Полный текст (1 568 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وله من أخرى
أرى القلب مغرى وغرماً بالتغزل ... حليف جوى يصبو إلى كل عَيْطلِ
يسامر زهر الليل يشكو لها الذي ... يقاسيه في ذاك الجمال المكلل
وينشد عن ليلى ولبنى وزينب ... وينعم مع هند ويصبو لمنزل
فليلى سويد القلب حلت وغيرها ... رسوم وأسماء تزال بمعول
فشاهد سنا ليلى فضوء جبينها ... هلال يعيد الوجد بعد التنصل
وحاجبها قوس أراش لأسهم ... أصابت فؤاد الواله المتعلل
وأعينها حور حُمين بِبُتَّرٍ ... وهاروتها بالسحر قد صار مخبلي
ومسند جنح الجند مرسل أدمعي ... ومقطوع صبري في الهوى لم يوصل
زكافور خديها تنفس فجره ... بعنبر خيلان يفوح كمندل
ومبسمها الزهري أشرق نوره ... على شفق يبدو بذاك المقبل
ومرشفه راح ببابل صنعه ... فمن ذاق منه رشفة لم يعلل
وجيد لها يحكي الغزالة صوره ... وما قدرها تحكيه غير تخيل
وراحات أيديها كبدر دجنة ... وصدر كقرص الشمس في حين ينجلي
فدائي هواها والدواء وصالها ... وحالي لا يخفى على المتأمل
انتهى. إن هذا المترجم قد مات في القرن الثالث عشر ولم أقف على تعيين تاريخ موته ﵀.
стр. 632
حرف السين المهملة
القاضي سالم بن محمد الدرمكي من علماء البحرين وعمان
أديب هو في وجه الزمان غرة، وأريب ليس للزمان منه سوى الجمال والمسرة، قد امتطى متن البديع والبيان، وركب ظهر البحرين وعمان، وقد ترجمه أحمد بن محمد الأنصاري فقال ما ملخصه: القول فيه أنه أشعر أهل مصره، وخاتمة بلغاء قطره، مَلَكَ أزمة البراعة واللسن، وظفر بكل معنى برائق حسن، اجتمعت به غير مرة لاستنشاق أرج أنفاسه، في خميلة أرض هي مسقط رأسه، فوجدته سالماً من الفظاظة كاسمه، متحلياً بحلية الفضل اللامع، نوره من محاسن نثره ونظمه، فمن لطائفه قوله م قصيدة أرسل بها إليَّ متشوقاً وأنا إذ ذاك باليمن الميمون:
فيا أبيض الأخلاق والوجه أنا مذ ... تناءيتَ أيامي غدت كلُها سودا
ولا زلت أن اتهمت يهوى تهامة ... فؤادي وإن أنجدت يوماً هوى نجدا
فمهما تسر يشفعك قلبي أينما ... توجهت لا تسعى إلى وجهة فردا
стр. 633
وذكرك في قلبي يلذ وفي فمي ... كأني أحسو من تذكرك الشهدا
نأيت فعن جفني نأى بعدك الكرى ... فهل كنتما وكلتما للنوى وعدا
فيا أحمد المحمود طبعاً إلى متى ... بافعالك الحسنى تعلمني الحمدا
لقد ند عنك السوء يا ابن محمد ... ودمت كريماً لا تصيب له ندا
وقوله في ذكر المحبوب عند الشدة والكروب:
ولقد ذكرتك يا بثينة في السفر ... والفلك في البحر المحيط قد انكسر
والموج من طوفانه متلاطم ... والموت للأنياب منه قد كشر
والناس قد غرقوا معاً إلا أنا ... أرجو الحمام تجاه وجهي ما استتر
وبقيت في لوح غريق كله ... والماء لي كلي إلى رأسي غمر
ومكثت حيناً من طعام معدماً ... فيه وتذكاري يقوم به الذكر
ويعحبني قوله من قصيدة مدح بها السيد النبيل، محمد بن خلفان الوكيل، عليهما رحمة الملك الجليل:
نفسي فدى الإلف الذي صار بي ... براً وما عاينت منه جفا
شمائل راقت ورقت له ... فمنه ما أحلى وما ألطفا
كأنه في حسن أخلاقه ... لنجل خلفان الوكيل اقتفى
محمد مَن ما هفا قلبه ... لريبة قط وعنها هفا
لم يك بالمخلف عهداً ولا ... كل امرئ فوه يُرى مخلفا
يجود بالمال ويسطو فكم ... أمن من قوم وكم خوفا
وما أتاه مذنب تائباً ... يطلب منه العفو إلاَّ عفا
وما شدد الدهر على شيعة ... إلاَّ عليهم جوده خففا
وبالندى منه يوفيهم ... إذا رأى الدهر لهم طففا
إذا قضى أو جاد أو صال أو ... قال حكى في فعله المصطفى
يصلح ما اختل بتدبيره ... مارتقت دنياه إلاَّ رفا
توفي ﵀ عام ألف ومائتين وبضعة عشر.
стр. 634
الإمام الأمجد سعيد بن الإمام أحمد البوسعيدي من علماء عمان والبحرين
قال صاحب الحديقة: ماذا أقول فيمن تفرع من جرثومة السيادة، وترعرع في رياض الحبور والسعادة، وتتوج بتاج العز الزهر، وحظي في دهره بالعيان الأخضر، وتطاول نواله، واتسع في الفضل مجاله:
كانت الألسن عن أوصافه ... وغدا المدح به مفتخرا
فمن لطائفه، وبديع طرائفه، ما كتبه إلى أخيه الهمام سلطان ابن أحمد الإمام:
إذا شحت الخضراء بالوبل فالتمس ... تجد جود سلطان على الناس كالمطر
فإن عز مطلوبي فليس شماتة ... وإن حصل المطلوب فالفوز بالظفر
وقوله يرثي ولده السيد حمد رحمه الله تعالى:
وافى حمامك يا حبيبي بالعجل ... نار تلهب في ضميري تشتعل
يا من له شرف وفضل في الورى ... أمسى وحيداً مفرداً دون الأهل
الله أكبر من مصاب عمنا ... هماً وغماً لا يبيد ولا يفل
حمد حوى المجد الشريف تغيرت ... أيامه قد كان يضرب بالمثل
صبراً لأولاد الإمام ومن لهم ... من أخوة وأقارب فيما نزل
لا غرو هذا قد أتى خير الورى ... لم تمنع الأموال عنه ولا الدول
وقوله ﵀:
لهفي على زمن مضى ... ما ذقت أحلى منه شي
لما ذكرت عهوده ... جرت الدموع وقلت أي
стр. 635
وله قصائد كثيرة، وأبيات شهيرة، وأوصاف ممدوحة، وشمائل مشروحة. رحمه الله تعالى.
الشيخ سعيد بن المرحوم محمد الغبرة
كان رجلاً يغلب عليه الصلاح، واقتفاء آثار ذوي النجاح، وطلب العلم في أول أمره إلى أن صار له ملكة وإلْمامٌ نوعاً ما، ولكنها لعدم كمال إقباله ما تَمَّا، واخذ الطريقة الصاوية الدرديرية، وكان يقيم الذكر في الجقمقية شمالي جامع بني أمية، وصار عنده جمعية كبرى، وحصل له قبول عند الناس إلى أن استحصل التولية على أوقاف المدرسة المرقومة، فأقبل على الدنيا بجده واجتهاده، ففتر أمره وتنزل قدره، وكان يقرأ درس وعظ بجامع بني أمية فكان يحضره الغرباء، وكان له جسارة في الأمور ودأب عظيم، وكان يخيل له أنه من كبار العلماء المدرسين وفي آخر أمره ذهب إلى عكة وأخذ طريق الشاذلية عن الشيخ علي اليشرطي، بعد ان كان منكراً على هذا الطريق وأهله. وقد توفي هذا المترجم في الحمام فجأة سنة ألف وثلاثمائة ونيف.
стр. 636
السيد سعيد أفندي ابن الشهاب أحمد الأيوبي الأنصاري رئيس الكتاب بمحكمة الباب
كان شهماً أديباً، وكاملاً لبيباً، ذا سيرة جميلة، وسريرة جليلة، وشمائل حسنة، وفضائل مستحسنة.
ولد بدمشق الشام سنة أربعين ومائة وألف، ونشأ في حجر والده، وقرأ القرآن وأتقنه، ثم حضر دروس الأفاضل الأعلام، إلى أن بلغ المأمول والمرام، وأحسن صنعة الكتابة، وكان ذا تؤدة في أموره لا يعرف حماقة ولا طيشاً، وتولى رئاسة الكتاب في محكمة الباب، وحصلت له شهرة عظيمة، وسيرة وافية جسيمة ولم يزل يتفوق مقامه، ويمازج القلوب احترامه، إلى أن دعاه الحمام إلى دار المقام، سنة ست وثلاثين ومائتين وألف ودفن في باب الصغير.
الشيخ محمد الشيرازي
هو من رجال الحديقة، بل هو فردها في المجاز والحقيقة، قال في ترجمته، لكي يبدي لنا شمس معرفته: سعيد الحظ والطالع، لا فرق بين وضاءة سعده وبهاء البدر الساطع، نبغ في جنة المعارف شيراز، فظفر من ظهوره كل طالب بلطائف الأدب، وفاز، له النظم الحسن والنثر الذي دل على أنه ذو بلاغة ولسن، ديوان شعره الفارسي بستان، وبيان نظامه العربي حديقة ورد وريحان، فمن ظريف نظمه قوله:
فاح نشر الحمى وهب النسيم ... وتراني من فرط وجدي أهيم
إن ليل الوصال صبح منير ... ونهار الفراق ليل بهيم
ووداع الحبيب خطَب جزيل ... وفراق الأنيس داء أليم
فتن العابدين صدرٌ وسيم ... آه لو كان فيه قلب رحيم
يا وحيد الجمال إني وحيد ... يا عديم المثال قلبي كليم
стр. 637
سلوتي عنكم احتمال بعيد ... وافتضاحي بكم ضلال قديم
معشر اللائمين فيما جهلتم ... لو رأيتم جماله لم تلوموا
إن نار الهوى لدى كل صب ... مع ذكر الحبيب روض نعيم
كل من يدعي المحبة فيكم ... ثم يخشى الملام فهو مليم
وما أحلى قوله:
يا نديمي قم ونبه ... واسقني واسق الندامى
خلني أسهر ليلي ... ودع الناس نياما
اسقياني وهدير الرعد قد أبكى الغماما
في زمان سجع الطير على الغصن وحاما
وأوان كشف الور ... د عن الوجه اللثاما
أيها المصغي إلى الزهاد دع عنك الملاما
فز بها من قبل أن يجعلك الدهر عظاما
قل لمن عير أهل الحب بالجهل ولاما
لا عرفت الحب هيهات ولا ذقت الغراما
لا تلمني في غلام ... أودع القلب سقاما
فبداء الحب كم من ... سيد أضحى غلاما
انتهى. فهذا المترجم قد طار ذكره وفاق، وانعقد على انفراده في بلاده الاتفاق، قد قصده الطلاب من الأقطار، ونحاه الرغاب لما يعلمون لديه من بديع الأوطار. قد أخذ عن العلماء الأفاضل، إلى أن امتاز بالفضائل والفواضل، فدرس وأفاد، وجاد، وأجاد، وأظهر من المعارف التحقيقية ما لم يكن على بال، وبهر في فنونه التدقيقية من بحر ذهنه السيال:
فكأنما هو روضة ... تهتز في يوم مطير
أزهارها ككواكب ... قد زينت فلك الأثير
علامة لم يلق في ... هذا الزمان له نظير
إن جال في التفسير فالتفسير أعسره يسير
стр. 638
أو قرر الأحكام من ... فقه تفقهها الكثير
وإن انتحى للنحو وضحه بتسهيل العسير
وإليه في فن البلا ... غة كل مسؤل يشير
وإذ تعانى الشعر قلت أذا الفرزدق أم جرير
والحاصل أنه فرد عصره، وزينة قطره ومصره. توفي رحمه الله تعالى في شيراز سنة ألف وزيادة عن المائتين.
السيد سعيد بن قاسم بن صالح بن اسماعيل بن أبي بكر القاسمي الشهير بالحلاق الدمشقي الشافعي
سلالة مجد أشرقت أنواره، ونفحت في رياض الأدب أنواره، فصيح ألبسه المولى حلة الكمال، وبليغ نسج القريض على أبدع منوال، فأخذ برقاب القوافي، وورد منها المنهل الصافي، فحاول رقيقه وجزله، وأجاد جده وأحكم هزله، بنظر نقاد، وخاطر وقاد، يقضي حق البيان، ويملك رق الحسن والإحسان، يترقرق به ما الطبع، ويرتفع له حجاب القلب والسمع، مع حسن المحاضرة، ولطف المذاكرة، فلا جرم قد طابق اسمه مسماه، وكاد أن ينطق بلفظه معناه، ولد في دمشق الشام، في أوائل المحرم الحرام، عام تسعة وخمسين ومائتين وألف، ونشأ في حجر والده بركة عصره، وفقيه قطره، فتأدب بفضائله وتهذيبه، وكساه من الفنون الرداء المذهب، فاقتفى واقتدى، وراح في الحلبة واغتدى، حتى نبل وشدا، وبلغ في المعارف الندى، ولما توفي والده عام أربعة وثمانين ومائتين وألف قام مقامه في إمامة جامع السنانية، وإحياء دروسه الليلية والنهارية، وله أخذ وسماع وتحصيل، عن غير والده الجليل، من أساتذة محققين، وأفاضل كاملين، منهم الشيخ
стр. 639
محمد الطنطاوي والشيخ سليم العطار والشيخ محمد المنير والشيخ عمر العطار وغيرهم بواهم الله دار السلام. واجتمع بفضلاء الحرمين الشريفين وبيت المقدس الشريف عام زيارته لهما سنة إحدى وثلاثمائة وألف. وله إقبال عظيم على شانه، وانزواء شديد عن أكابر زمانه، والقلوب على مودته متطابقة، والألسن بالثناء عليه ناطقة، وله مصتفات أدبية، ومجموعات بهية، منها بدائع الغرف، في الصنائع والحرف، ومنها الثغر الباسم، في ترجمة والده الشيخ قاسم، ومنها سفينة الفرج، فيما هب ودب ودرج، ومنها ديوان شعر لطيف جمع فيه جملة من درره، وشذرة من محاسن غرره، وأكثر ن ابتكار النوادر، وتلطف في المجون بكل معنى بديع
стр. 640
نادر، راضياً بعفو الطبع، وما يخف على السمع، فمن لؤلؤه الرطب، ورشح قلمه العذب، قوله مطلع قصيدة متغزلاً:
أما وعيون فاتكات فواتر ... فعلن كأفعال المواضي البواتر
وصبح جبين فوق بدر يزينه ... شقائق ورد بين ليل الغدائر
وعنبر خال حول ثغر مدامة ... حماه ورود الرشف سيف المحاجر
وبلور جيد إن تنازل ريقه ... يريك بريقاً من خلال الحناجر
ورقة خصر فوق طود كثيبة ... تميد بموج فوق بحر الجزائر
وخطيّ قدّ كم ترى عند هزه ... طريح غرام لا جريح خناجر
وهيكل جسم إن تراءى لناظر ... فما هو إلا قطعة من جواهر
بأن الهوى مني وإني من الهوى ... وإن هيولى العشق سار بسائري
ومن منظوماته الحماسية قوله من أبيات:
شموس الرضا دوما علينا بوازغ ... وآلاءُ ستر الله فينا سوابغ
وفي يدنا اليمنى غدا اليمن مغدقا ... بشعر وآداب فنحن النوابغ
لنا في العلا نفس تعز بربها ... وقلب بغير الفكر والشكر فارغ
وقال في مدح دمر:
يا صاح إن رمت المسير لمنزه ... فاقصد بسيرك نحو روضة دمر
فهواؤها محيي الجنان وأرضها ... مثل الجنان وماؤها كالكوثر
ومن لطائفه قوله:
ذهب الربيع بورده وبلينه ... وأتى الشتاء ببرده وبطينه
أما الفقير ففي الشتاء هلاكه ... من همه في فحمه وعجينه
وبسقف بيت عياله من دلفه ... وبرجفه من برده وأنينه
стр. 641
وقال في باب التوكل:
كل من يبغي سوى المولى نقص ... واعتراه من ذوي الدنيا غصص
وإذا أمل منهم حاجة ... نغص المسؤول عنها ونكص
مكفهر الوجه لو أبصرته ... قلت من أين له داء البرص
وعلى السائل فرضا لو سخا ... مرة ألقاه في ذل القفص
فاترك العالم طرا ثم سل ... ملكاً يرغب أن تؤتى الرخص
منعماً براً كريماً رازقاً ... ليس يرضى عن عبيد قد حرص
عالماً أجمال أحوال الورى ... فهو ادرى في تفاصيل القصص
وقال لبعض الشؤون:
نظر الزمان إليَّ من طرف قذي ... يوماً فقلت منادياً من منقذي
فنظرت من كل الجهات فلم أجد ... خلاً يغيث فقلت غب تعوذي
بالأمس لا يحصون أحبابي فهل ... محقوا بريح أصفر مستحوذ
أم هل تواروا في قبور بيوتهم ... سحقاً لهم من ذلك الفعل البذي
أين المودة والإخاء والاصطفا ... بل أين مَنْ مِنْ خير ثدي قد غذي
صدق اللبيب الشاعر الفطن الذي ... قد قال هذا البيت بالمعنى الذي
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد القنفذ
ومن لطائفه قصيدتان نظمهما في عام تأخر برده عن وقته المعتاد صاغ الأولى في قالب السؤال من فصل الشتاء والثانية في جوابه واعتذاره المتضمن وعظ الموسرين ليتفقدوا أولي الفاقة. أما الأولى فهي قوله:
ما بال بردك ياشتاء تأخرا ... وبريق برقك خلب لن يمطرا
أقبلت يا فصل الشتاء ولم نجد ... من ماء مزنك قطرة بلت ثرى
فصل كأيام الحسوم يجيئنا ... فالآن في أبداننا ما أثرا
стр. 642
ما هكذا قد كنت تأتي للورى ... فارحم جشا بلظى هواك تسعرا
وإذا سألتك أن أراك حقيقة ... فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى
أين الرياح العاصفات بفصله ... لا تبقي في الأشجار عرقاً أخضرا
أين الجليد مجمدّ الأرض الذي ... مثل الزجاج تخاله متصورا
أين الصقيع المقصم الظهر الذي ... ترك الفتى من رجفه متحيرا
أين الضباب المظلم الجو الذي ... بظلامه يحكي قتاماً أغبرا
أين اسوداد الجوِّ أين عبوسه ... أين الغمام وغمه ومتى سرى
أين الزيادة في المياه إذا أتت ... تحكي لنا في اللون طيناً أحمرا
بل أين برد الزمهرير ولسعه ... للوجه لكن يستخير المنخرا
أين الرعود المزعجات بصوتها ... كمدافع يضربن جواً أقفرا
فإذا رأيت رأيت برداً خاطفاً ... وإذا سمعت سمعت صوتاً منكرا
أسفي لثلجك يا شتاء فإنه ... قد كان يبني أذرعاً أو أكثرا
أسفي على البَرَد الكبير وطبّه ... مذ كان ينزل جامداً مستحجرا
أسفي علينا ما رأت أبداننا ... برداً به نلتذ في لبس الفرا
فإلى متى والصحو عمَّ سماءنا ... والشمس في إشراقها لن تسترا
وبيوتنا أبوابها مفتوحة ... فكأن حرَّ الصيف لن يتغيرا
وننام لا مزَّملين بثوبنا ... كلا ولا احتجنا لآن نتدثرا
وسقوفنا جفت وقد كانت لنا ... يبكي بدمع الدلف ماء أصفرا
أسفي على يبس الميازيب التي ... طول الشتاء تصب ماء أغبرا
أسفي على تلك البلاليع التي ... كانت تسد بما يحاكي الأبحرا
أسفي على تلك المناقل لم تذق ... في صفوة فحماً وجمراً أحمرا
أسفي على تلك البرادي وهي في ... أجداثها ملفوفة لن تنشرا
стр. 643
أسفي على الأوحال في الطرقات إذ ... يبست وآن لها بأن تتخمرا
ومتى نرى الإنسان يمشي فوقها ... يغدو ويرجع خائضاً ومشمرا
ومزركشاً من طينها ومطرزا ... ومدبجاً من فرقه وإلى ورا
وبنعله قد شال من أوحالها ... أرطال طين كاد يحني الأظهرا
فلطالما قد قيل أيام الشتا ... زلق الحمار بوحلة فتفطرا
والناس يصطرخون هل من منقذ ... غرق الحمار بحمله وتكسرا
أسفي على الحمال لو أبصرته ... لرحمته لما بكى وتحسرا
فإلى متى لا تحمل العكاز بل ... لا يلبس القبقاب بل لا يشترى
ومتى نرى سطح السقوف مكلساً ... ومخمراً بالثلج أبيض نيرا
لو أنني جمعته وخزنته ... للصيف كنت عملت منه متجرا
فبمثل هذا الحال كان شتاؤنا ... أفلا يحق عليه أن نتقهرا
يا أجرد الكانون جئت معاكساً ... تدع الغصون ونحن ننبذ بالعرا
وكذا الأصم أخوه لا يبغي بأن ... ننطم في وسط البيوت ونقبرا
لو كان يسمع لا يضن ببرده ... لكن أصم فليس يسمع ما جرى
فعسى بآذار يجود بمالنا ... قد ضن فيه شتاؤنا إن أدبرا
وقال في القصيدة الثانية التي وقعت جواباً على لسان حاله فهي:
يا من تكلم في الشتاء بما درى ... ورأى بأن البرد فيه تأخرا
برد الشتاء لقد تحول عنكمو ... وأظنه قد ضل في إحدى القرى
جوبوا البلاد لعلكم تجدونه ... في قارة قد قرَّ فيها أو سرى
إن لم تروه بها فجدوا خلفه ... فلعله في حمص زار وزمهرا
أم في حماة أتى إليها يحتمي ... فعصى بعاصي نهرها وتسترا
أم راح نحو مدينة الشهباء أم ... رام الإقامة في ذرى أم القرى
стр. 644
ليريحهم من حرها في برده ... ويزمل الأبدان منهم بالفرا
أم أمَّ نحو الروم وهي بلاده ... منها نشا وبها استقر بلا امترا
فهناك تلقون الشتاء وبرده ... يمشي بمسقط رأسه متبخترا
وترون ما تبغون من آفاته ... وزيادة مما يقص الأظهرا
فإذا سمعتم أنه في بلدة ... ورأيتموه جامحاً مستنفرا
قولوا له يا ابن الحلال إلى متى ... ما آن أن تأتي وتنظر ما جرى
بينا نطوف لعلنا نحظى به ... في بعض تلك المدن أو بعض القرى
وإذا به بين الجبال مخيم ... إذ لا أنيس له هناك من الورى
قلنا له: يا بارداً في طبعه ... لكن قطر نداك يحكي السكرا
أنت الذي عاهدتنا من أدم ... والعهد منك على المدى لن يخفرا
تأتي ألينا كي تغيث زروعنا ... في كل عام مرة أو أكثرا
والآن في ذا العام قد قاطعتنا ... وفررت عنا ما الذي منا جرى
أرأيت منا ما يسوءك فعله ... من كل ذنب سيئ لن يغفرا
أم بعضنا يجني عليك بذنبه ... فأخذت باقي البعض ظلماً وافترا
هذا وقد جئناك بعد مشقة ... فابدي الجواب ولا تكن مستعذرا
نهض الشتاء وقال كلا فاسمعوا ... نصحاً يقال لمن يريد تبصرا
لما منعتم مالكم فقراءكم ... وعراهمو من فقرهم ما قد عرا
وغنيكم متنعم بطعامه ... وشرابه ولباس أنواع الفرا
وفقيركم لا تنظرون لحاله ... وترونه في عيشه متكدرا
وترونه بالسوق في وقت المسا ... يبتاع زيتوناً وخبزاً أسمرا
يغدو حزيناً باكياً وغنيكم ... يغدو ويرجع ضاحكاً مستبشرا
ويطوف حول الفاكهاني في المسا ... أو حول بياع الكنائف للشرا
стр. 645
وإن اشترى شيئاً غدا من بخله ... يخفيه تحت ثيابه متسترا
والمعدمون يبصبصون بأعين ... حول الغني ويرجعون القهقرى
وإذا الفقير أتاه يبكي كسرة ... أو جاء ضيفاً يبتغي منه القرى
ما كان إلا بالعصا إكرامه ... أو بالعطا أعطاه فلساً أحمرا
وكم تمنى الأغنياء بأن يروا ... في ساحة الفقراء ريحاً أصفرا
كي لا يروا أبداً فقيراً بل ولا ... يجدون مسكيناً وأشعث أغبرا
يا ويحهم ماذا يكون جوابهم ... في القبر حين يروا نكيراً منكرا
للأغنيا ويل من الفقرا غدا ... يوم القيامة إذ يرون المحشرا
إذ يقبضون عليهم في موقف ... منه الوليد يشيب من بين الورى
ويقول كل منهم يا ربنا ... خذ حقنا منهم فلن نتأخرا
يبقى الغني هناك لا مال له ... فيصير عما قد جنى متحسرا
فالآن أنتم يا ذوي الأموال إن ... واسيتموا الفقراء آتي ممطرا
وتزوركم رحمات رب لم يزل ... للمحسنين مساعداً وميسرا
وترون فصلي فصل خصب مقبل ... في كل خير بالرخاء مبشرا
ولتسمعن رعوده كمدافع ... ولتنظرن البرق فيه منورا
ولتبصرن هتون مزن سحابه ... فسيوله في الأرض تحكي الأبحرا
ولسوف ينزل ثلجه ببلادكم ... فهناك يبني أذرعاً أو أكثرا
ويروج سوق سويقكم في وقته ... فكلوا السويق مدبساً ومكسرا
وله من هذا الباب، ما تلذ به أولوا الألباب، مما يعترف له بحقه، ويعرف به مقدار سبقه، ثم أنه في ثاني وعشرين من شوال عام ألف وثلاثمائة وسبعة عشر بعد طلوع الشمس وكانت الساعة اثنتين من النهار صباحاً توفي المترجم فجأة وكان له مشهد عظيم، ومحفل جسيم، وكانت الصلاة عليه في جامع السنانية ودفن في مقبرة باب الصغير وراء قبر والده رحمه الله تعالى.
стр. 646
الشيخ سعيد بن عبد الكريم الأنصاري المدني رحمه الله تعالى
هو من عقد اللآلئ الثمينة، في أعيان المدينة، فقال مؤلفه، ومجيده ومصنفه: فاضل أطلق في العلم لسانه، واتخذ الفضل عنوانه، وحاز الفضائل بحسن همة، وجعل الآداب لها تتمة، فأبدى نظماً هو الدر إلا أنه المنضود في النحور، والزهر إلا أنه الخضل الممطور، وهو أكبر إخوته، وكبير ثلته، فإنهم أربعة إخوة نشأوا من الحسب والمكارم في أعلى ربوة، ثلاثة منهم لهم في النظم يد، وواحد منهم لم يكن له فيه صدد، فمن نظم صاحب الترجمة البارع في كناية البيان وصريحه، قوله في مدح سيدنا عثمان بن عفان كتبها على تابوته في ضريحه:
لعثمان ذي النورين تفدى الجوانح ... وتسعى إليه العارفون الجحاجح
ألا كيف لا تسعى وقد حاز رفعة ... لها الشرف العالي مدى الدهر راجح
سليل ذوي المجد الرفيع مكانة ... به يتقى والحادثات فوادح
فإن كان مجد الصاحبين محققاً ... فمجد أبي عمرو له الفضل شارح
لقد بايع المختار عنه بنفسه ... مبايعة فيها الكماة كوالح
وجهز جيش المسلمين بماله ... وأوقف بئراً تنتحيها الموائح
وقد أنزلت فيه أمن هو قانت ... يقوم الدياجي والدموع سواقح
وبشر بالبلوى ففوض أمره ... فوافته بالدار الرزايا النواطح
وأضحى شهيداً في الجنان منعماً ... له الحور تجلى قد علته الوشايح
همام أمير المؤمنين قد استحت ... ملائكة الرحمن منه وصالح
стр. 647
وأثنى عليه الهاشمي ببذله ... تليداً معّداً قد حبته المرابح
وزوجه بنتاً له ثم بعدها ... حباه بأخرى نشرها ثم فايح
وهاجر حباً مرتين فأخصبت ... سنون وسالت من نداه الأباطح
فيا ثالث الأصحاب أنت وسيلتي ... ويا جامع القرآن جودك مانح
وهاكم قريضاً فوق تابوتكم زهى ... على الروض فيه المطربات صوادح
وكالنور نوراً بل يزيد وضاءة ... وحسناً له بين الأنام مدايح
فمع غاية المجد المؤثل قد أتى ... لتاريخه شطر من الشعر واضح
يقولون زوار الضريح إذا أتوا ... أيا حسن تابوت له الله مانح
قد توفي في أوائل القرن الثالث عشر رحمه الله تعالى.
الشيخ سعدي بن محمد بن عمر بن عبد اللطيف بن محمد بن محمد بن أحمد بن شمس الدين بن تقي الدين بن أبي بكر ابن عبد الهادي الدمشقي الحنفي الفاروقي العمري
المتصل النسب بسيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ثاني الخلفاء الراشدين، ولد المترجم في دمشق الشام ونشأ بها وقرأ على جل علمائها، وأجل فضلائها، ومن أجلهم العمدة العلامة، والنخبة الفهامة، الشيخ سعيد الحلبي، والسيد شاكر العقاد، وغيرهما من الأعيان الأمجاد، وولي أمانة الفتوى في دمشق الشام أيام مفتيها الأجل الهمام، السيد حسين أفندي المرادي، إلى أن توفي وتولى الإفتاء بعده ولده علي أفندي المرادي مدة أشهر وكان المترجم عنده، ثم بعد موت علي أفندي تولى الإفتاء طاهر أفندي وكان المترجم عنده، إلى أن فصل سنة ألف ومائتين وثمان وسبعين وتولى الإفتاء أمين أفندي الجندي فكان المترجم أمين الفتوى عنده، إلى أن توفي المترجم المرقوم في حدود سنة الألف والمائتين والثمانين.
стр. 648
الشيخ سعدي بن الشيخ هاشم التاجي البعلي الدمشقي
من العلماء الأفراد والفقهاء السادة الأمجاد، كان حسن الأخلاق قد علا قدره وفاق، وكان محمود السيرة ممدوح السريرة، قد سافرت وإياه سنة تسع وسبعين إلى القدس فرأيت من حسن حاله، واتساع باله، ما يوجب له حسن الثناء والمدح ويذهب عنه كل طعن وقدح، مات رحمه الله تعالى خامس عشر ربيع الثاني سنة تسع وسبعين ومائتين وألف ودفن في تربة باب الصغير.
الشيخ سعدي بن مصطفى بن سعد بن عبده الدمشقي الحنبلي المعروف بالسيوطي
العام العامل الهمام، ومفتي الحنابلة بدمشق الشام، ولد بدمشق خامس عشر شهر المحرم الحرام سنة ست وتسعين ومائة وألف من هجرة سيد الأنام، وأخذ عن الشيخ محمد الكزبري، والشيخ شاكر مقدم سعد والشيخ غنام الحنبلي، وغيرهم من السادة العلماء والقادة الفضلاء، وبرع وفاق وطار ذكره في الآفاق، وكان عالماً عاملاً زاهداً فاضلاً، عابداً تقياً صالحاً نقياً، رفيع المقام بديع الاحترام، تولى نظارة جامع بني أمية بعد وفاة والده سنة ألف ومائتين وثلاث وأربعين، وإفتاء الحنابلة وكان فائقاً في العلوم من منطوق ومفهوم، ولاسيما في علمي الحساب والفرائض فإن له بهما المعرفة التامة. ولم يزل على كماله إلى أن جذبته يد المنية إلى الدار العلية، في ذي الحجة الحرام سنة ألف ومائتين وست وخمسين ودفن في الدحداح.
стр. 649
سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود
قال في البدر الطالع: ولد تقريباً سنة ألف ومائة وستين في وطنه ووطن أهله القرية المعروفة بالدرعية من البلاد النجدية، وكان قائد جيوش أبيه عبد العزيز وكان جده محمد شيخاً لقريته التي هو فيها، فوصل إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى التوحيد المنكِرُ على المعتقدين في الأموات فأجابه وقام بنصره، وما زال يجاهد من يخالفه، وكانت تلك البلاد قد غلبت عليها الأمور الجاهلية وصار الإسلام فيها غريباً. ثم مات محمد بن سعود وقد دخل في الدين بعض البلاد النجدية، وقام ولده عبد العزيز مقامه فافتتح جميع الديار النجدية، والبلاد العارضية والحسا والقطيف، وجاوزها إلى فتح كثير من البلاد الحجازية، ثم استولى على الطائف ومكة والمدينة وغالب جزيرة العرب، وغالب هذه الفتوح على يد والد سعود، قام ولده سعود المترجم المرقوم، فتكاثرت جنوده واتسعت فتوحاته، ووصلت جنوده إلى اليمن، فافتتحوا بلاد أبي عريش وما تصل بها، ثم تابعهم الشريف حمود بن محمد شريف أبي عريش وأمدوه بالجنود، ففتح البلاد التهامية كاللحية والحديدة وبيت الفقيه وزبيد، وما يتصل بهذه البلاد، وما زال الوافدون من سعود يفدون صنعاء إلى حضرة الإمام المنصور وولده المتوكل بمكاتيب
стр. 650
إليهما بالدعوة إلى التوحيد وهدم القبور المشيدة والقباب المرتفعة ثم وقع الهدم للقباب والقبور المشيدة في صنعاء، وفي كثير من الأمكنة المجاورة لها وفي جهة ذمار وما يتصل بها، ثم خرج خليل باشا من مصر إلى مكة بعد إرساله بجنود افتتحوا مكة والمدينة والطائف وغلبوا عليها، وكان استيلاؤه على مكة والمدينة عام ألف ومائتين وثمانية وعشرين، وخروجه إلى مكة سنة ألف ومائتين وسبع وعشرين، والحرب مستمرة. ومات سعود سنة ألف ومائتين وتسع وعشرين، وقام بالأمر ولده عبد الله بن سعود، وقد أفردت هذه الحوادث العظيمة بمصنف مستقل، ثم خرجت جيوش الدولة ومصر على عبد الله بن سعود ومن معه من الجند في قريته الدرعية، وطال الحصر وأخربت المدافع العثمانية كثيراً من الأبنية، وبعد هذا استسلم عبد الله بن سعود، وكان ذلك في سنة ألف ومائتين وثلاث وثلاثين، وأدخلوه أسيراً إلى حضرة سلطان العرب والعجم حضرة أمير المؤمنين السلطان محمود والله أعلم ما انتهى إليه حاله. ثم خرج بعض الجنود العثمانية صحبة خليل باشا إلى تهامة اليمن التي كانت بيد الشريف حمود، وكان خروجهم بعد موته وقيام ولده أحمد بالأمر، مع معارضة الشريف حسن بن خالد الحازمي للشريف أحمد، فاستولت الجنود العثمانية على ما كان بيد الشريف أحمد بن حمود، واستسلم إلى أيديهم، وأحضروه إلى
стр. 651
دار السلطنة العثمانية، وكان ذلك سنة ألف ومائتين وأربع وثلاثين. وأما الشريف حسن بن خالد الحازمي ففر بمن معه إلى بلاد عسير، وتحصن بمكان يقال له المناظر، فخرجت عليه الجنود العثمانية، ووقع بينهم حروب، آخرها قتل الشريف حسن بن خالد والأمر لله سبحانه اهـ.
الشيخ سعيد بن أسعد الدمشقي الشهير بالسفاريني النابلسي الحنبلي
كان إماماً عالماً عاملاً، وهماماً كاملاً فاضلاً، معتمداً عليه في مذهب الإمام الأوحد، العالم المجتهد الإمام أحمد، قدس الله سره، ورفع في الدارين قدره، وكان له صلاح ظاهر، ودأب على السنة باهر. مات ﵀ في غرة رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف ودفن في تربة الذهبية قرب قبر السيد عبد الباقي الحنبلي الأزهري.
الشيخ سعيد بن حسن بن أحمد الحلبي الأصل الدمشقي المنشأ الحنفي
شيخ المحدثين، وعمدة العلماء العاملين، وزبدة الفضلاء، ونخبة السادة الأتقياء، من شيد ربوع العلوم، وقيد شوارد المنطوق والمفهوم، فهو الحجة الراجحة، والمحجة الواضحة، والبحر المتلاطمة أمواج عرفانه، والحبر المتواترة براهين بيانه، أوحد أهل زمانه، ومفرد عصره وأوانه، المحقق الفقيه، والمدقق النبيه، شيخ الشيوخ وإمام ذوي الكمال والرسوخ. ولد بحلب سنة ثمان وثمانين ومائة وألف، ونشأ بها وقرأ على جملة من أفاضل علمائها، ثم في سنة سبع ومائتين وألف قدم دمشق الشام، واستوطن في حجرته بجانب مدرسة الكلاسة في جامع بني أمية، وتصدر للإفادة والتعليم، والإرشاد والتفهيم، وأخذ عن إسماعيل أفندي المواهبي،
стр. 652
والسيد محمد نجيب بن أحمد القلعي، والشيخ محمد مكي القلعي الحلبي، والشيخ علي الشمعة، والشيخ محمد الكزبري، والشهاب العطار، والشيخ مصطفى الأيوبي الأنصاري الرحمتي الحنفي، والشيخ شاكر مقدم سعد والشيخ يوسف أفندي بن السيد حسين الحسيني الحنفي الدمشقي، والعلامة أبي الفدا إسماعيل بن محمد بن صالح بن محمد المواهبي الحلبي الحنفي القادري، ومحمد أفندي بن عثمان أفندي العقيلي، وقرأ صحيح الشهاب المنيني، وكان يقرأ في رمضان ستين ختمة، مات ﵁ في دمشق في اليوم الثاني من شهر رمضان سنة تسع وخمسين ومائتين وألف ودفن في تربة الذهبية.
سعيد بن حمزة العجلاني نقيب دمشق الشام الحنفي الدمشقي
السيد الإمام، الفاضل الهمام، صدر الأفاضل، وبدر ذوي الفضائل، المحقق الأديب، والمدقق الأريب، والماهر النبيه، والبارع الفقيه، والورع العابد، والناسك الزاهد، ولد بدمشق ونشا في حجر والده وتربى على يديه، وتخرج عليه، وعلى أفاضل العلماء، وأماثل الفضلاء، ومن جملتهم السيد نجيب القلعي الحنفي. وقد نقل بعض الناس عن ولد الشيخ نجيب أنه مأمور من رسول الله ﷺ بإجازته، ولي نقابة الأشراف بدمشق الشام مكان والده السيد حمزة سنة تسع وعشرين ومائتين وألف، وبعد هذه التولية بمدة قليلة عزل حسين أفندي المرادي من الإفتاء ونفي من دمشق ووضع في مكانه المترجم المرقوم، وبقي مفتياً خمسة أشهر،
стр. 653
ثم أعيدت إلى حسين أفندي المرادي، وكان للمترجم قبول عند الناس ومحبة عظيمة لما حاز عليه من الصفات الحميدة، والأخلاق العالية الجليلة. مات رحمه الله تعالى سنة تسع وأربعين ومائتين وألف ودفن في دمشق في مدفنهم المشهور.
الشيخ سعيد الخالدي الدمشقي الشاذلي الترشيحي اليشرطي الشافعي
ولد سنة إحدى وعشرين بعد المائتين والألف ونشأ من أول عمره في العبادة، والطاعة والزهادة، وزيارة الأولياء والجلوس في مجالس العلماء، وقد أطلعني ولده على نسبه فأحببت ذكره حفظاً لسلسلته فهو أي المترجم سعيد بن شاكر بن سعيد بن سعد الله بن سعيد بن قاسم بن أحمد بن محمد بن محمود بن أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن جابر بن علي بن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الله بن سالم بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن جبران بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن جابر بن سالم بن سليمان ابن الصحابي الجليل سيدي خالد بن الوليد قدس الله سره، ورفع في الدارين قدره، وقد بدأ المترجم بتعلم ما لا بد منه، وما لا يستغني المكلف عنه، ثم التفت إلى التعلم، والاستفادة والتفهم، فلازم الشيخ العلامة وهو ملا أبو بكر الكردي مدة وكان من قبله قد حضر دروس والدي المرحوم الشيخ حسن البيطار مدة طويلة، وحضر دروس أخي الشيخ عبد الغني أفندي في تحفة ابن حجر الهيتمي، ودروس الشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار ثم الشيخ
стр. 654
سليم العطار والشيخ إبراهيم العطار ثم لازم شيخنا الفاضل الشيخ محمد بن مصطفى الطنطاوي فقرأ عليه أنواعاً من العلوم وصار عنده ملكة عظيمة، وقوة جسيمة، وكان حسن العشرة، طيب النشرة، نطوقاً في الكلام جميل المقال، لا يمل حديثه وإن طال، ممدوح المجالسة لطيف المؤانسة.
له في الحكايات الأدبية حافظة قوية، وعلى حكاياته طلاوة وعذوبة وحلاوة، رقيق الحاشية لطافته في الناس فاشية، فقير الحال زاهد في الجاه والمال، له في العلوم همة تقتضي أن يصير من أفراد الأمة، مواظب على ديانته غير ناظر معها إلى راحته، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر، آخذ بالعظائم لا تأخذه في الله لومة لائم، جسور في الجواب لا يخاف ولا يهاب، لا يمشي إلى دعوة إو إلى أهل أو صاحب أو جليس إلا ومعه من الكتب عدة كراريس، لا يخلو مجلسه من نصيحة أو موعظة أو جواب أو سؤال، أو حكاية تكسو المجلس حلة الجمال، فاشتهر وفاق وانعقد على كمال لطفه وأدبه الاتفاق، وصار له قدر مديد خصوصاً وهو من ذرية سيدنا خالد بن الوليد، كأنما لسان حاله يقول لمريد الترقي للوصول:
من يطلب العز يتعب في مدارجه ... فالعز طود وأرض الذل ميدان
لولا المشقة ما فاق الورى بشر ... ولا سيما في الدنا بالمجد إنسان
ومن هذا المعنى قول من قال وأحسن في المقال:
لا تدرك العلياء دون مشقة ... كلا ولا الحسنى بلا تهذيب
فالعز في كلف الرجال ولم ينل ... عز بلا كلف ولا تعذيب
ولم يزل مستقيماً على حاله متخلصاً من أوحاله، إلى أن حضر إلى داريا خليفة من خلفاء الشيخ علي المغربي اليشرطي الشاذلي وكان قد أرسله من عكا، واسمه الشيخ أحمد البقاعي، فأخذ المترجم عنه الطريق،
стр. 655
ثم بعد ذلك ذهب إلى زيارة الشيخ في عكا فحضر من عنده وقد انعكست حالته، وانقلبت إلى ضدها في الظاهر طاعته، وعلاه طيش وجنون، ومن المعلوم أن الجنون فنون، فذهب رونقه، وبان نورقه، واستثقل أمره وانخفض قدره، فترك الفقه والأصول والمعقول والمنقول، واستخف بالعلماء، وجحد فضيلة الفضلاء، وأنكر العلم والعمل، وعن كثير من التكليفات اعتزل، وقال هذه واجبة على المحجوبين لا على المحبوبين؟! وكان كثيراً ما يتكلم بالكلام، الذي لا يرتضيه من في قلبه ذرة من الإسلام، وصار لا يقول بواجب ولا مسنون، ويقول إن التمسك بذلك محض جنون، ومن دخل في الطريق وترقى في المقامات صارت ذاته عين الذات، وصفاته عين الصفات، وهل يجب على الله صلاة أو صيام بحال، وهل يقال في حقه عن شيء حرام أو حلال وأمثال ذلك كثير لا يرام، ولو أردنا أن نطيل به لخرجنا عما يقتضيه المقام. وقد وافقه على ذلك عدة أشخاص، قد خرجوا من الدين ولات حين مناص، فتجاهروا بالآثام، ولم يتقيدوا بحلال أو حرام مع أن شيخهم الأستاذ قد أنكر عليهم، ووجه أشد الملام إليهم، وكتب لهم ينهاهم عن ذلك، ويزجرهم عن هذه المسالك، وهم يؤولون كلامه، حتى صاروا فرقة ذات متانة وحمية، وفي يد كل واحد منهم عكاز، في أسفلها حربة يتوكؤون عليها في المجاز، وما زال يفاقم أمرهم، ويكثر
стр. 656
جمعهم، إلى أن نفى الحاكم بسببهم أستاذهم إلى جزيرة قبرص، ناسباً القصور إليه، ومعه المترجم وجملة أنفار يعتمدون عليه.
وكان المترجم خطيباً في قرية كفرسوسيا وهي قرية من الشام تبعد قيد ميل، وكان منها معاشه، مع التعظيم والتبجيل، فحينما ذهب منفياً مع الشيخ وضعوا عنه وكيلاَ، ولم يسلكوا إلى الاستغناء عنه سبيلا، وكان الشيخ يقول لهم ما صدر علينا هذا التضييق، إلا من تكلمكم بما لا يليق، ثم بعد مدة طويلة عفت الحكومة عنهم على أنهم لا يعودون إلى أمثال هذه الرذيلة، ولا إلى الملابس البذيلة، فعاد المترجم إلى قريته، ومحل إقامته وخدمته، ورجع إلى حاله الأول وما يرجع عن زيغه ولا تحول، فأعرض عنه أهل البلد ونصبوا له شرك النكد، إلى أن فصلوه، ووضعوا مكانه تلميذه وبمصلحته وصلوه، فعاد المترجم بعياله إلى الشام، وتزايد أمره بما يقتضي الاعتراض والملام، إلا أنه قد ضاقت يده، وهبط قدره وسؤدده، وذهب جماله وسقط كماله، فذهب إلى داريا يقري الأولاد، ودنياه تعامله بعكس المراد، وذلك كله لاتباعه الباطل، وتمسكه بما ليس تحته سوى الشقاء من طائل، وكنت أنصحه بالرجوع إلى المطلوب، فيقول لي أنت عن الحقيقة محجوب، لو قطع رأسي وتفصلت أوصالي لا رجعت عن طريقي وحالي. فمرة كنت أمشي وإياه في الصحراء فرأى امرأة قروية قد لبست لباساً أحمر فقال لها يا حبيبي عملت نفسك امرأة ولَبِسْتَ اللباس الأحمر! ومرة رأى هراً فصرخ وقال له عملت نفسك هراً وتظن أني ما عرفتك. وكان يقول عن إبليس إنسان كامل. وأمثال هذا كثير، مما لا يقول به جليل ولا حقير، ويقول للائمين أنتم أهل الرسوم، المتمسكون بظاهر العلوم، ونحن الصوفية أهل الطريقة، والوجدان والحقيقة. وما علم أن ذلك من أكبر الغلط، ومن
стр. 657
قال به فقد سلك مسلك الشطط، وهل تجدي من غير شريعة طريقة، أو تصلح بما لا تمسك له بالقرآن والسنة حقيقة. قال صاحب الأسفار في شرحه على رسالة الخلوة للشيخ الأكبر قدس الله سرهما: وصية يا أخي رحمك الله قد سافرت إلى أقصى البلاد، وعاشرت أصناف العباد، فما رأت عيني، ولا سمعت أذني، أشر ولا أقبح ولا أبعد عن جناب الله من طائفة تدعي أنها من كمل الصوفية وتنسب نفسها إلى الكمال، وتظهر بصورتهم، ومع هذا لا تؤمن بالله ورسله ولا باليوم الآخر ولا تتقيد بالتكاليف الشرعية، وتقرر أحوال الرسل وما جاءوا به بوجه لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فكيف من وصل إلى مراتب أهل الكشف والعيان، ورأينا منهم جماعة كثيرة من أكابرهم في بلاد أذربيجان وشيروان وجيلان وخراسان لعن الله جميعهم فالله الله يا أخي لا تسكن في قرية فيها واحد من هذه الطائفة، لقوله تعالى " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " وإن لم يتيسر لك ذلك فاجهد أن لا تراهم ولا تجاورهم فكيف إن تعاشرهم وتخالطهم؟ وإن لم تفعل فما نصحت نفسك والله الهادي انتهى وما زال المترجم على حاله خائضاً في أوحاله، إلى أن تمرض وتوفي رابع عشر جمادى الأولى سنة ألف ومائتين وأربع وتسعين. ودفن في جوار سيدنا بلال الحبشي نسأل الله أن يكون رجع عما كان عليه وتاب إلى الله وآب إليه.
стр. 658
سعيد بن عبد الله بن حسن بن مرعي بن ناصر الدين الدوري المعروف بالسويدي الشافعي البغدادي الأصل ثم الدمشقي
الشيخ العمدة الإمام، والفاضل النخبة الهمام، برمة الشام وكعبة طواف العلماء والأعلام، ومفيد الخاص والعام، وأوحد الأفاضل الكرام. ولد في بغداد سنة إحدى وأربعين ومائة وألف، ودأب على الطلب مدة ثم قدم دمشق واستوطنها وأخذ عن علمائها ومن جملة شيوخه والده المرقوم، والفاضل الشيخ عقيلة المكي، والشيخ صالح الجينيني، والعلامة الشيخ سالم البصري، والشيخ عمر بن أحمد السقاف، والشيخ البديري، والسيد مرتضى الزبيدي شارح القاموس والأحياء، وأبو الطيب المغربي المدني المالكي. وأجازوه جميعاً بالإجازة العامة بما تجوز لهم روايته عن شيوخهم، وأخذ عنه طلبة زمانه وأجازهم بالإجازة العامة، ولم يزل في ترق إلى أن مات ﵁ سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، ودفن في مقبرة باب الصغير.
السيد سليم بن علي بن موسى الدمشقي الحسيني الحنفي الشهير بابن مرتضى السيد الشريف
النجيب الأديب، واللطيف الذكي الريب، أحد الأعيان، وأوحد ذوي الشان، من أهل السلسلة النبوية والسلالة الأحمدية، تحلى بأحسن الشيم، وتوشح بجلباب السماحة والكرم. ولد في نيف وخمسين ومائتين وألف، وكان معاشراً لطيفاً، أديباً ظريفاً، صاحب نوادر جليلة، وطرائف جميلة، لطيف الطبع سليم الصدر، ذا رفعة وجلالة ومهابة وقدر، وكان عند الشيعة والرافضة مقدماً مهاباً معظماً يواصلونه في كل
стр. 659
سنة على ما قيل، بنحو مائة ألف ويقولون هذا قليل. مات نهار الأحد ثامن شهر شعبان سنة إحدى وتسعين ومائتين وألف ودفن عند قبور بني المرتضى في مقبرة باب الصغير قرب قبور الزوجات الطاهرات.
السيد سليم أفندي بن نسيب أفندي بن السيد حسين بن السيد يحيى حمزة
الشريف العابد، والعفيف الزاهد، المعروف بين الناس بالتقوى والديانة، والعفة والصيانة، وكان عالماً عاملاً، هماماً فاضلاً، كثير التباعد عن الناس، له بالعزلة راحة واستئناس، وكان في أكثر أوقاته معتكفاً في مشهد سيدنا الحسين في جامع بني أمية، وكان له بعض صنائع غريبة ودقائق عجيبة، يصرف منها على نفسه طلباً للحلال وبُعداً عن الحرام من الأموال. مات ﵀ وأحسم مثواه، في خامس وعشرين من ذي القعدة الحرام سنة ألف وثلاثمائة وسنة واحدة، ودفن في مقبرة الدحداح قرب قبر والده.
السلطان سليم خان الثالث بن السلطان مصطفى بن السلطان أحمد الثالث
ولد سنة ألف ومائة وخمس وسبعين، وجلس على تخت الملك عام ألف ومائتين وثلاثة في ثاني عشر رجب، ففي الحال اخذ بتدبير الأحوال لينجو بصلاح الدولة من وبال النكال، فبعث بالجيوش لقتال روسيا والنمسا، وأخيراً تداخلت بروسيا وإنكلترا، فعقد الصلح مع النمسا
стр. 660
ثم مع روسيا، فسر أهل العاصمة بالصلح، على أن أخبار سوريا ومصر لم تكن مرضية للدولة، وكان السلطان المشار إليه قد رأى مضرة الإنكشارية وتجاوزهم الحدود فرغب أن يلاشي وجاقهم ويقيم مكانهم عسكراً جديداً على الطريقة الإفرنجية، لأن الإنكشارية كانوا قد زعزعوا أركان السلطنة بعصيانهم وعدم انقيادهم، وكان قد نظم في العام الماضي بعض الفرق من النظام الجديد، فهاج الإنكشارية من ذلك، وأثاروا في القسطنطينية شغباً عظيماً يطول الكلام بذكره، واعتصبوا عصبة واحدة، وكان موافقاً لهم على منع النظام الجديد عطا الله أفندي شيخ الإسلام وقائمقام الصدر الأعظم، فقوي أمرهم به وقال لهم أنه لا يجوز أن تكون عساكر الإسلام مشبهة بالكفار، وحيث أحدثوا النظام الجديد كانوا متشبهين بالكفار، فقويت هذه الحجة في صدورهم وقالوا سيروا بنا لنلاشي النظام الجديد وننتقم من الوزراء الذي أفسدوا طهارة الإيمان بأفعالهم الشنيعة، وتحالفوا على ملاشاة وجاقات العساكر الإنكشارية، الذين هم عمدة مملكة الدولة العلية، وبعد هذا الحديث أخرجوا ورقة فيها أسماء بعض أشخاص من رجال الدولة يريدون قتلهم، أرسلها إليهم المفتي عطا الله أفندي، فأخذوا يتلونها ويسمون الأشخاص الذين يرون قتلهم، ثم ساروا يفتشون عليهم فوجدوا بعضاً منهم فقتلوهم، واختفى كثير منهم
стр. 661
في بيوت النصارى واليهود، وقتلوا خلقاً كثيراً، واحضروا سبعة عشر رأساً من أعظم رجال الدولة، ودام الدم جارياً في القسطنطينية ثلاثة أيام، ثم صمموا على طلب السلطان سليم والقبض عليه ليخلعوه، وصاروا يقولون يا أيها السلطان المغشوش بهذه التعاليم أنسيت أنك أمير المؤمنين، وعوضاً عن اتكالك على الله القادر العظيم الذي يبدد بدقيقة واحدة الجيوش الكثيرة العدد وأردت أن تشبه الإسلام بالكفار وأغضبت الله فكيف يسوغ لك أن تكون أمير المؤمنين، ومحامياً عن الدين، فالعساكر المحافظة على كرسيك لم يعد لهم ثقة بك، والمملكة أضحت مضطربة فيجب عليك أن تلاحظ وتفضل على كل شيء الإيمان وسلامة الإسلام. وبعد كلام كثير صارت قراءة الفتوى التي مضمونها أن السلطان الذي يخالف القرآن الشريف هل يترك على تخت السلطنة الجواب كلا، ثم قال القارئ قد صار معلوماً عندكم أنه تحتم عزل السلطان فما قولكم الآن؟ هل تسلمون له يفعل ما يخل بالإسلام، فصرخت العساكر كلا ثم كلا لا نقبله سلطاناً علينا فليعزل، وصرخوا باسم السلطان مصطفى بن السلطان عبد الحميد وقالوا ليعش السلطان مصطفى، وأرسلوا المفتي إلى السلطان سليم ليتنازل عن السلطنة من دون مقاومة، فدخل عليه متذللاً منخفض الرأس قائلاً يا مولانا إني قد حضرت بين يديك برسالة محزنة أرجوك قبولها لتسكين الهيجان، وليس خافياً على مسامعكم الشريفة بأن العساكر الإنكشارية قد نادوا باسم السلطان مصطفى ابن عمك سلطاناً عليهم، فالآن لا سبيل إلى المقاومة فالتسليم لآمر الله أوفق من كل شيء، فلم تظهر على السلطان سليم كآبة من هذا الحديث، وقبل كلام المفتي ونزل عن السلطنة، وكان ذلك في إحدى وعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف، فمدة سلطنة المترجم ثمانية عشر عاماً وثمانية أشهر،
стр. 662
وبينما كان ذاهباً يختلي في مكان منفرد عن السرايا التقى بالسلطان مصطفى قادماً ليجلس مكانه على تخت السلطنة، فقال له: يا أخي أهبطني الله من العرش العتيد لأن تجلس عليه أنت، لأنني أردت وضع تنظيمات لتقوية المملكة والدين، وإصلاح حال العساكر الذي جهلوا تعليمهم وتركوا قوانينهم، فهاجت عليَّ العساكر مع بعض رجال الدولة وأرسلوا يطلبون مني التنازل عن تخت السلطنة، ونادوا باسمك، وها أنا ماض بكل رضا أعيش منفرداً، وأما أنت فإنك سعيد أكثر مني، فأرغب إليك أن تسلك معهم بالحكمة اللازمة الحسنى؛ فلم يصغ السلطان مصطفى لكلام السلطان سليم، وأراد السلطان سليم أن يعانقه فلم يمكنه من معانقته، فلما وصل السلطان سليم إلى المكان الذي يريدون وضعه فيه وجد السلطان محموداً أخا السلطان مصطفى ماكثاً في ذلك الموضع، عليه آثار
الرقة والنباهة، وعندما شاهد السلطان سليم التقاه فقبل يده ذارفاً دموعاً غزيرة، فحرك السلطان سليم إلى البكا، وجلسا في ذلك الموضع وطال ما كانا يتحدثان دائماً بالأمور المشيدة أركان الدولة والدين وتمام القصة يأتي في مكانه. قة والنباهة، وعندما شاهد السلطان سليم التقاه فقبل يده ذارفاً دموعاً غزيرة، فحرك السلطان سليم إلى البكا، وجلسا في ذلك الموضع وطال ما كانا يتحدثان دائماً بالأمور المشيدة أركان الدولة والدين وتمام القصة يأتي في مكانه.
стр. 663
توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين ودفن في تربة السلطان مصطفى.
الشيخ سليم بن نجيب صافي الحنفي الحمصي
عالم غير أنه عامل، وكامل غير انه فاضل، متواضع دائم الخضوع، متذلل كثير البكاء والخشوع، قد أمات نفسه بإحياء طاعته، وحفظ أوقاته بتقواه وعبادته، وجذب القلوب بحسن أفعاله، وملك الألباب بجميل أحواله وأقواله، فلا ريب أنه فرد مصره، بل أوحد أوانه وعصره. ولد سنة تسع وعشرين بعد المائتين والألف، ونشأ في طلب العلم الشريف ثم أقبل على الطاعة والتقوى، وذكر الله في السر والنجوى، وكان ورعاً عابداً، ناسكاً زاهداً، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يجلس في مجلس إلا وقد شغله بسيرة السادة الغرر، وكان لا يفتر عن ذكر الله بحال، ولا يسكت عن منكر ولو كان مرتكبه من ذوي السلطة والإجلال، وكان يدور على الأرامل والأيتام، فيقضي لهم حوائجهم حسب المرام، وكان له غاية الهمة، في قضاء المصالح والخدمة، وكان إذا جلس في مجلس لا يقوم حتى يجعل ختام مجلسه ذكر الله تعالى، وكان كثيراً ما يقول: الحمد لله الذي أنعم علينا برسوله محمد ﷺ وتارة يبدل أنعم، بمًنَّ، وتارة أكرمنا برسوله محمد، ويأمر الناس بأن يواظبوا عليها. وقد اجتمعت به سنة ثمانين في مدينة حمص فرأيته فوق ما سمعت عنه، وشاهدت ما لم أكن أظنه منه، فلا ريب أنه فرد زمانه، ونادرة أوانه. ولم يزل ناهجاً منهج السلف الصالح، متمسكاً بالسبب القوي الراجح، متخلقاً بأخلاق ذوي الكمال، متحققا ً
стр. 664
بآداب السادة من أعيان الرجال، إلى أن خطبته المنية، ونقلته للمقامات العلية، وذلك في اليوم الحادي والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام سنة سبع وتسعين من هجرة محمد ﷺ من المسجد الحرام.
الشيخ سليم بن الشيخ ياسين بن الشيخ حامد بن الشيخ أحمد بن الشيخ عبيد الله بن عبد الله بن عسكر بن أحمد الحمصي الأصل الدمشقي الشافعي الشهير بالعطار
إمام اقتدت به أئمة العلماء، واكتست من فضائله حلية ذات بهجة وسناء، ونطقت في مديحه ألسنة الأقلام على منابر الأنامل، وأعربت أفواه الدفاتر عما في ضميرها من أنه مجمع الفضائل، أثمرت أفنان اليراع في رياض فضائله، وأينعت أثمار كمالاته الأحمدية في حدائق فواضله، قد انعقد إجماع من جل وقل، على أنه مرجع الكل في الكل:
فالناس كلهم لسان واحد ... يتلو الثناء عليه والدنيا فم
فلعمري قد عجزت عن حد نباهته وطلاقته الأفكار، وطارت بأجنحة الثناء عليه بلابل الأقطار
كان بعد جده المرحوم الشيخ حامد العطار يقرأ البخاري الشريف يوم الخميس فقط صباحاً في رجب وشعبان، فتارة يقرأ سبعة دروس، وتارة ثمانية، وذلك في تكية المرحوم السلطان سليم الكائنة في المرج الأخضر، مع أن شرط السلطان سليم أنه يعظ واعظ في كل جمعة مرة واحدة، وله على كل درس ثلاثون بارة، وإن السليمانية التي بجانب التكية السليمية قد شرط السلطان سليمان أن واعظاً يعظ بها في كل جمعة ثلاثة أيام، وله عن كل يوم عشرة دراهم فضة، في كل سنة أربعة آلاف قرش
стр. 665
تقريباً ثم إن المرحوم الشيخ حامد العطار ضم الدرسين واحداً والمعاشين معاشاً واحداً، وجعل قراءة الدرس في السليمية، وجعل في خصوص رجب وشعبان في كل يوم خميس صباحاً، ونقله من الوعظ إلى البخاري الشريف، مقابلة لدرس قبة النسر في جامع بني أمية، فإنه يقرأ تحتها البخاري الشريف في رجب وشعبان ورمضان، إلا أنه كل يوم بعد العصر، وكذلك يأخذ المدرس في السليمية زيادة على الدراهم المرقومة في كل سنة مائتين وثمانية وثمانين مداً من الحنطة. وبعد وفاة الشيخ حامد المرقوم قرأ في محله ولد ولده الشيخ سليم، وهو المترجم المرقوم، وكان عالماً فاضلاً فصيحاً نطوقاً جسوراً حفاظاً وجيهاً، ذا همة وإقدام، ولم يكن له ما يطعن في مقامه سوى أنه كان محباً لأخذ الدراهم وتناولها بدون تحر، وكان يتعاطى أكثر القضايا وينظر بها لمحل
стр. 666
نفعه. وعلى كل حال كان عديم المثال، في العلم والفضل وبقية الخصال. توفي يوم الاثنين سادس جمادى الثانية سنة سبع وثلاثمائة وألف وعمره نحو الثمانين ودفن في مرج الدحداح.
سليم بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكزبري الشافعي
مات والده سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين، فأراد بعض الناس أن يكون ولده المترجم مكانه في تدريس صحيح الإمام البخاري بعد العصر في رجب وشعبان ورمضان تحت قبة النسر في جامع بني أمية، وإن كان عديم الأهلية، بل كان يقرأ في كتب المبتدئين، لكن أرادوا أنهم يجعلون له همة للطلب والتحصيل، وإنه في أول الأمر يقرأ الدرس رسماً لكيلا تخرج هذه الوظيفة من هذه العائلة، فكان بعض الناس في كل يوم يكتب له الدرس وبعض تقريرات عليه، ويضبطون له بالقلم خوفاً من التحريف، وصار يقرأ هذا الدرس في كل سنة على هذا المنوال، من غير اعتراض عليه ولا سؤال، ولم يزل كذلك إلى أن ظن نفسه أنه فاق، مع أنه ما تقدم عن حاله الأول ولا ارتدى برداء ما يليق بذوي الكمال ولا تحول، بل كان بتعاطى القضايا، التي يعدها أصوله من أعظم الرزايا، فنعم الآباء والجدود، ونعم ما كانوا عليه من الفضل المشهود، فلا ريب أن هذا المترجم، ذا الهيئة السامية والقدر المعظم، قد رمدت به عيون العلم والأدب، وتمنت العمى ولا تراه مستوياً على هذه الرتب. وحينما مات والده، وانتهى من فضل هذا البيت طارفه وتالده، وجلس المترجم تحت قبة النسر، أنشد لسان حال المحل حزناً من غير صبر:
стр. 667
لعلك يا عذير علمت حالي ... فتعلم أي خطب قد لقيت
وإني إن بقيت بمثل ما بي ... فمن عجب الليالي أن بقيت
ومن العجيب أنها قد احترقت بعد مدة قليلة، وبقيت على انهدامها تبعاً للجامع مدة طويلة.
نسأل الله حسن الأحوال، بجاه سيدنا محمد والصحب والآل توفي هذا المترجم رحمه الله تعالى سنة أل٥ وثلاثمائة وإحدى وثلاثين وجلس في مكانه ولده الشيخ محمد علي فتح الله علينا وعليه، ودفن هذا المترجم في تربة باب الصغير في مدفن آبائه الكرام.
الشيخ سليم بن الشيخ حسين النحلاوي المعروف بالطيبي
أمين فتوى السادة الشافعية، في دمشق الشام المحمية، ولد في دمشق ونشأ بها، وحضر دروس علمائها إلى أن بلغ المطلوب، وفاز بالمرغوب، وصار معدوداً من الأوائل، ومحسوباً من ذوي الفضائل، وكان حسن العبارة، دائباً على الترقي في المعارف ليله ونهاره، لطيف المحاضرة، رقيق المذاكرة، لا يُملُّ كلامه، ولا يعلُّ نثره، ولا نظامه، وله مؤلفات بهية، وآثار لطيفة زهية، منها الفيوضات الرحمانية، في أحكام الفرائض القرآنية. وكان زينة المجالس، وبمثله يتنافس المتنافس، ولم يزل رفيع المقام جليل الاحترام، إلى أن نظمته يد المنية، في سلك الراحلين إلى الدار العلية، وذلك في حدود الألف وثلاثمائة رحمه الله تعالى.
стр. 668
الشيخ سليم بن محمد بن يوسف بن حسن بن يوسف سمارة
ذو علم وعبادة، وفضل وسيادة، واستقامة في الأمور، وصيانة عما يوجب القصور، كان رفيقي في طلب العلم، على سيدي الوالد، فقرأنا كتباً متعددة، من فنون لا من فن واحد، وبعد موت والدي سنة ألف ومائتين واثنتين وسبعين حضرنا دروس العالم الفاضل ذي المقام الرصين الشيخ محمد الطنطاوي الأوهري، الذي هو بكل فضل حري، فحضرنا جميع دروسه، بكل جدٍّ واجتهاد، ونلنا به كل مرام ومراد، ولم نزل نحضر دروسه خمس سنين، إلى أن حدثت حادثة النصارى في أواخر ذي الحجة سنة ألف ومائتين وسبع وسبعين، فانتقل الشيخ المومى إليه من الميدان إلى داخل البلد، لإقراء أولاد الأمير عبد القادر السيد السند، وجلس بمكانه بجامع سيدنا صهيب الشيخ العربي المغربي، وبعد موته جلس المترجم في مكانه في الجامع المرقوم إماماً وخطيباً ومدرساً، وتزوج ببنت شيخنا الطنطاوي المرقوم، ووجهت عليه نظارة جامع المصلى المشهور، فقام بخدمته كما هو في الشريعة مأمور، ثم صار إماماً في المحلة المرقومة، وكان يتعاطى مصالحها من عقد وصلح وغير ذلك من الأمور المعلومة. وفي سنة خمس وثمانين بعد المائتين والألف حينما جاء إلى الشام الشيخ محمد المغربي الفاسي الشاذلي، أخذ الطريقة عليه ولا زال يشتغل في السلوك، إلى أن ذهب شيخه إلى ملك الملوك، فذهب المترجم إلى الحجاز واستقام هناك عدة شهور في زاوية الأستاذ المرقوم،
стр. 669
وحصل له الإذن من ولد الأستاذ المرقوم بأن يعطي الطريق لمن شاء ممن فيه أهلية للأخذ، وأن يقيم الأذكار على شرط الطريق المعروف عند أهله ولم يزل هذا المترجم في علم وعمل وطاعة وعبادة وصيانة وتقوى، يحب التودد إلى إخوانه، ويذهب إلى زيارتهم بقدر إمكانه، مع قيامه بوظيفة الإفادة، وإقامة الأذكار حسب العادة، وله تمسك بالسنن، وميل إلى العمل بها جميل حسن، وللناس به اعتقاد عظيم، ونظر إليه بعين التعظيم، غير أنه له أطوار، فربما يكون في غاية البسط فتجذبه في الحال إلى الأكدار، فيغلب عليه السكوت، ويظهر عليه أنه مقهور ممقوت، وهذه كثيراً ما تحصل لأهل الطريق، ويعتريهم به غاية الضيق، وعلى كل حال فالله هو المتصرف بعباده كيف يشاء، وهذا يجعله ممن أحسن وهذا ممن أساء، فهذا المترجم ممن يحق له أن يذكر، ويثنى عليه بين الناس بالجميل ويشكر، وفقنا الله وإياه لطاعته، وأحسن غلينا بجميل عنايته. توفي رحمه الله تعالى أثناء سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وثلاثين ودفن في باب الصغير.
سليم أفندي بن أنيس أفندي بن قصاب حسن
أقسم بالشمس والقمر، ونسيم الصبا إذا سرى في السحر، لهو البليغ الذي فاق نظمه ونثره، وراق لدى الأسماع سجعه وشعره، له خلق أرق من النسيم وأعذب، وكلام ألذ من سماع العود وأطرب، وأوصاف كالروض إذا ثغْرُ أقاحه تفلَّج، ومائس غصنه بأنواع الزهر تاه وتبرج، وفصاحة ألانت له عصي الكلام، وبلاغة طوعت له أبيَّ النظام، فمن نظمه الزاهي الزاهر، وشعره الباهي الباهر، وقوله:
стр. 670
أبى الله إلا أن أبيت معذباً ... وأن لا أرى غير المحبة مذهبا
بروحي غزالاً إن تمايل أو رنا ... فلا تذكروا الأغصان بعده والظبا
فإن اشتغالي بالذي هو يرتضي ... وفيه، فلا أما أبر ولا أبا
حملت الأسى حرصاً على وده وقد ... أضعت شبابي في هواه تسيبا
خلعت شعوري والتنسك والهدى ... وأصبحت في برد الضلال مجلببا
سهوت عن الدنيا وديني كأنما ... عليَّ إلهي ما أسن وأوجبا
أروح وأغدو بين قومي كأنني ... مسيئ ومِخْطاء، وما كنت مذنبا
ذليل ومالي بالوضيع وإنما ... غرامي دعاني أن أذل وأغلبا
وقوله:
يا بدر ما هذا التجني والقلى ... ما كان ظني فيك ترعى العذلا
أوليتهم حسن الوفاء وخنتني ... بقبيح هجر ليت ما كانوا ولا
أجهلت ودي فيواك صيانة ... الله أكبر ما أود وأجهلا
هل قد نسيت العهد أم أنقضته ... بالله فاذكر ما تقضى أوَّلا
مهلاً أبعد تعطف وتلطف ... مني تبلغ حاسدي ما أملا
وقوله:
كم ذا وكم هذا العذاب الأكبر ... وإلى متى هذا المنون الأحمر
يا قلب فارجع عن قريب وارتقب ... مولاك بي إن الطريق لمخطر
إذا لم تطع نصحي ضلالاً بالهوى ... ودّع حياتك فاللقاء المحشر
وقوله:
عاقب بما تبغي سوى الإعراض ... وافعل كما تختار إني راضي
واسمح ولا تسمع كلام مفَّوه ... بالسوء قد أفشي الجفا أمراضي
إني على العهد القديم محافظ ... ما خنت ودّاً قد زكا في الماضي
يا حبذا موتي بحبك إن تكن ... بالصد والهجر المحتم قاضي
следующие страницы →