← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فإنك ظل الله في الناس قائم ... على شرعة المختار تحيا فروعها وأجنادك الفرسان في حومة الوغى ... أسود كأمثال الجبال جموعها وأجدادك الغر الكرام بجدهم ... أضاءت بها البلدان حقاً شموعها وقد أكثروا فتح البلاد وأعمروا ... فأعلامهم في الحرب فاقت لموعها لهم خدمة للدين من عهد فاتح ... وقبلاً وبعداً غير خاف صنيعها فلا برح السلطان فاتح وقته ... حميداً على رغم الأعادي جميعها ولا زال للعلم الشريف مرغباً ... لأهليه بالإحسان يدنو شسيعها ولا برح الدين المبين بوقته ... كشمس وفي برج القلوب طلوعها ولا انفكت الرايات تخفق نصرة ... كخفق قلوب الكافرين تريعها أتيتك ظل الله شارح نسخة ... لبرهان ميزان فهان منيعها هدية محتاج لأعتاب حضرة ... بإخلاص نفس اطمأنت ضلوعها أرجي به فيضاً تعوده الورى ... لأحظى بألطاف نداكم يذيعها وغب تشريفه إلى دمشق، قدم إلى حضرته صالح أفندي المنير هذه الأبيات: بشرى دمشق بعدل ... يسمو بمصدر حق قاضي القضاة الشريف ... الحسن خلق وخلق علامة العصر حاوي ... أزكى صلاح ورفق مذ جاء أنشدت بيتاً ... مؤرخاً قول صدق الشرع نادى هناء ... حسني بدا بدمشق وقلت مرونقاً شعري بمدحه، ومنورقاً نظامي بمنثور أوراق دوحه: مال بي للوجد قلبي حين مال ... أهيف قد شب في حجر الدلال ونسيم الفجر يثني عطفه ... لجنوب ويمين وشمال مفرد في الحسن إلا أنه ... من سنا صدغيه قد ضاء الهلال حينما يبسم خلت المبسما ... قفل مرجان على كنز اللآل

стр. 527

لو تراءى في الدياجي سافراً ... عن محيا قلت ذا بدر الكمال صحت مذ أخفاه عني شعره ... كيف يخفى البدر في داجي الليال ما صبا يوماً لصب مدنف ... قاده الوجد لسقم واعتدال كم ليال بت أبكي عندما ... عندما أيقنت منه الاعتزال كلما أشكو له فعل الجفا ... مستغيثاً بالوفا قال محال وانثنى عني وولى معرضاً ... يتهادى بين تيه ودلال ظن بالهجران سلواني له ... لا ومن سواه فرداً في الجمال عاذلي دع عنك عذلي واسترح ... ليس يلويني عن الحب مقال قد نأى قلبي ولبي في الهوى ... واصطباري ضل والهجران طال فأتني حتى متى أشكو النوى ... عوض الهجران عطفاً بالوصال ليت شعري ما كفاني في الهوى ... أن جسمي صار من غير خيال قد رماه الهجر في ضنك الضنا ... واعتراه السقم حتى قيل زال هل غرامي لملامي موجب ... واحتراقي فيك باقي لن يزال من يلمني في هوى ريم رمى ... مهجتي ويلاه في أسوأ حال هو عندي عادل مهما بدا ... منه من هجر وصد وملال فاق كل الناس في الحسن كما ... فاق فضلاً حسنٌ قطب الكمال شبل ممدوح الورى محمد ... من رقى أوج التقى في كل حال يا له شبل على متن العلا ... قد علا خلقاً وخلقاً وجمال بحر علم ما له من ساحل ... موجه يقذف دراً ولآل طاهر من كل عيب سالم ... قد روى حلية أصحاب وآل عنه أخبار المعاني حدثت ... أنه فرد الورى كنز النوال

стр. 528

عادل عن نهج جور عادل ... صادق اللهجة محمود الخصال حاكم بالحق لا يلويه عن ... صدعه بالحق مال أو مقال كيف لا وهو ابن من ساد الملا ... منقذ الغاوين من غي الضلال دام في عز إلى يوم اللقا ... كاسياً ثوب فخار وجمال مات المترجم ﵀ في الآستانة وكان مفتش الأوقات، في حدود الألف وثلاثمائة وستة عشر رحمه الله تعالى. حسين أفندي بن علي أفندي المرادي مفتي دمشق الشام عالم عامل، وإمام فاضل، ولد في دمشق سنة ألف ومائتين، وغب أن قرأ القرآن، وجوده على ذوي العرفان، أخذ عن عمه خليل أفندي، وعن السيد شاكر مقدم سعد، وعن غيرهم من علماء الشام، ذوي المناقب والشمائل والفضل التام، وقد تولى منصب الإفتاء عن استحقاق، ولم يزل إلى أن دعاه داعي الفراق إلى الرفاق، وكانت وفاته سنة ألف ومائتين وسبع وستين، ودفن في مدفن بني المرادي في دارهم في سوق صاروجا رحمه الله تعالى. الشيخ حسين المعروف بابن الكاشف الدمياطي الرشيدي العمدة النبيه، والفاضل الفقيه، تعلق بالعلم وانخلع من الأمرية والجندية، وحضر أشياخ زمانه، وعلماء وقته وأوانه، ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي،

стр. 529

وانتقل من مذهب الحنفية إلى الشافعية لملازمته لهم في المعقول والمنقول، وتلقى عن السيد مرتضى أسانيد الحديث والمسلسلات، وحفظ القرآن في بداية أمره برشيد، وجوده على السيد صديق، وحفظ شيئاً من المتون قبل مجيئه إلى مصر، وأكب على الاشتغال في الأزهر، وتزيا بزي الفقهاء بلبس العمامة والفرجية، وتصدر ودرس في الفقه والمعقول وغيرهما. ولما وصل محمد باشا إلى ولاية مصر اجتمع عليه عند قلعة أبي قير فجعله إماماً له يصلي خلفه الأوقات وحضر معه إلى مصر، ولم يزل مواظباً على وظيفته، وانتفع بنسبته إليه واقتنى حصصاً وإقطاعات، وتقلد قضايا مناصب البلاد العظيمة، ويأخذ ممن يتولى عليهم الجعالات والهدايا، وأخذ أيضاً نظر وقف الأزبك وغيره، ولم يزل تحت نظره بعد انفصال محمد باشا خسرو، واستمر المذكور على القراءة والإقراء، حتى توفي أواخر سنة تسع وعشرين ومائتين وألف. الشيخ حسين بن حسن الكتاني بن علي المنصوري الحنفي الأزهري الفاضل المفضل، والكامل المبجل، عمدة العلماء الأعلام، ونخبة الأساتذة الكرام، تفقه على خاله الشيخ مصطفى بن سليمان المنصوري والشيخ محمد الدلجي والشيخ أحمد الفارسي والشيخ عمر الديركي والشيخ محمد المصيلحي، وأقرأ في فقه المذهب دروساً في محل جده لأمه في الأزهر. ولما كانت حادثة السيد عمر مكرم النقيب، نفوه من مصر إلى دمياط وكتبوا فيه عرضاً للدولة، وامتنع السيد أحمد الطحطاوي من الشهادة عليه في أمر ادعوا عليه به وهو يتبرأ منه وينكره، كما تعصبوا عليه وعزلوه من مشيخة الحنفية وقلدوها المترجم، فلم يزل يخدمها حتى مرض. وتوفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من المحرم سنة ثلاثين ومائتين وألف، وصلي عليه في الأزهر في جمعية عظيمة ودفن في تربة المجاورين رحمة الله علينا وعليه آمين.

стр. 530

الشيخ حسين المعروف بالرسامة الحنفي الدمشقي العالم الإمام، والحبر الهمام، أحد العلماء الأعلام، ولد بدمشق ونشأ بها على العلم والعمل، مع التقوى والعبادة والتواضع والخشوع والوجل، وكان مستقيم الأوطار، جميل الأطوار، عاملاً بالسنة، ذا نفس مطمئنة، مات بدمشق سنة أربعين ومائتين وألف ودفن بباب الصغير. وكان إمام أهل الفرائض. الشيخ حسين بن حسين بن محمد الدمشقي الحنفي العطار الشهير بالمدرس ولد في دمشق الشام في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، وكان عالماً أستاذاً، وفاضلاً ملاذاً، تتقاطر مياه التقوى من وجهه ومحياه، ويشرق نور المصباح من مشكاة هداه، قد تردى بجلباب الذكاء والفهوم، وفتح له أوسع باب من حقائق العلوم، فهو العالم العامل الناجح، خاتمة السلف الصالح، الناهج منهج العلماء العاملين، والسالك في قويم طريق السادة المتقدمين، الورع الزاهد، والناسك العابد، والنحوي الفقيه، والمحدث اللغوي والمفسر النبيه، من يقتدى بآثاره، ويهتدى بأنواره، أخذ عن علامة الأقطار الشيخ عبد الرحمن الكزبري الكبير، وعن الشيخ محمد بن سليمان المدني، والعلامة إبراهيم الحلبي، والعلامة الجينيني، والعلامة علي بن محمد بن

стр. 531

علي بن سليم الشافعي الشهير بالسليمي، وأجازوه جميعاً هم وغيرهم بما تجوز لهم روايته عن مشايخهم فأفاد واستفاد، وأخذ عنه كثير من العلماء السادة الأمجاد، وأجازهم كما أجازه من قبله، ورووا عنه الحديث وغيره. وعرفوا مقامه وفضله، وشهرته بكل منقبة كافية، وبكل كمال وافية، فللناس به فخر عظيم كبير، ولا ينبئك مثل خبير. مات ﵁ غرة شعبان سنة عشرين ومائتين وألف، ودفن في جبانة باب الصغير رحمه الله تعالى. حسين بن عمر بن إبراهيم بن حسين بن زين العابدين بن شمس الدين محمد بن كمال الدين بن شمس الدين بن كمال الدين محمد بن بدر الدين محمد بن تاج الدين بن أحمد الشهاب بن شرف الملك محمد بن علي بن محمد العجلاني بن الشريف علي بن الشريف محمد بن الشريف جعفر بن حسن الشجاع بن الشريف العباس بن الشريف حسن بن الشريف العباس ابن الشريف حسن بن الشريف حسين أبي الجن العجلاني المدفون بمحكمة الباب بدمشق الشام، بن الشريف علي بن الشريف محمد بن الشريف علي ابن إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين ابن سيد الشهداء الحسين بن السيدة البتول فاطمة الزهراء ابنة سيد العالمين وصفوة الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وعليهم أجمعين. ولد هذا المترجم في دمشق ونشأ في الطاعة من صغره، ولم يزل يزداد منها إلى نهاية عمره، وطلب العلم على جملة من الأفاضل، إلى أن كان من ذوي الفضائل، وهذه السلسلة المذكورة هنا الدالة على شرفهم هي نظير الموجودة عندهم، غير أن بني عجلان عموماً ينكرون شرفهم وأنهم ليسوا من بني عجلان، وسمعت ذلك منهم في عدة مجالس، ويقولون إن

стр. 532

هؤلاء الطائفة من سلالة الوزير منجك باشا، إلا أنهم تزوجوا من بني عجلان فحازوا على هذه النسبة، ويقولون بأن شرفهم من جهة النساء، وهذا لا ينكرونه، ونحن نقول بأنهم على كل حال لهم شرف عظيم، وفضل جسيم، حيث لهم نسبة إلى سيد الأمم، ﷺ . توفي المترجم سنة.... ومائتين وألف ودفن في مدفنهم المشهور. الشيخ حسين بن الشيخ سليم بن سلامة بن سليمان بن عوض بن داود بن سليمان بن السيد عبد الله بن السيد أحمد الدجاني بن السيد علاء الدين الشيخ علي بن السيد محمد بن السيد يوسف بن السيد حسن ابن السيد ياسين بن السيد بدر الدين بن السيد محمد بن السيد حسن ابن السيد ياسين بن السيد بدر الدين بن السيد محمد بن السيد يوسف ابن السيد بدر بن السيد يعقوب بن السيد مطر بن السيد غانم بن السيد محمد بن السيد زيد بن السيد علي بن السيد حسن بن السيد عوض الأكبر بن السيد زيد بن السيد علي بن السيد الحسن بن السيد عوض الأكبر بن السيد زيد بن السيد الحسين أمير المؤمنين ابن السيد أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وابن بنت رسول الله ﷺ فاطمة الزهراء ﵃ أجمعين. وهو العالم العلامة، والحبر البحر الفهامة، تاج الأفاضل، ومنهاج ذوي الفضائل والفواضل، اشتهر فضله اشتهار البدر، وملأ ذكره البر والبحر. ولد في مدينة يافا مدينة من مدن الشام على رأس الاثنين بعد الألف والمائتين، ونشأ في حجر والده الشيخ سليم الدجاني الشافعي وقرأ

стр. 533

عليه النحو والصرف وعدة كتب من الفنون الأدبية، والعلوم الشرعية المحمدية. وأخذ عنه معظم الكتب المتداولة من فقه السادة الشافعية، حتى ترعرع وبرع، وشملته بركة والده وبه انتفع، ثم رحل بأمر والده إلى الجامع الأزهر، والمقام الباهر الأنور، سنة سبع وعشرين فأدرك الطبقة العالية من المشايخ، ممن لهم في علو الإسناد القدم الراسخ، كالأستاذ الفضالي، والعلامة الأمير، وشبله الأوحد، والشيخ حسن العطار، والشيخ محمد الدمنهوري، ذوي التدقيق والتحرير، والفاضل الكامل الشيخ أحمد الصاوي، والعارف بالله الشيخ عبد الله الشرقاوي، وحضر بعض كتب السادة الحنفية، على السيد أحمد الطحطاوي خاتمة المحققين في البلاد المصرية، وكان أكثر انتفاعه بالعالم الفاضل، والإمام الكامل، السابق في ميدان الفضل إذا جوري، الشيخ إبراهيم الشافعي الباجوري، وهو الحامل له على غالب مؤلفاته النافعة، التي هي بين الناس مستعملة وشائعة، فكان يوافقه لشدة عطفه من بين تلامذته عليه، وميله القلبي إليه، وغب أن حضر عليه شرح المنهج في فقه السادة الشافعية، حصلت له إشارة باطنية، بالحضور في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، على ضريحه سحائب الرحمة والرضوان، فاستشار بعض أشياخه الكرام فأذنوا له كوالده بقصد الإفتاء ونفع الأنام، وبقي إلى موته يتعبد على مذهب إمامه النفيس، عالم قريش محمد بن إدريس، ومن أشياخه في الفقه النعماني شيخ الحنفية، في الديار المصرية، ذو التحقيق الوافي، الشيخ منصور اليافي، وممن لازمهم وانتفع عليهم بالحضور، شيخنا القدوة المشهور، ذو السر الوهبي السيد محمد بن حسين الكتبي، مفتي السادة الحنفية ببيت الله الحرام، وبه كان انتقاله لدار السلام، وقد صنف بعض مؤلفات وهو في الجامع الأزهر، وبالجملة فعلو همته لا ينكر، وفضله أشهر من أن يذكر، ثم بعد أن أجازه شيوخه الأمجاد، بالإجازات العلية الإسناد، قدم لوطنه يافا المحروسة، وسر أبوه

стр. 534

والأهالي برؤيته المأنوسة، وذلك في حدود عام خمسة وثلاثين، ولازم والده إلى أن توفي عام تسعة وثلاثين، وقد ناهز والده من العمر ثمانين فورث حال أبيه الغني فضله عن الإطراء والتنويه، ولا شك أن الولد سر أبيه، وواظب بعد والده على الإقراء والتدريس، وقرت به عين كل فاضل وجليس، فانتفع به كثير من الطلاب، وفاقوا ببركة أنفاسه على الأقران والأتراب، وولي وظيفة الفتوى بيافة المحمية، على مذهب السادة الحنفية، بمنشور من مقام المشيخة الكبرى في الدولة العثمانية، وذلك في حياة والده سنة ست وثلاثين، واستمر بخدمة الفتيا ما ينوف عن أربعين، متحلياً بالورع والتقوى، متحرياً الصواب وما عليه الفتوى، وكانت الأسئلة ترد إليه من أقصى البلاد، لما اشتهر عنه من العفة وسلوك منهج السداد، وكانت فتواه نافذة في الآفاق، وهو المرجع عند الاختلاف والشقاق، وكان منهلاً لكل قاصد ورائم، عاملاً بعلمه لا يخشى في الله لومة لائم، محباً للعلماء والأشراف، ولا يحب أن يأكل مرة إلا مع الأضياف، وكثيراً ما كان يترنم بما قيل، من بديع الأقاويل، مما يدل على حالته، وانفراده في جوده وسماحته. لا مرحباً بالليل إن لم يأتني ... في طيه ضيف ملمٌ نازل والصبح إن وافى فلا أهلاً به ... إن كان عندي فيه ضيف راحل والحاصل أنه كان مطبوعاً على المعروف والخير، مجبولاً على المساعدة ودفع الضير، حسن الظن والاعتقاد، بكل حاضر وباد، كثير النصيحة والفوائد، جديراً بالعطايا والعوائد، عظيم الهيبة، كري الشيبة، مجلسه محفوظ من الهزل المخل والفحش والهذيان، لا تخلو أوقاته من الكتابة والإفادة والمراجعة والتحرير في كل آن، وكان متعلقاً بتعمير الجوامع والمساجد، وكان زاهداً في الدنيا معرضاً عما فيها من الحطام، قانعاً بما تيسر من اللباس والطعام، كثير التحمل، صادق التوكل، عريض الجاه بين الورى،

стр. 535

مقبول الكلمة عند الحكام والأمرا، وطالما كان ينشد قول من قال، وأحسن في المقال: ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا ... هم السلاطين والسادات والأمرا وقد جمع الله له بين العلوم الباطنة والظاهرة، حتى كان في علم الشريعة والحقيقة آية باهرة، مقصوداً للزيارة والرواية عنه من البلاد، موروداً للبركة والدعاء والإمداد، وقد كان علامة المذهبين، مشتهر الفضيلة في الخافقين، أخذ الطريقة الخلوتية البكرية من العارف بالله ذي الإرشاد والتمكين، نجل المحقق الصوفي السيد مصطفى البكري الصديقي وهو السيد كمال الدين. وأخذ هذه الطريقة بعينها عن الفاضل المشهور في كل ناد السيد الشيخ أحمد الصاوي ابي الإرشاد، وتكمل على يد الأستاذ العلامة السيد الشيخ فتح الله المالكي خليفة الأستاذ الصاوي، حينما قدم ليافا عام مائتين وأربعين لزيارة البيت المقدس الذي هو لكل خير حاوي، فأذن له بالخلافة والإرشاد، كما أذن له شيخه أبو الإرشاد، وأخذ عنه الطريقة الدسوقية الإبراهيمية، وحرر له بخطه إجازة سنية، وأخذ الطريقة القادرية عن الشيخ العماوي الفالوجي الهمام، والأحمدية البدوية عن الشيخ صالح العلا ري السادة الكرام، والرفاعية عن صاحب المشرب الأنسي، الشيخ حسن الغزالي الرفاعي القدسي، والشاذلية عن والده السيد سليم الدجاني، ونال من الله الآمال والأماني، وكان له أطوار وأحوال، مع ثبات قدمه على نهج ذوي الكمال، فلم يمنعه ذلك عن دروسه وقراءته، ولا عن طاعته وتقواه وعبادته. وكان في كل سنة يتوجه إلى القدس والخليل بقصد الزيارة، وله عدة قصائد في مدح السيد الخليل جعلها لنفسه أربح تجارة، وله قصائد عدة يمدح بها غيره من السادة الأخيار، قد جمعها في ديوانه المخصوص بالأشعار، وله بيتان كتبهما على باب سيدنا داود أبي سليمان، عليه وعلى إخوانه الصلاة والسلام والرضوان، وهما:

стр. 536

إن باب الخليفة كعبة فضل ... لاح منه للعالمين ضياء في الرحاب الشريف نيل العطايا ... من نحاه له المنى والعطاء وكان يصحبه في الزيارة جمع من المريدين والأخيار، من أكابر أهل العلم والطريق وذوي الصناعة والتجار، كالأستاذ الفاضل الشيخ محمد الجسر الطرابلسي أبي الأحوال، والشيخ العارف الشيخ محمود الرافعي صاحب الكمال، والأستاذ الشيخ صالح اللاذقي الطويل، والأستاذ الكامل الشيخ محمد القاوقجي الشاذلي ابن خليل، وكثير من ذوي المقامات العالية، والمناقب الرفيعة السامية، وكلهم يتأدبون بين يديه، ويعولون في مهمات أمورهم عليه، وأما كشوفاته وكراماته، وأخباره الغيبية وصلاته، ومقاماته المرتقبة إلى ذروة الكمال، فلو أردنا بسطها لخرجنا عن الاختصار المطلوب إلى الإطالة في المقال، وله من بديع التآليف، وجميل التصانيف، عدة وافرة، نفعنا الله به وبعلومه في الدنيا والآخرة، وكان كثير التعلق بالذات المحمدية، وله عدة اشعار يمدح بها ذاته العلية. منها قد عيل صبري وأيام الصبا ذهبت ... واليد صفر ودمع العين كالديم ولي حنين سما في كل آونة ... لخير من جاء بالتبيان والحكم وقد خشيت من الأيام تمنعني ... عن الوصول لباهي النور والشيم يا رب سهل طريقي في زيارته ... من قبل أن تعتريني شدة الهرم وله ﵀ يا نسمة هبت بطيب من قبا ... أنعشت حباً في الحجاز لقد صبا سيري لطيبة خبري عن صبها ... ما زال يصبو للمعاهد والربا وإذا دخلت لروضة قد طهرت ... قولي حسين لإذنكم مترقبا قد شاب رأساً يا كرام ترحموا ... فعساه يقضي من حماكم مأربا

стр. 537

وله أيضاً إليك رسول الله وجهت وجهتي ... وأرسيت في تيار جودك مركبي فمن لي رسول الله منك بنظرة ... أزاحم فيها الأصفياء بمنكبي وله أيضاً يا أهل طيبة هل لنا من زورة ... ومتى بقربي يا كرام تجودوا قد طال هذا الانتظار ولمتي ... بيضاً وفي قلبي يهب وقود وله أيضاً ألا ليت شعري والأماني كثيرة ... أأبلغ ما أرجوه من سادة الحمى وهل أنظرن أرض الحجاز وطيبه ... ومن زمزم يروى الفؤاد من الظما وله هذان البيتان مع تشطيرهما لأخيه حسن أفندي: أيا راكباً أما عرضت فبلغن ... ولوعي لخير الخلق في العرب والعجم فذاك هو المعني وإن قلت نبئن ... شقيقة بدر التم ما بي من النحب وأكثر حنيني في حماها لعلها ... تمن بإنقاذ المعنى من الكرب فيا شرفي أن قيل سعداك قد غدت ... تجود بإبدال التباعد بالقرب وله رسول الله لاحظني فإني ... ضعفت جوانحاً وكبرت سنا فلي أمل علا فيكم قوي ... ومن صغري فقد أحسنت ظنا فقربني رسول الله فضلاً ... وعجل لا تطيل البعد عنا فبالنظر الشريف العبد يرقى ... إلى مرجاه من سعدى ولبنى

стр. 538

فلاحني فعيل الصبر مني ... عسى فيكم يقر العبد عينا وله هذه القصيدة يمدح بها المصطفى ﷺ : أيا رحمة الدارين والسيد الذي ... لأمته حصن منيع ومعقل فأنت حبيب الله أشرف كائن ... وأشرف أهل الكون عقلاً وأكمل فلا خير إلا من جنابك يرتجي ... ولا فضل إلا عن علاك يسلسل وأنت ملاذ العالمين بأسرهم ... رؤوف رحيم واصل متوكل عليك مدار الأمر خير من التجى ... إليه وأسنى من به يتوسل أغثني وأوصل من سعاد حبالنا ... وعجل بتقربي عليك المعول ولاحظني في كل الشؤون فإنني ... بصنع جميل منكم متأمل فعنكم أموري يا صفيي أنطتها ... فإنك أنت المنعم المتفضل عليك صلاة الله ثم سلامه ... مدى الدهر ما قلب بذكر يعلل وما ابن الدجاني المفتي زاد تشوقاً ... لدار بها خير النبيين منزل وقال مشطراً بيتي سيدنا حسان في مدح المصطفى ﷺ : وأحسن منك لم تر قط عين ... ومجدك لا يواريه علاء

стр. 539

ولا سمعت بمثلك أذن حي ... وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب ... وشيمتك الفتوة والسخاء وصورك المصور محض خير ... كأنك قد خلقت كما تشاء وكم له من قصائد وأبيات، أكثرها في الحكم والتوسلات، قد أفردت بديوان كبير، وهو في قطره معروف وشهير، ثم إنه في منتصف شوال سنة أربع وسبعين ومائتين وألف قاده الشوق والغرام، لحج بيت الله الحرام، فرأى المصطفى ﷺ في المنام، وشكا إليه الفاقة فتعهد له بتيسير المرام، فعند ذلك شد إزار السفر، وتوجه معتمداً على بارىء البشر، وسار معه جملة من الأفاضل، وذوي الفضائل والفواضل، كأخيه السيد حسن الفاضل الهمام، وابن عمه السيد عبد القادر أبي رباح كعبة السادة الكرام، والسيد عبد اللطيف الرفاعي والسيد أحمد أبي الأنوار، وغيرهم من القادة الأخيار، وبعد قضاء الحج ناداه مولاه، واختاره لجواره واصطفاه، وكانت وفاته بمكة المكرمة في يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة ألف ومائتين وأربع وسبعين، ودفن في المعلا ما بين آمنة الرضا وخديجة أم المؤمنين، بجوار العالم الدمشقي الشيخ عبد الرحمن الكزبري قدوة المحدثين، وكان مرضه ثلاثة أيام، عليه رحمة الملك السلام. حسين أفندي بن أحمد الشهير والده بإمام حسن باشا الصدر الأعظم القاضي بدمشق ولد بدار السلطنة السنية، وجد واجتهد في طلب العلوم الشرعية والأدبية، ونفح نشره، وعلا صيته وذكره، وكان متضلعاً في العلوم العقلية، مستحضراً للعلوم النقلية، كثير العبادة متواضعاً مهاباً متعففاً عن أموال الناس. قدم دمشق سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف في أول شعبان بوظيفة القضاء فتعاطى الأحكام، على أحسن ما يرام، وامتزج مع العلماء امتزاج

стр. 540

الراح بالماء، ووجه عليه قضاء مكة المكرمة، وذلك أيام سلطنة الإمام الأعظم السلطان محمود، ولم يزل مثابراً على طاعته، مواظباً على مطالعته وعبادته، واقفاً على قدم التقوى، في السر والنجوى، إلى أن دعته المنية، إلى الدار الأخروية. فمات ثالث جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف، ودفن في مقبرة باب الصغير قرب مقام الصحابي الجليل سيدنا بلال الحبشي رضي الله تعالى عنه. الشيخ حسين الدمشقي المعروف بفشافش المجذوب المستغرق صاحب الكرامات كان له كرامات كثيرة، وأخبار صادقة شهيرة، وكثيراً ما يتكلم بكلام لا يفهم الناس معناه في الوقت، وبعد مدة يقع كما أخبر فيفهمون حينئذ معنى كلامه، وكان يقف لدى باب البلطجية في دمشق، ويقول ضربنا الخبر من هنا فوصل إلى الآستانة، وضربناه من هنا فوصل إلى مصر، ويعدد محلات كثيرة، والناس لا يفهمون هذا المقال، ولا يخطر لهم معناه على بال، وبعد مدة جعلوا المحل الذي كان يقف عنده ويشير إليه محلاً للتلغراف فكان كما أخبر، وليست هذه أول كراماته. مات ﵀ في دمشق الشام سنة ثمانين ومائتين وألف ودفن في مقبرة باب الصغير. الشيخ حسين الدمشقي الحنفي الشهير بالأطرش أمين الفتوى بدمشق الشام العلامة الفقيه، والفهامة المحقق النبيه، إمام أهل الفروع والأصول، الجامع بين طرفي المعقول والمنقول، الجهبذ الكامل، والهمام الفاضل، فريد عصره، ووحيد دهره، ولي أمانة فتوى دمشق الشام، أيام الحبر البحر

стр. 541

العلامة الإمام، حسين أفندي المرادي ولا زال في أمانة الفتوى حتى توفي سنة ومائتين وألف ودفن بباب الصغير. الحسين بن النور علي بن عبد الشكور الحنفي الطائفي الإمام الذي غذي بلبان الفضل وليداً، وعد لبيد إذا قيس بفصاحته بليدا، من له في المعالي أرومة، وفي مغارس الفضل جرثومة، ولد بالطائف كما ذكره الإمام الجبرتي، وبها نشأ وتكمل في الفنون العرفانية، وتدرج في المواهب الإحسانية، وأحبه السيد عبد الله ميرغني وتعلق بأذياله، وشرب من صفو زلاله، فتاه وهام، وقطع ربقة الأوهام، وأخذ بالحرمين من عدة علماء كرام، وشارك في اللوم، ونافس في المنطوق والمفهوم، إلا أنه غلب عليه التصوف، وعرف منه ما فيه الكمال والتصرف، وكان بينه وبين الشيخ العيدروس مودة أكيدة، ومحبة عتيدة، ومحاورات ومذاكرات وملاطفات ومصافاة، وقد ورد مصر في سنة أربع وسبعين ومائة وألف وسكن ببيت الشيخ محسن على الخليج، وكان يأتيه السيد العيدروس والسيد مرتضى وغيرهم، فأعاد روض الأنس نضيرا، وماء المصافاة نميرا ودخل الشام وحلب، وبها أخذ عن جماعة من الأكابر، منهم السيد إسماعيل المواهبي فقد عده من شيوخه وأثنى عليه ودخل بلاد الروم، وحظي بما يروم، وعاد إلى الحرمين وقوض عن الأسفار الخيام، ثم قطن بالمدينة

стр. 542

المنورة، وكتب إليه الشيخ السيد العيدروس وهو بالطائف يستدعيه لبستان يسمى الشريعة فقال: أحسين كأس الأنس دائر ... ولنا الصفا واف ووافر راقت لنا خمر الصفا ... فزماننا زاه وزاهر أحسين روح مهجتي ... من راح قربك لي وبادر أحسين سحباً في النوى ... عنكم لنظم الأنس ناثر أحسين عين الما بكت ... شوقاً لك يا ذا المفاخر هذي الأزاهر مزقت ... أكمامها فارع الأزاهر هذي الغصون تضاربت ... من بعدكم فالروض خاضر هذي الشريعة أنسها الس ... اري لكم بالقرب آمر فاقرب ولا تشطح ببعد ... بواطن فالشرع ظاهر هيا فلي شوق غدا ... مثلاً من الأمثال سائر فأعاد المترجم الجواب، وقال: ما أنس رنات المزاهر ... والروض بالأفراح زاهر وسنى عقود علقت ... في جيد غيد والجآذر والدر في، في من أحب ... منظماً فاق الجواهر والوصل بعد القطع من ... سامى الربى سامى المفاخر كلا ولا عطر العرو ... س كذا المحاظي في المجاظر أشهى وأبهى من سنا ... نظم لطي الأنس ناشر ألفاظه تحكي الشمو ... س ونورها باه وباهر فيه المفصل مجمل ... يبدو لأرباب البصائر أغنت عن التوضيح والتسهي ... ل هاتيك الأشاير وكست براعته العبا ... رة بهجة والأمر ظاهر

стр. 543

في طرسه طرر سمت ... حسناً على طرز الحرائر تحكي العيون عيونه ... سيناته تحكي الضفائر ألفاته تحكي القدو ... د رشاقة ولها تناظر إلى أن قال: آيات فخر بينا ... ت أولا وكذاك آخر ويؤم أربا النها ... ية والنهى من كل كابر يتلونه جملاً فيتلو ... من مفصله الأوامر أعني الوجيه بن النبي ... هـ ابن النبيه بلا مناكر المصطفى بن المصطفى بن ... المصطفى حامي العشائر لا غرو في حوز له ... فخراً بحسن السمت فاخر إذ جده شمس الشمو ... س العيدروس أبو المظاهر ما إن له من ساحل ... وبذاك قد عقدت خناصر أوصافها عنها البديع ... وإن يكن سحبان قاصر وللسيد العيدروس قصيدة بائية أرسلها له وهي بليغة مطولة، وغير ذلك من مطارحات كثيرة، وللمترجم مؤلفات حسان، وكلها على ذوق أهل العرفان، منها المنظومة التي تعرف بالصلاتية عجيبة وشرحها مزجاً كأصلها على لسان القوم، ولما حج الشيخ التاودي بن سوده كتبها عنه ووصل بها المغرب ونوه بشأنها، حتى كتب منها عدة نسخ، ونوه بشأن صاحبها، حتى عين له سلطان المغرب بصرةٍ في كل سنة تصل إليه مع الركب، والناس في المترجم مختلفون، فمنهم من يصفه بالبركات والكمال وأولئك الذين رأوا كلامه، فبهرهم نظامه، ومنهم من يصفه بالحلول عن ربقة الانقياد، ويرميه بالحلول والإلحاد، وهو إن شاء الله تعالى مبرء مما نسب إليه، معتمد في الإرشاد والإمداد عليه، ولما اجتمع به العلامة محمد بن يعقوب بن الفاضل الشمشاري ونزل في منزله فكان أنيساً له في سائر أحواله، قال: اختبرته

стр. 544

حق الاختبار، فلم أجد له غير لسان مثار، قال وبعد أشهر تبرم عن ملازمته وتباعد عن مجالسته واتخذ له حجرة في الحرم، وعزل نفسه عنه اعتزال النقي عن الحرم، وحكى عنه أشياء عجيبة، وأموراً غريبة وهو بها معذور، وكل منهما على قصده مثاب ومأجور، غير أنه لو تباعد عن الطعن فيه لكان أولى، ولو سلم له حاله لكان أعلى، وما كل إنسان يفهم المقصود من كلامهم، ولا كل امرىء يدرس سامي مرامهم، لأن لهم اصطلاحاً لا يدريه سوى أهله، فمن لم يعلمه فلا يلمهم بل يبكي على جهله، ولأهل الروم فيه اعتقاد جميل، ومواهبهم تصل إليه في كل قليل، مات رحمه الله تعالى سنة ست ومائتين وألف. السيد حسين بن يحيى بن إبراهيم الدؤلي الذماري الحنفي الماتريدي قال في البدر الطالع: ولد في سنة ألف ومائة وتسع وثلاثين وبيني وبينه من المودة ما لا يعبر عنه، وهو من جملة من رغبني في شرح المنتقى، فلما أعان الله على إتمامه، راسلني في الإرسال إليه بنسخة، ولما ألفت الرسالة التي سميتها إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي ونقلت إجماعهم من ثلاث عشرة طريقة، على عدم ذكر الصحابة بسب وما يقاربه، وقعت هذه الرسالة بأيدي جماعة من الروافض فجالوا وصالوا، وتعصبوا وتحزبوا، وأجابوا بأجوبة ليس فيها إلا محض السباب والمشاتمة، وكتبوا أبحاثاً نقلوها من كتب الإمامية وزاد الشر وعظمت الفتنة، وأعانهم علي جماعة ممن له صولة ودولة، وتعصب أهل العلم لها وعليها، وكل من له أدنى معرفة بعلم، يعلم أني لم أذكر فيها إلا مجرد الذب عن أعراض الصحابة الذين هم خير القرون؛ ثم قال: وإن المترجم ناشر للعلم في مدينته ذمار، مع تحمله لما يلاقيه من الجفاء الزائد من أهل بلده بسبب نشره لعلم الحديث بينهم، وميله إلى الإنصاف في بعض المسائل، مع مبالغته في التكتم

стр. 545

وشدة احترازه. مات ﵀ سنة ألف ومائتين وتسع وثلاثين من الهجرة، وكان عمره مائة سنة ولا زال مثابراً على العلم إلى انتهاء أجله. الشيخ حسين بن علي مفتي السادة المالكية بمكة المكرمة حرسها الله الإمام الصالح، والهمام الناجح، الناهل من مناهل الأفاضل، والكامل الذي شهد بكماله ذوو الفضائل، كان يغلب عليه التقوى والعبادة، والتقشف والزهادة، ولد والله أعلم في حدود الخمسين والمائة والألف، وأخذ عن المحدث الفقيه، والإمام الفاضل النبيه الشيخ محمد الورتلاني المغربي المالكي، وعن الشيخ محمد الغرياني التونسي، وأخذ أيضاً حين دخل دمشق الشام، عن مشايخها الأعيان الكرام، ومن أجلهم الشهاب أحمد العطار، ثم رحل إلى مكة المشرفة وتوفي بها لثلاث مضت من شهر محرم الحرام سنة ثماني عشرة ومائتين وألف، ودفن بمقبرة المعلى رحمه الله تعالى ورضي عنه. الشيخ حسين السقطي بن عبد القادر الصالحي الدمشقي الشافعي بقية السلف، وعمدة الخلف، المقتدى بأفعاله، والمعمول بأقواله، بركة الأنام، ونخبة العلماء الأعلام. ولد بصالحية دمشق سنة تسعين ومائة وألف، ونشأ بها وقرأ على أخيه العلامة الشيخ عبد الغني وعلى العلامة الشيخ محمد شاكر الشهير بمقدم سعد، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف ودفن عند أسلافه بمقبرتهم.

стр. 546

الشيخ حسين بن إسماعيل بن الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره العالم الأستاذ، والكامل الملاذ، ولد ﵁ سنة ألف ومائة وخمسين، وأخذ عن والده وعن العلامة الشيخ صالح الجينيني وعن الشهاب المنيني والشيخ أسعد المجلد والعلامة الحفني مات سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة ودفن في مقبرة بني النابلسي. السيد حسين بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن أحمد ابن أحمد المنزلاوي الشافعي خطيب جامع المشهد الحسيني في مصر المحمية العمدة العلامة، النبيه الفهامة، بضعة السلالة الهاشمية، وطراز العصابة المطلبية، حضر على الشيخ الملوي، والحفني والجوهري، والمدابغي والشيخ علي قايتباي والشيخ البيسوني، والشيخ خليل المغربي، وأخذ أيضاً عن سيدي محمد الجوهري الصغير، والشيخ عبد الله إمام مسجد الشعراني، والشيخ سعودي الساكن بسوق الخشب، وتضلع بالعلوم والمعارف وصار له ملكة وحافظة واقتدار تام واستحضار غريب، وينظم الشعر الجيد والنثر البليغ، وأنشأ الخطب البديعة، وغالب خطبه التي كان يخطب بها بالمشهد الحسيني من إنشائه على طريقة لم يسبق إليها، وانتمى إلى الشيخ أبي الأنوار السادات وشملته أنواره ومكارمه ويصلي به في بعض الأحيان ويخطب بزاويتهم أيام المواسم، ويأتي فيها بمدائح السادات ما تقتضيه المناسبات، وله منظومة بليغة في سلسلة السادة الوفائية سماها السيد حسن بن علي العوض بعقد الصفا في ذكر سلسلة ساداتنا بني الوفا، وذكرها في كتابه مناهل الصفا، يقول في أولها ما نصه:

стр. 547

سماء بها الزهر الأزاهر تشرق ... بأنوارها قد نار غرب ومشرق وزانت صفا مرآتها وهي حفها ... لمستمع قد جاء للسمع يسرق إذا مد كف النحو نحو سمائها ... يكف بشهب للمعاند تحرق فما هي إلا عرش كنز حقائق ... بها الحق مشهود لمن يتحقق رياض معانيها بهن نوافح ... لأزهار أسرار بها الطيب ينشق فكم أورقت فيها غصون وكم حلت ... بها ثمرات للمحقق ترزق بلعلعها غنت فصاح بلابل ... فأعربت الألحان وألحان مطرق رعى الله ما قد راق منها وما حلا ... وأعلى سماء برقها متألق حمى الله مرقاها ومعراج قدسها ... بكوكبها السامي الذي ليس يلحق إلى آخرها وهي طويلة، وله غير ذلك رحمه الله تعالى من النثر والنظام، وبديع التحيق وبليغ الكلام، مما يدل على رفعة قدره، وسمو مقامه وكمال بدره، توفي في منتصف شهر شعبان المبارك من السنة الثانية عشرة بعد المائتين والألف رحمه الله تعالى. الشيخ حسين بن الشيخ أحمد الشهير بالكبيسي أمين فتوى دمشق الشام العالم النحرير، والفاضل الشهم الشهير، ذو السيرة العالية، والمعارف السامية، والذهن المقصور على الصواب، والكلام الذي لا يتعدى فصل الخطاب، قد انفرد للفتوى بالأمانة، وورد مناهل التقوى بالصدق والصيانة، واشتهر فضله في الآفاق، وانعقد على كماله الاتفاق، وأذعنت لانفراده أفراد الرجال، وجال رفيع ذكره كل مجال، لم يزل للفتوى أجل أمين، لا يحيد عن الحق ولا يمين إلى أن دعته لحديقة القرب المنية، وخطبته الحور

стр. 548

للدار العلية، وذلك سابع عشر رمضان عام ألف ومائتين واثنين وخمسين من هجرة سيد ولد عدنان، ودفن في مقبرة دمشق ذات الفلاح، المعروفة بالدحداح، رحمه الله تعالى. قاضي القضاة السيد حسين أفندي خوجه زاده القاضي العام بدمشق الشام حاكم صالح عابد، وإمام ورع فاضل زاهد، ناهج منهج الصواب والكمال، لا يلويه عن الحق جاه ولا مال، ولا تأخذه في الله لومة لائم، بل هو على ساق العبادة والتقوى قائم، كان أوصى أنه إذا مات يدفن في جورة في مقبرة باب الصغير، بقرب مقام سيدي الصحابي الجليل الشهير، بلال الحبشي رضي الله تعالى عنه، وأن يحوط على الجورة بتابوت من خشب. والذي دعاه إلى ذلك أنه سمع من بعض العلماء أن الأقرب أن سيدنا بلال الحبشي مدفون في هذه الجورة، وقيل في الجورة الثانية بالقرب منها، وملخص الكلام، في هذا المقام، أن أكثر العلماء يقولون بأن إحدى الجورتين بها مدفون الصحاب المذكور، والثانية بها مدفون سيدنا فضالة بن عبيد أمير المدينة في أيام التابعين ﵃ وعنه، وكان في كل من الجورتين محراب ظاهر، ولكن الآن لطول الأيام قد ارتفع التراب فيهما حتى تساويا مع أرض الجبانة، ورفع الناس بعد ذلك صورة القبور خوفاً من الاندراس. توفي المترجم المذكور في رابع عشر ذي القعدة سنة أربع وخمسين ومائتين وألف، ودفن في تربة باب الصغير في المحل الذي أوصى أن يدفن فيه، وقام الوصي بوصيته في عمل المقام على الجورة. رحمه الله تعالى.

стр. 549

الشيخ حسين أبو عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن عثمان الحلبي الشافعي الحسيني الشريف الفقيه الصالح، والعفيف النبيه الفالح، والتقي الزاهد، والنقي العابد، مولده سنة ثلاثين ومائة وألف، قرأ القرآن الشريف على خال والده الشيخ أبي الضيا هلال بن أحمد القادري وحفظه على غيره، وتفقه وحفظ بعض المتون العلمية على جماعة، وسمع الكثير من كتب الحديث وغيره على جمع، منهم بدر الدين حسن بن شعبان السرميني، وأبو عبد الفتاح شمس الدين محمد بن الحسين الزنار، وأبو محمد عبد الكريم بن أحمد الشراباتي، وأبو السعادات طه بن مهنا الجبريني، وفخر الدين عثمان بن عبد الرحمن العقيلي العمري، ومحمد علاء الدين بن محمد الطيب الفاسي المغربي المالكي لما قدم حلب، وعقد بها مجلس التحديث والسماع، وتاج الدين محمد بن طه العقاد وغيرهم، وأخذ الطريقة السعدية عن شهاب الدين أحمد السعدي الجباوي الدمشقي لما قدم دمشق ونزل عنده، وأخذ الطريقة القادرية وغيرها عن الشيخ تقي الدين أبي بكر أحمد الحلبي القادري، وأخذ عن الشيخ أبي الخير سعد بن عبد الله اليماني نزيل حلب وانتفع بهم، وأجاز له غالب مشايخه، وأقام الذكر والتوحيد على عادتهم، واعتقده الناس، وقد أخذ عنه العالم العلامة خليل أفندي المرادي واستجازه بجميع ما تجوز له روايته فأجازه إجازة عامة، وذلك حين رحلة خليل أفندي المرقوم إلى حلب سنة خمس ومائتين وألف كما رأيت ذلك بخط خليل أفندي، ومات المترجم بعد ذلك، ولم أقف على تعيين تاريخ موته رحمه الله تعالى.

стр. 550

الشيخ حسين بن الشيخ محمد التدمري أصلاً الدمشقي وطناً الميداني إقامة الشافعي الإمام بجامع كريم الدين عالم قد فاق أهل زمانه، وترقى في الكمال حتى عرف بالتقدم في أوانه، قد اعتصم بحبل الوفا، وتقدس عن الفظاظة والجفا، وتمسك بعرى التقوى والعبادة، وتحلى بحلية القناعة والزهادة، وطار في الناس فضله، واشتهر في الملأ العام قوله المحمود وفعله، حضر مجالس السادات، وأخذ عنهم أنواع العلوم الشرعية والآلات، ثم درس وأفاد، وانتفع به الكثير واستفاد، وكان مستقيماً في الميدان لتعليم الناس، وكان يتعاطى وظائف جامع كريم الدين من خطبة وصلاة وتدريس، فأحيا المكان بعد قرب الاندراس، وكان رقيق الكلام، حسن الاعتذار عمن يستوجب الملام، صادقاً في الاعتماد على مولاه، لا يشغله عنه ما سواه، فهو بقية السلف وزينة الخلف، توفي بعد خدمة الجامع المرقوم نحو أربعين سنة عن نحو ثمانين سنة، وذلك في سنة أربع عشرة ومائتين وألف من الهجرة، ودفن بتربة باب الله وقبره مشهور ﵁. الشيخ حسين بن عبد الشكور المدني العالم الكبير والأوحد الشهير، ولد سنة ألف ومائة، قال في النفس: وفد إلى مدينة زبيد داعياً لأهلها إلى حسن الوضوء والصلاة وتعريفهم طريق ذلك، ونظم في ذلك منظومة عظيمة أولها: لك الحمد بدءاً منك يحسن والختما ... عليك وشكراً لا أطيق له كتما وشرح هذه المنظومة شرحاً حافلا، وبأكثر المسائل كافلا، وجعل على الشرح حاشية عظيمة، وفائدتها وافية عميمة، لا ينقل فيها من كتاب،

стр. 551

بل إنما كان يميل إلى الاجتهاد ويراه هو الصواب، وكان يشتهر بذي العلوم اللدنية، والفيوضات الإلهية، حتى قال بعضهم فيه: لقد رأيت إماما ... أحار بالعلم لبي فقلت من أي شيخ ... فقال من فيض ربي وكان كثير البحث والمذاكرة، ملازماً لدعاية الخلق إلى ما ينفعهم في الآخرة، لا يوقر في ذلك كبيرا، ولا يترك صغيراً ولا حقيرا، ومن تشطيره: من راقب الناس مات غما ... وحظه الويل والثبور ومن تخلى عنهم تحلى ... وفاز باللذة الجسور مات في زبيد سنة ألف ومائتين. الشيخ حسين بن عبد اللطيف الدمشقي الشهير بالعمري من أولاد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، ولد بدمشق الشام سنة اثنتين وستين ومائة وألف في شهر ربيع الأول وهو الإمام الكبير، والمؤرخ الشهير، أخذ عن مصطفى الأيوبي الأنصاري المعروف بالرحمتي وعن علي أفندي الداغستاني وعن الشهاب أحمد البعلي الدمشقي الخلوتي مفتي الحنابلة بدمشق وعن الشيخ محمد البخاري والشيخ مصطفى بن أسد اللقيمي وابن سليم الصالحي وغيرهم وله تاريخ سماه المواهب الإحسانية في تراجم العمرية، مات ﵀ سنة ألف ومائتين. حسين بن علي بن عبد الكريم الأنصاري المدني هو من رجال اللآلىء الثمينة في أعيان شعراء المدينة، لعمر بن عبد السلام المدرس الداغستاني، فقال في ترجمته: ذو نجدة ومروة، ومجد وفتوة، سجعت بمحاسنه حمائم شمائله، ولمعت من سما مكارمه بوارق فضائله، فبهر بأخلاقه الرضية، واشتمل بما ألبسه رداء الثناء بين

стр. 552

البرية، وله النظم الحسن المقاطع، والإبداع الذي أتقن به البدائع، منه قوله لما وقعت في المدينة الفيحاء، فتنة العام المؤرخة بهذه القصيدة الغراء، أنشدها متوجعاً باكياً ولحضرة الرسالة شاكياً: أخي إذا ما جئت في سوح أحمدا ... تضرع له وامدد إلى نحوه اليدا وناد وقل يا سيد الرسل نجدة ... تفرج عنا ما أقام وأقعدا عسى نفحة منكم عسى لمحة بنا ... تحف عسى المولى يجيب لنا الندا لقد طال هذا الكرب واشتد عسره ... وشتت جيش الصبر طراً وبددا وكدر وجه الدهر بعد ابتهاجه ... ونغص عيش المؤمنين ونكدا وأذهب راحات النفوس جميعها ... فلله ما ولى ولله ما بدا ولم يبق إلا أن يذيب رسومنا ... وأما قلوباً قد أذاب وأكبدا كأن كروب الدهر أجمع أمرها ... على حربنا فاستنفرت نحون العدا هموم غموم ثم قلة راحة ... وحزن عظيم كلما رث جددا ثلاثة أعوام نكابد همها ... وإن لم تدار كنا هلكنا فأنجدا ومن قبلها قد كان قحط وشدة ... وأشجار ظلم أثمرت علة ودا وكم جرعتنا كأس صبر وحنظل ... مرارتها أدنى المصائب والردى فرادى ومثنى حيثما ثم سكرنا ... تركنا حيارى قط لا نعرف الهدى فنسأل رب العرش تفريج كربنا ... بجاهك يا رب السماحة والندى ومذ شق أقوام عصاهم وشمتوا ... عداهم وأضحى كل وغد مسودا تهلل وجه الرفض بعد اغبراره ... وأصبح ذو رفض عزيزاً وسيدا يجر ذيول التيه في أرض طابة ... وكم من لعين منهم السيف جردا وسروا سروراً لم يسروا بمثله ... وغنى مغنيهم لذاك وغردا وقد مر دهر لا يجرون ذيلهم ... ومن جر أمسى بالتراب موسدا وما قصدهم إلا انتهاك محارم ... وتخريب دور المؤمنين أولي الهدى وما منهم إلا لعين وملحد ... وجد مجوسي وابن تهودا

стр. 553

حفاة عراة كالكلاب تنابحوا ... على فرعهم والأصل لعن تأبدا فلو لم يكن هذا الشقاق لما جرى ... على مثلنا من مثلهم ذا ولا عدا فيا سيد الكونين صار لنا ترى ... من الحزن والكرب الذي قد ترددا ويا كهف من يلوي عناناً ببابه ... ويا خير من نودي سريعاً فأنجدا تلاطم بحر الكرب واشتد موجه ... على أهل حق بالجوار تأكدا عسى نظرة منكم تؤلف بينهم ... ليصبح سيف الدين في الكفر مغمدا فصلى عليك الله ما لاح بارق ... وما لاح قمري الأراك وغردا حسين بن أنصار إليك انتماؤه ... يرجي فكن عوناً لهم ثم مسعدا ومع غاية الإحصاء قلت مؤرخاً ... لقد أشمتوا فينا أعادي وحسدا انتهى توفي المترجم المرقوم بعد الألف والمائتين رحمه الله تعالى. السيد حمزة بن السيد يحيى بن السيد حسن بن السيد عبد الكريم بن السيد محمد الحمزاوي الدمشقي الحنفي الحسيني أحد العلماء الأعلام، نقيب السادة الأشراف بدمشق الشام، وإنسان عين الأعيان، ولسان ذوي الفضل والشأن. ولد بدمشق سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف، ونشأ على كمال التقوى والصيانة، والعلم والفهم والديانة، إلى أن اختارته الآخرة، لمراقيها الفاخرة. وذلك سنة سبع عشرة ومائتين وألف، ودفن بمرج الدحداح لدى أسلافه رحمهم الله تعالى.

стр. 554

الشيخ حمزة بن علي الدمشقي الحنفي العجلاني نقيب الأشراف ومفتي دمشق الشام الصدر المهاب، والرئيس العالي الجناب، والفاضل الهمام، والكامل الإمام، سلالة السادة ذوي الشرف والنسب، وصفوة خلاصة ذوي المجد والحسب، من فاقت شهرته، وعلت رتبته، واشتهر في الأنام اشتهار البدر لدى التمام، لازم مدة حياته العلم والعمل، واجتنب مناهج القصور والكسل، وصان عمره عن أن يصرفه فيما لا يعنيه، بل كان في كل كمال على طريقة جده وأبيه، إلى أن وافته المنية، داعية له إلى الجنة العلية، وذلك سنة تسع وعشرين ومائتين وألف ودفن في تربة أسلافه رحمة الله عليهم أجمعين. الشريف حمود بن محمد الحسني صاحب أبي عريش قال في البدر الطالع: ولد بعد سنة ألف ومائة وستين تقريباً، ثم استقل بولاية أبي عريش وسائر الولاية الراجعة إلى أبي عريش كصبيا وضمد والمخلاف السليماني، وكان متولياً لذلك من طريق مولانا الإمام المنصور رحمه الله تعالى. ثم حدث ما حدث من قيام صاحب نجد واستيلائه على البلاد التي بينه وبين بلاد أبي عربش، فأمر عبد الوهاب بن عامر العسيري المعروف بابن نقطة، بان يتقدم في جيشه على بلاد الشريف حمود، فتقدم في نحو عشرين ألفاً، والشريف حمود استقر في أبي عريش لقلة جيشه، فتقدم عليه أبو نقطة إلى أبي عريش، فدخلها في شهر رمضان عام ألف ومائتين وسبعة عشر، وقتل من الفريقين فوق الألف، ثم استسلم الشريف حمود ودخل في الدعوة النجدية، ثم خرج على البلاد الإمامية فاستولى على بندر اللحية، وعلى بندر الحديدة، وعلى زبيد، وما يرجع إلى هذه الولايات،

стр. 555

واختط مدينة الزهراء، وصار ملكاً مستقلا. ثم أفسد ما بينه وبين النجدي، فأمر أبو نقطة المذكور من يغزوه، فالتقيا بأطراف البلاد، فقتل أبو نقطة وانهزم جيش الشريف حمود، وقتل منهم نحو ألفين، وكان جيشه من يام ومكيل وقبائل تهامة زهاء سبعة عشر ألفاً، وكان جيش ابن نقطة كما قيل نحو مائة ألف، لأنه أمده النجدي بجماعة من أمرائه كابن شكبان والمضائفي، ثم إن جيش صاحب نجد بعد قتل ابن نقطة وهزيمة الشريف تقدموا على أبي عريش، وجرت بينهم ملاحم كبيرة، وانحصر الشريف في أبي عريش، وشحن سائر بلاد أبي عريش بالمقاتلة، ثم رجع سائر الأمراء النجدية وبقي بقية من الجيش في بلاد أبي عريش، والحرب بينهم سجال، وكان هذا الحرب الذي قتل فيه أبو نقطة في سنة ألف ومائتين وأربع وعشرين. وفي سنة ألف ومائتين وثمان وعشرين وقع الصلح بينه وبين مولانا الإمام المتوكل على الله. وحاصل الصلح أنه يثبت الشريف على ما قد صار تحت يده من البلاد، ثم بعد هذا انتقض الصلح بينه وبين الإمام المذكور ولم يزل الحرب ثائراً بينه وبين الإمام إلى سنة ألف ومائتين وتسع وعشرين وهو مستمر على الانتماء إلى صاحب نجد. ثم مات سنة ألف ومائتين وثلاث وثلاثين. الشيخ حمود العمري بن سعيد بن محمد بن عمر بن عبد اللطيف الدمشقي الفاروقي نشأ على منهج الكمال، مرتدياً برداء الحسن واللطافة والجمال، ممتزجاً مع العلماء كامتزاجه مع الأدباء، محمود السيرة، ممدوحاً بصفاء السريرة، وكانت وفاته نهار السبت الحادي عشر من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف ودفن في الدحداح.

стр. 556

حيدر بن سليمان بن داود بن سليمان أديب له في الأدب اليد الطولى، ومن التأليف في أنواع العلوم ما يشهد له بكمال المعرفة فروعاً وأصولا، ولقد ترجمه السيد حسن بن السيد هادي العاملي فقال: البارع فلا يبلغ كنهه المادح وإن أطنب، والواصف وإن أسهبن لأنه قد استغرق جميع صفات الكمال، وفاز منها بأعلى القداح نصيباً حتى جل عن الأضراب والأمثال، وكيف تجد له من مثيل، وقد جاء في سائر نظمه بكل معنى جليل، يبهر السامعين، ويبهت المنشدين. وله من المصنفات في كتب الأدب كتابه المسمى بالعقد المفصل، في قبيلة المجد المؤثل، الذي دل على سعة باعه، وغزارة اطلاعه، وأما شرف نفسه فلا يحتاج لشهرته إلى بينة وبرهان، وأنى وقد امتلأ بذكره المشرقان والمغربان، وتحلى جيد الدهر بعقد مفخره، وأضاءت بسواد مفارق الأيام لوامع درره، ولقد كان مع قلة ذات يده يترفع عما يتصف به الشاعر، وألزم نفسه بالرثاء والمدح للنبي والأطايب من عترته وذويه كابراً بعد كابر، ومن جرى على مثالهم من العلماء، والسادات الفضلاء، فيا له من ماجد بلغ من السخاء حداً تضوع في الخافقين نشره، فطوى ذكر من قد سلف من أهل المكارم صيته وذكره، وكان في عباداته وأوراده وأذكاره، سواء في حضره وأسفاره. يجنب العين لذيذ النوم اللذيذ مناجاة ربه، مواظباً على التهجد يتنفس عن قلب أقلقه خوفه من الله كأن القيامة قامت إلى جنبه، مع ما لازمه من العلل الموهية لصفات قوته، وهو مع ذلك يتجدد نشاطه على العبادة كأنها بعض فطرته: وإذا حلت الهداية قلباً ... نشطت للعبادة الأعضاء إلى أن قال: وأما مولده الطاهر فإنه ولد ليلة النصف من شعبان

стр. 557

من شهور سنة ستٍ وأربعين بعد الألف والمائتين هجرية، وتوفي وله من العمر تسع وخمسون سنة. وأما وفاته فإنه توفي عشية الأربعاء ليلة التاسعة من شهر ربيع الآخر من شهور السنة الرابعة بعد الثلاثمائة والألف هجرية. ومن نظمه رحمه الله تعالى وقد حرره في ضمن كتاب: في فمي لم يزل لذكرك نشر ... طيب واختبر بذاك النسيما وبمرآة فكري لم يزل شخصك ... نصب العينين مني مقيما وعلى النحر من علاك ثنائي ... ليس ينفك عقده منظوما لا تظن البعاد يحجب عني ... منك ذيالك المحب الكريما أنت عندي بالذكر أحضر من ... قلبي بقلبي فكن بذاك عليما لست أقوى لحمل عتبك يا من ... حملت فخره المعالي قديما فائن من غرب عتبك اليوم عني ... فبه قد تركت قلبي كليا ومن نظمه: ظن العذول أدمعي تناثرت ... حمراً لعمري غره ما يبصره وإنما يقدح زند الشوق في ... قلبي ومن عيني يطير شرره حيدر الغازي الهندي سلطان الولاية التي يقال لها لكنهو قال صاحب التاج المكلل: وقفنا على كتاب مشتمل على وصف حاله

стр. 558

صنفه أحمد الشرواني الراحل إلى بلاد الهند، وتاريخ هذا الكتاب سنة ألف ومائتين وخمس وثلاثين، ذكر فيه أنه شاهد فيلاً ينوح على الحسين السبط ﵁ في الشهر المحرم بشعر موزون وهذا مستبعد جداً، والظاهر أن الفيل يهمهم همهمة تحصل وزن الشعر، فإن كان صدور ذلك بلسان فصيح كنطق الإنسان، فما أظن الناطق من حنجرته إلا شيطان، وقد ينطق من الأصنام وهي جمادات، وهو ينطق من رؤوس من يدعي أنه قد صار له قرين من الشيطان كما هو معروف انتهى كلام صاحب التاج. أقول إن الله المقدس في ذاتهن المنزه عن سمات النقص في صفاته، قد أودع في كل ذرة من مخلوقاته، من بديع صنعه ولطيف آياته، ومن الحكم والعبر، ما لا يدركه البصر، قال الله تعالى: " وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون " وقال تعالى: " سنريهم آياتنا في الآفاق " وقال الشاعر: ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وقال الله تعالى: " قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده " وقال في الهدهد: " فقال أحطت بما لم تحط به " ومثل هذا كثير، شائع شهير، خصوصاً في الأحاديث الشريفة، والآثار الصحيحة المنيفة، مما لا قدرة للإنسان على رده، ولا على إنكاره وإثبات ضده، من نطق الذيب والضب، والغزالة والحجر والمدر والشجر،

стр. 559

وغير ذلك مما لا يكاد أن تحصى أفراده، ولا تحصر أعداده، وذكر في بعض التفاسير أن إخوة يوسف لما أتوا والدهم بقميص يوسف وهو ملطخ بالدم وأخبروه بأن الذئب أكل أخاهم يوسف، فقال لهم اخرجوا في طلب الذئب، وائتوني به وإلا دعوت الله عليكم فتهلكوا، فخرجوا في طلب الذئب حتى أخذوا ذئباً عظيماً هائلاً، واجتمعوا عليه حتى كتفوه ووضعوا الحبل في عنقه، وجعلوا يضربونه ويجذبونه، حتى أوقفوه بين يدي يعقوب ﵇، فقال لهم يعقوب كيف عرفتموه؟ قالوا لأنه كان كثيراً ما يتعرض لنا في غنمنا وما دخل غنمنا سواه، فدخل غنمنا وأكل أخانا، فقال يعقوب سبحان من لو شاء لأنطقك بحجتك، قال فنطق الذئب، وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يا نبي الله إني ذئب غريب، افتقدت ولداً لي فجئت في طلبه حتى بلغت نحو بلدك هذه، فأتى أولادك فضربوني، وقد اتهموني بذنب لم أفعله، والذي أنطقني بهذا إنك إن خليتني جئت إليك بكل ذئب في بلدك هذا، فيحلفون لك أنهم لم يأكلوا ولدك، وكيف يأكل الذئب ولد الأنبياء. فأمر يعقوب بتخليته اه ووقع مثل هذا كثيراً، فإن قبل لعل ذلك من معجزات الأنبياء، أقول ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، ومن المعلوم أن سيدنا الحسين ﵁ من أكبر الأولياء، وأفضل الأصفياء، فلا حاجة لما ذكره التاج، بل تسليمه على ظاهره من أولى طريق وأحسن منهاج، ومن أبدع الغرائب، وألطف العجائب، ما ذكره الإمام الدميري قال:

стр. 560

رأيت في المنتقى من انتخاب الحافظ السلفي، وفي آخر ورقة من عجائب المخلوقات عن محمد بن إسماعيل السعدي أنه قال: وجه إلي يحيى بن أكثم فتوجهت إليه، فلما دخلت عليه، إذا عن يمينه قمطر، فأجلسني وأمر

стр. 561

أن يفتح، فإذا شيء خرج منه رأس كرأس إنسان، ومن أسفله إلى سرته على هيئة زاغ وفي صدره وظهره سلعتان، قال ففزعت منه ويحيى يضحك؛ فقلت له ما هذا أصلحك الله، فقال لي سل عنه منه، فقلت له ما أنت، فنهض وأنشد بلسان فصيح: أنا الزاغ أبو عجوه ... أنا ابن الليث واللبوه أحب الراح والريحا ... ن والقهوة والنشوة فلا عدوى يدي تخشى ... ولا يحذر لي سطوه ولي أشياء تستظر ... ف يوم العرس والدعوة فمنها سلعة في الظهر ... لا تسترها الفروة وأما السلعة الأخرى ... فلو كان لها عروة لما شك جميع النا ... س فيها أنها ركوه ثم صاح ومد صوته زاغ زاغ، وانطرح في القمطر، فقلت أعز الله القاضي وعاشق أيضاً، فقال هو ما ترى لا علم لي بأمره إلا أنه حمل إلى أمير المؤمنين مع كتاب مختوم فيه ذكر حاله، لم أقف عليه انتهى مات المترجم سنة ألف ومائتين. و.... السيد حيدر بن المرحوم ... الحلبي الأديب الشاعر، والأريب الماهر، من أشرقت بالفضل أقماره وشموسه وتموج بالعلم عبابه وقاموسه، وطار ذكره في الفيافي، واشتهر قدره الوافر الوافي، فكم نظم ونثر فنفث السحر الحلال، وتلاعب برقائق الحكم فجرت لبلاغتها وبراعتها مجرى الأمثال، وضمنها ما تتزين به الطروس، وتميل له

стр. 562

القلوب والنفوس، وقلدها من حلي البديع والمعاني، ما هو أبهى من ضم الخصور وعناق الغواني، فلله دره من همام تاه في ثوب البلاغة كمالاً، ودهش ألباب أولي الفصاحة لطفاً وجمالا، وكاد نظمه يكتب بماء القلوب على محيا المحبوب، فمن رفيع كلامه، وبديع نظامه، قوله من قصيدة يرثي بها الإمام الحسين روح الله روحه. سبق الدمع حين قلت سقتها ... فتركت السما وقلت الدموع فكأني في صحنها وهو قعب ... أحلب المزن والجفون ضروع بت ليل التمام أنشد فيها ... هل لماض من الزمان رجوع ودعت حولي الشجى ذات طوق ... مات منها على الغرام الهجوع وسقتني بخمرتي مقلتيها ... ما عليه انحنين مني الضلوع شاطرتني بزعمها الدار حزناً ... حيث أنت وقلبي الموجوع يا طروباً بالقد والنهد دعني ... ما حنيني صبابة وولوع لم يرعني نوى الخليط ولكن ... من جوى الطف راعني ما يروع قد عذلت الجزوع وهو صبور ... وعذرت الصبور وهو جزوع عجباً للعيون لم تغد بيضاً ... لمصاب تحمر فيه الدموع أي يوم بشفرة البغي فيه ... عاد أنف الإسلام فيه جديع واستقل الهدى على غارة البين ... وشدت للرشد فيه النسوع يوم أرسى ثقل النبي على الحتف ... فحفت بالراسيات الصدوع حيث صكت بألطف هاشم وجه ... الموت فالموت من لقاها مروع وقفت موقفاً تضيفت الطير ... قراه فحوم ووقوع بسيوف في الحرب صلت فللجوس ... سجود من حولها وركوع

стр. 563

موقف لا البصير فيه بصير ... لاندهاش ولا السميع سميع جلل الأفق فيه عارض نقع ... بسنا البيض فيه برق لموع فلشمس النهار فيه مغيب ... ولشمس الحديد فيه طلوع أينما طارت النفوس شعاعاً ... فلطير الردى عليها وقوع قد تواصت بالصبر فيه رجال ... حفظت عترة النبي إذ أضيعوا سكنت منهم النفوس جسوماً ... هي بأس حفائظ ودروع سد فيهم ثغر المنية سهم ... لثنايا الثغر المخوف طلوع وله الطرف حيث سار أنيس ... وله السيف حيث بات ضجيع لم يقف موقفاً من الحزم إلا ... وبه سن غيره المقروع كيف يلوي على الدنية جيداً ... لسوى الله ما لواه الخضوع طمعت أن تسومه القوم ضيماً ... وأبى الله والحسام الصنيع وبه يرجع الحفاظ لصدر ... ضاقت الأرض وهي فيه تضيع فأبى أن يعيش إلا عزيزاً ... أو تجلى الكفاح وهو صريع فتلقى الجموع فرداً ولكن ... كل عضو في الروع منه جموع رمحه من بنانه وكأن من ... عزمه حد سيفه مطبوع زوج السيف بالنفوس ولكن ... مهرها الموت والخضاب النجيع بأبي كالئاً على الطف خدراً ... هو في حومة الحسام منيع قطعوا بعده عراه ويا حبل ... وريد الإسلام أنت القطيع وسروا في كرائم الوحي أسرى ... وعداك ابن أمها التقريع لو تراها والعيس جثمها الحا ... دي من السير فوق ماتستطيع ووراها العفاف يدعو ولكن ... بدم القلب دمعه مشفوع يا ترى فوقها بقية وجد ... ملء أحشائها جوى وصدوع

стр. 564

فترفق بها فما هي إلا ... ناظر دامع وقلب مروع قوضي يا خيام عليا نزار ... فلقد قوض العماد الرفيع واملئي العين يا أمية نوماً ... فحسين على التراب صريع ودعي صكة الجباه لؤي ... ليس يجديك صكها والدموع أفلطماً بالراحتين فهلا ... بدم الطعن والرماح شروع وبكاء بالدمع حزناً فهلا ... بسيوف لا تتقيها الدروع قللي الإقراع ملمومة الحيف ... فواهاً يا فهر أين القريع وقال يا دار جائلة الوشاح ... حيتك نافحة الرياح وسقتك من ديم الحيا ... وطفاء ضاحكة النواحي كم فيك قد نادمت من ... قمر يطوف بشمس راح وخريدة تختال عن ... لدن وتبسم عن أقاح نشوانة الأعطاف من ... خمر الصبا خود رداح ملكت قلوب بني الغرا ... م بلاحظ سكران صاح جهد العواذل في أن ... أسلو هوى الغيد الملاح فمتى محب قد سلا ... هيفاء تسفر عن براح ومن الذي قد كلف الطير ... ان مقصوص الجناح هيهات أخطأ ظنهم ... أن يستلين لهم جماحي وهي قصيدة طويلة يرثي بها الإمام الحسين الشهيد ﵁ وله قصائد كثيرة كلها غرر. ولقد توفي المترجم رحمه الله تعالى عام ألف وثلاثمائة وستة وكان عمره نحواً من خمس وخمسين سنة.

стр. 565

حرف الخاء الشيخ خالد أبو البهاء ضياء الدين النقشبندي الدمشقي إقامة إمام العصر، وغرة الشام ومصر، من قلد جيد الزمان بقلائد بره وإحسانه، وقيد السنة الثناء عن غير شكر نعمته وامتنانه، أعظم العلماء قدرا، وأعلاهم شهرة وذكرا، لو نطق لسان الليل لقال إنه البدر بلا مين، أو لسان النهار لقال بأنه الشمس التي تجلى نورها في المشرقين والمغربين، خلاصة العباد من العباد، وصفوة أهل الزهادة والإرشاد، سلطان ذوي العرفان، ودليل أهل الذوق والوجدان، كأن لسان زمانه يقول فيه بملء فيه: يا من له في الناس ذكر سائر ... كالشمس يشرق نورها وتجول ومواهب حضرية سيارة ... لا ينقضي سفر لها ورحيل وخلائق كالروض رق نسيمه ... فسرى وذيل قميصه مبلول وتلاوة يجلي الدجى أنوارها ... قد زانها الترتيب والترتيل وإذا تهجد في الظلام حسبته ... من نور غرته له قنديل ملأت لطائف بره أوقاته ... فزمانه عن غيره مشغول هذا هو الشرف الذي لا يدعى ... هيهات ما كل الرجال فحول أيامه كست الزمان محاسناً ... فكأنها غرر له وحجول نفقت لديه سوق كل فضيلة ... والفضل في هذا الزمان فضول فلعمري لقد شاد ربوع الطريقة وأقام أود متونها، وزاد في بيان مشكلات الشريعة وعانى رمد عيونها، ولقد ترجمه صوفي الزمان، ومرشد الأوان،
следующие страницы →