← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فطن له علم يفيض ومنسب ... من ضرعه در النبوة يرشح فرع زكا من دوحة الشرف التي ... من فوقها ورق السيادة تصدح هذا ملخص نسخة السادات من ... يثني عليه كأنما هو يقدح انظر جميع خصاله وفعاله ... فجميعها عبر لمن يتصفح عجباً لقوم يكفرون بها ولو ... عقلوا وما عقلوا الصواب لسبحوا يحق لعصره به الفخار، ولمصره أن يتيه به على سائر الأمصار، فهو إمام الكل في الكل، لو حاول اللسان حصر أوصافه لعجز وكل، كيف لا وهو إمام وابن إمام، وهمام وابن همام، وهلم جراً لا تقف عند حد، حتى تنتهي إلى أشرف جد، فليس في نسبه إلا ذ فضل وحلم، حتى تقف على باب مدينة العلم، وهذا فرع طابق أصله، ومتأخر ولكن فاق من قبله، طلع في جبهة الدهر غرة، فكان للعيون مسرة وقرة، وما قارن هلاله إبداره، حتى أحاطت به العلا داره، فلا غرو إن ألقت إليه الرياسة قيادها، وجعلت إليه السيادة استنادها، فأصبح ومرتبته العليا، وعبده الزمان وأمته الدنيا، ولله دره من عالم بهرت حجته، وبحر زخرت لجته، فقذف لؤلؤاً ودرا، وعم الأنام إحساناً وبرا، وناهيك به من ذي منطق فصل، وفضل قد تأثل في الزيادة والوصل، ولما ضاع أرج ذكره نشرا، وتهلل محيا الوجود بسناه بشرا، وانتشر صيته انتشار الصباح، وتعطرت بعبير ثناه الفيافي والبطاح، وعشقت أوصافه الأسماع، وأسرع إليه طلاب المعالي للأخذ والسماع، دعاه مولانا السلطان، الغازي عبد الحميد خان، إلى حضرته العالية الشريفة، واستبقاه في بحبوحة نعمته المنيفة، ونظر إليه بعين عنايته، وأسبل عليه ستر رعايته، فهناك امتد في الدنيا باعه، وعمرت بكمال الإقبال عليه رباعه، وقصده الغادي والرائح، وخدمته القرائح بالمدائح: هذا الهمام ابن الهمام أبو الهدى ... كنز الندى نجل النبي المجتبى هذا وحيد الدهر قطب أولي العلا ... شمس الملا شرقاً بدت أو مغربا

стр. 72

ألف الندى ورأى السخاء فريضة ... فاعتاد بذل المال من زمن الصبا إن تدن آمل بره ونواله ... لاقاك بالوجه البشوش ورحبا ذا البحر إن يممته تظفر بما ... أملته جرب ترى صدق النبا قد قر في عرش الكمال سموه ... فلذا تراه على البرية كوكبا من آل بيت قد علت أركانه ... وله العلا قد قال أهلاً مرحبا أبقاه ربي للأنام مدى المدى ... ما أشرقت شمس وما هبت صبا هذا وإني بحمد الله قد اجتمعت بهذا المترجم الفريد، حينما تشرفت به دمشق الشام وكان قد قصدها على قدم السياحة والتجريد، مريداً بعد زيارة ساداتها زيارة أقربائه بني الصياد، فحصل لي بالاجتماع بحضرته غاية المنى والإسعاد، غير أن الحصة كانت قصيرة، وكانت المذاكرة بيننا يسيرة، فلم تحصل المعرفة المقتضية للتذكار، وعلى كل حال فإني أعدّها من النعم الكبار، وقد وعيت من بديع محاضرته ما أدهش، ورويت من أحاديث شعره ما أطرب وأنعش، وكان كثيراً ما ترد عليه أحوال، دالة على استشرافه على مقام الكمال، وإني لأرجو من واهب العطية، أن يمتع بصري برؤية حضرته على أحسن حال قبل حلول المنية، إنه كريم وهاب، إذا دعاه العبد أجاب، ثم إنني أيام رقمي لهذا التاريخ طلبت من حضرة المترجم ترجمته بالمراسلة، لتكون لكتابي حلية لطيفة ولذاتي من جملة المواصلة، فأرسل لي حفظه الله من تأليفاته الشريفة جملة ومنها كتابه المسمى بقلائد الزبرجد، على حكم مولانا الغوث

стр. 73

الشريف الرفاعي أحمد، مذيلاً هذا الكتاب بترجمة هذا الأستاذ، والعمدة الشهم الملاذ، وهذه الترجمة من إنشاء العالم الفاضل، والجهبذ السميدع الكامل، السيد محمد بن السيد عمر الحريري الرفاعي شيخ السجادة الرفاعية، في مدينة حماة المحمية، فنقلتها بحروفها من غير تغيير ولا تبديل، كما هي مرقومة لتكون نسبتها إلى حضرة منشيها باقية ومعلومة، فقال بعد خطبة دخل بها على المرام، وقد حذفتها لاقتضاء المقام، هو العالم المحقق والفاضل المدقق، شيخ الطريقة، وكشاف كل حقيقة، فرع الزاوية الهاشمية، ويتيمة قلادة السادة الأحمدية، مجدد طريقة جده أبي العلمين، وناشر أعلام فضله في المغربين والمشرقين، المالك زمام الفضائل والمعالي في كل نادي، صاحب السماحة والسيادة السيد الشيخ محمد أبو الهدى أفندي ابن شيخ المقام العالي الصيادي، العارف الكبير، الهمام الشهير السيد الشيخ حسن وادي، بن السيد علي بن السيد خزام، بن السيد الشيخ علي الخزام، دفين حيش الولي المقدام، ابن الولي العارف العالم المرشد الكامل السيد الشيخ حسين برهان الدين، بن السيد عبد العلام، بن السيد عبد الله شهاب الدين المبارك الزبيدي البصري الرفاعي، بن السيد محمد الصوفي، ابن السيد محمد برهان، بن السيد حسن الغواص، بن السيد الحاج محمد شاه، بن السيد محمد خزام دفين الموصل، بن السيد نور الدين، بن السيد عبد الواحد، بن السيد محمود الأسمر، بن السيد حسين العراقي، ابن السيد إبراهيم العربي، بن السيد محمود، بن السيد عبد الرحمن شمس الدين ابن السيد عبد الله قاسم نجم الدين المبارك، بن السيد محمد خزام السليم، ابن السيد شمس الدين عبد الكريم، بن السيد صالح عبد الرزاق، بن السيد شمس الدين محمد، بن السيد صدر الدين علي، بن القطب الجواد السيد عز الدين أحمد الصياد، بن السيد ممهد الدولة والدين عبد الرحيم الرفاعي، بن الإمام ولي الرحمن السيد عثمان، بن السيد حسن، بن السيد

стр. 74

عسله، بن السيد الحازم، بن السيد أحمد، بن السيد علي مكي، بن السيد رفاعه، ويقال له الحسن نزيل المغرب، بن السيد المهدي، بن السيد أبي القاسم محمد، بن السيد الحسن، بن السيد الحسين، بن السيد أحمد، بن السيد موسى الثاني، بن السيد إبراهيم المرتضى، بن الإمام موسى الكاظم، ابن الإمام جعفر الصادق، بن الإمام محمد الباقر، بن الإمام زين العابدين علي الأصغر السجاد، بن الإمام الهمام علم الإسلام عين أئمة الأعلام، سبط الرسول ﵊، الذي امتحن بأناع البلاء أمير المؤمنين مولانا أبي عبد الله الحسين الشهيد بكربلا، ابن إمام الأئمة وأمير نحل هذه الأمة سيد الأولياء، وقائد أزمة الأصفياء، أمير المؤمنين مولانا الإمام علي رزقه من زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين بنت سيد المخلوقين عليه أفضل صلوات رب العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. ولد حفظه الله وحماه سنة ألف ومائتين وست وستين لثلاثة أيام خلت من شهر رمضان المبارك بشيخون من أعمال معرة النعمان، وقرأ القرآن وهو ابن سبع سنين، ثم شرع في الكتاب فمهر، وأخذ يتلقى العلوم العقلية والنقلية عن أفاضل الرجال الأعيان فأتقن وأحسن، ثم تشرف بلبس الخرقة والخلافة الرفاعية من يد والده المتقدم ذكره صاحب الأنفاس الزكية، وله إجازتان أيضاً بطريقتهم العلية الرفاعية الصيادية، الأولى من شيخه وابن عمه أحد مشاهير أولياء الله السيد الشيخ علي خير الله الرفاعي الصيادي شيخ المشايخ بحلب الشهباء، لبس منه الخرقة الرفاعية بإذن والده، وأقام عنده بحلب مدة ولا زال بعدها يتردد لزيارته في أغلب أوقاته، مستمداً فيوضات نفحاته، وصالح دعواته، حتى حاز بحمد الله منه على تمام رضاه، وآذنه بما لديه ففاز به محفوظاً بعناية الله، والثانية من حضرة شيخه الأجل الولي الأكمل، غوث زمانه وشيخ أهل عصره وأوانه، طاهر الأنفاس

стр. 75

المستأنس بربه المستوحش من الناس، مولانا السيد الشيخ محمد بهاء الدين مهدي الشيوخي الصيادي الرواس، لبس منه الخرقة عام تشريفه بغداد دار السلام، وتمم السلوك على يديه، وأخذ عنه العلوم الشرعية والتصوفية، وحفظ جميع كلامه المنظوم بعد الوقوف على كنوز حقائقه الدرية، ورموز معاني دقائقه الخفية، ولما استوفى سلوكه في الطريقة، وملك زمام الكشف عن مضرات كل حقيقة، آذنه بالرجوع لوطنه ودياره لنشر الطريق المبارك وقال له يوم وداعه: دخلت لحاننا فاشطح وغني ... فأنت وحقنا عنا تنوب فعاد مصحوباً بالسلامة للديار الحلبية، وعمتها بسببه بركة الحضرة الرفاعية وبعد رجوعه ببرهة يسيرة، خطر دار السعادة مركز الخلافة الإسلامية، فنشر بها علم الطريقة العلية، وانتسب له أفاضل الناس، لعلمهم أن طريقه المبارك قام على أساس من العرفان والشرع وأي أساس، وعاد منها بنقابة أشراف جسر الشغور من أعمال حلب، فانعطفت له الأنظار والقلوب بحسن الطلب، ثم بعد برهة يسيرة ولي نقابة الأشراف بحلب الشهباء، وأقبل على تعظيمه واحترامه بها الفقهاء والفقراء، وفي هذه الأثناء لا زال يخطر اسلامبول المحروسة، ذات الأطلال المأنوسة، ويترقى في المراتب العلمية، ويعظم اشتهاره لدى رجال الدولة العلية، حتى بلغ أمره الخليفة المعظم ظل الله في العالم، وارث سرير خلافة سيد المخلوقين نبينا وسيدنا محمد ﷺ ، ناصر الشريعة الغراء، وناشر ألوية الطريقة السمحاء، خادم الحرمين الشريفين إمام المشرقين والمغربين، السلطان ابن السلطان السلطان الغازي عبد الحميد خان،

стр. 76

ابن السلطان الغازي عبد المجيد خان، خلد الله خلافته بالتوفيق إلى آخر الدوران، آمين. فأحضره لديه، وعطف بكليته عليه، وقلده مشيخة المشايخ في دار الخلافة العلية، وألحقه إلى رتبة قضاء العسكر التي هي منتهى المراتب العلمية، ومع كل هذا ما برح منعكفاً على خدمة الطريق الشريف، مشتغلاً بفضل الله بإعلاء منار الشرع العالي بالتصنيف والتأليف، حتى ألف الكتب الجليلة الكثيرة، والرسائل الظريفة الوفيرة، وقد حرر أكثرها الطبع، بأحسن شكل وأجمل وضع، وها هي بحمد الله بأيدي المسلمين ينتفع بها العوام والخواص من الموحدين، لأنها مشحونة بالأصل الديني المتين، محفوظة مصونة من شبه أرباب الغلو في الدين، مرفوعة القواعد على أساس الكتاب والسنة السنية، رافعة أعلام المجد والمفخرة لعامة الملة الإسلامية، ولخاصة الفرقة الزكية الرفاعية، منها كتاب ضوء الشمس في قوله ﷺ بني الإسلام على خمس، وقلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر، وسلسلة الإسعاد في تاريخ بني الصياد، وداعي الرشاد إلى سبيل الاتحاد، وهداية الساعي في سلوك طريقة الغوث الرفاعي، ورسالة في التواتر والفجر المنير في ورد شيخ الأولياء السيد أحمد الرفاعي الكبير، وديوانه الفيض المحمدي والمدد الأحمدي، وكتاب الصراط المستقيم في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم، والحقيقة المحمدية في شأن سيد البرية، والمدد النبوي في بيان حكم العهد العلوي، وروح الحكمة فيما يجب من الأخلاق على هذه الأمة، والمدنية الإسلامية في الحكمة الشرعية، وتطبيق حكم الطريقة العلية على أحكام الشريعة النبوية، وسياحة القلم في الحكم، والواعظ المعرب عن حقيقة المسلم المتأدب، والسهم الصائب لكبد من آذى أبا طالب، وتاريخ الخلفا وراث النبي المصطفى، والكوكب الزاهر في مناقب الغوث عبد القادر، والعناية الربانية في ملخص الطريقة

стр. 77

الرفاعية، وديوانه الثاني الجامع لأشتات درر غرر المعاني، وحضرة الإطلاق في مكارم الأخلاق، وقرة العين في مدح الإمام أبي العلمين، وطريق الصواب في الصلاة على النبي الأواب، وغير ذلك من المآثر التي سارت بها الركبان، وملأ شعاع فضلها النواحي والبلدان. وقد امتدحه البلغاء وأثنى عليه فضلاء الشعراء لما من الله به عليه من الأخلاق، الشاهدة له بصحة النسب المحمدي وطهارة الأعراق، منها: يا ساري البرق بل يا سائق السحب ... حي المنازل بين البان فالكثب أنخ هناك مطايا الغيث مثقلة ... من كل منهمر بالقطر منسكب وقف على الدار وسط الحي منتسباً ... لثغر ساكنها وافخر بذا النسب قرب لها خبري يا برق محتسباً ... فذاك والله عندي أفضل القرب واستعمل الرفق في التبليغ إن لها ... بقصتي طرباً ناهيك من طرب ما الدار يا برق في المعنى سوى صدف ... ودرة الخدر فيها منتهى أربي موهت بالدار والمعني ربتها ... كذكرنا الكأس والقصد ابنة العنب فاذكر لها عجباً من أمر مدنفها ... دان على البعد لم يحضر ولم يغب زفيره من أواز الوجد في صعد ... ودمعه من مجاري الخد في صبب عدمت من عذلوني في الهوى سفهاً ... وحاربوني أو ناديت واحربي ولو رأوا ما رأت عيني وكان لهم ... قلبي ولاموا لكان اللوم أجدر بي لكن أخالهم خشباً مسندة ... وهل يؤثر داعي الحب بالخشب عاشوا خليين من عشق يؤرقهم ... فطاب عيشهم وهماً ولم يطب يا عاذلي خل عذلي مشفقاً فلقد ... أخطأت والله في عذلي ولم تصب جسمي بدار اغترابي لا يفيق ولي ... قلب شجٍ عن دياري غير منقلب يا لهف قلبي على تلك الديار ويا ... شوقي إليها ويا وجدي ويا وصبي علمت أني إن لازمت تربتها ... لم أبرح الدهر في هم وفي ترب فاخترت فرقتها لا عن كراهتها ... ولا غراماً بسير الأينق النجب

стр. 78

لكنما الهمم العليا روت خبراً ... العز مرتبط بالوجد والخبب فكان ذاك علينا موجباً سفراً ... لولا الأماني لم يندب ولم يجب لم أنس ما وجدت بالبيد أينقنا ... من الوجى ونفاد الماء والعشب والركب في سكرة هزته سورتها ... لا سكرة الراح لكن سكرة التعب في مهمه طامس الأعلام مشتبه ... سهل خلي من الحصباء والحصب يرى الدليل به حرباً لناظره ... لا يستغيث بغير الويل والحرب والليل ملقٍ خياماً من غياهبه ... قامت بلا عمد فيها ولا طنب حتى إذا احتبكت في الأرض ظلمته ... وأنجم الأفق في حجب من السحب حرنا فلما هتفنا باسم سيدنا ... أبي الهدى ضاء نور السبعة الشهب محمد خلف الصياد صفوته ... الهاشمي الرفاعي الفتى العربي أبو السراج أخو النورين حيدرة ... أجل عصبة طه وابنه العصبي الطاهر النسب ابن الطاهر النسب ... ابن الطاهر النسبين الطاهر النسب هادي الخليقة مهدي الطريقة ... كشاف الحقيقة جالي ظلمة الريب مجدد لربوع الفضل حين حكت ... نهى أعاديه من واه ومن خرب أنى ومن كل علمٍ حزن ثاكلة ... فما استراح إلى أن قال واطربي ذو فكرة فعلت بالمشكلات على ... جهابذ الدهر فعل النار بالحطب آراؤه أنجم في الخطب مشرقة ... وعقله لرحى التدبير كالقطب ترى بصيرته الأزمان حاضرة ... ما كان مقترباً أو غير مقترب وتشهد الكرة الأرضية اجتمعت ... كأنها وضعت للهو واللعب يا دولة اتخذت منه لها ولداً ... يهنيك خير أخ يهنيك خير أب يهنيك ذو الحزم والتدبير والأدب ... المطبوع والنسب المرفوع والحسب يهنيك مولى على الأعداء فكرته ... أشد من حملات الجحفل اللجب عقل ينوب عن الكشف الجلي وندى ... لله ما فعلت جدواه بالنوب أحرزت يا دولة الإسلام منه فتى ... ساد الورى وهو حاشاه الصغار صبي

стр. 79

إن المقادير قد خطت يراعتها ... على محياه هذا سيد العرب من معشر أرفع الأشياخ منزلة ... إمام طفلهم يجثو على الركب صيد صناديد أشراف جهابذة ... نجب جحاجحة من سادة نجب آل الرسول خيار الناس قاطبة ... خلاصة الخلق طراً نخبة النخب لو نبأ الله بعد المصطفى أحداً ... لكان منهم لعمر الله ألف نبي شرف وعظم ومجد ما استطعت ولا ... تطلب لبكر القوافي غير مطلبي وإن حظيت بحبر من أئمتهم ... فامدحه محتسباً أو غير محتسب وخص منهم فتى الفتيان سيدهم ... شيخ المشايخ كهل الفضل والأدب أبا الهدى من إذا يممت ساحته ... أتاك معروفه عفواً بلا سبب هذي الأقاليم فاطلب من يماثله ... فيها ندى واحتكم إن فزت بالطلب شبه به البحر إن البحر يشبهه ... لكنه العذب مأمون من العطب وانسب إليه جميع المكرمات ولا ... تنسب إليه ادخار المال والنشب يرى رؤوس اليتامى إذ يقبلها ... أشهى له من خدود الخرد العرب أما العفاة فلو شاهدت قربهم ... منه لحققتهم من أقرب النسب أرضاه أن جيوش الحمد هاجمة ... عليه والمال من كفيه في هرب للجمع بين الدجا والصبح في قرن ... أدنى من الجمع بين الحمد والذهب شكراً لما نلته من صفو نعمته ... الحب والقرب والترتيب والرتب كم كربة أثقلت ظهري ففرجها ... بهمة سميت فراجة الكرب وكم أيادٍ له عندي مؤيدة ... لها دليلان من لحمي ومن عصبي مدحته عاجزاً عن درك غايته ... مع انتخابي القوافي خير منتخب وليس في العجز عن إدراكها عجب ... صفاته حصرتها من أعجب العجب يجوز صدقي وكذبي في سواه وإن ... أمدحه يوماً فمعصوم من الكذب أبا السراج وأنت المصقع اللسن ... الشهم البليغ إمام النظم والخطب خذ مدحة من لباب الشعر لو تليت ... في منتهى الشرق كان الغرب في طرب

стр. 80

أقسمت لهي على الأعداء لو فهموا ... أشد وقعاً من الهندية القضب ودونك العيد فاستبشر بزورته ... أنالك الله فيه منتهى الأرب ومنها: إن شيخي أبا الهدى لحسام ... سله الله والرسول الإمام فهو بالله واثق خصام ... رجل لا تريعه الأيام وله عند كرها إقدام طود حلم من الزلازل ما ارتج ... وصبور على البلا قط ما لج ببيت عز كل الكمال له حج ... وإمام قامت به دولة المج د بطور به تباهى الإمام قرشي مهذب علوي ... هاشمي مقرب أريحي علم مفرد تقي نقي ... ونسيب وسيد أحمدي خالدي شهم كريم همام مرشد العصر بالجلال توشح ... وعن الرشد والهداية أوضح عارف عرب العلوم فأفصح ... كم له في الورى لعمرك من أح وال فضل حارت بها الأفهام ومعال فوق السهى ثابتات ... وجياد تحت النهى صافنات كم أرتنا في السبق من آيات ... ولكم من مكارم بينات شهدت في علوها الأيام وأياد جزيلة وهبات ... تتوالى كأبحر زاخرات وسمات عن أصله باسمات ... ولكم من عزائم صارمات عقدها لا يحله الإبرام ولكم من مآثر طيبات ... وصلات منه لنا واصلات وفعال عن حكمة صادرات ... ولكم من مناقب باهرات دون مرقى سنامها الأوهام

стр. 81

ماجد حاز همة إن تزنها ... بعظيم الجبال ينحط عنها كم فقير نال الغنى من لدنها ... ولكم من مواهب رد منها عارض المزن وانقضى الانسجام بهداه أحيا القلوب وأنعش ... وبساط المنى لراجيه يفرش وهو في دولة إذا الخطب أدهش ... أسد من عصابة كللتها الش هب في ضوئها وصح النظام جل بين الأنام أمراً ونهياً ... وبفعل الخيرات أحسن سعيا ألمعي به الفضائل تحيا ... وفتى من عشيرة عرش عليا هم رفيع وعبدهم لا يضام ضيفه يستقر في خير منزل ... وصروف الزمان عنه بمعزل سيد ملجأ لكل مؤمل ... وكريم به تفاخر في سل ك التدلي أهل كرام عظام عارف قد أتى بأوثق حزم ... كان من بعضه علوم ابن حزم ضيغم لم يزل بصحة جزم ... يقرع الحادث المبهم بعزم حيدري في طيه إقدام وهو ما زال للبرية غوثا ... من يديه يستمطر الجود غيثا وذراع دعا الأعادي حوثا ... وتراه في حومة الحرب ليثا بارزاً ما التوت له أقدام لعروس الكمال أصبح بعلا ... ولها دون غيره كان أهلا فيصل لا يزال قولاً وفعلا ... بالغاً من مراتب العز أعلى رتبة في أساسها الأحكام

стр. 82

ذكرها يطرب النفوس ويرقص ... فعليها يا دهر حافظ أو احرص يا لها رتبة إلى خير مخلص ... نظمتها من الشريعة أيدي الص دق واستحكمت بها الأحكام صبح هدي عن الهداية أسفر ... وبه باطن المريد تنور علم عيلم همام غضنفر ... كيف لا وهو صاحب القدم الفر د الرفاعي أبو الهدى المقدام كم بنشر العلوم أحسن صنعا ... وأفاد العموم خيراً ونفعا هاشمي قد طاب أصلاً وفرعا ... من حسين بقية النسب العا لي المباني وعضبه الصمصام ذو يراع جواده ليس يسقط ... في مداه ولا بعشواء يخبط وبما شاء لا يريد التوسط ... وارث المرتضى وقرة عين الط هر والغوث إن عدا الأخصام تاج هام العلا وجوهر نصل ... أحمدي نضته أشرف أهل عين آل الصياد أطيب نسل ... شبل أهل العبا ذوآبة أصل بعلاهم تشيد الإسلام بحلى رفده العفاة تحلوا ... وبوجه السرور منه تملوا حاتمي ما قال ليت ولا لو ... وابن آل فيهم أضاء سما الكو ن بهدي وزاح عنه الظلام كوكب في ذرى العلا يتوقد ... وعلى فضله الخناصر تعقد وهو للسالكين أعظم فرقد ... وسليل الغوث الرفاعي من قد رفعت عزة له الأعلام لذ بأعتابه الشريفة وادخل ... لحماه وارو المحامد وانقل وبأفعاله وأقواله قل ... أعظم الأولياء قدراً وشيخ ال كل إن شد في الخطوب حزام

стр. 83

من يساويه سؤدداً وفخاراً ... وعلواً ورفعة واقتدارا أي غوث سواه كان نهاراً ... لائماً راحة الرسول جهارا بعد عصر والأربعون قيام فبروحي دون الورى أفديه ... من ولي بنى جدار بنيه فهو في الأوليا وحق أبيه ... كنز سر تطلسم البأس فيه وثوى في وحيده الضرغام ما سواه يوم الشدائد يرجى ... بعد طه الرسول حصناً وملجا كم وقعنا بالمهلكات فأنجى ... ولنا بابنه أبي الهدى للجا هل ذاك الدليل والالزام حجة القوم شيخهم في الأنام ... مرشد الوقت بهجة الأيام قطبه الهاشمي شبل ضرام ... فرخه حافظ الوراثة حامي ركنها أن تجز حماه اللئام للمريدين في الحقيقة منجد ... ولهم في منازل القرب مسعد ومن الكشف حين فاز بمقصد ... أخمرته من السراج سراج الد ين كأس مدامه الإلهام فتراءى في عالم النشر والطي ... فجر صدق يمحو الضلالة والغي وتبدى في هيكل مفرد الزي ... وعليه من مجد سيدنا الصي ياد درع طرازه الاحترام

стр. 84

بشذا رشده الزمان تعطر ... فروى للأنام عنه وأخبر وبدا ينجلي بأحسن مظهر ... وله نسبة حسينية الطر ز جلاها شيخ العراق خزام آل بيت مقدس قد كساهم ... خلع المجد ربهم واصطفاهم وهداهم بفضله واجتباهم ... ﵃ وحباهم صولة ينجلي عليها الدوام ومقاماً من الكواكب أعلى ... واحتراماً بين الأنام وفضلا وحماهم من كل ماساء فعلا ... وعليهم أزكى التحيات من الل هـ تعالى مدى المدى والسلام ومن نظم صاحب الترجمة الذي فاق نظم الدرر قصيدته التي تخلص بها لمدح جده النبي المفتخر وهي: هل منقذ لأخي النوى مما به ... قطعته أيدي الحظ عن أحبابه كالظل أضحى قائماً شبحاً بلا ... جرم يلجلج في رسيس ثيابه ما فيه إلا الروح تخبر أنه ... حي ولا رسم بطي نقابه كمد تلهب ناره ودموعه ... كالغيث لا ينفك وبل سحابه فالوجد هد وجوده بزفيره ... والصد حارب قلبه بحرابه يا للرجال لحائر أسبابه ... قطعت وأين الوصل من أسبابه أوزاره قد أثقلته وعرقت ... أسفاره الآثام عن آرابه وطغت عليه الحادثات وما له ... إلا الذي لاذ الورى بجنابه محبوب رب العالمين نبيه ... ورسوله وأمين سر كتابه سيف الرسالة صاحب الحكم الذي ... أحيا رسوم العدل فصل خطابه مصباح فرقان المثاني من بدت ... حكم الكتاب تضيء في محرابه

стр. 85

فلك المعاني الخافيات بمشهد ... ما الرسل إلا من نجوم قبابه سير الهلال سرى بليل عروجه ... وسرت ملائكة العلا بركابه وطوائف النور المضيء تحفه ... شرفاً له بذهابه وإيابه حتى دنا بعد التدلي صاعداً ... بهبوطه السامي لبرج رحابه فتمثل الأملاك بين يديه في ... مغناه يستسقون من ميزابه والدين أشرق وجهه متهللاً ... في أفق وادي يثرب وشعابه فلذاك رصع أرضه شهب السما ... والمسك غلغل في غبار ترابه والبدر قلب وجهه متململاً ... يرجو القبول على أريكة بابه لله ركن عز من ذاك الحمى ... أضحى أمين الوحي من حجابه خضعت ملوك العالمين لمجده ... وتمثلوا رهباً لدى أعتابه ومن انتمى لرفيع سدة جاهه ... لم يفترسه زمانه بمصابه وعبيده مهما تدنس بالخطا ... هو في أمان الله يوم حسابه وتحفه من ذيله نفحاته ... في هينات زمانه وصعابه هو روح هذا الكون قرة عينه ... ومدار رمز سؤاله وجوابه هو كنز علم الله صاحب أمره ... هو سيفه والكون نوع قرابه هو مظهر السر الخفي عن السوى ... والمحضر المطوي في جلبابه هو حجة الرسل الكرام أمامهم ... هو شيخهم بمشيبه وشبابه ما الأولياء العارفون بربهم ... إلا الذين حسوا لذيذ شرابه

стр. 86

ما الكون إلا نقطة هو أصلها ... أو طلسم هو شكل حرف صوابه ما الحلم إلا ما إليه رجوعه ... والعلم إلا مذهب من دابه والجود إلا نسمة من طبعه ... والمجد إلا من سنا آدابه لمعت براهين الهدى بظهوره ... ودجى الضلال محاه نور شهابه والحق أقبل والفتوح أمامه ... والغي ولى مدغماً بضبابه أدعوه للكرب الملح وأين من ... عزماته ليث الثرى في غابه فلكم حللت به وعزة قدره ... عقد الزمان ولان صلد صلابه ولكم لجأت له بقلب خاشع ... فحماه بالإحسان من أتعابه أنا عبده والعبد مهما زل عن ... طرق الرضا ساداته أولى به صلى عليه الله ما لمع الضحى ... ولآله يهدي الثنا وصحابه ومن نظم هذا الهمام في مدح سيد الأنام اعجز المنقبض المنبسط ... بمعان شط منها الخطط وبدا من جامع الشأنين في ... طالع الكونين طور وسط وانجلى في الأفق البحت سنا ... صحف صفت عليها النقط وبدوح الغيب قامت حكم ... صحة ما قام فيها الغلط وبآيات المثاني جوهر ... بأكف الوهم لا يلتقط فوقها منك حبيبي أسدلت ... حجب للحشر لا تنكشط أنت سر الكل والكل له ... منك حبل عاصم مرتبط حار في درك معانيك الورى ... والمدى المقصود عنهم شطط شأنك السيار فيه درر ... لمعانيها البرايا سفط جل من جلل مجلاك ضيا ... بحواشيه البها يختبط جمع هذا الفرق فرق جمعه ... منه قد دل عليك النمط

стр. 87

ومنه قوله يمدح سلطان الرجال وكعبة أهل الوجد والحال جده الإمام الرفاعي الكبير لا زال رمسه الأعطر مهبط مدد الخالق القدير. قلب المحب بحبه مشغول ... وله عليه تلهف وعويل لا زال يطويه الهيام على لظى ... وجد وينشره ضنى وذبول يا لائمي واللوم ليس بنافع ... أيصد عن طلب الحبيب عذول دع لوم أهل العشق واطرح عذلهم ... إن العذول بشأنه مخجول ولقد تزيا بالغرام وأهله ... ذو ريبة في زيه مخذول ردته بينة المحبة خاسئاً ... وشهود أحكام الغرام عدول ذو الصدق في سوح المحبة ثابت ... وأخو الرياء من الظلال يميل يلهو إذا خشع المحب وإنما ... مجلى الخشوع على الفؤاد دليل متن الهوى تحت الضلوع وشرحه ... بشروط حال العارفين طويل قد يدعي الحب الملح كواذب ... والعاشقون الصادقون قليل ولكم تباكى المدعون وما بكوا ... ودموع أصحاب الولوع سيول ولربما سكت المحب لفكرة ... فيمن يحب وعقله مذهول يا من ولعت بهم وطبت لذكرهم ... رفقاً فقلبي للصدود عليل لو زال رضوى وانتحى عن أرضه ... حاشاي عنكم يا كرام أحول ما قلت أصحو من سلافة حبكم ... إلا اعتراني سكرة وخبول لكم التحكم في القلوب ولم تزل ... تسري إليكم أنفس وعقول قد حرت في تعريفكم لجلالكم ... لم أدر يال الحي كيف أقول أيطول فهمي سر رفعة قدركم ... ومقامكم هام الفخار يطول ولكم بصف العاشقين مشاهد ... غرر لها بين الورى وحجول وغداة كل قبيلة بإمامها ... تدعى ويبدو المضمر المجهول ويرى هناك الحق والدعوى ويظهر ... للعيان فضيلة وفضول فأمامكم يا أهل أم عبيدة ... علم الرجال السيد المقبول

стр. 88

شمس الحمى الغوث الرفاعي الذي ... في الفضل صح حديثه المنقول سلطان أقطاب الرجال وشيخهم ... وشجاعهم حيث القلوب تزول ذو السيرة النبوية العليا التي ... فيها انطوى المنقول والمعقول شبل الحسين سليل أصحاب العبا ... سيف الرسول الصارم المسلول كم مرة نصر الضعيف بنظرة ... وعلا وعز برمشتيه ذليل غوث إذا لجأ الكسير لبابه ... طرف الزمان يراه وهو كليل توراة عنوان الزبور نصوصه ... وبسره الفرقان والإنجيل ناب النبي فعلمه من علمه ... وطريقه بطريقه موصول ذو همة برهانها متواتر ... كالفجر لكن ما اعتراه أفول وكفاه أن مد النبي يمينه ... لجنابه والحي فيه قفول خرجت من القبر الشريف كأنها ... عضب من النور الجلي صقيل سارت بها الركبان تنقل نصها ... مسكاً بأقطار الوجود يجول هذا أبو العلمين ذو الكف الذي ... من راحه بحر الفيوض يسيل أخذ الخضوع كشأن طه مذهباً ... فطريقه للمكرمات سبيل إن قال عن دعوى قؤول شاطح ... سكراً فهذا بالخشوع فعول لله خارقة بطي وجوده ... معها كثير الخارقات قليل خشعت لديه الأولياء وكلهم ... سامي المهابة عارف وجليل وكأنه دون الجميع لعقله ... طود من العلم الصحيح ثقيل لا يستفز بوارد عن شأنه ... وبربه عن غيره مشغول يجري له الإحسان بحر الامتنا ... ن وذيله من دمعه مبلول

стр. 89

هذا هو الفحل المكين بطوره ... الله ما كل الرجال فحول وقفت رجال الله تحت لوائه ... ونواله لصروفهم مبذول وسرى على أثر الرسول وما له ... في السائرين مماثل وعديل شيخ بتولي المقام وسيد ... حمل الضعاف ببابه محمول مأوى صنوف العاجزين رحابه ... ما خاب في ذاك الرحاب نزيل هو كعبة يحمي الطريح بركنها العالي ... ويأمن خائف ودخيل نفحات فضل الله في ذاك الحمى ... فياضها متواصل وهطول ولشيخ ذياك الرحاب عوارف ... حزب العفاة بمنحها مشمول من لاذ فيه بصدق قلب خالص ... ما فاته المسؤول والمأمول لا زال أصحاب القبول ببابه ... ولهم تدق من الفتوح طبول فعليه لا برحت ميازيب السلا ... م تسح ما ذكر الخليل خليل أو قام منه على سرير صفاته ... ملك عليه من الرضا اكليل أو ثبت القلب الخفوق بحبه ... صبر من الود القديم جميل ومنه قوله يمدح شيخه القطب الأعظم السيد محمد مهدي الصيادي الرفاعي الرواس قدس الله سره ونفعنا به آمين لربي مني الشكر شيخي ومرشدي ... إمام الزمان الغوث قطب رحى المجد غدا وحده ركن المعالي وإنني ... عرفت به ما بين أهل الحمى وحدي ومن شعره في النسيب والغزل لا زال محط رحال أهل الأهل تندب الأطلال روحي كلما ... هب في الأرجاء ريح السحر ويفيض الدمع من عيني دماً ... ركب قوم سار سير القمر واختباط البرق من نحو الحمى ... يخطف القلب لجيران التلال

стр. 90

فعلام كل هذا ولما ... هاهم مروا كلمح البصر يا رعى الله أويقات غضاض ... قنع البشر بها هام السرور مع خلان مضت بين الرياض ... وبنا دنيا رحى الوصل تدور راح هذا وكأن الدهر ما ... أغمض العين ولا نلنا الوصال فاقض يا دهر بنا ما أنت قاض ... قد رضينا باختيار القدر آه لو عادت ليالينا القدام دور ... لشفينا غلة تحت الضلوع وروينا من أحاديث الغرام ... مرسلات من أساطير الدموع ووصلنا في الهوى ما انصرما ... ورأينا ما تعاناه الخيال لكن الأمر خيال والسلام ... خطرات من قبيل السمر قسماً بالعهد والود القديم دور ... كل آن وجدهم عندي جديد هم سروا والوجد في سري مقيم ... يفعل الله تعالى ما يريد ما زهى الروض أو الودق همى ... غدوة غلا ومني الدمع سال وعلى نهج الصراط المستقيم ... ثابت في الحب طول العمر كلما العتم انجلى قلبي يطير دور ... وإلى أنوارهم آهي يطول وإذا ما الشمس جدت بالمسير ... ذكرت نفسي لهم تلك القفول وإذا موج الظلام التطما ... خلته من شعرهم بعض الحبال وعلى كل قليل وكثير ... شكلهم منطبع في نظري يا نسيم الصبح خذ قلبي لمن دور ... أقلقوه يوم بانوا بالفراق وإذا ما عدت بالذكر الحسن ... هات ما عندك من طيب التلاق وأعد روحاً بها البين رمى ... لجج الحين وألقاها وشال وارحمنها فهي خنساء الحزن ... وافتقاد الإلف طبع البشر ليت خلاني بذياك اللوى دور ... ذكروا خلاً لهم خلوه ليت ذا حنين من تباريح النوى ... صار لا در النوى حيا كميت

стр. 91

نظم الشعر لهم إذ نظما ... وطوى أحشاءه ضمن المقال وعلى عرش الإشارات استوى ... فكره ثم أتى بالدرر هذه يا حسرتي قصة من دور ... مسه الضر وأفناه الجزع دنف مذ أزمع القوم وهن ... واصل الحزن وللحزن انقطع كم يناجي الطيف فيهم كلما ... رام أن يبدي لهم قصة حال قائلاً بالله يا طيف الوسن ... عطفوا أم قلبهم من حجر وعبير فاح من تلك الخيام دور ... يوم زمت عيسهم قبل الصباح أنا مفتون بهم حتى القيام ... ولهذا طال ندبي والصياح أسأل البرق إذا ما اضطرما ... عنهم يا لهف قلبي والغزال فعلى أرجائهم مسك الختام ... ينشر الدهر فتيت العنبر وقال أطال بقاه وأعلى مرتقاه أي غصين الياسيمن انتبه ... واتركن بالله ما أنت به هزك الريح فقلدت لذا ... خصر ريم ما له من شبه حدك القطع لهذا فاعتذر ... عل أن تدرأه بالشبه وقال لي بالأبيرق فتية خلفتهم ... وطرحت بين خيامهم أحشائي منهم لظى ناري وماء مدامعي ... يا لوعتي من نارهم والماء وقال لي في العراق أحبة ملكتهم ... قلباً عليهم يوم بانوا ذابا ذاق العذيب بقربهم لكنه ... لما أطالوا البعد ذاق عذابا وقال والذاريات من الدموع تلهفاً ... يوم النوى والمرسلات سيولا ما كنت أعلم أن غزلان الحمى ... يصلتن من ريش الجفون نصولا

стр. 92

وقال أيها البرق الذي تلوى به ... قادحات من زناد الولع ما رأيت العيس لما أزمعت ... وتوارت عن زوايا لعلع عجباً تلويك أخبار اللوى ... لظبا روض النقا والأجرع إنني المضنى الذي فارقتهم ... كيف يا بارق لو كنت معي أنت حيناً تتلوى وأنا ... زفرتي ما عشت لم تنقطع ومن لطائف شعره قوله ألا فرج من حضرة الله محكم ... يؤيد إيماناً تحكم في السر فيا نفحة البشرى من الله سرعة ... ويا غارة الجبار من حيث لا ندري وهذه النبذة من ترجمة هذا الإمام مغنية عن الإكثار توفي رحمه الله تعالى في الآستانة في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين والحمد لله والصلاة على رسوله في البدء والختام. الشيخ أبو السعود بن الشيخ محمد جلال بن الشيخ محمد أفندي المكنى بأبي المكارم بن السيد عبد المنعم بن السيد محمد أبي السرور البكري الصديقي المصري بقية السلف الصالح، ونخبة الخلف الناجح، تولى خلافة السجادة البكرية في سنة سبع عشرة ومائتين وألف عندما عزل ابن عمه السيد خليل البكري، ولم تكن الخلافة في فرعهم، بل كانت في أولاد الشيخ أحمد بن عبد المنعم وآخرهم السيد خليل المذكور، فلما حضرت الدولة العثمانية إلى مصر واستقر في ولايتها محمد باشا خسرو، سعى في السيد خليل الكارهون له ورموه بالقبائح، ومنها تداخله في الفرنسيس وامتزاجه بهم، وعزلوه من نقابة الأشراف، وردت للسيد عمر مكرم، ولم يكتفوا بذلك

стр. 93

بل ذكروا أنه لا يصلح لخلافة البكرية، فقال الباشا: وهل موجود في أولادهم خلافه، قالوا نعم وذكروا المترجم فيمن ذكروه، وأنه قد طعن في السن ولكنه فقير من المال، فقال الباشا الفقر لا ينفي النسب، وأمر له بفرس وسرج وعباءة كعادة مركوبهم، ولبس التاج والفرجية والفروة السمور خلعة من الباشا، وأنعم عليه بخمسة أكياس، وجعل له مرتباً معلوماً، فراج أمره واشتهر ذكره، وسار بسيرة حسنة مقرونة بكل كمال، وكانت تتحاكم لديه أرباب الطرائق فيقضي بينهم بلا ميل لأحد بل بما يظهر له من الحق والصواب، ولم يزل على حالته وطريقته مع خضوعه ولين جانبه وحكمه على نفسه إلى أن ضعفت قواه ولازمه المرض وأقعده في الفراش، فعند ذلك طلب سادات مشايخ الأزهر نزوله عن خلافته لولده السيد محمد الكامل الرشيد، فعرضوا القصة على الوالي فحولها لولده المرقوم في حياة والده وطلبه لذلك، وتوفي المترجم في أواخر شهر شوال سنة سبع وعشرين بعد المائتين والألف وصلي عليه في الأزهر ودفن في القرافة بمشهد أسلافه ﵃ أجمعين. الشيخ أبو الفتح ابن الشيخ عبد الستار أفندي ابن الشيخ إبراهيم أفندي الأتاسي الحمصي عالم مصره ونخبة أهل أوانه وعصره، ولد سنة ست عشرة بعد المائتين والألف، وأخذ العلوم عن والده المومى إليه، وكان جل اعتماده في الأخذ عليه، وكان ﵀ له خلق جميل، وقلب عن الكمالات لا يزيغ ولا يميل، ولطافة مشهورة، وملاحظة لعواقب الأمور مأخوذة عنه ومأثوره، تولى منصب الإفتاء بحمص بعد عزل أخيه الأكبر الشيخ محمد سعيد أفندي وكان له وظيفة التدريس في جامع سيدنا خالد بن الوليد الصحابي الجليل، مع كونه غزير العلم جيد الفهم، يغلب عليه الصواب

стр. 94

في السؤال والجواب، توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثمائة وألف ودفن في مقبرة حمص وقبره معلوم مشهور يزار ويتبرك به. الشيخ أبو الفتح ابن الشيخ عبد القادر ابن الشيخ صالح الخطيب الشافعي الدمشقي ولد بدمشق ونشأ بها وتخرج بأبيه وأقرأ في رسائل نحوية وفقهية في مدرسة الخياطين، وله حلقة تدريس بجامع بني أمية بين العشائين، وتولى خطابة الأحمدية، وإمامة مسجد برأس سوق الخياطين ومحافظة المكتبة بالمدرسة الظاهرية، وكان فقيراً قانعاً شرح الأجرومية والعوامل، واختصر بعض أجزاء من تاريخ ابن عساكر من النسخة الموجودة في المكتبة الظاهرية على تحريفها وكانت وفاته في تاسع المحرم سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف. أبو عبد الله محمد بن إدريس وزير السلطان عبد الرحمن بن هشام سلطان فاس وكانت توليته في ربيع الأول سنة ألف ومائتين وثمان وثلاثين الوزير الوحيد، والشاعر المجيد، والعالم الفاضل، والعامل الكامل، من انتهت إليه الفضائل، وانتظمت به عقود الشمائل، لقد أدى الوزارة وعالمها وكاملها، ومن نظمه مهنئاً السلطان عبد الرحمن حينما جلس على تخت السلطنة بفاس سنة ألف ومائتين وثمان وثلاثين كما تقدم:

стр. 95

مولاي بشراك بالتأييد بشراكا ... قد أكمل الله بالتوفيق مسراكا الفتح والنصر قد وافاك جيشهما ... والسعد واليمن قد حيا محياكا الله ألبسك الإقبال تكرمة ... وبالتقى والنهى والعلم حلاكا فراسة الملك المرحوم قد صدقت ... لما تفرس فيك حين ولاكا أعدت للدين والدنيا جمالهما ... فأصبحا في حلى من حسن معناكا وزادك الغيث غوثاً في سحائبه ... فجاد بالقطر قطراً فيه مأواكا وله قصائد كثيرة، ومدائح شهيرة، ومناقب سنية، ومفاخر علية، ولم يزل على حاله بالغاً من الترقي جل آماله، إلى أن توفي هذا الوزير المذكور والفرد العلم المشهور سنة ألف ومائتين وأربع وستين رحمه الله تعالى. أبو الأنوار شمس الدين محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن عارفين سبط بني الوفا، وخليفة السادات الحنفا، وشيخ سجادتها ومحط رحال سيادتها الأستاذ الشهير، والجهبذ النحرير، والرئيس المفضل، والفريد المبجل، نادرة عصره، ووحيد دهره، من شهرته غنية عن مزيد الإفصاح، ومناقبه أظهر من أن يتعلق بها البيان والإيضاح، وأمه السيدة صفية بنت الأستاذ جمال الدين يوسف أبي الإرشاد بن وفاء. ولد المترجم وتربى في حجر السيادة والصيانة، والحشمة والديانة، وقرأ القرآن، والتفت بجده واجتهاده لطلب العلم على ذوي الشان، وتلقى طريقة أسلافه وأورادهم وأحزابهم عن خاله الأستاذ شمس الدين محمد أبي الإشراق بن وفا، عن عمه الشيخ عبد الخالق، عن أبيه الشيخ يوسف أبي الإرشاد، عن والده أبي التخصيص عبد الوهاب، إلى آخر السند المنتهي إلى الأستاذ أبي الحسن الشاذلي، ولازم العلامة القدوة الشيخ موسى البجيرمي فحضر عليه عدة من الكتب في فنون متعددة، وهو أول أشياخه، ثم لازم الشيخ خليل المغربي،

стр. 96

والشيخ أحمد الميجري الملوي شيخ الشيوخ في وقته، وأجازه بمروياته ومؤلفاته الإجازة العامة، وكذلك الشيخ أحمد الجوهري الشافعي إجازة عامة، وإجازة خاصة بطريقة المولى عبد الله الشريف، وحضر دروس الأستاذ الحفني، والشيخ عمر الطحلاوي المالكي، والشيخ مصطفى السندوبي الشافعي، والشيخ محمد الناري، والشيخ أحمد القوصي، وسمع المسلسل بالأولية من عالم أهل المغرب الشيخ محمد بن سودة التاودي الفاسي المالكي عند وروده مصر في سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف بقصد الحج، وكتب له إجازة بخطه مع سنده أيضاً، وإجازة بدلائل الخيرات وأحزاب الشاذلي، وكذلك تلقى الإجازة من الأستاذ المسلك عبد الوهاب بن عبد السلام العفيفي المرزوقي، وكذلك من إمام الحرم المكي الشيخ إبراهيم بن الرئيس محمد الزمزمي، وإجازة بالمسبعات وبما لأسلافه من الأحزاب، وكناه بأبي الفوز، وذلك في سنة تسع وسبعين ومائة وألف بمكة سنة حجة المترجم. وتوفي يوم الأحد ثامن عشر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف وصلي عليه في الأزهر، ودفن بالقرافة في مشهد أسلافه في التربة التي أعدها لنفسه. أبو السعود بن ضيف الله مراد الشاب الأديب، والناجح الأريب، من صاغ من فرائد درره عقداًن وجدد للأدب بعد الاندراس عهداًن فهو الإمام الذي يقتدى في النظام به، والهمام الذي أثمرت رياض الجمال بآدابه، تتطاول له أعناق السرور حينما يمد لها سماط المنظوم والمنثور، ومن شعره البديع المتحلي بأنواع المعاني والبديع قصيدته وهي: أبدور مشرقات أم غرر ... في ليال داجيات أم طرر وغصون تنثني يا عجباً ... أم قوام ماس عجباً وخطر

стр. 97

وعيون ناعسات دعج ... ترشق العشاق نبلاً أم وتر وبروق أومضت في الأفق أم ... ثغر حبي افتر عن عقد درر بدر حسن حرق القلب هوا ... هـ وقد قرح جفني بالسهر سحر الألباب لما حسر الحجب ... عن حسن محياه سحر أسر العشاق في عضب لوا ... حظه عمداً وجهراً ما أسر صبت الروح إليه ولقد ... صبت الأجفان دمعاً كالمطر أهيف إن بان يثني عطفه ... يزدري بالبان والقلب حجر في اللمى والثغر والطرف لقد ... حل شهد ولآل وحور قده مع وجنتيه ومحياه ... رمح وشقيق وقمر بت ولهان به في خطر ... هائماً في حبه لما خطر وهن العظم به واشتعل الرأس ... شيباً مذ تناءى وهجر اسمح ابخل صد واصل منيتي ... وبما تهوى تحكم يغتفر عاذلي مال عن الإنصاف مذ ... لام في عذل به عين الضرر قال ذره قلت كلا إنني ... عبده أفعل دوماً ما أمر وهو ريم يوسفي حسنه ... لو رأى البدر سناه لاستتر وهي قصيدة طويلة، وله من الشعر قصائد جميلة. الشيخ أبو السعود الشهير بالسباعي الدردير الحفني العدوي مالك أعنة المحاسن وناهج طريقها، العارف بترصيعها وتنميقها، الناظم لعقودها، والراقم لبرودها، المجيد لإرهافها، والعالم بجلائها وزفافها، تصرف في فنون الإبداع كيف شاء، وأبلغ دلوه من الإجادة الرشاء، فطاب نشره، وطار في الأقطار ذكره، شمائله تتضاءل لها قطع الرياض، ويبادر به الظن إلى شريف الأغراض. قد التفت إلى طلب العلوم التفات المشغوف، وسقط على تطلبه سقوط المشوق الملهوف، إلى أن بلغ منه

стр. 98

مبلغ الكمال، ونبغ به ونال منه أعلى منال، وحضر دروس شيوخ عصره، إلى أن صار مرجعاً في مصره، وأقبل الناس عليه من كل جانب، للاستفادة والحصول على الرغائب. توفي ﵀ في حدود الألف والمائتين وسبع وثلاثين. أبو السعود بن أحمد أفندي بن علي المعروف بالحسيبي الدمشقي من ذوات الشام وكبرائها، وأفاخمها وعظمائها، له تولع بجمع نوادر الكتب النفيسة، وله مذاكرة لطيفة أنيسة، وإقبال على قاصديه جميل، ولطف بوارديه جزيل، وفي سنة ألف وثلاثماية وخمس عشرة توفي أحمد أفندي بن أمين أفندي منجك نقيب دمشق الشام، فكتب مفتي الشام محمد أفندي المنيني سلسلة موصلة للمترجم المرقوم للذات الطاهرة، وختمها له ذوات الشام وشيوخها، ثم أرسلت إلى النقابة في الدار العلية، وبعد مدة توجهت النقابة على المترجم المرقوم وقام بها بسيرة حيسنة، وصفات مستحسنة، مع عفة عالية وشهامة وافية، وبيت مفتوح، وطعام ممنوح وغنىً وافر، وجاء موروث كابراً عن كابر، أحسن الله إليه آمين. الشيخ أبو النصر بن المرحوم الشيخ عبد القادر بن الشيخ صالح بن الشيخ عبد الرحيم الخطيب طلب العلم على أبيه، وعلى غيره من كل عالم نبيه، إلى أن سما مقامه، وفشا في الناس احترامه، وقد انتقل بعياله إلى حرستا قرية تبعد عن الشام مقدار ساعتين، وسار بأهلها سيرة حسنة، يصلي بهم ويخطب لهم ويعظهم ويعلمهم ما يحتاجون إليه، ثم بعد ذلك أخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ علي اليشرطي المستقيم بعكه ثم ذهب إلى الآستانة المعمورة ودخل في سلك النيابات ولا زال ينتقل من مكان إلى مكان في النيابات إلى عام ألف وثلاثمائة وستة عشر. حضر إلى الشام وصادف أنه بعد حضوره بمدة توفي في شهر رجب مفتي دمشق الشام محمد أفندي المنيني فتعرض لها المترجم، وكتب عرض

стр. 99

فحضر وختم له كثير من الناس، وكذلك غيره تعرض لها ولكن صادف القدر، وتوجهت الإرادة الأزلية للشيخ صالح أفندي قطنا، فتوجه الإفتاء عليه من شيخ الإسلام جمال الدين أفندي. وعلى كل حال فهو شهم شجاع جميل المعاشرة، يغلب عليه الميل إلى الطاعة والمروءة والحماسة والتباعد عن الرذائل، ولم يشتهر عنه أنه في مدة نياباته ارتشى من أحد أحسن الله حالنا وحاله. ثم في ثالث ربيع الثاني خطب يوم الجمعة في جامع بني أمية وقرأ فيه الدرس العام بعد العصر، وخرج إلى قرية تل منين لحضور عرس دعي إليه، وكان يوم السبت، وبعد صلاة العشاء أصابه وجع قلب ولم يمض عليه ساعة حتى مات، فأحضروه في الصباح إلى الشام وجهزوه وصلوا عليه في جامع بني أمية ثم دفنوه في مدفن أسلافه في مقبرة الدحداح، وذلك رابع ربيع الثاني سنة ألف وثلاثماية وأربع وعشرين. الشيخ العلامة المتفنن الباحث المتقن أبو العباس المغربي المالكي صاحب العلم الباهر، والفضل السامي الظاهر، والشهرة العامة، والشمائل الكاملة التامة، وهو من رجال الجبرتي، أخبر ﵁ أن أصله من الصحراء من عمالة الجزائر، دخل مصر صغيراً فحضر دروس الشيخ علي الصعيدي وتفقه عليه ولازمه، ومهر في الآلات والفنون، وأذن له في التدريس فصار يقرىء الطلبة في رواقهم، وراج أمره لفصاحته وجودة حفظه، وتميز في الفضائل، وحج سنة اثنتين وثمانين ومائة

стр. 100

وألف وجاور بالحرمين سنة واجتمع بالشيخ أبي الحسن السندي ولازمه في دروسه وباحثه، وعاد إلى مصر، وكان يحسن الثناء على المشار إليه واشتهر أمره وصارت له في الرواق كلمة، واحترمه علماء مذهبه لفضله وسلاطة لسانه، وبعد موت شيخه عظم أمره حتى أشير له بالمشيخة في الرواق، وتعصب له جماعة فلم يتم له الأمر، ونزل له السيد عمر أفندي الأسيوطي عن نظر الجوهرية، فقطع معاليم المستحقين، وكان حجاجاً سلط اللسان يتقى شره. توفي ليلة الأربعاء حادي عشرين شعبان سنة ألف ومائتين وسنتين غفر الله لنا وله، وجعل في دار النعيم مستقره. الشيخ ابو بكر بن علي البطاح الأهدل العلم الأمثل، والطود الأفضل، إمام المحققين، ونخبة المدققين، سراج افسلام، وكعبة الأئمة الأعلام، قد ساد بفنون العلوم، وتدقيق المنطوق والمفهوم، فهو غرة في جبين الدهر زاهرة، وشامة في صفحة العصر ظاهرة، يحق له أن يقال فيه، وأن يصفه الدهر بملء فيه. وأرى الخلق مجمعين على فضلك ... من كل سيد ومسود عرف العارفون فضلك بالعلم ... وقال الجهال بالتقليد جد واجتهد في المعالي، إلى أن صار حسنة الأيام والليالي، أخذ العلوم من عدة مشايخ منهم السيد سليمان الأهدل، وتميز بالكمال في الملكات الثلاث ملكة الاستحصال، وملكة الحصول، وملكة الاستنباط، وكان عمدة في التفسير والحديث والفقه والتصوف والآلات والأصول. وخلاصة الكلام، إنه من السادة الأعلام، ومما كان ينشده: إن رمت إدراك العلوم بسرعة ... فعليك بالنحو القويم ومنطق هذا لميزان العقول مقوم ... والنحو تقويم اللسان المنطق مات ﵀ سنة ألف ومائتين ونيف.

стр. 101

الشيخ الملا أبو بكر الكردي الشافعي الدمشقي أحد العلماء الأعلام، المتقدمين في العلوم بدمشق الشام، كان مجاوراً في جامع الورد في سوق صاروجا، وكان ملازماً للإفادة العلمية، والآداب العملية، مع التقوى والعبادة، والعفة والزهادة، كثير السكوت عن فضول الكلام، لا يتكلم إلا في ذكر أو قرآن أو إقراء درس أو إفادة حكم من الأحكام، قرأ عليه الأجلاء من العلماء، والكثير من الفضلاء، وكان له مشاركة قوية، في العلوم العقلية والنقلية، وقد أخذ عن المرشد الكامل أوحد الزمان، وقطب العصر والأوان، مولانا خالد النقشبندي مجدد القرن الثالث عشر، وعن غيره ممن عرف بالفضل واشتهر، وله تأليفات كثيرة، ورسائل شهيرة، وله تفسير على القرآن المجيد اخترمته المنية قبل إتمامه، قد أجاد فيه وأفاد، واعتنى به فوق المراد، وكان معدوداً من ذوي النهاية، معروفاً بالكشوفات والولاية، وقد حضرت بعض مجالسه، واستفدت من بعض نفائسه، وكان كثيراً ما يذاكرني مع صغر سني في المسائل العلمية، والنوادر الأدبية، مات ﵁ سنة تسع وستين ومائتين وألف، ودفن بتربة سوق صاروجا. الشيخ أبو بكر الكردي الجزاري الدمشقي العالم الإمام، والأوحد الهمام، نزيل دمشق الشام، أخذ العلوم عن أفاضلها، وارتفعت رتبته في المعارف بين ذوي فضائلها، حتى صار عمدة مقبولا، معروفاً في الكمال لا مجهولا، مرفوع المقام، يتبرك به الخاص والعام، مات يوم الإثنين عاشر ذي الحجة الحرام الذي هو من شهور سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف ودفن في الدحداح.

стр. 102

أبو بكر باشا الطرابلسي والي مصر من طرف الدولة العثمانية وكانت ولايته من سنة إحدى عشرة ومائتين وألف كان وزيراً عاقلاً إلا أنه لم تساعده يد الإقبال، ولم تلاحظه عين العناية في تسديد الأقوال والأفعال، وذلك لاستطالة المماليك على الأراضي المصرية، ونفوذ كلمتهم بها على كلمة الوزارة العثمانية، فكان ما كان من خروجه ودخول الأجانب، وتسلطها على بلاد مصر وإيقاعها في المعاطب، وبيان ذلك مع التفصيل، المقتضي عدم التطويل، قال في الفتوحات الإسلامية، المنسوبة للحضرة الأحمدية الدحلانية: كانت مصر قبل أن تتملكها الدولة العثمانية بيد ملوك الجراكسة، وكان لهم كثير من المماليك الذين هم أيضاً من الجراكسة ومن غيرهم من الترك، فلما تملكت الدولة العثمانية مصر لم تزل المماليك باقين وفي كل وقت يزدادون حتى بلغوا غاية الكثرة، وكان منهم أمراء ورؤساء، فصارت لهم عصبية قوية، فتغلبوا على الأملاك والأراضي والأطيان والمحصولات والخراجات والجمارك، وكانوا إذا جاء الباشا المتولي على مصر من الدولة العلية ينقادون له في الظاهر وفي الباطن هم متغلبون، فكانوا يبقونه إذا أرادوا ويعزلونه إذا أرادوا، ولا يصل إلى الدولة من محصولات مصر إلا القليل والباقي بأيديهم، وكان لهم رؤساء، وعلى الجميع أمير كبير تحت أمر الوزير المتولي من السلطنة صورة وظاهراً فقط، فلما تغلبوا هذا التغلب كثر منهم الظلم والعدوان على المسلمين وغيرهم من طوائف النصارى واليهود، فيتعدون كثيراً عليهم لاسيما على تجارهم، وكانت الدولة العلية مشتغلة عنهم بكثرة الحرب مع النصارى، فطمع الفرنسيس في تملك مصر وإبعاد هؤلاء المماليك المتغلبين، وأوهموا على المسلمين أنهم إنما يريدون تخليص مصر منهم وبقاء الحكم فيها للدولة العلية، فجهز الفرنسيس عليها جيوشه بالسر والكتمان من غير اطلاع

стр. 103

أحد على ذلك وجاءوهم بغتة فتملكها على الوجه الآتي ذكره، وكان ذلك في شهر المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف، وكان الوزير المتولي على مصر من السلطنة العلية في تلك السنة هو المترجم المرقوم أبو بكر باشا الطرابلسي، وكانت ولايته من سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، وكان للماليك المتغلبين على مصر أميران رئيسان على جميعهم وهما إبراهيم بك ومراد بك، كان تحت طوعهما جميع الصناجق والعساكر، فلما شاعت الأخبار بقدوم الفرنسيس للاستيلاء على مصر خرج الوزير المتولي من السلطنة العلية وهو أبو بكر باشا المتقدم ذكره من مصر وتوجه إلى غزة، ثم منها إلى دار السلطنة، وكان توجهه من مصر يوم السبت سابع شهر صفر من السنة المذكورة، وبقيت مصر بيد غبراهيم بك ومراد بك وصناجقهما والأمراء والعساكر التي تحت أيديهما، وكان أهل مصر عند خروج أبي بكر باشا من مصر وقبل خروجه بأيام يسمعون إشاعات عن مسير الفرنسيس إلى تملك مصر، ولم يقفوا على حقيقتها، فلما كان العشرون من المحرم من سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف وصلت مراكب الفرنسيس مشحونة بالعساكر وآلات الحرب، فتقاتل من كان فيها من العساكر مع أهل الاسكندرية، ولم يكن أهل الاسكندرية مستعدين لقتالهم فلم يقدروا على دفعهم، لاسيما وقد جاءوهم بغتة فقاتلوهم قليلاً ثم طلبوا الأمان منهم، فأمنوهم ودخلوا الاسكندرية وملكوها، فلما جاء الخبر إلى مصر أخذ إبراهيم بك ومراد بك بالاستعداد لهم، وأبرزا جيشاً من العسكر إلى موضع يقال له الجسر الأسود، وأخرجوا المدافع وآلات الحرب واضطربت الناس في مصر، وكثر الهرج والمرج، وتقطعت الطرق وارتفع السعر وكثر السراق، ثم جاءهم مكتوب من الفرنسيس فيه بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه، وبعد ذلك كلام كثير من جملته: إني

стр. 104

أعبد الله وأحترم نبيه والقرآن العظيم وأنهم مسلمون يعنون أنفسهم مخلصون، وإثبات ذلك أنهم نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصارى على محاربة أهل الإسلام، ثم قصدوا مدينة مالطة وطردوا منها الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة أهل الإسلام، وكل ذلك من الكلام الذي يوهمون به على أهل الإسلام أنهم موحدون لله تعالى، وأنهم يحبون أهل الإسلام ويحبون سلطانهم، وأنهم إنما جاءوا لنصرة سلطان الإسلام، وإبعاد المماليك المتغلبين على ممالكه، ودفع ظلمهم عن الرعية، ومن جملة ما في ذلك الكتاب خطاباً للمسلمين: وما جئتكم لإزالة دينكم، وإنما قدمت إليكم لأخلص حقكم من يد الظالمين الصناجق المماليك الذين يتسلطون في البلاد المصرية، ويعاملون الملة الفرنساوية بالذل والصغار، ويظلمون تجارهم ويؤذونهم بأنواع الإيذاء والتعدي، ويأخذون أموالهم ويفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها مثله، فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم بانقضاء دولتهم، وإني أعبد الله سبحانه أكثر من المماليك، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا لهم إن جميع الناس متساوون عند الله تعالى، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بأحسن ما فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعداً لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العلية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء منهم سيديرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقاً كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك. يتسلطون في البلاد المصرية، ويعاملون الملة الفرنساوية بالذل والصغار، ويظلمون تجارهم ويؤذونهم بأنواع الإيذاء والتعدي، ويأخذون أموالهم ويفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها مثله، فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم بانقضاء دولتهم، وإني أعبد الله سبحانه أكثر من المماليك، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا لهم إن جميع الناس متساوون عند الله تعالى، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بأحسن ما فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعداً لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العلية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء منهم سيديرون

стр. 105

الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقاً كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك. أيها المشايخ والقضاة والأئمة وأعيان البلد، قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون، ومع ذلك فالفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء أعدائه أدام الله ملكه، ومع ذلك إن المماليك امتنعوا من إطاعة السلطان غير ممتثلين لأمره فما أطاعوا أصلاً إلا لطمع أنفسهم، طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير، فيصلح حالهم وتعلو مراتبهم، طوبى أيضاً للذين يقعدون في مساكنهم غير ماثلين لأحد الفريقين المتحاربين، فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب، لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقاً إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر، وإن جميع القرى الواقعة في دائرة قريبة بثلاث ساعات عن المواضع التي يمر بها عسكر الفرنساوية، فواجب عليها أن ترسل للسر عسكر من عندها وكلاء كيما يعرف المشار إليه أنهم أطاعوا، وأنهم نصبوا علم الفرنساوية الذي هو أبيض وأكحل وأحمر، وأن كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار، وأن كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي أيضاً تنصب صناجق السلطان العثمان محبنا دام بقاؤه، والواجب على المشايخ والعلماء والقضاة والأئمة أنهم يلازمون وظائفهم، وعلى كل أحد من أهالي البلدان أن يبقى في مسكنه مطمئناً، وتكون الصلاة تامة في الجوامع على العادة، والمصريون بأجمعهم ينبغي أن يشكروا الله تعالى على انقضاء دولة المماليك قائلين بصوت عال أدام الله إجلال السلطان العثماني، أدام الله جلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية، وعلى المشايخ في كل بلد يختموا حالاً على جميع الأرزاق والبيوت والأملاك التي للمماليك، وعليهم الاجتهاد التام أن لا يضيعوا أدنى شيء منها.

стр. 106

وفي التاسع والعشرين من المحرم قدموا إلى مصر فاستقبلهم عسكر مصر عند الرحمانية وهزموا إلى الجيزة، والتقوا عند بشقيل وحصلت مقتلة عظيمة، وقدر الله أن المسلمين هزموا ففر مراد بك ومن معه إلى الصعيد، وفر إبراهيم بك ومن معه في البر الشرقي إلى الشام، وقيل لم يقع قتال كثير وإنما هي مناوشة من طلائع العسكر بحيث لم يقتل إلا القليل من الفريقين، وكانت مراكب في البحر لمراد بك فاحترقت بما فيها من الجبخانه والآلات الحربية، واحترق بها رئيس الطبجية، واحترق من فيها من المحاربين، فلما عاين ذلك مراد بك دخله الرعب وولى منهزماً، وترك الأثقال والمدافع التي في البر، وتبعته العساكر، وركب إبراهيم بك إلى ساحل بولاق طرف البر الشرقي، ورجع الناس منهزمين طالبين مصر، فاجتمع الباشا والعلماء ورؤوس الناس يتشاورون في هذا الحادث العظيم، فاتفق رأيهم على عمل متاريس من بولاق إلى شبرا، ويتولى افقامة ببولاق إبراهيم بك وكشافه ومماليكه، وقد كانت العلماء عند ابتداء هذا الحادث تجتمع بالأزهر كل يوم ويقرؤون البخاي وغيره من الدعوات، وكذلك مشايخ الطرائق وأتباعهم، وكذا أطفال المكاتب، ويذكرون الاسم اللطيف وغيره من الأسماء. ويوم الاثنين حضر مراد بك إلى بر امبابه وشرع في عمل متاريس هناك ممتدة إلى بشقيل، وتولى ذلك هو وصناجقه وأمراؤه، وكان معه في ذلك علي باشا الطرابلسي ونصوح باشا، وأحضروا المراكب الكبار والغلايين التي أنشأها بالجيزة وأوقفها على ساحل أمبابه، وشحنها بالعساكر والمدافع والمتاريس والخيالة والمشاة، ومع ذلك فقلوب الأمراء لم تطمئن بذلك، فإنهم من وصول الخبر الأول لهمم من الاسكندرية شرعوا في نقل أمتعتهم من البيوت الكبار المشهورة المعروفة، إلى البيوت الصغار التي لا يعرفها أحد، واستمروا طول الليالي ينقلون الأمتعة ويوزعونها عند معارفهم وثقاتهم، وأرسلوا البعض منها لبلاد الأرياف، وأخذوا أيضاً في تشهيل الأحمال واستحضار دواب للشيل

стр. 107

وأسباب الارتحال، فلما رأى أهل البلد منهم ذلك داخلهم الخوف الكثير والفزع، واستعد الأغنياء وأهل المقدرة للهرب، ولولا أن الأمراء منعوهم من ذلك لما بقي بمصر منهم أحد، وفي يوم الثلاثاء نادوا بالنفير العام وخروج الناس للمتاريس، فأغلق الناس الدكاكين والأسواق، وخرج الجميع لبولاق، فكانت كل طائفة من طوائف أهل الصناعات يجمعون الدراهم من بعضهم وينصبون لهم خياماً ويجلسون في مكان خراب أو مسجد، ويرتبون أمرهم فيمن يصرف لهم ما يحتاجون غليه من الدراهم التي جمعوها، ويجعلون عليهم قيماً يباشر ذلك، وبعض الناس يتطوع على بعض في الإنفاق، ومن الناس من يجهز جماعة من المغاربة والشوام بالسلاح والأكل وغير ذلك، بحيث أن جميع الناس بذلوا وسعهم وفعلوا ما في قوتهم وطاقتهم، وسمحت نفوسهم بإنفاق أموالهم فلم يشح أحد في ذلك الوقت بشيء يملكه، ولكن لم يسعفهم الدهر، وخرجت الفقراء وأرباب الأشائر بالطبول والزمر والأعلام والكاسات، وهم يضجون ويصيحون بأذكار مختلفة، وصعد السيد عمر مكرم نقيب الأشراف إلى القلعة فأخرج بيرقاً كبيراً سمته العامة بيرق النبي ﷺ ، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق وأمامه وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصي يهللون ويكبرون ويكثرون من الصياح ومعهم الطبول والزمور، وغير ذلك وأما مصر فإنها صارت خالية الطرق لا تجد بها سوى النساء في البيوت، وضعفاء الرجال الذين لا يقدرون على الحركة، وغلا سعر البارود والرصاص جداً بحيث بيع الرطل البارود بستين نصفاً، والرصاص بتسعين نصفاً، وغلا جنس أنواع السلاح وقل وجوده، وخرج معظم الرعايا بالنبابيت والعصي والمسارق، وجلس مشايخ العلماء بزاوية علي بيك ببولاق يدعون ويبتهلون إلى الله تعالى بالنصر، وأقام غيرهم من الرعايا بالبيوت والزوايا والخيام. ومحصل الأمر أن جميع من بمصر من الرجال تحول إلى بولاق،

стр. 108

وأقام بها من حين نصب إبراهيم بيك العرضي هناك إلى وقت الهزيمة، سوى القليل من الناس الذين لا يجدون لهم مكاناً ولا مأوى فيرجعون إلى بيوتهم يبيتون بها ثم يصبحون إلى بولاق، وأرسل إبراهيم بيك إلى العربان المجاورة لمصر ورسم لهم أن يكونوا من المقدمة بنواحي شبرا وما والاها، وكذلك اجتمع عند مراد بيك الكثير من عرب البحيرة والجيزة والصعيد والخبيرية والقبعان وأولاد علي والقناوبة وغيرهم، وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول، ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوماً فيوماً لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد، وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم، وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحي، وقامت الأرياف على ساق يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، وصار قطر مصر من أوله إلى آخره في قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وغارة على الأموال وإفساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى، وطلب أمراء مصر تجار الإفرنج الذين بمصر وحبوهم في القلعة، وفي بعض أماكن غير القلعة من بيوت الأمراء، وصاروا يفتشون في الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذلك بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس على الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت هذه الفتنة، ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، وتختلف الناس في الجهة التي يجيئون منها، فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول من الشرقي، ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين، وليس لأحد من الأمراء همة أن يبعث جاسوساً أو طليعة تناوشهم القتال قبل قربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عساكره ومكث في مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس هناك قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو. لقناوبة وغيرهم، وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول، ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوماً فيوماً لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد، وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم، وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحي، وقامت الأرياف على ساق يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، وصار قطر مصر من أوله إلى آخره في قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وغارة على الأموال وإفساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى، وطلب أمراء مصر تجار الإفرنج الذين بمصر وحبوهم في القلعة، وفي بعض أماكن غير القلعة من بيوت الأمراء، وصاروا يفتشون في الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذلك بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس على الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت هذه الفتنة، ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، وتختلف الناس في الجهة التي يجيئون منها، فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول من الشرقي، ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين، وليس لأحد من الأمراء همة أن يبعث جاسوساً أو طليعة تناوشهم القتال قبل قربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عساكره ومكث في مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس هناك قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو.

стр. 109

ولما كان يوم الجمعة سادس شهر صفر وصل الفرنسيس إلى الجسر الأسود، وأصبح يوم السبت فوصل أم دينار، فعندها اجتمع العالم العظيم من الجند والرعايا والفلاحين والمجاورة بلادهم، ولكن الأجناد متنافرة قلوبهم، منحلة عزائمهم، مختلفة آراؤهم، حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في ريشهم مغترون بجمعهم، محتقرون شأن عدوهم، مرتبكون في رؤيتهم مغمورون في غفلتهم، وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم. وقد كان الظن بالفرنسيس أن يأتوا من البرين بل أشيع ذلك، فلم يأتوا إلا من البر الغربي، ولما كان وقت القيلولة ركب جماعة من العساكر التي بالبر الغربي، وتقدموا إلى ناحية بشقيل بلد مجاروة لأنبابه، فتلاقوا مع مقدمة الفرنسيس فكروا عليهم بالخيول، فضربهم الفرنسيس ببنادقهم المتتابعة الرمي وأبلى الفريقان، وقتل أيوب بيك الدفتر دار وكثير من كشاف محمد بيك الألفي ومماليكهم، تبعهم طابور من الإفرنج نحو الستة آلاف، وكان رئيسهم الكبير بونابارته لكنه لم يشهد الوقعة، بل حضر بعد الهزيمة، وكان بعيداً عن هؤلاء بكثير، ولما قرب طابور الفرنسيس من متاريس مراد بيك ترامى الفريقان بالمدافع، وكذلك العسكر المحاربون البحرية، وحضر عدة وافرة من عساكر الأرناؤوط من دمياط، وطلعوا إلى أنبابه وانضموا إلى المشاة وقاتلوا معهم في المتاريس، فلما عاين وسمع عسكر البر الشرقي في القتال ضج العامة والغوغاء من الرعية وأخلاط الناس بالصياح، ورفعوا الأصوات بقولهم يا رب يا لطيف، ويا رجال الله ونحو ذلك وكأنهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم، فكان العقلاء من الناس يأمرونهم بترك ذلك، ويقولون لهم إن الرسول والصحابة والمجاهدين إنما كانوا يقاتلون بالسيف والحراب وضرب الرقاب، لا برفع الصوت والصراخ

стр. 110

والنباح، فلا يستمعون ولا يرجعون عما هم فيه، ومن يقرأ ومن يسمع؟ وركب طائفة كبيرة من الأمراء والأجناد من العرضي الشرقي ومعهم إبراهيم بيك الوالي، وشرعوا في التعدية إلى البر الغربي في المراكب، فتزاحموا على المعادي لكون التعدية من محل واحد والمراكب قليلة جداً، فلم يصلوا إلى البر الآخر حتى وقعت الهزيمة على المحاربين، هذا والريح العاصفة قد اشتد هبوبها وأمواج البحر في قوة اضطرابها والرمال يعلو غبارها وتنسفها الريح في وجوه المصريين، فلا يقدر أحد أن يفتح عينيه مع شدة الغبار وكون الريح من ناحية العدو، وذلك من أعظم أسباب الهزيمة كما هو منصوص عليه. ثم إن الطابور الذي تقدم لقتال مراد بك انقسم على تراتيب معلومة عندهم في الحرب وتقارب من المتاريس، بحيث صار محيطاً بالعسكر من خلفه وأمامه، ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتابعة والمدافع ترمي، واشتد هبوب الريح وانعقد الغبار، وأظلمت الدنيا من دخان البارود وغبار الريح، وصمت الأسماع من توالي الضرب، بحيث خيل للناس أن الأرض تزلزت والسماء عليها سقطت، واستمر الحرب والقتال نحو ثلثي ساعة ثم كانت الهزيمة على العسكر الغربي، فغرق الكثير من الخيالة في البحر لإحاطة العدو بهم وظلام الدنيا، والبعض وقع أسيراً في يد الفرنسيس وملكوا المتاريس، وفر مراد بك ومن معه إلى الجيزة فصعد إلى قصره وقضى بعض أشغاله في نحو ربع ساعة، ثم ركب وذهب إلى الجهة القبلية، وبقيت القتلى والثياب والأمتعة والأسلحة والفرش ملقاة على الأرض ببر أنبابه، وألقى كثير نفسه في البحر، ولما انهزم العسكر الغربي تحول الفرنسيس بالمدافع والبنادق على البر الشرقي وضربوها وتحقق أهل البر الآخر الهزيمة، فقامت فيهم ضجة عظيمة، وركب في الحال إبراهيم بك والأمراء والعسكر والرعايا وتركوا جميع الأثقال والخيام كما هي لم يأخذوا منها شيئاً،
следующие страницы →