Полный текст (1 568 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وحيران، ثم بعد أن ارتفع بيننا الحجاب، وصارت حالتنا معه حالة الإخوان والأحباب، جعل في بعض الأحيان يتحدث بالغلمان والشراب، ويتواجد لهم تواجداً موقعاً في الارتياب، فدلنا صريح مقاله، على حقيقة حاله، ولم نقدر على ترك مجالسته، لما عنده من ذكائه وحفظه وفصاحته، ثم إنه استخدم غلاماً يزري بالقمر، في ليلة أربعة عشر، فأكثر الناس عليه القيل والقال، وأخرجوه عن دائرة الاعتدال، وعرفوا ما أكنه وأسره، وسلبوه ما كان عنده من الفرح والمسرة، وأسمعوه ما كدر صفوه، وأخرجوه من دائرة المروءة والنخوة، وعلموا حاله، واستقذروا أوحاله، فلما عرف ذلك أخذ غلامه وسافر إلى سنوس، وهو من تزكية الناس له مأيوس، فغاب مدة طويلة ثم حضر، فلم يجد من الإقبال الذي كان له من أثر، فمكث مدة ثم ذهب بغلامه إلى الاسكندرية، فلم تمض مدة طويلة إلا وقد بلغنا عنه أخبار دنية، وهو أنه كان من أهالي الاسكندرية رجل يقال له الأحمدين، وقد اشتهر في التجارة والغنى اشتهار الفرقدين، فاجتمع بالمترجم المذكور، وسمع من كلامه المزدري بعقود النحور، من وعظ ورغائب، ودعوى وصول إلى أعلى المراتب، وكان الرجل من أهل الصلاح، والطاعة والنجاح، فتعلق به تعلق الأرواح بالأشباح، ولازمه ملازمة النور للمصباح، ولم يزل يسحره ببديع كلامه، ويعده بالوصول إلى مرغوبه ومرامه، وأنه سيرى سيد الأنام، في اليقظة لا في المنام، فيسأل له المطلوب، ويوصله لكل مرغوب، فصدق الرجل قوله، وأضاف إليه قوته وحوله، وانقاد إليه أشد الانقياد، وقدمه على الأهل والمال والأولاد، فلما عرف المترجم منه زيادة حبه، وأنه استولى على عرش لبه وقلبه، صار يقول له إن رسول الله صلى الله عليه يريد أن يريك ذاته الشريفة غير بعيد، ولكن يأمرك أن تعطيني من المال كذا وكذا لأعطيه لمن أريد، ولا زال يأخذ منه من المال، ويعده ببلوغ الآمال، إلى أن قال له إن قصدي
стр. 247
أن أزور الشام وآتيك بعد مدة من الأيام، فكتب الرجل لبعض أحبابه أن يتلقوه بالإكرام ويبذلوا الهمة في إكرام جنابه، فكان يصرف من مال الأحمدين، والناس يستغربون ولا يعلمون هذا المال من أين، إلى أن ذهب هذه المرة إلى الاسكندرية، وصارت أكاذيبه على الأحمدين غير خفية، تعلق به تعلق الدائن بالمديون، وقال له لقد أخذت مالي بالأكاذيب والمجون، واشتكى عليه لحاكم البلد، فأحضره وسأله فانكسر ذلك وجحد، فأثبت ذلك عليه، وحجز على ثيابه ومتاعه، فلم يجد شيئاً من المال لديه، فلما عرف الحاكم بذلك. أضمر له الإيقاع في المهالك، فأعلم بذلك أمير مصر القاهرة، وأرسل إليه تفصيل هذه القضية الباهرة، فأمر بنفيه إلى فاس، ونفي غلامه إلى طنجة، بعد ذاك البهاء والبهجة، وبعد ذلك لم نقع لهما على خبر، ولم نقف لهم على نقل أثر، ومن كلامه وبديع نظامه:
قدس الله عالماً جئت منه ... وسقته سحائب الأنوار
طالما جبت فيه بين أملا ... ك كرام ضحاضح الأسرار
ثم أهبطك المليك كما أه ... بطني لمنازل الأغيار
ليتم مراده فله الحكم ... علينا سبحانه من باري
فاصبري وتجلدي واحمدي الل ... هولا تجزعي من الأكدار
واعلمي أن كلنا قاسا ما سو ... ف تقاسين من خطوب ضواري
في وعاء من التراب كثيف ... ذي ظلام مضيق من هار
كل ما نحن فيه يسهل لولا ... أن نار الحجاب ذات استعار
غيرت بهجتي فانطبخت الط ... ين فصار الجميع كالأحجار
وإلى الله أشتكي من حجاب ... عاقني عن مناهل الأبرار
стр. 248
ومن كلامه:
يا كريم لقد فعلت كما تع ... لم كل صغيرة وكبيرة
عالماً أنها ذنوب وأني ... مستحق من العذاب سعيره
غير أن الكريم بشر قلبي ... بنعيم فلا عدمت بشيره
توفي حدود الألف والثلاثمائة.
الشيخ السيد أحمد بن السيد علي بن السيد محمد الشهير بالحلواني
هو الشيخ الإمام، والحبر الهمام، معتقد الخاص والعام، وشيخ القراء في دمشق الشام، ورأيت في ترجمته لبعض تلامذته ناقلاً عنه بأنه يتصل نسبه بالسيد سليمان السبسبي المنسوب لسيدنا العارف بالله السيد أحمد الرفاعي. ولد المترجم في دمشق سنة ألف ومائتين وثمان وعشرين ونشأ في حجر والده، وغب تمييزه حفظ القرآن الشريف عن ظهر قلب من طريق حفص على الشيخ راضي، ثم أقبل على طلب العلم فأخذ في دمشق الشام، عن أفاضلها الكرام، وأكابرها السادة الأعلام، كالشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ محمد الكزبري، فإنه حضره في البخاري مراراً، وكذا في صحيح مسلم وسمع منه الأربعين العجلونية وكتب له بها إجازة بخطه وختمه، ومنهم الشيخ حامد العطار، فقد حضره أيضاً في الحديث وغيره ومنهم الشيخ سعيد الحلبي، فقد حضره في كتب النحو إلى أن قرأ المغني، ومنهم الشيخ عبد الرحمن الطيبي فقد حضره في عدة كتب من فقه سيدنا الإمام الشافعي، ومنهم الشيخ عبد اللطيف مفتي بيروت فقد حضر عليه جملة من الصرف والبيان، ثم في سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف ذهب إلى مكة المشرفة، فأخذ عن شيخ القراء بها الشيخ أحمد المصري المرزوقي
стр. 249
البصير المكي الدار والوفاة، فقرأ عليه ختمة مجودة من طريق حفص، ثم حفظ عليه الشاطبية، وقرأ القراءات السبع من طريقها، ثم حفظ الدرة، وأتم القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة، ثم حفظ الطيبة لشيخ هذا الفن الشيخ محمد بن الجزري، وقرأ عليه ختمة من طريقها للقراء العشرة، ثم أجازه الشيخ بالقراءات العشر وما تجوز له روايته، وأقام هناك أربع سنوات، ثم رجع إلى وطنه دمشق الشام سنة سبع وخمسين، فأقبل الناس عليه بالقراءة جمعاً وغيره، واشتهر أمره، وارتفع ذكره، وعم نفعه الخاص والعام، وانفرد بهذا العلم في جميع الشام، ثم هاجر إلى مكة سنة خمس وستين بعد المائتين والألف، وأقام بها ثلاث عشرة سنة، مشتغلاً بالإفادة والتعليم، وانتفع به هناك خلق كثير ثم رجع إلى وطنه سنة سبع وسبعين بعد المائتين والألف، ولم يزل على ما كان عليه من إفادة الناس وتعليمهم، مع حسن المفاكهة وجميل المحاضرة وتأنيس الجليس بكل أمر نفيس، ويغلب عليه الخضوع والسكينة والخشوع وتلاوة القرآن، في غالب الأحيان، وله رسالة في التجويد سماه اللطائف البهية، وله نظم في بعض قواعد من فن القراءات. وبالجملة فهو فريد دهره، ووحيد عصره، أنجب تلامذة فضلاء، لهم في فن التجويد والقراءات اليد البيضاء، بعد أن كاد هذا الفن يعدم من الشام، فكثر القارئون في زمنه على أتم مرام، غير أنه كان يغلب عليه في بعض الأيام السوداء فلا يحب الاجتماع بالناس، وأما في وقت سروره فإنه خدن جليسٌ كأن خلق من إيناس، وقد حفظت عليه ولله الحمد شريف القرآن، ثم أخذت تجويده عنه بتمام الإتقان، توفي ﵀ سنة ألف وثلاثمائة وسبع
стр. 250
وتأسف عليه الخاص والعام، جمعنا الله وإياه في الفردوس بجاه سيدنا محمد ﵊.
أحمد عزت باشا الفاروقي بن محمود أفندي بن سليمان أفندي ابن أحمد أفندي بن علي أفندي المفتي الملقب بأبي الفضائل
ابن مراد أفندي بن الشيخ عثمان الخطيب بن الحاج علي بن الحاج قاسم وهو الذي ورد من الشام إلى الموصل في حدود سنة التسعمائة وسبعين وعمر بها الجامع الوجود اليوم المشهور بجامع العمرية وقبره وقبر ولده في قبة مخصوصة بهما، (وكان تاريخ الجامع لفظه خاشع) ، ابن علي بن الحسن بن الحسين بن أبي بكر بن موسى بن عمر بن عثمان بن حسين بن نبي ابن عبد القادر بن عبد الوهاب بن عبد الله بن منصور بن شمس الدين بن يحيى ابن يعقوب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن محمود بن دياب بن يوسف بن سعيد بن ناصر الدين بن عبد الهادي بن عاصم بن عبد الله بن عاصم بن حضرة أمير المؤمنين عمر الفاروق ﵁ وذلك حسبما هو مضبوط ومقيد في شجرة الأنساب الفاروقية. وأما والدته فينتهي نسبها الشريف إلى السادة الأعوجية الفخرية إلى حضرة قطب الأقطاب السيد أحمد الرفاعي الكبير رضي الله تعالى عنه.
أقول: إن هذا الأديب الفاضل، المتحلي بأنواع العلوم والفضائل، قد ذكر هذا النسب الشريف في كتابه المسمى بالعقود الجوهرية، في مدائح الحضرة الرفاعية، وتمم ترجمته فقال: وأما ولادتي فكانت في الموصل أواخر سنة الأربع والأربعين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل التحية، ولما بلغت من العمر أربع سنين باشرت بقراءة القرآن الكريم، وسنة سبع من عمري ختمته، وحفظت طرفاً منه، ورويت
стр. 251
قراءة حفص على أستاذي بالنحو المرحوم ملا عبد الرزاق أفندي الجبوري وفي سنة أربع وخمسين طلبني المرحوم عمي المشهور بالفضل العميم عبد الباقي أفندي الفاروقي، وكان إذ ذاك ساكناً في بغداد، وبقيت في خدمته مقدار ستة أشهر، بعد أن أكملت قراءة الأسيوطي على المرحوم ملا أسعد أفندي الموصلي مدرس جامع الآصفية، ثم عدت إلى الموصل فقرأت أصول الفقه وعلم الحساب وطرفاً من علم الوضع على العالم الفاضل المرحوم عبد الرحمن أفندي الكلاك، وجمعت جمع الصغير وجمع الكبير في القراءات السبع على مخدومه عبد اللطيف أفندي، وقرأت الإيساغوجي على العالم الزاهد والفاضل العابد المرحوم ملا محمد أمين أفندي بن ملا عبيده، وقرأت علم البديع وطرفاً من المعاني والبيان على رئيس العلماء المشهود له بالعلم والورع المرحوم عبد الله أفندي الفاروقي، ثم في أوائل سنة إحدى وستين طلبني من أبي ثانياً عمي المرحوم لأجل البقاء بخدمته، فتوجهت إلى بغداد، وكانت إذ ذاك غاصة بالفضلاء والعلماء والأدباء، فتخرجت عليه في فنون الشعر وعلم الأدب، وطرت بجناح فضله، واستسقيت من هطال وبله، وفي غضون ذلك قرأت على سبيل التبرك شرح الشمسية، وابن عقيل على خاتمة المفسرين وعلامة العلماء المحققين المرحوم أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي الألوسي مفتي الزوراء ومرجع الفضلاء، وقرأت أيضاً كتاب تشريح الأفلاك على المرحوم الفاضل الشيخ أحمد أفندي السنة لي، وأتقنت اللغة الفارسية على مخدومه العالم الأكمل الشيخ طه أفندي، وبقيت في خدمة المرحوم العم ببغداد إلى السنة التاسعة والستين فانسلكت بخدمة الدولة العلية العثمانية متقلباً في البلاد وأولها شهر زور، ولا زلت من أفضال تلك الدولة أتنقل في أنواع مأمورياتها من داخلية وخارجية ورسومية ومالية، وارتقى إلى درجات رتبها بالتدريج، حتى
стр. 252
أصعدني من حسن أنظاره أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين حضرة السلطان عبد الحميد خان أدامه الرحمن، إلى رتبة المير ميران، وها أنذا اليوم بالآستانة ضيف حضرته، ونزيل سدته، داعياً لحضرته بمزيد الدوام على مدى الأيام، انتهى كلامه. ومن نظمه الحسن وكلامه المستحسن قوله:
عنبر الليل وكافور الصباح ... أشغلاني باغتباق واصطباح
يا نديمي قم فقد هب النسيم
وبدا من عرفه مسك الشميم
وانبرت في الكاس نيران الكليم
فامزج الخمرة بالماء القراح ... واسقنيها بغدو ورواح
عاطنيها قبل نور الفلق
بغناء الورق بين الورق
كاحمرار الشمس عند الشفق
نسج المزج عليها بارتياح ... أدرع الدر ومفتر الأقاح
وغزال سامني بالملق
ويرى جسمي وأذكى حرقي
أهيف مذ سل سيف الحدق
قصرت عنه أنابيب الرماح ... بابلي اللحظ مهضوم الوشاح
стр. 253
ذاب بالوجد فؤادي كلفا
حيث شاب الوصل منه بالجفا
كلما قلت جوى الحب انطفى
أمرض القلب بأجفان صحاح ... وسبى العقل بجد ومزاح
يا خليلي أنت نور المقل
جد بوصل منك لي يا أملي
كم أغنيك إذا ما لحت لي
مرحباً بالشمس من غير صباح ... زرتني والليل ممدود الجناح
هذه الخمرة من عصر قديم
تنعت الروح إلى العظم الرميم
تتهادى بين راحات النديم
لمريد عنده الصفو مباح ... فهي روح وهي ريحان وراح
خمرة الإرشاد من عهد الأزل
تنقذ الشارب من كل العلل
فهي مثل النوم ما بين المقل
تسري في الأفكار من غير جماح ... وتذود الهم من دون كفاح
زوجوا الماء على بنت الدنان
واستطابوا شربها قبل الأوان
فشذا تذكارها في كل حان
مثل نشر المسك في الأرجاء فاح ... حملته للورى كف الرياح
إنما الأقطاب في هذي الدنا
نقطة فيها نزيل المنحنى
والرفاعي بينهم بادي السنا
فهو بدر التم ليلاً حين لاح ... فيه للظلماء والغي افتضاح
стр. 254
هو غوث للورى غيث الندى
معدن العرفان بل قطب الهدى
لست تلقى من سواه رشداً
لائق عرفانه بالامتداح ... زنده بالكون واري الاقتداح
خصه الله بعلم وعمل
فغدا يزهو به روض الأمل
وكساه بالسنا أسنى الحلل
وحباه فوق أثواب الصلاح ... رفعة المسند من دون اقتراح
حبه قد حل مني بالفؤاد
أينما كنت مقيماً في البلاد
فهو في حلم وعلم وسداد
ملأ الأقطار ذكراً والبطاح ... وعلى أعدائه شاكي السلاح
إنما أشباله بين الورى
معدن الفضل وآساد الشرى
فيهم غصن الهدى قد أثمرا
كل فرد منهمو بادي الفلاح ... كفه يقرع أبواب النجاح
هو باز في الورى قد حلقا
وعلا فوق المعالي وارتقى
فهو للقدح المعلى مذ رقى
نال أغنى الكل عن ضرب القداح ... ما علينا في ولاه من جناح
مدحه شرف حزب الشعرا
فزها المدح به بل نورا
وسماء النظم لما أقمرا
قد مدحناه بألفاظ فصاح ... ونعمنا باختتام وافتتاح
توفي ﵀ سنة ألف وثلاثمائة ونيف.
стр. 255
أحمد باشا الشمعة بن سليم بن علي بن عثمان بن محمد
طلعته البدر إلا أنه مشرق، ونفحته الروض إلا أنه مورق، وهو بمكان من النباهة مكين، ما نهج من الكلام منهجاً إلا وطلع له من جيش البلاغة كمين. ولد في دمشق الشام سنة ألف ومائتين وستين تقريباً من هجرة سيد الأنام، وتربى في حجر والده وما دخل في سن التمييز إلا وقد شمر لتحصيل المعالي عن ساعده، وقرأ من الفنون وأقبل على كتب الأدب، وعلا على معارج الوصول إلى كمال الرتب، واكتسى حلة اللطافة وارتدى كل جمال وظرافة، إلى أن صار يشار إليه بالانفراد، ويعتمد عليه في كل مراد، ويستشار في المهمات، ويستنهض لدفع الملمات، ووصل في الترقيات الشاهانية إلى رتبة بكلربكي التي هي من أقرب المراتب إلى الوزارة، ثم إلى رتبة بالا، وحصل له كمال القبول لدى الولاة والمشيرين وذوي الإمارة، هذا ومع وقاره الذي به يعرف وقدره المستوي على المقام الأشرف أطال الله بقاه.
أحمد باشا والي ومشير دمشق الشام
الوزير الكبير، والوالي المشير، من بهر بحسن تدبيره واهتمامه، وظهر في الناس ظهور البدر ليلة تمامه، ونهج أوج مناهج التقوى والعبادة، وكان على مرور أيامه من الكمال على زيادة، مع أدب باهر، ومذهب مستقيم طاهر، ونفس زكية، وفكرة علية، دخل دمشق سنة خمس وسبعين ومائتين وألف، وكان والياً على القطعة السورية، ومشيراً على الفرقة العسكرية، فكانت له السيرة الحسنة والأوصاف المستحسنة، وأخذ الطريقة الخلوتية، عن الشيخ المهدي المغربي القاطن في الخضيرية، فسلك سلوك أهل الوصول، وتمسك من السنة بالفروع والأصول، وذلك بعد
стр. 256
أن كان لا يصرف عمره إلا بين ريحان وراح، وأخدان تسعى له بجلب المسرات والأفراح، وقد ركب في فعاله وأقواله هواه، وأعطى نفسه ما تحبه وتهواه، فأضرب عن جميع ما كان عليه صفحاً، ومحا بحسناته سيآته وازداد فلاحاً وربحاً، فصار لا يصرف نقد عمره في غير أنفس الأعمال، ولا يحرك لسانه إلا بذكر أو صلاة على سيد ذوي الكمال، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر بأحسن خطاب، أو حكم بحق على مرتكب خلاف الحق والصواب، ولم يزل يترقى أمره، ويعظم ويسمو قدره، إلى أن سلبته حلاوة الطاعة الإقبال على دنياه، وأفاضت عليه معرفة أن الإنسان هو الذي يعمل لما ينفعه في أخراه، فأهمل النظر في أمور السياسة، وتنبهت عيون ذوي الشقاوة والخساسة، ولم يزل يتفاقم هذا الحال، ويعظم أمر الجهال، إلى أن وقعت فتنة بين الدروز والنصارى في جبل لبنان واشتد بسببها الضرب والطعان، وعاثت طائفة الدروز وفسقوا، وانتظموا في سلك الطغيان واتسقوا، ومنعوا جفون أهل الذمة السنات، وأخذوا البنين والبنات من حجور الأمهات، وخربوا القرايا والبلدان، وسفكوا الدماء وحرقوا العمران، ونهبوا الأموال ومالوا عليهم كل الميل، وبادرت لمساعدتهم والغنيمة معهم دروز الجبل الشرقي تجري على خيولها جري السيل، ولم يروا في ذلك معارضاً ولا منازعاً، ولا مدافعاً ولا ممانعاً، والنصارى بين أيديهم كغنم الذبح، هم وأموالهم وأولادهم وبلادهم غنيمة وربح، ودام هذا الأمر واستقام، إلى ابتداء ذي الحجة الحرام، سنة ست وسبعين بعد الألف والمائتين، وقد هرب كثير من النصارى إلى الشام، ظانين أن الحكومة تحميهم من الدروز
стр. 257
اللئام، فصارت الدروز تدخل إلى الشام بأنواع السلاح، ويخاطبون الأشقياء بقولهم كنا نظن بكم الفلاح، لقد أخلينا البر من النصارى، وأنتم عنهم كأنكم سكارى، فاذبحوهم ذبح الأغنام، وأذيقوهم كأس الحمام، واغنموا ما عندهم من الأموال والأمتعة الكلية، وأن الحكومة بذلك راضية مرضية، ولو لم يكن لها مراد بذلك، ما مكنتنا من إذاقتهم كؤوس المهالك، والوالي ساكت عن هذا الأمر كأنه لم يكن عنده خبر، حتى ظن أكثر القاصرين أن هذا الواقع عن أمر شاهاني صدر:
يمضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وما زالت الأشقياء تتطاول أعناقها، وتتزايد لهذه الأفعال أشواقها، والدروز في كل وقت يجددون لهم همة، ويتواردون عليهم أمة بعد أمة، وقد قامت لديهم الأفراح، وزالت عنهم برفع القيد الهموم والأتراح:
أمور تضحك السفهاء منها ... ويخشى من عواقبها اللبيب
وصاروا يتكلمون بكلام، لا يليق إلا بالأشقياء اللئام، كقولهم حنا يقول لنخلة، إسماعيل الأطرش حرق زحلة، وأمثال ذلك خصوصاً مما يدل على التخويف والتهديد، وصارت الأولاد تقوله على طريقة الأناشيد، فذهب بعض النصارى إلى والي البلد، لينقذهم من هذا الهم والنكد، وكان ذلك يوم الاثنين من ذي الحجة الحرام، سنة ألف ومائتين وست وسبعين من هجرة سيد الأنام، فأمر الوالي بالقبض على
стр. 258
بعض الأولاد، فمسكوا منهم جملة وقيدوهم بالحديد وأمروهم بالكنس والرش تأديباً لهم عن هذا الفساد، فقامت عصبة جاهلية في باب البريد من الجهال الطغام، ونادوا بأعلى صوتهم يا غيرة الله ويا دين الإسلام، وكان الوقت قبيل العصر من ذلك اليوم المرقوم، وتلاحقت الأشقياء إلى حارة النصارى كأنه لم يكن عليهم بعد ذلك عتب ولا أحد منهم على فعله مذموم، وأقبلت عليهم الدروز أفواجاً أفواجا، واشتغلوا بالحرق والقتل والسلب والنهب أفراداً وأزواجا، فأنشأت في الحال خطبة وخطبتها في جامع كريم الدين في الميدان بحرمة هذه الأفعال، وأنها موقعة لأربابها في أودية النكال، وأنهم محترمون لا يجوز لهم التعرض بحال، وأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ومن تعرض لهم بسوء فقد باء بالخزي والنكال، فانكف أهل الميدان عن سفك الدماء، واجتلبوا ما قدروا على اجتلابه من الرجال والنساء، لحمايتهم من الأشقياء.
لنصرة الحق قد قاموا بأسرهم ... وربهم باليد العليا لهم نصرا
صانوا الحريم مع الأطفال واحتسبوا ... على الغريم برب للورى فطرا
لما استقلوا بميدان الوغى كملا ... من كل قرم يفوق الليث لو زأرا
فالله بالمدد العلوي أيدهم ... من كل سوء ومن عاداهم خسرا
هم الكرام لهم في كل حادثة ... غوث الصريخ وبذل وافر وقرى
جزاهم الله خيراً عن جميع بني ... دمشق والأجر عند الله لن يترا
والوالي ما زال على إهماله، وسكوته وعدم سؤاله، غير أنه عين للمحافظة
стр. 259
أربعة من الأعيان، اثنين من المدينة واثنين من الميدان، فقام من كان من الميدان حق الحماية، وقصر من عداهما في البداية والنهاية، غير أن سعادة الأمير المعظم، والكبير المفخم، حضرة الأمير السيد عبد القادر الجزائري قد بذل كامل همته في ذلك، وبذل أمواله ورجاله في خلاص من قدر عليه من المهالك، واستقامت النار تضطرم في حارة النصارى سبعة أيام، والناس فوضى كأنه لم يكن لهم إمام، فلما أحضروا من أحضروه من النصارى إلى الميدان، وقد امتلأت البيوت أخذنا نطوف عليهم نهنيهم بالسلامة ونطيب قلوبهم بالأمن والأمان، وكنا ما نرى منهم غير دمع سائل، وبصر جائل، وقلب واجف، ورجاء قليل وبال كاسف، وهذه تقول أين ولدي؟ وهذه تقول قد انفلق كبدي، وهذه تقول مالي، وهذه تقول كيف احتيالي؟ والرجال منهم حيارى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وقد ذهب عنهم البهاء والجمال، وأوقعهم المقدور في الضيق والنكال، فلم نستطع الصبر عن البكاء والنحيب، وكدنا مما رأينا أن نذهل عن نفوسنا ونغيب، فيا لها من مصيبة ما أعظمها، ونكبة ما أجسمها، قد أبكت ذوي الرحمة بدل الدمع دما، وكادت أن تثبت لهم بعد الإبصار العمى، ثم ذهبنا جملة كبرى من الميدان لعلنا نجد حياً نخلصه ونقيه، وننقذه من أيدي من يريد قتله ولا يبقيه، فلم نجد غير من أمضى عليه حد الحسام حكمه، وأنفذ فيه جور الأيام ظلمه، فمنهم من استولى القضاء المحتوم، ومنهم من قد بلغت الروح الحلقوم، وما ترى في محلتهم من مغيث سوى كلب عقور أو شقي خبيث، والأرض رويت من دمائهم، وتعطلت الأماكن من أسمائهم، وعاد صبح جمالهم عاتماً، وأقامت محلاتهم عليهم مآتماً، فخروا على الوجوه والأفواه، وصعقوا على الصدور والجباه، وغدوا صرعى تسفى عليهم الشمال والجنوب، بعد أن وقعوا في أسنة المكاره والخطوب، صرعى على وجه الأرض، معفرين
стр. 260
كأنه يوم النشور والعرض، قد افترشوا التراب بدلاً من الأرائك الحسان، وتضرجوا بالدماء بعد التضمخ بالمسك والزعفران، وغدا مصرعهم من نجيعهم مشوباً بالحمرة والسواد، ولبست نساؤهم لأجلهم ثياب الحزن والحداد، وصارت لحومهم للوحوش ولائم، والطيور عليها ما بين هابط وحائم، والنار تلعب ألسنتها في تلك القصور، وقد جعلتها رماداً بعد زينتها بالولدان والحور:
النار في ضرم والدمع منهمل ... لعظم خطب له الأحزان تتصل
لا الدمع يطفىء نار الحزن من كبد ... ولا لحر لظاها ينشف البلل
مصيبة عظمت حتى لقد صدعت ... قلب اللبيب فأضحى وهو منذهل
ولما علم دروز الجبل الشرقي أن أهل الميدان، قد أدخلوا النصارى في حصن الأمان، ووضوهم في أماكنهم مع عيالهم، واجتلبوا لهم سرورهم بقدر الإمكان وراحة بالهم، تجمعوا وتحزبوا وتوجهوا إلى الشام، إلى أن وصلوا إلى أرض القدم بالكبرياء والعظمة والاحترام، ثم أرسلوا خبراً إلى الميدان إما أن تسلمونا النصارى لنذيقهم كؤوس المنية، ونبيدهم بالكلية، وإما أن ننشر بيننا راية القتال، ونطوي بساط السلم واستقامة الحال، فبرز أهل الميدان إليهم بروز الأسد، وقالوا لهم بلسان واحد ليس لكم على قتالنا من جلد، أظننتم أنكم تصلون إليهم، وتحكمون بما تريدون عليهم، إن ذلك أمر محال، إياكم أن تتوهموه بحال، إننا وحق من أحيا الأشباح بالأروح، لا نسمح لكم منهم بقلامة ظفر وليس لكم في مطلوبكم من نجاح، وكثر القيل والقال، وكانت البيداء قد امتلأت من الفرسان والأبطال، وتجمع الصفان، وتقابل الصنفان، وارتفع العجيج وعلا العجاج، وكثر الضجيج من كل الفجاج، وأشهر كل سلاحه، واعتقد أن في قتل عدوه فلاحه، وأن شرر الموت ينقدح من ألحاظه، ويفصح
стр. 261
بصريح ألفاظه، فلما رأى الدروز ما كان، من المشاة والركبان من أهل الميدان، علاهم الوجل، وقد خاب منهم الأمل، وضاق بهم من الأرض فضاؤها، وتضعضعت من أركانهم أعضاؤها، فتنازلوا عن العناد إلى الوداد، وقالوا نحن العين وأنتم لها بمنزلة السواد، وليس لنا عنكم غنى، وأنتم لنا غاية المنى، ونزيلكم عندنا مصون، ومن كل ما يضره مأمون، والذي وقع منا كان هفوة مغفورة، وسقطة هي بعفوكم مستورة، فقابلوها بالسماحة والغفران، ونحن وإياكم أحباب وإخوان، ثم تفرقوا بعد الوداع، وانقاد كل منهما للسلم وأطاع، وتفضل الله وأنعم، وحسم مادة الشر وتكرم.
стр. 262
ولا زال أهل الميدان في الليل والنهار، يحرسون النصارى من الأشقياء والأشرار، إلى السادس والعشرين من محرم الحرام، دخل الشام محمد معمر باشا ومعه أربعة آلاف جندي من عسكر النظام، وفي غرة محرم سن سبع وسبعين، دخل خالد باشا المصري للنظر في أمر هذه الخيانة، وكان قبل دخوله بيوم قد سافر أحمد باشا المذكور أولاً إلى بيروت متوجهاً إلى الآستانة، وفي حادي عشر المحرم الحرام، دخل ناظر الخارجية فؤاد باشا إلى الشام، مرخصاً من قبل الدولة وباقي الدول، مهما شاء أجرى ومهما أراد فعل، ومعه عوضاً عن أحمد باشا المترجم المذكور عبد الحليم باشا المشير المشهور، واجتمع بالشام من العساكر السابقة واللاحقة نحو ثلاثين ألفاً، ثم بعد ثلاثة أيام، أمر بعقد مجلس عام، وطلب فيه مأخوذات النصارى ومسلوباتهم، ومغصوباتهم ومنهوباتهم، وذلك يوم الخميس خامس عشر المحرم، وشدد غاية التشديد، وأكد أعظم تأكيد، ولما أصبح صباح الجمعة سادس عشر المحرم، وجد الناس أثمان الشام قد امتلأت من العساكر، وقد أغلقوا أبواب البلد ولم يعرف أحد ما الأمر إليه صائر، فدخل على الناس من الهم والكدر، ما هو عبرة لمن اعتبر، وهذا أول الامتحان على ما سلف من القباحة والعصيان، حمانا الله من شر الفساد والطغيان، ووقانا من حيف الزمان، ثم إن الحكومة أرسلت لكل ثمن مأموراً لتحصيل المسلوبات، وجمع المنهوبات، وقد حصل التنبيه بأن من عنده شيء فليأت به ولا يخفيه، فبادر الناس بالإحضار، وصار من عنده شيء كأنه قد اشتعلت به النار، ودخل على الناس من الوجل ما يستصغر عنده حضور الأجل، وصار بعض الناس يلقون ما عندهم في الطريق ليلاً للتستر والكتم، وذهب شعورهم لما اعتراهم من الخوف والوهم، وصاروا يقبضون على بعض الناس ويحبسونهم في التكية، ولا يعلمون ما يجري عليهم من البلية، واستدام جمع
стр. 263
المسلوبات إلى ثاني وعشرين محرم، ثم صارت النصارى تتشكى للحكومة على بعض الناس، وتفاقم الأمر واشتد الالتباس، فهذا يقول هذا قتل ولدي، ويقول الآخر قتل والدي، ويقول الآخر أخذ مالي، ويقول الآخر تعرض لأطفالي، وزال الائتلاف وزاد الاختلاف، والعساكر تقبض على من يتهم سواء كان من الأصناف أو من الأشراف، حتى اجتمع في التكية نحو ثلاثة آلاف، ثم إنه في غرة صفر أعيد أحمد باشا السر عسكر من الآستانة إلى الشام، معزولاً من منصبه ومفوضاً أمره إلى فؤاد باشا يحكم عليه بما رام، فصار إلى الحبس صاغرا، وقد تحول إلى الذل بعد أن كان ناهياً آمرا، عضته أنياب الاعتقال، ورضته تلك النوب الثقال، وعوض بخشونة العيش من اللين، وكابد قسوة خطب لا تلين، تذكره عهد عيشه الرقيق، ومراحه بين النعمان والشقيق، وحن إلى سعد زرت عليه جيوبه، واستهدى نسيم عيش طاب له هيوبه، وتأسى بمن باتت له النوائب بمرصاد، ورمته بسهام ذات اقصاد، وضيم ليس له خلاص، وقد أعلمه الحال بأنه حان حينه ولات حين مناص، وعظمت عليه القضية، وأترعت له كؤوس المنية، واسودت بعد البياض أيامه، وقوضت من عراص الحياة خيامه، فوضع في الحبس كغيره، ولم يدر عاقبة أمره أينتهي إلى شره أم إلى خيره، وفي ثاني صفر يوم الأحد عمل فؤاد باشا مجلساً خصوصياً خفياً لم تمسه يد الإعلان، وقد اجتمع فيه العلماء والصدور والأعيان، لم يطلع أحد على ما حصل من المذاكرة فيه، ولا علموا بظواهره ولا خوافيه، غير أنهم علموا بأن فؤاد باشا قد قسم ذوي الجنايات إلى ثلاثة أقسام سالب ومهيج وقاتل مرتكب للإعدام، ولم يعلموا غير ذلك، والله أعلم بما هنالك، فلما أصبح الناس يوم الاثنين ثالث صفر وجدوا سبعين رجلاً قد صلبوا مفرقين في البلد، من أهل الشام الذين كان أكثرهم عليه في الوجاهة يعتمد، وفي خامس صفر تعاظم
стр. 264
الشر، وتفاقم الضر وطم الغم، وانتشر وعم، حيث حبس عالم الشام وفاضل الأنام الشيخ عبد الله الحلبي في دار البلطجية، وعمر أفندي الغزي في التكية، ومفتي دمشق طاهر أفندي، وأحمد أفندي الحسيبي، وعبد الله بك العظم، وسعيد بك بن شمدين آغا، وعبد الهادي أفندي العمري وأحمد أفندي العجلاني نقيب الأشراف، وصالح آغا المهايني وغيرهم من الصدور، كل واحد بمحل بمفرده لا يدخل عليه أحد غير خدمة ولاة الأمور، وكانوا يستنطقونهم في كل يوم، لينظروا ماذا يترتب عليهم من اللوم، وفي سابع صفر أمر فؤاد باشا بتفريغ بعض البيوت لسكنى النصارى
المصابين، ففرغوا من بيوت القيمرية والقنوات وباب توما والسماكة والشاغور، وبعض بيوت باب المصلى بمقدار ما يكفيهم أجمعين. وفي تاسع صفر عادت العساكر إلى الأثمان طالبين من الناس أربع نمر، لإدخالها في العسكرية الشاهانية ذات القدر والخطر، فجمعوا من الناس عدة وافية، وفي خامس عشر صفر كتبوا على مشايخ الحارات سندات بتقديم الأنفار الباقية، وفي حادي وعشرين من صفر فرق على بعض الناس أوراق رسمية، إما بتقديم أولادهم للعسكرية أو بدفع بدل مائتي ليرة عثمانية، وشددوا عليهم في الطلب، وما نجا إلا القليل من العاجزين عن الدفع واستجاروا بالهرب، وفي ثاني وعشرين من شهر صفر حكم فؤاد باشا على أحمد باشا بالإعدام، وعلى جملة من أمراء عساكر النظام، فأخذوهم إلى القشلة القريبة من المولوية، وأعلموهم بما حصل من الأمر عليهم بالقتل فاستسلم أحمد باشا لهذه القضية، وكان صائماً وفي يده دلائل الخيرات فصلى ركعتين ثم سلم نفسه للممات، فعرضوا عليه الماء قبل إزهاق نفسه المطمئنة، فقال لا أفعل لا أفطر إلا في الجنة، فصفوهم وجعلوهم هدفاً للرصاص، وكانوا متأملين إن حسن اعتذارهم ينتج لهم الخلاص، فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا راد لما حكم به وقضاه، وفي ثالث وعشرين من صفر فر فؤاد باشا
стр. 265
إلى بيروت لمراد، وصحبته جملة من المحبوسين، فمنهم من نفاه ومنهم من أدخله للخدمة العسكرية ذات الإسعاد، وفي رابع ربيع الأول صلبوا اثني عشر رجلاً من دروز وإسلام، وفي سادس ربيع الأول قبضوا على أبي يوسف الكحال الدرزي من الحقلة ونفوه بعد أن حبسوه مدة أيام، وفي عاشر ربيع الأول قبضوا على سعيد بك جنبلاط في بيروت وصحبته بعض دروز الجبل الغربي، وفي ثاني وعشرين من ربيع الأول فرضوا على أهالي الشام خمسة آلاف فراش وخمسة آلاف لحاف وخمسة آلاف وسادة، وفي رابع وعشرين من ربيع الأول رجع فؤاد باشا إلى الشام، وفي سادس وعشرين منه أمر على ترجمانه إبراهيم بك كرامة بالحبس ثم نفاه بعد أن أذله الإذلال التام، وحينما انتقل النصارى إلى البيوت التي فرغها لهم ذلك الوزير الكبير، عين لكل فرد منهم خرجاً يكفيه من كبير وصغير، وسافر كثير من النصارى إلى بيروت واسكندرية، ليتسلوا عن مصيبتهم القوية، وفي غرة ربيع الثاني أنزلوا ورقة بدل العسكرية من مائتي عثمانية إلى مائة عثمانية، وفي رابع ربيع الثاني أحضروا علي بك العظم ومحمد صالح أفندي بن الشيخ عبد الله الحلبي ووضعوهما في الدائرة الحبسية، وفي خامس ربيع الثاني نهار السبت عند طلوع الشمس نفوا الذوات المرقومين جميعاً إلى الماغوصة ذات الغم الشديد، وفي ثاني يوم سافر فؤاد باشا وصحبته جميع العسكر الجديد، وفي يوم الثلاثاء من ربيع الثاني وضعوا في كل ثمن مجلساً مخصوصاً لجمع السلاح من أهل الشام، وبعد تمام جمعه نقلوه إلى القلعة ووضعوه تحت الحرس بكل اهتمام، وفي يوم الأحد ثالث عشر ربيع الثاني أخذوا محمد سعيد بك بن شمدين آغا الكردي وكيخية السر عسكر وهو أحمد باشا الشهيد وتفكجي باشي والشيخ عبد الرزاق القوادري وديوان أفندي وشيخ قرية دوما وغيرهم إلى بيروت تحت الحفظ، وفي سابع عشر ربيع الثاني انفصل معمر باشا والي الشام،
стр. 266
وولى مكانه رشدي أفندي الشرواني مفتي مجلس فؤاد باشا قائمقام لا بالأصالة، وبهذا التاريخ حضر فرمان سامي من الدولة مضمونه أن فؤاد باشا مفوض الرأي في عرب ستان لا يحتاج إلى مخابرة الدولة، وفي حادي وعشرين من ربيع الثاني طرحت الحكومة المال القديم المكسور وقسطوه على ثلاث دفعات، في كل مدة ثلاثة أشهر قسط، وكل قسط بمقدار كامل الترابية، وفي خامس وعشرين من ربيع الثاني يوم الجمعة وجهت رتبة إفتاء دمشق الشام على محمد أمين أفندي الجندي، عوضاً عن طاهر أفندي المنفي إلى الماغوصة، وفي يوم السبت الحادي عشر من ربيع الثاني سافر والي الشام الأسبق معمر باشا إلى الآستانة لفصله من منصبه، وفي يوم سادس وعشرين من ربيع الثاني أغلق فؤاد باشا المحاكمة والتفتيش على التهمة، بحيث لو اشتك واحد من النصارى بأن فلاناً قتل ولدي أو والدي أو أخذ مالي لا يقبل منه، لأن القضية من وقتئذ انتقلت إلى البدل بالمال، وقد ألقى الباشا المرقوم خطابه على العموم بقوله قد عرف الناس أجمعون أن الحادثة المؤلمة التي حصلت في مدينة دمشق كانت جناية عظيمة مخالفة للشرع الشريف، وللقانون
المنيف، وقد أورثت تأثراً عميقاً وكدراً بليغاً في قلوب أهل الإسلام قاطبة. ولما كان منوطاً بذمة همة السلطنة السنية إيفاء مقتضيات عدالة الشريعة، فقد أجريت مجازاة الذين تحققت مشاركتهم في الجناية المذكورة على درجات مختلفة، وكما أن تلك الواقعة كانت من أخص الأشياء المستهجنة والمكروهة جداً لدى ذوي العرض من أهل دمشق وضواحيها، كذلك الذين أفلتوا من محال المجازاة الدنيوية سيعيشون بالخوف والرعدة تحت طائلة ترهيب الجزاء الذي جوزي به رفقاؤهم منتظرين المجازاة العادلة، من لدن الله العزيز ذي العدل والانتقام وإن في ذلك لعبرة مؤثرة للجميع، لأننا نرى واضحاً لوائح الأسف والندم ظاهرة عليهم. ولما كان أهالي المحلات الذين كانوا سبباً لهذه الواقعة قد نالوا جزاءهم بتحملهم أضرار الأهالي المصابين بواسطة الضريبة التي قر القرار الآن على تحصيلها منهم، وكان استحصال الأسباب التي من شأنها إيجاد الائتلاف المطلوب دوامه واستقراره بين عموم صنوف التبعة السلطانية من أهم الأمور وأقصى المرغوبات، فقد أغلق من الآن فصاعداً بالكلية باب المحاكمة والتفتيش على التهمة نظراً إلى الواقعة السابقة، بشرط أن تدوم باقية الأحكام الجزائية التي جرت حتى الآن، وبما أن هذا القرار هو أثر المرحمة السنية، والشفقة الملوكية، وبما أن التبعة السلطانية المصابين وإن كانوا مجروحي الأفئدة والقلوب، ما برحوا يظهرون خلو أفكارهم من التفتيش على الانتقام الشخصي، بناء على أن أولئك الذين أوصلوا لهم المضرة بأيدي التعدي قد استتروا، مستظلين فيما بين أهل العرض إخوتهم في الوطن، فيجب والحالة هذه على كل إنسان أن يثابر على وظائف ذمة التبعية والإنسانية بتمامها، مجتنباً ومتوقياً كل التوقي الحركات المخالفة للرضا العالي، وليعلم الجميع أنه من الآن فصاعداً كل من وقع منه أدنى معاملة رديئة وسوء قصد بحق غيره بأية صورة كانت جليلة أو حقيرة، فبحسب المنحة السنية المعطاة لنا من طرف الحضرة السلطانية، لا يحصل أدنى تأخر عن مجازاته القانونية، وبناء عليه أصدرنا هذا الإعلان لإصلاح أحوال سورية، ليحيط الناس به علماً انتهى.، وقد أورثت تأثراً عميقاً وكدراً بليغاً في قلوب أهل الإسلام قاطبة. ولما كان منوطاً بذمة همة السلطنة السنية إيفاء مقتضيات عدالة الشريعة، فقد أجريت مجازاة الذين تحققت مشاركتهم في الجناية المذكورة على درجات مختلفة، وكما أن تلك الواقعة كانت من أخص الأشياء المستهجنة والمكروهة جداً لدى ذوي العرض من أهل دمشق وضواحيها، كذلك الذين أفلتوا من محال المجازاة الدنيوية سيعيشون بالخوف والرعدة تحت طائلة ترهيب الجزاء الذي جوزي به رفقاؤهم منتظرين المجازاة العادلة، من لدن الله العزيز ذي العدل والانتقام وإن في ذلك لعبرة مؤثرة للجميع، لأننا نرى واضحاً لوائح الأسف والندم ظاهرة عليهم. ولما كان أهالي المحلات الذين كانوا سبباً لهذه الواقعة قد نالوا جزاءهم بتحملهم أضرار
стр. 267
الأهالي المصابين بواسطة الضريبة التي قر القرار الآن على تحصيلها منهم، وكان استحصال الأسباب التي من شأنها إيجاد الائتلاف المطلوب دوامه واستقراره بين عموم صنوف التبعة السلطانية من أهم الأمور وأقصى المرغوبات، فقد أغلق من الآن فصاعداً بالكلية باب المحاكمة والتفتيش على التهمة نظراً إلى الواقعة السابقة، بشرط أن تدوم باقية الأحكام الجزائية التي جرت حتى الآن، وبما أن هذا القرار هو أثر المرحمة السنية، والشفقة الملوكية، وبما أن التبعة السلطانية المصابين وإن كانوا مجروحي الأفئدة والقلوب، ما برحوا يظهرون خلو أفكارهم من التفتيش على الانتقام الشخصي، بناء على أن أولئك الذين أوصلوا لهم المضرة بأيدي التعدي قد استتروا، مستظلين فيما بين أهل العرض إخوتهم في الوطن، فيجب والحالة هذه على كل إنسان أن يثابر على وظائف ذمة التبعية والإنسانية بتمامها، مجتنباً ومتوقياً كل التوقي الحركات المخالفة للرضا العالي، وليعلم الجميع أنه من الآن فصاعداً كل من وقع منه أدنى معاملة رديئة وسوء قصد بحق غيره بأية صورة كانت جليلة أو حقيرة، فبحسب المنحة السنية المعطاة لنا من طرف الحضرة السلطانية، لا يحصل أدنى تأخر عن مجازاته القانونية، وبناء عليه أصدرنا هذا الإعلان لإصلاح أحوال سورية، ليحيط الناس به علماً انتهى.
وفي يوم السبت ثامن عشر جمادى الأولى حضر إلى الشام معتمدون من طرف الدول الأجانب الأروباوية، لينظروا بما حصل على النصارى وبما حصل من المجازاة على الأشقياء ذوي التعدي، ثم إنه في هذا التاريخ أرسل فؤاد باشا إعلانات لسائر الأثمان ليقرأ على العموم، بحيث لا يجهله أحد، ونصها حرفياً: هو معلوم لدى الجميع أن الواقعة المؤلمة التي حصلت في دمشق لم يسبق لها مثال، ولا ذكر لها نظير في التواريخ القديمة ولا الحديثة، وهي مادة فاضحة منافية لأحكام الشريعة المحمدية
стр. 268
العادلة، ومخالفة للإنسانية والمدنية، وبما أن الله سبحانه قد كلف عباده العدل والإحسان، وأمرهم أن يتجنبوا الجور والغدر، وبما أنه فرض على ذمة ولي الأمر إنفاذ الأوامر الإلهية على الدوام، فقد تعلقت الإرادة السنية بأن تجري على الفور المعاملات التي يقتضيها الحال في هذا الباب، فأصحاب الجنايات قد لقوا تأديبهم وتربيتهم جزاء لقبائحهم وذنوبهم التي ثبتت لدى التحقيق بالبراهين الكافية، والذين أفلتوا من المجازاة الدنيوية فإنهم ينتظرون بالندم عقاب الآخرة على ارتكاباتهم، ثم لا يخفى أنه من آثار تلك الواقعة، هو أن المظلومين المصابين هم محرومون أموالهم وبيوتهم وأشياءهم، وأن كثيراً من التبعية السلطانية لا محل لهم ولا مأوى يتعيشون من الإعانة المعطاة لهم من طرف الدولة العلية، ولما كان استحصال الأسباب لإصلاح أحوال هؤلاء المصابين ورفع اضطرابهم من أخص مرغوبات الدولة العلية كان يجب على أهالي دمشق وأهالي الإيالة قاطبة صرف الهمة والجهد في هذا الباب، لأجل تطهير وطنهم من هذه النقيصة التي عرضت له، وبناء عليه ينبغي أن يعطى هؤلاء المصابون المسيحيون مبلغاً كافياً من الدراهم لأجل تعمير بيوتهم وترميمها، ولأجل سد احتياجاتهم الضرورية، وتيسير لوازمهم، ومع أن أمر تحقيق متلفاتهم هو مباشر فيه الآن، ومعلوم أن إيفاء جميع تضميناتهم دفعة واحدة من الأهالي هو خارج عن دائرة الإمكان، وأن أمر تسوية ذلك من طرف الخزينة هو مما لا يساعد عليه الوقت ولا الحال، ومن ثم قد حصل القرار على طرح ضريبة فوق العادة على أهالي مدينة دمشق نفسها، وأهالي النواحي الأربع التي في جوارها، والقضاوات التابعة لها، وعلى طلب إعانة من بعض المحلات، وقد أعلنت صورة طرح ذلك وطريقة استيفائه في قرار مخصوص، فالدراهم المطلوبة الآن ضريبة فوق العادة، ربما
стр. 269
ظهرت في أول الأمر كثيرة، إلا أنها تظهر لا محالة قليلة، إذا قيست بالجناية الواقعة، وحسبت القسامة الشرعية عن المقتولين الذين لا يعرف قاتلوهم، لأنه في دمشق لم يتلف المال فقط، بل أريق دماء كثيرين أيضاً كما لا يخفى، وبما أن أمر التعمير وتضمين الضرر الذي لحق بمسيحي دمشق هو من مقتضيات معدلة الشرع والقانون، تكون الدراهم التي تعطى لذلك إيقاء وظيفة وخدمة عائدة إلى المعدلة، وتكون المساعي التي تصرف وجوباً لإصلاح أحوال المصابين واسطة لتطهير ذلك القطر من وصمة الدم المظلوم الذي التطخ به، ووسيلة لزوال عارض الكساء الذي اعترى صنائعه وتجارتهن وبما أن باب الدعاوى والمحاكمات من جهة الوقوعات السابقة قد أضحى من الآن فصاعداً مغلقاً كما تبين في إعلان آخر، فمهما بذل طمعاً في استحصال كذا نتيجة لا يكون شيئاً كثيراً، وإذا كان ما طرح على كل إنسان مطابقاً لقاعدتي العدل والحقانية، لا ينبغي لأحد أن يستصعب أداء ما يلحقه من ذلك، بل يليق بكل إنسان أن يسمح بخسارة شيء من فخره وراحته بواسطة الحصة التي يؤديها حباً بدفع هكذا بلية، فإنه لا يخل برفعة واعتبار من كانت عادته ركوب جواد مسوم مثلاً إذا ركب برذوناً، ولا باعتبار من اعتاد تناول الأطعمة النفيسة المتفننة أن يقتات بالطعام البسيط، والإنسان العاقل يجب عليه أن ينظر إلى المصيبة التي أصيب بها جاره، ولا يلتفت منعكفاً على خسارته المالية، وليعلم أن تأدية ما توزع من هذه التضمينات في المدة المعينة هو فرض لابد منه، وعلى موجبه يكون إجراء العمل، ومن أظهر أدنى رخاوة أو تهاون في ذلك لا يمضي أدنى وقت عن إجراء تربيته وتأديبه، ولكي يكون ذلك معلوماً لدى الجميع قد نشر هذا الإعلان، لإصلاح أحوال سوريا فأعلموه واعتمدوه كل الاعتماد. انتهى، ثم إن فؤاد باشا
стр. 270
تاسع جمادى الأولى عين في كل ثمن من أثمان دمشق مجلساً مؤلفاً من أعضاء ورئيس، لكي يطلبوا
أنفاراً ودواب لتعزيل حارة النصارى من التراب، لتيسير عمارتها وإعادتها، ونظير ذلك في القرى المجاورة لدمشق من مسافة عشرة أميال إلى سور البلد من النواحي الأربع، وأرسلوا كذلك مأموراً بأن يقطع الأخشاب اللائقة للعمارة، ويحضرها إلى محلة النصارى، وفي غرة جمادى الثانية حصل الأمر بعد الأنفس، وقد تمت دفاتره في غاية رمضان، فانتهى في مدة أربعة أشهر، وفي سابع عشر من جمادى الثانية أرسلوا جملة من العساكر إلى أربع قرايا حول الشام سكانها من الدروز، وهي صحنايا والأشرفية وجرمانة والدرخبية، فقبضوا منهم على نحو مائة شخص، وحرقوا جرمانه، ووضعوا الأشخاص في الحبس، وفي يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الثانية دخل الشام واليها أمين باشا، وفي يوم الأربعاء ثاني رمضان توفي عمر أفندي الغزي في قلعة الماغوصة، وفي عشرين من رمضان وجهت النقابة إلى الشيخ أحمد الكزبري، وفي ختام رمضان توفي جناب أحمد أفندي النقيب في رودس، وفي عاشر شول فرض على الشام ألفان وثمانمائة كفية منضا بولاد للعساكر الشاهانية، وفي سادس وعشرين من شوال جمع فؤاد باشا جملة من أهل البلد وتلا عليهم ما قر قراره عليه من فرض أموال العمارة حارة النصارى، وأنه سينشر لها قانوناً مخصوصاً مفصلاً، وفي غاية شوال سافر فؤاد باشا ومعه حرمه إلى بيروت، وفي عشرين من ذي القعدة الحرام أرسل فؤاد باشا القانون الموعود بذكره وسماه قرار الضريبة، وإعانة فوق العادة المطروحة الآن على أهالي ولاية الشام، فأرسلوه إلى مجالس الأثمان ورؤساء النواحي ليعملوا بمقتضاه مع التشديد ببذل الهمة، وهذا القانون مؤلف من إحدى وعشرين مادة مفصلة، وأنا أذكرها لك مجمله، لطول تفصيلها المخرج لنا عن نهج الاختصار المطلوب. ونص مقدمته: بما أن أناساً كثيرين من التبعة السلطانية المسيحيين قد
стр. 271
نهبت أموالهم واحترقت بيوتهم في خلال المصيبة التي ألمت بهم، في الوقعة المؤلمة المعلومة التي نشبت في دمشق، فكان من مقتضى المعدلة السنية النظر في تضمين أضرارهم، وإصلاح أحوالهم، فلهذا حصلت المبادرة لتخمين كمية هذه التضمينات وتعيينها، على وجه الحقانية، وسيظهر مقدارها، وكيفما كان لابد أن يتبين أن ذلك مبالغ جسيمة، وكما أن هذه الوقعة نشأت في البلدة المذكورة بالمشاركة مع القرى الواقعة بأطرافها، فكذلك أهالي بعض القضاوات كانوا مشتركين في الوقعة المرقومة، وفي الوقوعات التي حدثت في سائر جهات الولاية، ولهذا أضحى يلزمهم أيضاً أن يتحملوا جميع هذه التضمينات، التي لو أخذت بتمامها من دمشق ونواحيها والقضاوات التابعة لها لما كان شيئاً مغايراً للعدل، نظراً للجناية الواقعة، لكن بما أن هذا موجب لخراب الأهالي بالكلية الذي لا يمكن تجويزه، فالسلطنة السنية مع ما هي فيه من أنواع المصارف والمشكلات صارت مضطرة أن تعطي خزينتها الجليلة، من أصل هذه الدراهم، المقدار الخارج عن درجة تحمل الأهالي، وهكذا من كون تحصيل المبلغ المقتضى أخذه من الأهالي في دفعة واحدة موجبة لزيادة التضييق عليهم، رئي أن يتحصل منهم جانب في دفعة واحدة، والباقي يعطى من خزينة الدولة على شرط أن يتحصل فيما بعد من الأهالي بالتدريج، في الأوقات المناسبة المعتدلة، على أن تلك الدراهم التي ينبغي أخذها منهم دفعة واحدة تتحصل في أقرب وقت، لكي يعطى لكل من مصابي المسيحيين المتعيشين من الإعانة مقدار على الحساب من أصل تضميناتهم، ويحصل التشبث حالاً في مقدمة أسباب إصلاح أحوالهم وإعادتها، ويغلق مع هذا باب كبير دعاوي الجناية، ويستحصل أمر حسن الائتلاف المهم المطلوب دوامه بين الأهالي، وكما أن أهالي تلك المحلات المشتركين في هذه الوقوعات، والمتداخلين بها يجب عليهم أن يؤدوا إتاوة فوق العادة لأجل التضمينات، والسلطنة
стр. 272
السنية قد اختارت من الفداية أنواعاً كثيرة في سبيل إصلاح هذه المصيبة ومحو آثارها، فهكذا يجب على سائر أهالي المملكة بحسب حميتهم المجبولين عليها أن يعطوا على غير معنى المجازاة، إعانة على مقدار درجة تحملهم لأجل دفع هذه البلية التي عرضت على وطنهم العمومي، وبما أن الملكية التي يقتضي إعطاؤها من طرف خزينة الدولة لأجل عموم التضمينات، والحصة التي يجب على الأهالي إيفاؤها مع المبالغ المقتضي أخذها بالتدريج، سوف تعرف مقاديرها في ختام تخمين التضمينات، فقد نفذ الحكم الفصل من لدن
مأمورية فوق العادة، المخصوصة لإصلاح أحوال سورية، محتوياً على تبيين مقدار ضريبة فوق العادة التي تخصصت الآن على أهالي المحلات المتداخلين في الوقوعات، مع المقدار الذي ينبغي أن يفرض على أهالي المحلات الغير المتداخلين بذلك، أن يعطوه على سبيل الإعانة دفعة واحدة. لعادة، المخصوصة لإصلاح أحوال سورية، محتوياً على تبيين مقدار ضريبة فوق العادة التي تخصصت الآن على أهالي المحلات المتداخلين في الوقوعات، مع المقدار الذي ينبغي أن يفرض على أهالي المحلات الغير المتداخلين بذلك، أن يعطوه على سبيل الإعانة دفعة واحدة.
المادة الأولى إن المبلغ الذي تعين أخذه دفعة واحدة من إيالة الشام، على حساب عموم تضمينات الوقوعات السابقة، بشرط أن يستثنى من ذلك الأهالي المسيحيون، وأولئك الأشخاص المعلومون الذين شوهدت منهم الخدمة في الوقوعات المذكورة، بلغ لدى الحساب تسعين ألف كيس، فمن ذلك مبلغ خمسة وثمانون ألفاً وسبعمائة وسبعة وستون كيساً ينبغي طرحها على المحلات المتداخلة في الوقوعات المعلومة، التي هي أولاً نفس مدينة دمشق، ثانياً قرى النواحي الأربع، ثالثاً قضاوات بعلبك والبقاع وحوران وجيدور وجبل الدروز الشرقي وحاصبيا وراشيا، ويكون تحصيلها منهم جزاءً نقدياً وضريبة فوق العادة، وأربعة آلاف ومائتين وثلاثة وثلاثون كيساً تتمة المبلغ، ينبغي تحصيلها على صورة الإعانة من قضاوات حمص وحماة وحصن الأكراد ومعرة النعمان وعجلون والقنيطرة وايكى قيولى.
стр. 273
المادة الثانية محصلها تسهيل تأدية مبلغ التسعين ألف كيس بأن يحسب منها ثمن الأخشاب وأجرة إزالة التراب من حارة النصارى، وكيفية جمع الأموال، وهكذا بقية المواد إلى آخرها كلها متعلقة بالبيان والتفصيل والتخصيص بمقادير مخصوصة على المحلات القريبة والبعيدة مما لا حاجة إلى ذكره، بعد معرفة إجمال المقصود وبيانه مما ذكرته. فلما علم الناس هذا الحال ضاق أمرهم لذلك، وصاروا يبيعون متاعهم وأثاث بيوتهم في هذه المصيبة التي كانت سماً قاتلاً على النصارى والمسلمين، فكأنه انتقام على أمر عظيم أصاب الناس جميعاً صالحهم وطالحهم، نسأل الله العافية وأن يلهم الجميع صبراً، وأن يعوضهم خيراً وأجراً. ثم بعد تمام هذه الأحوال، وترتيبها على هذا المنوال، وجهت الصدارة العظمى لفؤاد باشا وطلب إلى دار السلطنة المحمية فخاطب أهل سورية عموماً وخصوصاً بهذا الإعلان، وهو قوله:
يا أهل سورية إنني سأفارقكم نظراً لتوجيه خدمة الصدارة علي من إحسان حضرة ولي نعمتنا مولانا السلطان المعظم، وبما أن الوقائع المؤلمة التي نشبت أظفارها في العام الماضي بهذه الجهات، وكانت موجبة لنفور أهل العرض قد زالت ولله الحمد آثارها الرديئة، بظل ظليل التوفيقات السلطانية، واستقرت راحة المملكة وأمنيتها، وحصل التشبث باستحصال الأسباب الموجبة إصلاح أحوال الأهالي المصابين، ترونني الآن راجعاً إلى دار السعادة مصحوباً بالتسلية الوحيدة، وهي أنني أشاهدكم إن شاء الله تعالى في وقت قريب بحالة سعيدة، تنسيكم الحالة التعيسة التي أصابتكم قبلاً، وبما أن المأمورية المحولة لعهدتي، هي بدون استثناء خدمة لحصول آثار النية السلطانية الشفوقة تماماً نحو كافة التبعة الملوكية، وحال اجتهادي بذلك سأعتني بالأخص في أشغال هذه الجهات، لكوني من بعد الآن أعتبر ذاتي سورياً قلبياً، وعلى وفاق الأمر الواجب الإذعان الملوكاني،
стр. 274
قد أحيلت محافظة صيانة المملكة واستودع إصلاح تأمين أحوال الرعية لعهدة مشير المعسكر السوري السلطاني، حضرة صاحب الدولة عبد الحليم باشا، وصفات المشار إليه وغيرته واستقامته الثابتة، تمنح الكفالة اللازمة للجميع، وكافة المأمورين الكرام أيضاً هم ومن بدوائرهم من كونهم سيصرفون الإقدام التام بهذه الخصوصات، لا ريب بأن الجميع يكونون مستريحي البال في ظليل الاقتدار السلطاني، إذ لا يحصل أدنى نقصان في آثار المراحم الملوكية التي صرفت حتى الآن نحو الأهالي المصابين، فيجب في مقابلة ذلك أن جميع الأهالي تكون حركاتها موافقة لآثار أفكار الحضرة السلطانية الخيرية، ويكون كل صنف من التبعة متمسكاً بقاعدة الاتحاد وحب الوطن وخدمته، والقيام بإيفاء أوامر الدولة والوظائف السلطانية بالتمام، كما هو المأمول بحميتهم، وبما أن حضرة المشير المشار إليه مأذون بإجراء التأديبات السريعة الشديدة بحق الذين يتجاسرون سواء كان شخصاً أو جمعية على وقوع أدنى حركة مغايرة للرضى العالي، اقتضى إشهار هذا الإعلان من مقام الصدارة العظمى، ليحيط الجميع علماً بما فيه ويتجنبوا مخالفته انتهى.
ثم إنه بعد ذلك استقامت الأحوال، وأخذ الكرب الشديد يميل نحو الاضمحلال، وابتدأت المحبة تعود بين عموم أهل الوطن، وزالت عن الجميع تواترات المحن، وتألفت القلوب، وتنحت الكروب، وكاد أن يعود الوداد إلى أصله، واضربت الظواهر صفحاً عما كان ذلك الكرب والغم من أجله، إلى أن أعاد الله المحبة القديمة، والراحة العميمة، وحقت كلمة العذاب على أهل الشقاء، ودارت عليهم والعياذ بالله دوائر البلاء. فالحمد لله على راحة العباد، وعود المحبة بين العموم والوداد، وقد تم
стр. 275
الكلام على هذه الحادثة بالاختصار الغير المخل، ولو أردت ذكرها بتفاصيلها وتفاريعها لأدى ذلك إلى الإسهاب الممل. والله أعلم.
الأمير أحمد أفندي الروزنامجي المعروف بالصفاتي الشافعي المصري
الجناب العالي، واللوذعي الغالي، قال الجبرتي في ترجمته: ذو الرياستين والمزيتين والفضيلتين، تقلد وظيفة الروزنامة بديوان مصر عندما كف بصر إسماعيل أفندي فكان لها أهلاً، وسار فيها سيراً حسناً، بشهامة وصرامة ورياسة، وكان يحفظ القرآن حفظاً جيداً، وحضر في الفقه والمعقول على أشياخ الوقت قبل ذلك، وكان يحفظ متن الألفية لابن مالك، ويعرف معانيها ويحفظ كثيراً من المتون، ويباحث ويناضل من غير إدعاء للمعرفة والعالمية، فتراه أميراً مع الأمراء، ورئيساً مع الرؤساء، وعالماً مع العلماء، وكاتباً مع الكتاب، توفي المترجم في عشرين من ربيع الثاني سنة اثنيتن ومائتين وألف.
الشيخ أحمد الشهير ببرغوث المالكي الأزهري
الورع العالم، والكامل الذي كاد أن يقال إنه من كل عيب سالم، ذو المناقب العديدة، والمآثر الحميدة، والفضائل الباهرة، والنفس الرشيدة الطاهرة، ولد بالبلدة المعروفة باليهودية بالبحيرة وتفقه على أشياخ العصر، ومهر في المعقول والمنقول، وأقرأ الدروس وانتفع به الطلبة واشتهر ذكره بينهمن وشهد الكل بفضله، وكان على حالة حسنة معتزلاً عن الناس، راضياً بما قسمه له مولاه، منكسر النفس متواضعاً ولم يتزي
стр. 276
بزي الفقهاء، ولم يظهر بمظاهر العلماء، يمشي في حوائجه لنفسه، وتمرض بالزمانة مدة سنين يتعكز بعصاه، ولم يقطع درسه ولا اجتهاده، إلى أن توفي يوم الأربعاء خامس شهر صفر سنة أربع وعشرين ومائتين وألف ودفن بتربة المجاورين رحمه الله تعالى آمين.
السيد أحمد بن محمد بن إسماعيل من ذرية السيد محمد الدوقاطي الطهطاوي الحنفي
العالم المشهور، والفاضل الذي هو بكل فضيلة مذكور، كان والده رومياً، فحضر إلى أرض مصر متقلداً القضاء بطهطا، بلدة بالقرب من أسيوط بالصعيد الأدنى، فتزوج بامرأة شريفة، فولد له منها المترجم وأخوه السيد إسماعيل، ولم يزل مستوطناً بها إلى أن مات عن المذكورين وأخت لهما، فحضر المترجم إلى مصر سنة إحدى وثمانين ومائة وألف، وكان قد بدا نبات لحيته بعد ما حفظ القرآن ببلده، وقرأ شيئاً من النحو، فدخل الأزهر، ولازم الحضور في الفقه على الشيخ أحمد الحمامي والمقدسي والحريري والشيخ مصطفى الطائي والشيخ عبد الرحمن العريشي حضر عليه من أول كتاب الدر المختار إلى كتاب البيوع، وتمم حضوره على الشيخ حسن الجبرتي مع الجماعة، لتوجه الشيخ عبد الرحمن المذكور لدار السلطنة لبعض المقتضيات سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف فالتمس الجماعة تكملة الكتاب على الشيخ حسن المذكور، فأجابهم لذلك والمترجم معهم، وفي أثناء ذلك قرأ المترجم مع ولد الشيخ حسن على الشيخ عبد الرحمن نور الإيضاح، بعد انصراف الجماعة عن الدرس، وذلك لعلو السند، فإن الشيخ المذكور تلقاه عن ابن المؤلف، وهو عن جد الشيخ حسن عن المؤلف، ولم يزل المترجم يدأب في الاشتغال والطلب مع
стр. 277
جودة ذهنه وخلو باله وتفرغه، وتلقى الحديث سماعاً وإجازة عن كل من الشيخ حسن الجداوي والشيخ محمد الأمير والشيخ عبد الحليم الفيومي، ثلاثتهم عن الشيخ علي العدوي عن الشيخ محمد عقيله بسنده المشهور، ولما مات الشيخ إبراهيم الحريري تعين المترجم لمشيخة الحنفية، فتقلدها على امتناع منه، فاستمر إلى أن أخرج السيد عمر مكرم من مصر منفياًن وكتبوا في شأنه إلى الدولة ونسبوا إليه ما لم يحصل منه، وطلبوا الشهادة من المترجم، فامتنع فعزلوه من المشيخة، وقلدوها الشيخ حسيناً المنصوري، فلما مات أعيدت إلى المترجم، وذلك في غرة صفر سنة ألف ومائتين وثلاثين، وفي هذه السنة بنى لنفسه مقبرة يدفن فيها بعد موته بجوار الشيخ أبي جعفر الطحاوي، بالقرافة، بجانب مقام الأستاذ المرقوم، وغب ذلك تمرض وتوفي ليلة الجمعة بعد الغروب خامس عشر شهر رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف، وله من المآثر حاشية على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في أربع مجلدات، جمع فيها المواد التي على الكتاب وضم إليها غيرها رحمه الله تعالى.
الخطيب أحمد البساطي المدني
هو من رجال اللآلىء، الثمينة، في أعيان شعراء المدينة، قال مؤلفها في ترجمته: جليل قدر نبتت في عراص مجده نبعات المحامد، وفسيح مفاخر لها الوصف الكريم حامد، ولطيف شمائل تزري بلطف الشمول، وظريف خصال تهب كنسيم القبول، ظهر في الأدب باعه، وحسن فيه انطباعه، وبدت له فيه مزايا، كمنت في زوايا خبايا، كم له من قصائد باللطائف معمورة، وأزاهر كلام بقطر البداعة ممطورة، تملأ المسامع سروراً وجذلاً، وتهدي إلى القلوب طرباً متصلاً، فمنه قوله مادحاً لي:
أهدي السلام لعزيز القدر ... من ساد بالفضل أهالي العصر
стр. 278
أعني ابن عبد السلام من سما ... بالعلم أسمى رتبة في الفخر
سراجنا الفاضل ذا شمس الهنا ... باهي الحيا مخجلاً للبدر
مترجم الأعيان أهل طيبة ... في تحفة الدهر ونفح الزهر
شهماً أديباً راقياً أوج العلا ... ونظمه فاق عقود الدهر
ونثره اللؤلؤ ضاء نوره ... إذا بدا كلامه في السطر
يظهر سره ومعناه لمن ... ينظر في ألفاظه بالفكر
إذا تأملت ترى في نظمه ... قولاً بديعاً وكذا في النثر
له معان واستعارات كذا ... علم بيان باهر كالسحر
وقد أجابه صاحب اللآلىء الثمينة، في أعيان شعراء المدينة، وهو الفاضل العلامة عمر بن عبد السلام المدرس الداغستاني بقوله:
بدر الدجى بان لنا في الخمر ... أم وجه من رضا به كالخمر
وهذه لآلىء قد نظمت ... أم أنها أسنان ذاك الثغر
وما أرى هل هو ورد ناضر ... أم حسن خد بالحيا محمر
وهل فتور في الجفون قد بدا ... أو الخمار أو دبيب السحر
وهي قصيدة طويلة ومن لطائف المترجم أيضاً قوله:
القلب من ألم الفراق مفرط ... والروح مني اليوم كادت تظهر
والجسم ملتهب بنيران اللظى ... والدمع من عيني دماً يتقطر
أبكي على ما حل بي من فقدكم ... والقلب مني عنكم لا يصبر
تعس الفراق وفعله يا سادتي ... قد أحرم الأعيان فيكم تنظر
لو تبصروا حالي وما قاسيته ... أو تسمعوا من بالحقيقة يخبر
لبكيتم حزناً على ما حل بي ... هذا المقدر في الجبين مسطر
يا هل ترى الرحمن يجمع شملنا ... بعد الفراق وكسر قلبي يجبر
ومن نظمه أيضاً قوله:
ناديت خلي كي يشرف موضعي ... فأجابني فوراً بغير تمنع
стр. 279
وافى بقد أهيف ولي انثنى ... شبه القنا من تحت ذاك المقنع
لما أتاني زائراً قبلته ... في ثغره الحالي فزاد تولعي
وله شرعت أقول أهلاً يا رشا ... آنست صبك يا غزال الأجرع
قد كان يوماً أزهراً بوصاله ... فهو الحبيب
يسمو على الحور الحسان بطلعة ... كالشمس تطلع في سماء البرقع
فلقده يزري الغصون إذا مشى ... بتمايل ورشاقة وتصنع
أودعته للواحد الأحد الذي ... أنشاه كالبدر المنير الأسطع
طعن القلوب بسهم قوس لحاظه ... طعناً قوياً نافذاً من أضلعي
ما شاهدت عيني مليحاً مثله ... رشقاً خفيف الروح ريماً أتلعي
هام الفؤاد به ومزق مهجتي ... هم الغرام صبابة بتوجعي
لما توجه رائحاً من منزلي ... ومضى لمنزله كظبي مسرع
أصبحت محزوناً لفقد جماله ... حيران في أمري أكفكف أدمعي
سر يا رسولي للذي سكن الحشا ... أخبره أني منكو بتلعلع
رح قل له ارحم يا معنى مغرماً ... مضنى سقيماً لا يضيق ولا يعي
أعد الزيارة سيدي فلعله ... يشفى بقربك من أليم المضجع
فعساه يسمح لي بوصل عاجل ... يحيي به قلب الحزين المولع
انتهى باختصار توفي المترجم في القرن الثالث عشر.
السيد أحمد باعلوي جمل الليل المدني
السيد المفضال، المتحلي بملابس الحسن والجمال، فلا ريب أنه غيث رياض الجود، وغوث الملتجىء المنجود، والحبر المسكي الأرج، فحدث عن البحر ولا حرج، قرأ في المدينة المنورة وأخذ عن علمائها، وحضر دروس أعيانها وفضلائها، ومن أجلتهم عملاً وعلماً، وأكملهم جاهاً وقدراً
стр. 280
ومعرفة وفهماً، الكبير الفاضل، والخطير الكامل، محمد بن عبد الله المغربي السجلماسي الفاسي، والعلامة الشيخ عبد الله الجوهري، والشهاب أحمد الدردير، وتصدر في المدينة المنورة لإفادة العلوم الشرعية، والفنون العقلية والنقلية، وهو من رجال اللآلىء الثمينة في أعيان شعراء المدينة، لعمر بن عبد السلام المدرس الداغستاني، وقد ترجمه فقال: سيد شريف ذو قدر منيف، ومجد ظله وريف، وفخر غيثه وكيف، وفضل كالبدر سناء، والثريا علاء، ونبل وبديهة، وفكرة عن الخلل نزيهة، فمثله من يمدح ذكاؤه، ويرقش ثناؤه، فإنه الجامع أنواع المعالي، والقاطف أزهار أغصان العوالي، والمشتغل من ابتداء الشباب، بالاستفادة والاكتساب، حتى ملك من مسائل الفقه صعابها، وكشف له الجد عن عرائس مخبآته نقابها، فأصبح بسبب تحصيله، في سائر الفنون فريد جيله، ولكم أبدى من النثار عقائل أفكار، وفرائد بدائع ما لهن ثواني، أحسن من المثالث والمثاني، ومن سماع شوادي الغواني، برقيق الأغاني، كأنها الروض المريع، والزهر البديع، وله من النظم لمع أبهى من لوامع النجوم، وأزهى من الدر المنظوم، وأسلس من الرحيق المختوم، منها قوله:
هذا العقيق وذي ربا أزهاره ... فانشق عبير خزامه وعراره
وأنخ مطيك في حماه فإنه ... حمد السرى يهنيك طيب قراره
стр. 281
فاخلع ردا الترحال صاح وحل من ... عزم السفار وثيق شد إزاره
وانزل بساحة ذا الكريم ومن يزف ... بنزيله فيداره في داره
غوث الوجود وغيثه وملاذه ... إن تبد من غاب الخطوب صواره
مولى الأنام الهاشمي المصطفى ... والمعقل الأحمى لحومة جاره
والعوذ من ظمأ الزحام إذا همى ... هول الجحيم وكر كرب أواره
فاسكب دموعك في ثرى أعتابه ... وامسح خدودك في ثرى آثاره
واقصده في كل المقاصد راجياً ... وحذار أن ترجو سواه حذاره
وإذا خشيت من الحوادث ريبها ... أو خفت بث صروفه وضراره
فاجنح لناديه الرحيب وناده ... واخلص دعاك وقل تجاه مزاره
يا من له الجاه العظيم وربه ... لاشك يسعد منتمٍ لجواره
يا من إله العرش ﷻ ... خلق الوجود ليؤذنن بفخاره
إن الكرام ومنك كل نوالهم ... يرتاح فيضهم إلى استدراره
كم جيد سؤل قد أتاك معطلاً ... حلاه جودك من عقود بحاره
نرجو بجاهك من إلهك نظرة ... في موقف العقبى وزفرة ناره
ورضا يعم الكل سيب سحابه ... والبرء من مرضى الفؤاد وعاره
انتهى مات ﵀ ثالث ربيع الأول سنة ست عشرة ومائتين وألف.
стр. 282
الشيخ أحمد الجامي المدني
هو من رجال اللآلىء الثمينة، في أعيان شعراء المدينة، قال منشئها في ترجمته ﵀ وأحسن مثواه: الشهاب الثاقب، المبدي من قمطر قريحته للكلام أطايب، فاضل ذو فكاهة أنست ابن هاني، ونكات ثمرها الجني للمقتطف داني، وفصاحة ألانت له عصي الكلام، وبلاغة طوعت له أبي النظام، فهو من العلم والأدب في الذروة العليا، ومن طلاقة اللسان في الرتبة الأولى، حلى من كلامه أجياد الأدب بتمائم، وطوقها من إحسانه بأطواق أبهى من أطواق الحمائم، فمن نظمه الذي هو كالتبر المسبوك، والزبرجد المحكوك، قوله من ابتداء قصيدة أرسلها من الروم:
ما لذ لي بعدكم يا عرب ذي سلم ... ربع ومن بعدكم جفني القريح دمي
وما جرى ذكر ذياك العقيق وما ... والاه إلا جرى مني عقيق دمي
ولا جرت نسمات من دياركم ... إلا أهاجت بقلبي لاعج الألم
أستودع الله أحباباً ألفت بهم ... حيا الحيا وسقا سفحاً بسلعهم
أبناء فضل وآداب وليس سوى ... رضيع ثدي العلا والحلم والحكم
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... بالروح يفدونه والمال والحشم
يا ليت شعري هل الأقدار تسعفني ... يوماً وأحظى برؤياهم ووصلهم
لا در در الصفا لا ذر شارقه ... ولا همى برباه سافح الديم
стр. 283
إن لم يكن معهم والشمل منتظم ... بقاع تلك البقاع الفيح والأكم
يا حادي العيس قم عني بواجبهم ... إذا نزلت بواديهم وربعهم
وقل لهم بعد إبلاغ التحية من ... مملوكهم وفدا أعتاب نعلهم
قربان قربانكم والمنحنى وقبا ... وجرفكم والنقا والبان والعلم
لهفي على نسمة من جزع عالية ... وظل ذاك الظليل البارد الشبم
لفي على أطفي بها لهبي ... من عين زرقائكم في الدورق الحرمي
مع ما حوته النخيل الباسقات وما ... من النعيم بذاك الجمع والنعم
لهفي على الروضة الفيحا ومنبرها ... ووقفة بمصلى سيد الأمم
لهفي على تلكم الآثار قاطبة ... وما حوته من الأوصاف والشيم
لهفي عليكم وناديكم وتربكمو ... وحادي الظعن والألحان والنغم
ما آن أن تنشلوا هذا الغريق أما ... آن التواصل يا جيران ذي سلم
ما آن باسادتي أن تشفقوا كرماً ... على الغريب الذي عنه الزمان عمي
الله في مهجة من فقدكم تلفت ... تداركوا رمقي يا ساكني أضم
فإنني مذ توارت شمس طلعتكم ... في الحجب أمسيت ذا لحم على وضم
وله وكتب بها على سفينة أشعار لصاحب اللآلىء الثمينة:
لما نظرت إلى سفينتك النفي ... سة يا سراج وذقت حلو جناها
ورأيت فيها كل معنى يشتهي ... والفكر في بلهاتها قد تاها
حوطت خردها الحسان بما أتى ... بتبارك الفرقان ثم بطه
لاسيما لما طلبت بفاقة ... ماء العذيب ولاح لي بلماها
стр. 284
وجبرن خاطري الكسير وقلن لي ... لنولينك قبلة ترضاها
ثم انثنيت وقلت سبحان الذي ... في نيل مصر الحسن قد أجراها
لا زلت يا سحبان وائل عصرنا ... بك بين أبناء العلا نتباهى
وله مخمساً بيتي مجير الدين الخياط
قل للذي فتكت أسنة هدبه ... في قلب عاشقه ومهجة صبه
كم ذا تروع آمناً في سربه ... يا محرقاً بالنار خد محبه
مهلاً فإن مدامعي تطفيه
فبمن حباك سهام لحظ جارح ... لا توقدن النار بين جوانحي
فإذا أبيت وكنت غير مسامحي ... أحرق بها جسدي وكل جوارحي
واحذر على قلبي لإنك فيه
توفي المترجم بعد الألف والمائتين رحمه الله تعالى.
أحمد بن محمد الأنصاري اليمني الشرواني
إمام فضل قد استوى على كرة الفضائل، وهمام قول وفعل قد احتوى على نخبة الشمائل، وفريد علم قد تحلى بالمجد والمكارم، وحبر فهم قد اعترف له السادة الأكارم، طلع في أفق الكمال بدره، وسما في سماء الجمال قدره، له نباهة تود النجوم الثوابت نيل علاها، وطلعة محيا يتمنى البدر الوصول إلى سناها، وأوصاف قد ترقت إلى أوج الشرف، وكلمات كاللآلىء متجردة عن الصدف، نثره كأنه الزهر اليانع، ونظمه كأنه أقراط المسامع، فمن قوله مكاتباً الشيخ الأديب العلامة عبد الله بن عثمان بن جامع الحنبلي رحمهما الله تعالى:
أعندك ما عندي من الشوق والوجد ... وهل أنت باق في المحبة والعهد
كابد أشجاناً توقد نارها ... بقلبي المعنى من بعادك والصد
стр. 285
وصدك عن مضناك داء دواؤه ... تدنيك من بعد القطيعة والبعد
فحتام تجفو من إليك اشتياقه ... تضاعف يا نجم المحاسن والسعد
وحقك لولا أن مأواك في الحشا ... لأحرقه الشوق المبرح بالوقد
وإني وإن أخفيت ما بي من الأسى ... عن الناس لا يخفاك يا منتهى القصد
أيخفى غرامي وارتماضي بذا الهوى ... عليك وأشعاري تبين ما عندي
فعطفاً لمن لا يستلذ بعيشه ... لبعدك وارحم من تضعضع للود
وها أنا ذاك اللوذعي ومن له ... مكارم أخلاق تفوق عن الحد
وعمدة أرباب البلاغة والحجا ... وواحد هذا العصر أكرم بذا الفرد
وقدوة أعيان الحديدة من زها ... به اليمن الميمون فخر بني المجد
فإني هجرت الذ عرفت مكانه ... الرفيع وعنه ملت يا عاذل العد
دع الصد واسلك في المودة والوفا ... سلوك ابن ذي النورين ذي الفضل والرشد
هو الشهم عبد الله نخبة قادة ... بهم عرف المعروف حجتنا المهدي
خلاصة أهل الجود لله دره ... فمن مثله في العلم والحلم والرفد
كريم إذا استمطرت يوماً أكفه ... همت باللهى من دون برق ولا رعد
عليه رضى الرحمن ما قال شيق ... أعندك ما عندي من الشوق والوجد
وقال مكاتباً السيد الفاضل والعالم العامل يوسف بن إبراهيم الأمير الكوكباني:
تذكرت من حالت عن الود والعهد ... ففاضت دموع العين شوقاً على خدي
خليلي مرا بالتي من بعادها ... أقضي الليالي بالتفكر والسهد
وقولا لها طال اجتنابك عن فتى ... غدا بك صبا لا يعيد ولا يبدي
فجودي بما يشفيه من ألم الهوى ... وينجو به من قادح الشوق والوجد
следующие страницы →