Полный текст (1 568 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
الأفاضل، السيد عبد القادر أفندي القدسي، أوحد أعيان حلب الشهباء، وابن المرحوم نقيبها المشهور تقي الدين أفندي القدسي، وهي كما هي درة يتيمة، وصحيفة كريمة:
إذا ضاقت بك الأيام فالجأ ... بحسن وسيلة لحمى الرسول
فإن حمى الرسول وحق ربي ... أمان كل آن للدخيل
وأقرب ما توسلت البرايا ... به للمصطفى آل البتول
هم الطهر الكرام بنو المعالي ... شموس الكون جيلاً بعد جيل
لهم جاه وعز مستفاض ... من المختار بالفيض الجزيل
هم الوراث للمختار طه ... هم أهل الرداء المستطيل
وودهم بأمر الحق فرض ... وهذا أجر مولانا الرسول
إذا أديت حق الود فيهم ... فأبشر بالسعادة والقبول
ودونك سيد السادات شيخي ... فلذ بجنابه العالي الجليل
هو الحسن الحسيني الخزامي ... خلاصة عترة العلم الطويل
له شرف الحضور حضور قلب ... مع المختار غياث النزيل
فتى بيت الرفاعي الغوث روح ... الطريق وفلة الشرف الأثيل
ضيا هذا الزمان أبو الموالي ... سليل الآل مولود الفحول
إمام القوم زبدة آل طه ... ملاذ الملتجى باب الوصول
همام من بني الكرار شهم ... يقابل ذا الإساءة بالجميل
أمير من بني الصياد فرد ... تذل له الرجال بكل قيل
علي القدر رحب الصدر مولى ... الأيادي صاحب الباع الطويل
فللمختار جدهم صلاة ... من الرحمن ترقى في نزول
стр. 492
وأصحاب وأولاد كرام ... غياث الناس في اليوم المهول
مدى الأزمان ما وافى محب ... بحسن وسيلة لحمى الرسول
وهو الآن بحمد الله على قدم استقامته القديمة الأصلية على أحسن حال، معرض عن غير الله متوكل عليه مسلم له الحال، معتمد عليه تعالى في الأقوال والأفعال، ولم يزل يترقى إلى أن خطبته المنية للمكان الأرقى، وذلك عام ألف وثلاثمائة واثني عشر ودفن في حلب.
السيد حسن بن السيد محمد الصيادي الرفاعي ويعرف بخدام الصياد
ترجمه السيد أبو الهدى أفندي فقال: كان صاحب الترجمة شيخاً مباركاً صالحاً معمراً، أخذ الخلافة في الطريقة العلية الرفاعية آخر عمره من الشيخ الكامل العارف السيد الحاج أحمد أفندي بن السيد مصطفى الجندي ثم الصياد، شيخ الطريقة الرفاعية بمعرة النعمان، وبيتهم بيت كرم وصلاح، توفي المترجم بحدود سنة ألف ومائتين وخمس وسبعين ودفن بمقبرتهم بقرية كفر زيتا. انتهى ملخصاً.
الشيخ حسن جبينة بن أحمد آغا بن عبد القادر آغا جبينة
إمام صالح، وهمام في تقواه راجح، لطيف المنادمة، حسن المكالمة، أكب من صغره على طلب العلوم، واستفادة المنطوق والمفهوم، وحضر دروس العلامة الشيخ سليم العطار، والعلامة الشيخ أحمد الكزبري والشيخ أحمد البغال، والفاضل الشيخ قاسم الحلاق وغيرهم. وكان يغلب عليه السكون، والخضوع والتواضع والركون، وبعد انتقال المرحوم الشيخ
стр. 493
قاسم الحلاق إلى جامع السنانية صار في مكانه إماماً ومدرساً وخطيباً في جامع حسان. وكان يغلب عليه الفقر، غلا أنه كان حسن الصبر، وفي آخر مدته مرض مرض الاستسقاء وطال أمره، إلى أن توفي سنة ألف وثلاثمائة وخمس وعمره نحو الخمسة والستين، ودفن رحمه الله تعالى في تربة باب الصغير.
حسن حسني بك بن حسين عارف بن حسن سهراب بن محمود بن مسيح بن عالي من مهاجرة الأتراك والأمراء في الروملي
ترجمه أحمد عزت باشا في كتابه العقود الجوهرية، في مدائح الحضرة الرفاعية، فقال: هو الفاضل الأديب الأريب حسن حسني بك، إلى أن قال: من مهاجرة الأتراك والأمراء في الروملي، هاجروا إليه منذ أكثر من ثلاثة قرون، وسكنوا طويران وكانوا من أمرائها، وتقلبوا في مناصب كثيرة، وجرثومتهم من العائلة البايندرية، وينسب المترجم إلى طويران، هاجر جده إلى مصر سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف. وولد هو سنة ست وستين ومائتين وألف في مصر، وتوفي والده وربي يتيماً في بيت نفسه، ونشأ نشأة أدبية. ولما بلغ الثالثة عشرة أكب على التحصيل من الأساتذة ليلاً ونهاراً، وصرف النظر عن الترقيات المادية إلى طلب العلوم والأدب، فقال الشعر العربي في الخامسة عشرة، ورزقه الله القبول، واشتهر بالشعر والإنشاء والتأليف، واشتغل بالحكمة الدينية، والأخلاق والفنون السياسية وغيرها. وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف سافر إلى وطنه الأصلي، لاستخلاص أملاكه وأوقاف أسلافه، وساح البلاد، ثم عاد إلى مصر، وقدم من مصر لدار السعادة سنة ثلاثمائة وألف، وهو الآن بها.
أقول: وقد اجتمعت به فرأيته حسن الأخلاق، صاحب شهامة
стр. 494
طبع، وفصاحة لسان، وجودة ذهن، وكمال اطلاع، وله آثار كثيرة، منها: ثمرات الحياة، ديوان شعر في مجلدين، وطوالع الأماني، ولواحق الثمرات، وشطحات القلم. وهذه كلها دواوين شعر، ومصابيح الفكر، في السير والنظر، وشمس المشرق في سماء المنطق، وهو مطبوع، ونور العين، رسالة زجلية، وقصة الوارث بن تارك، وإرشاد الخليل في فن الخليل، وعصمة الجماعة، في وجوب الطاعة. وحجة الكرام في علم الكلام، وعصمة الإسلام في فضل الإمام، ويوم الدهر في أحوال مصر، وسر القدر، ومنازه الأحباب في جنات الآداب، وكتاب الوطن، والنشر الزهري، في رسائل النسر الدهري، والإنصاف في حقوق الأشراف، وفلسفة الأخلاق، والتذكار في التوحيد، والبديع في البديع، والسيف القاطع، والنور الساطع، وارتياح الجنان، بأرواح الجنان، ورسالة التوحيد، ومطية الحقيقة، ومجمع الرسائل، ومعراج الأخلاف لمنهاج الأسلاف، وبهجة الكرام في محجة أهل الإسلام، وعدة رسائل باللغة التركية. ومؤلفاته كثيرة وقوة قلمه وذهنه شهيرة. وله نسبة كما قرر من جهة أمه للدوحة الحسينية، بدل على صحتها حسن أخلاقه المرضية، لا زال كريم الجناب، بهجة الأحباب، ومن نظمه:
أهوى الأماني وسعيي ليس يرضيها ... تدنو إلي وصرف الدهر يقصيها
كم ليلة بت أستجلي محاسنها ... وأنجم الأفق صرعى في مجاريها
تسعى إلي براح من غوايتها ... فاستقيها صبابات وأسقيها
روحين في جسد كنا توحدنا ... أهواؤنا وتمنينا مباديها
لا نعرف البعد حيث القرب يعصمنا ... ولا نخاف الليالي في عواديها
كأننا فرقدا أفق المسرة لا ... تهاب صدي ولا أخشى تجافيها
كم قلت والليل مسدول ستائره ... نعم الليالي التي جادت أياديها
كم همت في وجنة من ورد وجنتها ... والخال قد عم من طيب مجانيها
стр. 495
حتى أضعت شعوري في مسلسلة ... من الشعور يروي الدور ساحيها
وهي طويلة؛ ومن نظمه:
هي الهمة العلياء والزمن النكد ... عدوان للأحرار إن أحجم الجد
يبيت فتى الفتيان رهن همومه ... وقد فاز من ليلاته السافل الوغد
ويصبح مقدام البهاليل أعزلاً ... ويمسي أنوف الأنف قد خانه السعد
فيا عجباً للدهر تعدو ذئابه ... وقد هزلت في عز أعياصها الأسد
ويا حرباً تسمو الشموس أهلة ... ويرتفع الوادي وينخفض الطود
ويا طرباً تمسي المواضي طريحة ... ويحمل في أعناق أبطالها الغمد
ومن نظمه يمدح العارف بالله السيد أحمد الرفاعي قدس الله تعالى سره فقال بعد أبيات كثيرة:
أستقبل الدهر أبكيه ويضحكني ... فلم يقلني ولم أطلبه ملتجئا
رفعت يا ابن الرفاعي عبء كلكله ... عن عاتقي فتوانى بعد ما جرؤا
شبل الحسين رفيع الجاه أحمد من ... يرجى إذا الخطب من ضوضائه امتلأ
آثاره بهرت أنواره ظهرت ... كتابه حجة برهانه برأ
أتى على فترة يدعو لواضحة ... صوابها قد محا الآثام والخطأ
جرى على سنن المختار مقتضباً ... نوراً جلا صيقل الأذهان إذ صدئا
وجاء بالفتح عن داعي الهدى فكبت ... أجراه من تخذوا آياته هزؤا
دعا إلى الله بالبرهان فاتضحت ... سبل الهدى فهدى برهانه الملأ
وقام عن جده حق القيام فيا ... نعم الإمام بعلم جهلنا درأ
رست قواعد علياه على جبل ... من التمكن يحمي كل من لجأ
تنزهت ذاته عن كل شائبة ... لما على سدرة الإيقان قد وطئا
стр. 496
وقدس الله بالتقوى سرائره ... فمن أراد له شأواً طغى فنأى
وأكرم الله مثواه على قدر ... تنزلت آية تستتبع النبئا
كأن يوسف معناه أقام له ... في مقعد الصدق للألباب متكئا
أكرم بأحمد أشياخ اليقين لقد ... حمى اليقين فمن لم يقفه خسئا
شيخ عيال عليه كل ذي أثر ... بدا فأبدى طريقاً قيماً بدأ
بحر من العلم لا زالت جداوله ... تزيل عن وادي ساحاته الظمأ
هيهات يعرف أبطال الوجود له ... شأواً تعالى وشأناً عز ما فتئا
أنى يضاهى وطه مد راحته ... إليه والجمع من شم الأنوف رأى
كأنه آية من ربه سبقت ... فجسمت فهو من آياته نشأ
فقل لمن رام تفضيلاً وتكرمة ... الله أدرى بمن أولى وما درأ
عليه رضوان مولاه وما برحت ... علياه ذكراً يطيب الكون ما فقرئا
وقد توفي رحمه الله تعالى عام ألف وثلاثمائة وأربعة عشر.
ملا حسن أفندي الشهير بالبزار بن ملا حسين ابن ملا علي الموصلي
ترجمه صاحب العقود الجوهرية، في مدائح الحضرة الرفاعية، أحمد عزت باشا، فقال: هو الأديب الفاضل، والأريب الكامل، ولد في الموصل بمحلة حسان البكري يوم الثلاثاء عاشر شهر جمادى الأولى سنة إحدى وستين ومائتين وألف. وكان فطناً ذكياً، وشاباً لوذعياً، وبعد إكماله قراءة القرآن الكريم، باشر في قراءته العلوم على علامة وقته الشيخ صالح أفندي ابن المرحوم الحاجي طه الخطيب المشهور، ولما انتهى إلى المنطق، ترك ذلك، واشتغل بنظم الشعر مع كونه مشغولاً في صنعة البزارة ولا زال
стр. 497
شعره يترقى ويروق، ويعلو على شعراء عصره ويفوق، فإن غزله ونسيبه أرق من نسيم الصبا، وأمداحه محصورة في مدح حضرة المصطفى، والأولياء والصلحاء. وديوان شعره طبعوه في حلب، تتداوله أيدي الفضلاء، وأكف البلغاء. ولما كنت في الموصل لا زال يزورني ويهدي إلى فكري لطيف إنشاده، وما كان يقطع زيارته على معتاده. ثم إنه أخذ الطريقة الرفاعية عن الشيخ حاجي سلطان، والطريقة النقشبندية من المرحوم الشيخ السيد محمد أفندي النوري. ولا زال يترقى حاله في الصلاح، وطريق النجاح، حتى استخفه الشطح، فكان طوراً تجذبه حبال الجذبة، وطوراً يعقله زمام العقل، وحالاته أصبحت ممتزجة بالقبض والبسط، والرفع والحط. ثم إنه فقد بصره، وبقي أغلب أحيانه يمشي بالأزقة ويرقد فيها ليلاً، ويجر في أوحالها ذيلاً، لكنه قبل وفاته كما قيل لي بأنه قد عاد إليه عقله، واصطلح فرضه ونفله، وإنه عند أغلب أهل جلدته، وأكابر بلدته، مظنة الولاية، مع ما ينضم إليها من الدراية، ومن نظمه:
قلبي إليكم بأيدي الشوق مجذوب ... والصبر عن قربكم للوجد مغلوب
لا أستفيق غراماً من محبتكم ... وهل يضيق من الأشواق مسلوب
يا قلب صبراً على هجر الأحبة لا ... تجزع لذاك فبعض الهجر تأديب
همو الأحبة إن صدوا وإن وصلوا ... بل كل ما صنع الأحباب محبوب
إني رضيت بما يرضونه وبهم ... والله يعذب للمشتاق تعذيب
فالروح والقلب بل كلي لهم هبة ... وكيف يرجع شيء وهو موهوب
لي فيهمو سيد طاب الوجود به ... فمنه في كل ناد يعبق الطيب
هو الرفاعي سامي الجد أحمد من ... قد لاذت العجم فيه والأعاريب
أكرم به سيداً طابت عناصره ... وكيف لا وهو للمختار منسوب
أنعم به منهلاً راقت موارده ... فكم صفا منه للأحباب مشروب
هذا الذي يفخر الفخر السني به ... هذا الذي هو للمطلوب مطلوب
стр. 498
هذا الذي شرف الأشراف تم به ... هذا الذي هو للعلياء مخطوب
هذا الذي يسعد العبد الشقي به ... فكم وكم نال فيه الأمن مرغوب
غيث مغيث لمن فيه استغاث وكم ... نجا بهمته العلياء مكروب
وكم ذليل به قد عز جانبه ... وكم بعيد به أدناه تقريب
سر من الله في كل الوجود سرى ... منه إلى الخلق ترغيب وترهيب
شمس المعارف من إشراق حكمته ... للعارفين بدت منها أعاجيب
بني رفاعة سدتم رفعة وعلاً ... وذكركم في جباه الفخر مكتوب
تمت محامدكم في عز أحمدكم ... فمجدكم مثل في الكون مضروب
هو الإمام الذي ديوانه أبداً ... في الكائنات مدى الأيام منصوب
فرد به مفردات الفضل قد جمعت ... ندب بكل شديد الهول مندوب
روحي وراحي وريحاني مدائحه ... وحبه لفؤادي فيه تهذيب
يا أحمد الأولياء انظر إلي وقل ... لا تخش أنت علي اليوم محسوب
يا صاحب الهمة العلياء خذ بيدي ... إني وحقك للأعداء مغلوب
يشفى لديغ الأفاعي من عزائمكم ... وعبدكم بأفاعي البعد ملسوب
حاشا لمجدك أن ترضى ببعد فتى ... له إلى بابكم بالذل تأويب
يا عترة المصطفى أنتم أكارم لا ... يخيب فيكم لدى الآمال مطلوب
إن تقبلوني على عيبي فيا شرفي ... فليس لي غيركم قصد ومرغوب
فأنعموا بقبولي واملؤوا قدحي ... من راحكم فهو للأرواح مصحوب
صلى الإله على المختار جدكمو ... ما فاح في الكون من ذكراكم الطيب
والآل والصحب ما نادى محبكمو ... قلبي إليكم بأيدي الشوق مجذوب
توفي ﵀ في شهر ربيع الأول من عام ألف وثلاثمائة وخمسة وما بقي في البلد كبير ولا ولد حتى شيع جنازته، رحمة الله عليه آمين.
стр. 499
الشيخ حسن بن الشيخ علي بن قويدر الأزهري الخليلي
الأديب الناظم الناثر، ذو الفضائل والمآثر، من رقى أوج المعارف، وانتقى برج العوارف، وخاض بحور العلوم، ونزه صائب فكره في رياض المنطوق والمفهوم، فلا ريب أنه كامل المقاصد، جيد القصائد، شعره المنسجم السهل، يزري بشعر الأخطل وابن سهل، ونثره البليغ البديع، يحاكي مقامات الحريري والبديع، وهو ثقة فيما يؤخذ عنه من النقول، وحجة في علمي المعقول والمنقول، كثير المعارف والفنون، غزير اللطائف قليل المجون، لم يتخذ الشعر حرفة، ولا سكن من بيوته غرفة، بناء على أنه جل صناعته، أو أجل متاعه وبضاعته، وإنما دعاه إليه حب الأدب، ولواه إليه ما اشتمل عليه من طوية العرب، وكان ﵀، وأحسن مقره ومثواه، غاية في الزهد والديانة، آية في العفة والأمانة، كثير الود للإخوان، مهيباً بين الأحبة والأقران، لا تمل وإن طالت مجالسته، ولا تعل وإن زادت مفاكهته، لما كانت تشتمل على الفوائد، العائدة على محبيه بالصلات والعوائد، وكانت له صدقات وفية، مستورة عن الإظهار خفية. وقصارى الكلام، في هذا الفرد الهمام، إنه كان حسنة من حسنات عصره، وجوهرة يتيمة في جيد مصره.
ولد بمصر سنة ألف ومائتين وأربع، وتربى في حجر والده على الرحب والسعة، وإن أصوله من المغرب من ذرية ولي ذي مقام روحاني، يعرف بسيدي عبد الله الغزواني، وإن علامة من كان من ذرية هذا الولي المعروف بالهدى والصلاح، أنه إذا جاء لزيارته أحد يفتح له الباب من غير مفتاح، وإن بعض ذرية هذا الولي انتقل إلى مدينة سيدنا الخليل عليه صلاة المنان، وتناسل بالمدينة المذكورة واشتهرت تسمية نسله بالمغاربة، وهم معروفون بذلك هنالك إلى الآن، ثم إن والد المترجم انتقل إلى مصر القاهرة،
стр. 500
وأقام بها وكان ذا تجارة وافرة، وبها رزق بصاحب الترجمة المذكورة، صاحب الشمائل المأثورة، فلما أن بلغ أشده، وجه عنان همته للطلب بكل إقبال وشدة، فقرأ على جملة من العلماء، والسادة الفضلاء، منهم العلامة الشيخ حسن الأبطح، والفهامة شيخ الأزهر الشيخ حسن العطار ذو الأرج الأفيح، والمرحوم الشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الإسلام، والشيخ إبراهيم السقا عمدة الأنام، وغيرهم من مشايخ العصر، المتصدرين للإفادة في أزهر مصر، وكان شافعي المذهب، خلوتي الطريقة، قد أخذها عن الأستاذ معدن السلوك والحقيقة، العارف بالله تعالى صاحب الإمداد، السيد الشيخ أحمد الصاوي أبي الإرشاد. ومن تآليفه المفيدة، وتصانيفه العديدة، شرحه على منظومة شيخه الشيخ حسن العطار في علم النحو، وقد أجاد به أحسن إجادة ونحا ألطف نحو، وقد قال في شرحه عليها، موجهاً جميل مدحه إليها:
منظومة الفاضل العطار قد عبقت ... منها القلوب بريا نكهة عطرة
لو لم تكن روضة في النحو يانعة ... لما جنى الفكر منها هذه الثمرة
في ظلمة الجهل لو أبدت محاسنها ... والليل داج أرانا وجهها قمره
قالوا جواهر لفظ قلت لا عجب ... بحر البلاغة قد أهدى لنا درره
ثم قال: ومن شغفي بتلك العرائس الخواطر، حملتني بواعث الخواطر، على أن أكتب عليها شرحاً، وأبني على دعائمها صرحا، وأشد بنطاق البلاغة لها كشحا، فوقفت على أقدامي، متردداً في تأخري وإقدامي. إلى أن قال بعد كلام طويل، ليس له في البلاغة مثيل: فشددت نطاق العزم، وتقلدت بصارم الحزم، وقومت سنان يراعي، وبسطت
стр. 501
في حومة هذا الميدان باعي، وإني لأرى التوفيق يقوم أمامي، والعناية تقود زمامي
وإذا العناية صادفت عبد الشرا ... نفذت على ساداته أحكامه
فاجتفيت من رياض العلوم الأثمار، واجتليت بنات الأفكار، وافتضضت من المعاني الأبكار، ورصدت من بين النجوم الأقمار، وأتيت بمؤلف يهزأ بقلائد النحور، ويعبث بألحاظ الحور، تتألف نجوم المعارف من مطالع أفلاكه، وتتناثر درر اللطائف من قلائد أسلاكه، جعلته تاجاً لتلك العروس، ونزهة لنفائس النفوس، ونمقته تنميقاً عجيبا، وسبكته سبكاً غريبا، وشحنت زورقه بالدرر، وأثقلت أغصانه بالثمر، وجعلت لشرح أبيات الغزل خواتم، كأنها في أصابع الدهر خواتم، بينت فيها معاني ألفاظه المنظومة اللغوية من كتب صحاح، كقاموس البلاغة والصحاح، وضمنتها سجعاً مأثورا، ودراً منظوماً منثوراً، ونوادر أدبية يرشفها السمع مداما، وتميل الأذاق السليمة إلى محاسنها غراما، لتكمل المناسبة بين الأصل وفرعه، ويحتلب الطالب در الأدب من ضرعه، ويكون ذلك ترويحاً للنفس وتنشيطاً للبدن، بالانتقال من فن إلى فنن.
تنقل فلذات الهوى بالتنقل ... ورد كل صاف لا تقف عند منهل
ولا تتبع قول امرىء القيس إنه ... ضليل ومن ذا يهتدي بمضلل
إلى آخر ما قال، وأجاد في المقال، وهذا الشرح في نحو ثلاثين كراساً قد أحكمه فرعاً وأساساً، ومنها شرح مزدوجته، وقد تناولته أيدي الضياع قبل انتقاله إلى مبيضته، وهو يزيد على مائة كراس، قد أودعها ما يزري باللؤلؤ والماس، ومنها رسالة الأغلال والسلاسل، في مجنون اسمه عاقل، ومنها زهر النبات، في الإنشاء والمراسلات، ومنها نيل الأرب في مثلثات العرب، الذي مدحه محمد أفندي فني بقوله:
стр. 502
يا صاح إن رمت النشب ... ورغبت في أعلى الرتب
وأردت سفراً نافعاً ... من در ألفاظ العرب
فمثلثات قويدر ... هي كاسمها نيل الأرب
هي روضة مطلولة ... منها صبا الآداب صب
يا حسنها من حلية ... تزري بأطواق الذهب
أهدى لئالئها لنا ... بحر خضم في الأدب
أمثلثات قويدر ... سعداً لمن لك قد كتب
قد كاد فني أن يهيم ... بحسن طبعك من عجب
أبدى محاسنها لنا ... بالطبع في الشهر الأصب
الأسعد المولى الذي ... زبد الفنون قد انتخب
ذو الهمة العليا التي ... منها المعارف تكتسب
رحم الإله له أباً ... هو للفضائل خير أب
يا حبذا من عارف ... كل مآثره أحب
يا طالما عن قاصديه ... أزاح بأساء الكرب
وأراحهم مما ألم ... من المشقة والتعب
للحمد والشكر اجتنى ... ولموجب الذم اجتنب
وله غير هذه من التآليف، وجميل التصانيف. ومن أشعاره الفائقة، وأفكاره الرائقة، قصيدته التي مطلعها:
يا طالب النصح خذ مني محبرة ... تلقى إليها على الرغم المقاليد
عروسة من بنات الفكر قد كسيت ... ملاحة ولها في الخد توريد
كأنها وهي بالأمثال ناطقة ... طير لها في صميم القلب تغريد
احفظ لسانك من لغط ومن غلط ... كل البلاء بهذا العضو مرصود
стр. 503
واحذر من الناس لا تركن إلى أحد ... فالخل في مثل هذا العصر مفقود
بواطن الناس في ذا الدهر قد فسدت ... فالشر طبع لهم والخير تقليد
هذا زمان لقد سادت أراذله ... قلنا لهم هذه أيامكم سودوا
وهي قصيدة طويلة، وله قصيدة ثانية، أرسلها إلى بعض الناس أولها:
يا من له خلق كنفحة عنبر ... بالله كف سهام لومك عن بري
وله أيضاً قصيدة قال في براعة استهلالها:
لو كان أمر فؤادي دائماً بيدي ... لما وضعت يدي اليمنى على كبدي
وله مزدودة جميلة متداولة مشهورة. وله غير ذلك من القصائد الطنانة، والمقاطيع الرنانة:
تلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
ومات ولم يدون شعره في ديوان، كما جرت بذلك عادة الشعراء من غابر الأزمان، ومع اشتغاله بالعلم ليلاً ونهاراً، كان يشتغل بالتجارة متعففاً عما في أيدي الناس سراً وجهاراً، ولم يزل في زيادة نعم مع كمال الاحترام، رفيع القدر بين الخاص والعام، حتى انتقل إلى دار السلام، في شهر رمضان سنة ألف ومائتين واثنتين وستين.
ومن العجائب أن محمود أفندي الساعاتي الشاعر المصري المشهور قبل وفاة المترجم بثلاث ليال، رأى في منامه أن الشيخ المترجم توفي، وكان ذلك في مرض موته فانتبه قائلاً:
رحمة الله على حسن قويدر ... فحسب هذه الجملة فكانت تاريخا
للسنة التي وقعت فيها الرؤيا. ثم توفي المترجم بعد ذلك بثلاث ليال، فكانت تاريخاً أيضاً لوفاته. ثم إن محمود أفندي المرقوم أشار إلى ذلك في قصيدته الطنانة، التي رثى بها المترجم المرقوم بقوله:
بكت عيون العلا وانحطت الرتب ... ومزقت شملها من حزنها الكتب
стр. 504
ونكست رأسها الأقلام باكية ... على القراطيس لما ناحت الخطب
وكيف لا وسماء العلم كنت بها ... بدراً تماماً فحالت دونك الحجب
يا شمس فضل فدتك الشهب قاطبة ... إذ عنك لا أنجم تغني ولا شهب
لما أصابك لا قوس ولا وتر ... سهم المنية كاد الكون ينقلب
ما حيلة العبد والأقدار جارية ... العمر يوهب والأيام تنتهب
لو افتدتك المنايا عندما فتكت ... بخيرنا لفدتك العجم والعرب
سقى ضريخك غيث العفو منسجماً ... ولا ارتوت بعدك الأغصان والعذب
ولا استهلت عيون القطر باكية ... إلا عليك وإن حلت بك النوب
أمست لفقدك عين العلم سائلة ... ترجو الشفاء وأنى ينجح الطلب
بكت عليك السما والأرض واضطربت ... كأنما نالها من حزنها طرب
ما كنت أحسب قبل الموت أن لدى ... نصف النهار ضياء الشمس يحتجب
لو كان يدري فؤادي يوم نكبته ... كان الفداء وهذا بعض ما يجب
بالرغم مني حياتي بعد مصرعه ... سيان فرقة من أحببت والعطب
قل للذي يدعي من بعده أدباً ... هيهات والله مات العلم والأدب
قضى الذي كان يزهو سيف فكرته ... بشاردات المعاني حين يقتضب
لو كانت السمر من اقلامه اشتبكت ... على المنية ما اهتزت لها قضب
وافاه صرف القضا يسعى وفي يده ... كأس عليها المنايا والردى حبب
لا تطلبن من الأيام مشبهه ... عز الدواء وأنى يشتفى الوصب
فما تريك الليالي مثله أبداً ... قد ينقضي العمر والآمال ترتقب
حلم وعلم وجود في الوجود له ... فضل وفيض سحاب دونه السحب
ليث المنام الذي في صدقه غصص ... قد حال من دونه في اليقظة الكذب
وليث أحكام أحلامي التي نفذت ... قضت بحتف أناس حلمهم غضب
أين المنايا وأين الشامتون به ... والمظهرون نفاقاً أنهم نكبوا
إن الكآبة لا تخفي سرائرهم ... قد يعرفون بسيماهم وإن ندبوا
стр. 505
إن يظهروا الجد من حزن فإنهم ... إذا خلوا بشياطين الهوى لعبوا
لا يشمتوا إن للأيام منقلباً ... عليهم والليالي أمنها رهب
ألم يروا كم أباد الدهر قبلهم ... من القرون وهم من بعدهم ذنب
آمالهم خيمت فيهم وما علموا ... إن المنايا لها في حيهم طنب
لكنهم قوم سوء طال عمرهم ... وقصروا في العلا هذا هو السبب
لو لم يكن خيهم والله يرحمه ... ما عاجلته المنايا وانقضى النحب
إنا فقدنا البقايا الصالحات به ... والصبر الويل والحرب
من للقوافي التي كانت محجبة ... إذا بدت وهي بالأحزان تنتقب
لقد سبتها المراثي في مناقبه ... ودمعها في انسجام هامل سرب
كأن كهف المعالي لم يكن أبداً ... للناس عوذاً إذا ما حلت الكرب
لم يبق في الأرض شيء بعده حسن ... إلا خلال له تعزى وتنتسب
لما دعاه إلى الفردوس خالقه ... لباه شوقاً وكادت مهجتي تثب
طافت عليه بها الولدان حاملة ... من اللجين كؤوساً ملؤها ضرب
والحور مذ جاءها قالت مؤرخة ... بشرى فقد جاءنا المقصود والأرب
وقال فيه أيضاً وقد سئل رثاه:
قالوا قضى حسن المناقب فارثه ... فأجبتهم ومدامعي تتحدر
لا أستطيع رثاء من لمصابه ... أضحى لساني في فمي يتعثر
وكانت وفاة هذا الهمام العلي القدر في رمضان كما تقدم سنة ألف ومائتين واثنتين وستين بداء الصدر رحمة الله عليه.
стр. 506
الشيخ حسن أفندي المعروف بالدرويش الموصلي
النجيب الأريب، واللبيب الأديب، أعجوبة الزمان، ونادرة الوقت والأوان، الذكي الألمعي، والسميدع اللوذعي، كان من أعجب العجائب في عصره، مميزاً شهيراً في مصره، طاف البلاد والنواحي، وجال في الممالك والضواحي، واطلع على عجائب المخلوقات، وعرف الكثير من الألسن واللغات، ويعتزي لكل قبيل، ويخالط كل جيل، فمرة ينتسب إلى فارس، وتارة إلى بني مكانس، ومرة ينتمي إلى هندستان وأخرى إلى أفغانستان، فكأنه المعني بما قيل، في غابر الأقاويل.
طوراً يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن رأيت معدياً فعدناني
هذا مع فصاحة لسان، وقوة جأش وجنان، والمشاركة في كل فن من الرياضيات، وطول الباع في المحاضرة والأدبيات، حتى يظن السامع كل الظن، أنه منفرد في ذلك الفن، وليس الأمر كذلك، وإنما قوة الفهم والحفظ والقابلية سلكته هذه المسالك، فحاز على رتبة الترقي، من غير حاجة إلى الأخذ والتلقي، وساعده انقراض أهل الفنون، فكاد أن يتكلم بما لا يفهمه الحاضرون، ومع ذلك يحفظ اصطلاحات الفن وأوضاع أهله، ويبرزه في ألفاظه ينمقها ويرونقها تدل على عدم جهله، ويذكر أسماء كتب مؤلفة وأشياخاً يستند إليها، يقل الوصول والاطلاع عليها، ولمعرفته باللغات خالط كل ملة، فيظن من خالطه أنه منهم من غير علة ويحفظ كثيراً من الشبه العقلية، والعقائد والبراهين الفلسفية، مع إهماله الواجبات الشرعية، والفرائض الدينية القطعية، وربما قلد كلام الملحدين، وشكوك الخارجين المارقين، وكثيراً ما كان يزلق في بعض المجالس، فيطلق لسانه بغلطات من ذلك ووساوس، فلذلك طعن الناس عليه في
стр. 507
الدين، وأدخلوه في فرقة الملحدين، وساءت فيه الظنون، وكثر عليه الطاعنون، وصرحوا بعد مماته بما كانوا يخفونه في حياته اتقاء لشره، وتباعداً من ضره، لأنه كان له تداخل عجيب في الأعيان، وذوي السلطان والشان، ومع ذوي الصولة، من كل دولة، ولم يزل يعلو ويسمو، ويعظم قدره وينمو، إلى أن أصابه مرض خفيف وكان له مجلس عظيم في قلعة مصر قد وضعته الدولة المصرية بها رئيساً على المتعلمين، فنزل من القلعة وافتصد وعاد، وعنده حنق على بعض المتعلمين فضربه بشدة فانحلت الرفادة وسال منه دم كثير فحم على أثر ذلك واستمر أياماً إلى أن توفي، ودفن في جامع السراج البلقيني بين السيارج، وعند ذلك زاد قول الشامتين وصرحوا بما كانوا يخفونه في حياته، فمنهم من يقول مات رئيس الملحدين، وآخر يقول انهدم ركن الزنادقة المارقين ونسبوا إليه أن عنده الذي ألفه ابن الراوندي لبعض اليهود، وسماه دافع القرآن، وأنه كان يقرأه ويعتقد به، وأخبروا بذلك رئيس الحكومة، فطلب كتبه فتصفحوها فلم يجدوا بها شيئاً من ذلك. وكانت وفاته يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الثانية سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف.
الشيخ حسن بن أحمد بن نعمة الله الحلبي الشافعي
الفقيه الفاضل، والعالم العامل، المقري الدين الناسك الصالح، أحد القراء المعروفين بجودة الحفظ والتلاوة والأداء الراجح. ولد في حلب سنة خمسين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه على عبد القادر المشاطي، وجمع القراءات السبع على طريق الشاطبية بالتلقين من شيخ القراء الشمس محمد بن مصطفى البصيري التلحاصدي، وأبي اليمن محمد بن طه العقاد، وأتقن وبرع وحفظ وسمع قصة من صحيح الإمام أبي عبد الله
стр. 508
محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي على أبي السعادات طه بن مهنا الجبريني وسمع البعض من الصحيح المذكور وبعض كتب الحديث على أبي اليمن المذكور، وعلى الشيخ علاء الدين محمد بن محمد الطيب المغربي المالكي الفاسي نزيل المدينة المنورة لما قدم حلب، وعقد مجلس السماع والتحديث بالجامع الأموي، وأجازه بالإجازة العامة مع من حضر، وتفقه على أبي محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري الشافعي، وأبي زكريا يحيى بن محمد المسالخي، وقرأ العربية على الشهاب أحمد بن محمد المخملي، وأبي محمد عبد الوهاب بن أحمد الأزهري المصري، وغيرهم. وكان يستقيم غالب أوقاته في الجامع الأموي في حلب، يتلو القرآن العظيم دراسة وتعليماً مع الديانة والصلاح. توفي سنة ألف ومائتين ونيف وعشرين.
الشيخ حسن بن عبد الرحمن الكليسي الحنفي أبو محمد
العالم الفاضل المتقن الأصولي المنطقي المفسر، الزاهد الورع التقي النقي المستبصر، مولده بكليس سنة ثمان وستين ومائة وألف، وقرأ بها القرآن العظيم، وبعض المقدمات على الشيخ أبي بكر البستاني، ثم اشتغل بالتحصيل والأخذ، فقرأ على أبي عبد الله محمد المرعشي النحو والصرف، وعلى الشيخ مصطفى اكسيوركي رسالة في المنطق، وأخرى في الآداب، وعلى فخر الدين عثمان المفتي الشهيد شرح الشمسية ورسالة في الآداب، ثم ارتحل إلى عنتاب، وقرأ بها على المحقق أبي حفص عمر بن محمد العنتابي الأوشاري البعض من كتب المنطق والمعاني والبيان ومصطلح الحديث والفقه، وقرأ على أبي عبد الله محد الضعيفي العنتابي حصة من تفسير البيضاوي، وحصة من الصحيح للإمام البخاري، وملتقى الأبحر لإبراهيم الحلبي، وعلى أبي الثنا محمود المقرىء المفتي حرز الأماني وختم عليه القرآن العظيم للسبع على طريق الشاطبية. ثم ارتحل إلى توقات وقيصرية وبهنسة، واشتغل على الفحول من علماء تلك البلاد، كالبرهان إبراهيم التوقاني، وأبي عفان
стр. 509
عثمان المفتي، والسراج عمر الخربوطي، وأبي عبد الله محمد بن الحسين الحجابي، وغيرهم. وقرأ الكتب المطولة في غالب العلوم والفنون، وقدم حلب وقرأ بها أكثر الصحيح للبخاري، وحصة من صحيح مسلم، ونخبة الفكر وحصة من تفسير القاضي البيضاوي، على أبي اليمن تاج الدين محمد بن طه بن محمد العقاد وسمع عليه وأجاز له، ودرس بحلب، وأقرأ واشتغل بالإفادة، ثم ولي تدريس المدرسة العثمانية ودرس بها، ولازمه جماعة. وكان من العلماء الأذكياء والفضلاء المشهورين، وقد اجتمع فيه بحلب سنة خمس ومائتين والف خليل أفندي المرادي مفتي دمشق الشام، وكل منهما قد أسمع الآخر من فوائده. ولم أقف على تاريخ موته ومحل دفنه.
السيد حسن بن أحمد بن أبي السعود محمد بن أحمد ابن محمد بن الحسن الحلبي الحنفي الشهير كأسلافه بالكواكبي الزهراوي الحسيني السيد الشريف بدر الدين
الفاضل الألمعي، والكامل اللوذعي، كعبة الأدباء، ونخبة العلماء، من اشتهر بالفضائل، وشهد له السادة الأفاضل.
مولده في ذي الحجة سنة ثلاث وستين ومائة وألف، ونشأ بكنف والده وقرأ ونبل، وأقبل على العلم حتى حصل، وكان له في الأدب والشعر
стр. 510
اليد الطولى، وتولى منصب الإفتاء العام من طرف السلطان في مدينة حلب، وكان حسن الأخلاق كريم الطباع، وكان له تردد عظيم ومحبة صافية مع العالم الشريف خليل أفندي المرادي مفتي دمشق الشام حينما كان في حلب. ولما مرض المترجم المرقوم وعاده خليل أفندي وكان قد أشرف على الصحة أنشده من لفظه لنفسه وذلك سنة خمس ومائتين وألف قوله:
قد كنت مضنى عليلا ... وصار جسمي نحيلا
وليس لي من طبيب ... يبري لدائي غليلا
فأنعم الله مولى ... بين الأنام خليلا
من خير أصل وفرع ... مفضلاً وأصيلا
من آل بيت المرادي ... مشرفاً وجليلا
أنعم به من كريم ... قد حاز مجداً أثيلا
أباؤه الغر قوم ... أوفوا الكمال الجزيلا
فكم لهم من سجايا ... تولى العطاء النزيلا
كانوا ملاذاً وذخراً ... لمن غدا مستنيلا
وبيننا إنتساب ... جيلاً وجيلاً وجيلا
وجدهم قطب وقت ... أعني المراد الجليلا
وإنه شيخ جدي ... به يؤم السبيلا
ونجله كان شيخاً ... لوالدي مستميلا
وأنت يا خير نجل ... أرجوك اذناً وقيلا
تحيي مآثر قوم ... شادوا العماد الطويلا
لا زلت غوثاً وغيثاً ... وبالأيادي همولا
وأنشد لنفسه أيضاً:
يا خليلي ومنيتي ومرادي ... طيب الأصل يا رفيع العماد
стр. 511
جامع الفضل والمحاسن طراً ... ذو بهاء وكامل في الوداد
حيث وافيت منزلي زال ما بي ... من عناء وطاب مني فؤادي
صانك الله من صروف الليالي ... وحماكم من أعين الحساد
لم تزل في سعادة وسرور ... ملجأ القاصدين من كل ناد
فكتب إليه خليل أفندي هذه الأبيات يمدحه ويثني على أسلافه، وأسمعه إياها من لفظه، وهي من لزوم ما لا يلزم:
مجد بني الزهراء والكواكبي ... يزاحم الجوزاء بالمناكب
ونسب علا لهم وغيرهم ... يفخر في بيت كما العناكب
لقد رقوا من العلا منازلاً ... تحسدها زواهر الكواكب
همو جمال الوقت لا زالوا به ... أعزة وزينة المواكب
حيا ربوعاً وحمى يضمهم ... من الحيا كل ملث ساكب
ومن نظمه أيضاً يمدح بني المرادي حين شرفوا إلى حلب:
حبذ حبذا تفاق الزمان ... بموافاة سادة العرفان
يا رعى الله يومنا حيث فيه ... شرفوا حيناً ونلنا الأماني
قادة شيدوا منار المعالي ... وعلاهم يعلو على كيوان
صفوة الشام بل هم الأنجم الزهر ... وأقمار ذروة الدوران
عن ثقات لقد سمعنا علاهم ... فعرفنا مصداقها بالعيان
هم مرادي وبغيتي ومرامي ... ثم قصوى بشائري وأماني
منهم سيد همام بهي ... كامل الذات غرة الأعيان
روح أنس ونزهة الدهر حقاً ... ذو صلاح وعابد الرحمن
خصه الله بالكمال مع اللطف ... وأولاه بالعلى والشأن
وكذا الفاضل الوقور علي ... من علا بالتقى وحذق البيان
стр. 512
جوهر خالص ودر نضيد ... فاق إجلاله على الأقران
إن أجاد النظام نذكر قساً ... أو أفاد العلوم كالنعمان
وكذا المصطفى الشقيق المصفى ... بارع الذهن حائز الافتنان
من له في العلوم ذوق وتوق ... وترق بها وصدق اللسان
وكذا الكامل الأديب سمي ... حسن الذات من بني الأسطواني
لا يزالون في نعيم من العيش ... مقيم على مدى الأزمان
فأجابه مجد الدين المرادي
حبذا حبذا بلوغ الأماني ... وبشير وافى بعقد الجمان
جاءنا مخبراً بأي سرور ... وحبانا وعمنا بالتهاني
نحمد الله صح جسم المعالي ... بدر أفق العلوم بحر المعاني
وبه أصبح الزمان معافى ... من سقام الكدور والأحزان
يا لها نعمة تعم البرايا ... غمرتنا باللطف والإحسان
أيها السيد الهمام المفدى ... معدن الفضل روح هذا الزمان
حسن الذات والصفات المسمى ... حسناً والكتاب كالعنوان
يا ابن قوم تزينت بحلاهم ... حلب وازدهت على البلدان
طلعوا في العلا كواكب علم ... وهمى جودهم بكل مكان
جمع الله فضلهم فيك حتى ... حزت ما عنه كل كل لسان
وملكت القلوب باللطف يهوى ... لك كالبيت كل قاص ودان
وسحرت العقول بالنظم مما ... فيه من رقة وحسن بيان
يا له مفحماً ولله عقد ... منه وافى يروق حور الجنان
ما ظننا من قبله النجم ينصا ... غ حلياً وزينة للحسان
حفظ الله حاذقاً صاغ هذا الشعر ... فضلاً يهدى إلى الإخوان
وكفاه شر الحسود وأبقى ... جاهه شامخاً على كيوان
стр. 513
بالغاً ما يروم والعيش صاف ... في نعيم وصحةٍ وأمان
مع أهلية والبنين خصوصاً ... وجميع الأحباب والخلان
ما حلا ذكره الجميل وغنت ... صادحات الحمام في الأفنان
وتوفي سنة ألف ومائتين ونيف وعشرين تقريباً رحمة الله تعالى عليه
الشيخ حسن بن عبد القادر بن مصطفى بن عبد القادر التادفي الشافعي
الشيخ أبو محمد الفقيه المقرىء، مولده بتادف سنة خمس وخمسين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه على أبي محمد عبد الرزاق المكتبي، وارتحل إلى حلب وتوطنها، وتفقه بأبي محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري وغيره، وكان صالحاً تقياً نقياً زاهداً عابداً ديناً كريماً، توفي ﵀ سنة ألف ومائتين و....
الشيخ حسن الهابط
المجذوب لمولاه، والمنقطع عما سوى الله، صاحب الكرامات الظاهرة، والخوارق العجيبة الباهرة، ولد سنة ألف ومائتين وعشرين، ونشأ في حجر
стр. 514
والده، وعلمه صنعة حياكة الحرير، ثم غلب عليه الجذب والسكوت وترك الحياكة، ولازم الساحة المعروفة، في ميدان الحصا بساحة الحمام، يعني حمام التوتة، وهذه الساحة قد دفن بها جملة من السادات المجاهدين، وبها قبورهم ظاهرة مشهورة مقصودة بالزيارة، غير أنه لم يعرف من أسماء أصحابها إلا الشيخ حرب والشيخ موسى، وكثير من الناس قد حفروا في تلك الساحة فوجدوا بعض المدفونين بها بحالهم، وعندهم بعض أسلحة من الطراز القديم، كالسيف والنشاب والدرقة، وإذا الإنسان مر بين قبورهم في ليل أو نهار يجد أنساً وروحانية وفرحاً وسرورا، نسأل الله تعالى أن يلهم أهل الحمام الذي في جوارهم صيانتهم واحترامهم من فرشي الزبل والأقذار التي يفرشونها بين قبورهم وعلى مدافنهم المدروسة فإن القبور تصان لا تبتذل وتهان، خصوصاً قبور السادة المجاهدين في سبيل الله، فإن من آذاهم وإن أمهل لا يهمل، نسأل الله الحماية، والحفظ والوقاية ثم نرجع إلى المترجم فإنه رضي الله تعالى عنه كان ملازماً للوقوف في هذه الساحة، ويتردد بها قليلاً ولا يخرج عنها، وكان في أيام الشتاء والبرد ينزل عليه المطر الغزير والثلج الذي ربما يرتفع على الأرض ذراعاًن ولا يتظلل ولا ينتقل، حتى أنه مرة كان واقفاً فنزل الثلج وكثر، فجلس على الأرض وجلل عليه الثلج حتى ستره بالكلية، فتفقده الناس فلم يجدوه، ففتشوا عليه فوجدوه مستوراً في الثلج، فحينما وجدوه وأزاحوا الثلج عنه خرج البخار من عنده، وكأن محله فيه نار، ولما نظروا إليه وجدوه ضاحكاً باسماً يتكلم بكلام لا يعرفونه ولا يفهمونه، لأنه كان يهمس في الكلام همسا، وكان لا يلبس على جسمه سوى قميص وبوظية من الصوف، وكان إذا أظهر المحبة إلى إنسان شمه بأنفه،
стр. 515
وكان دائماً نظره إلى الأرض مطرقاً برأسه يدور في محله ويتردد، كأنه محتار مدهوش واقع في مهم عظيم. وفي سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، حينما طلب السلطان عبد المجيد والدي ودعاه إلى ختان أولاده، فكانت المكاتيب من والدي إلينا متواصلة، إلى أن انقطعت عنا المكاتيب مدة طويلة، فصعب علينا الأمر، وانشغلت أفكارنا وكثرت التأويلات في هذا الأمر من الناس، فحصل عندنا جزع عظيم، فخرجت من دارنا إلى الجامع المعروف بجامع الدقاق في الميدان الذي هو في محل إقامتنا وصلاتنا وقراءتنا، وكان اليوم يوم خميس ونحن في غاية الضيق، فوجدت المترجم يتردد أمام حجرة والدي، ولم يكن له عادة في الانتقال من الساحة المتقدمة، فاستغربت الأمر كثيراً، وعرفت أنه ما كان ذلك إلا لحكمة، فتقدمت إليه وسألته، فقال بلسان فصيح يأتي الشيخ يوم الأحد، فقلت له وأي واحد؟ فقال يوم الأحد، فكررت عليه وهو لا يزيد عن ذلك، ففي ثاني يوم صباحاً ورد علينا المكتوب من بيروت بحضوره إليها، وكان وصوله إلينا يوم الأحد كما قال المترجم. وكان كثيراً ما تأتي إليه جملة من أكابر المجاذيب ليلاً، فيجلسون عنده ويتذاكرون معه، وإذا مر عليهم أحد سكتوا عن الكلام إلى أن يبعد عنهم، ورؤوسهم متدانية بعضها من بعض، خوفاً من أن يسمعهم أحد. وأما صغار المجاذيب فإنهم لا قدرة لهم على المرور من محلته، حتى لو جرهم أحد يتمنعون من مطانعته، ويظهرون الخوف والتباعد، ومع حالته ﵁ وعدم كلامه كان جمالياً لا جلالياً، يأنس الإنسان به، وليس له حالة فظيعة ولا مسبة ولا كلام بشتمٍ ولا غيره، كما يحصل من بعض المجاذيب، بل كان يسكت عند كلام الناس ولا يجاوب أحداً إلا في بعض الأوقات، إذا كان السرور متجلياً عليه. ولم يزل على حاله إلى أن توفي عاشر ربيع الأول سنة ست وسبعين ومائتين وألف
стр. 516
ودفن في جبانة باب الله.
السيد الشيخ حسن أفندي بن السيد سليم الدجاني الحنفي اليافي المتصل نسبه بالسيد المصطفى ﷺ
العالم الأديب، والنحرير الأريب، والهمام الفاضل، والإمام العامل، حبر العلوم العقلية والنقلية، وبحر درر المنظوم والمنثور والمعارف السنية، المتفنن في اللغات الثلاث العربية والفارسية والتركية، والمعتمد عليه في أمانة الفتوى الشرعية.
ولد في مدينة يافا سنة ألف ومائتين وحدود الثلاثين، ونشأ في حجر والده وقرأ عليه بعض الفنون، ثم انتقل إلى الجامع الأزهر المصون، فحضر دروس السادة الأكابر، إلى أن صار يفتخر به الحاضر على الغابر، ثم عاد بعد التكمل، ونال في محله أرفع مقام جليل، إلى أن ولي بيافة المحروسة أمانة الفتوى ذات البها، وكانت لا تليق إلا له ولا يليق إلا لها. ولقد اجتمعت به عام توجهي إلى الرحاب القدسية، لزيارة الأماكن العلية، فقطعنا مدة إقامتنا في يافا في مذاكرات علمية، ومطارحات أدبية.
من كل معنى يكاد الميت يفهمه ... حساً ويعشقه القرطاس والقلم
فكنا تارة نتذاكر في أخبار من سلف، وتارة نتفاكه في بدائع الملح والطرف، وآونة نجول في معاني المسائل الشرعية، وآونة في معاني الأحاديث والآيات القرآنية، وسأل مني عن المعرفة في الربع المجيب والمقنطر، وأخبرني أنه قرأ المجيب لا المقنطر فطالعته معه أياماً ولم
стр. 517
نقض من التكميل الوطر، لأنه قد ضاق الوقت ونحن على جناح السفر، غير أنه حصل عنده إلمام، يقتدر به على تحصيل المرام. وكان جسوراً حسن الأخلاق، حقيقاً باللطف والوفاق، جميل الذات كامل الصفات، عفيفاً زاهداً، ورعاً عابداً، متحرياً للصواب، في السؤال والجواب، محبوباً عند الناس، مجلسه لا يمل لما فيه من الملاطفة والإيناس، لين الجانب متواضعاً، متذللاً لمولاه خاضعاً، حسن الأوصاف، متواصل الأضياف، له شهرة حسنة، وآثار مستحسنة، وجاه عال رفيع، وقدر سام بديع، وجلالة في القلوب، وهيبة فوق المطلوب والمرغوب، وهيئة تشهد له بفضله وعلاه، وهمة سامية تفضي له بأنه زينة الكمال وحلاه، ولما توجه حضرة العالم الأفخم، والصدر الأبهى الأعظم، سيدي الإمام الأمير السيد عبد القادر بن السيد محي الدين الجزائري إلى بيت المقدس الشريف للزيارة مر في طريقه على مدينة يافا، ونزل في دار العالم العامل الشهير الشيخ حسين الدجاني، فقدم أخوه المترجم المرقوم لحضرة الأمير السيد عبد القادر هذه القصيدة وهي:
عهدنا بغرب مطلع البدر مشرقا ... وإنا نراه الآن قد لاح مشرقا
وللغرب أصل الفضل إذ هو مطلع ... وإن يك ذاك البدر في الشرق أشرقا
رعى الله بدراً قد سرى يحمد السرى ... إلى الحرم القدسي وهام تشوقا
فلله من يوم به وصل الهنا ... وجاد بشير الأنس بالوصل واللقا
وأشرقت الدنيا بطلعته التي ... بدت شمس حن نورها قد تألقا
بروحي أفدي من علقت بحبه ... وأضحى إليه اللب بالرهن موثقا
سما في سما العليا كمالاً وبهجة ... ولطفاً وظرفاً فوق عرش البها ارتقى
لطلعته تعزى المحامد مثلما ... لحضرة محي الدين حمدي تحققا
ومرآه عيد للتهاني كمقدم ... لمولاي عبد القادر السامي مرتقى
إمام محاريب الأفاضل جامع ... لكل كمال في الأنام تفرقا
همام بيوم الحرب أثنت حرابه ... عليه وفي المحراب أضحى موفقا
стр. 518
طويل نجاد وافر الفضل كامل ... بسيط الندى قد فاق فهماً ومنطقا
وما هو إلا سيد وابن سيد ... له المحتد العالي من الدر منتقى
مليك إذا ما أم ساحة جوده ... أسير العنا في الحال من وأعتقا
حوى البأس والمعروف والمجد والذكا ... وحاز المعالي والمكارم والتقى
ولا عيب فيه غير أن عطاءه ... أبان لعجز الشكر لما تفتقا
سل الصارم الهندي عنه فإنه ... يحدث عن فضل به الضد صدقا
وليس لماضي عزمه من مضارع ... لعليائه الأمر انتهى وتعلقا
زهت جلق مذ رامها منزلاً له ... فزد من بروج البدر في العد جلقا
وأضحت دمشق مذ أناخ بسوحها ... كجنة خلد نشرها قد تعبقا
وكنا سمعنا من مآثر فضله ... فهمنا على حب السماع تعشقا
فكان عياناً فوق ما وصفوا لنا ... وشاهدت فرداً بالكمال تخلقا
وحاشاه أن أحصي بمدحي نعوته ... وهل يحص ودق في البرية أغدقا
وما الشعر من دأبي ولا أنا أهله ... وإن أك أحياناً به متعلقا
ولكن أياديه التي عم فضلها ... وحبي لآل المصطفى العروة الوثقى
دعاني إلى هذا القريض وإنني ... مقر بتقصير به أطلب العتقا
أمولاي محي الدين والسيد الذي ... على فضله الإجماع قام وأطبقا
هنيئاً هنيئاً بالقدوم الذي به ... لقد أقبل الإقبال واستدبر الشقا
ووافى الوفا يافا بكم وتشرفا ... وفاقت على الأمصار فخراً ورونقا
فبشراك يا بدر العلا بزيارة ... بها فتح تقريب لما كان مغلقا
ولا زلت في أوج السيادة راقياً ... ودام لك الإسعاد والعز والبقا
وهاك عروساً في مديحك قد حلت ... بحلي ثناكم جيدها قد تمنطقا
على خجل وافت تؤم رحابكم ... فمن عليها بالقبول تصدقا
стр. 519
وصل وسلم يا إلهي تكرماً ... على المصطفى خير الخليقة مطلقا
وآل كرام ثم أصحاب هديه ... مدى الدهر ما غصن المسرة أورقا
وما حسن نجل الدجاني قد شدا ... وقال يهنى من كنجم السهى رقى
وأضحى بيمن بالقدوم مؤرخاً ... إلى المسجد الأقصى سرى يطلب التقى
ثم قدمها إليه فحظيت منه بالقبول، ونالت من الالتفات غاية المأمول، وكان حضرة الأمير يعظم المترجم ويظهر له الحب والوداد، لما كان منطوياً عليه من الأدب واللطف وحسن المذاكرة والمحاضرة وفصاحة اللسان وحسن الهيئة وجمال الخصال الممدوحة.
وفي منتصف شوال سنة ألف ومائتين وأربع وسبعين توجه مع أخيه المرحوم العلامة الشيخ حسين الدجاني مفتي يافا إلى الحجاز وقبل توجههما نظم أخوه قصيدة يطلب بها الإذن من حضرة النبي ﷺ بالحج وأولها:
يا طائر البان خذ مني مراسلة ... لروضة قد حواها أشرف الرسل
وقد شطرها المترجم وذيلها ونص الذيل قوله:
يا كعبة الجود يا شمس الوجود ويا ... بدر الشهود على علياك متكلي
بالله خذ بيدي عطفاً ومن على ... عبد مشوق قليل الحول والحيل
فارحمه يا رحمة الدارين يا سندي ... وكن شفيعي يوم العرض من خجلي
أرجو الوصال فقد طال المدى ولقد ... قل اصطباري ووجدي غير منفصل
لناظم الأصل مفتي العصر جد وعلى ... أخيه وهو أبو الإقبال يا أملي
وله تشطير بيتي أخيه الموجودين في ترجمته بعد هذه الترجمة، وله أبيات كثيرة، وقصائد شهيرة، موجودة في ديوان شعره، المحتوي على
стр. 520
نظمه وبعض من غرر نثره، وإذا أردت الإطالة فيما له من المناقب والآثار، والفضائل وجميل الأخبار، خرجت عن المطلوب من الاختصار، عليه رحمة العزيز الغفار، مات سنة ألف ومائتين ونيف وتسعين ودفن في مقبرة يافا وقبره ظاهر مشهور يزار ويتبرك بزيارته.
الشريف الحسن بن علي البدري العوضي
السيد الأفضل، والسند الأكمل، المقري بن المقري، والفهامة الذي بكل فن يدري، والبدر الذي أضاء في ليالي العرفان، والصدر الذي أوضح دقائق المشكلات بإتقان، فلله دره من فاضل أبرز درر اللطائف من كنوزها، وكامل كشف عن محيا الطرائف لثام رموزها، فأظهر الأنفس من نفيسها، وجنى ثمار حكمها من افنان غريسها، ولعمري إنه بذلك جدير وحقيق، كيف لا وهو الهمام الذي به كل مدح يليق. ربي في حجر والده المصون، وحفظ القرآن والمتون، وأتقن القراءات الأربع عشرة، وحضر أشياخ الوقت وأنجب، وقرأ الدروس ونظم الشعر وأطرب وأغرب، وشهد له الفضلاء، والسادة العلماء، وله ديوان مشهور بين الناس، قد امتدح فيه العلماء والأعيان الأكياس، وبينه وبين الصلاي وقاسم بن عطا الله مطارحات أدبية، ومذاكرات شعرية ونثرية، ومن مطارحات العالم العلامة، والجهبذ الفهامة، الشيخ محمد الأمير، ذي الفضل الشهير، للمترجم قوله:
حي الفقيه الشافعي وقل له ... ما ذلك الحكم الذي يستغرب
نجس عفواً عنه ولو خالطه ... نجس فإن العفو باق يصحب
وإذا طرا بدل النجاسة طاهر ... لا عفو يا أهل الذكاء تعجبوا
فأجابه المترجم بقوله:
حييت إذ حييتنا وسألتنا ... مستغرباً من حيث لا يستغرب
стр. 521
العفو عن نجس عراه مثله ... من جنسه لا مطلقاً فاستوعبوا
والشيء ليس يصان عن أمثاله ... لكنه للأجنبي يجنب
وأراك قد أطلقت ما قد قيدوا ... وهو العجيب وفهم ذلك أعجب
ومن نظمه مؤرخاً لمولد السادات بني الوفا قوله:
قصدناكم فأتينا عليكم ... بأجمل مدحة وأجل صيغة
وشاهدنا الذي جددتموه ... فأرخنا موالدكم بليغه
وله في مدائح الأستاذ أبي الأنوار بن وفا قصائد طنانة وغير ذلك، وهو كثير مذكور في ديوانه. وله أيضاً تآليف وتقييدات وتحقيقات ورسائل في فنون شتى، ورسالة بليغة في قوله تعالى " أستكبرت أم كنت من العالين " وكان الباعث له على تأليفها مناقشة حصلت بينه وبين الشيخ أحمد يونس الخليفي في تفسير الآية بمجلس علي بك الدفتر دار، فظهر بها على الشيخ المذكور، وأجازه الأمير المذكور، بأن رتب له تدريساً بالمشهد الحسيني، ورتب له معلوماً بوقته، وقدر له كل يوم عشرة أنصاف فضة يستغلها من جانب الوقف في كل شهر، واستمر يقبضها حتى مات، في شعبان سنة أربع عشرة ومائتين وألف، ولم يخلف بعده مثله في معارفه وعوارفه.
السيد حسن حسني بن السيد محمد بن السيد إسماعيل ابن السيد محمد بن السيد درويش بن السيد عبد الله الأعرج الموصلي سكناً وموطناً وولادة المدني أصلاً ينتهي نسبه إلى النبي ﷺ القاضي العام بدمشق الشام
عالم الأوان ومصنفه، ومقرظ البيان ومشنفه، بتآليف كأنها
стр. 522
الخرائد وتصانيف أبهى من القلائد، حلى بها من الزمان جيداً عاطلاً، وأرسل بها غمام الإحسان هاطلاً، ووضعها في فنون مختلفة وأنواع، وأقطعها ما شاء من إتقان وإبداع، واستوى من الأدب على أعلاه، وخاض لجوده حتى وصل إلى منتهاه، فلا غرو أنه قطب مدار العلوم، وفلك إشراق المنطوق والمفهوم، وإرشاد طريق الهدى، وميدان الحلم والندى، ولد سنة ألف ومائتين وثمان وأربعين ونشأ في حجر والده، وما زال من حين صباه مكباً على الطلب حتى أولاه من الفضل ما أولاه، دعاه منصب القضاء لهامهه تاجا، ورعاه لكل فضيلة سبيلاً ومنهاجا، وفي سنة ألف وثلاثمائة وأربع في محرم الحرام، زاد الشام فضلاً بتشريفه متقلداً بقلادة القضاء العام، فاعترف بفضله الأفاضل، وأقروا اتصافه بأنواع الفضائل.
وله من التآليف الحسنة، والتصانيف المستحسنة، شرح الرائية، في الحضرة الطائية، وشرح البرهان في المنطق، وله التفسير المسمى بفتح الرحمن بتفسير القرآن، كتب فيه مجلدين إلى سورة الأنعام، أحسن الله له البدء والختام، وله كتب أخر ورسائل، تدل على أنه من أجل ذوي الفضائل والفواضل، وحينما اطلعت على تفسيره، وأمعنت النظر والفكر في معاني تقريره، وجدته التفسير الوحيد، يحق له أن يكون من منظوم التفاسير بيت القصيد، وقد كتب عليه تقريظاً أئمة عظام، وسادات كرام، وكنت فهمت من تلويح مؤلفه، ومنمقه ومصنفه، أن أكون داخلاً في عدادهم وإن كنت أحقر إنسان محسوب من آحادهم، فامتثلت الأمر وكتبت، وعلى الله توكلت: بسم الله الرحمن الرحيم، حمداً لمن سرح عيون القلوب، في رياض رياحين الغيوب، وكشف عن محيا مخدرات معاني القرآن، حجاب الستر حتى برزت للشهود والعيان، فتجلت لها من مكنون الخيام عرائسها،
стр. 523
وبرزت من مصون الخدر نفائسها، مطوقة الجيد بنظيم العقود، متحلية بلباس قديم الألفاظ الفارقة بين الشاهد والمشهود، وصلاة وسلاماً على المؤيد بمعجزات تتلى، على ممر الدهور لا تخلق ولا تبلى، فلم تصل إلى لمسها يد فكر عن التمسك بالحق حائدة، ولم يتطرق إليها سنان ألسنة لقبيح الطعن رائدة، بل حميت حديقتها بحصون القول المصون، " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " فتمنعت بجيوش صولة الإعجاز، عن رؤية جاهل لا يفرق بين الحقيقة والمجاز، وعلى آله الذين مهدوا منهاج البلاغة، وأصحابه الذين امتثلوا أوامره وصدقوا بلاغه، وعلى التابعين وأتباعهم الكرام، إلى قيام الساعة وحشر الأنام.
أما بعد فإن روض الكلام القديم لا تزال أفنانه تترنح بنسمات القبول، وثمرات أدواحه لا يعتري نضارتها مدى الدهر ذبول، وتلاوة آياته أشرف عبادة وأجل طاعة، وخدمته على كل حال لذوي العرفان أجل بضاعة، بيد أنه لا يتيسر لكل إنسان الدخول لحرم فهم آياته، ولا يرتقي معانيه لمعالي معانيه ومجالي مرآته، إلا بشرح يشرح القلب والخاطر، ويجلو غين الأغيار عن عيون البصائر، فلذلك شمر عن ساعد الجد والاجتهاد، وحسر ذيل العوائق عن الوصول إلى أوج المراد، حضرة المتحلي بحلية الفضائل، والمتخلي عما لا يعد من أكمل الشمائل، جمال العلوم والمعارف، المتفيء ظل ظليلها الوارف، من أشرقت بسنا علومه مطالع بروجه، واشتهر في الأقطار ارتقاؤه على مدارج عروجه، المولى الهمام، عمدة العلماء الأعلام، فخري زاده السيد حسن حسني أفندي قاضي الشام، بلغه الله في الدارين المراد والمرام، فكتب من التفسير إلى سورة الأنعام، وذكر ما يشهد له بأنه قد أولى الناس منه وإنعام، ولعمري قد رمى قلوب حساده بشرر كالقصر، ونشر
стр. 524
أعلام فضله على هام علاه فهي تخفق بالنصر، كيف لا وقد كان استمداده من فيض فتح الرحمن، واستيفاؤه من بحر الوارد والإلهام والتنوير والوجدان، فلذا كان هذا التفسير في التحقيق بيت القصيد من ديوان التفاسير، يحسن صرف نقد العمر في اقتناء ما أودع فيه من أجل التحابير، ويحق له أن يذكر، ويثني عليه ويشكر، ولسان حاله يخاطب موافيه، وينادي علناً بملء فيه:
وأولاك الجميل بغير مطل ... وعن وجه الندى رفع الحجابا
وبل ثراك بالجدوى فحق ... عليك تصير التقريظ دابا
فلله تفسي جمع ما هو لطرف الدهر حور، ولجيد العصر عقد يزدرى بفرائد الدرر:
فتح الرحمن له تحنو ... مهج العلماء مدى الزمن
تفسير راق ورق وفا ... ق وجاء على أعلى سنن
إن كان فريداً لا عجب ... لا ينكر حسن عن حسن
لا زال مؤلفه يسدي ... من يممه أوفى المنن
أدام الله إشراق فجر مجده، وإبراق لوامع طوالع سعده، وأدام به نفع العباد، وحسم بقواطع حججه هام الأضداد والحساد، ما تلا الفاتحة إمام، وختم بالثناء والصلاة والسلام، وحرر خامس ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وأربع، بقلم الفقير أحقر الورى عبد الرزاق بن حسن البيطار، عفا عنهما الملك الغفار اه. ثم إن المترجم المذكور له نظم بديع، ونثر رائق رفيع، وقد أسمعني حفظه الله جملة من قوله، منه:
وقائلة هل علاك الشيب من كبر ... أم من هموم توالت ما لها طب
أجبتها من بني الأوغاد ما حملت ... أكبادنا من كلام أسرع الشيب
ومنها في معرض التبريك لوصفي أفندي باشا كاتب شورى الدولة:
ومنحك نيشان المجيدي ثانيا ... دليل على مجد حوى الصدر أرفع
стр. 525
فصدرك وصفي بالكمال مرصع ... علي لنيشان الفضائل موضع
ومنه في ذم وان، وقد مكث بها في منصب القضا:
سائلي عن بلد وليتها ... كيف كانت نسبة بين المضر
إن ترم شرحاً لوانٍ موجزاً ... دار جهل وفسوق وكفر
ومن جملة ما أسمعني حفظه الله من نظمه، وكان قد قدمه للحضرة السلطانية، قوله:
قلوص تخب البيد من أرض موصل ... إلى موصل الآمال يبغي هجوعها
وتسكن إن وافت بروجاً ترفعت ... بأبصار قصر شاد سمكاً يروعها
فيحلو بها مر الفيافي لراكب ... وثيق بمهطال يروي ربوعها
وتذهله النعماء عن حب موطن ... تصورها يهدي إليه بديعها
بقسطنطينة الدنيا وسرة أرضها ... يضيء له قصد السرى ولموعها
للثم أياد للخليفة أصبحت ... أياد على العافين يسدى صنيعها
وأعتاب سلطان سرادق ملكه ... يباهي بها سمك السماء ضلوعها
أمير لكل المسلمين ومالك ... رقاب الملا عقداً حباه رفيعها
حميد المزايا مجده بلغ السهى ... وشمس علاه أبهرتنا سطوعها
يبصر غاويها المحجة هديه ... ويشكر نعماه التقي مطيعها
بإشفاقه الأرحام توصل في الورى ... بأيد أياديها يروق مريعها
وننيران ظلم كاد يسطو لهيبها ... بعدل أراه الناس كان هجوعها
جنى الدهر أنواع الرزايا فأظلمت ... عن الملة البيضاء وبانت صدوعها
فقام لحل المعضلات بهمة ... يضاهي الجبال الراسيات منيعها
فدام له شكر الأنام لراحة ... براحته العليا أعيد زموعها
стр. 526
فإنك ظل الله في الناس قائم ... على شرعة المختار تحيا فروعها
وأجنادك الفرسان في حومة الوغى ... أسود كأمثال الجبال جموعها
وأجدادك الغر الكرام بجدهم ... أضاءت بها البلدان حقاً شموعها
وقد أكثروا فتح البلاد وأعمروا ... فأعلامهم في الحرب فاقت لموعها
لهم خدمة للدين من عهد فاتح ... وقبلاً وبعداً غير خاف صنيعها
فلا برح السلطان فاتح وقته ... حميداً على رغم الأعادي جميعها
ولا زال للعلم الشريف مرغباً ... لأهليه بالإحسان يدنو شسيعها
ولا برح الدين المبين بوقته ... كشمس وفي برج القلوب طلوعها
ولا انفكت الرايات تخفق نصرة ... كخفق قلوب الكافرين تريعها
أتيتك ظل الله شارح نسخة ... لبرهان ميزان فهان منيعها
هدية محتاج لأعتاب حضرة ... بإخلاص نفس اطمأنت ضلوعها
أرجي به فيضاً تعوده الورى ... لأحظى بألطاف نداكم يذيعها
وغب تشريفه إلى دمشق، قدم إلى حضرته صالح أفندي المنير هذه الأبيات:
بشرى دمشق بعدل ... يسمو بمصدر حق
قاضي القضاة الشريف ... الحسن خلق وخلق
علامة العصر حاوي ... أزكى صلاح ورفق
مذ جاء أنشدت بيتاً ... مؤرخاً قول صدق
الشرع نادى هناء ... حسني بدا بدمشق
وقلت مرونقاً شعري بمدحه، ومنورقاً نظامي بمنثور أوراق دوحه:
مال بي للوجد قلبي حين مال ... أهيف قد شب في حجر الدلال
ونسيم الفجر يثني عطفه ... لجنوب ويمين وشمال
مفرد في الحسن إلا أنه ... من سنا صدغيه قد ضاء الهلال
حينما يبسم خلت المبسما ... قفل مرجان على كنز اللآل
стр. 527
لو تراءى في الدياجي سافراً ... عن محيا قلت ذا بدر الكمال
صحت مذ أخفاه عني شعره ... كيف يخفى البدر في داجي الليال
ما صبا يوماً لصب مدنف ... قاده الوجد لسقم واعتدال
كم ليال بت أبكي عندما ... عندما أيقنت منه الاعتزال
كلما أشكو له فعل الجفا ... مستغيثاً بالوفا قال محال
وانثنى عني وولى معرضاً ... يتهادى بين تيه ودلال
ظن بالهجران سلواني له ... لا ومن سواه فرداً في الجمال
عاذلي دع عنك عذلي واسترح ... ليس يلويني عن الحب مقال
قد نأى قلبي ولبي في الهوى ... واصطباري ضل والهجران طال
فأتني حتى متى أشكو النوى ... عوض الهجران عطفاً بالوصال
ليت شعري ما كفاني في الهوى ... أن جسمي صار من غير خيال
قد رماه الهجر في ضنك الضنا ... واعتراه السقم حتى قيل زال
هل غرامي لملامي موجب ... واحتراقي فيك باقي لن يزال
من يلمني في هوى ريم رمى ... مهجتي ويلاه في أسوأ حال
هو عندي عادل مهما بدا ... منه من هجر وصد وملال
فاق كل الناس في الحسن كما ... فاق فضلاً حسنٌ قطب الكمال
شبل ممدوح الورى محمد ... من رقى أوج التقى في كل حال
يا له شبل على متن العلا ... قد علا خلقاً وخلقاً وجمال
بحر علم ما له من ساحل ... موجه يقذف دراً ولآل
طاهر من كل عيب سالم ... قد روى حلية أصحاب وآل
عنه أخبار المعاني حدثت ... أنه فرد الورى كنز النوال
стр. 528
عادل عن نهج جور عادل ... صادق اللهجة محمود الخصال
حاكم بالحق لا يلويه عن ... صدعه بالحق مال أو مقال
كيف لا وهو ابن من ساد الملا ... منقذ الغاوين من غي الضلال
دام في عز إلى يوم اللقا ... كاسياً ثوب فخار وجمال
مات المترجم ﵀ في الآستانة وكان مفتش الأوقات، في حدود الألف وثلاثمائة وستة عشر رحمه الله تعالى.
حسين أفندي بن علي أفندي المرادي مفتي دمشق الشام
عالم عامل، وإمام فاضل، ولد في دمشق سنة ألف ومائتين، وغب أن قرأ القرآن، وجوده على ذوي العرفان، أخذ عن عمه خليل أفندي، وعن السيد شاكر مقدم سعد، وعن غيرهم من علماء الشام، ذوي المناقب والشمائل والفضل التام، وقد تولى منصب الإفتاء عن استحقاق، ولم يزل إلى أن دعاه داعي الفراق إلى الرفاق، وكانت وفاته سنة ألف ومائتين وسبع وستين، ودفن في مدفن بني المرادي في دارهم في سوق صاروجا رحمه الله تعالى.
الشيخ حسين المعروف بابن الكاشف الدمياطي الرشيدي
العمدة النبيه، والفاضل الفقيه، تعلق بالعلم وانخلع من الأمرية والجندية، وحضر أشياخ زمانه، وعلماء وقته وأوانه، ولازم الشيخ عبد الله الشرقاوي،
стр. 529
وانتقل من مذهب الحنفية إلى الشافعية لملازمته لهم في المعقول والمنقول، وتلقى عن السيد مرتضى أسانيد الحديث والمسلسلات، وحفظ القرآن في بداية أمره برشيد، وجوده على السيد صديق، وحفظ شيئاً من المتون قبل مجيئه إلى مصر، وأكب على الاشتغال في الأزهر، وتزيا بزي الفقهاء بلبس العمامة والفرجية، وتصدر ودرس في الفقه والمعقول وغيرهما.
ولما وصل محمد باشا إلى ولاية مصر اجتمع عليه عند قلعة أبي قير فجعله إماماً له يصلي خلفه الأوقات وحضر معه إلى مصر، ولم يزل مواظباً على وظيفته، وانتفع بنسبته إليه واقتنى حصصاً وإقطاعات، وتقلد قضايا مناصب البلاد العظيمة، ويأخذ ممن يتولى عليهم الجعالات والهدايا، وأخذ أيضاً نظر وقف الأزبك وغيره، ولم يزل تحت نظره بعد انفصال محمد باشا خسرو، واستمر المذكور على القراءة والإقراء، حتى توفي أواخر سنة تسع وعشرين ومائتين وألف.
الشيخ حسين بن حسن الكتاني بن علي المنصوري الحنفي الأزهري
الفاضل المفضل، والكامل المبجل، عمدة العلماء الأعلام، ونخبة الأساتذة الكرام، تفقه على خاله الشيخ مصطفى بن سليمان المنصوري والشيخ محمد الدلجي والشيخ أحمد الفارسي والشيخ عمر الديركي والشيخ محمد المصيلحي، وأقرأ في فقه المذهب دروساً في محل جده لأمه في الأزهر. ولما كانت حادثة السيد عمر مكرم النقيب، نفوه من مصر إلى دمياط وكتبوا فيه عرضاً للدولة، وامتنع السيد أحمد الطحطاوي من الشهادة عليه في أمر ادعوا عليه به وهو يتبرأ منه وينكره، كما تعصبوا عليه وعزلوه من مشيخة الحنفية وقلدوها المترجم، فلم يزل يخدمها حتى مرض. وتوفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من المحرم سنة ثلاثين ومائتين وألف، وصلي عليه في الأزهر في جمعية عظيمة ودفن في تربة المجاورين رحمة الله علينا وعليه آمين.
стр. 530
الشيخ حسين المعروف بالرسامة الحنفي الدمشقي
العالم الإمام، والحبر الهمام، أحد العلماء الأعلام، ولد بدمشق ونشأ بها على العلم والعمل، مع التقوى والعبادة والتواضع والخشوع والوجل، وكان مستقيم الأوطار، جميل الأطوار، عاملاً بالسنة، ذا نفس مطمئنة، مات بدمشق سنة أربعين ومائتين وألف ودفن بباب الصغير. وكان إمام أهل الفرائض.
الشيخ حسين بن حسين بن محمد الدمشقي الحنفي العطار الشهير بالمدرس
ولد في دمشق الشام في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، وكان عالماً أستاذاً، وفاضلاً ملاذاً، تتقاطر مياه التقوى من وجهه ومحياه، ويشرق نور المصباح من مشكاة هداه، قد تردى بجلباب الذكاء والفهوم، وفتح له أوسع باب من حقائق العلوم، فهو العالم العامل الناجح، خاتمة السلف الصالح، الناهج منهج العلماء العاملين، والسالك في قويم طريق السادة المتقدمين، الورع الزاهد، والناسك العابد، والنحوي الفقيه، والمحدث اللغوي والمفسر النبيه، من يقتدى بآثاره، ويهتدى بأنواره، أخذ عن علامة الأقطار الشيخ عبد الرحمن الكزبري الكبير، وعن الشيخ محمد بن سليمان المدني، والعلامة إبراهيم الحلبي، والعلامة الجينيني، والعلامة علي بن محمد بن
следующие страницы →