← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بعض الحصون، خوفاً من هذه المضار، فخرج من بغداد وقد تزايد كربه، قائلاً " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه " وكان معه من جماعته نحو المائتين، ولم يزل إلى أن وصل إلى كركوك من غير ضرر ولا شين. وهناك راسل الدولة العلية، وأخبرها بما كان من سعيد باشا من الأفعال الدنية، وتضييع حقوق الدولة، ومعالمة الأعداء بما يوجب لهم كل قدر وصولة، وكشف لها عن سوء سياسته، وعن عكس معرفته وفراسته، وعن تقليده أزمة الممالك المهمة لأعراب البادية، أهل النهب والسلب والظلم واليد العادية. وكان للمترجم عبارات عالية، وأساليب في الكتابة سامية، وكان له اليد الطولى في التركية والفارسية والعربية، وله النظم والنثر والكتابة في هذه اللغات كلها على أتم حالة سنية، وكانت تشهد له الأفاضل بأنه إمام همام كامل، فلما وصلت رسالته إلى الدولة العلية، تحيروا من فصاحتها وبلاغتها وما اشتملت عليه من الأمور السياسية، فعلموا أن الذي يكتب مثل هذه التحريرات، ويسطر مثل هذه التسطيرات، هو الأحق والأحرى بالإسعاف والإسعاد، بالتولية على ولاية بغداد، فما كان من الدولة العلية إلا أنها بادرت بإرسال الفرمان، العالي الشان، الواجب الإطاعة على كل إنسان، إلى داود باشا ذي القدر المصان، ومضمونه عزل سعيد باشا عن تولية بغداد، وتولية داود باشا بدله على تلك البلاد. فلما وصل الفرمان إليه قرأه علناً على رؤوس ذوي الطاعة والشقاق، ثم أرسل صورته إلى حمود بن ثامر لأنه هو المقيم المقعد في أرض العراق، وذلك لأجل أن يعلم أن سعيد باشا قد فاته المرام، وترتفع عنه برؤية صورة الفرمان الشكوك والأوهام، خصوصاً وهو أكبر أعداء المترجم وأكبر أسباب الفاسد والمكر الذي تقدم. فلما وصلت صورة الفرمان إلى

стр. 597

حمود بن ثامر، طرحها على الأرض وأهملها إهمال المستهزىء الساخر. فتعجب قومه من إهماله ونبذ الطاعة، ونصحوه بأن أمر السلطان لا يلقى في أودية الإضاعة، ومخالفة أوامر الدولة أمرها وخيم، وخطرها عظيم، وأن الأمر منوط بك فسعيد باشا لا ينظر إلا إليك، ولا يعول في قبوله وعدمه إلا عليك، والأولى أن تنصحه بالقبول والطاعة وعدم القتال، لأن خصمه رجل مطاع ولو قدم على العراق بمفرده لأطاعه النساء والرجال، خصوصاً وقد حوى من العقل وحسن السياسة ووفور الخديعة والدهاء نصيباً عظيما، ومن الشجاعة والقوة وثبات الجنان حظاً جسيماً، فما بالك لو جر معه عسكراً من الأكراد، وقدم بهم وبغيرهم إلى بغداد، فهل يعارضه من أحد، مع أن الأهالي جميعاً يحبونه محبة الوالد للولد، فلما أكثر على حمود أعمامه وإخوانه وأولاده النصائح، رجع إلى رأيهم، وقال قد اعترفت أنه رأي صالح، وأرسل إلى سعيد باشا ونصحه بالطاعة وترك القتال، والانقياد لأوامر الدولة العلية والامتثال، فأبى سعيد باشا قبول هذا الكلام، وصغى إلى قول من أشار عليه بالعناد والخصام، وما قصدهم بالحرب إلا النهب وأخذ الأموال، وتخريب البلاد وقتل الرجال، فلما رأى حمود مخالفة سعيد باشا له عرف أنه لا طاقة له على مبارزة داود وأن من حسن له أمر المخالفة فقد حسن له المذموم لا المحمود، ففر من منزله ورجع إلى وطنه ومقره، وترك سعيد باشا يتقلب على فرش ضره. وتوجه داود باشا من الكركوك إلى بغداد، ومعه نحو الألفين من الأكراد، فخافته العباد، وهابته البلاد، فلما قرب من الزوراء، وقع بين الأهالي ثورة عظيمة وغوغاء، ومرادهم إخراج سعيد باشا بالتي هي أحسن، فدخل سعيد باشا القلعة وبها تحصن، فأرسل أهال بغداد لداود باشا بالدخول، وأنه هو حاكمهم وراعيهم والمحاسب عنهم والمسؤول.

стр. 598

فدخل بغداد بعد الظهر خامس ربيع الثاني سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، ووفد عليه العلماء والفضلاء وهنأه الأدباء والشعراء، لأنه هو الذي كان يعرف مقامهم، وينشر بين الناس أعلامهم، ويكرمهم غاية الإكرام، ويعاملهم بالإحسان والإنعام، فلما استقر في مركز الحكومة، خمدت الشرور والفتن، ورجع إلى الصواب من كان افتتن، وأمنت الطرقات وذهبت المخوفات، وارتاح أهل الكمال، وتعب ذوو الغرور والوبال، لعلمهم أنه ظهر الذي يعاقب المجرمين، ويحسن إلى المحسنين، فرفع أهل الفضائل والعلوم، ونفذ أوامر الدولة حسب الأمر المرسوم. وبعد استيلاء المترجم المرقوم على بغداد، قتل سعيد باشا الوزير السالف، وكان قتله على مراد الوزير داود باشا المترجم وبإشارته. وذكر الشيخ عثمان بن سند البصري أن حضرة العارف بالله الشيخ خالد الحضرة النقشبندي المتقدم الترجمة في حرف الخاء، قد مر على بغداد سنة تسع وثلاثين ومائتين وألف في أيام ولاية المترجم، فبلغ المترجم أن الشيخ المرقوم عليه ديون، فأمر بوفائها وكانت ثلاثين ألف غازي محمودي كبير، وصرفها الوالي دفعة واحدة، وهذا أمر نادر قل ما يوجد له نظير، وغب سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف تمت سلطنته، وتناهت قوته، وأطاعه جميع أهالي العراق من حاضره وباديه وكرده وعجمه، وقد تاقت نفسه لأن يكون سلطاناً مستقلاً، وقد جلب الصنائع والصناع إلى بغداد من أهل أوربا، بل ومن سائر الأقطار، وأخذ في أسباب التمدن والعمران، وأمر بصنعة المدافع والبنادق على الطراز الجديد، وشكل جيوشاً عسكرية منظمة بتعليمات مخصوصة اخترعها لهم، إلى أن بلغت جيوشه أكثر من مائة ألف، وبهذه الجيوش والاستعداد طمع في أنه يستولي على جميع آسية الصغرى والكبرى، وكان دائماً مطمع أنظاره الاستيلاء على بلاد العجم، وقد داخلهم الرعب

стр. 599

والخوف منه ومن جيوشه ومن تعليماتهم الغريبة الأشكال والأوضاع، ولكنه لم تساعده المقادير كما ساعدت محمد علي باشا على ولاية مصر، فإن داود باشا بينما هو في هذه الأبهة والسلطنة والاستقلال، والخروج عن طاعة الدولة العلية، إذ أرسل عليه السلطان محمود خان العثماني جيشاً نحو العشرين ألفاً، ورئيسهم علي باشا اللاظ، فلما قرب من بغداد ضحك داود باشا واستهزأ بهذا الجيش الضعيف الذي يريد أن يستولي على بغداد، فأخذه الغرور، فقال لو نرسل على هذا الجيش نساء بغداد لما يطيق مقاومتهن، إلا أن الوزير داود باشا لم يعلم ما هو مخبوء له في زوايا القدر، مما هو عبرة لمن اعتبر. فبينما هو مشتغل في جيوشه لمحاربة علي باشا اللاظ وأمله أسر جميع الجيش ثم الاستيلاء على ما وراءه، إذ دهمه الوباء الطاعوني داخل بغداد الذي أفنى أكثر أهلها، حتى قيل إنه كان يموت في كل يوم أكثر من عشرة آلاف نفس من داخل بغداد. مما هو عبرة لمن اعتبر. فبينما هو مشتغل في جيوشه لمحاربة علي باشا اللاظ وأمله أسر جميع الجيش ثم الاستيلاء على ما وراءه، إذ دهمه الوباء الطاعوني داخل بغداد الذي أفنى أكثر أهلها، حتى قيل إنه كان يموت في كل يوم أكثر من عشرة آلاف نفس من داخل بغداد. وأما جيش علي باشا اللاظ فإنه بتقدير الله تعالى لم يصبه شيء من ذلك الطاعون، وذلك تقدير العزيز العليم، وانقلب الفرح حزناً، واشتغل الصراخ في كل بيت من بيوت أهل بغداد إلا ما ندر. وقيل إن الذي مات بهذا الطاعون من أولاد داود باشا لصلبه أكثر من عشرة أولاد الذين يركبون الخيل، فانكسرت شوكته، وانحلت قوته، وداخله الهم، ولازمه الغم، وانحل عضده وانفل جيشه، البعض بالموت والبعض بالهرب والفرار، إلى البوادي والقفار، وذلك سنة ألف ومائتين وسبع وأربعين، فلما طلب علي باشا اللاظ، المحاربة معه لم يسعه إلا المصالحة، على أنه يسلم إلى علي باشا بغداد بما فيها، وداود باشا يرتحل إلى الآستانة ويستقيم بها، فسافر داود باشا إلى الآستانة واستقام بها إلى سنة ستين ومائتين وألف، وكان معظماً عند السلطان محمود، ثم عند ابنه السلطان عبد المجيد ورجال دولته لكبر سنه ولطول

стр. 600

زمانه في الوزارة مع كمال عقله، ووفور رأيه، حتى إن كسوته الرسمية يوم العيد مكتوب على صدرها شيخ الوزراء بالطراز الملوكاني المذهب، لأن هذا كان لقبه خاصة، ثم إن السلطان عبد المجيد أرسله سنة ستين ومائتين وألف شيخاً على الحرم النبوي، فاشتغل هناك في العبادة، وتفرغ لها فوق العادة، وكان مرجع الخاص والعام، فيما يشكل على العلماء الأعلام، وقرأ بها للطلبة كثيراً من الكتب والفنون النادرة، وانتفع به العموم فيما يتعلق بدنياهم والآخرة. وفي سنة سبع وستين ومائتين وألف ذهبت مع والدي إلى الحجاز الشريف، فاجتمعت مع والدي به في المدينة الشريفة، وكان رجلاً كبيراً مهاباً عليه سيما الفضل والصلاح، وله خضوع وذل وسكينة وتواضع. وكان يمضي بينه وبين والدي الوقت الطويل في المذاكرة، وقد تبركت به وبدعواته. وفي ليلة عاشوراء حين قراءة المولد النبوي الشريف بين العشائين أمرني والدي بقراءة عشر من القرآن، وكان المسجد قد غص بأهله، وكان قد حضره كذلك المترجم المذكور، وكان جلوسه بجانب والدي في الجهة الشمالية من الحرم الشريف متوجهين إلى القبلة، فغب قراءة العشر وإتمام المولد قبلت يده، فدعا لي وبش في وجهي وأظهر لي الالتفات والمحبة، وكان قد أخبر أن مراده أن يفتح مدرسة بأمر الدولة في المدينة للإفادة والاستفادة في سائر العلوم والفنون، ولكن اخترمته المنية قبل تمكنه من ذلك في تلك السنة، وهي سنة سبع وستين ومائتين وألف، ودفن في البقيع الشريف تجاه قبة سيدنا عثمان بن عفان ﵁، وأمر أن لا يبنى عليه تابوت ولا قبة اتباعاً للسنة، فجعلوا له شباكاً من الحديد حول قبره. ومن آثاره بالمدينة البستان المعروف بالداودية خارج المدينة، بقرب سيدنا محمد الزكي عند منهل العين الزرقاء. ولما أتم بناءه وغرسه أرخه شاعر العراق بالاتفاق الشيخ صالح التميمي بقصيدة، وجعل آخرها

стр. 601

تاريخاً، وهو قوله: تاريخه غرسه فأعجب داود باشا وأعطاه جائزة ألف ريال، كانت هكذا سماحته وقد مدحه الشاعر اللبيب، والناثر الأديب السيد عبد الباقي العمري، بمدحية غريبة، وقصيدة عجيبة، ملتزماً بها لفظه الخال باختلاف معانيها فقال: إلى الروم أصبو كلما أومض الخال ... فأسكب دمعاً دون تسكابه الخال وعن مدح داود وطيب ثنائه ... فلا القد يثنيني ولا الخد والخال مشير إلى العليا أشار فطأطأت ... وأصبح مندكاً لهيبته الخال مناصبها انقادت لأعتاب بابه ... كما انقاد مرتاحاً إلى العطن الخال وقد نالها إذ أوتي الحكم حكمة ... إلهية فصل الخطاب لها خال مليك ملاك الأمر والنهي كله ... إليه انتهى والحكم في الأرض والخال حكى نهر طالوت ببسطة علمه ... وفي فضله ذاك الفتى الماجد الخال توسم عرافاً بسيماه دهره ... فخوله النعمى وما كذب الخال وصدق فيه ما تخيله النهى ... وفيما سواه قل ما يصدق الخال فيا لرجال من علاه تفرسوا ... أغر عليه من نسيج العلا خال إذا اعتركت أراؤهم عرضت لهم ... كتائب رأي من نهاه لها خال عصامي نفس سودته جدوده ... فلا الجد يجديه ولا العم والخال له العلم خدن والكمال منادم ... وحسن السجايا والحجا الخل والخال هو الصدر منه القلب كالصخر في الوغى ... إذا طاش في غلوائها الوكل الخال ودهم الليالي إن تمادى جماحها ... فهمته الكبرى الشكيمة والخال

стр. 602

توهم قوم أن يجاروه في العلا ... فلم يجدهم ذاك التفكر والخال يشق على من لا يشق غباره ... رهان الذي عن شوطه عاقه الخال عفا الله عنه قد عفت بعد بعده ... من البلدة الزورا المعالم والخال وهيهات ما دار الرصافة بعده ... وما الكرخ إلا السبسب القفر والخال ولكن بهذا العصر أمست كجنة ... بها تتباهى ربوة الشام والخال ورضوانها اليوم النجيب مشيرها ... يحافظها مولى عليها هو الخال عظيم وقالوا لو تراءى ليذبل ... تصاغر منحطاً وطاوله الخال حماها حماه الله من كل ريبة ... تشين علاه فهو من ريبة خال فلا زال كل منهما طود رفعة ... يلوح عليه مع تواضعه الخال وإني وإن كنت الرديف نظامه ... لمسبوقة حسن الروي لها الخال فذي معجزاتي ما أرى ابن كرامة ... يعارضها حتى يصاحبه الخال

стр. 603

حرف الدال الشيخ داود بن أحمد بن إسماعيل المعري ثم الحلبي الحنفي أبو سليمان سيف الدين الأكمه العالم الذي تهلل به محيا العالم بهجة وسروراً، وتجمل به جيد الدهر فكان له فرحة وحبورا، ذو النجدة والمروة، والمجد والفتوة، من سجعت بمحاسنه حمائم شمائله، ولمعت من سماء مكارمه بوارق فضائله، فبهر الأنام بأخلاقه الرضية، واشتمل بما لبسه من الكمال على كل منقبة جلية، وله من محاسن الكلام ما تشربه أفواه المسامع، ومن بديع النثر والنظام ما يزري ببدائه البدائع. ولد هذا الهمام والجهبذ الإمام بمعرة النعمان، سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف، من هجرة سيد ولد عدنان، ثم بعد أن قرأ القرآن وأتمه، وجوده على القراء الأئمة، دخل مدينة حلب وأكب بها على التحصيل والطلب، وأخذ عن جماعة أفاضل، قد اشتهروا بالمناقب والفضائل. منهم العلامة عبد الرحمن بن مصطفى البكفالوني، وأبو الثناء محمود بن شعبان البزستاني، والنور علي بن أحمد الدابقي، ومحمد الحلبي بن علي الأنطاكي المفتي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم الطرابلوسي المفتي، والسيد حسن بن شعبان السرمينين وأبو عبد الله محمد بن محمد الأنطاكي، وأبو العدل قاسم بن محمد البكرجي، وغيرهم من العلاء الأعلام، والسادات العظام، وأجازوه بما تجوز لهم روايته، وتصح لهم درايته، ودخل دمشق الشام، وأخذ أيضاً عن علمائها الأعلام، وأجازوه

стр. 604

أيضاً إجازة عامة لجميع العلوم، التي أخذوها عن سادتهم ذوي المقام المعلوم، وكانن ممن يشار إليه، ويعول بعويصات المسائل عليه، وممن اجتمع به في حلب، فرد الشام ومفتي الأنام خليل أفندي المرادي وذلك عام ألف ومائتين وخمسة، ولم تكن وفاته بعد ذلك بكثير، أعلى الله مقامه في فراديس الجنان، إنه المنعم الجواد المحسن المنان، وقيل إن هذه الأبيات من كلامه، وبديع نظامه: ذو جمال همت في عشقته ... فتن العشاق عرباً وعجم لاح بدر التم من طلعته ... وبدا البرق إذا الثغر ابتسم بات يجلو الراح في راحته ... ويدير الكأس في جنح الظلم غلب النوم على مقلته ... قلت والوجد بقلبي قد حكم أيها الراقد في لذته ... نم هنيئاً إن عيني لم تنم يا هلالاً قد سبى شمس الضحى ... كل ما فيك وعيينك حسن صل محباً ما له من مسعف ... قد جفاه من تجافيك الوسن يا مريض الجفن يا من لحظه ... سل سيفاً للمحبين وسن جفنك النعسان من كسرته ... كم شجاع منه ولى وانهزم أيها الراقد في لذته ... نم هنيئاً إن عيني لم تنم وله ﵀: ورد الخدود أرق من ... ورد الرياض وأنعم هذا تنشقه الأنو ... ف وذاك يلثمه الفم فإذا عدلت فأفضل ... الوردين ورد يلثم هذا يشم ولا يضم ... وذا يضم ويشمم وله أبيات كثيرة، وقصائد بديعة بالمدح جديرة.

стр. 605

الشيخ داود البغدادي الموسوي بن المرحوم السيد سليمان البغدادي الشافعي النقشي الشهير بابن جرجيس إمام قد طلع في سماء العلوم بدرا، وهمام قد برع في المنطوق والمفهوم وأحاط بهما خبرا، بجميل مديحه قد تحلت الطروس، وبجليل ذكره قد طربت النفوس، فلا ريب أنه صدر الأكابر والأعاظم، وكعبة طواف المكارم والأكارم، والأوحد الذي خيمت البراعة بناديه، والأمجد الذي لم يعرف غير الفضائل من زمن مباديه. ولد في مدينة بغداد سنة ألف ومائتين وإحدى وثلاثين، ونشأ في حجر والده المعروف بالصيانة والعلم والدين، وبعد أن قرأ القرآن، وأتقنه كل الإتقان، قصر نفسه على العلم وطلبه، إلى أن فاز منه بمرغوبه وأربه، وكان كثير الاعتزال عن الناس، ليس له بغير العلم والعمل استئناس، مواظباً على الفروض والسنن، على أكمل حال وأتم سنن. وكان يقرىء الدروس لمن حضر، وهو ابن ثمانية عشر، ولم يزل على حاله، ناهجاً منهج كماله، إلى أن توفي والده فسافر إلى الحرمين الشريفين، ومكث بهما نحواً من عشر سنين، وقد أجازه بهما السادة العلماء، والقادة الفضلاء، ثم رجع إلى بغداد، فصرف نفيس عمره على إفادة العلوم وإرشاد العباد، ثم رجع إلى الحرمين بقصد الحج وزيارة سيد الأنام، وتوجه مع ركب الحاج إلى دمشق الشام، ومكث بها سنتين أو زيادة، ثم قصد وطنه وبلاده، ولم يحل في محل إلا وشغله العلم والعمل، وإفادة الطالبين من غير كسل. ثم بعد مكثه مدة من السنين، سافر إلى الحجاز ومعه ولده الكامل الشيخ بهاء الدين، ثم بعد أن أتم الحج وزار خير الأنام، توجه إلى مصر والقاهرة وجلس مدة من الأيام، ثم سار حتى

стр. 606

وصل إلى الموصل فمكث بها أياما، وقد نال بجميع سياحته عزاً واحتراما، ثم رجع إلى وطنه بغداد، وقد ارتفع قدره بها وازداد، ولم يزل يفيد كل طالب، ويدعو الناس إلى الفضائل والرغائب، إلى أن دعاه مولاه، وأناله من جميله ما أولاه، وكان ذلك قبيل المغرب ليلة عيد الفطر آخر يوم من رمضان في سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين، ودفن ﵀ في جانب الكرخ مع مشايخه، وكان موته مصيبة عظيمة، ونكبة عامة جسيمة. وقد رثاه الهمام الفلاضل، نسل الأعيان الأفاضل، محمد أمين أفندي الجبوري، فقال: قد فل غارب سيف الدين وانثلما ... وانهد ركن من الإسلام وانهدما وطود علم جليل دك شامخه ... وشارق من عماد الفضل قد قصما فاغرورقت أعين الإسلام باكية ... والدين حزناً على خديه قد لطما به الحقيقة تمت وانتهت وبه ... علم الحديث كذاك الفقه قد ختما سل العراق وأهل الشام عنه وسل ... أهل الحجاز كذاك الحل والحرما وأهل نجد من الماحي تعصبها ... ومن إليه سواه ألقت السلما ولا أخو جدل إلا وألقمه ... حجارة فدعاه لا يلوك فما وكم له من تآليف منضدة ... كأنما الوحي في أقسامها انقسما هي الصحاح التي يفتي بها أبداً ... وهي الأدلة إلزاماً وملتزما بآخر الصوم قد نادى مؤرخه ... داود بالخلد وافى أرحم الرحما وللأفاضل في حقه مراثي كثيرة، هي في قطره معروفة شهيرة، قد ذكر أكثرها ولده الفاضل العارف، في ترجمة والده المسماة باللطائف، وله ﵀ من التآليف، ما يغني عن الترجمة والتعريف، ولولا خوف الإطالة والإسهاب، المخرج ذلك عن اصطلاحنا في هذا الكتاب، لأوسعت دائرة التحبير، في بعض مناقب هذا الشهم الكبير، ولكن الشمس في رابعة النهار، لا يحتاج عرفانها إلى خبر واستخبار، رحمه الله تعالى.

стр. 607

حرف الذال الشيخ ذيب الحلبوني مولداً الدمشقي إقامة ودفناً رحمه الله تعالى صاحب الخوارق الباهرة، والأحوال الغريبة الظاهرة، والنوادر التي شاعت، والكرامات التي ذاعت، وكان قليل الكلام، كثير الغيبة والاصطلام، يتناول من الطعام قليلاً مما حضر، وإذا لم يجد طوى وصبر، وكان في أكثر أوقاته ملازماً لمدرسة الشميصاتية، الكائنة شمالي جامع

стр. 608

بني أمية. ولد في قرية حلبون قرية من قرى دمشق الشام، تبعد عنها مقدار ست ساعات بالسير المعتدل، ونشأ بها، ثم في سنة خمسين ومائتين وألف، قدم دمشق واستوطنها، وكان مقصوداً للدعاء والتبرك، وكان يقصد للاستخارة والفأل الحسن، وحصل له في الشام شهرة عظيمة، وكان على استقامة حسنة لا يعتريها شائبة طعن، توفي بدمشق الشام سنة ست وثمانين ومائتين وألف ودفن في مقبرة مرج الدحداح. الشيخ ذيب بن محمد بن ذيب بن قاسم الأريحاوي الشافعي الفرضي قد اشتهر بالعلم والتقوى والصلاح، وكان من صغره يتوسمون فيه الخير والفلاح، فلا ريب أنه بقية من سلف، ونخبة من خلف. ولد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة وألف، وتخرج على عمه زوج والدته الشمس محمد بن إبراهيم العاري المفتي، وانتفع به ولازمه وسمع منه الكثير من فنون متعددة إلى أن مات شيخه ﵀، وبعده تولى المترجم منصب الإفتاء بأريحا، وتولى إمامة جامعها الكبير، وكان كثير التلقي، ولم يزل سالكاً في منهج الترقي، إلى أن خطبته المنية، إلى الدار الآخرة العلية. توفي بأريحا سنة ألف ومائتين وبضع وعشرين، رحمه الله تعالى.

стр. 609

//بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى أله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. حرف الراء المهملة راشد بن سعيد الرواحي من أذكياء أدباء البحرين وعمان قد ترجمه أحمد بن محمد بن علي بن ابراهيم الأنصاري بقوله: روح جثمان الأدب، ونور عين الفضل والحسب، الشاعر المجيد، البليغ الوحيد، فمن لطائفه قوله: إني لقيت من الهوى وفنونه ... أمراً عجيباً واقفاً في بالي من ذات خال غضة ميادة ... تصمي قلوباً للورى بالخال تصمي الليوث بلحظها إن أرسلت ... سهماً مصيباً من عيون غزال وقوله: إن ظني في سيدي لجميل ... ورجائي فيه عريض طويل وإليه قد تبت من كل ذنب ... ومتابي إلى رضاه سبيل وإليه فوضت كل أموري ... وهو نعم المولى ونعم الوكيل وله في الأدب باع ما أطولها، ويراع لنظم عقود اللآلئ ما أجلها وأجملها، وفكرة ما أعلاها، وأحقها بالمديح وأولاها، توفي ﵀ سنة ألف ومائتين ونيف وعشرين.

стр. 610

الشيخ الفاضل راشد بن علي النعامي الحنبلي من آل جريس عالم ناقد، متَّبع ماجد، ذو يد طولى في علم القرآن والحديث، مقتد بالسلف الصالح في كل أمر قديم وحديث، معتصم بالسنّة الصحيحة والقرآن، عامل بما فيهما مذعن لهما كمال الإذعان، وله في ذلك كتب ورسائل، دالة على أنه مجتهد بسائر الفروع والمسائل، وفقنا الله وإياه للصواب، وفتح لنا وله للوصول إلى ما يرضيه أحسن باب، إنه محسن كريم وهاب، توفي في أوائل القرن الثالث عشر. الشيخ راغب بن الشيخ صالح بن سعيد الدمشقي الحنفي المعروف بالأسطواني ولد سنة أربعين ومائتين وألف واشتغل من أول عمره في القراءة والعلم والتردد على المشايخ العظام، والأفاضل الكرام، وتولى نيابة المحكمة السنانية في دمشق الشام، ولم يزل مقبلاً على الطلب بجد واجتهاد إلى أن توفي في رابع ذي القعدة الحرام سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف ودفن في مرج الدحداح في تربة الذهبية. راغب أفندي بن سعيد أفندي بن حمزة بن علي الدمشقي الحنفي الشهير كأسلافه بابن عجلان الحسني الأديب، النجيب اللبيب الأريب، عين الأعيان، وإنسان حدقة أهل الزمان، المولى الهمام، والماجد السامي المقام، ذو الشرف والحسب، والرفعة والنسب، وريحانة روض الكمال، وعرف طيب دوحة الإفضال، قد اشتغل بالعلم والعمل، ودأب حتى نال ما رجا واكتمل، وحضر على الشيخ سعيد الحلبي وغيره من الأعلام، ولم يزل مواظباً على الإستفادة إلى أن شرب كأس الحمام في رمضان سنة ثلاث وستين ومائتين وألف.

стр. 611

السيد رجب بن السيد محمد بن السيد حمود بن السيد عثمان بن السيد محمد سلطان العجاج بن السيد حسين برهان الدين آل خزام الرفاعي الصيادي ترجمه السيد أبو الهدى أفندي بن السيد حسن وادي فقال: الشيخ الجليل الواصل، والولي الأصيل الفاضل، رب الخوارق والفواضل، الذاهل الكامل، الواجد الماجد، العلي الحسب، الرفيع النسب. ولد بقرية كفر سجنا من أعمال معرة النعمان، ونشأ بها كأبيه وجده، ثم توفي أبوه ونشأ في كنف عمه، وبعد وفاة عمه حصلت إشارة معنوية للشيخ الكامل السيد أحمد أفندي الجندي ثم الصيادي، فقام من بلدته معرة النعمان إلى كفر سجنا لدار المترجم، وأجازه وخلفه ورأى من الكرامات ما يحير العقول، وقد ذكر بعضها السيد أبو الهدى المرمى إليه في تنوير الأبصار، كإبراء المقعد والمجنون والملووق، والإخبار ببعض المغيبات، والإنفاق مما لا يعلم له أصل ولا سبب، بل من كنز الغيب، وإقبال الخاص والعام عليه، وقال في آخرها: ولو أردنا تعداد كراماته الثابتة المتواترة لاحتجنا إلى مجلد كبير نشأ بقريته على البر والتقوى، وكان حليماً

стр. 612

سليماً مبارك السريرة، طاهر العقيدة، متمسكاً كل التمسك بآثار السلف، محباً للمسلمين، وكان لا يفتر عن الصلاة على النبي ﷺ ، وعن تلاوة الفاتحة. توفي سنة ثمانين ومائتين وألف ودفن بكفر سجناء. انتهى ملخصنا باختصار. الشيخ رحمة الله بن محي الدين بن أحمد بن مصطفى بن اسماعيل أبن الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي فخر الأعيان، ونخبة الزمان وكعبة الأوان، وصفوة ذوي القدر والشان. ولد بدمشق سنة خمس وعشرين ومائتين وألف، وقرأ على الأفاضل ذوي الفضائل والفواضل، وكانت عنده مكتبة عظيمة وقد احتوت على أكثر تأليفات جده العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي وتقدم في الجاه وعلا، وصار له شهرة حسنة بين ذوي العلا، وكان جميل المنظر حسن الذات يهابه من رآه، ويعترف بأنه من ذوي الفضل والجاه، وكان حافظاً للوداد، ولا ينسيه صديقه طول الزمان ولا النوى والبعاد، مات بدمشق في سادس وعشرين من صفر سنة ألف ومائتين وتسع وسبعين ودفن في مرج الدحداح وقبره ظاهر معروف.

стр. 613

الشيخ رشيد القلعي الشهير بقمبازة بن الشيخ نجيب الحنفي الدمشقي ولد بدمشق سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين وقرأ على والده إلى أن صار له يد في العلوم، وقرأ للطلبة في جامع بني أمية، وأخذ عن الشيوخ العظام، ثم غلب عليه نوع من البله والجذب، وكان له نوادر عجيبة، ووقائع غريبة، وإذا أردت أن أذكر نوادره فإنها كثيرة تخرجنا عن المطلوب من الاختصار، مات ثالث عشر شعبان سنة اثنتين وثلاثمائة وألف ودفن في باب الصغير. الشيخ رضا أفندي بن إسماعيل بن عبد الغني بن محمد شريف الدمشقي الشافعي الشهير بالغزي ولد بدمشق سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وألف ونشأ في حجر والده واشتغل في الطلب على علماء دمشق ومن أجلهم فقيه العصر وعالمه العلامة الشيخ سعيد الحلبي وعمر أفندي الغزي والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ عبد الرحمن الطيبي والشيخ حامد العطار، وبرع وفاق واشتهر في الآفاق، وتولى نظارة جامع بني أمية، فخدمه حق الخدمة، واشتغل في تعميره وبذل كامل الهمة، وكان مفرداً بالسعي في الصلح بين الناس. توفي سنة ست وثمانين ومائتين وألف ودفن بالحداح.

стр. 614

الأمير رضوان الطويل المصري قرأ على الشيخ عثمان الورداني وغيره، وكان له اليد الطولى في الحساب والفلك والميقات، فبرع وتقدم، وأنجب وحسب ورسم، وأشغل فكره بذلك ليلاً ونهاراً، ورسم الأرباع الصحيحة المتقنة الكبيرة والصغيرة والمزاول والمنحرفات وغير ذلك من الآلات المبتكرة، والرسميات الدقيقة، واتسع باعه في ذلك واشتهر ذكره، إلى أن قطفت يد الجل ثمرة حياته، وأطفأت رياح المنية أنوار ذاته، وذلك سنة خمس ومائتين وألف ﵀. رفيق بك بن المرحوم محمود بك بن المرحوم خليل بك العظم الهمام الذي يتناول المعالي بثاقب حزمه، ويصيب الأغراض بصائب سهمه، ذو الشمائل الناطقة بسمو فضله، والدلائل الدالة على علوه ونبله، من تناولت حديثه الألسن العادلة، وتناقلت نفيسه الأندية الحافلة، وهو من بيت لهم في الشام مجد معلوم، وقدر في سلك الرفعة منظوم، ولد في دمشق الشام سنة ألف ومائتين واثنتين وثمانين، وتربى في حجر والده إلى أن بلغ التاسعة من عمره وضعه في مدرسة من مدارس الروم لتعليم اللغتين العربية والفرنساوية بقواعدهما، وبعد سنة خرج منها لوفاة والده، وكفله شقيقه الأكبر خليل بك فأحسن تأديبه، إلا أنه لم

стр. 615

يستطع حسن تعليمه لأنه كان ضابطاً في الجندية كثير التنقل من بلد إلى بلد، فوضعه في مكتب من مكاتب دمشق لتتميم قواعد اللغتين التركية والعربية، وحسن التكلم بهما، فمكث به نحو ثلاث سنين فأتقن بها التركية والعربية والكتابة، ثم إنه فتر عن التعلم إلى أن بلغ السنة الثامنة عشرة، وتحرك في نفسه حب التعلم ومال إلى الانكباب على المطالعة، خصوصاً في كتب الفلسفة والتاريخ، اقتداء بشقيقه الأكبر الذي كان شديد الميل إلى التاريخ والفلسفة وعنده كتب كثيرة منها، فلازم بعض الدروس العربية على بعض الأساتذة مدة قصيرة، وفي غضونها مال كل الميل إلى الشعر والأدب فدأب على مطاعة كتب الشعر، وحفظ من ومجالس العلماء. القصائد والمقاطيع مقداراً وافراً، ثم اشتغل في نظم الشعر قبل سن العشرين وكثر تردده على أهل الأدب وفي سنة ألف وثلاثمائة وواحدة أخذه المرحوم خالد عبد الله بك إلى مصر وكان ساكناً بها فترقى بها إلى درجة عالية، إلا أنه لكثرة المطالعة والسهر أصيب بمرض العصب بعد مرور سنة من إقامته في مصر، فاضطر إلى ترك المطالعة وسافر إلى الآستانة العلية، ثم إلى الشام لأجل تبديل الهواء، ولما عوفي بحمد الله من المرض هجر الشعر ونظمه، ومال إلى الإنشاء ومعاشرة العلماء، وأخصهم الأستاذ الكبير الشيخ طاهر المغربي الدمشقي، ثم عاد إلى مصر عام ألف وثلاثمائة وثلاثة، وحيث كان الحال يومئذ في مصر غير الحال الذي في سورية حصل فيه نباهة لما لم يكن يعهده من قبل، فألف رسالة سماها البيان لأسباب التمدن والعمران وعرضها على المرحوم الشيخ عبد الهادي الأبياري أحد كبار العلماء المصريين فرغبه في طبعها، ثم عرضها على العلامة المرحوم السيد محمد بيرم التونسي صاحب صفوة الاعتبار ونزيل مصر يومئذ فرغبه في طبعها أيضاً، على أنه بعد ذلك أدرك أن هذين الفاضلين ما رغباه بطبعها إلا تنشيطاً له لأنه في

стр. 616

اعتقاد المترجم أن الرسالة ليس فيها شيء مما يهم من الفائدة والعلم. هذا ولم يزل مثابراً على المطالعة حتى آنس من نفسه قدرة على الكتابة في الجرائد، وأول ما كتب في جريدة الأهرام سنة ألف وثلاثمائة وعشر ثم في مجلة الهلال، ثم في جريدة المؤيد، وجريدة الموسوعات، والمنار، وغيرها من الجرائد والمجلات، وألف في أثناء ذلك رسالة كيفية انتشار الأديان عام ألف وثلاثمائة واثني عشر. وحاول في تلك السنة والتي قبلها تعلم اللغة الفرنساوية، لكن منعته منه الشواغل أكثر من ستة أشهر، فترك تعلمها مع غاية الأسف، وبعد ذلك لازم الإمام العلامة الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، فاستفاد من علمه الواسع وآرائه العالية فوائد عظيمة، أزالت عن بصيرته حجباً كثيفة، ورأى في نفسه ملكة قدرة التأليف، فألف كتاب الدروس الحكمية، ثم كتاب تنبيه الأفهام إلى مطالب الحياة الاجتماعية والإسلام ثم استفزه الولع بتاريخ الإسلام إلى وضع تاريخ جديد لمشاهير الإسلام من أهل الحرب والسياسة على غير النمط المعهود عند المسلمين، أي على أسلوب جديد يمثل رجال الإسلام في أجلى مثال وأظهره، بحيث يتناول في ذلك التاريخ كثيراً من أخبار دول الإسلام الاجتماعية والسياسية، وأفيض في البحث في فلسفة التاريخ الإسلامي على وجه يتضح به حال تاريخ الإسلام، فباشر ذلك التأليف على صعوبته عام ألف وثلاثمائة وتسعة عشر، وأتم منه الجزء الأول في سيرة أبي بكر ومن اشتهر في دولته في تلك السنة تأليفاً وطبعاً، ثم في أواخرها أتم الجزء الثاني في سيرة عمر بن الخطاب، ولشدة البحث والتنقيب في الكتب عاوده في أثناء تأليفه المرض القديم، فأتمه بكل مشقة، واستراح إلى سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وعشرين، فكتب الجزء الثالث في سيرة المشهورين في دولة ابن الخطاب وطبعه، وأنه لمشتغل في تتميمه راجياً من الله سبحانه التيسير فجزاه الله خير الجزاء على هذه الخدمة الإسلامية، والمأمول أن الله سبحانه، يهون عليه تأليف كتب كثيرة ينتفع بها الخاص والعام من جميع الأنام. وأنه الآن قد توطن في مصر وتأهل بها، ولم تزل أوقاته معمورة بالمطالعة والكتابة والتأليف والتصنيف، والعبادة الحسنة والأخلاق المستحسنة، والتمسك بالسنة والكتاب، والعمل بهما من غير تعصب ولا تأويل موقع في التباب، ولا يميل إلى العمل والقول بالتقليد، بل يقول أن العمل بالأصلين الشريفين هو لكل سعادة أقليد، وله من النظم البديع، والنثر المزري بزهر الربيع، مقدار عظيم، يشهد بأنه صاحب اليد الطولى والفكر الجسيم، فمن نظمه متغزلاً قوله: طبعه، وأنه لمشتغل في تتميمه راجياً من الله سبحانه التيسير فجزاه الله خير الجزاء على هذه الخدمة الإسلامية،

стр. 617

والمأمول أن الله سبحانه، يهون عليه تأليف كتب كثيرة ينتفع بها الخاص والعام من جميع الأنام. وأنه الآن قد توطن في مصر وتأهل بها، ولم تزل أوقاته معمورة بالمطالعة والكتابة والتأليف والتصنيف، والعبادة الحسنة والأخلاق المستحسنة، والتمسك بالسنة والكتاب، والعمل بهما من غير تعصب ولا تأويل موقع في التباب، ولا يميل إلى العمل والقول بالتقليد، بل يقول أن العمل بالأصلين الشريفين هو لكل سعادة أقليد، وله من النظم البديع، والنثر المزري بزهر الربيع، مقدار عظيم، يشهد بأنه صاحب اليد الطولى والفكر الجسيم، فمن نظمه متغزلاً قوله: سل سيفاً وصال فينا بأسمر ... من قوام ومقلة تتكسر عربي قد أعربت عن فؤادي ... مقلتاه بما به قد تسعر أن سقماً بمقلتيه تبدّى ... ليس سقماً بل ربما السكر أثر يا بروحي أفديه ظبي غرير ... ناحل القد ناعس الطرف أحور أن تهادى رأيت غصناً رطيباً ... يتثنى وإن رنا فهو جؤذر رق معنى فكاد يرشف بالكأ ... س كخمرٍ بها النسيم تعطر وتباهى على الهلال بحسن ... هو أبهى من الهلال وأبهر لو رأت حسنه الشموس لولت ... بذيول من الحيا تتعثر يا حياة القلوب جد بحياة ... لقتيل بحبك اليوم يشهر وتدارك بقية من عليل ... كاد يخفى من السقام ويدثر فتعطف على المتيم يوماً ... بوصالٍ أحيا به أو فأقبر وامزج الدل بالترفق يا من ... بهواه أولو الصبابة تفخر إن من يرحم المحب ويرفق ... بقتيل الهوى يثاب ويؤجر وله أيضاً: كفى بالهوى دمعاً يسيل ومهجة ... تذوب وأحشاء يمزقها الهجر معذبتي جودي علي بنظرة ... يضم عظامي بعدها اللحد والقبر

стр. 618

جزى الله من أضحيت فيه متيماً ... شجياً بمعناه الجميل أهيم تعمد قتلي بالهوى دون أجنحة ... على أن فتال النفوس أثيم رضيت بما يرضى لنفسي دائماً ... أخاف عليه الإثم وهو عظيم وله: أحبة قلبي والذي قاد للهوى ... فؤادي وأحشائي وقلبي المقطع إذا جدتم بالوصل ذلك منة ... وإن رمتم قتلي فلا أتمنع ومن كان مثلي صادق الود بالهوى ... صبوراً فلا والله لا يتوجع الشيخ رشيد بن الشيخ طه بن الشيخ أحمد العطار طلب العلم في صغره، وبذل في الإقبال على الترقي نقود عمره في جده وسهره، فقرأ على علماء عصره، الموجودين في بلدته ومصره، ومن أجلهم عمه المشهور في الأقطار، الشيخ حامد بن الشيخ أحمد العطار. وبعد وفاة عمه أقبل على طلب النيابة باجتهاده حتى كانت أكبر همه، فلم يزل يتولى النيابات، إلى أن مات، وكان جسوراً في الكلام، له في المحاضرة نوع إلمام، يحفظ كثيراً من النوادر، وواقعات الليالي العوادي الغوادر، فعقد وداده غير محلول، ودوام حديثه غير مملول، ويظهر العفاف عن الحرام، والانكفاف عن موجبات الآثام؛ والتباعد عن الرذائل، وأكل أموال الناس بالباطل، وإن كان المسموع، خلاف هذا الموضوع، والله أعلم بحقيقة الحال، يجازي بالجميل على الجميل، وبغيره على قبيح الأفعال.

стр. 619

ثم أن المترجم المرقوم قد غلب عليه التشيع، والتضلع من غير تمنع ولا تورع، وكان عنده فيه كتاب موسوم بينبوع الينابيع، ملازم له ولأحكامه مطيع. توفي ﵀ في جبل عجلون حينما كان نائباً، وذلك عام ألف وثلاثمائة وستة عشر ودفن هناك ﵀. وكانت وفاته عن نحو ثمانين سنة تقريباً. السيدة رقية بنت المرحوم الشيخ ابراهيم بن الشيخ مصطفى السعدي البرة التقية، الصالحة النقية، الزاهدة الصوامة، العابدة القوامة، المقبلة على صالح الأعمال، والمدبرة عن رذائل الأفعال والأقوال، وكان ذات سريرة صافية، ولطافة وافرة وافية، ولدت نحو ألف ومائتين وخمسين تقريباً، وتزوجت بصاحب التاريخ سنة ألف ومائتين وثمانين، ورزقت منه بأولاد لم يبق منهم سوى النجل الصالح السيد محمد سعدي أحسن الله حاله، وأنجح آماله، وكانت مواظبة على صيام رجب وشعبان، وعلى صيام الاثنين والخميس، وعلى صيام عشر محرم، وعشر ذي الحجة، مع المحافظة على فرائض صلواتها وسننها، إلى أن تمرضت بداء الإسهال، وماتت في يوم الجمعة الحادي والعشرين من صفر عام ألف وثلاثمائة وسبعة عشر. الشيخ راغب بن المرحوم الشيخ عبد الغني السادات الدمشقي إمام فقيه، وهمام نبيه، وفاضل نبيل، وكامل جليل، ولد سنة ألف ومائتين وخمسين تقريباً ومن حين صغره نشأ على التقوى، لأنها للوصول السبب الأقوى، وتعلم ما يرفع إلى المقام الأرفع، فتفقه على مذهب إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان، ثم دأب على طلب التوحيد والحديث وتفسير القرآن،

стр. 620

وكان له في بقية العلوم يد طائلة، وفكرة في مناهج الصواب جائلة، فقرأ على أفاضل مصره، إلى أن صار من ذوي الفضائل في عصره. وله رسائل شريفة. وتقريرات لطيفة، واستظهارات حسنة، وأفكار مستحسنة، ومن رسائله التي نهجت منهج الصواب، وسلكت مسلك السداد بلا ارتياب، الرسالة التي رد بها على رسالة خالد أفندي الأتاسي الحمصي، وبيان ذلك أنه اتفق بعض المتأخرين من علماء السادة الحنفية على أن المرأة إذا ادعت بعد الدخول على زوجها بمقدم صداقها فلا تسمع دعواها، ومضى على ذلك مدة طويلة ضاع بها حقوق كثيرة. ثم أنه لما تولى إفتاء الشام محمود أفندي الحمزاوي، وجد أن هذا الإفتاء خارج عن الأصول، ولم يساعده معقول ولا منقول، فألف رسالة حقية، مطابقة للقواعد الشرعية المرعية، وصار يفتي عن هذه الدعوى بالسماع، من غير تأخر ولا امتناع، فلم يقدر أحد على مراجعته، إلى انتهاء مدته، وبعد وفاته، رد عليه عالم الديار الحمصية خالد أفندي الأتاسي جانحاً لعدم سماع الدعوى، وإعادة الناس إلى الوقوع في تلك البلوى، مع أنها زور وبهتان، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا جاء بها سنة ولا كتاب، ولا وجدنا لها في أدلة الشرع من باب، فتصدى له هذا الفاضل المترجم، ورد عليه رداً يبطل ما به فاه متكلم، بالأدلة الواضحة، والبراهين الراجحة، ثم أنه بعد إتمامها، وتكميل أرقامها، وعرضها على بعض الناس، وكتابتهم عليها بأنها حق بلا التباس، أرسلها إلى العاصمة الإسلامية، لكي تعرض على المشيخة العلية فبعد عرضها ومطالعتها مطالعة تحقيق، حازت على توقيع التصديق، بان ما اشتملت عليه، هو الذي يصار في الحكم إليه، فأحق الله الحق وأبطل الباطل، وذهبت زخرفة المزخرفين بلا طائل. هذا وإن المترجم المرقوم ذو أخلاق حميدة، وشمائل وحيدة، وكرم وكمال، وعفة وجمال، له في التجارة يد عالية، وهمة سامية،

стр. 621

فلا يتناول من أحد قليلاً، ولا حقيراً ولا جليلاً، بل ينفق على بيته وعائلته، مما يكتسب من تجارته، مع قيامه بوظيفة الإفادة، وإقراء الدروس حسب العادة، ولم يزل بحمد الله يحل المشكلات بفكره، ويعطر الصدور بنفثات صدره، ويفوف برود التحرير، ويظهر شموس التحبير في التقرير، ويروي الطالبين من بحر علمه، ويشنف آذانهم بفرائد فهمه. فلا يزال يعلو مقامه، ويسمو جاهه واحترامه، ويمنح الله به ذوي الطلب، كل ما راموه من علم وفهم وعرفان وأدب. آمين. حرف الزاي السيد زاهد أفندي بن السيد محمد نجيب بن موسى الحسيني العمري الشهير بالالثي أديب للبديع من القول منسوب، وأريب بألف من ذوي البدائع محسوب، وإن تكلم أزرى كلامه بعقود الجمان، أو تكمل قلت هذا ملك في صورة إنسان، تتستر الملاحة في غلائله، وتتقطر الرجاحة من شمائله، تمسح خلاله قذى العيون، فما تراه إلا وهي نقية الجفون، وطلعه كالروض صقلت يد الصبا ديباجة وجهه الوسيم، وتلقت النفوس قبوله تلقي النشوان برد النسيم، غرائب أحاديثه زاد النفوس وَقُرَطُ الأسماع، يتجاوز بها غاياتٍ لم تختلج في خواطر الأطماع، تفعل بالألباب فعل بنات الدنان، وما السحر لعمري إلا سحر ذلك البيان، فلله دره من همام وافر الحظ من البراعة، صائب اللحظ في نقوش البراعة، قد اكتسب الأدب بكده وجده، وانتهى من عالي الإرب إلى أقص حده، للمعاني الأبكار مخترع، ولبنات الأفكار مفترع، وله حسب طرَّزكُمّ الأحساب، ونسب تباهت بنسبته الأنساب، ألا وإن القلوب أجمع، قد جبلت على محبته، فلم يكن لها في سواه مطمع، فلذلك كان مقره من العين السواد، ومحله من القلب حبة الفؤاد.

стр. 622

ولد في رجب الفرد، وكان الطالع طالع اليمن السعد، وذلك سنة ألف ومائتين وثمان وأربعين، من هجرة سيد الخلق النبي الأمين، ونشأ في حجر والده فلما بلغ سن التمييز، أرسل به إلى المؤدب لتعلم القرآن العزيز، ثم بعد أن أتمه وأتقن آدابه، أخذ في إتقان الخط والكتابة، ثم أكب على الطلب والتحصيل، فلازم الأساتذة ملازمة المدلول الدليل، إلى أن بلغ مطلوبه، وحصل مراده ومرغوبه، من كل علم رفيع، وفن بديع: همام علا في الورى قدره ... إلى غاية جل أن توصفا فتىً قد تأثل من دوحة ... سمت في سما المجد والاصطفا وإن بيني وبينه من الوفاق، ما انعقد على إحكامه الاتفاق، ومن المخاطبات الرقيقة، والمراجعات الأنيقة، ما يزري بلطف النسيم، ويشغل الصب عن الوسيم، ولا يستغرب ما بيننا من كامل المحبة والوداد، لأن هذا الاتفاق موروث عن الآباء والأجداد، وإنه له نظم رقيق، ونثر بديع أنيق، وحافظة تميل إلى الصواب، ولافظة أعذب من عود الشيوخ إلى الشباب، وقد حضر شيوخ عصره، الكائنين في بلدته ومصره، كالشيخ هاشم البعلي، والشيخ عبد الله الحلبي، والشيخ محمد الطنطاوي، وتفقه في مذهب الإمام أبي حنيفة، وجلس في نيابة محاكم الشام الشرعية مدة طويلة، وجلس في محكمة الباب باشكاتب القسمة. وفي عام ألف وثلاثمائة وأربعة عشر توجه إلى محروسة الآستانة ونزل عند الشهم المحترم أحمد عزت بك بن المرحوم هولو باشا، وكان وقتئذ الكاتب الثاني في المابين ومبلغ الإرادة السلطانية، فاجله واحترمه لصداقة قديمة بينهما، ومكث عنده نحواً من ستة أشهر على الرحب والسعة، واستحصل له في هذه المدة على معاش كل شهر عشر ليرات عثمانية،

стр. 623

وعلى نيابة قضاء دوما. وغب حضوره إلى الشام ذهب إلى محل نيابته، وذلك في غرة جمادى الأولى سنة ألف وثلاثمائة وخمس عشرة، وكان في مدة نيابته حسن السيرة، ممدوح السريرة، لم يسمع عنه ميل إلى باطل، ولا تفرقة في الحق ما بين عالم وجاهل، ولا رشوة وإن جل قدرها، ولا تعصب لقضية وإن كان من الأعاظم أهلها، وكان يهوى قبل المرافعة إجراء المصالحة، وعدم المشاحنة والمشاححة، فإذا لم يتمكن بذل وسعه في مصادقة الحق ومجانبة الباطل، ولا يحكم إلا بعد النظر والتحري ومراجعة كتب الأفاضل، وعلى كل حال فمناقبه كثيرة، وبدائهه وبدائعه شهيرة، بأنواع المديح جديرة، ثم أنه بعد تمام نيابته في دوما جلس عضواً في مجلس استئناف الجزاء في العادلية، وفي أثنائها ذهب إلى الآستانة فوجهت عليه نيابة بعلبك، ولم يمض عليه بها مدة إلا ومرض فحضر إلى الشام ولم يزل مريضاً إلى أن اختارته المنية في شعبان سنة ألف وثلاثمائة وعشرين ودفن في تربة باب الصغير رحمه الله تعالى. الشيخ زين العابدين بن جمل الليل المدني أبو عبد الرحمن بن السيد باحسن جمل الليل المحدث الفقيه، والمتفنن النبيه، صاحب الشهرة العالية، والسيرة الحسنة النامية، والمآثر اللطيفة، والمحامد الشريفة، فخر العلاء، وصدر الفضلاء، ولد في المدينة المنورة ونشأ بها، وأخذ عن والده وتكمل على يديه، وألقت رئاسة العلوم في المدينة مفاتحها إليه، وقرأ على غير والده من الأفاضل، من جملتهم محمد بن سليمان، ودخل مصر، وزبيد للرواية عن كل فاضل مفيد، ولما دخل الوهابية الحرمين، فر، ودخل العراقين، فروى عنه أجلة علماء بغداد، رغبة منهم بعلو الإسناد، وقرأ صحيح البخاري،

стр. 624

في مجمع حافل، فلم يدع مقالاُ لقائل أو ناقل، وكان له من الطاعة والتقوى والعبادة والزهد ما جعله معدوداً من الأوائل، مات ﵁ سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، ودفن في المدينة المنورة مدفن أسلافه، وله مؤلفات بديعة، وخدمة عالية لكتب الدين والشريعة، من جملة مؤلفاته كتاب في المشتهر والمفترق، وله مختصر المنهج لشيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري الشافعي، وقد شرحه أيضاً شرحاً مفيداً، وله كتب كثيرة ورسائل شهيرة، نفعنا الله به آمين، وقد ترجمه صاحب اللآلئ الثمينة، في أعيان المدينة، فقال: ذو بديهة وروية، وسليقة مرضية، كأنها السحاب الرجاف، والغيث الوكاف، ارتدى من المكارم بحلل، وحظي من المحامد بجمل، فغرته كالهلال إضاءة وإشراقاً، ومحياه كالزهر بشاشة والزهر ائتلافاً، وكلامه كالعسجد طلاوة، والشهد حلاوة، والقطر جزالة، ترتشف الأسماع زلاله، وقد برع بنظم حسن المعاني، وبديع المباني، نظماً عليه رونق الفصاحة، وفرند الملاحة، يقطر كالمزن، بودق الحسن، كأنها الشفاه اللعس، أو تفتير العيون النعس، أو الخدود البضة، وقد ازدهرت بالورود الغضة، فمن ذلك النظم الزاهي الزاهر، والشعر الباهي الباهر، وقوله مجيباً بجواب، كأنه في كاس اللطافة حباب، وفي روض الحسن زهر مستطاب: أغادة من خود حور الجنان ... تتيه إن ماست فتسبي الجَنان أم بكر فكر من خدور النهى ... زفت بقينات بديع المعان فاقت على أترابها مذ غدت ... فريدة الحسن رداحا حصان أم راح ألفاظ حلا رشفها ... من كف ممشوق رطيب البنان راقت ورقت فرقى هامها ... تاج حباب فاق حبّ الجمان

стр. 625

ختامها مسك وممزوجة ... بشهد ريق من رحيق اللسان فتارة يسقيك خمر اللما ... وتارة يعطيك بنت الدنان حبابها مع لونها شاكلا ... وجنته مع در فيه المصان قد أسرت عقل أهيل الحجا ... وأمسكت من كل لب عنان أم أنجم لاحت بطرس أضا ... كبدر صيف مذ وفى واستبان أم ذي عقود من لآل حلت ... قد صاغها الندب بديع الزمان أم روضة غناء عنى على ... أفنانها طير الهنا والتهان أم نسمة الروض سرت سحرة ... ففاح منها عرف روح الجنان تحكي لنا باللطف أخلاق من ... حاز المعاني فرد هذا الأوان الكامل الشهم سراج الهدى ... خدين فخر العلم رب البيان أنواره مذ سطعت أخجلت ... زهر الربا وانكسف النيِّران نجل ذوي الفضل الألى شيدوا ... بيوت عز دونها الفرقدان شيخ أولي الحذق ربيب الذكا ... رضيع البان الفخار المصان أبدى لنا من بحر إبداعه ... دراً نظيماً راق معنى وزان نثراً ونظماً قد زهى لفظه ... لله ما أحسن هذا القران كم منة قلدنيها وما ... في ساحة الفضل أرى لي مكان لكنه من محض أفضاله ... يقلد الأجياد عقد امتنان فيا رفيع القدر عفواً فما ... أحصي الثنا لو قلت طول الزمان زففت لي مثرية قد حوت ... حر القوافي ورقيق المعان ولست كفواً أن أرى عبدها ... إذ هي بلقيس الغواني الحسان فهاك من خل قصيداً أتى ... شتيت نظم بسناك استعان ودم سليما راقياً رافلاً ... في ثوب عز مائساً في أمان ما ميل الأعطاف نشر الصبا ... وهيمنت ورق على غصن بان

стр. 626

وهذه القصيدة جواب عن قصيدة العلامة عمر بن عبد السلام الداغستاني قرظ بها نظم قصيدة طويلة للمترجم وقصيدة الداغستاني المرقوم هي: لله ما أحسن هذا الجمان ... قد أخجل الدار بحسن البيان نظم بديع قد حلا لفظه ... ويسكر السمع كبنت الدنان له قواف راق إبداعها ... كعقد أجياد الغواني الحسان مسبوكة في قالب اللطف بل ... منظومة في سلك حسن المعان كالأنجم الزهر بأفق البها ... بل أنه الزهر بوسط الجنان بل درر أبرزها الحذق من ... أصداف أفكار بديع الزمان الفاضل الجحجاح مولى الندا ... الكامل الندب الفضيل المصان مولى سما في أفق المجد بل ... فاز من السعد بأعلى مكان حسيب أصل بل نسيب علا ... تالله ما أشرف هذا القران رب المعالي والسجايا التي ... يجز عن حصر حلاها اللسان زين ذوي الفضل الذي خصه ... مولاه من إحسانه بامتنان رفيع قدر منتقى ماجد ... ينزل عن عليائه الفرقدان فاق على أقرانه رتبة ... وصار فيهم ذا فخار وشان له ذكاء مثل نهر وقد ... أرخى له نظم القوافي العنان يا أيها المولى الذي وصفه ... يضوع مثل المسك بالزعفران أقبل بعذر من محب وفى ... نظماً حكى الطل على الأقحوان أو حب مزن أو نسيم الصبا ... إذ هبَّ فارتاح إليه الجنان ودم بعون اله في عزة ... ممتعاً في ظل دوح التهان وله قصائد عديدة، وتأليفات وتقييدات مفيدة، وقد تقدم أنه توفي سنة ألف ومائتين وإحدى عشرة في المدينة المنورة ودفن في مدفن أسلافه ﵁ وعنهم أجمعين.

стр. 627

زين العابدين بن محمد بن زين العابدين رحمه الله تعالى، قد نظمه سلك عقود اللآلئ الثمينة، في أعيان شعراء المدينة، وترجمه جامعها فقال: خليفة سلفه علماً وفضلاً، وذكاءً ونبلاً، وارتفاعاً في سماء المجد وعلواً، وهمة في اكتساب الفضائل منحته سمواً، فهو فرع لحق في الفخار أصله، واتخذ عند محلِّ علاهم محله، بجد ساعده حظه وجده، وتهلل له مبتسماً بثغر القبول سعده، فوفود الإقبال مستكنة لديه، ومخايل العز لا تزال لائحة عليه، وأدبه الأزهر، أشهر من أن يذكر، فكم له من خطب أنشأها، وبلطائف البديع وشاها، أحسن من الحلل المطرزة رونقاً، وأبهج من سبيك العسجد إذا لاح مؤنقاً، تعشقها الخواطر، وتتنزه في حسنها الضمائر، وأما نظمه فهو الروض البديع، وقد وافاه زمن الربيع، فضحكت فيه أنواع الأزهار، المكللة بلآلي نثار الأمطار، والنسيم وافاها عليلاً، وجر عليها ذيلاً بليلاً، فمن ذلك قوله مجيباً صاحب اللآلي: لاحت كبدر لاح تحت الحندس ... وسرت بقد بالغدائر مكتسي وتبسمت عن عقد جوهر ثغرها ... وتنسمت عن طيب عرف أنفس وجلت لنا من أوج أفق جبينها ... صبحاً تنفس عن دجى متعسعس وبدا لنا في روض وجنة خدها ... فياح نبر خالها في الحرس وغدت تذود عن الخدود لحاظها ... فحمت ورود حياض تلك الكنس وبرت بصارم أنفها مهج الورى ... وبرت بماء رضابها للأنفس وحقاق فيها فتحت عن لؤلؤ ... في سلك مرجان المباسم منتسي لله مبسمها الشهي إذا غدا ... متبسماً كالصبح حين تنفس

стр. 628

والجيد قد فضح الغزالة لفتة ... ما قرها تحكيه غير تهجس والصدر متسع بكل فضيلة ... تكبو صوافن خصرها بتقعس والكف أهطل من سحاب سخاوة ... والجسم أرطب من برود السندس والخصر أوهن من قوام محبها ... والساق أصفى من زجاج الأكؤس مذ ماس بان قوامها في كُثبه ... أزرى بزانة كل ليث ملبس شبهت طلعة وجهها في حسنها ... بدراً بدا في أوج غصن أملس لله زائر طيفها من زائر ... وافى يدير لي السلاف فأحتسي وأبوح من سكري بسر قد سرى ... في سر سرى للسري الأكيس شمس المعارف بدر كل فضيلة ... رب النهى الفهامة المتفرس نجم العوارف روض كل لطافة ... حاوي التحائف بل وخير مدرس أكرم به من فاضل متفنن ... جمع البراعة واليراعة والقسي شهم يفوق على الغمام نواله ... ويروق للرائين منظره الوسي فرع لا برك دوحة محمودة ... زرع نما في سوح زاكي المغرس غطريف أهل المجد بل خطريفهم ... جحجاح قوم السعد بدر الأطلس شحشاح فتيان للقريض سراجهم ... مصباح فتيات النثير الخُنَّس لا زال للفضلاء يعذب مدحه ... ويطول شامخ فضله المتأسس وعلى جميع ذويه يعلو قدره ... ويفيض نهر كماله المتبجس ما عاهد الغيداق نافح روضة ... صبحاً فكللها بدر أنفس أو ثغر زهر الروض يرشف بكرة ... ريق الغوادي الضاحكات النعَّس

стр. 629

عن قوله سلب العقول بتم حسن أنفس ... رشأ بسيف الجفن مردي الأنفس رشقت لواحظه السهام بمهجتي ... أو ما ترى تلك الحواجب كالقِسي ماست معاطفه فخلت قوامها ... غصناً يفوق على القنا والمدعس وغدا بلا شك بخنجر أنفه ... يفري الحشايا صاح والقلب القسي أحببْ به بدراً ربيع محاسن ... روض الجمال غدا بغير تلبس سقيت بماء الحسن وردة خده ... واخضر شاربه كزئبر سندس لو لم يكن جمع الزهور بهاؤه ... ما كنت تبصر عينه كالنرجس كالأُقحوان ترى ثناياه إذا ... ما لاح مبتسماً بثغر ألعس بل أنها تحكي لسمْط لآلئ ... تحت العقيق من الشفاه اللعس فيه المعتق من شهي رضابه ... يا بخت صب من طلاه يحتسي حاز التقابل في الجمال فوجهه ... صبح وذاك الشعر حالك حندس كالماء والنيران دارة صدغه ... فاقتبس ورد باللحظ أو بتهجس كالظبي خلقا والهزبر سطاوة ... باللحظ يفرس كل أحوس حلبس لله ليلة جمعنا في السفح إذ ... نلنا المرام وبغية المتملس مع ذلك النفار عن وصلي وقد ... أمسى يطارحنا بلفظ مونس والليل قد ألقى سجوف ظلامه ... ونجومه ترنو كأعين حرس فظللت أحسو خندريس وصاله ... حتى أضاء الصبح حين تنفس كضياء مولينا أخي الفخر الذي ... بمطارف المجد المؤئل مكتسي زين الأفاضل بل فريدة عقدهم ... بل در تيجان العلا والقونس قرم غدت مثل الكواكب خيمه ... وغدا كمثل البدر فوق الأطلس

стр. 630

السعد خادم فضله السامي وما ... أحجاه يخدم بالجواري الكنَّس متبوِّئٍ من قمة العليا على ... فلك أشم من المعالي أقعس روض لأصناف المحامد والثنا ... فرع عليِّ الأصل زاكي المغرس مولى غدا يحسو بعزم علاه من ... خرس المعارف مفعمات الأكؤس يا أيها المولى الهمي بيانه ... كالغيث حين تهمع وتبجس انعشت قلبي من نظام فائق ... وجلوت عنه كل هم موئِس كالزهرغب القطر كلله الندى ... أو كالحلي إذا بدا بتهسهس فسعيت نحو إشارة فيه بدت ... كيما أنال بسعدكم لتأنس فاقبل نميقة مشغل ما نمقت ... لكن بكم تزهو بأفخر ملبس لا زلت ترفل في برود معزة ... سامي الرحاب مدى سجيس الأوجس وله من أخرى: فتكت بسيف الغنج مهجة صبها ... وبأسمري القد جسم محبها وتدرعت حقاً بثوب جمالها ... فاستأثرت أسد الشراء بعضبها برزت بميدان التفاخر طفلة ... فالقرم بدد من أسنة هدبها وبدت بإيوان التغزل ظبية ... فتحجبت منها الشموس بحجبها سفرت خمار الأنس عن ذاك السنا ... فتكورت شمس الدنا في غربها كشفت عن الراحات قلت مشبهاً ... بدر الحوالك قد بدت من سحبها وجلت لنا كأس المحبة والهنا ... وملته راحاً من معتق شربها وشدت بألحان الرباب وزينب ... وبثينة العشاق نخبة سربها فسكرت من ذاك المدام فلا أعي ... وطربت من ذكر الرباب وقربها

стр. 631

وله من أخرى أرى القلب مغرى وغرماً بالتغزل ... حليف جوى يصبو إلى كل عَيْطلِ يسامر زهر الليل يشكو لها الذي ... يقاسيه في ذاك الجمال المكلل وينشد عن ليلى ولبنى وزينب ... وينعم مع هند ويصبو لمنزل فليلى سويد القلب حلت وغيرها ... رسوم وأسماء تزال بمعول فشاهد سنا ليلى فضوء جبينها ... هلال يعيد الوجد بعد التنصل وحاجبها قوس أراش لأسهم ... أصابت فؤاد الواله المتعلل وأعينها حور حُمين بِبُتَّرٍ ... وهاروتها بالسحر قد صار مخبلي ومسند جنح الجند مرسل أدمعي ... ومقطوع صبري في الهوى لم يوصل زكافور خديها تنفس فجره ... بعنبر خيلان يفوح كمندل ومبسمها الزهري أشرق نوره ... على شفق يبدو بذاك المقبل ومرشفه راح ببابل صنعه ... فمن ذاق منه رشفة لم يعلل وجيد لها يحكي الغزالة صوره ... وما قدرها تحكيه غير تخيل وراحات أيديها كبدر دجنة ... وصدر كقرص الشمس في حين ينجلي فدائي هواها والدواء وصالها ... وحالي لا يخفى على المتأمل انتهى. إن هذا المترجم قد مات في القرن الثالث عشر ولم أقف على تعيين تاريخ موته ﵀.

стр. 632

حرف السين المهملة القاضي سالم بن محمد الدرمكي من علماء البحرين وعمان أديب هو في وجه الزمان غرة، وأريب ليس للزمان منه سوى الجمال والمسرة، قد امتطى متن البديع والبيان، وركب ظهر البحرين وعمان، وقد ترجمه أحمد بن محمد الأنصاري فقال ما ملخصه: القول فيه أنه أشعر أهل مصره، وخاتمة بلغاء قطره، مَلَكَ أزمة البراعة واللسن، وظفر بكل معنى برائق حسن، اجتمعت به غير مرة لاستنشاق أرج أنفاسه، في خميلة أرض هي مسقط رأسه، فوجدته سالماً من الفظاظة كاسمه، متحلياً بحلية الفضل اللامع، نوره من محاسن نثره ونظمه، فمن لطائفه قوله م قصيدة أرسل بها إليَّ متشوقاً وأنا إذ ذاك باليمن الميمون: فيا أبيض الأخلاق والوجه أنا مذ ... تناءيتَ أيامي غدت كلُها سودا ولا زلت أن اتهمت يهوى تهامة ... فؤادي وإن أنجدت يوماً هوى نجدا فمهما تسر يشفعك قلبي أينما ... توجهت لا تسعى إلى وجهة فردا

стр. 633

وذكرك في قلبي يلذ وفي فمي ... كأني أحسو من تذكرك الشهدا نأيت فعن جفني نأى بعدك الكرى ... فهل كنتما وكلتما للنوى وعدا فيا أحمد المحمود طبعاً إلى متى ... بافعالك الحسنى تعلمني الحمدا لقد ند عنك السوء يا ابن محمد ... ودمت كريماً لا تصيب له ندا وقوله في ذكر المحبوب عند الشدة والكروب: ولقد ذكرتك يا بثينة في السفر ... والفلك في البحر المحيط قد انكسر والموج من طوفانه متلاطم ... والموت للأنياب منه قد كشر والناس قد غرقوا معاً إلا أنا ... أرجو الحمام تجاه وجهي ما استتر وبقيت في لوح غريق كله ... والماء لي كلي إلى رأسي غمر ومكثت حيناً من طعام معدماً ... فيه وتذكاري يقوم به الذكر ويعحبني قوله من قصيدة مدح بها السيد النبيل، محمد بن خلفان الوكيل، عليهما رحمة الملك الجليل: نفسي فدى الإلف الذي صار بي ... براً وما عاينت منه جفا شمائل راقت ورقت له ... فمنه ما أحلى وما ألطفا كأنه في حسن أخلاقه ... لنجل خلفان الوكيل اقتفى محمد مَن ما هفا قلبه ... لريبة قط وعنها هفا لم يك بالمخلف عهداً ولا ... كل امرئ فوه يُرى مخلفا يجود بالمال ويسطو فكم ... أمن من قوم وكم خوفا وما أتاه مذنب تائباً ... يطلب منه العفو إلاَّ عفا وما شدد الدهر على شيعة ... إلاَّ عليهم جوده خففا وبالندى منه يوفيهم ... إذا رأى الدهر لهم طففا إذا قضى أو جاد أو صال أو ... قال حكى في فعله المصطفى يصلح ما اختل بتدبيره ... مارتقت دنياه إلاَّ رفا توفي ﵀ عام ألف ومائتين وبضعة عشر.

стр. 634

الإمام الأمجد سعيد بن الإمام أحمد البوسعيدي من علماء عمان والبحرين قال صاحب الحديقة: ماذا أقول فيمن تفرع من جرثومة السيادة، وترعرع في رياض الحبور والسعادة، وتتوج بتاج العز الزهر، وحظي في دهره بالعيان الأخضر، وتطاول نواله، واتسع في الفضل مجاله: كانت الألسن عن أوصافه ... وغدا المدح به مفتخرا فمن لطائفه، وبديع طرائفه، ما كتبه إلى أخيه الهمام سلطان ابن أحمد الإمام: إذا شحت الخضراء بالوبل فالتمس ... تجد جود سلطان على الناس كالمطر فإن عز مطلوبي فليس شماتة ... وإن حصل المطلوب فالفوز بالظفر وقوله يرثي ولده السيد حمد رحمه الله تعالى: وافى حمامك يا حبيبي بالعجل ... نار تلهب في ضميري تشتعل يا من له شرف وفضل في الورى ... أمسى وحيداً مفرداً دون الأهل الله أكبر من مصاب عمنا ... هماً وغماً لا يبيد ولا يفل حمد حوى المجد الشريف تغيرت ... أيامه قد كان يضرب بالمثل صبراً لأولاد الإمام ومن لهم ... من أخوة وأقارب فيما نزل لا غرو هذا قد أتى خير الورى ... لم تمنع الأموال عنه ولا الدول وقوله ﵀: لهفي على زمن مضى ... ما ذقت أحلى منه شي لما ذكرت عهوده ... جرت الدموع وقلت أي

стр. 635

وله قصائد كثيرة، وأبيات شهيرة، وأوصاف ممدوحة، وشمائل مشروحة. رحمه الله تعالى. الشيخ سعيد بن المرحوم محمد الغبرة كان رجلاً يغلب عليه الصلاح، واقتفاء آثار ذوي النجاح، وطلب العلم في أول أمره إلى أن صار له ملكة وإلْمامٌ نوعاً ما، ولكنها لعدم كمال إقباله ما تَمَّا، واخذ الطريقة الصاوية الدرديرية، وكان يقيم الذكر في الجقمقية شمالي جامع بني أمية، وصار عنده جمعية كبرى، وحصل له قبول عند الناس إلى أن استحصل التولية على أوقاف المدرسة المرقومة، فأقبل على الدنيا بجده واجتهاده، ففتر أمره وتنزل قدره، وكان يقرأ درس وعظ بجامع بني أمية فكان يحضره الغرباء، وكان له جسارة في الأمور ودأب عظيم، وكان يخيل له أنه من كبار العلماء المدرسين وفي آخر أمره ذهب إلى عكة وأخذ طريق الشاذلية عن الشيخ علي اليشرطي، بعد ان كان منكراً على هذا الطريق وأهله. وقد توفي هذا المترجم في الحمام فجأة سنة ألف وثلاثمائة ونيف.
следующие страницы →