Полный текст (1 568 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
لم يكتحل طرفه بنوم، ولم يذق الطعام إلا ليلاً قليلاً، ومع ذلك لم ينو الصيام مقاومة لرعونة نفسه، وكان له انتساب أيضاً للطريقة الجشتية والشعارية، ورأى والده في منامه قبل ولادة الشيخ قدس الله سره سيدنا علياً كرم الله وجهه فقال له: سم ولدك باسمي فلما ولد سماه علياً، إلا أن لما بلغ قدس الله سره سن التمييز سمى نفساً تأدباً غلام علي، ورأت أمه في المنام رجلاً جليلاً يقول لها: سميه عبد القادر، قال مترجمه الشيخ عبد الغني المعصومي: ويمكن أن يكون هذا العزيز هو الغوث الجيلاني ﵁ وسيأتي أن رسول الله ﷺ سماه في المنام عبد الله.
وكان قدس سره في الذكاء آية باهرة، حفظ القرآن المجيد في شهر واحد، وأكب على تحصيل العلوم معقولها ومنقولها، حتى أصبح عالم عصره. وكتب المترجم في بيان أحوال نفسه فقال: إني بعد تحصيل علم الحديث والتفسير تشرفت في أعتاب حضرة الشهيد قدس سره، فبايعني على الطريقة العلية القادرية بيده المباركة، ولقنني الطريقة العلية النقشبندية فتشرفت بالحضور في حلق الذكر، والمراقبة عنده خمس عشرة سنة حتى تفضل على هذا الحقير بالإجازة المطلقة في الإرشاد العام، وقد ترددت أول الأمر في أنه هل يرضى الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵁ أن اشتغل في الطريقة النقشبندية أولاً، فرأيته في واقعة جالساً في مكان وحضرة الشاه نقشبند في مكان تلقاءه، فخطر لي حينئذ أن أحضر عند شاه نقشبند فقال الغوث الجيلاني في الحال: المقصود هو الله تعالى فاذهب فلا مضايقة، وكان لي جهة تعيش فتركتها، فاشتدت عرى الفاقة علي فاعتصمت بالتوكل واتخذته سجية، ولم يكن يومئذ عندي غير خلق حصير أفترشها، ولبنة أتوسدها، فبلغ بي الضعف أقصاه، فلفرط ما نالني أغلقت باب حجرتي، وقلت هذا قبري حتى يأتي الله بالفتح أو بأمر من عنده، فما لبثت أن فتح الله تعالى علي يد من لا أعرفه، فمكثت في زاوية القناعة خمسين سنة.
стр. 912
قيل: لما أغلق باب الحجرة وقال ما قال أدركته العناية الإلهية، فجاءه شخص وقال له: افتح الباب، فقال: لا أفتح، فقال له: إن لي معك شغلاً فافتح لي، فلم يفعل، فألقى له من خصال الباب جملة من الدراهم الهندية المعروفة بالروبية وذهب، فمن ذلك اليوم لم تنقطع الفتوحات عنه.
ولما توفي شيخه حضرة الشهيد قام مقامه في مسند تربية المريدين وإرشاد الطالبين فأكب الناس عليه، وشدوا الرحال إليه، من أماكن بعيدة من الروم والشام والعراق والحجاز وخراسان وما وراء النهر، بل من أقصى أرض الخطا إلى غاية أرض المغرب، بعضهم بأمر رسول الله ﷺ كحضرة مولانا خالد والشيخ أحمد الكردي والشيخ إسماعيل المدني، وبعضهم بإشارة السادات كالشيخ محمد جان، والبعض برؤيتهم له في المنام. وكان موصوفاً بأعلى مراتب الأخلاق الحميدة، فمن السخاء بحيث كان يوجد في رباطه دائماً ولا ينقص عن مائتي مريد إلا قليلاً، وكان يقدم لهم كفايتهم على أتم وجه، ولم يدخر لغد قط، ومن الحياء والتواضع بأنه لم يضطجع ماداً رجليه أبداً، ولم ينظر وجهه في المرآة، وإذا دخل إلى داره كلب ليطعم شيئاً يقول إلهي من أنا حتى أكون واسطة بينك وبين أحبابك فأسألك بحرمة مخلوقك هذا وكل من قصدني إلا ما رحمتني وقربتي إليك. ومن التمسك بالسنة المطهرة ما لا يدرك شأوه، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لا يهاب معه الأمراء والملوك كما يعلم ذلك من مطالعة مكتوباته، حتى أنه لما حضر السيد إسماعيل المدني بأمر رسول الله ﷺ إلى رحابه وأحضر معه بعض آثار نبوية بإشارة منه
стр. 913
عليه السلام أن يضعها في المسجد الجامع الذي في دهلي، فوضعها، عرض ذلك إلى حضرة الشيخ، فقال له إنه وإن تكن بركات فخر العالم ﷺ في ذلك المكان محسوسة ولكن لا يخلو من ظلمة الكفر، ففتشوا ذلك المكان فإذا فيه صورة بعض الأكابر، فرفعوا الأمر إلى السلطان وأزالوا التصاوير منه.
وكان قليل النوم جداً، فإذا قام إلى التهجد أيقظ النوام ثم يتهجد ويجلس للمراقبة، ويتلو من كلام الله تعالى ما شاء. وكان ورده في كل يوم عشرة أجزاء ثم يصلي الصبح جماعة في وقت الغلس، ثم يلتفت إلى حلقة الذكر والمراقبة إلى وقت الإشراق. وكان رباطه لا يستوعب المريدين لكثرتهم، فلذلك كان يكرر الأذكار لطائفة بعد طائفة، ثم يجلس لقراءة الحديث والتفسير إلى قرب الزوال، فيتناول الغداء. وكان إذا أرسل إليه أحد الأغنياء طعاماً نفيساً لا يأكله بل يكره أيضاً أن يأكل منه المريديون، وإنما يهديه لجيرانه، ومن كان حاضراً عنده من أهل البلدة، وربما ترك أواني الطعام في مكانها فيأخذها من شاء فيأكلها. نعم لو أرسل إليه شخص دراهم ولم يكن مظنة شبهة يخرج أولاً زكاتها على مذهب الإمام الأعظم من جواز إخراج زكاة المال إذا بلغ النصاب قبول الحول، لأن صدقة الفرض أفضل من النفل، ثم يعمل فيما بقي حلواء وغيرها ويرسل بها إلى فقراء الشاه نقشبند، وفقراء والده، ويؤدي ما كان عليه من دين في نفقة رباطه، ويعطي من قصده من ذوي الحاجة، وربما يأخذ الشخص من هذه الدراهم شيئاً في حضوره فيطلع عليه ويعرض عنه بوجهه ولا يتعرض له. وكان بعد تناول الغداء يقيل قليلاً، ثم يشتغل بمطالعة الكتب الدينية والحقائق وغيرهما والتحارير الضرورية، ثم إذا صلى الظهر قرأ درسي حديث وتفسير إلى العصر، فيصلي ثم يقرأ حديثاً وتصوفاً كمكتوبات الإمام الرباني وعواف المعارف ورسال القشيري، ثم يجلس
стр. 914
في حلقة الذكر والتوجه العام إلى الغروب، وبعد صلاة المغرب يتوجه لخواص السالكين، ثم يتناول العشاء حتى إذا صلى العشاء أحيا عامة ليله بالذكر والمراقبة، فإذا غلبه النوم اضطجع في مصلاه وربما نام وهو جالس ولم يعلم أنه مد رجليه لفرط حيائه كما تقدم. وكان لا يجلس إلا محتبياً كما نقل عن النبي ﷺ وكبار الأولياء كالغوث الجيلاني حتى توفي على هذه الحال. وكان حريصاً على إخفاء الصدقة فإذا فتح عليه بشيء يقسمه على الفقراء وهم في المراقبة لئلا يشعر أحد منهم بالآخر، وكان يلبس الخشن من الثياب، ولو أهدي إليه ثوب نفيس باعه واشترى عدة أثواب وتصدق بها، وهكذا في غير ذلك ويقول لأن يكتسي جماعة خير من واحد. وورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أخرجت يوماً إزاراً ورداء خشنين وقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين.
وكان ﵁ شديد الشفقة على المسلمين يكثر من الدعاء لهم وأكثر ما يكون في جوف الليل، وكان له جار يسمى حكيم قدرة الله يصرف أكثر أوقاته في غيبته، فحبس يوماً فسعى كل السعي في خلاصه ولم يذكر ذلك له، وكان مجلس المترجم كمجلس سفيان الثوري لا ترفع فيه الأصوات ولا تنتهك المحارم، مبرأ عن حديث الدنيا فلا يذكر فيه الأمراء ولا الفقراء، وقد استغاب بعض الحاضرين في مجلسه شخصاً فذكره وقال: أنا أحق بما قلته منه، ونال شخص في حضوره من سلطان الهند وكان صائماً فقال: وا أسفاه لقد فسد صومي فقيل له: أنتم ما ذكرتم أحداً بسوء، فقال: نعم ولكن سمعت، والذاكر والسامع في الإثم سواء، وكان عاشقاً لرسول الله ﷺ فانياً فيه بحيث إذا سمع اسمه الكريم اضطرب وغاب. وقد أحضر له خادم أقدامه يوماً ماء للتبرك وقال له: أنت منظور رسول الله ﷺ فارتعد عند سماع هذا الكلام، ثم قام فقبل الخادم وقال له: من أنا حتى أكون منظور رسول الله ﷺ وبالغ
стр. 915
في إكرامه، وكان شديد الحرص على اتباعه ﷺ في أقواله وأفعاله قوي التمسك بالسنة دؤوباً على مطالعة حديثه، حتى توفي وسنن الحكيم الترمذي على صدره، ولم يبلغه أنه ﷺ فعل شيئاً إلا وتأسى به.
وكان له في القرآن المجيد ذوق عظيم، وكان كثير التلاوة له كثير المحبة لسماعه، وكان يحب سماعه من أحد خلفائه العظام الشيخ أبي سعيد المعصومي ويتأثر تأثراً بليغاً، فإذا ازداد من السماع اضمحل وتلاشى له، وقال: حسبي لا طاقة لي بأكثر. ويحب سماع أشعار القوم والمثنوي ويحصل له من ذلك وجد، غير أنه كان لثباته وكمال تمكنه لا يظهر عليه، ويقول: رقص أبو الحسين النوري يوماً والجنيد جالس قال: " إنما يستجيب الذين يسمعون " فقال الجنيد: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " فالجنيد كان في غاية الثبات. ومن جملة كلامه الدال على علو مقامه، قوله: إن التخلق بالأخلاق الحسنة واجب على كل أحد، وهي الحلم التواضع والشفقة والنصيحة والموافقة للأصحاب والإحسان والمداراة والإيثار والخدمة والألفة والبشاشة والكرم والمروءة والتودد والمودة والجود والعفو والصفح والحياء والسخاء والوفاء بالعهد والسكينة والوقار والثناء والدعاء إلى الله تعالى دائماً وحسن الظن وتصغير النفس واحتقار ما عندك واستعظام ما عند غيرك.
وأما المقامات فأولها الانتباه ثم التوبة ثم الإنابة ثم الورع ثم محاسبة النفس ثم الإرادة ثم الزهد ثم الفقر ثم الصدق ثم الصبر ثم الرضى ثم الإخلاص ثم التوكل. وأما الأحوال فمن ذلك المراقبة ثم القرب ثم الرجا ثم الخوف ثم الحياء وهو حصر القلب عن الانبساط ثم الشوق ثم الأنس ثم الطمأنينة ثم اليقين ثم المشاهدة وهي آخر الأحوال، وإليها الإشارة بقوله ﷺ : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ومن ذلك ما كتبه في إجازته للشيخ أبي سعيد المعصومي والشيخ بشارة الله، ولغرابة
стр. 916
أسلوبها نقلتها بتمامها فقال: بعد الحمد والصلاة، من العلوم أن المقامات والاصطلاحات التي هي في طريقة الإمام الرباني مجدد الألف الثاني، مقررة، ينبغي أن تشاهد في كل درجة منها كيفيات وأحوال وأنواع وأسرار تلك الدرجة، وإلا فاختيار الطريقة عبث، فلم إضاعة العمر، وإن لم تكن المقامات العشر التي أولها التوبة وآخرها الرضا لازمة للباطن فما الفائدة من هذه الطريقة، فإنه يحصل في سير لطائف عالم الأمر كيفيات كثيرة ففي سير لطيفة القلب المفيدة لمراقبة الأحدية الصرفة بعد مراقبة المعية، يحصل الفناء والاستغراق وقطع العلائق والآمال وغيرها، وفي سير لطيفة النفس المفيدة لمراقبة االأقربية والمحبة، يحصل الاستهلاك والاضمحلال، وفناء أنا وغيره، وفي سير عالم الخلق ينهل الفيض الإلهي على العناصر الثلاثة ما عدا عنصر التراب، وتوجد المناسبة لتجليات اسم الباطن والملأ الأعلى وتهذيب اللطيفة القالبية، وتحصل في الحقائق السبعة، وسعة الأنوار وبداهة الأمور النظرية، وزيارة حضرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وثبوت أذواق المحبة الذاتية، فإن أدرك سالك هذه الطريقة هذه العلوم والمعارف فهو مبارك، وغلا فقد اكتسب العجب والأنانية فويل له. وكل شيء يحصل في الصحبة من هذه الحالات فهو حسن، وإلا فهو تحقير للطريقة، ويلحق المشايخ من ذلك الشخص عار، والمريدين عجب وترذيل للطريق، ودعوى الانتظام في سلك المشايخ هداهم الله سبحانه إلى رضائه واشتياق لقائه آمين. وإذ قد وصل ولله الحمد صاحباي حضرة المولوي بشارة الله وحضرة الحافظ أبو سعيد سلمهم الله تعالى وجعلهم سرجاً لإشاعة أشعة الطريقة لهذه المقامات، والمرجو من الله أن يتفضل على بقية أصحابي الأعزاء وأحبابي وعلى هذا الدليل المقصر، بالتوفيق للاستقامة واتباع السنة ومحبة المشايخ، والترك والانزواء، واليأس من الخلق،
стр. 917
والترقي لهذه الحالات، فإني مع تمام الخجل أكتب لأن المرشدين يكتبون في الإجازات هاتين الكلمتين، فأقول: يد هذين العزيزين التي هي أحسن من يدي، هي يدي، وبيعة خدمتهم التي هي أقوى ذريعة للسعادة والنجاة بيعتي، بارك الله بهما، بشرط أن يعرضوا عن أهل الدنيا، ويلازمون بقدم مكسورة باب الحق، مع صدق الوعد الكريم المطلق جل سلطانه، فإنه أركان طريقي وتربية توجهات حياتي، اللهم وفقتني وإياهم لمرضاتك ومرضات حبيبك ﷺ ، واجعل آخرتنا خيراً من الأولى آمين.
وكان ﵁ يقول: إن أحب الشهادة في سبيل الله تعالى ولكن أتذكر ما حصل للناس في شهادة شيخنا مرزا جان جانان ﵁ من البلاء، إذ قحطوا ثلاث سنين، ومات بذلك خلق كثير، ووقع قتل وحروب لا تعد، فأترك سؤالها. وقد غلب عليه البواسير آخر مرضه، وكان الشيخ أبو سعيد وقتئذ في مدينة لكنهو فأرسل إليه في برهة يسيرة كتباً كثيرة يحقه على الحضور ليكون قائماً مقامه، وأن يستخلف مكانه نجله الشيخ أحمد السعيد أحد خلفاء حضرة مرشد المكرم، فترك أهله وأتى مخفا، فلما تشرف بلقائه قال له: كان مرادي إذا لقيتكم أبكى كثيراً ولكن أتيتني في وقت لا يمكنني فيه ذلك، ثم التفت بكليته إليه وأوصى له بخلافة الإرشاد العام. وكان من عادته المستمرة أنه إذا حصل له شائبة مرض أوصى قلماً وأكد لساناً بمداومة الذكر وتحسين الأخلاق وتقوية النسبة الشريفة، ومجاملة المعاملة مع الجميع، والإعراض عن الاعتراض بلو ولم على مجاري القضاء، وملازمة الاتحاد مع الاخوان، والتفرغ للعبادة مع الفقر والقناعة والرضى والتسليم والتوكل، فجدد هذه المرة تلك العادة المستمرة، وقال: إذا قضي الأمر فاحملوني إلى المكان
стр. 918
الذي فيه الآثار النبوية التي في جامع دهلي، واطلبوا لي من صاحبها الشفاعة وأوصاهم أن ينشدوا أمام جنازته هذين البيتين:
وفدت على الكريم بغير زاد ... من الحسنات والقلب السليم
فحمل الزاد أقبح ما رأينا ... إذا كان القدوم على الكريم
فلما كان وقت الإشراق من يوم الاثنين ثاني عشر صفر أمر بحضور أبي سعيد من داره سريعاً، فنظر إليه ثم وضع رأسه في صدره، وهو جالس على هيئة الاحتباء وقتئذ، فالتحق بالرفيق الأعلى، فغسل بأمواه الأنوار، وكفن بأثواب الأسرار، وحمل على أطراف الأصابع إلى المسجد الجامع، وقد انفضت لأجله المجامع وهرعت لرباطه الناس حتى غصت بالمشيعين الشوارع، فصلى عليه الإمام أبو سعيد ووضعوه تبركاً عند الآثار النبوية، ثم أتوا به الخانقاه فدفنوه في الجانب الأيمن من البقعة المباركة التي ضمت المرحوم مرشده الشهيد. وكان لمشهده في دهلي يوم مشهور، وأرخ أدباء الهند ذلك بتواريخ متعددة أحسنها تاريخان، أحدهما نثر وهو " نور الله مضجعه " وثانيهما ضمن مقطوعة بالفارسية وهو قوله: " في روح وريحان وجنات النعيم " فنظمتها تبركاً به فقلت في الأول:
حضرة القطب الدهلوي ... رغب الحق مرجعه
فلهذا إذ أرخوا ... نور الله مضجعه
وقلت في الثاني:
الدهلوي الشاه عبد الله ... ذا الغوث العظيم
стр. 919
أرخه في روح وريحان ... وجنات النعيم
ومن ذلك بيت فيه تاريخ ولادته وحياته ووفاته قدس سره:
بمظهر جود جاء مدة عيشه ... إمام قضى قل نور الله مضجعه
وله ﵁ وأرضاه وجعل الجنة متقلبه ومثواه خلفاء حنفاء هم علماء الأولياء، وأولياء العلماء، ملؤوا الخافقين إرشاداً والثقلين إمداداً. انتهى بتصرف.
الشيخ عبد الله أبو الكمال بن عطا الله بن عبد الله بن بركات الحلبي الشافعي الكتبي
الفاضل الأديب والشاعر البارع الأريب. ولد بأحد الجمادين سنة أربع وسبعين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم على مصطفى بن سليمان الحموي المقري وأبي بكر بن عمر الحلبي وحفظه برواية حفص، واشتغل بالأخذ والتحصيل، فقرأ على والده العربية وتخرج عليه، وقرأ بقية العلوم على جماعة منهم أبو محمد مصطفى بن أبي بكر الكوراني وأبو محمد عبد القادر بن عبد الكريم الدري وأبو اليمن محمد بن طه العقاد وأبو عبد الله محمد بن حجازي الخفاف ومحمد بن يوسف الاسبيري المفتي وزين الدين عمر بن عبد الله الخفاف وقاسم بن علي المغربي المالكي التونسي، وسمع صحيح البخاري بطرفيه على عماد الدين إسماعيل بن محمد المواهبي وحضر دروسه وأجازه بخطه، وسمع حديث الرحمة المسلسل بالأولية من أبي الفتوح محمد كمال الدين بن مصطفى البكري الصديقي، وهو ابن ثماني سنين،
стр. 920
هو ووالده لما قدم حلب وأجازه بخطه، وسمعه أيضاً من أبي البركات عبد القادر بن عبد اللطيف النيسابوري الطرابلسي، وأجازه غالب شيوخه، وتفوق وتنبل ومهر وأقبل على نظم الشعر فنظم ونثر، وكان من الأدباء البارعين. ولما سافر العالم المؤرخ الفاضل محمد خليل أفندي المرادي إلى حلب سنة خمس ومائتين وألف اجتمع المترجم به فأخذ عنه واستجازه ونظم هذه القصيدة يمدحه ويهنيه بعيد الفطر:
أبدت لنا الورقاء من ألحانها ... سجعاً ينوب عن السلاف وحانها
تثني على أيامك الغر التي ... هي عندنا الأعياد في أعيانها
فترنحت تلك الغصون صبابة ... وسرت حميا الأنس في عيدانها
وتأرجت أزهارها وتبلجت ... أنوارها وافتر ثغرها أوانها
فالنشر ند والمحاسن غادة ... وطغى الحباب على عقود جمانها
طارحتها شكوى الغرام وحالتي ... وهوى أقام على حمى أوطانها
أخبار حب قد روتها أدمعي ... وتسلسلت في الخد عن نعمانها
كادت بطلف حديثنا وسماعه ... أن ترسل العبرات من أجفانها
حتى درت ماذا أكابد في الهوى ... وتعرفت صدق الهوى بعيانها
ذكرت لتجديد العهود مواعداً ... يجب الوفاء بها على ندمانها
واستقبلت عود الأماني باللقا ... لقدوم عيد الفطر من إبانها
فيه يهنى واحد المجد الذي ... ثنى ذكاء في سمو مكانها
المشتري رتب الكمال من العلا ... والواهب الجوزاء من كيوانها
المنتقى من أكرمين أعاظم ... نالوا الثوابت من لدى دورانها
شم العرانين الفخام إلى السهى ... من غير ما يزهو على أخدانها
فهم الصدور مهابة وجلالة ... وهم البدور طوالعا في آنها
والجود ألقى في ذراهم رحله ... إذ كذبوا الأنواء في هتانها
стр. 921
والعلم والتقوى شعار مقامهم ... وسنا المحامد مخبر عن شانها
ما ثم إلا وارد صادر ... شكر السحائب في ندى إحسانها
فاذكر مرادك عندهم تلق المنى ... وتساعد الأقدار في جريانها
كم رائد في المكرمات مرادهم ... ومشمر عن ساعد وبنانها
والموهبات تقول ألسن حالها ... إن المواهب في يدي منانها
فبنو المرادي هم أساطين الملا ... تعنوهم الفصحاء في أوزانها
لا سيما المولى الخليل المجتلي ... نور البراعة من سنا حسانها
العالم النحرير من وضحت له ... سبل الهداية سالكاً بأمانها
بحر الفضائل ملتقى مجموعها ... همع الهوامع مرتوي ظمآنها
ضوء السراة منارهم نحو الهدى ... كنز العفاة الطب من أحزانها
صدر الشريعة والحقيقة نجمها ... يبدي الدليل الحق من برهانها
حلى بسلسلة الجواهر فضله ... عن مالك قطب العلا سلطانها
طرقاً تعانى جمعها أحيا بها ... سنن الرواة أجاد في إتقانها
وأطاعه الخبر العويص عن النهى ... وتنقب الآثار من أكنانها
وأبان عمن في العصور تقدموا ... بغراسة يمتاز في عرفانها
وغدا مخلد جلها أسفاره ... بعبارة لم تنأ عن سحبانها
قس المخضرمة الذين تخيروا ... الكلم النوابغ بانتقا عدنانها
كاسي القريض محاسناً من لفظه ... كالخود زينها حلى عقيانها
الملبس الألفاظ لما حاكها ... شبه الملوك تتيه في تيجانها
فالنظم يلثم من ثنايا دره ... والدر ينظم في ثنا مرجانها
وحلاوة القند الشهي سلافها ... وسلاف أهل الشوق خمرة حانها
ونضارة الحسن البهيج نضارها ... وغضارة الولدان شرب دنانها
لا زال سيدنا مدير كؤوسها ... في سائر الأعياد بدر زمانها
صافي السريرة لا يشاب بشائب ... ومنيع ذات مجتني أقرانها
стр. 922
وتظل تصدح بالثنا لجنابه ... أهل البسيطة شامها ويمانها
وملاحظين جنابه بدعائهم ... لا سي مخلصه فتى فتيانها
ما لاح في القصوى هلال الفطر أو ... طلعت شموس السعد من ميزانها
وكتب يمدحه أيضاً:
بحقكما هبا فقد سطع الفجر ... وأذن داعيه ألا وجب الأمر
وفي الطير والأفنان شاد ومائس ... غناء ولا هجر، ووصل ولا هجر
ومن نشرها ريح الصبا زهر الربا ... إذا ضمها من نحو كاظمة النشر
ودارت حميانا على البر والتقى ... حميا عفاف ما على ربها حجر
سلافة قوم لم يذوقوا مدامة ... ولا خامروا خمراً ولا نالهم وزر
نعم سمعوا يوماً أحاديث ماجد ... هي الدر قد وافى بتنظيمها الثغر
هو البحر يرجى للعواطل دره ... كما أنه يحوي مناهله القطر
ثمال عفاة في المآتم والأسى ... وحين صروف الدهر حان لها الغدر
بقية أسلاف كرام تقدموا ... ومن سنن الآداب أن يختم الصدر
إمام المعالي يقتدي أهلها به ... وقطب العوالي رقه الشمس والبدر
بجد وجد ساد أمة جيله ... وشاد ذرى ما فوق ذروته قدر
غذاه لبان الفضل من هو يافع ... وتوجه التوفيق والفتح والنصر
فدانت له الأعلام من كل وجهة ... وقيل لأبناء الرجا هذه مصر
فإن قصروا عن شأو علم أمدهم ... وإن مدت الأوغاد حاولهم قصر
إذا ابن نجيم قاسه بنظائر ... ترى الفرق مثل الفجر ما دونه سر
تنائى حبيب إن تدانى حبيبنا ... وأما زهير أين أنجمه الزهر
وقس يقاسي العي عند خطابه ... وعمرو بن عثمان حوى زيده عمرو
هنيئاً بني شهبائنا بقدومه ... فقد لعبت فينا الصبابة والخمر
وحيا فأحيا بالتحية مغرماً ... يقلبه ليلاً على الكبد الجمر
وباعد أحزاناً تحصن جيشها ... على قلب صب لا يناصره ذمر
стр. 923
فيا من به يستطلع البدر سعده ... وفاقاً لعلياه كما اتضح الأمر
لأنت مراد الفضل وابن مراده ... وعامر ركن المجد طال لك العمر
بقيت مدى الأيام أرباً لأهلها ... يسود بها الراجي ويتضع الغمر
ويثني عليك الحظ أبيض ناصعاً ... وتخرس أعداك الأبالسة الحمر
وعيشك والأيام والدهر والمنى ... رضي وأعياد وطوعك والأمر
وكتب إليه أيضاً يمدحه:
يا در در الجمال ما صنعا ... أسيره دون نيله قنعا
أعز قوماً بعز منصبه ... وكلنا هيبة له خضعا
فمن مجيري من أسر غانية ... غيداء في القلب طيفها رتعا
رخيمة رخصة المعاطف والبنان تكشو من حيلها الجزعا
أهدى إلي السقام ناظرها ... قاسيت سهداً لكنه هجعا
عسالة القدر والمباسم وال ... حديث نشفي الطعان والوجعا
فالغصن في الروض فرع قامتها ... والبدر في أفق وجهها طلعا
كأنه ازدان من محاسن من ... حاز التقى والكمال والورعا
بقية السادة الألى جمعوا ... مناقب العلم والصلاح معا
حيث مراد العلياء كوكبهم ... يزهو على الكون كلما لمعا
ومن سناه وعز طالعه ... نور علي على العلا سطعا
فخلد الله أصل دوحتهم ... وصان باللطف فرعها ورعى
أعني خليل الكرام سيدهم ... ومن نداه السحاب إن همعا
الباسل الشهم والخضم إذا ... داعي الكمالات والنوال دعا
الحائز الرفق والتعطف إن ... وافاه جان فحلمه وسعا
والعالم الفاضل الذي ذكرت ... أبحاثه إن ضده منعا
والناظم الناثر المجيد بما ... أبرزه الفكر والحجا تبعا
ألفاظه الدر والجمان حلى ... فالقرط في أذن كل من سمعا
стр. 924
أو هي سحر ومن يعرضها ... يخال في الحال أنه طبعا
أو هي بنت الكرام روقها ... أين الندامى يسقونها جرعا
لا زال فوق النسرين طائره ... يصدح بالشكر كلما سجعا
ومن يعاديه خاسراً حزناً ... ثاوي درك الحضيض متضعا
ما افتر نور الخزام مبتسماً ... عن روق حسن صفاءه نصعا
وما العطائي جاء معتذراً ... وراجياً أن يقال حيث لعا
فإن جهد المقل مغتفر ... بقيت ما ارتاح مخلص ودعا
وكتب له يمدحه أيضاً:
ولهي بكم في غدوتي ورواحي ... وله العليل إلى شذى الأرواح
وترنمي في مدحكم بين الملا ... روحي وندماني وملئ الراح
وصدى يراعي إذ يراعي ذكركم ... عودي الرخيم ورنة الأقداح
وطروسي اللاتي حوين سناءكم ... صفحات غراء الجبين رداح
ومدادها نقش البنان من الدمى ... والنقط خيلان البياض الماحي
أبي الأيادي الهاشمية والأكف ... الحاتمية والندى المياح
الصاعدين إلى الكمال بلا انتها ... والمحرزين المجد دون براح
من منكم قطب الوجود مرادنا ... روح المكارم بلبل الأفراح
وحفيده علامة العصر الذي ... هو جوهر من فالق الأصباح
السائر الأخبار في آفاقه ... ذكر يضوع بنشره الفواح
من ليس يرغب عن مدائحه شج ... متهيم وأطاق فيه اللاحي
ويك اتئد يا عاذلي أنا مغرم ... في وصفه أصبو إلى التمداح
стр. 925
سكنت محبته القلوب بأسرها ... خلقاً بدون تعرض الأشباح
سر أبان إلى النهى مرموزه ... إن الوفاق بعالم الأرواح
أخلصت تهنيتي له بالصوم في ... هذا الربيع الوارق الأدواح
لرجاء نيل القرب من ساحاته ... ثم التملي بالسنا الوضاح
ظل ظليل في المهامه وارف ... خل خليل بحر كل سماح
لا زال يبقى كل عام رافلاً ... متوشحاً بالمجد كل وشاح
ما أهديت لجنابه تحف الثنا ... من مخلص ثمل المودة صاح
أو ما يقول أبو الكمال مصدراً ... ولهي بكم في غدوتي ورواحي
وله مخمساً أبيات الصغي الحلي
سايرتنا إلى الليوث الحوامي ... مرهفات إلى الدماء ظوامي
ما الأعادي إذا عدوا ما الروامي ... إن أسيافنا القصار الدوامي
صيرت ملكنا طويل الدوام
قد وعينا التلويح من كل مور ... وقدحنا من الزناد لموري
لم يشب حزمنا ارتشاف خمور ... نحن قوم لنا سداد أمور
واقتحام الأخطار من وقت حام
من يفد حينا يعد بسلام ... ليس يخشى من سطوة وملام
ولنا القرن طائع كغلام ... واصطلام الأعداء من وسط لام
واقتسام الأموال من وقت سام
مات ﵀ عام ألف ومائتين وبعد الخمسة رحمه الله تعالى.
стр. 926
الشيخ عبد الله بن مصطفى بن أحمد بن موسى الحلبي الحنفي الشهير كوالده بالجابري نسبة إلى القاضي جابر بن أحمد الحلبي والد أم جده أحمد
الفاضل الأديب الفقيه الكاتب البارع المنشئ، مولده في ربيع الأول سنة تسع وستين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم واشتغل بالتحصيل والأخذ، فقرأ على أبي الهدى صالح بن سلطان وأبي محمد مصطفى بن أبي بكر الكوراني وأبي المواهب إسماعيل بن محمد بن صالح المواهبي وسمع الكثير عليهم وعلى غيرهم، وأجاز له جماعة كأبي جعفر منصور بن مصطفى ابن منصور السرميني وأبي البركات عبد القادر بن عبد الللطيف البيساري الطرابلسي وغيرهم، وكان يكتب أنواع الخطوط مع الإتقان وكانت الأفاضل تشهد بنبله ونجابته.
وفي سنة أربع وثمانين ومائة وألف دخل دمشق مع والده وعمه، ونزل في دار بني المرادي، وكانوا يشهدون له بالنبل والفضل. وفي سنة أربع وتسعين دخل دمشق المرة الثانية قاصداً الحج بالنسك، ونزل أيضاً في دار بني المرادي عند خليل أفندي صاحب التاريخ، وكان أيضاً مع والده، وكان يعرف اللغات الثلاث العربية والتركية والفارسية، وكانت علماء الروم يحررون ما يكتبه من الترسل التركي ويقيدونه عندهم، ويشهدون بتفوقه ونبله. وكان مع والده يشتغل بتحرير الوثائق الشرعية والصكوك لدى قاضي قضاة حلب، وكان والده رئيس العدول والكتاب بالمحكمة الكبرى. ولما صار والده نقيب الأشراف بحلب والمفتي العام بها صار ولده المترجم مكانه رئيس الكتاب، وشهد الناس بأدبه وعقله،
стр. 927
واحترمته الصدور والأعيان وكان ينظم القليل من الشعر، ومن كلامه مشطراً بيتي الجواليقي:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... بزلال فيض فضائل ومراحم
فقصدت مقصدهم وجئتك راجياً ... ووقفت خلف الورد وقف حائم
حيران أطلب غفلة من وارد ... ولهان أرجو نجدة من راحم
فأقمت منتظراً ببابك واقفاً ... والورد لا يزداد غير تزاحم
وشطرهما أيضاً الأديب أبو بكر بن مصطفى الكوراني الحلبي:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... وكأنهم ظفروا بمنهل حائم
فقصدته متتبعاً وراده ... ووقفت خلف الورد وقف حائم
حيران أطلب غفلة من وارد ... كي أرتوي وأنال عطفة راحم
فبقيت ظمآناً أكابد لوعة ... والورد لا يزداد غير تزاحم
وقد خمس تشطير الجابري الفاضل عبد الله بن عطاء الله الكتبي الحلبي:
يا ذا الذي عنه الأكارم قد رووا ... وعلى نداه ورحب كفيه لووا
وبك الملا كعب الأيادي قد طووا ... ورد الورى سلسال جودك فارتووا
من فيضكم بمكارم ومراحم
أموا من الأنواء صوباً هامياً ... يحيي مرابع للكرام خواليا
واخضل عود الدهر طلقاً باهياً ... فقصدت مقصدهم وجئتك راجيا
ووقفت خلف الورد وقف حائم
أتراك يا حظي الخؤون مساعدي ... أرد الظلال بمعصي وبساعدي
حتى م أبقى في عنا وتباعد ... حيران أطلب غفلة من وارد
ولهان أرجو نجدة من راحم
стр. 928
لأبدع إن جانبت ظلاً وارفاً ... أو كنت من حر الأوام مشارفاً
وافيت أثر الناس بيتك طائفاً ... وأقمت منتظراً ببابك واقفاً
والورد لا يزداد غير تزاحم
مات المترجم المذكور سنة ألف ومائتين ونيف.
الشيخ عبد الله بن محمد بن طه بن أحمد العقاد الحلبي الشافعي
أبو البركات جمال الدين العالم الفاضل والمحدث الكامل، شيخ القراء في حلب الشهباء، زين الثقات، جمال الرواة.
مولده يوم عيد الأضحى سنة خمس وستين ومائة وألف، وقرأ القرآن وحفظه وتلاه مجوداً، وقرأ القراءات السبع من طريق الشاطبية، واشتغل بالتحصيل والأخذ والانتفاع، وقرأ وسمع وأخذ الفنون المتنوعة عن كثير من السادة المشايخ في المدة الطويلة، منهم والده وجل انتفاعه به وعليه، وأبو السعادات طه بن مهنا الجبريني، وأبو محمد عبد الكريم بن أحمد الشراباتي، ومصطفى بن عبد القادر الملقي، وأبو عبد الله محمد بن محمد الأريحاوي، وأبو عبد الله محمد بن صالح المواهبي، وأبو محمد عبد القادر بن عبد الكريم الديري، والشمس محمد بن مصطفى البصيري شيخ القراء بحلب، والمقري زين الدين عمر بن شاهين، والتاج عبد الوهاب بن أحمد المصري، وأبو عبد الله محمد بن محمد التافلاتي، ولطف الله بن أحمد الأرضرومي، وعلاء الدين محمد بن محمد الطيب المغربي، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم الطرابلسي مفتي الحنفية، وأبو الحسن علي الرابقي، وأبو داود سليمان بن أحمد الكليسي المفتي، وأبو بكر بن أحمد الهلالي القادري، وأبو إسحق عبد الجواد بن أحمد الكيالي، وأبو الفرج عبد الرحمن بن
стр. 929
عبد الله الحنبلي، والشهاب أحمد بن عبيد الله العطار الدمشقي، والشمس محمد حاجي بن علي المفتي، وعبد الرحمن الدمشقي بن إبراهيم المصري، والشهاب أحمد بن إبراهيم الأربلي الكردي نزيل حلب، وأبو عبد الله محمد الصوارني الكردي، وأبو العدل قاسم بن علي التونسي المغربي، وأبو جعفر منصور بن مصطفى السرميني، وأبو الفضل فخر الدين عثمان بن عبد الرحمن العقيلي، وأبو عبد الله طاهرالحنفي، وأبو العباس أحمد بن أحمد المصري نزيل حلب، والشهاب أحمد الكعاك، وأبو عبد الله محمد بن حجازي السختياني، وأبو عبد الله محمد الفرضي، والشيخ شرف الدين المقري، وأبو عبد الله عبد الكافي بن حسين الإمام، ومحمد بن زكريا المقري، ومهذب الدين سعيد بن عبد الله السويدي البغدادي، ومحمد بن يوسف المفتي، وأبو الإخلاص حسن بن عبد الله النجشي، وأبو الحسن محمد بن صادق السندي نزيل المدينة المنورة، وأبو الفيض محب الدين مرتضى بن محمد بن محمد الزبيدي اليمني نزيل مصر وغيرهم.
وسمع الكثير من كتب الأحاديث الصحيحة والمسلسلات لحديث الرحمة وغيره وفضله لا زال في ازدياد إلى أن اخترمته المنية بعد الألف والمائتين وخمس سنوات ﵀ رحمة واسعة.
عبد الله باشا والي عكا ابن علي آغا الخزندار أحد مماليك أحمد باشا الجزار
نقل صاحب المناقب الإبراهيمية، والمآثر الخديوية، إن المترجم المذكور، كان لا يركن إليه في أمر من الأمور، عديم الوفاء، متقلب الآراء،
стр. 930
لا يرعى عهداً، ولا يحفظ وداً، عاكفاً على الملاهي واللذات، مشغوفاً بسماع الأغاني والأصوات، فساعدته يد العناية، حتى تمكن من الولاية، وطابت له الأيام، وبلغ القصد والمرام، وكان دأبه الاهتمام بإقامة العمار، وتحصين عكا بالأبراج والأسوار، وجمع الأموال من جميع الأقطار، وكان قد استولى عليه الطيش، واستخفه البطر وطيب العيش، حتى حاد عن الطريق المحمود، وتجاوز في الأحكام الحدود، وأشهر العصيان على الدولة، ذات الشوكة والصولة، أملاً بالاستقلال، وطمعاً في الجاه والأموال، ولما بلغ حضرة السلطان محمود خان، ما هو عليه من الجنون والهذيان، والتمرد والعصيان، وارتكاب الظلم والعدوان، غضب من سوء فعاله، وأرسل عسكراً لتربيته وقتاله، تحت راية البطل الهمام، درويش باشا والي دمشق الشام، فحاصره زمناً طويلاً، وأذاقه عذاباً وبيلاً، ولما اشتد عليه القتال، وأحاطت به الأهوال، وانقطع عنه الإمداد، من سائر البلاد، صحا من غفلته، واستفاق من سكرته، وداخله الخوف والفزع، واضطرب من الهلع، وأيقن أنه إذا طالت عليه تلك الحالة، يؤخذ أسيراً لا محالة، فابتدر بالعجل، لاستدعاء الأمير بشير حاكم الجبل، وكان من أفراد الرجال، موصوفاً بالفضل والكمال، وحسن التدبير وجميل الخصال، ولقد أجاد من وصفه فقال:
إنما أنت واحد غير أني ... لست أعطيك منزل الآحاد
فبماذا يبالغون وهم لا ... يبلغون الإنصاف بعد الجهاد
لك خوف لو صادف العين في م الحلم لصارت تخاف طيب الرقاد
تفخر الناس بالجدود ولكن ... أنت فخر الآباء والأجداد
وأرسله إلى الديار المصرية، ليستميل له خاطر الحضرة الخديوية، لإصلاح أمره مع الدولة العلية، وكان محمد علي باشا له وجاهة كبيرة، ومنزلة عند الدولة رفيعة خطيرة، فلبى دعوته، وأجاب طلبته، وكتب
стр. 931
في شأنه إلى القسطنطينية، واسترضى الدولة بموجب إرادة سنية، ورفع عنه تلك الشدة، بعدما أقام في الحصار مدة، وصار له عليه حق الجميل والإحسان، على مدى السنين والأزمان، غير أن عبد الله باشا كبرت نفسه بعد ذلك عليه، وجحد فضل محمد علي باشا وإحسانه إليه، وحصول العفو له على يديه، وسلك معه سلوك اللئام، الذين لا عهد لهم ولا ذمام، وتكلم في حقه بما لا يليق من الكلام، فلما بلغ محمد علي باشا هذا الخبر، زاد به الغيظ والكدر، وكتب إلى حضرة السلطان محمود خان، يعلمه بهذا الشأن، ويلتمس من جلالته، خلع عبد الله باشا عن ولايته، فلم يكترث بخطابه، ولا أجابه على كتابه، واستعظم منه ذلك الأمر، ورآه من عجائب الدهر، ولم يعد يمكنه الاصطبار، على ذلك الذل والعار، فجهز ولده المعلوم بالعناد، والمبغوض لدى العباد، إبراهيم باشا رأس الفساد وخراب البلاد، أن يسير لحرب الديار الشامية، وأردفه بالعمارة البحرية، وأصحبه بثلاثين ألفاً من العسكر، الذين لا يبالون بالخطر، ولا يهابون الموت الأحمر، فسارت العساكر، بالمهمات والذخائر، قاصدة الديار الشامية، على طريق البرية، وأما القائد العام، لهؤلاء العساكر الطغام، وهو إبراهيم باشا فإنه نزل في العمارة البحرية، مع باقي الجيوش العسكرية، وكان من جملة معاونيه، عباس باشا ابن أخيه، وإبراهيم باشا الصغير، وغيرهما من القواد المشاهير، وكانت العمارة المصرية، مؤلفة من ست عشرة قطعة حربية، وسبع عشرة سفينة وسقية، تحت رياسة أحد القوادين من الضباط المصرية، عثمان بك نور الدين، وكان خروجه من بغاز الإسكندرية، في غزو جمادى الأولى سنة ١٢٤٧ هجرية، فوصل في خمسة أيام، إلى حيفا إحدى أساكل بر الشام، وهي بلدة تبعد عن عكا ثلاث ساعات، وأهلها
стр. 932
يبلغون نحو ثلاثة آلاف من النسمات، ولما ألقت المراكب مراسيها نزل إبراهيم باشا إليها وخيم في نواحيها، فتزلزت بقدومه الديار الشامية، وارتجت من هيبته رجة قوية، وأما باقي الجيش والعسكر، الذي سار على طريق البر الأقفر، فإنه كان قد واصل التسيار، وجد في قطع البراري والقفار، فأشرف على عكا من الجهة الجنوبية، في عشرين من تشرين الثاني " سنة ١٨٣١ مسيحية "، وانضم إلى باقي الجيوش المصرية، وكان لما بلغ عبد الله باشا هذا الخبر، وأبصر الجيش والعسكر، أحاط به الخوف وانذعر، وطار من عينيه الشرر، ففرق الأموال، وجمع الفرسان والأبطال، وشرع في تحصين القلع والأسوار، واستعد للقتال والحصار، وأرسل يستدعي من حوله من الأكابر والأعيان، وكتب بخط يده إلى الأمير بشير حاكم لبنان، يستنجده لهذا الأمر، ويقول له: إن المشايخ بني الجرار وبني صقر وعرب السلط وبني صخر ينتظرون قدومه إليهم، ليكون رئيساً عليهم. وفي أثناء ذلك يذكره بالصداقة القديمة والمحبة، ويثنى على أمانته وحفظه المودة والصحبة، متمثلاً بقول الشاعر:
وأنت الخالص الذهب المصفى ... بتزكيتي ومثلي من يزكي
وكانت عكا في تلك الأيام، من أشهر مدن بر الشام، وكرسي الولاة والحكام، ذات أبراج حصينة، وقلاع متينة، مشحونة بالذخائر والمهمات، وآلات القتال والجباخانات، وفيها من رجال الحرب، وفرسان الطعن والضرب، نحو خمسة آلاف مقاتل، بين فارس وراجل، وكان إبراهيم باشا صاحب الهمة العلية، قد تقدم نحو عكا في فرقة قوية، من الفرسان والطوبجية،
стр. 933
وبنى أتراساً متينة، على تل هناك تجاه المدينة، ويقال له تل الفخار، ووضع عليه المدافع والقنابل الكبار، وأرسل إلى عبد الله باشا يقول، ضمن كتاب مع رسول، أن يسلم المدينة، بطريقة أمينة، ويربح دم العباد، وسلامة البلاد، ويبادر إلى ملتقاه، ويعتذر مما جناه، ويدخل تحت لواء الحضرة الخديوية، ويعيش باقي أيامه في عيشة رغد ورفاهية، وعين له أجلاً للحضور وتسليم الحدود والثغور، إن تجاوزه ولم يخضع لأمره، يضربه بالمدافع ويجعل كيده في نحره، وحينئذ يأخذ أسيراً، ويرسله إلى مصر ذليلاً حقيراً، ولا يعود يفيده الندم، بعد فوات الفرصة وزلة القدم، فلما وقف على كتابه، وفهم فحوى خطابه، شق ذلك عليه، وعظم الأمر لديه، وحدثه عقله السقيم، بعدم الطاعة والتسليم، وتصلب على المحاصرة والمقاومة، وأصر على المدافعة والمصادمة، ورفض أمر الصلح والمسالمة، وسعى بسوء تدبيره، على خرابه وتدميره، ولم يعلم أن أيامه قد مضت، ومدة أحكامه زالت وانقضت، واستمرت بينهما المخابرة نحو عشرة أيام، وعبد الله باشا يحاوله بالكلام، ولا يقدر عواقب الأيام، وكان مستر بيتر أبوت، قنصل دولة الإنكليز في بيروت، لما بلغته هذه الأخبار، سار قاصداً تلك الديار، واجتمع في إبراهيم باشا في الخيام، بعد مسيرة ثلاثة أيام، وأخذ يلومه بالكلام، على قدومه إلى بر الشام، بدون رخصة سنية، من الدولة العلية، بقوله له أن هذا العمل، لا توافق عليه بقية الدول، لا سيما الدولة الإنكليزية، المتحدة مع الدولة العثمانية، على حفظ الصداقة وإخلاص الطوية، فاغتاظ إبراهيم باشا منه وتأثر، غير أنه لم يظهر له من غيظه ما أضمر، وقال له اعلم، أيها الصديق الأكرم؛ أني حضرت بالعساكر
стр. 934
الجهادية، لاستخلاص الديار الشامية، انتقاماً من عبد الله باشا بأمر الحضرة الخديوية، فإن كان ذلك لا يوافق دولة الإنكليز، فعليها أن تخاطب به جناب والدي العزيز، فمتى أمرني بالرجوع، عدلت عن هذا المشروع، وإلا فلا أرجع بدون ذلك، ولو قامت علي جميع الممالك، ثم نهض على الأثر وتوجه قاصداً المعسكر، ولم يلتفت إلى حديث مستر أبوت وكلامه، ولا اكترث بتعنيفه وملامه، واستمر على ما كان قد قصد. من ضرب الأسوار وهدم البلد، فلما انقضت مدى الميعاد المعهود، وفات وقت الأجل الموعود، وعبد الله باشا ما زال مصراً على عدم تسليم المدينة، معتمداً على قوته وعلى أسوارها الحصينة، استعد إبراهيم باشا وتأهب، في اليوم الرابع من شهر رجب، إلى ضرب المدينة، وهدم أبراجها المتينة، فأرسل إلى رؤساء الطوبجية، وقائد العمارة الحربية، يأمرهم بإطلاق النار، على الأبراج والأسوار، فامتثلوا ما أمر، ولم يمض إلا لمحة بصر، حتى أطلقت المدافع والقنابل، على الحصون والمعاقل، وكان الضرب متواصلاً من الخارج والداخل، كالغيث الهاطل، وكان قد أرسل إلى الأمير بشير حاكم الجبل، كتاباً يستدعي حضوره بالعجل، ليقرره في مركز حكومته، ويعيش في ظل نعمته، فلما وقف على هذا الخطاب، داخله الخوف والاحتساب، وجمع أكابر لبنان، ومن يعتمد عليهم من الأعيان، واستشارهم في هذا الشأن، فاستقر رأي الجمهور، على عدم التسليم والحضور، خوفاً من عواقب الأمور، فلما أبطأ في قدومه، وأصر على عدم تسليمه، استشاط إبراهيم باشا غضباً، وتبدل واسع حلمه لهباً، وكان قد صمم النية، على أن يدهمه بالعساكر النظامية، ويقبض عليه جبراً، ويستولي على لبنان قوة وقهراً، ثم توقف وعدل، عن هذا العمل، لأن أباه كان أوصاه به قبل خروجه من القاهرة، وبالعساكر الظافرة، نظراً لما كان وقع له عنده، من التقرب في المودة، وذلك عند زيارته الديار المصرية، وتمثله أمام
стр. 935
الحضرة الخديوية، في طلب العفو والأمان، حسبما قررناه قبل الآن، فكتب إلى والده بمصر، يعلمه بهذا الأمر، فلما وقف العزيز على هذا الخبر، داخله الغيظ والكدر، وتأثر من مخالفة الأمير، وكتب إليه كتاباً على سبيل التنبيه والتحذير، يعاتبه على ذلك القصور
ويتهدده بسوء العاقبة إن تأخر عن الحضور، ومن جملة فحواه، ومضمون ما حواه إن لم تحضر إلى خدمة ولدي إبراهيم باشا سريعاً، وتكون لأوامره سريعاً مطيعاً، فليكن عندك يقيناً، أني سأخرب مساكنك وأغرس أرضها عنباً وتيناً، وقد بالغنا في النصيحة، وحذرناك بأقوالنا الصحيحة، فاستيقظ من رقادك، واحذر عاقبة عنادك، قبل أن تهجم العساكر عليك، وتأخذ ولايتك من بين يديك. فاضطرب الأمير بشير، من هذا التهديد والتنذير، وأثر فيه هذا الكلام، وخاف عواقب الانتقام، فصمم على التأهب والمسير، للورود على إبراهيم باشا من غير تأخير، وركب من يومه، في مائة فارس من قومه. ولما أقبل على المعسكر، خرج إلى ملتقاء أميرالاي العسكر، وتبعه بحري بك رئيس الكتيبة ومصطفى آغا بربر، وبعض رؤساء العساكر والجنود، بالموسيقى وإطلاق البارود، فدخلوا به الأوردي بموكب عظيم، ونزل في الخيمة المعدة له قرب خيمة إبراهيم. وكان إبراهيم باشا حينئذ يجول بين الجيوش والقواد، ويرتب الصفوف والأجناد، وينشطهم على الهجوم والثبات، والحرب قائمة على عكا من جميع الجهات. وعند رجوعه في المساء استدعى الأمير إليه، فطيب قلبه وصفى خاطره عليه، ولاطفه بالحديث والكلام، وأجلسه معه على سفرة الطعام، وفوض إليه أحكام جبل لبنان، واتخذه من جملة الحواشي والأعوان، وكان قد أرسل فريقاً من العساكر، بالمهمات والذخائر، لاستخلاص الثغور والأساكل، تحت قيادة حسن بك المناسطرلي الرجل الباسل، فاستولى على صيدا وصور، وبيروت وطرابلس وباقي الثغور، وكانت العمارة الرابطة تجاه عكا قد تعطل بعضها من شدة العواصف والأنواء ووقوع الكلل الكبار، التي كانت تسقط عليها كالأمطار، من الأبراج والأسوار، في الليل والنهار، فأقلعت بأمر إبراهيم باشا إلى الإسكندرية، في آر كانون الثاني سنة ألف ومائتين وسبع وأربعين هجرية، وألف وثمانمائة واثنتين وثلاثين رومية. هـ بسوء العاقبة إن تأخر عن الحضور، ومن جملة فحواه، ومضمون ما حواه إن لم تحضر إلى خدمة ولدي إبراهيم باشا سريعاً، وتكون لأوامره سريعاً مطيعاً، فليكن عندك يقيناً، أني سأخرب مساكنك وأغرس أرضها عنباً وتيناً، وقد بالغنا في النصيحة، وحذرناك بأقوالنا الصحيحة، فاستيقظ من رقادك، واحذر عاقبة عنادك، قبل أن تهجم العساكر عليك، وتأخذ ولايتك من بين يديك. فاضطرب الأمير بشير، من هذا التهديد والتنذير، وأثر فيه هذا الكلام، وخاف عواقب الانتقام، فصمم على التأهب والمسير، للورود على إبراهيم باشا من غير تأخير، وركب من يومه، في مائة فارس من قومه. ولما أقبل على المعسكر، خرج إلى ملتقاء أميرالاي العسكر، وتبعه بحري بك رئيس الكتيبة ومصطفى آغا بربر، وبعض رؤساء العساكر والجنود، بالموسيقى وإطلاق البارود، فدخلوا به الأوردي بموكب عظيم، ونزل في الخيمة المعدة له قرب خيمة إبراهيم. وكان إبراهيم باشا حينئذ يجول بين الجيوش والقواد، ويرتب الصفوف والأجناد، وينشطهم على الهجوم والثبات، والحرب قائمة على عكا من جميع الجهات. وعند رجوعه في المساء استدعى الأمير إليه، فطيب قلبه وصفى خاطره عليه، ولاطفه بالحديث والكلام، وأجلسه معه على سفرة الطعام، وفوض إليه أحكام جبل لبنان، واتخذه من جملة الحواشي والأعوان، وكان قد أرسل فريقاً من العساكر، بالمهمات والذخائر،
стр. 936
لاستخلاص الثغور والأساكل، تحت قيادة حسن بك المناسطرلي الرجل الباسل، فاستولى على صيدا وصور، وبيروت وطرابلس وباقي الثغور، وكانت العمارة الرابطة تجاه عكا قد تعطل بعضها من شدة العواصف والأنواء ووقوع الكلل الكبار، التي كانت تسقط عليها كالأمطار، من الأبراج والأسوار، في الليل والنهار، فأقلعت بأمر إبراهيم باشا إلى الإسكندرية، في آر كانون الثاني سنة ألف ومائتين وسبع وأربعين هجرية، وألف وثمانمائة واثنتين وثلاثين رومية.
ولما بلغ السلطان محمود خان، قدوم إبراهيم باشا إلى عربستان ووضع يده على المدن والبلدان، استولى عليه الغيظ والغضب، وكتب إلى محمد باشا والي حلب، يقول له من جملة الكلام: اعلم أيها الوزير الهمام، قد انتهى إلينا في هذه الأيام، مجيء إبراهيم باشا بالعساكر المصرية، لفتح البلاد الشامية، والاستيلاء على ولاياتها، ومدنها وباقي ملحقاتها، واستولى على أطراف البلاد، وانقادت إليه العباد، فلذلك قد أصدرنا الأوامر والمراسيم، بتجهيز العساكر وإرسالها إلى تلك الأقاليم، تحت راية السردار الأكرم، حسين باشا الأفخم، فيجب عليكم، بوصول أمرنا هذا إليكم، أن تحصنوا القلاع والمعاقل، وتجمعوا العساكر والجحافل، وتستخلصوا منه تلك الأساكل، قبل قدوم الجيوش المذكورة، والعساكر المنصورة. فلما وصل هذا المنشور، إلى الوالي المذكور، شرع في تحصين البلد، بالسلاح والعدد والعدد، وجمع العساكر والجنود، وعقد الرايات والبنود، وسار إلى حمص من غير توان، في سبعة آلاف عنان،
стр. 937
من الأرناؤوط والهواري والعربان، وعند وصوله إلى المدينة، حصن قلاعها بالمدافع والأبنية المتينة، وأقام بفرسانه فيها، وعسكر في جهاتها ونواحيها، منتظراً قدوم العساكر العثمانية، ومجيء حسين باشا من القسطنطينية، وأرسل أمامه عثمان باشا كامل، في أربعة آلاف مقاتل، بين فارس وراجل، لقتال العساكر المصرية، واستخلاص المدن البحرية، فسار بهمة وحمية، واستولى على اللاذقية، ثم تقدم بعزم وثبات، إلى نواحي طرابلس وتلك الجهات، فالتقاه من عساكر مصر شرذمة، نحو خمسمائة نسمة، وكان في مقدمتهم الأمير خليل الشهير، ابن الأمير الشهابي بشير، وبمعيته ستمائة بطل، من عسكر الجبل، ولما وقعت العين على العين، اشتعلت نيران الحرب بين العسكرين، والتقت الفرسان بالفرسان، والأقران بالأقران، واختلف الضرب والطعان، وسالت الدماء على أديم الصحصحان، وأخذ حده السيف والسنان، ولم تكن إلا ساعة من الزمان، حتى تضعضعت من عثمان الأركان، فولى الأدباء، واستنجد بالفرار، ورجع بمن معه من الفرسان والأنفار، إلى قلعة الحصن وبلاد عكار، وهو في حالة الذل والانكسار، وحينما بلغ إبراهيم باشا هذا الخبر، ومجيء محمد باشا إلى حمص بذلك العسكر، وهو إذ ذاك محاصر عكا الحصينة، وقد كاد أن يفتحها ويهدم أسوارها المتينة، تجهز من يومه وسار، في أربعة آلاف فارس كرار، قاصداً تلك الديار، وترك عكا تحت الحصار، ثم عجل في السير، وسابق بمسيره الطير، فأدرك عثمان باشا في أرض الزراعة بقرب القصير، وكان محمد باشا قد أمده بالمهمات والذخائر، وأضاف إليه فرقة من العساكر، فناوشه الحرب، وبادره بالطعن الضرب، فقهره وكسره، وفرق جيشه وعسكره، وفر عثمان باشا من ساحة المعمعة، وترك الذخائر والمهمات والأمتعة، ولجأ إلى حمص بمن سلم من جنده معه، بعدما قتل من عسكره
стр. 938
نحو ألف قتيل، ومن المصريين نفر قليل، ثم رجع إبراهيم باشا على الأثر، بعدما غلب وقهر، وفاز وانتصر، وغنم وأسر وبلغ القصد والوطر، وأتى دير القمر، وترك فيها ألفاً وخمسمائة نفر، من شجعان العسكر، وعاد إلى عكا بعد ذلك الانتصار، وشدد عليها الحصار، وكان قد أرسل عباس باشا إلى بعلبك في اليوم الخامس عشر من نيسان، وأصحبه بألابين من الفرسان، ليقيم محافظاً في ذلك المكان، وكانت الحرب على عكا قائمة، والمدافع على أبراجها متصلة دائمة، حتى هدم أكثر حصونها وأسوارها، وسقط رونق مجدها وفخارها، من وقوع الكلل والقنابل، وهجوم الأبطال والجحافل، وكانت سكان البلد، من الشيخ إلى الولد، في خوف واحتساب، وقلق واضطراب، من سقوط الكلل وأصوات البارود، فكانوا يستترون تحت العقود، واستمر القتال، على هذا المنوال، مدة سبعة شهور، بلا انقطاع ولا فتور، وكان المصريون في أثناء الحصار، يحفرون حفراً تحت أساسات الأسوار، ويضعون فيها البارود ويضرمونها بالنار، فتهدم ما فوقها من البنيان.
ولما كان يوم الجمعة الموافق من ذي الحجة سنة ١٢٤٧ هجرية، صمم إبراهيم باشا النية، بقيام هجمة قوية، لينتهي بها الحال، وتكون واقعة الانفصال، فجمع أركان حربه إليه، وأخبرهم بما قد عول عليه، وأعطاهم الأوامر والإرشادات اللازمة، المتعلقة بكل واحد منهم في تلك المهاجمة، وعين لها اليوم الثاني من ذلك النهار، وهو السابع والعشرون من ذي الحجة والثامن والعشرون من أيار، ولكن لما كان الأحسن قبل القتال طلب التسليم على أحسن حال، أرسل إلى عبد الله باشا قائداً من العمد، يطلب إليه أخيراً أن يسلم البلد، قبل أن تفوته فرصة الأمان، ويقع في قبضة الأسر والهوان، وأنه غير منفك عن هذا الشأن، ولو تخربت عليه جبابرة الأرض ومردة الجان، فلم يلتفت عبد الله باشا إلى هذا التحذير والتنذير،
стр. 939
وعده من باب الخوف والتقصير، وقال للقائد المذكور: إن مدة الحصار لم تتجاوز بعد سبعة شهور، والمدينة بحمد الواحد الأحد، مشحونة بالسلاح والعدد، وفيها من الجبخانات، والذخائر والعلوفات، ما يكفيها خمس سنوات، فمتى جاء الوقت المعهود، وفرغ الزاد والبارود، وانقطع عنها الإمداد والإسعاف، ننظر حينئذ في إنهاء هذا الخلاف. فلما عاد القائد إلى مولاه، وبلغه جواب عبد الله، تعجب من وقاحته وحار وأمر بإطلاق المدافع على الحصون والأسوار، فأطلق طول ذلك الليل، وانصبت على البلد كعارض السيل، ولما كان الصباح، تأهب العسكر للهجوم والكفاح، فقرعت الطبول، ولمعت النصول، وخفقت الرايات ونفخ النفير، وانقسمت الآليات إلى فرق وطوابير، وسارت العساكر، كالأسود الكواسر، بحسب صدور الأوامر، طالبة القلاع والأبراج، بدون خوف ولا انزعاج، وفي مقدمتها هاتف السعد والإقبال، ينشد قول من قال:
هيا بنا هيا بنا ... للحرب نلقى ضدنا
نحن الأسود الكاسرة ... نحن السيوف الباترة
من أرض مصر القاهرة ... سرنا وقد نلنا المنى
هيا بنا هينا بنا ... للحرب نلقى ضدنا
نحن الجهاديون لا ... نخشى غباراً إذ علا
ولم ندق في البلا ... صدراً إذا الموت دنا
هيا بنا هيا بنا ... للحرب نلقى ضدنا
بارودنا شراره ... يشوي الوجوه ناره
وسيفنا بتاره ... من العدى تمكنا
стр. 940
ولم تكن إلا ساعة من النهار، حتى أشرفوا على الأسوار، واندفقوا عليها كالبحار، وكان أول من هجم بأمر إبراهيم، طابور من الألاي العاشر على برج كريم، الكائن في الجهة الغربية، من الأسوار الشمالية، ثم أتبعه على الأثر ثلاثة طوابير أخر، تحت قيادة الشجاع الشهير، إبراهيم باشا الصغير، وهو والد جناب حيدر باشا وخليل باشا يكن، أصحاب الخلق الجميل والصيت الحسن، وانعطفوا بحملاتهم أسرق من البرق، على الكائنة تجاه الشرق، وكانت أكثر هذه المواضع، مثقوبة بكلل المدافع. وأما أسد الآساد، وسيف الجهاد، وقائد القواد، فكان سائراً على أثر العساكر، وبمعيته طابوران من الألاي الخامس والعاشر، وكان يجول على ظهر جواده، بين صفوف فرسانه وأجناده، وهو يشجعهم بالكلام، وينشطهم على الهجوم والاقتحام، ويعدهم بالمكافأة والإنعام، فلله درهم من فرسان وأبطال، ما أشدهم في الحرب والقتال، وأثبتهم في ميدان النزال، على المخاطر والأهوال. وكان الرصاص يتناثر عليهم كالبرد، من الأبراج ومتاريس البلد وهم ثابتون ثبات الجبابرة، أو الأسود الكاسرة، غير مبالغين بالخطر، طمعاً بالنصر والظفر، وبلوغ القصد والوطر، بل كانوا يهجمون، على الأسوار والحصون، بهمم وعزائم، أمضى من الصوارم، وينصبون عليها السلالم، ويتسلقون فوقها كالضراغم، هذا ولم ينتصف النهار، حتى تمكنوا بالقوة والاقتدار، على أكثر الحصون والأسوار، ونشروا عليها بيارق الانتصار، فاستولى الطابور الثاني، على المراكز والمباني، التي في الناحية الشرقية، المتصلة بأطراف الأسوار الشمالية، واستولى الطابور السادس، من الألالي الخامس، على جميع الصوايح، التي في جهة النبي صالح، وهكذا استولى الألالي الاحتياطي،
стр. 941
على المتاريس الواقعة بقرب الشاطئ، فلما رأى عبد الله باشا ذلك الهول العظيم، والخطب الجسيم، ندم على عدم الطاعة والتسليم، وعلم أن نجمه قد سقط، وعقد عزه قد انحل وانفرط، وأنه عما قريب يؤخذ أسيراً، ويقاد أمام عدوه ذليلاً حقيراً، بعد أن كان والياً ومشيراً، ولكنه أظهر الصبر والجلد، وسار بالعسكر إلى خارج البلد، بقصد المدافعة والممانعة، وسد أبواب الهجمات المتتابعة، فخاض ساحة المعركة، وجرت بينهم وقعة مهلكة، قتل فيها من قواد المصريين، وأبطالها المشهورين، الشجاع المقدام، إسماعيل بك القائم مقام، وبموت هذا الأسد الغضنفر، ارتد جيش المصريين وتأخر، وضعفت عزيمته وتقهقر، فلما رأى إبراهيم باشا أن العسكر، قد أمسى في ارتباك منكر، خشي من الهزيمة والانكسار، بعد ذلك الفوز والاستظهار، فتقدم نحو جنوده بحرسه، وهو راكب على ظهر فرسه، وجعل يحرضهم على الثبات والجهاد، ويحثهم على الصبر والجلاد، ويقول هذا يوم الانتصار، هذا يوم الافتخار، هذا يوم بلوغ الأوطار، فكانوا تارة يتقدمون وتارة يتأخرون، فعند ذلك سل سيفه من غمده، وانعطف بالحملة أمام جنده، واقتحم مواكب الأعداء فشق الصفوف والكتائب، وأظهر بشدة شجاعته وبسالته العجائب، فتشجعت عزيمة العساكر، من هيبة هذا البطل الكاسر، وداخلتهم الحماسة والفتوة، وكروا على أعدائهم بكل نشاط وقوة، فسدوا عليهم الطرق والطرائق، وأثخنوهم بضرب السيوف والبنادق، وأزاحوهم إلى ما وراء الخنادق، ثم قويت عزيمة المحصورين، وانعطفوا بالحملة على المحاصرين، وحينئذ اختلط الرجال بالرجال، والأبطال بالأبطال، والتحم القتال، واتسع المجال، وعظمت الأهوال، وجرى الدم وسال، وتمكنت الصوارم، في الرقاب والجماجم، والحراب والخناجر، في الصدور
стр. 942
والخواصر، وكان يوماً من أعظم الأيام، وساعة يشيب من هولها رأس الغلام، لأن الدماء كانت تسيل كالمطر، والجثث تتساقط على الأرض كأوراق الشجر، والسهول والتلال، تهتز من ضجيج الرجال، وأصوات المدافع التي تزعزع الجبال، حتى خيل للنظار، في ذلك النهار، أن الساعة اقتربت، والأرض ارتجت واضطربت، والسماء غابت واحتجبت، والمدينة احترقت وانقلبت، ولقد أحسن المقال، وصدق من وصف عكا في ذلك وقال:
قد قيل أن جهنماً تحت الثرى ... مالي أراها فوق عكة تضرم
لو لم تكن دار الشقاوة عكة ... ما أضرمتها بالشرار جهنم
واستمرت تلك المعاركة، والمهاجمة المتداركة، من الصباح إلى بعد العصر، حتى هبت ريح النصر، وكانت قد كلت جموع عبد الله باشا، وانحل عزم نشاطها وتلاشى، وعجزت عن حماية البلد، ولم يعد لها أدنى ثبات ولا جلد، فألقوا سلاحهم، وسلموا أرواحهم، خوفاً من حلول البوار، ونزول الدمار، وطلبوا لأنفسهم الأمان، واختاروا الأسر والهوان، وانصبت العساكر المصرية كالسباع، واندفعوا على البلد أشد اندفاع، بقلوب لا تخشى الموت ولا ترتاع، وتسلموا باقي الأبراج والقلاع، واستولوا على مدينة عكا عنوة وقهراً، بعد انحصار سبعة أشهر براً وبحراً، وتسلم إبراهيم باشا زمام تدبيرها، وقبض على عبد الله باشا وزيرها، وألقاه تحت الحفظ والترسيم، بعدما وبخه على فعله الذميم، وسلوكه الغير المستقيم. وفي اليوم الثاني وهو يوم الأحد، نزل في قصر البهجة خارج البلد، وهو أحد القصور، المختص بعبد الله باشا المذكور، ولما استقر في ذلك المكان، خرج إليه الأكابر والأعيان، وطلبوا منه الأمان، فأجابهم إلى ذلك الشان، وعاملهم باللطف والإحسان، ثم أمر
стр. 943
بكتابة الأوامر والمراسيم، إلى ولاة المدن والأقاليم، يعلمهم بذلك الفتح والنصر، وأنه استولى على عكا بالقوة والقهر، فكتبت في الحين، وأرسلت إلى الولاة والمحافظين، وهذه صورتها: بعد السلام عليكم، المنهى إليكم، إنه نهار أمس، عند طلوع الشمس، زحفت عساكرنا المصرية الظافرة، بالقوة والسطوة القاهرة، واندفعوا على مدينة عكا اندفاع الأسود الكاسرة، وبادروها بالمهاجمة، واقتحموها بالمصادمة والمقاومة، إلى أن فتحوها بقوة الحرب والنار الدائمة، وصعدوا أسوارها الرفيعة، ووطئوا أبراجها المنيعة، وغدت عساكر الأعداء مقهورة، أما عساكرنا المنصورة. ولما تضعضعت منهم الأركان، ورأوا ما جرى وكان، ورفعوا الرايات وطلبوا الأمان، فأجبناهم إلى سؤالهم، وبلغناهم غاية آمالهم، وعاملناهم بالرفق والإحسان، شفقة على الأهالي والسكان، ورأفة بالبنات والصبيان، والأطفال والنسوان، وأخرجنا عبد الله باشا وكتخداه، وقواد عسكره وزعماه، واستولينا على عكا قهراً بإذن الله، ولأجل إعلان هذه البشرى حررنا لكم هذا المنشور، من ديوان عسكرنا المنصور، لتعلنوا مضمونه بالشنلك والسرور وتواظبوا تأدية الدعوات الخيرية، إلى حضرة باري البرية، بدوام بقاء سعادة ولي النعم، جناب والدنا المعظم. حرر في ٢٨ ذي الحجة سنة ألف ومائتين وسبع وأربعين وختمه تحت الإمضا: سلام على إبراهيم.
وبعد ذلك استدعى بعبد الله باشا فحضر بين يديه، وسلم عليه، واعتذر إليه، وتصور الموت نصب عينيه، فلاطفه وطيب قلبه، وسكن روعه ورعبه، وأجلسه بالقرب من حضرته، وقابله بما يليق بمقامه ورتبته،
стр. 944
ثم أرسله إلى أبيه أسيراً، وعند دخوله على أبيه وقع على قدميه مستجيراً، ملتمساً منه الرضى، والعفو عما قد مضى. فلما رأى حاله، صفح عنه وأذهب أوجاله، وأنزله في أحسن السرايات، وأجرى له ما يلزمه من الحوائج والنفقات، ثم أرسله بالتكريم إلى دار السعادة، فبعد وصوله أرسلته الذات الشاهانية شيخاً على حرم المدينة الشريفة ذات السيادة. ولم يزل في المدينة عدة سنين، حتى توفي بها سنة ألف ومائتين ونيف وخمسين.
الشريف عبد الله باشا بن الشريف محمد بن الشريف عبد المعين ابن الشريف عون بن الشريف عبد المعين بن الشريف عون بن الشريف محسن المكي.
بدر فضل قد ترقى على مدارج الصعود، ومشكاة أصل قد اقتبس من نورها طالع اليمن والسعود، وبحر نوال قد احتوى على أفنان الرغائب، وجد كمال قد استوى على عرش المناقب، سرى في معارج السعادة حتى وقف على الأعلى، وجرى في مناهج السيادة إلى أن كشف الجلي منها والأجلى:
طيب النبوة فيه عنه يخبرنا ... بأنه ثمر من دوح طوباها
كريم نفس من الإحسان قد جبلت ... منه الطباع وإن الفضل أعلاها
ذات من اللطف صاغ الله عنصرها ... وقد كساها حلاها حين سواها
لم يظفر الوهم يوماً في تصورها ... ولا يزور خيال الوهم مغناها
تردى برداء الفضائل فكان لها مظهراً، وتصدى لورود الأفاضل فكان لها مورداً ومصدراً، وجمع المحاسن الداعية لطواف الأحاسن حول
стр. 945
كعبة ذاته، وطبع القلوب على الشغف بمديح أفعاله ومليح صفاته، واشتهر قدره في العالم اشتهار الحسن للقمر، وانتشر ذكره بين الأنام انتشار العبير في حدائق الزهر، وتسامى علاه بالمجد إلى أن سما فوق المجرة، وترامى على أقدامه فرقد السعد وحفه بأنواع المسرة، وبسم له ثغر الدهر مبشراً له بنوال مناه، ورسم له من جلي القدر وعلي الذكر ما تقر به عيناه، ولاحظته عين الإمداد بإيثار البر والندى، وصافحته يد الإسعاد براحة الإرشاد والهدى:
انظر إليه ترى بدراً وشمس علا ... وقطب فهم وعلم زان بالعمل
وليس يشبه هطل السيل نائله ... هذا الذي جوده قد جل عن ملل
هيهات يحصي ذوو الأقلام ما اجتهدوا ... أوصافه الغر ذات العز والجزل
حقق ترى جملة الأوصاف شيمته ... كأنه قد براها الله في رجل
قد ألبسه الفخار تاج التوقير والإجلال، وحرسته عين الحماية عن معاكسة الآمال، وجذبته يد الأماني نحو كل مطلوب، وجبذته يمين التهاني إلى كل محبوب ومرغوب، وتهادت بنشر أريجه زهر الربا، وتوالت بنقل عطر أخباره نسمات الصبا، وتبدى في أفق السمو فكان شمسه المنيرة، وتردى بموجب الثناء فاستوجب قليله وكثيره، وتكلل بإكليل المعالي فكان لإمارة الحجاز لي عهدها، وتسلسل نسبه الشريف في الأعالي فكان لراية الاعتزاز علي مجدها:
هذا هو الشهم الذي حاز العلا ... وجلت لنا الألطاف رفعة قصده
والماجد البطل الذي للارتقا ... لا زال يرفعه الزمان بجده
تالله هذا للفضائل حلية ... ولجيد هذا العصر لؤلؤ عقده
стр. 946
فلعمري لقد أنار الله به ربوع الفضائل، وأدار على محور عليائه مدار شمائل الأفاضل، ونشر للخافقين أجنحة الثناء عليه، وجمله بما كمله به من العواطف النبوية الآيلة بالإرث إليه، وخفضت هيبة جلالته العيون عن النظر في محياه، وحجبت عظمة ذاته المصطفوية الظنون عن توهمها إحصاء نعمته وحلاه:
فهو الهمام الذي صحت سيادته ... واشتق من خير خلق الله عنصره
مهذب فطن كادت فراسته ... عما بقلبك قبل القول تخبره
من معدن المجد حقاً كان هيكله ال ... عالي وكاد فؤاد اللطف يضمره
هذا وإن غوامض فكره تحكي الدراري عداً، وفرائض شكره لم تبلغ الألسنة لها حداً، فاق على الكرا بكرمه المشهور، وراق لديه الإنعام حتى صار به كالعلم المنشور، ونحته المعالي إلى أن وقفت ببابه وتخيرته لأن تكون مقصورة على سموها بجنابه:
ربيع إذا ما زرته زرت روضة ... يفتح فيها جوده حدق الزهر
إذا يده البيضاء أخرجها الندى ... فقد نلت ما ترجوه من وافر البر
فكم من بيوت شادها فيض كفه ... فأضحت تجيد المدح بالنظم والنثر
فحدث وقل ما شئت في شأن فضله ... فقد صح عندي أنه زينة الدهر
فلا ريب أنه عماد بيت قد ارتفعت بالشرف علائمه، ومفرد وقت قد ارتقت على ذروة المجرة دعائمه، وملاذ يمن لمن أم ساحة إشراق بدره، ومعاذ أمن لمن يممه مشفقاً من إملاق دهره، كيف لا وهو الذي استرق الأفئدة نوالاً، واستحق الأثنية جمالاً وكمالاً، مع كونه مجلي دقائق العلوم، ومولى من تحلى بفهم حقائق المنطوق والمفهوم:
من كان يجهل في الأنام كماله ... فأنا الذي أرويه من أنبائه
فيمينه كنز العطية والغنا ... وشماله لم تدر جود عطائه
стр. 947
وصفاته نجم السماء يعدها ... وجبينه للدهر بدر سنائه
وكلامه الدر الثمين وعلمه ... قد فاق ضوء الشمس في إهدائه
ولد حفظه الله تعالى وأبقاه، وأعلى في معارج السعادة والسيادة مرتقاه، في أوائل ذي الحجة الحرام، سنة ألف ومائتين وتسع وخمسين من هجرة جده سيد الأنام، فبسمت له ثغور الأفراح، وحل طالع سعده في برج الإقبال والنجاح، ولحظته عين الرئاسة منذ كان طفلاً، ونظرته حدقة الفراسة فوجدته لكل رفعة أهلاً، ولقد تمثل الدهر لوالده المعظم بين يديه، وغدا يشدوه مهنئاً له بما لديه:
بملاذنا غوث الأنام لك الهنا ... أبداً وقابلك الزمان بسعده
قد خصك المولى الكريم به وقد ... ود الهلال يكون خادم عبده
فرفع قدم الصعود منذ كان صبياً، وارتفع على كاهل السعود فكان من ابتداء أمره علياً. ولم يزل مذ كان في حجر أبيه، تنميه يد الإجلال وتربيه، وهو يعرج على مدارج الكمال، وينتقي أعلى الشمائل والخصال، ويتخلق بأخلاق السادة ممن سلف، ويتحقق بحقائق ذوي السعادة والشرف، وذلك في البلدة المكرمة، والبقعة الشريفة المعظمة، مكة التي بها أميطت عنه التمائم، وتحلت بعقود حلاه أجياد الفضائل والمكارم، محوطاً بسور إمارة والده على الأقطار الحجازية، وكان الذي ولى والده هذه الإمارة العلية، حضرة المرحوم السلطان محمود سنة ألف ومائتين وسبع وستين. وحينما انفضل والده من الإمرة توجه إلى الآستانة العلية بطلب أمير المؤمنين، فتوجه معه المترجم وكان عمره ثماني سنين، فقرأ القرآن العظيم وأجاده، ثم أقبل على طلب العلم فوق العادة، ونهج مناهج
стр. 948
الصدور والأعيان، وعرج معارج السادة ذوي الفضل والشان، واستدام حفظه الله على ذلك، سالكاً في مستقيم هذه المسالك، إلى أن عاد والده الشريف إلى الإمارة العلية، سنة ألف ومائتين واثنتين وسبعين هجرية، فعاد مع والده لوطنه وبلدته، ومحل ولادته ونشأته، فنما بها ونحا نحو المعالي والصعود، وسما إلى أن استوى على مطالع اليمن والسعود، ولازم أهل العلم والفضل، وتحلى بالعبادة واللطافة والعقل، متكللاً بإكليل النباهة والأدب، متكملاً بجميل المجد وجليل النسب، حاسماً مادة الخروج عن المنهج الأكمل، راسماً على نفسه أن يترقى في أطواره عن كل جميل إلى أجمل، ولم يزل إلى أن طلع في سماء الهداية بدراً، وارتفع على أسره العناية فكان لها هامة وصدراً، وزرع في القلوب حب المحبة، فأثمرت سنابلها كل سنبلة ألف حبة.
وفي سنة ألف ومائتين وأربع وسبعين في شهر شعبان، توفي والده الشريف وانتقل لأعلى الجنان، وكان قد بلغ من العمر سبعين سنة، جعل الله ذروة الفردوس مقره ومسكنه، وكانت مدة إمارته أولاً أربعة وعشرين عاماً، وثانياً سنتان وجملة إمارته ستة وعشرون عاماً تنقص أياماً، وبقي المترجم بعد موت والده مستقيماً في البلد الحرام، وكان له بها التقدم ورفعة المقام.
وفي سنة سبع وتسعين توفي أخوه الشريف حسين باشا وكان بعد موت والده على الحجاز أميراً، فمات شهيداً وفاز مع الذين جزاهم بما صبروا جنة وحريراً، فتولى حضرة المترجم الإمارة بطريق الوكالة، إلى أن حضر الشريف عبد المطلب إلى الحجاز أميراً بالأصالة، ثم في السنة المذكورة في رجب، توجه إلى الآستانة وكان قد توجه له من الخليفة الأعظم طلب، وفي ذي الحجة من السنة المذكورة، عاد بالرخصة إلى وطنه وبلدته المشهورة، وبقي هناك إلى سنة تسع وتسعين، فانفصل الشريف عبد المطلب
стр. 949
آخر شوال فكان المترجم لوكالة الإمارة خير أمين، ولم يزل إلى أن شرف أخوه عون الرفيق باشا من الدار العلية، فاستوى من إمارة الحجاز على سدتها السنية، وفي أواخر ربيع الأول سنة ثلاثمائة وألف، عاد سيدنا المترجم إلى دار السعادة بكل تكريم ولطف، فعينه مولانا أمير المؤمنين السلطان عبد الحميد خان، عضواً في شورى الدولة مع توجيه الوزارة ذات القدر والشان، وهو بحمد الله لم يزل عالي القدر، رفيع المرتبة عميم الشهرة والذكر، وافر العلم والعمل، نائلاً من الرغائب كل مرام وأمل. وفي سنة ألف وثلاثمائة وسبع في ذي القعدة الحرام، حينما توجهت لدار السعادة دار العز والاحترام، تشرفت بالحضور لديه، والمثول بين يديه، فأفرغ علي حلة سروره، وقابلني ببشره وحبوره، وأنالني من إقباله فوق ما يتعلق به الأمل، وأولاني من أفضاله والتفاته ما ألبسني ثوب الخجل، وحباني من رعايته ما أغرقني ببحر فضله، ولا غرو إن الشيء لا يستكثر على أهله.
الأمير عبد الله باشا فكري بن الأمير محمد أفندي بليغ بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد المصري رحمهم الله تعالى أجمعين
هذا الأمير حيا الرضوان منه تلك الشيم، وعامله بالمن والإحسان والجود والكرم، إن لم يكن فوق أبي تمام، فهو نظيره في النثر والنظام، وإن كل ناطق بلسان، وعارف بحسن واستحسان، مجمع على
стр. 950
فضله الذي اقتضى لذكره التخليد، فالعالم عرفه بعلمه والجاهل قال بالتقليد وهو منذ لاح هلاله في أوجه، وحل نجم سعوده في برجه، يطير صيته في الأقطار، ويسير ذكره في البلاد والأمصار، وحينما شرف إلى الشام هو وولده أمين بك الهمام حصلت بيني وبينه مودة، ومجالس اجتماعات لمذاكرة الأدب معدة، ولقد رأيت من فضله ما لم أكن رأيته قبل ذلك، وشاهدت من بديع كمالاته ما لم أكن شاهدته من قبله لسالك. فلعمري هو المعروف بأصله وفصله، والمشهود له بنبله وفضله، له المقام الأحظى، والمعارف التي ملأت سمعاً ولحظا، وهو منذ حلت عنه تمائمه، ونيطت عليه عمائمه مخطوب الحظوة عند الأنام، مطلوب الاتصاف بكل فضل ومرام.
تروى محاسن لفظه وكأنها ... درر وآراء كمثل دراري
ومآثر قد خلدت فكأنها ... غرر وعزم مثل حد غرار
ولد ﵀ في أوائل شهر ربيع الأول، من شهور سنة ألف ومائتين وخمسين من هجرة السيد المكمل، ومن غريب الاتفاق الموقع في العجب العجاب، أن تاريخ ميلاده وافق جمل قوله تعالى: " قال إني عبد الله آتاني الكتاب " وجمل ذلك ألف ومائتان وخمسون، وهذه الموافقة المتفاءل بها على كماله من أعجب ما يكون، وكان له في الكتابة النفس العال، ولأسلوب الذي ليس له مثال، حتى قيل فيه أنه لو تقدم به الزمان، لكان له بديعان، أعني المترجم وعلامة همذان، مع الديانة والعبادة، والورع والزهادة، والصلاح والتقوى، والإخلاص في السر والنجوى. ولقد حفظ القرآن المجيد، وأتقنه وجوده غاية التجويد، ثم اشتغل في طلب العلم في
следующие страницы →