← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الصحيح وغيره على شيخنا السيد المرتضى الزبيدي، وسمع عليه كثيراً من الأجزاء الحديثية في منزله بالركبيين وبالأزبكية في مواسم النيل، وكان مهيباً وجيهاً ذا شهامة ومروءة وكرم مفرط، وتجملٍ فاخرٍ، عمله فوق ماسمته مهمته، سموحاً بالعطاء متوكلاًن توفي صبح يوم الأربعاء غاية شهر شعبان سنة اثنتين ومائتين وألف بعد أن تعال سبعة أيام، وجهز وصلي عليه بمصلى شيخون، ودفن على والده قرب السيدة نفيسة ﵂. إبراهيم جلبي بن أحمد آغا البارودي الشافعي المصري الفريد الذي أبدى المحاسن وأبدع، والوحيد الذي من سلسال حياض النباهة تضلع، واللبيب الذي سلك مسالك المعارف، والنجيب الذي ملك منها كل تليد وطارف، والكامل الذي انتقى أحسن الخصال، وترقى على درج الجد والاجتهاد إلى أن بلغ رتبة الكمال، وهو من رجال الجبرتي القائل فيه: الصنو الفريد، والعقد النضيد، الذكي النبيه، من ليس له في الفضل شبيه، ولد في مصر ونشأ في حجر والده إلى أن توفي والده المرقوم سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف فعانى المترجم تحصيل الفضائل، وطلب العلم ولازم حضور الدروس في الأزهر في كل يوم، وتقيد بحضور الفقه على السيد أحمد الطحطاوي والشيخ أحمد الخانيونسي، وفي المعقول على الشيخ محمد الحفني والشيخ علي الطحان، حتى أدرك من ذلك الحظ الأوفر، وصار له ملكة يقتدر بها على استحضار ما يحتاج إليه من المسائل النقلية والعقلية، وترونق بالفضائل، وتحلى بالفواضل، إلى أن اقتنصه في ليل شبابه صياد المنيه، وضرب سورٌ بينه وبين الأمنية، وذلك سنة خمس ومائتين وألف.

стр. 37

الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمود الحريري الحنفي الأزهري مفتي السادات الحنفية بمصر الماجد الذي ابتهجت به وجوه المعالي، وتبسمت له ثغور المكارم الباسمة باللآلىء، وقد ساعده وقته بالإقبال، وصدره في مصادر الرفعة والإجلال، فأبدى من خزانة فكره عقود الفضائل، وأنشأ من معدن قريحته فرائد الفواضل، واستوى على عرش الرفعة والكمال، واحتوى على ما يثبت له كل فضيلة وإجلال، كيف لا وهو مفتي الأنام، ومرجع الخاص والعام، وقد أحسن الجبرتي الهمام، قائلاً في ترجمة هذا الإمام: العلامة المفيد، والنحرير الفريد، والإمام الفقيه، والهمام النبيه، تفقه على والده الرفيع الشأن، وحضر في المعقولات على أشياخ الوقت كالبيلي والدردير والصبان، وأنجب وتمهر في العلوم العقلية والنقلية، وصارت فيه ملكة جيدة واستحضار للأصول والفروع الفقهية، ولما مات والده في رجب سنة ألف ومائتين وعشرين، تولى منصب والده في الإفتاء وإفادة المسلمين، وكان لها أهلاً مع التحري والمراجعة في المسائل، والعفة والصيانة والديانة والتباعد عن الرذائل، مواظباً على وظائفه ودروسه وما يثبت جميل المآثر، ملازماً لداره إلا عما دعته الضرورة إليه من المواساة وحضور المجالس مع الأكابر، وكان مبتلى بآخرته بضعف البصر، واعتراه داء الباسور فقاسى منه غاية الضرر، وانقطع بسببه عن الخروج من داره، ولم يزل ملازماً له حتى نزل بدار قراره، توفي ﵀ يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف وصلي عليه في الأزهر، ودفن بمدرسة الشعبانية بحارة الدويداري ظاهر حارة كتامه المعروفة الآن بالعينية بالقرب من الجامع الأزهر رحمه الله تعالى.

стр. 38

الشيخ إبراهيم البيسوني البجيرمي الشافعي الأزهري رحمه الله تعالى الأوحد الذي علمه الله تأويل العلوم، والأمجد الذي ملكه من مختومه خزائن الفهوم، فأضحى في مصر المعارف، قائلاً في ظل وارف، مواظباً على الاعتكاف في محراب الإفادة، والطالبون قد لازموا حرم كعبته للاستفادة، كيف لا وهو العالم الذي يشار إليه بالبنان، والعامل الذي أذعنت لكماله الأفاضل والأعيان، والبحر العذب الطامي، والغيث الهاطل الهامي، ذو التآليف العديدة، والتصانيف المفيدة، ولد سنة ست وخمسين ومائة وألف تقريباً، ونشأ من أول عمره منشأ غريباً، فكان كل من رآه يعلم بالفراسة أنه سيكون له عز وجاه، وقد ترجمه الجبرتي المفضال ﵀ فقال: علامة زمانه، وفهامة عصره وأوانه، الفاضل الفقيه، والكامل النبيه، هو ابن أخت الشيخ موسى البجيرمي الشيخ الصالح، والورع الزاهد الفالح حضر على الأشياخ المتقدمين، وهو في عداد الطبقة الأولى من المدرسين وكان متواضعاً لين الجانب ذا أنس وإيناس، وأفاد وانتفع به الطلبة بل غالب الناس، كان ملازماً للتقوى والعبادة، ومحالفاً للقناعة والزهادة، مستحضراً للفروع الفقهية، والمناسبات المعقولة والشواهد النحوية والشعرية، والمحاضرات الأدبية، والمفاكهات العذبة الندية، جيد الحافظة لا تمل مجالسته ولا تعل موانسته، ولم يزل على حالته وإفادته، وزهده وعفته وعبادته، حتى خطبته المنية، ودعته إلى منازلها العلية، توفي يوم السبت نصف المحرم الحرام سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف عن نحو خمس وسبعين سنة. السيد الشيخ إبراهيم بن الشيخ صالح بن الشيخ عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الرحمن الرشيد الأستاذ المحقق الرباني، والملاذ المدقق الصمداني، المرشد الكامل المقصود

стр. 39

والمستمد من معارفه ذوو الكشف والشهود، كاشف أستار الحقائق، وراشف كؤوس العرفان من بحر الدقائق، شيخ الطريقة الإدريسية، المستمدة من فيوضات الحقيقة الشاذلية. أصل آبائه وأجداده من البلاد السودانية، ولهم بها قدر ورفعة سنية، ولهم نسبة نبوية، وسلسلة علية، ولد المترجم في نصف شهر المحرم الحرام سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف، ومن صغره اشتغل بحفظ القرآن وتعلم الضروريات من العلم وما لا بد منه للإنسان، ومن بداءة أمره لوائح السعادة عليه لائحة، وروائح الطاعة منه نافحة فاتحة. تفقه على حضرة والده، في إقليمه وبلده، ثم أخذ الطريق من سيدي أحمد بن إدريس، واشتغل به متجنباً كل أمر خسيس، لاتباعه للطريق الذي هو أنفس نفيس، ثم بعد وفاة شيخه اتفق الجميع، بأنه لا يليق لغيره أن يجلس في مكان شيخه ذي المقام الرفيع، فرحل بعد ذلك إلى صعيد مصر سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، فنشر بها الطريقة الأحمدية وأقبل عليه الناس من كل فج عميق، وحصل له كرامات ظاهرة، وخوارق باهرة، ثم سافر إلى السودان، ومعه جملة كبرى من المريدين والإخوان، ثم عاد إلى الصعيد ثانياً وأقام بها مدة، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين، فاشتد الإنكار عليه، وتوجهت جيوش الملام إليه، ودام أمره على ذلك مدة من الزمان، وتجلد على تحمل الشدائد وصبر على الهوان، إلى أن لاحظته عين العناية؛ فعامله الجميع بالتعظيم والرعاية واشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار، وأقبل عليه الكبار والصغار، ثم لازم الرحاب المكية، والبلدة المشتملة على المسجد الحرام والشعائر الدينية، فما زال بها يقيم الأذكار، في الليل والنهار، ويرشد السالكين؛ للوصول إلى مقام التمكين، إلى أن تمكن منه المرض الداعي للرحيل،

стр. 40

إلى جوار الملك الجليل؛ فأجاب طلبه من غير إمهال، وذلك في يوم الأحد بعد العصر تاسع شعبان سنة إحدى وتسعين ومائتين والف من هجرة سيد ذوي الكمال، وصلي عليه في المسجد الحرام، ودفن في تربة المعلا عليه رحمة الملك السلام، وبنى بعض المحبين مزاراً واسعاً عليه، وهو في أول المعلا على يمين الذاهب إليه. وقد رثاه بعض مريديه بقصيدة أولها: ذروني أبكي بعد شيخي ومرشدي ... لأحدث عهداً في بقية معهدي وما شاقني برق بأبرق رامة ... ولا نغمات من حمام مغرد بلى شاقني وجه الرشيد الذي به ... تشعشع نور الحق في كل مشهد إذا ما رأت عيناك بهجة نوره ... رأت بدر تم في منازل أسعد وإن لثمت يمناك يمناه فالتزم ... بركن سوى ركن من البيت أسود سما بشعار الصالحين وهديهم ... وأعلى منار الدين بعد محمد أمد علينا الله من بركاته ... وأوردنا من بره خير مورد إذا ما ذكرت الأكرمين فإنه ... هو الكوثر الفياض والعارض الندي ومهما مدحنا الصالحين فمدحه ... به نختم الذكر الجميل ونبتدي الشيخ إبراهيم بن الشيخ السيد محمد الميدري البغدادي الشافعي العالم الذي رقى معراج الفضائل، واستقى من بحر معارفه السادة الأفاضل، وجمع من الفنون ما تفرق عند غيره، وسار بسيرة ذوي السر المصون فلم يلحقه أحد من معاصريه في سيره، له اليد الطولى في المعقول والمنقول، والفكرة القادحة في معرفة الفروع والأصول، وليس من يجاريه في ميدان العلوم الرياضية، ولا من يباريه في الأبحاث الجدلية والعقلية، وله كتاب في المناظرة، قد فاق مزاولة أهل المحاضرة، شرح فيه نظم

стр. 41

رسالة الولدية، وعند تمامه قد قرض له حضرة الجهبذ الذي هو بكل كمال حري، عبد الباقي أفندي العمري، فكتب عليه ما يشهد بفضل مؤلفه، وعلو فهم مصنفه، وقد أحببت أن أذكره بتمامه، وفاء بحق مقامه، وها هو ذا: لا نسلم لمن علمته نفسه غاية الكر ونهاية الإقدام، من أهل الخلاف بدار الخلافة مدينة السلام، ولو كان وهيهات أن يكون نفس عصام، معارضة ما برهن عليه هذا الغلام، الشارح لهذا النظم البديع الانتظام بالبرهان القاطع بالمدية الإسماعيلية، وشفرة الدلائل القطعية الخليلية، جادة الجدال ومادة الخصام، ومناقضة ما دون وبين فيه من آداب البحث في مناظرة أرباب النظراء الأعلام، بالتبيان الساطع بصحة نقله الاستقرائي المؤدي بعد الإلزام، للتضمن والالتزام، فيا له من شب شب من توقد نار قريحته الضرام، فأجج في كانون أفئدة ذوي المعارضة بالقلب فحمة الإفحام، وقدح زند فكرته بمرخ المشاخرة وعقار المكابرة، فأبرزت ناره ترمي بشرر كالقصر فقلنا يا نار كوني برداً وسلام، هذا وقد أوتي الرسالة الولدية قبل أن يدرك الحلم، بل قبل أن يبلغ الفطام، فيا لله دره لقد كاد أن يكيد أساطين الحكماء، والفلاسفة القدماء، بقوة احتجاجه ومنعة سلوك منهاجه، وشدة إحكامه لهذه الأحكام، كما كاد حضرة سميه إبراهيم، عليه الصلاة والتسليم، وفاء بالإقسام؛ أولئك الأصنام؛ وقد غادرهم ابن الأصفياء أفلاذاً، كما جعلهم أبو الأنبياء جذاذاً، وقال " بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون " بكلام، فأبوا الفتح لأبواب آداب البحث لذوي الملكة من الطلاب، طاب ثراه لقد ملأ الوطاب، واستوفى المرام، وإبراهيم الذي وفى بل زاد وأحسن في الإتمام، حيث تمطى للمناضلة، وامتطى غارب المجادلة؛ واقتحم هذا الاقتحام؛ كيف لا

стр. 42

وقد صح له وثبت لسلفه العظام؛ القبول التام، لدى الخاص والعام، واقتسام الأموال من وقت سام؛ واقتحام الأهوال من وقت حام، على أنه الشبل الذي قد ترعرع في بحبوحة الغابة الحيدرية، ونشأ في أحضان البرأة الصفوية، فربض ربضة الضرغام، وتشعشع كالبدر التمام، وكبت الخصم الألد؛ بما منع وردع ودفع ورد؛ ونقض وأبرم، وقوض وهد؛ وفتق ورتق وحل وشد؛ أحزم حزام، وكتب ما أثبت به حقية مدعاه ببطلان دليل الغاصب، من مخلفات آبائه ذوي الأبوة، وأولي الفتوة، أشرف المناصب، كأنه اتخذ من أظفاره التي لم تقلم لمحابره الأقلام، فملأ الأقاليم السبع بزئيره؛ والجهات الست بهمهمته في الآجام، وأملى فأبلى سرائر سر تثبت الأقانيم الثلاث، من غير لثاث، ذلك اليراع بصريفه وصريره فأسمعت كلمات باريه الصم الدعاء للاستسلام، وغسلت ذئاب المعارضين عن الإقعاء بفناء أجمة هذا الباسل المقدام، وراغت ثعالب المناقضين عن جلسة القرفصاء بباب غاب هذا الغشمشم القمقام، فمتى شاء قال للسعد أو أشار للفخر على ساق العبودية، وقدم الرقية، بساحة أعتابنا الصفوية، الفسيحة المساحة، وباحة أبوابنا الحيدرية الغير مباحة، قم قام، وقانا الله تعالى وإياه هول المطلع ورزقنا وإياه حسن الختام، وكان المترجم على حالة صالحة، وسيلة راجحة، إلى أن خطبته المنية لدار السلام، سنة ألف ومائتين و ... السيد إبراهيم فصيح بن السيد صبغة الله المشهور بحيدري زاده البغدادي عالم عصره، وفريد مصره، ونخبة زمانه، وعمدة أهل وقته وأوانه، الحسيب العلوي، والنسيب النبوي، ذو المقام الفاخر، والاحترام الباهر، والصفات الحميدة، والشمائل المجيدة، والسيرة الحسنة، والسريرة المستحسنة،

стр. 43

ولد سنة ... ونشأ في العلم والعبادة، والطاعة والزهادة إلى أن بلغ مبلغ الكمال، ونبغ في العلم وجال فيه كل مجال، وترقى وساد، واستفاد وأفاد، واشتهر بين الخاص والعام، واعتمد عليه العلماء الأعلام، وقد ألف كتاباً سماه المجد التالد في مناقب الشيخ خالد، فأجاد في تأليفه، وأفاد في ترصيفه، وأخذ الطريقة العلية، عن قادة النقشبندية، ذي القدر الباهي الباهر، والصدر الزاهي الزاهر، مولانا الشيخ خالد صاحب المقام التالد، والمجد الموروث عن جد ووالد، فلازم الذكر والتقوى، في السر والنجوى، وكان صاحب مجاهدة كلية ومشاهدة قلبية، وأحوال عجيبة، وأطوار غريبة، وأخلاق حسنة، وصفات مستحسنة، ومذاكرات أنيقة فيما يتعلق بالشريعة والحقيقة ولم يزل إلى أن آن ارتحاله، وحان انتقاله، سنة ألف وثلاثماية ونيف. الشيخ إبراهيم العراقي البياري الشافعي الأشعري كنز الفضائل وتحفة الأفاضل، من اشتهر علمه وفاق، وسما قدره في الآفاق، كيف لا وهو حلال المشكلات بفكره، ومعطر الدروس بنفثات صدره، ناشر برود التحرير، ومظهر شموس التحبير في التقرير،

стр. 44

ومنهاج الإمداد، وإرشاد الإسعاد، تحفة المحتاج، وكعبة المنهاج، فهو الهمام الذي يشم أرج التدقيق من أنفاسه، والإمام الذي يشام برق التحقيق من أدلته وقياسه، وقد أفاد من الفوائد، ما هو على رسوخ قدمه في المعارف شاهد، ونظمه عثمان بن سند في كتابه أصفى الموارد فقال: علم سما للعلم أعلى ذروة ... شمخت على الأعلام والأطواد مغني اللبيب يفيد كل مطول ... تلخيصه في مجمع الإيراد مفتاح إيضاح لمعنى مرتج ... مصباح مفتقر إلى الإمداد من عابه في الدرس قال مقرراً ... يحيي الدروس بذهنه الوقاد هو روضة لكن كمائم روضه ... لم يخلها يوماً من الأوراد ذكر الربيع فقال يا أم اشكري ... مني ربيعاً للبويطي الهادي فأنا الذي أحييت من يحيى الذي ... أبقى من الآثار بالأسناد وجعلت للأحياء تدريسي شذى ... يسري إلى الأرواح والأكباد كابدت أبحاثاً إذا أنصفتني ... أيقنت أني مسك هذا النادي ولقد سلكت من البحوث سباسباً ... وملاجئاً أعيت على الرواد ولم يزل المترجم ينتشر كماله، ويشتهر بين الأنام حاله، إلى أن خطبته المنية، ودعته إلى المقامات السنية، فرحل من هذه الدار إلى دار القرار وذلك في سنة ألف ومائتين ونيف وعشرين، عليه رحمة رب العالمين. الشيخ إبراهيم بن المرحوم الحاج علي الأحدب الطرابلسي ثم البيروتي العالم الذي طاول الثريا علمه، والناظم الذي سحر الألباب نثره ونظمه، والإمام الذي شاد ربوع الشعر والخطابة، والهمام الذي لزم الأدب جنابه ولثم أعتابه، والفصيح الذي بسقت في ناديه أدواح الفصاحة، والمليح الذي ما زل قدمه يوماً عن مناهج الفلاحة، تقدم في

стр. 45

بيروت حتى صار إمام محرابها، وخطيب منبر معارفها وآدابها، ومنحة خزانة نبهائها، ونفحة ريحانة ألبائها، فلا ريب أنه مرجع السادة الأفاضل، ومجمع القادة ذوي المكارم والفضائل، ولد أعلى الله مقامه، وجعل الفردوس مسكنه ومقامه، في طرابلس الشام، ذات اللطف الباهر والثغر البسام، سنة ألف ومائتين وأربعين، من هجرة السيد الأمين، وإنه لعمري من عائلة عرفت بالتقى والصلاح، والعبادة والصيانة والنجاح، وبعد أن قرأ القرآن، وأتقن تجويده أي اتقان، سلك منهج العلم بهمة لا تعرف الملل، واجتهاد دل على أن فضله لابد وأن يستوي على عرش الأمل، فقرأ على جملة من الأفراد، والسادة القادة الأمجاد، منهم الشيخ عرابي أفندي الذي هو بكل كمال حري، والشيخ عبد الغني أفندي الرافعي العمري، ونال من الفضائل والعرفان، ما قدمه على الأمثال والأقران، ثم أخذ بالتدريس ونفع البرية، وبث ما فتح عليه به من المواهب اللدنية، ولقد زار دار السعادة العثمانية، ومقر الخلافة الإسلامية، أيام سلطنة ساكن فراديس الجنان، الإمام الأعظم والخليفة الأفخم السلطان عبد المجيد خان؛ فاجتمع بعظمائها، وانتفع بأكابر علمائها، وبعد عوده من دار السعادة، ورجوعه إلى ما كان عليه من الإفادة والاستفادة، استدعاه سعيد بك جنبلاط حاكم مقاطعة الشوفين وقتئذ إلى المختارة من جبل لبنان، واتخذه مستشاراً في الأمور الشرعية المستنبطة من السنة والقرآن، وذلك سنة ألف ومائتين وسبع وستين، ولم يزل بإعزاز وإكرام ومقام مكين، إلى أن بدأ الخلاف بين الدروز والنصارى في جبل لبنان، سنة ست وسبعين، فرحل إلى وطنه طرابلس في الوقت والأوان، وفي سنة سبع وسبعين طلب إلى بيروت وعين نائباً في المحكمة

стр. 46

الشرعية، وحينما حضر النائب الموظف من الدار العلية، جعله باش كاتب في المحكمة المرقومة واستمر بهذه المأمورية، وكان مع ذلك مشتغلاً بنشر العلوم ونثر لآلىء الآداب، متمسكاً للقيام بواجبها بأعظم الأسباب، وفي سنة ألف ومائتين وتسع وثمانين زار القطر المصري واجتمع بعلمائه الأعلام وأمرائه وأعيانه الفخام، وكان ﵀ إماماً في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، رفع الله مقامه وأسكنه أعلى فراديس الجنان، وكانت محاكم جبل لبنان تعتمد على فتاويه وقوله، لما عرفته من تدقيقه وصحة نقله، فكان لدى عروض المشكلات مرجعاً، وكل عويصات المسائل مقصداً ومطمعاً، وكان قليل الكلام بما لا يفيد، وبحراً زاخراً لكل مستميح مستزيد، مع طبع هني وأخلاق مرضية، وفكر صائب وأوصاف علية، وذهن متوقد وحاضرة جيدة، فكان ينظم ما ينوف عن سبعين بيتاً بجلسة واحدة بدون تكلف ولا طول مدة، وكثيراً ما تكون المبيضة عين المسودة، وبالإجمال إنه كان ﵀ فرداً فريداً، وكاتباً بليغاً وشاعراً مجيداً، وقد تولى رياسة جريدة ثمرات الفنون، ثم أقام على تصحيحها المصون، وله فيها المقالات الأدبية، والفصول الحكمية والطرائف العربية، والنصائح العالية، والمواعظ السامية التي لو جمعت لبلغت عدة أسفار، واشتهر قدرها وطار، وعند تشكيل ولاية بيروت انتخب عضواً في مجلس معارفها، فزاد قدرها به لدى ناعتها وواصفها، وقد نسخ بخطه كتباً كثيرة، وألف مؤلفات عديدة شهيرة، ونال من الرتب العلمية، من ابتداء خارج يحسب الطريق إلى رتبة مدرس السليمانية، وهي من رتب كبار المدرسين، وفي سنة ألف ومائتين وثمان وثمانين، نال النيشان المجيدي من الرتبة الرابعة، وتفرس الناس فيه الأهلية للمراتب الجامعة، وفي سنة تسع وثمانين

стр. 47

وجهت عليه بموجب براءة سلطانية خدمة الفراشة الشريفة في الحرم الحرام على ساكنه أفضل الصلاة وأتم السلام، ومن مؤلفاته ﵀، ورضي عنه وأرضاه، فرائد اللآل في مجمع الأمثال وهو عبارة عن الأمثال التي جمعها الميداني وغيره نظمها بنحو ستة آلاف بيت وكتاب مهذب التهذيب في علم المنطق نظماً وعلق عليه شرحاًن ونظم مولدين شريفين مطولاً ومختصراً، وكتاب نفحة الأرواح على مراح الأرواح، في علم التصريف وكتاب كشف الأرب عن سر الأدب وديوان النفح المسكي في الشعر البيروتي. وله ديوان آخر جمعه في بلده طرابلس الشام، وديوان آخر تضمن من القصائد والمقاطيع والرسائل البليغة ما ينوف عن خمسين كراسة وذلك لسنة ألف ومائتين وخمس وتسعين، وما نظمه بعد ذلك محفوظ في مسوداته. وله شرح فرائد اللآل في مجمع الأمثال، شرحه بمجلدين وكتاب إبداع الإبداء، لفتح أبواب البناء، في علم التصريف وكتاب نشوة الصهباء، في صناعة الإنشاء، وكتاب تفضيل اللؤلؤ والمرجان في فصول الحكم والبيان وكتاب فرائد الأطواق، في أجياد محاسن الأخلاق وهو مائة مقالة نثراً ونظماً جاري بها مقالات العلامة جار الله الزمخشري، وكتاب عقود المناظرة في بدائع المغايرة، وهو جزآن يحتويان على خمس وعشرين مغايرة أدبية في المناظرة بين السيف والقلم وما شاكل ذلك، وكتاب ذيل ثمرات الأوراق وكتاب الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية وهي الرسائل التي كانت بين المترجم وبين عبد الهادي أفندي نجا الأبياري في مصر إلا أن جمعها كان للأبياري لا للمترجم، وله مقامات جعلها على لسان أبي عمر الدمشقي وأسند روايتها إلى أبي المحاسن حسان الطرابلسي وهي عبارة عن تسعين مقامة جاري في إبداعها العلامة الحريري وله كتاب كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان وهو آخر مؤلفاته، وله ﵀ من الروايات عشرون رواية وكانت وفاته ﵀ في شعبان سنة ألف وثلاثماية وثمان. لمسكي في الشعر البيروتي. وله ديوان آخر جمعه في بلده طرابلس الشام، وديوان آخر تضمن من القصائد والمقاطيع والرسائل البليغة ما ينوف عن خمسين كراسة وذلك لسنة ألف ومائتين وخمس وتسعين، وما نظمه بعد ذلك محفوظ في مسوداته. وله شرح فرائد اللآل في مجمع الأمثال، شرحه بمجلدين وكتاب إبداع الإبداء، لفتح أبواب البناء، في علم التصريف وكتاب نشوة الصهباء، في صناعة الإنشاء، وكتاب تفضيل اللؤلؤ والمرجان في فصول الحكم والبيان وكتاب فرائد الأطواق، في أجياد محاسن الأخلاق وهو مائة مقالة نثراً ونظماً جاري بها مقالات العلامة جار الله الزمخشري، وكتاب عقود المناظرة في بدائع المغايرة، وهو جزآن يحتويان على خمس وعشرين مغايرة أدبية في المناظرة بين السيف والقلم وما شاكل ذلك، وكتاب ذيل ثمرات الأوراق وكتاب الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية وهي الرسائل التي كانت بين المترجم وبين عبد الهادي أفندي نجا الأبياري في مصر إلا أن جمعها كان للأبياري لا للمترجم، وله مقامات جعلها على لسان أبي عمر الدمشقي وأسند روايتها إلى أبي المحاسن حسان الطرابلسي وهي عبارة عن تسعين مقامة جاري في إبداعها العلامة الحريري وله كتاب كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان

стр. 48

وهو آخر مؤلفاته، وله ﵀ من الروايات عشرون رواية وكانت وفاته ﵀ في شعبان سنة ألف وثلاثماية وثمان. ومن قصائده الأنيقة، وأشعاره الرقيقة، قوله مادحاً حضرة السيد الأمير عبد القادر الجزائري الحسني قدس الله روحه، ونور مرقده وضريحه. عقود ودادي نظمها ليس يفسخ ... وشرح غرامي محكم ليس ينسخ نشأت بخمر الحب نشوان فهو لي ... إذا شئت ترب يا أبا الفضل أو أخ أذل لمن أهوى وكم ذل عاشق ... أشم له أنف إلى المجد أشمخ تمد خدود الغيد قلبي بنارها ... فمهما جرى دمعي فلا يتبوخ ولم تكتحل عيني بميل من الكرى ... وكم بين من أهوى وبيني فرسخ أروح قلبي بالمنى وهي قد قضت ... فهل بوفا بدري بها الروح تنفخ يجر فؤادي للعنا هدب شادن ... ترض به الأحشاء منا وترضخ وأبدى محياه لعيني نسخة ... بها راح ينسى كل حسن وينسخ وأطلع حول الورد ريحان عارض ... به دون وردي جنة الخد برزخ ويسكر دون الرشف خمر رضابه ... لما أنها بالنار للخد تطبخ وبي زائر بالزور قد زار مضجعي ... سرى وجناح الليل أقتم افتخ أطار الكرى من وكر جفني طيفه ... فأمسى به طير السهاد يفرخ فرحت به أنشي المعاني وأنتشي ... بذكراه والأجفان بالدم تنضخ رسخت بأوصاف الجميل وإنني ... بمدح ابن محي الدين ذي المجد أرسخ فتى الفضل عبد القادر السيد الذي ... يجيب ندى من أمه وهو يصرخ وذو النسب السامي الذي نشر طيبه ... هو المسك مع طول المدى ليس ينسخ محط رحال المعدمين وقصدهم ... فنجب الرجا في باب علياه نوخ تضم به العلياء طود مهابة ... بطلعته الغراء تسمو وتشمخ إمام بأفق الشام للحق منشىء ... تلاشى به من كان في البطل يملخ

стр. 49

من الغرب وافى الشرق فازدان بهجة ... وأمست به عين المنى تتنضخ وحل به العز الذي ليس ينقضي ... فكان به مبدا المعالي يؤرخ رسا فوق هام النجم سامي مقامه ... فأضحى له بالفضل مرسى ومرسخ من القوم كل المجد يعزى لعزهم ... كرام لمن قد ضل بالسيف دوخوا مناقبه تتلى بها سور الثنا ... وليس لها في محكم المجد منسخ حمى الدين والدنيا بعز شهامة ... تضيق بها الأرض الفضا وهي سربخ شمائل ما للمسك في الشم طيبها ... بأنفاسها برد الشمال مضمخ له الكلم اللاتي بها السمع يزدهي ... وتعنو لها شم العلى وهي شمخ لقد أنطقت بالحق من كان أخرسا ... وأسمع من سمع بها عاد أصلخ أقل نداه دونه كل وابل ... فيرضى المرجى بالغنى حين يرضخ عوادي الحيا تهمي حياء لطله ... وقد أغرقها أعين منه نضخ فطوبى لأرض الشام إذ حل شامة ... بها فهي فوق النجم بالتيه تزمخ درى بعض ما فيه من العلم والتقى ... وحسن الحجا من كان في العلم يرسخ لقد سار مثل البدر في فلك العلا ... بطول دراري الأفق عزاً ويبذخ وأرج أرجاء الممالك بالثنا ... فكل بطيب الفضل منه يضمخ فلا ملك إلا وأصفاه وده ... وإن تجر ذكراه لديهم يبخبخوا صفا باطناً لله مع حسن ظاهر ... به تمدح العلياء والمجد يمدخ فما شأنه وهو النقي من الخنا ... مقالة ذي عرض به يتطلخ فيا من به الدين ارتدى برد عزه ... فعاد بسامي فضله وهو أبلخ تنبه شعري في معاليك للعلا ... وأمسى به صعب المعاني يدوخ فأنشأت أبكاراً تجلت شموسها ... إذا كان يمسي الغير للشعر يسلخ وأبدعت بالأفكار إنشاء صورة ... يشوه بها وجه المعادي ويمسخ وأرسلتها مع رقة اللفظ صخرة ... بها هام من يشنا معاليك يشدخ

стр. 50

يهون ابن هاني حين يتلى نظامها ... ويغدو على ما كان منه يوبخ أتت وهي تشدو في معانيك بالوفا ... عقود ودادي نظمها ليس يفسخ وقال ﵀ بحبة الخال قلبي صاده رشأ ... إذ ضمخت خده بالمسك تضميخا أبان لي غرة من تحت طرته ... كانت لبدء غرامي فيه تاريخا وقال ﵀ أسر القلب غزال فاتن ... سلب العشاق طيب الوسن وجهه والطبع منه واسمه ... حسن في حسن في حسن وقال ﵀ وأحسن مقره ومثواه ومهفهف دبت عقارب صدغه ... تحمي رياض شقائق النعمان وعلى كثيب الردف يسعى أرقم ... من شعره قد حار فيه جناني حاولت قربي من حماه فصدني ... وأباحني الخد الشهي القاني فأجبته ما بي مخالفة لما ... قالوه في الأمثال منذ زمان لا تقربن أبداً مواطن عقرب ... وافرش ونم بمواطن الثعبان وقال طيب الله ثراه أبصرت مروحة بكف مهفهف ... تطفي ببرد هوائها نار الجوى قد كنت خلواً قبل ترويح بها ... نحوي فجاءتني بأسباب الهوى وقال بليت بقاسي القلب ما رق للذي ... يؤمل بعد البعد منه وصالا ألان به دمعي الصفا سائلاً له ... وقد ماس عجباً بالدلال ومالان وقال متغزلاً يا غزالاً قد نسجت الغزلا ... بحلى جفن له قد عزلا من منحت القرب حولاً كاملاً ... لست تبغي عن لقاه حولا

стр. 51

عدم القوة من بعد النوى ... والجفا منك فلا حول ولا ويح من يصبو لأحداق الظبا ... ويرى دوماً بها مشتغلا أفتدي ألعس لا يمنحني ... من مجاني الثغر منه العسلا قد شوى قلبي على نار الغضا ... إذ قلاه بالتجافي وسلا جفنه والعطف في حرب الهوى ... قد نضا السيف وهز الأسلا خاله المسكي حبات الحشا ... قد غدت للحسن منه خولا مل من قربي إذ أترع لي ... في الهوى كأس صدود وملا لا يرى التسهيل في وصل إذا ... جئت أبدي شرح حالي جملا فصل المشتاق عنه حينما ... أحرق القلب بهجر وصلا خبري بالخد والردف له ... ملأ السهل به والجبلا عامل اللحظ بقلبي فاعل ... فهو مكسور بما قد فعلا من ضمير الصبر قد فرغه ... حينما أظهر فيه عملا إن أتاه الدمع يوماً سائلاً ... رده نهراً بما قد سألا أفلا يسعدني بدري الذي ... نجم سعدي في هواه أفلا وبواو العطف من صدغ له ... يجعل الوصل لهجر بدلا يا خليلاً فاتحاً عذلي به ... إن تجد عيباً فسد الخللا واطرح عذلي فمن أجفانه ... سبق السيف بعشقي العذلا واعذر الصب الذي تيمه ... بعذار فاتن من عذلا لام تعليل بدت في خده ... أثبتت للوجد فيه عللا حجة العشق به واضحة ... للذي في الشعر يبدي جدلا أيها الحاكم فيها حسنه ... جائراً وهو به قد عدلا جانس الحسن بإحسان فما ... كان ملك الحسن إلا دولا وأرى الدنيا كظل زائل ... لا يطيل المرء فيه أملا

стр. 52

من أتى ينقل أخباراً بها ... للذي يأتي كما قد نقلا والبقا الكامل وصف ثابت ... لإله ملكه قد كملا وقال عفي عنه من لي بعطار أراني شامة ... سوداء فوق الوجنة الحمراء أمسى يبيع ويشتري أهل الهوى ... في سوقه بالحبة السوداء وقال ﵀ يا ظبية في جفنها سحر به ... جنت دموع العين وهي دماء الشمس أنت فليس من عجب إذا ... أمن ازديارك في الدجى الرقباء وقال ﵀ إني أحمل أنفاس النسيم إلى ... حماكم نفحات نشرها عطر ولا أحملها شوقي لعلمي ما ... فيها من الضعف إن وافى بها السحر لكن بها من ثنائي روضة أنف ... بها تفتح من ذكراكم زهر فإن سرت وعرفتم طيب نفحتها ... فثم نشر الثنا منكم له خبر وذكركم من حديث النفس منية من ... ثناؤكم في لياليه له سمر وقال عفي عنه كلفت بفاتن عذب الثنايا ... فؤادي في محبته تعذب جميع جوارحي تصبو إليه ... لذلك مدمعي فيه تصبب وقال نشرت برقعاً على ورد خد ... منع الصب في الهوى نيل مأرب وهولي مبغض إذا رمت لثما ... إذ غدا قلبه لقلبي عقرب وقال هيفاء قد حجبت بشد عصابة ... عني الجبين وما رثت لنحيبي فاعجب لمحجوب لها في حكمها ... قد ورثوه الحسن بالتعصيب

стр. 53

وقال ومهاة في جيدها شهب عقدٍ ... رمت أني من خدها أتقرب فأجابت: لنيلك الشهب لمساً ... هو من لثم بدر خدي أقرب وقال عليك للنفس حق أن تطيب بها ... إذا سئمت لطول الجد باللعب وأن تسرح طرفاً في الرياض لدى ... خل براحته ترتاح من تعب وقال زرد العذار حمى الورود فلم يكن ... للطرف أن يدنو من الوجنات وإذا محب مد عيناً نحوها ... يبغي جناها كف باللامات وقال بعيني غزال البان هاروت ماكث ... فلا تعجبوا والجفن بالسحر نافث عجول بقتل العاشقين إذا رنا ... وهيهات لحظ ينفث السحر رائث لأسد الشرى غاب بأهداب جفنه ... لذاك لها في القلب أمسى مضابث من الترك سام قد حمى برد ثغره ... فيا حسن حام قد سما فيه يافث هلال جمال بالمثاني معوذ ... ودون سماع اللفظ منه المثالث رشا لا يرى ثان لمفرد قده ... كما وجهه للبدر والشمس ثالث به في الهوى قلبي الشقي جد جده ... على أنه بالهائم الصب عابث يشق على العاني شقيق نجده ... لحبة قلبي خاله المسك وارث رعيت قديم الورد غضا جناؤه ... ولا عارض فيه يعارض حادث حريري جسم في المقامات قد حكى ... محاسن عنه تسلب اللب حارث لعهدي أمسى ناكثاً بدلاله ... وأي مليحٍ لا يرى وهو ناكث له قد صفا ودي ولا كان عاشق ... بماذق من يهوى وفي الحب غالث

стр. 54

تنزهت عما ليس يرضي أخا العلا ... وما عاشق طابت سجاياه رافث حليف صبابات اغوت في الهوى ... وليس سوى غيث من الدمع غائث لقد حاول السلوان عنه مفندي ... وما ذو صبابات عن الحتف باحث تحمل عبءً بالذي في الهوى نوى ... فأصبح ينوي وهو عاو ولاهث دعوا من وشى عني يحدث بالذي ... يشاء فدمعي للصبابة نابث ومن لي بأن استكتم الدمع صبوتي ... وعنها بتلوين المدامع بائث زناد الأسى وارٍ لبعد معذبي ... كما زند أفراخي بلقياه غالث عقدت يمين العهد يوم مددتها ... لتوديعه لا كان في الحب حانث نهار أراني هوله يوم موقفي ... وجفني بقاني الدمع للخد مائث دعينا لتوديع فلما تجمعت ... قلوب بها ناب النوائب ضابث لبثنا بوادي الجزع في موقف النوى ... يبدد منا لؤلؤ الدمع لابث وما فضل جمع جره لوعة الأسى ... وللشهد مر وهو للحتف باعث لئن حل عهداً قد عقدناه ذو هوى ... فإني على عهد الأحبة ماكث وقال موشحاً في سما الأفراح بدر السعد لاح ... فاجل شمس الراح واترك قول لاح قد وفى وصل الصفا فصل الربيع شاكراً فضل الأيادي للربيع وغدا يبدي مقامات البديع عندليب في فروع الدمع صاح ... داعياً سكران حب غير صاح وزهت بالحسن للورد خدود قد حلا فيها لعشاق ورود والحيا قد حاك للروض برود

стр. 55

نسجها قد كان من غزل الرياح ... فلذا تكسو الفتى ثوب ارتياح وبدا غصن عيون النرجس بقدود في رياض السندس كالعذارى برزت في الأطلس وحلا مبتسماً ثغر الأقاح ... بثنايا الغادة الخود الرداح وجلا الريحان آيات العذار لرشا يحلو به خلع العذار وانجلى عن جل ناري الجلنار حين أبدى وجنة الغيد الصباح ... رمقتها أعين منا وقاح حبذا العيش بأيام الصبا وزمان فيه قلبي قد صبا حيث تروي لي نسيمات الصبا خبر الإسعاد عن ذات الوشاح ... من لها قلبي حماه مستباح غادة تنشىء من غمز الجفون كل عشق إن تقل كن فيكون كم أفاضت من عيون بعيون صافحت أهل التصابي بالصفاح ... وعليهم شرعت سمر الرماح نشرت فرعاً غدا أصل الغرام فوق جيد فكسا الصبح ظلام وغدت ترسل للصب سهام من جفون أثخنت قلبي جراح ... لا ترى في قتل مضناها جناح

стр. 56

جعل الصب لعينيها النسيب بمعادن دونها يعنو حبيب وأتى يبدع أسلوباً عجيب بلآل جوهريات صحاح ... لزفاف في سما الإقبال لاح وهو طويل قد جعله تهنئة بزفاف لبعض أحبابه ﵀. وقال أيضاً هذا الموشح الآتي داخلاً به على أعجاز نونية الوزير ابن زيدون التي كتب بها لولادة بنت المستكفي وقد كتب بها للقاضي الشريف أجرى مآقينا بعد المحبينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا يا طيب أوقاتي ... بسفح نعمان إذ نلت لذاتي ... بوصل نعمان يدري كاساتي ... روحي وريحاني فالآن لما بان يزرى غصون البان ... أضحى التنائي بديلاً من تدانينا يا جيرة البان ... جرتم ودمعي جار هجرت أوطاني ... ولم أنل أوطار والبعد أشجاني ... وطير أنسي طار وما رقت أجفان، بعد الحمى والبان ... شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا أحبابنا عودوا ... لذلك الحب كي يورق العود ... بالأنس والقرب وباللقا عودوا ... مروع القلب واسقوا غصون الود، بالعطف بعد الصد ... فنحن روض وأيديكم سواقينا يا طالما أبدى ... لي المنى الخل وأسعدت سعدي ... وأجملت جمل

стр. 57

وراق لي وردي ... يوم اللقا الوصل حيث الهنا واف، وظله ضاف ... ومورد اللهو صاف من تصافينا أيام عيشي راق ... بقرب ذات الخال وقرطها الخفاق ... يدنو من الخلخال ولي بكشف الساق ... قد ساقت الآمال فبعدها قد كاد، مما لنا قد كاد ... يقضي علينا الأسى لولا تآسينا خود وفت وعدي ... باللطف والإيناس وأسعدت جدي ... بعطفها المياس وخدها الوردي ... ببوسه لاباس أنعم به خداً، لصبه أهدى ... ورداً جناه الصبا غضا ونسرينا قد زاد وسواسي ... بالحلي في الصدر وهمت للكاس ... من ثغرها الدر وليس لي آسي ... سواه من ضر لذا رجا قلبي، من ورده العذب ... شرباً وإن كان يروينا فيظمينا يا بانة الوادي ... هل عائد أنسي وعهد إسعادي ... بالبدر والشمس وأنجم النادي ... يسعون بالكاس ومنية العشاق، أدار وهو الساق ... فينا الشمول وغنانا مغنينا ذكرت أيامي ... بقرب ذي المجد شريف السامي ... بدر العلا رشدي مولى بإلهامي ... يعيد ما يبدي

стр. 58

من أن وصفناه، بما مدحناه ... فحسبنا الوصف إيضاحاً وتبيينا شهم لنا أولى ... عوائد البر ولم يزل أولى ... بالحمد والشكر وزادني طولى ... برفعة القدر وأغصن المن، أدنى لمن يجني ... قطوفها فجنينا منه ماشينا مع بعده وفى ... عهدي وأولاني والود لي أصفى ... فضلاً ووالاني وزادني عرفاً ... من بعد نكران فإن يكن قد دان، قلبي لذا الإحسان ... فالحر من دان انصافاً كما دينا مولى أياديه ... جيد العلى حلت كما مساعيه ... عقد الأسى حلت ومن يوافيه ... له المنى حلت لقد خطرنا بما أسدى لنا كرماً ... في وشى نعمى سجناً ذيله حينا حيث الصفا حيا ... بما نرجيه وقد غدا حيا ... ميت الرجا فيه وكم دعا هيا ... داعي أمانيه لذاك قد نلنا منه بما منا ... منى ضروباً ولذات أفانينا واشوقي البادي ... لطيب ناديه إذ بالمنى نادي ... لمن يناديه من بعد إبعادي ... عن ورد صافيه بدلت بالبلوى عن جنة المأوى ... والكوثر العذب زقوماً وغسلينا يا من على الشعرى ... به علا شعري وبالوفا أجرى ... لطفاً بلا أجر وللعلى أسرى ... بي مطلقاً أسري

стр. 59

هيهات أن ننسى من بعدكم درساً ... بيض الأيادي التي ما زلت تولينا أوقات شربي صاف ... من وردك الحالي وبدر أنس طاف ... بكأس آمالي وغاظ بالأتحاف ... مرآك عذالي لذا دعوا جهراً بمهجة حرا ... بأن نغص وقال الدهر آمينا فحالت الأحوال ... عن ذلك العهد وقطعت آمال ... معذب الصد وعز لمع الآل ... ظمآن للورد وأوجه القصد عادت من البعد ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا وقال من قصيدة خطرت لأعطاف المحاسن ثانيه ... هيفاء للشمس المنيرة ثانيه ورمت سهاماً عن قسي حواجب ... منعت مراميها بلوغ مراميه وهوت معاطفها تميل مع الهوى ... واحر أحشائي بنار الهاويه السيد الشيخ إبراهيم البرزنجي الكردي بقية أبناء البتول، ونهاية القصد والسول، المحرر لمعاني المعقول، والمحبر لمباني المنقول، من صرف همته فيما تحمد عقباه، وعرف الحق فاتبعه واجتباه، وإن هذا المترجم يكفيه شرفاً أنه على نسق أبيه، وأن أباه معلوم بأنه سيد شريف عالم عامل فاضل نبيه، وأنهما من بيت العز والشرف، الذي ينحط لعلوه البدر وهو في الشرف، فلا ريب أنه توطد في وهاد الفخار، وغرد صادح فضله مهيمناً بما تحلى به من الفضل والمقدار، فحسبه أظهر من عمود الصبح نوراً، ونسبه أشهر من الشمس ظهوراً، وأهله أهل جود وكرم، وأصله ممن نسب إليهم سموا الهمم، كلهم ذوو فصاحة وبراعة وبلاغة وبداعة.

стр. 60

من أناس سموا على ذروة النجم ... فخاراً بأحمد وعلي ورثوا المصطفى فخاراً فهل من ... شرف مثل ما سموه علي روى عنه من أبناء العصر الجم وكمل به فن المعقول والمنقول وتم، وما زال مهاباً معظماً موقراً مكرماً، مقصوداً لكل إشكال معدوداً من أعيان ذوي الكمال، في كل يوم يسمو مقامه، وينمو احترامه، إلى أن دعاه داعي السعود، إلى الإجابة لدار الخلود، وذلك سنة ألف ومائتين ونيف وثلاثين من هجرة النبي الأمين ﷺ . السيد إبراهيم مفتي البصرة بن السيد بدر الدين بن السيد مبارك ابن السيد صالح بن السيد رجب بن السيد شعبان بن السيد محمد درويش ابن السيد صالح بن السيد عبد الله بن السيد عبد الرحمن بن السيد حسن ابن السيد حسين بن السيد يوسف بن السيد رجب بن السيد القطب الجليل شمس الدين محمد سبط الحضرة الرفاعية ﵃. إن هذا المترجم من رجال تنوير الأبصار، في طبقات السادة الرفاعية الأخيار. فقال في ترجمته، وإظهار منقبته: ولد بالبصرة ونشأ ببيت أبيه وسيده ومربيه، ورضع ثدي الكمال، وتلقى العلم عن فحول الرجال، وأتقن علوم الشريعة وعده أرباب العرفان من حسنان الزمان، لبس الخرقة الرفاعية من أبيه، السيد بدر الدين الرفاعي وانتشرت على يديه، أخذ عنه الأفاضل، وولي نقابة الأشراف بالبصرة برهة يسيرة ثم وجهت عليه خدمة الإفتاء بها وبقي مفتياً حتى مات بها. وقد كان معتقداً مبجلاً محترماً ذا شأن كبير، وقدر خطير، وله تصانيف وتآليف جليلة أشار إليها المرحوم شاعر العراق السيد عبد الغفار الأخرس في بعض قصائده التي امتدحه بها وقد أكثر من مدائحه، وأشار إلى ما أحسن الله

стр. 61

إليه به من منائحه، منه ما قاله من قصيدة فيه لا زالت سحب الرحمة توافيه: قريب من رسول الله يدعى ... بأزكى العالمين أباً وأما نماه الأنجبون وكل قرم ... إلى خير الورى يعزى وينمى تخلق من سنا نور مبين ... فكان الجوهر النبوي جسما ومنها تأمل في عظيم من قريش ... تجد أسد الشرى والبدر ثما عليه من رسول الله نور ... به يمحو الظلام المدلهما إذا الأمر المهم دها كفانا ... بدعوته لنا ما قد أهما وله فيه من قصيدة أخرى ولي في البصرة الفيحاء قوم ... أصول بهم على الخطب الجسيم جرى من صدر إبراهيم فيها ... على الدنيا ينابيع العلوم ومنها إذا عدت قروم بني معد ... فأول من يعد من القروم عماد الدين قام اليوم فينا ... بأمر الله والدين القويم وفرع من رسول الله دلت ... أطايبه على طيب الأروم ومنها لقد كرمت له خيم وجلت ... وخيم الأكرمين أجل خيم وهل في السادة الأنجاب إلا ... كريم قد تفرع من كريم ومدايحه كثيرة ومناقبه شهيرة، وقد كان من أكابر القوم أهل الباطن والظاهر، ومن أشراف السادة الأحمدية الذين توارثوا مكارم أبي العلمين كابراً عن كابر، توفي المترجم المرقوم بعد الخمسين والمائتين والألف بالبصرة ودفن بها وقبره معروف. انتهى ولعمري إن فقده مصيبة عظيمة وداهية جسيمة فهو كما قيل:

стр. 62

من بعده تلك الدروس تعطلت ... يبكي لها قلبي ويبكي المنبر قد كان فخراً للأنام ومفتياً ... يفتي بحق الله هذا الأنور فالصبر منا قد تمزق ثوبه ... من أين للصب المعنى يصبر غدر الزمان بنا بإبراهيمنا ... هذي على كل المصائب تكبر إبراهيم الداغستاني كان من مشاهير العلماء، وأفاضل السادة الفضلاء، نشأ على العلم والتقوى، والإخلاص في السر وفي النجوى، والعبادة والصلاح، والسير على نهج الاستقامة والنجاح، ولم تزل الأيام تمنحه مطلوبه، وتحبوه مراده ومرغوبه، إلى أن أجلسته يد العناية، واقعدته سواعد الرعاية، على مرتبة التدريس في جامع السلطان محمد الفاتح ذي المقام النفيس، فكان يبذل مجهوده في إبداء اللطائف. ونشر العلوم والمعارف، ثم تولى القضاء في حلب والشام، ثم بعد ذلك تولى قضاء البيت الحرام، ولما طعن في السن وضعف بصره لزم داره، وجعل العبادة مراده ومداره، وفي شهر محرم سنة ألف ومائتين وتسع هجرية، وجهت إليه رتبة صدارة روم ايلي التي هي أعلى رتبة علمية، وفي ثمانية عشر جمادى الآخرة سنة ألف ومائتين وعشر توفي إلى رحمة الله، أعلى الله مقامه وأولاه مناه آمين. السيد إبراهيم بن قاسم بن محمد بن محمد بن علي الحسني الرويدي المكنى بأبي الفتح أديب كامل، قد اشتهر بين الأفاضل بالفضائل، وحسن بين الناس ذكره، وعلا مقامه وقدره، قال الإمام الجبرتي: ولد بمصر كما أخبر هو عن نفسه سنة سبع وعشرين ومائة وألف، وكان فريداً بالأدب والجمال والكمال والظرف واللطف، حفظ القرآن المجيد، وأتقنه على أتم تجويد، ومهر بحسن الكتابة والخط، حتى كاد أن يقال لا يوجد من يساويه في مصره قط، وكتب بخطه الفائق الحسن الخالي عن المماثل، كثيراً من المصاحف

стр. 63

والأحزاب والأدعية والقطع والدلائل، وكان إنساناً حسناً يحفظ كثيراً من نوادر الأشعار، وغرائب الحكايات والأخبار، وعجائب المناسبات على أتم مطلوب، وروايتها على أحسن أسلوب مرغوب، والحاصل أنه كان فريداً، وفي كماله وحيداً، توفي سنة إحدى عشرة ومائتين وألف. الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمود بن الشهاب أحمد العطار الدمشقي الشافعي عالم جليل، وفاضل نبيل، شهير الذكر، كبير القدر، من بقية المشايخ الأقدمين، الناهجين على طراز كمل الصالحين، له محاضرة لطيفة، ومذاكرة ظريفة، وتواضع بين، وجانب لين، ولد بدمشق عام اثنين وثلاثين ومائتين وألف تقريباً ونشأ بها، وقرأ على مشاهير مشايخها، منهم عمه الشيخ حامد العطار والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ سعيد الحلبي والشيخ عبد الرحمن الطيبي والعلامة عمر أفندي الآمدي وملا بكر الكردي وغيرهم، وأخبرني ﵀ أنه قرأ على والدي المرحوم الأربعين حديثاً النواوية دراية في مجالس متعددة واستجازه بما تجوز له روايته عن مشايخه فأجازه وكتب له بخطه، وكان ناسوته يشهد بكماله، ولا التفات لما نسبه غليه بعض حساده، وأعدائه وأضداده، وقد تصدر للإقراء والإفادة في جامع بني أمية، وعكف عليه من الطلبة كثيرون، وكان ينظم الشعر أحياناً، ويؤثر الإنزواء عن غير محافل الفضلاء، ولم يزل على حالة حسنة وصفة مستحسنة، إلى أن توفي سلخ شعبان سنة أربع عشرة وثلاثمائة وألف ودفن في مقبرة الدحداح رحمه الله تعالى. السيد إبراهيم بن السيد محمد بن السيد عبد الله ابن الولي الكبير السيد أحمد الراوي الرفاعي قد ترجمه أحمد عزت باشا بن محمود أفندي بن سليمان أفندي الفاروقي ﵀ فقال: هو الشاب التقي النقي اللوذعي، ولد براوه بعد السبعين ومائتين

стр. 64

وألف، ونشأ في حجر أبيه وتلقى عنه العلوم وتفقه في مذهب الإمام الشافعي ﵁ ورحل لطلب العلم إلى الموصل وإلى بغداد، وأحرز سهماً من الكمال. إلى آخر ما ترجمه به وقد ذكر له قصيدة مدح بها الشهم الأوحد والقطب الغوث المفرد السيد أحمد الرفاعي قدس الله سره وأعلى قدره وجعل في الجنان مقره فقال: يا أخا السير إن أردت وصالا ... ووصولاً إلى العلا واتصالا بفسيح الوادي المقدس فاترك ... زمرة الحائرين واخلع نعالا وتذلل واسلك طريق الرفاعي ... من كساه الرسول قالاً وحالا ولديه الوفود كم قد أقالت ... عثرات وخففت أثقالا وهو مأوى القفول في كل عصر ... كم جلا عن قلوبها أقفالا وهو ليث الوغى وغيث البرايا ... منه تسقي قلوبها الآمالا وهو السيل إن أردت علوماً ... وهو السيف إن أردت قتالا وهو باب النبي لاثم يمنا ... هـ جهاراً وقد تجلى تعالى حين أبدى محمد معجزات ... معجزات لأحمد إجلالا كيف لا وهو شبله وكذا الآ ... باء تعلو إن أنجبت أشبالا وكذا الآل بالفضائل تسمو ... هكذا هكذا وإلا فلا لا يا ابن بنت الرسول يا ابن علي ... من بعزم صم القلوب أسالا يوم بدر وخيبر وحنين ... وتبوك كم للضلال أزالا يا رفيع المقام يابن الرفاعي ... طبت نهجاً وبهجة وجمالا رضي الله عنك يا سيد القو ... م الذي جل هيبة وجلالا يا حمى الأولياء يا مقتداهم ... يا مجير الجاني إذا الذنب صالا جد لعان بنظرة وتلطف ... لعبيد ما عنكمو قط مالا بحماكم قد لاذ راوي أحادي ... ث علاكم مفصلات طوالا كم لكم من مآثر وصفات ... قد تجلت للناس سحراً حلالا

стр. 65

لو أردنا إيرادها بمقال ... لرأينا تفصيلها إجمالا آل طه لا زال في الكون منكم ... كل آن يرى الزمان رجالا علماء أئمة أمراء ... أولياء وسادة أبطالا شكر الله سيركم والمساعي ... ومقالاً وسيرة وفعالا الشيخ إبراهيم أبو إسحاق بن عبد القادر الرياحي المغربي التونسي شيخ الإسلام وعمدة العلماء الأعلام بمدينة تونس عالم الغرب ومفتيه، وشاعره المتقدم على المتنبي وابن النبيه، فهو علامة الدهر وفاضله، وفهامته الذي تعالت شمائله، قد شهد بفضله عدول السند وروى عن علمه كل عالم معتقد، ونشرت صحف نداه فطويت صحف حاتم طي، ورفعت رايات علاه فأذكرتنا بمعالي أبي، فلله ما أبدع بيانه، وأرفع قدره في الأنام وشأنه، وأعذب نظامه ونثره وأطرب سجعه وشعره، ومن جملة شعره قصيدته التي قدمها تهنئة لحضرة السلطان عبد الرحمن بن هشام حينما جلس على تخت السلطنة في فاس بوصية من عمه السلطان سليمان فقال: نصر من الرحمن جل لعبده ... أيروم خلق نقض مبرم وعده وعدت به الأقدار وهي نوافذ ... في الشاكرين له سوابغ رفده فليبتسم ثغر الهنا مستبشراً ... فالوقت ينطق عن سعادة جده إن يمض مولانا سليمان الرضي ... وعليه تبكي الباكيات لفقده العلم والتقوى وكل فضيلة ... منشورة طويت به في لحده فلقد أقام لنا أبا زيد هدى ... نوراً مبيناً يستضاء برشده لو لم يكن كفؤاً لما أوصى به ... وبنوه ترفل في ملابس مجده سعدت به الأيام ثم أراد أن ... تبقى السعادة للورى من بعده أعظم به نصراً يدوم سروره ... للخافقين سرى تضوع زنده أهدى إلى الأعداء أقتل غصة ... والأوليا متنعمون بشهده فاستبشروا باليمن من مرضاته ... واستمطروا نيل المنى من وده

стр. 66

ما هو إلا ابن الرسول وهل فتى ... في الناس يعدل عن مكارم جده وتناسقت أسلافه كرماً كما ... راق النواظر لؤلؤ في عقده لا غرو أن جمع المحاسن كلها ... منهم بإرث الجمع حق لفرده لا يأفك الخراص حيث يقول قد ... ذهب الزمان بعمره وبزيده فبسيف ما ننسخ يقد أديمه ... حتى ولو وفى العيان برده فلكم وكم من آخر زمناً له ... فضل عظيم لا يحاط بسرده يا أهل فاس والمغارب كلها ... والشرق من مصر لغاية حده يهنيكم هذا الزمان فإن في ... أيامه للدين مطلع سعده والعلم والتقوى وكل معظم ... عند الشريعة فهو بالغ قصده النور أوقد منهم أتراهم ... يرضون إلا باستدامة وقده الله يبقي نوره متوقداً ... يفنى الزمان ولا فناء لخلده ويخص مولانا الأمير بنعمة ... لا تنقضي وعناية من عنده ويديمه ظلاً ظليلاً كلما ... حمي الورى هرعوا لجنة برده وحسام فتح كلما نهضت به ... عزماته فالنصر شاهد حده وتمام بدر كلما اقتعد السرى ... لم يسر إلا في منازل سعده وعليه تسليم تأرج نده ... لكنه في الفضل عادم نده ثم الصلاة على النبي وآله ... والحمد في بدء الكلام وعوده وللمترجم أشعار كثيرة وآثار غزيرة وتحقيقات شريفة وتدقيقات منيفة، ولم يزل يصعد على سلم السمو ويترقى على معراج العلو إلى أن دعاه داعي المنية إلى الآخرة العلية وذلك سنة ألف ومائتين وثلاث وستين.

стр. 67

أبو المواهب بن حسين بن سليم بن سلامة الدجاني مفتي يافا عالم قد زان علمه العمل، وناظم قرت بحسن نظمه المقل، حديثه أعذب من الماء الزلال، ونثره ألذ من الوصال بعد الدلال، قد قرأ في الجامع الأزهر إلى أن حصل له الحظ الأوفر، وأجازه شيوخه بما تجوز لهم روايته، وتنسب إليهم درايته، من حديث وتفسير وفقه وتوحيد وأصول، وغير ذلك من نحو وصرف ومعقول ومنقول، ثم بعد حصوله على غاية سؤله، رجع إلى بلده وأهله، ونزل في دار العالم الفاضل والمرشد الكامل بغية الأماني الشيخ أبي رباح الدجاني، ولما قصدت زيارة بيت المقدس سنة ألف ومائتين وتسعين نزلنا في دار الشيخ أبي رباح، واجتمعنا بالمترجم المذكور فأدخل علينا غاية البشر والانشراح، وكان يقرط آذاننا بلآلىء كلامه ودرر نثره ونظامه، وأسمعنا قصيدته التي مدح بها حضرة أبي رباح المومى إليه وهي هذه: إلام بربة الخلخال صاح ... فؤادك في المحبة غير صاح وتنثر عقد دمعك ذا انتظام ... أكان الطل أم زهر الأقاح وتخلع في العذارى ثوب نسك ... أليس عليك في ذا من جناح بروحي غادة رشفات فيها ... ودر حديثها نقلي وراحي تميل بعادل الأعطاف تيهاً ... فتهزأ بالغصون وبالرماح كست جسمي السقام وما كفاها ... إلى أن أوسعته من الجراح بطيف خيالها ضنت فجادت ... كرائم أدمعي بعد الشحاح رأت حل الوصال بها حراماً ... وسفك دم المحب من المباح لأسمر قدها هزت وصالت ... ببيض لحاظها المرضي الصحاح فدعني عاذلي واعذر محباً ... وحق الحب لا يصغي للاح يخوض معارك الظلماء فرداً ... يسامر ساهر النجم اللياح ومن عشق الصباح عليه هانت ... مراقبة النجوم إلى الصباح

стр. 68

يميناً بالهوى العذري لعذري ... بها بين البرية ذو اتضاح فقد كملت صفات الحسن فيها ... كما كملت صفات أبي رباح إمام قد سما هام الثريا ... ونال من العلا أعلى القداح إلى قصب المكارم حاز سبقاً ... وجارى الغيث في بذل السماح وبحر نهل مورده فرات ... جرت بعبابه سفن النجاح بروض المجد قد غرست يداه ... غصون الفضل بادية الصلاح يراع يمينه في الخطب أمضى ... إذا ما خط من بيض الصفاح وركن الملة البيضاء أعلى ... بنور هداه في كل النواحي حمى بسنان همته حماها ... فليس حريمها بالمستباح وليس لحاسد يبغي مداه ... بمعراج المكارم من طماح لحي حله يمم لتحظى ... بما أملته حسب اقتراح فيا لله من حي تسامى ... ينادي الوفد حي على الفلاح فيا مولى المعارف كل مولى ... تراه لديك مخفوض الجناح إليك الفكر قد أهدى عروساً ... سمت بنطاقها ذات الوشاح لها المهر القبول وليت شعري ... أهل يرجى لذلك من نجاح فمعذرة لمن أمسى غريباً ... يكاد يغص بالماء القراح إذا ابتسمت بروق الشام يوماً ... فيملأ أرض مصر بالنواح مقيم جسمه فيها ولكن ... له قلب بهاتيك البطاح بقيت بأوج مجدك ما تغنت ... بروض الشكر أطيار امتداح وله نظم كثير رقيق ونثر بكل مدح حقيق، وتأليفات لطيفة وتحقيقات شريفة، ومفاكهات حسنة وإدراكات مستحسنة، وبعد موت أخيه الكبير آل الإفتاء منه إليه وإنه لا يليق أن يكون مستنداً في استحقاقه إلا عليه، ولم يزل ذا سيرة حميدة وشهرة بديعة فريدة.

стр. 69

الشيخ أبو رباح السيد عبد القادر الدجاني اليافي الدردير عالم في علمه لا يجارى، وعامل في عمله لا يبارى، معروف بالفضل والكرم وموصوف بين الأكارم بالوصف الأتم، بيته لكل قاصد معروض وإطعام الوافدين وإكرامهم كأنه عليه مفروض، لا يرد وارداً ولا يمنع من الزائرين قاصداً، كأن أبا تمام قال بحقه هذه الأبيات العظام: هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله جواد إذا ما جئت للجود طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله مع عفة وديانة وعبادة وصيانة وصيام وقيام وطاعة على كمال الانتظام؛ وإذا رأيته رأيت شهماً ذا هيبة ووقار وهيئة حسنة قد جللتها الأنوار، تهابه النفوس قبل أن تعرفه وتصفه بالكمال قبل أن تستوصفه، فلا ريب أنه في زمنه فريد مصره بل فريد أوانه وعصره، وكل من عرفه أقر له بذلك واعترف، وعلمه أنه من خلاصة ذوي المجد والنسب والشرف، وقد جاور في أول أمره في الجامع الأزهر والمحل الأعلى الأنور، وأخذ عن السادة الأفاضل ذوي الشمائل والفضائل كالشيخ الباجوري والشيخ السقا والشيخ الأشموني والشيخ الخضري والشيخ عليش وغيرهم، وقد أخذ عن الشيخ حسين الدجاني مفتي يافا وعن الجسر شيخ سجادة الطريقة الصاوية. وله كرامات عجيبة وخوارق غريبة. وكنت زرته ونزلت في داره حينما توجهت لزيارة بيت المقدس، فرأيت رجلاً رجله في الثرى وهامة همته في الثريا، ذا أوصاف علية وأخلاق نبوية، وكأن لسان حاله يخاطب من حل لديه: ليس للشيخ منة عليك بل منتك عليه، وفي يوم من الأيام بعد صلاة الفجر رأيته يريد الذهاب على خلاف عادته، فسألته عن ذلك فقال إني في

стр. 70

هذه الليلة رأيت القطب عبد القادر الجيلاني فسلم علي ورحب بي، ثم قال استقبل ضيوفي فإنهم في الصباح يردون عليك من صبحه، فأنا خارج لاستقبالهم وانصرف ثم عند الزوال جاء الوابور ومعه جماعة من الهنديين القادرين فجاء بهم جميعاً إلى داره، وقال لي قد وصل بحمد الله ضيوف الأستاذ وكان يقوم بخدمتهم بنفسه ما وكلهم إلى أحد من خدمه، وكان يقدم لكل واحد منهم ما يشتهيه من طعام وشراب ودواء على حسب حاجتهم، وهذا أمر نادر لا يقدر عليه في الناس إلا السادة الأكابر، ومع ذلك هو مقصود للسؤال والجواب، وإقراء الطلاب، ولم يزل مقامه يعلو واحترامه يسمو، إلى أن دعاه داعي المنية، وذلك سنة ألف ومائتين ونيف وتسعين. الشريف السيد الأستاذ أبو الهدى بن السيد حسن وادي بن السيد خزام ابن السيد علي الخزام بن السيد حسين برهان الدين الرفاعي الخالدي الصيادي قطب مدار الفضائل، ومجمع أسنى الشمائل، مصباح ذوي العرفان، ومفتاح غيب كعبة الوجدان، الحسيب الذي علا حسبه ذروة العلا، والنسيب الذي اشتهر نسبه بين الملا، من سراة لهم السر الأعلى، وحماة لهم القدر الأجلى، وأفاضل استوى فضلهم على عرش الكمال، وأماثل قد طار ذكرهم في الآفاق وجال كل مجال، وطاول شرفهم الحمل والميزان، وحاول الترقي إلى ذروة اليمن والإيمان، وهو ممن تأثل مجده في بحبوحة ذلك الشرف، وتبوأ من السيادة أسنى الغرف، مرتوية أفياؤه بماء النبوة، متأرجة أرجاؤه بعبير الفتوة، مع مهارة في العلوم، ومحاضرة فاض فيضها من فضل سيبه الموسوم، وأخلاق تألق جمالها الوضاح، وأوصاف تأنق عبير روضها الفواح، وأدب تردى بالبراعة وتوشح، وشعر ترنح للقبول وترشح، وحسن تلاعب بأطراف الكلام، وتناسب فيما تنشره ألسنة الأقلام، وجمال ألبسه الكمال إهابه، وجلال لو رآه الغضنفر الكاسر في غابه هابه.

стр. 71

فطن له علم يفيض ومنسب ... من ضرعه در النبوة يرشح فرع زكا من دوحة الشرف التي ... من فوقها ورق السيادة تصدح هذا ملخص نسخة السادات من ... يثني عليه كأنما هو يقدح انظر جميع خصاله وفعاله ... فجميعها عبر لمن يتصفح عجباً لقوم يكفرون بها ولو ... عقلوا وما عقلوا الصواب لسبحوا يحق لعصره به الفخار، ولمصره أن يتيه به على سائر الأمصار، فهو إمام الكل في الكل، لو حاول اللسان حصر أوصافه لعجز وكل، كيف لا وهو إمام وابن إمام، وهمام وابن همام، وهلم جراً لا تقف عند حد، حتى تنتهي إلى أشرف جد، فليس في نسبه إلا ذ فضل وحلم، حتى تقف على باب مدينة العلم، وهذا فرع طابق أصله، ومتأخر ولكن فاق من قبله، طلع في جبهة الدهر غرة، فكان للعيون مسرة وقرة، وما قارن هلاله إبداره، حتى أحاطت به العلا داره، فلا غرو إن ألقت إليه الرياسة قيادها، وجعلت إليه السيادة استنادها، فأصبح ومرتبته العليا، وعبده الزمان وأمته الدنيا، ولله دره من عالم بهرت حجته، وبحر زخرت لجته، فقذف لؤلؤاً ودرا، وعم الأنام إحساناً وبرا، وناهيك به من ذي منطق فصل، وفضل قد تأثل في الزيادة والوصل، ولما ضاع أرج ذكره نشرا، وتهلل محيا الوجود بسناه بشرا، وانتشر صيته انتشار الصباح، وتعطرت بعبير ثناه الفيافي والبطاح، وعشقت أوصافه الأسماع، وأسرع إليه طلاب المعالي للأخذ والسماع، دعاه مولانا السلطان، الغازي عبد الحميد خان، إلى حضرته العالية الشريفة، واستبقاه في بحبوحة نعمته المنيفة، ونظر إليه بعين عنايته، وأسبل عليه ستر رعايته، فهناك امتد في الدنيا باعه، وعمرت بكمال الإقبال عليه رباعه، وقصده الغادي والرائح، وخدمته القرائح بالمدائح: هذا الهمام ابن الهمام أبو الهدى ... كنز الندى نجل النبي المجتبى هذا وحيد الدهر قطب أولي العلا ... شمس الملا شرقاً بدت أو مغربا

стр. 72

ألف الندى ورأى السخاء فريضة ... فاعتاد بذل المال من زمن الصبا إن تدن آمل بره ونواله ... لاقاك بالوجه البشوش ورحبا ذا البحر إن يممته تظفر بما ... أملته جرب ترى صدق النبا قد قر في عرش الكمال سموه ... فلذا تراه على البرية كوكبا من آل بيت قد علت أركانه ... وله العلا قد قال أهلاً مرحبا أبقاه ربي للأنام مدى المدى ... ما أشرقت شمس وما هبت صبا هذا وإني بحمد الله قد اجتمعت بهذا المترجم الفريد، حينما تشرفت به دمشق الشام وكان قد قصدها على قدم السياحة والتجريد، مريداً بعد زيارة ساداتها زيارة أقربائه بني الصياد، فحصل لي بالاجتماع بحضرته غاية المنى والإسعاد، غير أن الحصة كانت قصيرة، وكانت المذاكرة بيننا يسيرة، فلم تحصل المعرفة المقتضية للتذكار، وعلى كل حال فإني أعدّها من النعم الكبار، وقد وعيت من بديع محاضرته ما أدهش، ورويت من أحاديث شعره ما أطرب وأنعش، وكان كثيراً ما ترد عليه أحوال، دالة على استشرافه على مقام الكمال، وإني لأرجو من واهب العطية، أن يمتع بصري برؤية حضرته على أحسن حال قبل حلول المنية، إنه كريم وهاب، إذا دعاه العبد أجاب، ثم إنني أيام رقمي لهذا التاريخ طلبت من حضرة المترجم ترجمته بالمراسلة، لتكون لكتابي حلية لطيفة ولذاتي من جملة المواصلة، فأرسل لي حفظه الله من تأليفاته الشريفة جملة ومنها كتابه المسمى بقلائد الزبرجد، على حكم مولانا الغوث

стр. 73

الشريف الرفاعي أحمد، مذيلاً هذا الكتاب بترجمة هذا الأستاذ، والعمدة الشهم الملاذ، وهذه الترجمة من إنشاء العالم الفاضل، والجهبذ السميدع الكامل، السيد محمد بن السيد عمر الحريري الرفاعي شيخ السجادة الرفاعية، في مدينة حماة المحمية، فنقلتها بحروفها من غير تغيير ولا تبديل، كما هي مرقومة لتكون نسبتها إلى حضرة منشيها باقية ومعلومة، فقال بعد خطبة دخل بها على المرام، وقد حذفتها لاقتضاء المقام، هو العالم المحقق والفاضل المدقق، شيخ الطريقة، وكشاف كل حقيقة، فرع الزاوية الهاشمية، ويتيمة قلادة السادة الأحمدية، مجدد طريقة جده أبي العلمين، وناشر أعلام فضله في المغربين والمشرقين، المالك زمام الفضائل والمعالي في كل نادي، صاحب السماحة والسيادة السيد الشيخ محمد أبو الهدى أفندي ابن شيخ المقام العالي الصيادي، العارف الكبير، الهمام الشهير السيد الشيخ حسن وادي، بن السيد علي بن السيد خزام، بن السيد الشيخ علي الخزام، دفين حيش الولي المقدام، ابن الولي العارف العالم المرشد الكامل السيد الشيخ حسين برهان الدين، بن السيد عبد العلام، بن السيد عبد الله شهاب الدين المبارك الزبيدي البصري الرفاعي، بن السيد محمد الصوفي، ابن السيد محمد برهان، بن السيد حسن الغواص، بن السيد الحاج محمد شاه، بن السيد محمد خزام دفين الموصل، بن السيد نور الدين، بن السيد عبد الواحد، بن السيد محمود الأسمر، بن السيد حسين العراقي، ابن السيد إبراهيم العربي، بن السيد محمود، بن السيد عبد الرحمن شمس الدين ابن السيد عبد الله قاسم نجم الدين المبارك، بن السيد محمد خزام السليم، ابن السيد شمس الدين عبد الكريم، بن السيد صالح عبد الرزاق، بن السيد شمس الدين محمد، بن السيد صدر الدين علي، بن القطب الجواد السيد عز الدين أحمد الصياد، بن السيد ممهد الدولة والدين عبد الرحيم الرفاعي، بن الإمام ولي الرحمن السيد عثمان، بن السيد حسن، بن السيد

стр. 74

عسله، بن السيد الحازم، بن السيد أحمد، بن السيد علي مكي، بن السيد رفاعه، ويقال له الحسن نزيل المغرب، بن السيد المهدي، بن السيد أبي القاسم محمد، بن السيد الحسن، بن السيد الحسين، بن السيد أحمد، بن السيد موسى الثاني، بن السيد إبراهيم المرتضى، بن الإمام موسى الكاظم، ابن الإمام جعفر الصادق، بن الإمام محمد الباقر، بن الإمام زين العابدين علي الأصغر السجاد، بن الإمام الهمام علم الإسلام عين أئمة الأعلام، سبط الرسول ﵊، الذي امتحن بأناع البلاء أمير المؤمنين مولانا أبي عبد الله الحسين الشهيد بكربلا، ابن إمام الأئمة وأمير نحل هذه الأمة سيد الأولياء، وقائد أزمة الأصفياء، أمير المؤمنين مولانا الإمام علي رزقه من زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين بنت سيد المخلوقين عليه أفضل صلوات رب العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. ولد حفظه الله وحماه سنة ألف ومائتين وست وستين لثلاثة أيام خلت من شهر رمضان المبارك بشيخون من أعمال معرة النعمان، وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، ثم شرع في الكتاب فمهر، وأخذ يتلقى العلوم العقلية والنقلية عن أفاضل الرجال الأعيان فأتقن وأحسن، ثم تشرف بلبس الخرقة والخلافة الرفاعية من يد والده المتقدم ذكره صاحب الأنفاس الزكية، وله إجازتان أيضاً بطريقتهم العلية الرفاعية الصيادية، الأولى من شيخه وابن عمه أحد مشاهير أولياء الله السيد الشيخ علي خير الله الرفاعي الصيادي شيخ المشايخ بحلب الشهباء، لبس منه الخرقة الرفاعية بإذن والده، وأقام عنده بحلب مدة ولا زال بعدها يتردد لزيارته في أغلب أوقاته، مستمداً فيوضات نفحاته، وصالح دعواته، حتى حاز بحمد الله منه على تمام رضاه، وآذنه بما لديه ففاز به محفوظاً بعناية الله، والثانية من حضرة شيخه الأجل الولي الأكمل، غوث زمانه وشيخ أهل عصره وأوانه، طاهر الأنفاس

стр. 75

المستأنس بربه المستوحش من الناس، مولانا السيد الشيخ محمد بهاء الدين مهدي الشيوخي الصيادي الرواس، لبس منه الخرقة عام تشريفه بغداد دار السلام، وتمم السلوك على يديه، وأخذ عنه العلوم الشرعية والتصوفية، وحفظ جميع كلامه المنظوم بعد الوقوف على كنوز حقائقه الدرية، ورموز معاني دقائقه الخفية، ولما استوفى سلوكه في الطريقة، وملك زمام الكشف عن مضرات كل حقيقة، آذنه بالرجوع لوطنه ودياره لنشر الطريق المبارك وقال له يوم وداعه: دخلت لحاننا فاشطح وغني ... فأنت وحقنا عنا تنوب فعاد مصحوباً بالسلامة للديار الحلبية، وعمتها بسببه بركة الحضرة الرفاعية وبعد رجوعه ببرهة يسيرة، خطر دار السعادة مركز الخلافة الإسلامية، فنشر بها علم الطريقة العلية، وانتسب له أفاضل الناس، لعلمهم أن طريقه المبارك قام على أساس من العرفان والشرع وأي أساس، وعاد منها بنقابة أشراف جسر الشغور من أعمال حلب، فانعطفت له الأنظار والقلوب بحسن الطلب، ثم بعد برهة يسيرة ولي نقابة الأشراف بحلب الشهباء، وأقبل على تعظيمه واحترامه بها الفقهاء والفقراء، وفي هذه الأثناء لا زال يخطر اسلامبول المحروسة، ذات الأطلال المأنوسة، ويترقى في المراتب العلمية، ويعظم اشتهاره لدى رجال الدولة العلية، حتى بلغ أمره الخليفة المعظم ظل الله في العالم، وارث سرير خلافة سيد المخلوقين نبينا وسيدنا محمد ﷺ ، ناصر الشريعة الغراء، وناشر ألوية الطريقة السمحاء، خادم الحرمين الشريفين إمام المشرقين والمغربين، السلطان ابن السلطان السلطان الغازي عبد الحميد خان،
следующие страницы →