأبدان، والراح في الندمان، فأتى بهما وهو يتبسم ويتنسم ويتسنم، فحيا كل منهما وبيا وسلم، فقلنا: وأنتما حييتما ما عطس الفجر ودب الظلام، فإنكما أعظم دعائم الجماد والنبات والحيوان والإنسان، وأنتما الشقيقان اللذان لم يوجد لهما ثالث في عالم الإمكان، فهل ولج بينكما ذو نفاق، حتى صدر منكما هذا الشقاق، أو ذلك من دسائس النفس الأمارة، ووساوس تلك العدوة الغدارة الغرارة، التي لا تأمر إلا بالشر ولا تصبو إلا إلى الضر، كيف لا وهي عروس إبليس، ومصدر أفعال التدليس والتلبيس، أعدى العدى، وسبب الردى، قال لها الحق أقبلي فأدبرت، وأعرضت عن جانبه واستكبرت، حتى ألقاها في الجوع، وألجأها به إلى الذل والخضوع، فالشر في إهمالها، والخير في إعمالها وإذلالها، فمن أطاعها ندم، ومن عصاها سلم، ومن قهرها بالجهاد فهو بطل، ومن ملكها من مدينة جسمه خرب نظام إنسانيته وبطل، فالرأي للعاقل أن يحذر مكرهاً، ويخالف أمرها، لاسيما إن أمرته بقطع رحم القرابة والأرب، أو رحم الصحبة أو الحرفة التي كل منها لحمة كلحمة النسب. والمرء قليل بنفسه كثير بالإخوان، والرحم مشتقة من الرحمن، ولهذا يصل من وصلها، ويفصل من فصلها، وخير الناس من جنح إلى الصلح، ولم يداو جرحاً بجرح، كما قال الشاعر:

стр. 216

داوي جوى بجري وليس بحازم ... من يستكف النار بالحلفاء وقال آخر: من يشف من داء بآخر مثله ... أشرت جوانحه من الأدواء وقال آخر: وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما والجزم فيما قاله الشاعر: قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي على أن الدنيا دار زوال، ومنزل ارتحال، ولا يليق بالعاقل أن ينافس فيما يزول، ويوجه وجه آماله ما للفناء يؤول، كما قيل: منافسة الفتى فيما يزول ... على نقصان همته دليل ومختار القليل أقل منه ... وكل فوائد الدنيا قليل ولا يغتر الفتى بقول الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان بل يتأمل قول الآخر: قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق ابقيا ما استطعتما فسيرمى ... بين شخصيكما بسهم فراق ولقد استعاذ النبي ﷺ من جار السوء في دار المقامة، إشارة إلى أن جار الدنيا يتحول عنك أو تتحول عنه، وإنه لا يليق الضجر منه ولا السآمة، ومن المعلوم أن الدنيا إن بقيت لها لم تبق لك، فطوبى لمن جعلها قنطرة لآخرته فمر بها على هذا القصد وسلك، وويل لمن اغتر بسكونها وهي تمر مع السكون كالظل مر السحاب، وظنها

стр. 217

شراباً ولو اختبرها لم يجدها غير آل وسراب، ويا سعادة من أقصر، عندما أبصر، واعتبر لما اختبر، فالدهر أفصح مؤذن بالزوال، وأنصح مؤذن بالارتحال، فلما سمع الماء ما قلناه من الكلام، وتأمل ما فيه من منثور النثر وقلائد النظام، تموج وتأود، ورغا وأزبد، وجرى واضطرب، وعبس بعد القهقهة وقطب، وقال يا معشر الأكابر، أما بلغكم قول الشاعر: إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً ... فلا رأي للمضطر إلا ركوبها وقول الآخر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند وقول السفاح وهو أول من وطد الخلافة العباسية حين قتل بنو عمه بني أمية نفلق هاماً من رجال أعزة ... علينا وإن كانوا أعق والأما أما عرفتم أن الأخ المعاند، كالعضو الزائد، يشين الذات، ويمنع اللذات، فقطعه من الرشد، وإن آلم الجسد، هذا ولا يغر الهواء صفائي فكم تكدرت، ولا يثق بسلاستي فكم انعقدت واستحجرت، والذي جمعت في صفاتي الأضداد، كما قال الشاعر وأجاد: أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام وحسبك ما قاله الشاعر: كالماء فيه الحياة والغرق، فإن زعم الهواء إن له علي فضيلة، فليعرضها على أسماعكم غير متعلل بعلة ولا متحيل بحيلة، فقلنا نعوذ بالله من اجتماع النفس والهوا، فمن رام منكما أن يتكلم فليجعل منبر الفخر له مستوى، فعند ذلك ثار الهواء وله غبار، وصعد منبر الفخار، وقال الحمد لله الذي رفع فلك الهواء، على عنصر التراب والماء، ونفخ في آدم من روحه وعلمه جميع الأسماء، أما بعد

стр. 218

فمن عرفني فقد اكتفى، ومن جهلني فسأبدو له بعد الخفا، أنا الهواء الذي أؤلف بين السحاب، وأنقل ريح الأحباب، وأهب تارة بالرحمة وأخرى بالعذاب، نصر الله بي محمداً وصحبه الأمجاد، وأهلك الله بي قوم عاد، وأنا الذي تم بي ملك سليمان، وأجرى الماء في خدمتي بكل مكان، وسير بي الفلك في البحر كما تسير العيس في البطاح، وأطار بي في الجو كل ذات جناح، وأنا الذي ألعب بالطرر فوق الغرر، كما العب بلحى الجبابرة من البشر، وأنا الذي يضطرب مني الماء اضطراب الأنابيب في القناة والثعبان في الشعبان، وأنا الذي أميل قامات الأغصان، وأدني عارض الغيث وعذار الآس من خد الشقيق وشارب الريحان، إذا صفوت صفا العالم وكان له نضرة وزهو، وإذا تكدرت انكدرت النجوم وتكدر الجو، لا أتلون مثل الماء، المتلون بلون الإناء، لولاي لما عاش كل ذي نفس، ولولاي لما طلب الجو من بخار الأرض الخارج منها ما احتبس، ولولاي لما تكلم آدمي ولا صوت حيوان، ولا غرد طائر على غصن بان، ولولاي ما سمع قرآن ولا حديث، ولا عرف طيب المسموع والمشموم من الخبيث، فكيف يفاخر بي الماء الذي يشبه الله به الدنيا البغيضة، التي لا تعدل عنده جناح بعوضة، وأنا الذي أطير بلا جناح إلى جميع الجهات، وهو الذي يخر على وجهه ويمشي على بطنه كالحيات، وحسبي وحسبه هذا التفاوت العظيم " أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم "، وحسب الاء ذماً خلوه من الحرارة المشتقة منها الحرية، وكون الرطوبة فيه طبيعية غريزية، وأنا الذي سلم قلبي من القلب وإن كان من أحرف العلة، وهو الذي قلب الله قلبه، لتحركه وانفتاح ما قبله، وأنا الذي جعلني الله نشراً بين يدي رحمته، وجعل مني طوفاناً استأصل به ما تركه

стр. 219

آدم من ذريته، هذا وما خصني الله به من المزايا يعجز عنه فم الدواة ولسان القلم وصدر الرقيم، وفوق كل ذي علم عليم، وأما أنت فحسبك عيباً قول بعض الأدباء، فلان كالقابض على الماء، وبالله قل لي أي فخر لمن يعز مفقوداً، ويهون موجوداً، ومن إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرك نتنه، ومن نبع من الصخور، ومر مذاقه في البحور، وشرق به شاربه، وغرق فيه مجاوره ومصاحبه، وعلت فوقه الجيف، وانحطت عنده اللآلىء في الصدف، وقد بان الصحيح من السقيم، والمنتج من العقيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. ثم انحدر من منبره، ووعينا ما سرده من مفخره، وقال للماء، هات يا أبا الدأماء، فعلا الماء بموجه، حتى صعد إلى ما انحط عنه الهواء من أوجه، ولولا الأرض تملكه لسال، لكنه تجلد وأقبل علينا وقال، الحمد لله الذي خلق كل شيء، وجعل من الماء كل شيء حي، أما بعد فقد سمعت جعجعة ووعوعة ظننتها صرير باب، أو طنين ذباب، باطل في صورة حق، وسراب إذا تأملته زال وانمحق، فاسمع أيها الهواء ما أتلوه من آيات فخري الشامل، وما أجلوه عليك من عقد فضلي الذي أنت منه عاطل، " وقل جاء الحق وزهق الباطل "، اعلم أولاً أن الدعوى قبيحة، وإن كانت صحيحة، كما قيل: وما أعجبتني قط دعوى عريضة ... ولو قام في تصديقها ألف شاهد فكيف إذا كانت بالزخارف مموهه، فهي أقبح من الخلقة المشوهة، ولعمري لا يروج الدرهم المغشوش، وإن أحكموا فيه أنواع النقوش، لاسيما إذا كان الناقد بصير، ولا ينبؤك مثل خبير، هذا وقد سردت

стр. 220

ما زعمته فيك من الخصوصيات على سبيل المفاخرة والمباهاة، وأنا أقول ما من الله به علي على سبيل التحدث بنعمة الله، فأقول أنا مخلوق ولا فخر، وأنا لذة الدنيا والآخرة ويوم الحشر، وأنا الجوهر الشفاف، المشبه بالسيف إذا سل من الغلاف، وقد خلق الله مني جميع الجواهر حتى اللآليء في الأصداف، أحيي الأرض بعد مماتها، وأخرج منها للعالم جميع أقواتها، واكسو عرائس الرياض أنواع الحلل، وانثر عليها لآلىء الوبل والطل، حتى يضرب بها في الحسن المثل، كما قيل: إن السماء إذا لم تبك مقلتها ... لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر وأنا الذي أقتل العجوز، وأذهب حرارة آب وتموز، وقد أفتاني الأفاضل، أن من دخل علي من باب المفاخرة أنه لا يجوز، فكيف ينكر فضلي من دب أو درج، وأنا البحر فرعي وفي المثل حدث ولا حرج، وأما أنت أيها الهواء فكم ذهبت فيك نصائح النصاح، كما قال ابن هرمة: وبعض القول يذهب في الرياح ولعمري أنه لا يفي قبولك بدبورك، ولا تقوم جنتك بسعيرك، ولطالما أهلكت أمماً بسمومك وزمهريرك، فكم تواتر عنك حديث تشمئز منه النفس وتمجه الأذن، وحسبك من العناد أنك تجري بما لا تشتهي السفن، وأنت المولع برقص الجواري كفعل الفساق، وأنت الذي تهيج التراب وتغري النار بالإحراق، كما قال فيك ابن الرومي: لا تطفين جوى بيوم إنه ... كالريح يغري النار بالإحراق ومن عيوبك أنك لا تسكن ولا يقر لك قرار، ولم تفهم الإشارة في قوله تعالى " وله ما سكن في الليل والنهار "، وقد ضربت للعرب بعدم استقامتك الأمثال، كما نقله عنهم أصحاب القصص فمن ذلك قولهم: إن ابن آوى لشديد المقتنص ... وهو إذا ما صيد ريح في قفص

стр. 221

وأما قولك لولاي لما عاش إنسان، ولا بقي على أرض حيوان، فجوابه لو شاء الله لعاش العالم بلا هواء، كما عاش عالم الماء في الماء، ولم لا قلت أن غالب هلاك كل ذي روح من الوباء، وأنه لولا الرطوبة التي اكتسبتها أنت مني بالمجاورة، لاحترقت أنت فضلاً عن العالم لمجاورتك لطبيعة النار الحارة، فعلم بهذا أن حرارتك عرضية، لا أنها فيك طبيعية، ولو شئت لافتخرت عليك بالحرارة التي تعرض لي من النار والارتماض، ولكن لا يليق بالعاقل أن يفتخر بالإعراض، لأن العرض لا يبقى زمانين، كما برهن على أنه لا ينتقل إلى مكانين، وما الافتخار بشيء سريع الزوال، أو بعرض ليس لطبيعة الشخص عليه انجبال، قال الشاعر: واحق من نكسته ... بالذل من درجاته من مجده من غيره ... وسفاله من ذاته ولذلك قيل: لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً على الأحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا وأما قولك إن طبيعتي الرطوبة فذلك أعظم فخري، لأن الرطوبة مادة الحياة التي في الأجسام تسري، إذ الحرارة بمنزلة النار في الأبدان، والرطوبة لها بمنزلة الأدهان، فإذا خلص الدهن انطفأ السراج، وزال ما فيه من النور الوهاج، وأما تعييرك لي بأني متلون، فالتلون صفة عارف الزمان، المتخلق بقوله تعالى " كل يوم هو في شأن "، وأما قولك قلبي قد انقلب، فالحمد لله الذي قلبه لأعلى الرتب، لأنه كان آخر الحروف فصار أولها، وكان مفضولها فصار أفضلها، إذ الألف تدل على الذات الأحدية، والباء تشير للحقيقة المحمدية، فكل الأحرف من الباء،

стр. 222

والباء إذا فنيت صورتها، وتعينها ونقطتها، كانت عين الألف بلا مراء، وأما قولك إن في حرف علة، وإنني منسوب بوجوده في إلى الذلة، فلا يليق أن تعيبني في شيء أوجد الله فيك مثله، وهب أنك خلوت منه فهل تخلو من قول الأطباء فيك أنك أساس كل علة. وأما قولك إن الله شبه بي الدنيا فقد شبه فيك أفئدة الكفار، وجعل زمهريرك سعيراً في النار، فأنت المذموم مقصوراً وممدوداً، إن مددت كنت جباراً عنيداً، وإن قصرت كنت إلهاً معبوداً، وأنا الذي لا أتغير بالمد ولا بالجزر، وكيف يتغير من هو مادة البحر، وأما افتخارك برفعة المنازل، وعدك ذلك من أعظم الفضائل، فلا فضيلة للشخص بالمكان ولا بالزمان كما قال الشاعر الملسان: ولو كان المكان له علو ... لطار الجيش وانحط القتام وقال الطغرائي: وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل هذا وأنشدك الله أينا كان عليه عرش الرحمن قبل خلق العالمين، وأينا الذي جعل منه كل شيء حي وذكره بذلك في كتابه المبين، وأينا الذي بعث فيه ابن عباس إلى ملك الروم في قارورة كان أرسلها إليه مع بعض الجنود، وطلب منه أن يضع له فيها كل شيء والشيء عندنا هو الموجود، أما كفاك شهادة الله لي بالطهورية في قوله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء طهوراً، لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً "، أما بلغك شهادة الله ببركتي وحسبي بها فخراً في طول البلاد والعرض، حيث قال في كتابه العزيز: " وأنزلنا من السماء ماء مباركاً فأسكناه في

стр. 223

الأرض "، أما رأيت ما حباني الله به من عظيم المنة، حيث جعلني الله نهراً من أنهار الجنة، أما علمت أن مني حوض من كان إذا مشى في الشمس تظله الغمامة، أما تيقنت أنني نبعت من بين أصابعه فكنت له معجزة كما أكون لوارثي مقامه الرفيع كرامة، أما عرفت أني أرفع الأحداث، وأطهر الأخباث، وأجلو النظر، وأكون للمؤمنين في الآخرة نوراً في محل التحجيل والغرر، أما رأيت الناس إذا غبت عنهم يتضرعون إلى الله بالصوم والصلاة والصدقة والدعاء، ويسألونه تعالى إرسالي من قبل السماء، واعلم أنني ما نلت هذا المقام الذي ارتفعت به على أبناء جنسي، إلا بانحطاطي الذي عيرتني به وتواضعي وهضم نفسي، وأنا لا أحب المعالي، وأنا سلم للمحل المنخفض، وحرب للمحل العالي، لا أتجاوز حد العبيد، ولا أنازع فيما أختص به من الصفات التي لا تغني ولا تبيد، بل أخشى دائماً بطشه، وأستحضر قوله تعالى: " إن بطش ربك لشديد "، فلذلك باعدني الله من النار، وجعلك حجاباً بيني وبينها أتقي بك ما تطاير منها من الشرار، وقد علم كل عالم أن فضائلي تجل عن الحصر، وأني سيد العناصر ولا فخر، أقول قولي هذا وأستغفر الله من لغو الكلام، وأسأله لي ولأحبابي حسن الختام. ثم نزل والتمس منا أن نحكم له بالفضل على الفور، وأن نجانب في حكمنا الميل والجور، فقلنا له بأن كلاً منكما أدلى إلى الفضل بحجة، وسلك من الدلائل العقلية والنقلية أوضح محجة، غير أن تكافؤ الأدلة، غدر منا الأفكار مضمحلة، وقد عجزت عن ترجيح فضلكما الأفكار، كما عجز القاضي الأفعى عن الحكم لأبناء نزار، وليس لهذه المعضلة، والحادثة

стр. 224

العظيمة المشكلة، إلا الكبار لا الهمج الرعاع، كما قيل: إن الكبار أطب للأوجاع، قال بعضهم: إن العظيم يحمل العظيما ... كما الجسيم يحمل الجسيما ولعمري ليس لها غير إمام عصرنا، وعزة شامنا ومصرنا، المجتهد الذي قلد ببره أعناقنا تقليدا، وأخجل لطفه غض الزهر فلنستر بأكمامه حتى رأينا في خدوده توريدا، أعظم الموالي قدرا، وأعلاهم نجرا، وأرحبهم صدرا، وأكثرهم برا، وأنقذهم نهياً وأمرا، وأعد لهم نحيزة، وألينهم شنشنة وغيرزة، ذو اليدين، الذي كأنه ذو الخلال أو ذو النورين، من لو رآه ذو الجناحين لطار فضله، أو ذو البطين لمال لبذله، أو ذو الأذنين لروى أحاديث شمائله الملاح، أو ذو الهلالين لقال إنه الشمس وغرة الصباح، صاحب الطالع السعيد، الجاري سبب كفه على الصعيد جري السعيد، الجواد المذهب غلة الجواد، من برز في ميدان الفضل وأبرز، وحوى قصبات الرهان وأحرز، وزركش تاج المجد وطرز، المحسود، المحشود، رشيد الموالي وعين أمينها، وأبو عذرة المروءة وابن مدينها، والمتقلد من فرائد المحامد بثمينها، خلاصة العباد من العباد، وثمرة دوحة روض الحقائق من آل مراد، من فضله الجوهر الفرد عند كل منصف وعندي، جناب مولانا وسيدنا عين أعيان الموالي الكرام السيد عبد الرحمن أفندي، لا زال وهو البر بحر الجود، ونجم الهدى والسعود، موطىء العقب والأكناف، حامي الذمار والأطراف، منيفاً على آل عبد مناف، ملحوظاً بعين العناية والألطاف، فإنه عذيق الشام المرجب، وروضها المشذب المهذب، ومعشوقها المحبب، وروحها الذي بها قوامها، وسلكها الذي لا يتم إلا به نظامها، فكل من لم يثن إلى قصده العنان كان أشد ندماً من الكسعي، وأخسر صفقة من

стр. 225

أبي غبشان، لأنه لا يصرف الهمة، لدني الهمة، ولا تبصر منه إلا رؤبا كالنجم في الدآدىء المدلهمة عنه الحجنة، أعظم هجنة، وخلف الوعد، خلق الوغد، وعدم الجود بالموجود، من سوء الظن بالمعبود، له توكل الطير، وعنده لا سرف في الخير، يحب المحاسنة، ويكره المخاشنة، ويحاشي مجلسه من المحاشنة، فيا له من جواد واسع المجسة، لا يرتاع من المحسة، ونجيب لا يقعقع له بالشنان ولا ينبه بطرق الحصى وهل ينبه اليقظان، وإن تأملت عزمه ولحظه، تحققت أنه أسد بيشة ولحظه فمن باراه فقد ماقس حوتا وصارع ضرعاماً، وقاوم بالهراوة عضباً حساماً، ونضح بقرنه المقطم، ورام أن يحكي بسرابه البحر الغطمطم، ولم يعلم أن بيت القدس، غير بين الغدس، وأن بقيع الغرقد، غير رقيع الفرقد، وأن شجر المرخ، غير شجر الورخ، وأن الزنبور

стр. 226

غير البازي وإن شاركه في الخفق والطيران، وأن ورد السلم غير ورد البستان، ولله در من قال: قد يبعد الشيء من شيء يشابهه ... إن السماء شبيه البحر في الزرق ومن قال: وقد يتقارب الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدان فإن يفق الأنام وذاك منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال كما قلت فيه: لا غرو لابن المرادي ... وذاك شمس المواكب إن فاق كل الموالي ... فالشمس بعض الكواكب فهلم للوفود عليه، والمثول بين يديه، فهو الذي يستنبط المسائل ويرضى بفضله وبذله كل مسائل، وإن لم يكن غير مكارمه إليه وسائل. فلما سمع الماء والهواء بمعروف ذلك الحبيب السري، والإمام الهمام العبقري، تعشقاه على السماع، وطلبا منا المبادرة إلى جنابه ليبلغا منه حظ الاجتماع، فسرنا بهما إلى جنابه، حتى بلغنا فسيح رحابه، وكحلنا الجفون بإثمد أعتابه، فصادف دخولنا خروج كعبة ذاته من حرم الحرم فكأنما خرج الورد من الأكمام والليث من الأجم، فنهضنا له على الأقدام، وحيانا بألطف سلام، وتسلم سلم قصره الفريد، وأشار إلينا أن نتبعه في الصعود إلى ذلك القصر المشيد، فرأينا قصراً ينسب الخورنق للقصور، ويغمد غمدان كما تغمد في أجفانها الذكور، وما بالك

стр. 227

بقصر شهدت فضلاء الأكياس، بأنه جمع محاسن الدنيا كما جمع صاحبه محاسن الناس، فكنا كما قال القاضي الفاضل: فتمتعت آمالي بمولى هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر ثم أمر لنا بالجلوس، هذا وعطف كل منا من الطرب ينوس، فأقبلت علينا ذات الدولة وبنت الوجاق، التي كلما مرت حلت، وكلما ثقلت خفت، على كل من رشف منها وذاق، السمراء المعشوقة، المقبولة مشروبة ومرثية ومنشوقة، بنت اليمن واليمن، ذات الجمال والحسن، كسواد العيون تظهر للنا ... س سواداً وفي الحقيقة نور التي أرخصت الغالية وكانت ندها، وملكت عنبر الطيب فأصبح يقول لا تدعني إلا يباعدها، وغارت بكر السلاف حتى اصفرت من غيرتها، وأصبحت عجوزاً شمطاء ما رآها راء إلا وقد طاب وجهه من قباحة صفرتها، وأين بنت الحرام من بنت الحلال، وأين جونة المسك من قوارير الأبوال، فأخذنا تلك البنية بالنية الصافية، وشربناها فقامت بها دعائم العافية، ولم نزل نرشف منها ذوب المسك ومحلول السبج، حتى جاءتنا قصبات السبق للسرور تنادي ما على من أحرز قصبات السبق وتاه من حرج، فيا لها قصبات تدهش الأبصار، كأنها أغصان بان في طرف كل غصن زهرة من جلنار، وقد اشتمل مجلسنا على كل نديم له صورة الدمية ونفحة الريحانة، ونشوة السلافة ولطافة الدرة اليتيمة والجمانة،

стр. 228

أديب ألمعي، كأنه الأصمعي تراه الكامل في الأدب، والعمدة في كل مطلب، يأتيك من البديع بما يخجل ربيع الزهر وزهر الربيع، يثمر المسامرة ويحضر المحاضرة، ويتقن المحاورة، ويحسن المجاورة، يبادهك بما رق وراق، ويجلب لك الغصن من أزهار الأفكار وثمرات الأوراق، يجود على السمع بما يطلب القلب من الاقتراح، ويجلو عليك من راح ملحه ما يوجب لك الراحة والارتياح، كما قيل في أمثالهم: لنا جلساء لا يمل حديثهم ... الباء مأمونون غيباً ومشهداً إذا ما خلونا كان حسن حديثهم ... معيناً على نفي الهموم ومسعداً يفيدوننا من علمهم علم من مضى ... وعقلاً وتهذيباً ورأياً مسدداً ولا غيبة نخشى ولا سوء عشرة ... ولا نتقي منهم لساناً ولا يداً وما زلنا نقتطف منهم زهور الآداب، ونخترف ثمار الألباب، وهم يمزجون جدهم بالمفاكهة والمداعبة والمباسطة، ويزهو كالعقد وصاحب المنزل لهم كالواسطة، ومجلسه يحتفل بالوافدين، ويغص بالواردين، وهو يخاطب كلاً على حسب قدره وعقله، ويتحف كل من له وطر بقضاء وطره، ولا يتعلل كغيره بشغله، حتى أقبل ملك الليل بسواده الأعظم، ونثر على الأفلاك جواهر النجوم التي كأنها العقد المنظم. هذا ونحن في فلك السعود، كواكبنا وسماؤنا دخان العنبر والعود، وقد أشرق بدر تلك المنازل بالنور والكمال، وأشرف علينا بجبين لطيف رأينا عليه الهلال، وشنف بدر منطقه منا الأسماع، حتى خيل لكل منا أنه جليس القعقاع، وما زلنا في ليلنا نجمع عقود السرور كأنها فذلك، ونتمتع بنعيم لو

стр. 229

سئلنا عن أنفس أعمارنا فذلك، حتى نبذ الله الكرى في هامة منا وراس، فأسكرتنا سنة النوم والنعاس، وهجم علينا ملك الكرى، وقد كاد أن يشيب عارض الليل مما سال من دمع الشمع وجرى، وعند ذلك طوينا من المنادمة بساطها، وتفرقنا تطلب كل نفس منا راحتها وانبساطها، ثم اضطجعنا على الوساد للرقاد، وأعطينا الجفون حقها من الإغفاء بعد السهاد، ولم نزل في ضيافة المنام، تقربنا أياديه السرور في الأحلام، حتى لفظ الشرق من لهواته ياقوتة سهيل، ودب مشيب الفجر في عارض الليل، فنهضنا للصلاة، وجلس كل منا بعدها في مصلاه، حتى طلعت شمس صاحبنا الفائق، على الصاحب ابن عباد، فنفذ شعاعها من ظواهرنا إلى كل قلب منا وفؤاد، ثم دخلنا عليه وسلمنا ودعونا له بطول البقاء، فأجاب وأجاد وأجاز وتلقانا أحسن اللقاء، ثم جاءت القهوة التي طابت منظرا، ومخبراً وذوقاً وشما، ثم جيء بقصبات التبغ فارتضعنا منها كل ثدي يلذ دره ريحاً ولونه وطعما، فلما استوفينا أوفر حظ، وخلا مجلسنا من كل بارد ثقيل فظ، وشرب ذلك البحر المحيط بالفضل غليونه، وأراد أن يلقي علي لكوني من الساحل بعض درره الثمينة، بادرته بالدعاء، وعرضت عليه مفاخرة الماء والهواء، وسألته فصل الخطاب، والإنعام بالجواب، فالتفت عند ذلك للماء وأخيه، وقال: إن كلاً منكما محق فيما يدعيه، فما أشبهكما بالسماء بالفرقدين، وفي الأرض بالعينين، ففضلكما معجز، لا يكاد يميز أحدكما عن أخيه مميز. وقد نفع الله بكما العالم على تباين أنواعه وأشكاله. وقد ورد أن الخلق عيال الله وأن أحبهم إليه أنفعهم لعياله، فلا تشتغلا بالمفاخرة عن شكر هذه النعمة، واعلما أن حب الفخار أهبط إبليس إلى حضيض اللعنة من أوج شرف الرحمة، فلا تجعلاه لكما إماماً، فمن يفعل ذلك يلق أثاماً، واعلما أن الفخر في الدنيا بالمال، وفي الآخرة بالأعمال، وأحسن

стр. 230

الافتخار الافتقار، وظهور الذل والانكسار، فقد قال من سال بين أصابعه الماء المنهمر، الفقر فخري وبه أفتخر، فمن كان عبداً لله كان له به الافتخار، لا من كان النفس أو الهوى أو الدرهم أو الدينار، فمن مناجاة علي كرم الله وجهه وزاده منه قرباً: سيدي كفانا شرفاً أن نكون لك عبيداً، وكفانا عزاً أن تكون لنا رباً، وللقاضي عياض ومما زادني شرفاً وتيهاً ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيرت أحمد لي نبيا على أن مرآة الحق أرتني فضيلة تفضل بها أيها الماء أخاك الهواء، وحققت لي أنكما لستما في الفضل سواء، وهي أن الله خلق آدم من الماء وخلق منك إبليس، فاعترف لأخيك بالفضل عليك، ودع عنك زخارف التلبيس، فأكبر من الحق من قبله، وأصغر من الباطل من عمله، والتذلل للحق أقرب من التعزز بالباطل، وأعظم الزلات زلة العاقل، فعند ذلك عدل الهواء عن هوجه واعوجاجه، ومخاصمته وعلاجه، وأقبل يقبل ذيل الماء ويعتذر إليه، من استطالته عليه، وأقبل كل منهما على صاحب المنزل يؤدي بالدعاء له حقوقه، حيث سلك بكل منهما مجاز الطريقة والحقيقة، وسألاني أن أمدح جنابه عنهما بطريق النيابة ففتح الله لي من النظم بابه، فأنشأت أقول: عارضت قوماً عن ودادك أعرضوا ... وتركتهم إن صرحوا أو أعرضوا من كل ذي ملق له إن جئته ... نفس مذبذبة ورأس منغض يلقاك منه عند أول رؤبة ... جسم صحيح فيه قلب ممرض يحكي ثعالة وهو في روغانه ... والحية الرقطاء حين تنضنض

стр. 231

قد طنب الأندال في ساحاته ... بل أطنبوا وبنو المكارم فوضوا ويقيم منه على ودادك حجة ... ويظن جهلاً أنها لا تنقض يا أيها الراجي لخلب برقه ... خذ بالأصول ودع عوارض تعرض فلقد رجوت من التيوس حلوبة ... ومخضت ماء مثله لا يمخض تالله لو أني فرغت لثلبهم ... بالفكر واستنهضت ما يستنهض لسللت سيف الهجر حتى أنني ... لم يبق في كفي إلا المقبض لكن أبى طبعي الطهور لأنه ... يوماً برجس صفاتهم يتمضمض وشغلت من هجوي بمدحة سيد ... لمديحه يلغى المهم ويرفض من بات للرحمن عبداً كله ... وسواه عبد في العبيد مبغض نجم أدارته السعود على ذرى ... قطب تراه عن العلا لا يقرض شيخ الحقائق بل مراد الهنا ... من خلقه الناهض المستنهض فلأمدحن جنابه بجوارحي ... وجوانحي سخط الحواسد أو رضوا وبظاهري وبباطني وبكل من ... بت شعرة وبكل عرق ينبض فالمدح يكره للفتى في كل ذي ... بخل وأما في علاء فيفرض فهو المحبب للقلوب وغيره ... أبداً وإن راق العيون مبغض شهم إذا أبطأت عنه جاءني ... من فيض راحته نوال مفوض من لم يرش بالجود منه جناحه ... كرماً فذاك إلى العلا لا ينهض ما ساءني دهري بوجه أسود ... إلا بدا لي منه وجه أبيض بر يريك خضم بحر زاخر ... فالحلم منه كالندى يتفضفض إن ليم زاد على الملام كأنما ... هو بالملام على النوال يحرض عجباً لقوم أبصروه شمسهم ... فتطاولوا لمناله وتعرضوا ورأوه ملء صدورهم وعيونهم ... كالليث في صدر المجالس يربض فتحوا لأقوال الوشاة عيونهم ... جهلاً وعن بادي المزايا غمضوا

стр. 232

فليكفهم ذلاً وخزياً إنه ... بحر وإن هم في نداه خوضوا ندب فأما عرضه فموقر ... أبداً وأما ماله فمعوض لله فوض أمر دنياه وهل ... يلقى العنا عبد إليه مفوض يا وابلاً كل الأنام رياضه ... فمذهب هذا وذاك مفضض أصبحت نفعاً للأنام وبعضهم ... لأذى البرية والبري مقيض فلغير ذاتك لا تتم فضيلة ... ولغير مدحك لا يشد المغرض لا زلت في العز الذي لا ينقضي ... ومشيد المجد الذي لا ينقض ما أحمد البربير عاش بمدحكم ... طرباً ومات به العدو المبغض ثم رجعت بعد إنشادي من عالم الخيال إلى عالم الإحساس، فلم أر أحداً ممن رأيته من تلك الأنواع والأجناس، فعلمت أن الدنيا كلها خيال، وبرق خلب وآل، والناس كلهم نيام، وما يرونه في الدنيا أضغاث أحلام، فسألت الله أن ينبهني وأحبابي من نوم الغفلة قبل هجوم الحمام، وأن يمتعنا بوجهه الكريم في دار النعيم والسلام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله على التمام. وله تأليفات كثيرة، عديدة شهيرة، وله ديوان شعر، رفيع القدر، توفي بدمشق عقيماً ليلة الخميس لثماني عشرة ليلة من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائتين وألف ودفن بسفح قاسيون في مدفن بني الزكي في جوار الشيخ الأكبر. ومن قوله أيضاً: سلبت فؤادي بالبها حبشية ... أبهى من الدينار عند الرائي إن غبت من وجدي أقول لصاحبي ... غلبت علي حرارة الصفراء

стр. 233

وقال: لنا طبيب جاهل ... تحكي القرود سحنته إذا رأى قارورة لل ... مريض هز لحيته وقال: زرقة النيل في يدي من سباني ... بقوام يفوق سمر الرماح مثل فيروزج السماء تبدى ... بسنا الفجر في عمود الصباح وقال وقد أجاد: ما لاح ريحان العذا ... ر وآسه من فوق ورده بل ذاك مخضر السما ... ء يلوح في مرآة خده الشيخ أحمد بن إسماعيل بن الشهاب أحمد المنيني بن علي ابن عمر بن صالح بن أحمد بن محد بن سليمان ابن إدريس بن إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم الطرابلسي الحنفي الدمشقي الشهير بالمنيني. اللوذعي الإمام، والألمعي الهمام، المحقق الفاضل، والمدقق العالم العامل، ولد في النصف الثاني من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين ومائة وألف، واشتغل في طلب العلوم، على فضلاء دمشق، حتى برع في منطوقها والمفهوم، ومن جملة من قرأ عليه، وحصل له مطلوبه لديه، الشيخ نجيب القلعي المعروف بأبي حنيفة الصغير، والشيخ محمد بن عمر المنيني، وغيرهم من السادات العظام، والفضلاء الكرام، وكان ذا همة علية، وسخاوة حاتمية، فصيح المقال، مستقيم الأحوال، قد تبسم في دمشق ثغر إقباله، وانقشع ديجور الإدبار عن مشرق سعده وإجلاله، وخطبته المناصب، وأجلسته على منصة المراتب، ولما توفي ابن عمه الشيخ محمد المنيني وانحلت عنه وظيفة التدريس تحت

стр. 234

قبة النسر في جامع بني أمية في شهر رجب وشعبان ورمضان كل يوم جمعة بعد صلاة الجمعة، وجهت على صاحب الترجمة الأهلية لتلك الوظيفة، فباشرها بنفسه مرة واحدة، ثم وكل عنه علامة الزمان الشيخ سعيد الحلبي لعدم اقتداره على القيام بها من مرض أصابه في معدته منعه من ذلك. ولما مات الشيخ سعيد الحلبي جلس في مكانه الشيخ عبد الله بن الشيخ سعيد الحلبي المذكور، ولا زال قائماً بها إلى أن نفي الشيخ عبد الله المذكور إلى المغوصة سنة ألف ومائتين وثمان وسبعين، بسبب حادثة النصارى في الشام، فرجعت الوظيفة إلى ولد المترجم الشيخ محمد أفندي بن أحمد أفندي المنيني مفتي دمشق الشام، فقام بها في نفسه. مات صاحب الترجمة في الحادي والعشرين من شهر المحرم الحرام سنة ست وخمسين ومائتين وألف، ودفن في مرج الدحداح وقبره ظاهر معروف مشهور. الشيخ أحمد بن عبيد الله بن عسكر بن أحمد الحمصي الأصل الدمشقي المولد الشافعي الشهير بالعطار الإمام الصالح العابد، والهمام الجهبذ الزاهد، بقية السلف، ونخبة الخلف، بركة أهل الشام، وعمدة العلماء الأعلام، محدث العصر وفقيهه، وفطن الدهر ونبيهه، الذي شاع صيته في القرى والأمصار، واشتهر قدره كالشمس في رابعة النهار، إمام الشافعية في جامع بني أمية. ولد بدمشق سنة ألف ومائة وثمان وثلاثين، وقرأ القرآن، قراءة إتقان، وتجويد وإحسان، على مقري الديار الشامية الشريف السيد ديب بن خليل تلميذ سيدي أبي المواهب الحنبلي. وقرأه أيضاً وتلقاه بالأوجه السبعة إلى أثناء سورة الأحزاب على الشيخ العلامة علي بن أحمد الكزبري، وتفقه عليه وعلى الإمام السند الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني، والعلامة الشيخ عبد الرحمن الصناديقي، والمولى

стр. 235

الإمام الملا عباس الكردي، والشيخ محمد الديري، والعلامة أحمد البعلي الحنبلي، والشيخ عواد الكردي، والشيخ محمد التدمري، والشيخ محمد سعيد الجعفري، والشيخ محمد بن سليمان الكردي، والعلامة التافلاني مفتي القدس، والعلامة جعفر البرزنجي المدني، والعلامة عبد الرحمن الطائفي المكي، والشيخ الجوهري والملوي والحفني، والشيخ عطية الأجهوري، والسيد مرتضى الزبيدي، والشيخ صالح الجينيني الحنفي، والعلامة الشهاب أحمد بن علي المنيني وغيرهم كالشيخ موسى المحاسني، وجعفر البرزنجي، والشيخ عبد الرحمن الكردي، وأبي المعالي الغزي، وعبد الله البصروي. فأدرك من العلوم حظا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظاً، إذا تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم تر أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من حاضرته. فاق في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه: كان يتكلم في التفسير فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويرتوون من بحر علمه العذب النير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، وقرأ بين العشاءين في الجامع الأموي كتباً عديدة، منها الجامع الصغير للأسيوطي والجامع الصحيح للإمام البخاري وإحياء العلوم للغزالي مرتين، وشرع في الثالثة، وقرأ الدر المنثور للسيوطي بعد

стр. 236

الظهر في محراب الشافعية، وغير ذلك، ووجهت عليه وظيفة تدريس السليمانية، وقرأ فيها في صحيح البخاري، وكان مثابراً على أنواع الطاعات والعبادات، وأفعال البر والخيرات، وحج أربع مرات، وارتحل إلى بلاد الروم ومصر، وكان غالب جلوسه في الجامع الأموي، وقل ما رئي إلا وهو يدرس أو يقرأ القرآن أو يصلي أو يسبح، وكان أماراً بالمعروف نهاء عن المنكر، صواماً قواماً قضاء لحوائج الناس، ولما تغلب الفرنج على مصر ومشوا على الساحل ووصلوا إلى صفد وبلاد نابلس عام ألف ومائتين وأربعة عشر شمر عن ساق الاجتهاد، ودعا الناس إلى الجهاد، وحرضهم عليه وخرج مع عسكر من دمشق مجاهداً بنفسه وماله وأولاده حتى التقى الجمعان، وكان هو في الصفوف مقابلاً للعدو وهو يحرض الناس على القتال ويبين ما لهم من الثواب والأجر، ولم يزل على طاعته، وحسن عبادته، إلى أن توفي في اليوم التاسع من ربيع الآخر سنة ثماني عشرة ومائتين وألف وعاش ثمانين سنة ودفن في مرج الدحداح رحمه الله تعالى. الشيخ أحمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن زين الدين ابن عبد الكريم الدمشقي الشافعي الشهير بالكزبري، الإمام الشهير، والهمام النحرير، ولد سنة ألف ومائة وثمانٍ وتسعين، ونشأ بها يتيماً، وكفله عمه شقيق والده العلامة الشيخ محمد الكزبري، وأخذ عنه وعن الشهاب أحمد العطار، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف ودفن في مرج الدحداح. أحمد أفندي بن علي الدمشقي الحنفي المعروف بالحسيبي أحد أعيان الشام، وأوحد الأماجد الأشراف العظام، نبعة المفاخر، وعمدة الأكابر، ونخبة ذوي المآثر، وحاوي المجد والتقدم كابراً عن

стр. 237

كابر، ولد بدمشق سنة ألف ومائتين وست ونشأ بها، وأخذ عن علمائها، ثم ترقى في المناصب، ورقي درج المراتب، إلى أن صار عضواً في مجلس شورى الشام، وكان مهابا، مطاعاً مجابا، وفي ثمان وسبعين ومائتين وألف قد نفي بسبب حادثة النصارى إلى قلعة الماغوصة مع من نفي من علماء الشام وأعيانها، وفي يوم ذهابهم اشتد كرب الناس، وقوي الهم والباس، ونادى لسان الحال بفصيح المقال: خطب كما شاء الإله جليل ... ذهلت لديه بصائر وعقول ومصيبة كسفت لها شمس الضحى ... وهفا ببدر المكرمات أفول وكبا زناد المجد وانفصمت عرى ... العلياء واغتال الفضائل غول وتنكرت سبل المعارف واغتدت ... غفلاً وأقفل ربعها المأهول ومضت بشاشة كل شيء وانقضت ... فالوقت قبض والزمان عليل وعلا ملاحات الوجوه سماجة ... وخفيف تلك الكائنات ثقيل والروض غبر والمياه أواجن ... ومعاطف الأغصان ليس تميل والشمع والألحان لا نور ولا ... طرب وليس على الشمول قبول خطب ألم بكل قطر نعيه ... كادت له شم الجبال تزول فعلى المعالي والعلوم كآبة ... وعلى الحقائق ذلة وخمول والسالكون سطت عليهم حيرة ... وغوى لهم نهج وضل سبيل والعارفون تنكرت أحوالهم ... فحجاب عين قلوبهم مسدول ودنان خمر الحب قد ختمت وبا ... ب الحان مهجور الفنا مملول ما كنت أعلم والحوادث جمة ... والناس فيهم عالم وجهول إن الدجى لبس الحداد توقعاً ... لمصابه قدماً وذاك قليل أو إن صوب المزن حين هما على ... عفر الثرى دمع عليه يسيل أو إن صوت الرعد حنة فاقد ... فقد العلا فله عليه عويل أو إن قلب الرعد يخفق روعة ... لسماع ناع دمعه مسبول

стр. 238

ثم إنه بعد مدة رجع المترجم إلى الشام، وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف توجه إلى الحجاز، فتوفي في الذهاب حين وصوله إلى المدائن في السنة المذكورة، ودفن عند القلعة وقبره ظاهر مشهور، وقد كتب على قبره ما نظمه له أمين أفندي الجندي مفتي دمشق الشام: حل في ذا الضريح عبد تقي ... وحسيب من آل بيت محمد عاش دهراً ومات قاصد حج ... فعلى الله أجره قد تأكد هاتف الغيب قال بالبشر أرخ ... قدست روح ساكن الرمس أحمد وكتب على الوجه الآخر من بلاطه القبر ما نظمه عبد المجيد أفندي الخاني: أيا ركب الحجاز إذا نزلتم ... على ماء المدائن للورود قفوا عند الطلول بنا قليلاً ... نحيي أهل هاتيك العهود هنالك أحمد الشهم الحسيبي ... سليل المصطفى فخر الوجود أهل ملبياً بالحج لكن ... أتته دعوة الرب الودود فقال له البشير اليوم أرخ ... لعمرك قد كتبت مع الوفود أحمد أفندي بن سليمان بن يوسف بن محمد بن شمس الدين محمد ابن يحيى بن أحمد الدمشقي الحنفي المشهور كأسلافه بالمالكي المغربي الأصل، الدمشقي المولد صدر الشام، وعين أعيانها الفخام، ولد بدمشق سنة عشر ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده، واشتغل في طلب العلم مدة ثم دخل في جملة الكتاب في محكمة الباب، ثم ولي بعض النيابات في بقية المحاكم الدمشقية، ثم ترقى وتولى نظارة أوقاف الشام، ونظارة النفوس وغير ذلك، ثم عين عضواً في مجلس شورى الشام الكبير، وتصدر به على غيره. وكان له عند الولاة القبول الزائد، ومهر في أمور المجلس وبرع، وكلما مرت عليه الأيام، يزداد في القدر والاحترام، وكثر ماله وازدادت أملاكه، ثم سنة حضور الوزير إبراهيم باشا المصري إلى

стр. 239

الشام واستيلائه عليها صار مقبول الكلمة لديه، يعتمد في مهماته عليه، وقربه وأولاه، ومنحه التفاته وأعلى علاه، وكان المترجم صاحب مروءة يحب قضاء حوائج الناس وكان مرعي الحرمة مقبول الرجاء، يعرف كيف سلك سبيل مراده، توفي في اليوم الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف ودفن في الذهبية من مرج الدحداح. شهاب الدين أحمد بن محمد نجيب الأيوبي الأنصاري الحنفي الدمشقي هو للدهر حسنة تكفر ما جنى، وللزهر خميلة فيها طل وجنى، توقد في العلوم ذهنه، وتوحد في الآداب وانفرد بين الأنام حسنه، وعلا مقامه وارتفع، وأخذ عنه العام والخاص وبه انتفع، إلى أن طلع في سماء السيادة بدراً، وعرف الناس له جلالة وقدراً، ولد في سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف، وأخذ عن الشيخ إسماعيل العجلوني، والأستاذ الشيخ إسماعيل النابلسي، والشيخ محمد الغزي، والشيخ عبد الله البصروي، والفاضل محمد أفندي قولاقز، والعلامة الشهاب أحمد المنيني، والشيخ محمد الديري، والشيخ الداودي، والشيخ أسعد المجلد، والشيخ أبي المواهب الحنبلي، والشيخ عبد القادر التغلبي المجلد، والشيخ محمد التافلاتي مفتي القدس الشريف، والشيخ عبد الرحمن الكفرسوسي، والشيخ علي الكزبري، والشيخ سعيد الخليلي، والشيخ أحمد الحنبلي، والشيخ أحمد البقاعي، والشيخ موسى المحاسني خطيب جامع بني أمية، وعن حامد أفندي العمادي مفتي دمشق الشام، وعن الملا علي التركماني أمين الفتوى، والشيخ محمد التدمري، والشيخ صالح الجبينيني، وأعاد له الدرس، وغيرهم من السادات العظام والمشايخ الكرام. مات ﵀ سنة أربع عشرة ومائتين وألف ودفن في تربة باب الصغير.

стр. 240

أحمد بن محمد هلال بن أسعد الشيباني الدمشقي إمام الحنابلة في دمشق فرد السادة الحنابلة في دمشق الشام، وأوحد العلماء العظام، الإمام المحقق، والهمام المدقق، أعجوبة الرفاق، ونادرة الوقت والأوان المتضلع في العلوم، والمترفع عن كل قبيح ومذموم، صاحب الاستحضار العجيب، والذكاء الغريب، والفضل الذي لا يملك عنانه، والذهن الذي لا يشق ميدانه، وهو أحد فضلاء دمشق وإمام الحديث بها وبدر سمائها المشرق على أفق مشارقها ومغاربها، ولد بدمشق سنة أربع وستين ومائة وألف، وتوفي ليلة الجمعة مع طلوع الفجر ثالث ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف، وهو عن الشيخ أحمد البعلي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق، ولد سنة ثمان ومائة وألف وتوفي سنة تسع وثمانين ومائة وألف عن علامة الوجود أبي المواهب الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق ولد سنة أربع وأربعين وألف وتوفي سنة ست وعشرين ومائة وألف، عن والده إمام العلماء الشيخ عبد الباقي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق. ولد سنة خمس وألف وتوفي سنة اثنتين وسبعين وألف، عن الشهاب أحمد بن علي الوفائي الحنبلي، ولد سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة، وتوفي سنة اثنتين وسبعين وألف، عن القاضي برهان الدين بن مفلح الحنبلي، ولد سنة ثلاث وتسعمائة، وتوفي سنة تسع وستين وتسعمائة، عن والده نجم الدين بن ملفح، ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة، وتوفي سنة تسع عشرة وتسعمائة، عن جده القاضي برهان الدين صاحب الفروع، ولد سنة ست عشرة وسبعمائة، وتوفي سنة ثلاث وستين وسبعمائة عن ابن تيمية الحنبلي، ولد سنة إحدى وستين وستمائة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ودفن في مقبرة الصوفية في البرامكة.

стр. 241

عن الفخر علي بن البخاري ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة تسعين وستمائة، عن حنبل بن عبد اله الرصافي، ولد سنة أربع عشرة وخمسمائة، وعاش تسعين سنة وتوفي سنة أربع وستمائة، عن أبي علي الحسن بن علي بن محمد التميمي المعروف بابن المذهب، ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وتوفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة، عن أحمد بن جعفر ابن حمدان بن مالك بن شبيب بن عبد الله القطيعي، ولد سنة أربع وسبعين ومائتين وتوفي سنة سبع وستين وثلاثمائة، عن عبد الله بن الإمام أحمد، ولد سنة ثلاث ومائتين وتوفي سنة تسعين ومائتين، عن الإمام الجليل أحمد بن حنبل، ولد سنة أربع وستين ومائة، وتوفي في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودفن في بغداد دار السلام، عن سفيان ابن عيينة، ولد سنة سبع ومائة وتوفي سنة ثمان وتسعين ومائة، عن عمرو بن دينار، ولد سنة ثلاث وأربعين وتوفي سنة ثلاث وعشرين ومائة، عن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي سنة ست وثمانين، عن رسول الله ﷺ . وتوفي المترجم المرقوم في ربيع الأول سنة أربع عشرة ومائتين وألف رحمه الله تعالى. الشيخ أحمد بن الشيخ عبد الله بن الشيخ سعيد الحلبي ثم الدمشقي الحنفي عالم صالح زاهد، وإمام فالح عابد، ولد سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف، وتربى في حجر والده وتفقه عليه وتفنن، وقرأ على غيره حتى برع وفاق وتمكن، ومن مشايخه الشيخ محمد الطنطاوي، والشيخ محمد الجوخدار، والشيخ محمد السكري، ووالدي المرحوم الشيخ حسن البيطار، وغيرهم من العلماء الأعلام، وكان جلوسه في حجرة والده في الرواق الشمالي من جامع بني أمية، يقرىء دروس العلم للطالبين من فنون متعددة،

стр. 242

وكان محبوباً بين الناس مقصوداً في فصل الخصومات، عالي الهمة، حسن العبارة والمعاملة، شريف النفس. وقد ولي بعد فصل إسماعيل أفندي الغزي نظارة جامع بني أمية فانتفع به الجامع غاية النفع، وفي زمنه غير بلاط الجامع والبسيط الذي في منارة العروس بحساب ورسم شيخنا الشيخ محمد الطنطاوي على نسق بسيطة ابن الشاطر التي كانت في موضع البسيطة الآن، وكان تبديلها لاختلالها بمرور الزمان عليها، ولم يزل المترجم ينمو قدره ويحسن ذكره، ويتزايد نفع الجامع به، إلى أن قصد البيت الحرام للنسك في شهر ذي القعدة الحرام سنة أربع وثلاثمائة وألف، من طريق البحر، فغب إتمام حجه ونزوله إلى مكة تمرض وتوفي في مكة سابع عشر ذي الحجة الحرام من السنة المذكورة، ودفن في تربة المعلى بجوار قبر الشيخ عبد الرحمن الكزبري بعد أن صلى عليه في الحرم ألوف من الناس رحمه الله تعالى. الحافظ أحمد أفندي مدرس السليمانية عالم فاضل، وهمام كامل، قد ارتقى في العلوم، وفاق من فاق من ذوي المنطوق والمفهوم، وأخذ عن الأفاضل، إلى أن صار من ذوي الفضائل والفواضل، وكان عابداً ناسكاًن وزاهداً في الدنيا ولحطامها تاركاً، مواظباً على التقوى في السر والنجوى، قد أخذ عنه أهل عصره، واقر له بالفضل علماء مصره، ومن جملة من أخذ عنه داود باشا والي بغداد. ولم يزل على حاله، مرتدياً برداء كماله إلى أن خطبته المنية سنة ألف ومائتين وتسع وعشرين رحمة الله تعالى عليه.

стр. 243

الشيخ أحمد الأكربوزي النقشبندي الخالدي العالم الفاضل العامل، والمرشد الناصح الكامل، ذو الأنفاس القدسية، والمعاني الأنسية، والبوارق اللامعة، واللوامع البارقة، طلب العلم من صباه، ولم يزل مواظباً عليه إلى أن بلغ أوج مرتقاه، ثم لازم خدمة حضرة مولانا خالد النقشبندي، فسلكه وأحسن تربيته، ثم خلفه خلافة مطلقة وأذن له بالإرشاد، وأقام في بغداد مدة طويلة، ثم رحل إلى بلاد الروم، وأقام في إزمير، وأحسن الإرشاد، وكانت له الهمة العلية، والأنفاس الأنسية، وله مقام التمكين، والوصول إلى عين اليقين، وكان من المقربين في خدمة حضرة الأستاذ، والعمدة الملاذ، ومن الفائزين بحسن أنظاره، وله كثير من المريدين والخلفاء. توفي سنة ألف ومائتين ونيف وخمسين. السيد أحمد السركلوي البرزنجي النقشبندي الخالدي الفاضل العابد، والمرشد الشريف الزاهد، الولي النبوي، كان من الأولياء الكاملين. نشأ من صغره في التقوى والعبادة، والعلم والزهادة، والاستفادة والإفادة، والإقبال على الله فوق العادة، ثم أخذ عن المرشد الكامل، والمسلك الفاضل حضرة مولانا خالد، فاجتهد في خدمته وبذل نفسه في طاعته، وتوجه بكليته لقبول تربيته، ثم لما حصلت الإشارة الربانية بتخليفه، خلفه خلافة مطلقة، وأذن له بالإرشاد، وكان من أكابر الخلفاء المقدمين المقربين. وله أحوال عجيبة. وكان حضرة الأستاذ مولانا خالد يعبر عنه بأخينا أحمد لما له عنده من الفضل والقدر والجلالة، وانتفع على يده جماعة كثيرون من الناس، وأقبل عليه المريدون من كل جانب، وكان يحصل لهم منه التأشيرات العجيبة، والمشاهدات الغريبة، والأحوال العالية، والأطوار السامية. توفي ﵀ سنة ألف ومائتين وزيادة على الخمسين رحمه الله تعالى.

стр. 244

الشيخ أحمد الخطيب الأربيلي النقشبندي الخالدي عالم قد علا قدره، وإمام قد سما ذكره، خطيب قدر في منبر الكمال، بعد أن تحلى بأثواب الجمال، قد نفع الناس بعلومه، وأفادهم من تحرير منطوقه ومفهومه، ثم أخذ الطريقة النقشبندية، عن صاحب الرتبة العلية، مولانا خالد شيخ الحضرة، ثم بعد كماله جعله خليفة، فأرشد وأفاد، وتعدى نفعه إلى البلاد، وخدم الطريق بالصدق والجد والاجتهاد، وكان سلوكه سلوك الصواب والسداد. ولم يزل يسعى في أشرف مسعى إلى أن تم الأجل، وإلى مولاه ارتحل، سنة ألف ومائتين وزائد على الخمسين. الشيخ أحمد الكاملي المغربي المراكي المالكي البصير أبو العلا زمانه، وابن جلا عصره وأوانه، هو في ميدان البيان أوحد في بيانه، وكأنما حشر عالم الفصاحة بين فكره ولسانه، فلا ريب أنه إنسان طرف الأدب ومقلة مآقيه، وفارع هضبة الأرب وراقي مراقيه، زرت على المعارف أطواقه، وما اهتاجت إلا للعوارف أشواقه، وهو من لطف الطبع أرق من الصهباء في رونق الصبا، ما ذاق إنسان طعم مفاكهته إلا مال إليه وصبا، ذو مذاكرة يتسلى بها المهموم، ومحادثة يجعلها النديم عوض المشروب والمشموم، وشعر يشعر بأنه ابن النظم والنثر، ونثر يزدري بنثر اللآلي والدر، غير أنه مكفوف البصر، دميم الخلقة لا يحسن إليه النظر، أنقر الوجه كثير السمن، قصير القامة تارك للفريضة والسنن. حضر إلى الشام في سنة تسعين، ورؤيته تحكم بأنه لم يتجاوز من العمر الخمسة والثلاثين، فقصده للزيارة الصدور والأعيان، وكان لا يدخل عليه أحد قبل الاستئذان، وكان مظهراً للعظمة والإجلال، والانفراد بالأدب والعلم والمال، فكثرت في الناس شهرته، ودارت بين الأهلين سيرته، ونظر إليه العموم بعين الإجلال، واختلفت فيه آراء أولي الكمال، وتمنعت عنهم معرفة حقيقته، لعدم تمكنهم من الاجتماع به إلا بعد إرادته:

стр. 245

ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم فكان يكلم كل إنسان، بما كلمه به بأفصح بيان، فكل من ذاكره بفن من الفنون، يظن أنه فرد ذلك الفن المصون، وكان يحفظ من القصص والحديث، ما يوهم أنه لم يترك شيئاً من قديم وحديث، وكان كثيراً ما يتكلم بلسان العرفان، ويتمايل عند كلامه تمايل النشوان، ويذكر بديع عباراتهم، ورفيع إشاراتهم، فيخاله من له بهذا الفن بعض إلمام، أنه الشيخ الأكبر أو شيخ بسطام، وكنت أنا وبعض أحباب لي من الأدباء نجتمع به في غالب الأيام، ولم نقصده مرة إلا وقيل لنا ادخلوا بسلام، فيحدثنا ببديع الغرائب، وأعجب العجائب، وبما اتفق له في رحلته، من حين خروجه من بلدته، مما يدهش العقول، ولم يوقف له على تأييد منقول، فيقول بأنه رحل إلى الهند والصين، وبلاد الترك والعجم والممالك الأوربية، ومكث مدة سنين حتى تعلم ألسنة الجميع، ونظم في كل لسان ونثر من كل بديع، وكان يسرد لنا من قصائده بكل لسان لا نفهمه، ولا ندريه ولا نعلمه، ويحكي لنا ما اتفق له في هذه الممالك من غريب الخبر، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. غير أن لوائح المين عليه لائحة، ونوافح الوضع عليه نافحة، ثم إنه من أعجب العجاب، أنه له قوة وفصاحة تدعو السامع إلى الإصغاء له كالإصغاء إلى الصواب، وكلنا يقول عند الخروج أنه ليس له عن الباطل خروج. لي حيلة فيمن ينم ... م وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليلة لكنه بين العموم مستور، وحقيق أمره عند غيرنا ليس بمشهور، وكان يصرف من المال صرف الأعيان، وكل منا في معرفة ذلك مدهوش

стр. 246

وحيران، ثم بعد أن ارتفع بيننا الحجاب، وصارت حالتنا معه حالة الإخوان والأحباب، جعل في بعض الأحيان يتحدث بالغلمان والشراب، ويتواجد لهم تواجداً موقعاً في الارتياب، فدلنا صريح مقاله، على حقيقة حاله، ولم نقدر على ترك مجالسته، لما عنده من ذكائه وحفظه وفصاحته، ثم إنه استخدم غلاماً يزري بالقمر، في ليلة أربعة عشر، فأكثر الناس عليه القيل والقال، وأخرجوه عن دائرة الاعتدال، وعرفوا ما أكنه وأسره، وسلبوه ما كان عنده من الفرح والمسرة، وأسمعوه ما كدر صفوه، وأخرجوه من دائرة المروءة والنخوة، وعلموا حاله، واستقذروا أوحاله، فلما عرف ذلك أخذ غلامه وسافر إلى سنوس، وهو من تزكية الناس له مأيوس، فغاب مدة طويلة ثم حضر، فلم يجد من الإقبال الذي كان له من أثر، فمكث مدة ثم ذهب بغلامه إلى الاسكندرية، فلم تمض مدة طويلة إلا وقد بلغنا عنه أخبار دنية، وهو أنه كان من أهالي الاسكندرية رجل يقال له الأحمدين، وقد اشتهر في التجارة والغنى اشتهار الفرقدين، فاجتمع بالمترجم المذكور، وسمع من كلامه المزدري بعقود النحور، من وعظ ورغائب، ودعوى وصول إلى أعلى المراتب، وكان الرجل من أهل الصلاح، والطاعة والنجاح، فتعلق به تعلق الأرواح بالأشباح، ولازمه ملازمة النور للمصباح، ولم يزل يسحره ببديع كلامه، ويعده بالوصول إلى مرغوبه ومرامه، وأنه سيرى سيد الأنام، في اليقظة لا في المنام، فيسأل له المطلوب، ويوصله لكل مرغوب، فصدق الرجل قوله، وأضاف إليه قوته وحوله، وانقاد إليه أشد الانقياد، وقدمه على الأهل والمال والأولاد، فلما عرف المترجم منه زيادة حبه، وأنه استولى على عرش لبه وقلبه، صار يقول له إن رسول الله صلى الله عليه يريد أن يريك ذاته الشريفة غير بعيد، ولكن يأمرك أن تعطيني من المال كذا وكذا لأعطيه لمن أريد، ولا زال يأخذ منه من المال، ويعده ببلوغ الآمال، إلى أن قال له إن قصدي

стр. 247

أن أزور الشام وآتيك بعد مدة من الأيام، فكتب الرجل لبعض أحبابه أن يتلقوه بالإكرام ويبذلوا الهمة في إكرام جنابه، فكان يصرف من مال الأحمدين، والناس يستغربون ولا يعلمون هذا المال من أين، إلى أن ذهب هذه المرة إلى الاسكندرية، وصارت أكاذيبه على الأحمدين غير خفية، تعلق به تعلق الدائن بالمديون، وقال له لقد أخذت مالي بالأكاذيب والمجون، واشتكى عليه لحاكم البلد، فأحضره وسأله فانكسر ذلك وجحد، فأثبت ذلك عليه، وحجز على ثيابه ومتاعه، فلم يجد شيئاً من المال لديه، فلما عرف الحاكم بذلك. أضمر له الإيقاع في المهالك، فأعلم بذلك أمير مصر القاهرة، وأرسل إليه تفصيل هذه القضية الباهرة، فأمر بنفيه إلى فاس، ونفي غلامه إلى طنجة، بعد ذاك البهاء والبهجة، وبعد ذلك لم نقع لهما على خبر، ولم نقف لهم على نقل أثر، ومن كلامه وبديع نظامه: قدس الله عالماً جئت منه ... وسقته سحائب الأنوار طالما جبت فيه بين أملا ... ك كرام ضحاضح الأسرار ثم أهبطك المليك كما أه ... بطني لمنازل الأغيار ليتم مراده فله الحكم ... علينا سبحانه من باري فاصبري وتجلدي واحمدي الل ... هولا تجزعي من الأكدار واعلمي أن كلنا قاسا ما سو ... ف تقاسين من خطوب ضواري في وعاء من التراب كثيف ... ذي ظلام مضيق من هار كل ما نحن فيه يسهل لولا ... أن نار الحجاب ذات استعار غيرت بهجتي فانطبخت الط ... ين فصار الجميع كالأحجار وإلى الله أشتكي من حجاب ... عاقني عن مناهل الأبرار

стр. 248

ومن كلامه: يا كريم لقد فعلت كما تع ... لم كل صغيرة وكبيرة عالماً أنها ذنوب وأني ... مستحق من العذاب سعيره غير أن الكريم بشر قلبي ... بنعيم فلا عدمت بشيره توفي حدود الألف والثلاثمائة. الشيخ السيد أحمد بن السيد علي بن السيد محمد الشهير بالحلواني هو الشيخ الإمام، والحبر الهمام، معتقد الخاص والعام، وشيخ القراء في دمشق الشام، ورأيت في ترجمته لبعض تلامذته ناقلاً عنه بأنه يتصل نسبه بالسيد سليمان السبسبي المنسوب لسيدنا العارف بالله السيد أحمد الرفاعي. ولد المترجم في دمشق سنة ألف ومائتين وثمان وعشرين ونشأ في حجر والده، وغب تمييزه حفظ القرآن الشريف عن ظهر قلب من طريق حفص على الشيخ راضي، ثم أقبل على طلب العلم فأخذ في دمشق الشام، عن أفاضلها الكرام، وأكابرها السادة الأعلام، كالشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ محمد الكزبري، فإنه حضره في البخاري مراراً، وكذا في صحيح مسلم وسمع منه الأربعين العجلونية وكتب له بها إجازة بخطه وختمه، ومنهم الشيخ حامد العطار، فقد حضره أيضاً في الحديث وغيره ومنهم الشيخ سعيد الحلبي، فقد حضره في كتب النحو إلى أن قرأ المغني، ومنهم الشيخ عبد الرحمن الطيبي فقد حضره في عدة كتب من فقه سيدنا الإمام الشافعي، ومنهم الشيخ عبد اللطيف مفتي بيروت فقد حضر عليه جملة من الصرف والبيان، ثم في سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف ذهب إلى مكة المشرفة، فأخذ عن شيخ القراء بها الشيخ أحمد المصري المرزوقي

стр. 249

البصير المكي الدار والوفاة، فقرأ عليه ختمة مجودة من طريق حفص، ثم حفظ عليه الشاطبية، وقرأ القراءات السبع من طريقها، ثم حفظ الدرة، وأتم القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة، ثم حفظ الطيبة لشيخ هذا الفن الشيخ محمد بن الجزري، وقرأ عليه ختمة من طريقها للقراء العشرة، ثم أجازه الشيخ بالقراءات العشر وما تجوز له روايته، وأقام هناك أربع سنوات، ثم رجع إلى وطنه دمشق الشام سنة سبع وخمسين، فأقبل الناس عليه بالقراءة جمعاً وغيره، واشتهر أمره، وارتفع ذكره، وعم نفعه الخاص والعام، وانفرد بهذا العلم في جميع الشام، ثم هاجر إلى مكة سنة خمس وستين بعد المائتين والألف، وأقام بها ثلاث عشرة سنة، مشتغلاً بالإفادة والتعليم، وانتفع به هناك خلق كثير ثم رجع إلى وطنه سنة سبع وسبعين بعد المائتين والألف، ولم يزل على ما كان عليه من إفادة الناس وتعليمهم، مع حسن المفاكهة وجميل المحاضرة وتأنيس الجليس بكل أمر نفيس، ويغلب عليه الخضوع والسكينة والخشوع وتلاوة القرآن، في غالب الأحيان، وله رسالة في التجويد سماه اللطائف البهية، وله نظم في بعض قواعد من فن القراءات. وبالجملة فهو فريد دهره، ووحيد عصره، أنجب تلامذة فضلاء، لهم في فن التجويد والقراءات اليد البيضاء، بعد أن كاد هذا الفن يعدم من الشام، فكثر القارئون في زمنه على أتم مرام، غير أنه كان يغلب عليه في بعض الأيام السوداء فلا يحب الاجتماع بالناس، وأما في وقت سروره فإنه خدن جليسٌ كأن خلق من إيناس، وقد حفظت عليه ولله الحمد شريف القرآن، ثم أخذت تجويده عنه بتمام الإتقان، توفي ﵀ سنة ألف وثلاثمائة وسبع

стр. 250

وتأسف عليه الخاص والعام، جمعنا الله وإياه في الفردوس بجاه سيدنا محمد ﵊. أحمد عزت باشا الفاروقي بن محمود أفندي بن سليمان أفندي ابن أحمد أفندي بن علي أفندي المفتي الملقب بأبي الفضائل ابن مراد أفندي بن الشيخ عثمان الخطيب بن الحاج علي بن الحاج قاسم وهو الذي ورد من الشام إلى الموصل في حدود سنة التسعمائة وسبعين وعمر بها الجامع الوجود اليوم المشهور بجامع العمرية وقبره وقبر ولده في قبة مخصوصة بهما، (وكان تاريخ الجامع لفظه خاشع) ، ابن علي بن الحسن بن الحسين بن أبي بكر بن موسى بن عمر بن عثمان بن حسين بن نبي ابن عبد القادر بن عبد الوهاب بن عبد الله بن منصور بن شمس الدين بن يحيى ابن يعقوب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن محمود بن دياب بن يوسف بن سعيد بن ناصر الدين بن عبد الهادي بن عاصم بن عبد الله بن عاصم بن حضرة أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁ وذلك حسبما هو مضبوط ومقيد في شجرة الأنساب الفاروقية. وأما والدته فينتهي نسبها الشريف إلى السادة الأعوجية الفخرية إلى حضرة قطب الأقطاب السيد أحمد الرفاعي الكبير رضي الله تعالى عنه. أقول: إن هذا الأديب الفاضل، المتحلي بأنواع العلوم والفضائل، قد ذكر هذا النسب الشريف في كتابه المسمى بالعقود الجوهرية، في مدائح الحضرة الرفاعية، وتمم ترجمته فقال: وأما ولادتي فكانت في الموصل أواخر سنة الأربع والأربعين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل التحية، ولما بلغت من العمر أربع سنين باشرت بقراءة القرآن الكريم، وسنة سبع من عمري ختمته، وحفظت طرفاً منه، ورويت
следующие страницы →