← Тараджим

Тараджим · id 31371

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

عبد الرزاق البيطار

Полный текст (1 568 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

كهف الخلافة كافيها وكافلها ... من لا عهدنا له في القرن أمثالا يا رب فاشدد على الأعداء وطأته ... واحفظ حماه وزده منك إجلالا واظهرن حزبه في كل متجه ... وسددن منه أقوالاً وأفعالا وابسط يديه على الغبراء قاطبة ... وذللن كل من في لأرض إذلالا فالمسلمون بأقصى الغرب طامحة ... أبصارهم نحو يرجون إقبالا كم خائف يرتجي أمناً بسطوته ... وحائر يرتجي للحزن تسهالا فرع الخلافة وابن الأكرمين ومن ... شادوا عرا الدين أركاناً وأطلالا كم أزمة فرجوا كم غمة كشفوا ... كم فككوا عن رقاب الخلق أغلالا هم رحمة لبني الإيمان سائرهم ... هم الوقاية أسواء وأهوالا أنصار دين النبي بعد غيبته ... في نصره بذلوا نفساً وأموالا قد خصهم ربهم في خير منقبة ... ما خص صحباً بها قبلاً ولا آلا كم حاول الصحب والآل الكرام لها ... والله يختص من قد شاء إفضالا ما زال في كل عصر منهم خلف ... يحمي الشريعة أقوالاً وأفعالا حتى أتى دهرنا في خير منتخب ... من آل عثمان أملاكاً وأقيالا قد كنت مضمر خفض ثم أكسبني ... رفعاً وقد عمني جوداً وأفضالا وبالإضافة بعد القطع عرفني ... وقد نفى عني تصغيراً وإعلالا هذا وحق علاه منتهى أملي ... قد حط عني بمحض الفضل أثقالا لا زال تخدمه نفسي وأمدحه ... مستغرق الدهر أبكاراً وآصالا أهدي مديحي وحمدي ما حييت له ... أفادني أنعماً جلت وإقبالا جزاه عني إله العرش أفضل ما ... جازى به محسناً يوماً ومفضالا ولم تزل الباخرة واقفة على الآستانة عشرة أيام، وهو في كل يوم يزور الكبراء والعظماء والوكلاء ويزورونه، وقد كفله السلطان عبد المجيد

стр. 877

حينما طلبت دولة فرانسا من السلطان المومى إليه أن يكفله، وبعد أن استقام عشرة أيام، والطعام في كل يوم يأتيه من السرايا إلى الباخرة، توجه إلى بروسة فدخلها يوم الاثنين السابع من ربيع الثاني سنة ١٢٦٩ وتلقاه واليها خليل باشا صهر الذات الشاهانه ومعه العلماء والوزراء والكبراء، ثم أنه لم يستقر به الأمر أياماً حتى جاء عنده خليل باشا بأمر السلطان المعظم يخبره بأن مراد الدولة العلية أن تعين له معاشاً يكفيه مع الاتساع هو ومن يلوذ به، فسر المترجم بذلك، ووجه لأمير المؤمنين ما يليق من الدعوات، غير أنه اعتذر بأن إمبراطور فرنسا قد عين له ما يكفيه ويكفي من معه، وأما حضرة أمير المؤمنين فإن ما أسداه إليه من كفالته عند فرنسا فإنها هي المنة التي لا تقابلها منة، حيث أنه لولاها لم يتيسر له الخروج من بلاد فرنسا. ثم أنه لما رأى ما عرا هذه المدينة من كثرة الزلازل، ورأى أن جماعته قد ضاقت صدورهم من الإقامة بها، وقد تحسن عندهم تبعاً لسعادة الأميرة الرحلة إلى دمشق الشام، فسافر إلى الآستانة أول ذي الحجة سنة إحدى وسبعين ومائتين وألف، ثم إلى باريز فتلقاه الإمبراطور ورجال الدولة بكل عظمة وإجلال، ثم رجع إلى الآستانة وقدم الاستئذان من الباب العالي بالرخصة له أن يرحل إلى دمشق الشام، فصدرت أوامر الدولة العلية لمحمود نديم باشا والي دمشق بالاستعداد لقدومه، وإعداد محل لائق به. ثم أن الأمير المرقوم غب حضور الإذن رجع إلى بروسة، وفي خامس ربيع الثاني خرج منها بمن معه وكانوا مائتين نفس فركب بهم باخرة فرنساوية إلى بيروت، فاستقبله الخاص والعام واهتزت لقدومه أنحاء الشام، وبقي قليلاً من الأيام ثم رحل ودخل الشام، وكان قد خرج للقائه أهل البلد، ولا يبعد أن يقال ما شذ منهم أحد،

стр. 878

فتألف الكبير والصغير وشملهم بامتنانه وبشره الغزير، ثم بعد أن استراح من السفر وزال عنه النصب والكدر، توجه إلى بيت المقدس للزيارة الشريفة، وكان ذهابه من طريق صفد، وإيابه من طريق حوران، تتميماً للزيارات الواقعات في الطريقين وذلك سنة ١٢٧٣. وبعد ذلك في رمضان من تلك السنة، قرأ في المدرسة الأشرفية المشهورة بدار الحديث الواقعة في العصرونية صحيح الإمام الحافظ المجتهد أبي عبد الله البخاري، وكان ختامه في اليوم الرابع والعشرين من شوال سنة أربع وسبعين ومائتين وألف. وفي نصف ذي الحجة الحرام سنة ألف ومائتين وست وسبعين حينما وقعت الحادثة الكبرى في نصارى الشام، وكان قد تعدى عليهم بعض الأشقياء المتوحشين فقتلوا وأضرموا النيران في أملاكهم ونهبوا متاعهم، فحصل من الأمير المرقوم ما يدل على كمال غيرته ومروءته وتمدنه من خلاصهم والإحسان إليهم، وبذل كمال المعروف، وقد كافأه حضرة أمير المؤمنين السلطان عبد المجيد خان بالكتاب الذي أرسله إليه بخطاب التفخيم والاحترام، مع النيشان المجيدي من الرتبة الأولى، وتواردت عليه كتابات بقية الملوك مع النياشين ذوات الفخر والقدر. وتفصيل ذلك مذكور في كتاب مناقب المترجم من تأليف ولده المحترم سعادة محمد باشا الذي سماه بالكوكب الزاهر، في أخبار الأمير عبد القادر. وفي سنة سبع وسبعين ومائتين وألف توجه إلى حمص وحماه وغيرهما بقصد الزيارة للمشاهد العظيمة، ولما وصل إلى حماة ونزل في طيارة بني الكيلاني، ورأى الناعورة أنشد:

стр. 879

وناعورة ناشدتها عن حنينها ... حنين الحوار والدموع تسيل فقالت وأبدت عذرها بمقالها ... وللصدق آيات عليه دليل الست تراني ألقم الثدي لحظة ... وادفع عنه والبلاء طويل وحالي لحال العشق بات محالفاً ... يدور بدار الحب وهو ذليل يطأطئ حزناً رأسه بتذلل ... ويرفع أخرى والعويل عويل وفي أول رجب سنة ألف ومائتين وتسع وسبعين توجه إلى الحجاز من جهة البحر، فنزل من بيروت إلى الإسكندرية ثم إلى مصر، بكل عز وإكرام، ثم إلى مكة، وبعد أيام أخذ الطريقة الشاذلية عن العارف بالله الشيخ محمد الفاسي واختلى مدة في غار حراء فبلغ مطلوبه ونال مرغوبه، وفتحت له كنوز الأسرار وكشف له عن رموز الستار، وبرقت له البوارق ووردت عليه الواردات من المنهل الرائق، وبعد خروجه من غار حراء، توجه إلى الطائف الشريف فمكث هناك نحو ثلاثة أشهر، وهو على اشتغاله واجتهاده في الطريق، ونظم هناك قصيدته التي يذكر بها بدايته ونهايته، ويمدح بها شيخه ويذكر خلافته وولايته، وأولها: أمسعود جاء السعد والخير واليسر ... وولت جيوس النحس ليس لها ذكر إلى أن قال: أتاني مربي العارفين بنفسه ... ولا عجب فالعسر من بعده يسر وأعني به شيخي الإمام وعدتي ... لهيبته تغضي له الأسد والنمر محمد الفاسي له من محمد ... كمال الرضى والحال والشيم الغر أبو حسن لو قد رآه أحبه ... وقال له أنت الخليفة يا بحر إلى آخرها، وهي طويلة ذكر بها أسراراً وأموراً تدل على بعض ما حصل له من الفتح الرحماني والكشف الصمداني.

стр. 880

وفي أول يوم من جرب سنة ثمانين ومائتين وألف، توجه إلى المدينة المنورة من طريق جدة، فدخلها في اليوم السادس والعشرين من جرب، واستقبله أشرافها وحكامها وعلماؤها، ثم بعد مدة طلب من حضرة الهمام الشريف صاحب المقام المنيف السيد أحمد أسعد أن يهيء له محلاً يختلي فيه للعبادة مدة، فهيأ له المحل الذي كان لسيدنا الصديق قدس الله سره وبابه من المسجد الشريف، فاختلى فيه شهرين، وحصل له ما حصل ووصل إلى ما إليه وصل، ولم يزل في المدينة الشريفة والبلدة المنفية، إلى أن حضر ركب الشام فتوجه معه إلى مكة والبلد الحرام، وبعد إتمام حجه توجه إلى جده في الرابع عشر من ذي الحجة الحرام، وفي التاسع عشر ركب في الوابور المصري، ولم يزل تستقبله الولاة والكبراء والعلماء والوزراء، إلى أن دخل دمشق الشام، في التاسع عشر من المحرم سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف فاستقبله الخاص والعام، فقابلهم كعادته بالبشر والسرور والفرح والحبور، وبعد استراحته من رحلته وسياحته سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف، عزم على السفر إلى الآستانة لزيارة الخليفة الأعظم والسلطان الأفخم، مولانا السلطان عبد العزيز خان، فقابلته الدولة بما لاق وعاملته بما اشتهر في الآفاق، وأتاه حضرة الصدر الأعظم من طرف أمير المؤمنين بالنيشان العثماني من الرتبة الأولى، وكان إذ ذاك مسند الصدارة العظمى حضرة فؤاد باشا. وفي تلك الأيام قدم المترجم الرجا والشفاعة لحضرة أمير المؤمنين في تسريح الذوات الشاميين المنفيين إلى قبرص وردس فقبلت شفاعته وخرج الأمر العالي

стр. 881

بتسريحهم، وقد تعرض لذلك العالم الجليل والفاضل النبيل، مفتي اللاذقية السيد عبد الرزاق أفندي فتاحي الحسيني في موشحه الذي قدمه لحضرة مولانا المترجم المرقوم وهو: سلت لفتكي من الأحداث هنديا ... خود حكى قدها بالميل خطيا دور رشيقة القد بالأعطاف تسبيني ... تسمو بطلعتها حسناً على العين رضابها العذب منه الرشف يحييني ... وقد دعاني بفرط الوجد مسميا دور يا بانة اللطف كم ذا تهجرين الصب ... مني بطيب اللقا وارعي حقوق الحب متى تجودين يا أخذ المها بالقرب ... لمغرم قد غدا بالشوق مضنيا دور ما لي إذا ما جفا الأحباب أو بعدوا ... سوى الأمير الذي وافى به الرشد السيد الشهم عبد القادر السنة ... مولى غدا عرفه في الكون عطريا دور سليل ذي الفضل محي الدين والحسن ... في نسبة منتهاها صاحب السنن بدر الجزائر من وافى على سنن ... غدا به عند رب العرض مرضيا دور في فتنة الشام كم وفى من الهمم ... حتى حكى صنعه ناراً على علم وقد حبته ملوك الأرض بالنعم ... وللفخار نياشيناً زهت زيا دور وقد أتم صنيع الخير حيث سرى ... لباب سلطاننا الأسمى الرفيع ذرا يرجوه إطلاق من في النفي فاعتبرا ... منه المقام وبالبشرى له حيا دور

стр. 882

وقد بلغنا جميعاً غاية الأمل ... بحسن إقدام هذا السيد البطل من فاق فينا بحسن العلم والعمل ... لا زال دهراً من الأسواء محميا وله في ذلك أيضاً: بشرى فقد نلنا المنى ... والغم زال والعنا دور الله عودنا الجميل ... من فيض إحسان جزيل لا بد للخطب الجليل ... من منحة فيها الهنا دور كم شدة ذاب الفؤاد ... منها وجافانا السهاد قد حفها لطف فعاد ... فيها لنا يسر دنا دور صبراً أخا العقل السليم ... ورضى بتقدير الحكيم فالله ذو الفضل العظيم ... فبفضله قد عمنا دور بالصبر قد حزنا الفرج ... وبه لنا فاح الأرج والغم زال كذا الحرج ... مع كل كرب أحزنا دور قد فاز عبد القادر ... رب الكمال الباهر بجزيل أجر وافر ... لما بذا الخير اعتنى دور بدر الجزائر ذو العلا ... من فاق قدراً في الملا بحر لوراد حلا ... وفي العطا مولى الغنا دور

стр. 883

ليث الوغى رب الندى ... سامي الذرا شمس الهدى أهل التقى نور بدا ... يمحو الدياجي بالسنا دور في فتنة الشام الشريف ... قد سكن الخطب المخيف بحزمه الوافي المنيف ... خف البلا عن قطرنا دور للوسع أضحى باذلاً ... وقد رقى منازلا وله الملوك عاجلاً ... أهدوا نياشين الثنا دور ثم انتضى العزم الوفي ... لرد من منا نفي فنحا حمى الليث الصفي ... بدر الملوك عزنا دور سلطاننا عبد العزيز ... غوث الملا الحرز الحريز سامي الذرى الغوث المجيز ... من بالمراد أمدنا دور إلى حماه قد ورد ... قد فاز منه بالمدد وأجابه فيما قصد ... وعفا له عمن جنى دور وحباه نيشان افتخار ... وأحله أوج الوقار فسما له ذكر وسار ... مع ما من الخير اقتنى دور ندعوك رب العالمين ... بالمصطفى طه الأمين أيد أمير المؤمنين ... سلطاننا غوث الدنا دور

стр. 884

واعطف بفضل وافر ... للشهم عبد القادر سبط النبي الطاهر ... من قد هدانا سبلنا دور واحفظ لنا أشباله ... وامنحهم إقباله يسر له آماله ... وافتح له يا ربنا وبعد أن أقام حضرة الأمير المترجم مدة شهرين في الآستانة، توجه إلى فرنسا فاهتز القطر لقدومه، وتحرك لاستقباله ركن العاصمة من حاكمه ومحكومه، ونال من القدر أعلاه ومن الاحتفال أجلاه وأولاه. وقابل الإمبراطور نابليون وجلس معه ساعة وبذل له من الاحترام اتساعه، ثم بعد أيام رحل إلى لوندرا مملكة الإنكليز، وحصل له من الدولة والأهالي كل قدر عزيز، ثم بعد تمام اطلاعه على تلك المحلات رجع إلى باريز، وغب وداع الإمبراطور ورجال الدولة توجه إلى وطنه دمشق الشام، وكان قد زيد له في معاشة في كل سنة خمسون ألف فرنك، فصار جملة معاشه في كل شهر ستمائة ليرة فرنساوية، اثنا عشر ألف فرنك، ولا زال في طريق رجوعه إلى الشام إلى أن وصلها، لا يمر على بلدة إلا ويقابل بكل مقام عال، ولما أقبل على الشام خرج أكابرها وعلماؤها لاستقباله والسلام عليه، فعاملهم بأحسن معاملة ولاطفهم غاية الملاطفة، وكان يحادثهم بما أنعم الله به علي تحدثا بنعمة الله تعالى. وفي تشرين الثاني سنة ألف وثمانمائة وتسع وستين الموافق سنة ألف ومائتين وخمس وثمانين، دعي إلى حضور فتح خليج السويس كما دعي إلى ذلك أعيان العالم، فاجتمع في مصر بإمبراطورة فرنسا وكان له منها الاحتفال العظيم والالتفات الجسيم، ثم عاد إلى الشام بعد مدة قريبة. وفي سنة ألف ومائتين وتسع وتسعين، خرج ومعه بعض أولاده السادات

стр. 885

وبعض خواصه وخدمه إلى طبرية وصفد ونواحيهما للتنزه والفرجة، وكان الوقت وقت الربيع، وأقام في تلك الرحلة نحو أربعين يوماً، وكان لي بحمد الله منه الحظ الأوفى والالتفات الأجدى الأجدر، والعناية العالية والبشاشة السامية، وحضرت عليه مع من حضر كتاب فتوحات الشيخ الأكبر، ورسالة عقلة المستوفز له، وكتاب المواقف للمترجم المرقوم، وهو كتاب كبير في الواردات التي وردت عليه ونسبت إليه. وكنا لا يرد علينا إشكال من آية أو حديث أو غير ذلك إلا وأجاب عنه بأحسن جواب، من فتح الملك الوهاب، وكان في كل مدة قليلة يدعونا إلى بعض محلاته خارج البلد، فكان يدخل علينا كل سرور ويفرغ علينا كل حبور، وفي كل سنة في أيام الصيف كان يخرج إلى قصره في أرض دمر، فكان يأمرني بالخروج معه، ولا زلت ملازماً لها إلى أن توفي. وفي غرة رجب سنة ألف وثلاثمائة ابتدأه مرض المثانة وحصر البول، ولا زال يقوى عليه إلى الساعة السابعة من ليلة السبت التاسع عشر من رجب، فدعاه مولاه إلى جنابه وفسيح رحابه، وذلك في قصره في قرية دمر، فلما أصبح الصباح ماج الناس بالعويل والصياح. ونقل في عربته من قصره في دمر إلى داره في الشام، ثم غسل في داره بحضرة العلماء الأعلام، وصلي عليه في جامع بني أمية في مشهد لم يسبق لمثله، وخرج معه الناس أجمع مع الخضوع والتذلل، إلى أن دفن في الصالحية من دمشق في مدفن الشيخ الأكبر محي الدين العربي شمالي قبره الشريف، ليس بينه

стр. 886

وبين الحائط الشمالي قبر آخر وكتب على بلاطة القبر الشريف من نظم الأخ الفاضل عبد المجيد أفندي الخاني: لله أفق صار مشرق دارتي ... قمرين هلا من ديار المغرب الشيخ محيي الدين ختم الأوليا ... قمر الفتوحات الفريد المشرب والفرد عبد القادر الحسني الأمير ... قمر المواقف ذا الولي ابن النبي من نال مع أعلى رفيق أرخوا ... أزكى مقامات الشهود الأقرب في تاسع عشر رجب سنة ألف وثلاثمائة وقد رثاه كثير من العلماء الأعلام والشعراء الأدباء الكرام، منهم العلامة محمد إسحق أفندي الأدهمي الطرابلسي: قامت عليك قيامة العلماء ... يا سيد العلماء والأمراء وبكتك أجفان المكارم والعلا ... يوم النوى ممزوجة بدماء هذا مصاب ما أصيب بمثله الإسلام بعد السادة الخلفاء من لليتامى والأرامل يا ترى ... بعد الأمير ومن إلى الفقراء ومن الذي يولي الجميل تفضلاً ... ويجود بالصفراء والبيضاء ومن الذي يرجى لهذا الدين إن ... خفنا عليه سطوة الأعداء من للمساجد والرياضات التي ... أرضيت فيها عالم السراء تالله من بعد الأمير المرتضى ... ما ثم إلا كاشف الضراء مات الأمير السيد الحسني عبد القادر ابن السادة الكرماء أسفي على قمر بأفق سما العلا ... قد كان يحلف غرة الظلماء القانت الأواب من أحيت موا ... قفه لنا العربي ذاك الطائي علامة الآفاق ذاك العارف الغو ... ث المعظم بضعة الزهراء أسفي على من كان يستسقى به ... صوب الغمام وصيب الأنواء إلى أن قال: أما الأمير فقد غدا في جنة ... المأوى وجاور أكرم الكرماء

стр. 887

وغدا ينادي نلت ما أملته ... من خالقي وبلغت كل مناء وسعادة الدارين حزت فأرخوا ... طيباً بحسن الظن من مولائي سنة ١٣٠٠ وهي قصيدة طويلة تزيد على ثمانين بيتاً. ورثاه أيضاً الشيخ طاهر أفندي المغربي السمعوني فقال: خطب جسيم عم بالأكدار ... ما بعده لسواه من مقدار لو يعتري صم الجبال لأصبحت ... دكاً تنثر مثل نثر غبار ولو اعترى نوع النبات لما نما ... ولصار مثل الترب والأحجار إلى أن قال: لو كان في الموت الفداء فداه ... م كل سميدع ندب من الأحرار لكنه أمر على كل الورى ... متحتم في سابق الأقدار إلى آخرها. وممن رثاه حسن أفندي بيهم البيروتي: بأي جناح سامنا صرفه الدهر ... أم الدهر خب من خلائقه الغدر وعن حسد ما انتابنا من خطوبه ... وما نابنا إلا الخديعة والمكر هو الدهر لم يحسن لمن كان قبلنا ... ولا يرتجى خير الذي طبعه الشر يمد لنا بالنائبات أكفه ... أليس لهذا المد عن مسنا جزر ويبغي ولا يبغي البقاء لغيره ... ولا بد يوماً أن يذوق الردى الدهر ويحسدنا في كل شهم سميدع ... ولا عجب إذ كان في طبعه كبر فليس من الحزم الوثوق بعهده ... فما عهده إلا الخلابة والخفر لقد زادنا طعناً فأدمى قلوبنا ... وقابلنا بالكسر فامتنع الجبر وأورثنا ريب المنون مصيبة ... لها ارتجت الأفلاك وانقضت الزهر لها الأرض مادت والجبال تزلزلت ... لها صعق الأحيا وقد قضي الأمر

стр. 888

ومنها: بها جاء ناعي البرق يرعد قلبنا ... فأمطرت الآماق ما ضمه الصدر عشية عين الغرب حجب نورها ... دجى الشرق حتى لا يخال له فجر مصاب به العلياء تبكي أميرها ... وكل امرئ من ذا المصاب به شطر أجل مات عبد القادر الحسني من ... به سادت السادات وافتخر الفخر ومنها: به ملتقى البحرين للعلم والندى ... ففي صدره بحر وفي كفه بحر وكانت أياديه ولا من بعدها ... مناهل جود ليس يسبقها نهر وهي طويلة تنوف عن خمسين بيتاً. وممن رثاه أيضاً الأديب الأريب أبو النصر أفندي السلاوي المغربي فقال: على نفسه فليبك من كان باكيا ... فمن مات من نال الحظوظا العواليا هو الحق والدنيا لعمرك باطل ... ومن ينأ عنها كان للخير دانيا وما الناس إلا بين نوم ويقظة ... يسومون بالبخس النفوس الغواليا وأي امرئ آتاه مولاه رشده ... غدا زنده نحو الترحل واريا ومن لم يسر في يومه سار في غد ... إلى حيث ألقى السابقون المراسيا بلى كل نفس سوف يأتي كتابها ... ويحظى بعقبى الدار من كان راضيا لنا في رسول الله يا قوم أسوة ... نقضي بها أيامنا واللياليا وليس سوى التسليم والصبر ملجأ ... إذا زلزل الخطب الجبال الرواسيا لئن ساءنا فقد الأمير فإننا ... بمطلوبه العالي نمني الأمانيا تولاه مولاه الذي يبسط العطا ... لمن شاء بالحسنى ويجزي المواليا ترقت به النفس الشريفة للعلا ... ولبت إلى نعم الرفيق المناديا وما ذاك إلا أنه كان سالكاً ... سبيل الهدى بعد النبيين راعيا مشيداً عماد الدين من شرع جده ... مقيماً حدود الله بالعهد وافيا

стр. 889

رؤوفاً رحيماً دائم الشكر والرضى ... حليماً عليماً للفضائل حاويا سميعاً بصيراً لا أرى غير أنه ... سواء لديه الأمر جهراً وخافيا يمد أيادي المحسنين بفضله ... ويغفر للمستغفرين المساويا ويبسط للراجين من بحر جوده ... على الرفد والإقبال منه الأياديا وكم من سحاب كان للناس ممطراً ... سواريه تحكى من عطاه الغواديا وكم نعمة من فضله طاب غرسها ... لدينا ونرجو أن تدوم كما هيا وإنا وإن كنا فقدناه واحداً ... وقد عز أن يأتي به الدهر ثانيا فأنجاله الأمجاد فيهم كفاءة ... بإحرازها حازوا الثنا والمعاليا على أنه ألقى إليهم زمامها ... فقادوا بأسباب الكمال النواصيا وأرشدهم حتى أتاه يقينه ... وجد إلى دار السعادة ساريا فهم بعده أقمار مجد صفاتهم ... نجوم عن الأرجاء تجلو الدياجيا ونعم الكرام الفائزون بألفة ... ترد الردى عنهم وتردي الأعاديا ألا يا بني قطب الوجود تمسكوا ... بحسن التواخي تشكرون المساعيا وكونوا من الدنيا على قلب واحد ... تناولن بالحزم الحظوظ القواصيا ولا تأسفوا فالصبر أجدر بالفتى ... إذا أبرم الرحمن ما كان قاضيا هنيئاً له بالبشر والفوز أنه ... غدا مكرماً في جنة الخلد راضيا وله أيضاً مؤرخاً: يا طالب الإمداد دونك روضة ... قد حل في أرجائها القمر المنير الفرد عبد القادر الحسني من ... هو في الحقيقة وارث القطب الشهير تاقت لحضرته الكريمة نفسه ... فحوى بحسن جواره حسن المصير بشرى لمن وافى رحاب ضريحه ... يرجو إغاثته إذا عز النصير

стр. 890

فبسره تقضى الحوائج كيفما ... كانت بعون عناية الملك القدير ولذا لسان الحال قال مؤرخاً ... حي بدار الخلد مولانا الأمير وممن رثاه العالم المجيد، والشاعر الذي حكى شعره شعر لبيد، فقال: إنما الدنيا وإن طال مداها ... ليس للمرء بقاء في حماها دأبه الفكر بما يعمرها ... وهو منقول إلى دار سواها لو درى مقدار ما يحيا بها ... آثر الزهد ولم يعشق غناها هو منها دائماً في خطر ... وترى خاطره في مشتهاها إنه عما جرى منه بها ... غافل كالعين لم تنظر قذاها لا يلم من لامه في حبها ... حيث يعطي نفسه فيها هواها هي شوهاء عجوز إنما ... تتجلى كعروس في حلاها إلى أن قال: فجعتنا بأمير كامل ... كان يهدي كل نفس لهداها هو عبد القادر الشهم الذي ... قد حوى بين الملا عزاً وجاها سيد إن ذكرت أوصافه ... يعبق المحفل من طيب شذاها أصله في الأرض أضحى ثابتاً ... وله فرع تسامى لسماها كان ذا علم وحلم وتقى ... ووقار وسماح لا يضاهى كان للآداب سوقاً أهلها ... ربحت أنفسهم منه مناها كان في الغرب وفي الشرق حمى ... يرتجي الناس به دفع أذاها ودمشق الشام منه قد خلت ... كسماء فقدت شمس ضحاها أسفاً لو يقبل الموت الفدا ... لفدته كل نفس برضاها أي عين قد بكته دهرها ... فلتلك العين عذر في بكاها قبره لو أنه يدري بما ... حازه ساكنه تاه وباهى

стр. 891

إلى آخر القصيدة. وممن رثاه أيضاً الشيخ إبراهيم الأحدب: أصم نداء الخطب للمجد مسمعاً ... وراع المعالي والعوالي بما نعى وهذا منار العز لفح سمومه ... وما صد عن هام العلى حين صدعا تداعى له ركن الفخار وقد هوى ... به كوكب العلياء هولاً بما دعا فلا كان يوم السبت يوم مصائب ... فقد جاء ظهراً فيه للنجم مطلعا وقد راع أصحاب العبا وقع حادث ... بفقد إمام جل في الكون موقعا وألوى بعبد القادر الدهر عادياً ... على قدر ساء الكرام وروعا إلى آخرها، وهي طويلة تنوف عن ستين بيتاً. وممن رثاه تاج الأدباء وقطب مدار الشعراء، محمد أفندي الهلالي الحموي فقال: سهام قضاء الله ليس لها رد ... وكأس الردى ما من إذاقته بد بلى كل شيء هالك غير وجهه من ... له الحكم حتماً لا شريك ولا ضد محال إذا جاء المقدر حيلة ... لمستعصم من أن يلم بد كد عناء حياتي كلها بعد سيد ... به فجع الإسلام والعلم والمجد وأظلمت الأوطان حين بجسمه ... تنورت الأكفان وابتهج اللحد سقى وابل الرضوان أعطر مرقد ... حوى بحر فضل ما لتياره حد كأن لم يكن بر كأن لم يكن تقى ... كأن لم يكن صدق كأن لم يكن رشد طوى الكل بعد النشر بعض من الثرى ... فلم يبق إلا الذكر والشكر والحمد مضى الجود والإحسان والعفة انقضت ... وصاحبها العرفان والحلم والزهد مضى ابن بني الزهراء حقاً لجده ... فيا حبذا الأبناء والأب والجد معز اليتامى والأرامل كنزهم ... إذا الضبع الشهباء ذلت بها الأسد بروحي بروحي آه لو يفتدى بها ... أمير بأمر الله جد به الجد هنيئاً لجنات النعيم بقرب من ... أرانا جحيم الحزن من بعده البعد

стр. 892

هنيئاً لمحيي الدين قدس سره ... بجار حماه اليمن للجار والسعد مصاب أصاب الدين لو أن بعضه ... على أحد لا ندك من هوله أحد قيامة رزء لو ترى الناس بالبكا ... محاجرهم جرحى وأعينهم رمد لهم زحل بالذكر لله والدعا ... وأدمعهم سحب وأهوالهم رعد سكارى وما هم بالسكارى وإنما ... وفاة ابن محيي الدين حق بها الوعد سرى نعشه فوق الرقاب وحوله ... ملائكة الرحمن أنوارهم تبدو لقد جل عن أن يدفنوه بروضة ... هي الروح والريحان والمسك والند تقي نقي جاور الله في البقا ... وأقبل بالبشرى على القادر العبد وقور غيور ناسك متواضع ... على أنه المقدام والأسد الورد على أنه البسام يوم كريهة ... إذا عبست من تحت فرسانا الجرد فتى من رجال الله كان على العدى ... حساماً صقيلاً لا يفل له حد فتى كان لا يخشى من الخصم سطوة ... وليث الشرى حاشا يروعه القرد فتى في سبيل الله كان مجاهداً ... وليس له إلا رضى ربه جهد همام كمي كم أزاح ملمة ... بسيف رقاب المعتدين له غمد هزبر هصور في الجزائر كم له ... وقائع لا يقوى على حصرها عد سراج على سرج الجواد كأنما ... من الرعب والإرهاب يقدمه جند نعيناه للمحراب والحرب والندى ... فكل علاه الحزن والسهد والوجد عطاء ولا من وعفو ولا حقد ... وجبر ولا كسر وود ولا صد حسان مزايا بانتقال حليفها ... تعطل جيد المجد وانفصم العقد لحى الله داراً للزوال نعيمها ... وأولها مهد وآخرها لحد غرور حياة وهي غراء حية ... بأنيابها سم يمازجه الشهد

стр. 893

فتاة تراها وهي شر عجوزة ... كما الدهر لم يصرم حبائلها الشد تصيد البرايا واحداً بعد واحد ... فلم ينج منها لا كريم ولا وغد مجربة تباً لها من خؤونة ... فلا موثق منها يدوم ولا عهد عروس ولكن المحال حليها ... لها المين مرط والخداع لها برد لعوب كما الصهبا بألباب أهلها ... تروح بهم طوراً وطوراً بهم تغدو فما نصحت إلا وغشت وهكذا ... قياس قضاياها بنا العكس والطرد شكونا ونرد الدهر ليس بسامع ... وهل تنفع الشكوى إذا حكم النرد فلس لنا إلا التوكل والرضى ... بما قد قضاه الواحد الأحد الفرد فصبراً جميلاً إنها لمصيبة ... يذوب أسى من حرها الحجر الصلد ولكن إذا في نار حزن ثوى الحجا ... خبت ومع التسليم أخمدها البرد وآل رسول الله أولى من الورى ... بأن يتحلوا بالوقار ويعتدوا هم الحسنيون الألى صوت صيتهم ... به ألسن الإحسان ما برحت تشدو هم الكاظمون الغيظ والصابرون هم ... رياحين زهراء النبي إذا عدوا وهم عدتي في شتي وذخيرتي ... بدنياي والأخرى هم القبل والبعد ولا سيما أنجال من قد مضى ومن ... رحيق شراب الأنس طاب له الورد مصابيح فضل عظم الله أجرهم ... ولا ساءهم من بعد من فقدوا فقد وأبقاهم الرحمن للناس رحمة ... سحائبها يروى بها الغور والنجد نعم كلهم نجب كرام ثوابت ... لدى الروع حتى أن أصغرهم طود وأكبرهم من دونه الدهر همة ... بغيرة ندب أوحد ما له ند محمد السامي سماء مقامه ... على الشمس لا نكر هناك ولا جحد أمير وجيه الوجه والجاه كوكب ... منير به العلياء تم لها السعد لإحسانه تصبو العفاة وحسنه ... تحن له ليلى وتشتاقه هند

стр. 894

بديع معان عن أداء بيانها ... لقد كلت الأقلام والألسن اللد كفى بشذاه سيرة وسريرة ... فما الشيخ ما القيصوم والبان والرند وما غايتي بالمدح إلا تشرفي ... بأروع من بيت القصيد هو القصد إليه سرت أسرار والده الذي ... بعدن مع الأبرار طاب له الخلد وسار إلى المأوى بتاريخه وقد ... دعاه بجنات البقا رجب الفرد سنة ١٣٠٠ هـ. عليه من الرب الرحيم السلام ما ... بكت مقلة وابتل من دمعها خد وما ابن هلال راح ينشد قائلاً ... سهام قضاء الله ليس لها رد وممن رثاه مصطفى أفندي رشدي: قد طالما حاربت ضمن ضمائري ... جيش الخطوب ولا تجوب بخاطري بل طالما خاطبت خطبي قائلاً ... خطرت ويحك ما الزمان بقاهري هل كيف يقهرني الزمان ولي إلى ... فخر العلا نسب بود باهر فأجاب وا أسفا على حامي الحمى ... مع يا فتى واندب بدمع وافر ناديت مات المجد بل مات الندى ... من بعد ذي النعماء عبد القادر إلى أن قال بعد أبيات كثيرة: مذ قيل فاز بجنة أرخت كم ... بجنان خلد فاز عبد القادر سنة ١٣٠٠ وممن رثاه طيب الله ثراه الشاعر الشهير عمر أفندي البربير فقال: لم اسودت الدنيا ولم يك غاسق ... وأظلمت الآفاق حتى المشارق خليلي رعاك الله قل لي ما الذي ... لقد صار في الدنيا فإنك صادق فهل آن خلي للقيامة وقتها ... ونفخ بصور ثم يصعق صاعق وبعث الورى والحشر ثم وإنه ... تقوم لرب العالمين الخلائق أرى الكون مسوداً أرى الشمس لم تبن ... أرى البدر لم يسفر وما هو شارق وإن نجوم الأفق غير طوالع ... فلم يبد مسبوق ولم يبد سابق

стр. 895

وأين السما غير الظلام فلا يرى ... ولو جد بالتحديق والوثق وامق أزالت وإلا بالظلام تحجبت ... فما شأنها قل لي فصدري ضائق وما لي أرى الأطواد ليست بحالها ... فكم قد هوى طود وكم دك شاهق وما لي أرى الأطيار خرساً ولم يكن ... عن الصدح والتغريد يسكت ناطق إلى أن قال: وها لم أزل فيه إلى أن أجابني ... وأدمعه من مقلتيه دوافق بصوت خفي قد يدق سماعه ... إجابة باك وهو بالدمع شارق وقال نعم أودى خليفة مالك ... ومالك هذا العصر من لا يسابق وجيه أولي التدقيق وهو أميرهم ... له نشرت فيهم عليه البيارق هو الشمس عبد القادر السيد الذي ... على فضله أهل العلوم تصادقوا إلى آخر ما قال وقد أسهب فيها وأطال في حق هذا السيد المفضال. وممن رثاه أيضاً خليل أفندي البربير البيروتي فقال: خطب ألم بنا أجرى العيون دما ... لقد شكى الخلق من أهواله ألما فليندب المجد في الأكوان مظهره ... إذ راع ركن العلا والعز فانهدما يا للمصيبة من خطب سطا وعدا ... فلم نجد أحداً من حزنه سلما يا للنوائب من هول به كسفت ... شمس الهدى فكسا آفاقنا ظلما رزء تداعب به شم الجبال وقد ... ألوى بها زعزع أضحت به عدما يا للرزيئة من رزء بوقعته ... أنار في كل قلب بالأسى ضرما كادت به الأرض من حزن تميد كما ... غدت هشيماً به من هول ما صدما هل بعد ذا الخطب ما بين الأنام يرى ... خطب به كل جفن يرسل الديما أو هل نرى بعده في الكون مزعجة ... تخفي السرور وتبدي الحزن والسقما كلا لعمري فهذا الخطب صدمته ... قد زعزعت كل رأس قد غدا علما أضحى به رجب يبدي لنا عجباً ... عشنا به فرأينا رزءه دهما شهر أصم به في الكون قد ظهرت ... نوائب أوقرت أسماعنا صمما

стр. 896

يد المنون به اغتالت أمير علا ... فاغتالت المجد والمعروف والكرما نتيجة الدهر عبد القادر العلم المولى الذي في البرايا قدره عظما السيد السند الشهم الذي عظمت ... أخلاقه فاغتدى بين الملا علما دوح السيادة تاج المجد بهجته ... ثغر المعالي بها قد كان مبتسما إنسان عين أولي العلياء سيد من ... سيب المكارم منهم سح وانسجما أمير مجد سما هام السهى شرفاً ... وكان للعز والعلياء خير حمى أمير حزم حكت آراؤه شهباً ... لكل مارد خطب رائع رجما غوث الطريد وغيث اللائذين إلى ... حماه يمطرهم من جوده نعما ناديه مصدر أنواع الندى أبداً ... ما من يوماً بما يعطي ولا سئما أربى على كل ذي فخر بنسبته ... لسبط خير رسول بالفخار سما بمجده سادت السادات وافتخرت ... وعقدهم بعلاه كان منتظما أقواله درر أفعاله غرر ... وجه المعالي بها قد كان متسما هذا وكان المترجم معظماً عند سائر ملوك البلاد الإفرنجية فكانوا يطلبون صورته ويطلبون أن يكتب عليها، فكتب على بعضها ما صورته: لئن كان هذا الرسم يعطيك ظاهري ... فليس يريك النظم صورتنا العظمى فثم وراء الرسم شخص محجب ... له همة تعلو بأخمصها النجما وما المرء بالوجه الصبيح افتخاره ... ولكنه بالفضل والخلق الأسمى وإن جمعت للمرء هذي وهذه ... فذاك الذي لا يبتغي بعده نعما وله نظم بديع، ونثر فائق رفيع، غير أنها بعضها في الرقائق، وأكثرها في الحقائق، تدل على سمو معارفه، وعلو عوارفه، نفعنا الله به في الدارين بجاه محمد سيد الكونين. آمين.

стр. 897

الشيخ عبد القادر بن أحمد بن عطاء الله بن إسكندر الحلبي الحنفي المقري أحد الحفاظ والقراء الموجودين بحلب الشهباء. ولد بها سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، وقرأ القرآن العظيم وحفظه وجوده على الشيخ المقري المتقن أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المعري نزيل حلب، ولازم أبا عبد الله محمد بن صالح بن رجب المواهبي القادري وقرأ عليه الدرر الفقهية والجامع الصغير في الحديث وسمع عليه الكثير من الأحاديث وغيرهما، وأخذ عنه الطريقة القادرية. وبعده لازم ولده أبا المواهب إسماعيل المواهبي وجدد عليه الأخذ في الطريقة وغيرها، وسمع عليه الكثير من الأحاديث الشريفة، ولازمه السنين العديدة وانتفع بمجالسه، وكان ينشد الموشحات والقصائد في حلقة ذكره والخلوة الأربعينية ويلازمه غالب الأوقات. وكان متوطناً في قلعة حلب وخطيباً بجامعها المعروف بجامع النور. وكان من القوم الأخيار ذوي الفضائل والآثار، واجتمع به سنة ألف ومائتين وخمس خليل أفندي المرادي مفتي دمشق بحلب، وشهد بفضله وعلمه وكماله. وتوفي المترجم المرقوم بعد ذلك ولم أقف على تعيين وفاته. الشيخ عبد القادر بن عبد الرحمن بن عبد القادر بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم برهان الدين الدمشقي الصالحي البقاعي الأصل العدوي المعروف بالسقطي الحنفي إمام الفضائل وعمدة ذوي الفواضل، العالم المحقق والهمام المدقق، عمدة الأكابر ونخبة ذوي المفاخر. ولد بصالحية دمشق في منتصف رجب سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف، ونشأ

стр. 898

بها وقرأ القرآن الكريم على الشيخ علي بن سليم الصالحي، وأخذ عن شيخه المذكور وعن العلامة الشيخ علي كزبر والعلامة عبد الله البصروي والعلامة الشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي، وأجاز له الماجد محمد بن عيسى كنان الكناني والشمس محمد بن إبراهيم التدمري والشيخ علي البرادعي، وأخذ العربية والعقائد عن محمد بن أحمد قولقسز والعلامة الشيخ موسى بن أسعد المحاسني، وسمع حديث الرحمة من علامة الوجود ابن عقيلة المكي، والعلامة محمد بن الطيب المغربي وأجازوه جميعاً، وحضر دروس العلامة الكبير الشيخ إسماعيل ابن الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي. وأخذ عن صاحب الترجمة أجلاء دمشق وعلماؤها، وتوفي سنة خمس ومائتين وألف، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى. وتولى وظيفة مشيخة الحرم السليمي ودرس بالمدرسة العمرية وتولى إمامتها، وقبره قريب من قبر الشيخ موفق الدين والعلامة الشيخ عبد الرحمن الداودي. الشيخ عبد القادر بن يحيى بن عبد الرحمن بن محمد بن زين الدين بن عبد الكريم الدمشقي الشافعي الشهير كأسلافه بالكزبري العالم الهمام، والعامل الإمام، ولد بدمشق في اليوم السابع عشر من جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائة وألف ونشأ بها، وأخذ عن علمائها الكرام كالشيخ محمد الكزبري والشيخ أحمد العطار وغيرهم. مات سنة تسع وعشرين ومائتين وألف ودفن في مرج الدحداح. الشيخ عبد القادر بن صالح بن عبد الرحيم بن محمد بن وهبة بن عيسى بن محمد رشيد بن عبد الرزاق بن محمد بن خالد بن شمس الدين بن أبي محمد رشيد بن شمس الدين بن عثمان بن أحمد شهاب الدين ابن تاج الدين عبد الرزاق بن أبي النصر محيي الدين بن محمد نصر بن عبد الرزاق بن العارف بالله عبد القادر الجيلاني قدس الله سره. الشافعي الدمشقي الشهير بالخطيب. ولد بدمشق سنة خمس عشرة ومائتين وألف، وقرأ على بعض العلماء الدمشقيين ثم انقطع للعلم وسافر إلى الأزهر وأخذ عن العلماء المصريين، إلى أن صار يشار إليه ويعتمد عليه، ثم عاد إلى وطنه دمشق الشام، ولم يزل معدوداً في من السادة العلماء الأعلام، إلى أن توفي ﵀ خامس شهر رمضان سنة ثمان وثمانين ومائتين وألف ودفن في مرج الدحداح.

стр. 899

السيد عبد القادر بن أحمد بن عبد القادر الكوكباني قال في البدر الطالع: هو شيخنا الإمام المحدث الحافظ المسند المجتهد المطلق. ولد كما نقل من خطه سنة ألف ومائة وخمس وثلاثين، نشأ بكوكبان، ثم ارتجل إلى صنعاء، فأخذ عن أكابر علمائها كالعلامة السيد محمد بن إسماعيل الأمير. وإني أذكر وأنا في المكتب مع الصبيان أني سألت والدي ﵀ من أعلم الناس بالديار اليمنية فقال السيد عبد القادر يعني صاحب الترجمة. وبالجملة فلم تر عيني مثله في كمالاته، ولم أجد أحداً يساويه في مجموع علومه، ولم يكن بالديار اليمنية في آخر

стр. 900

مدته له نظير، وهو رحمه الله تعالى من جملة من رغبني في تأليف وشرح المنتقى، فشرعت فيه في حياته وعرضت عليه كراريس من أوله فقال: إذا كمل على هذه الكيفية في نحو عشرين مجلداً وأهل العصر لا يرغبون فيما بلغ من التطويل إلى هذا المقدار، ثم أرشدني إلى الاختصار ففعلت، فكمل بحمد الله وبيضته في أربع مجلدات، ولم يكمل إلا بعد موته بنحو ثلاث سنين. وترجمه في النفس اليماني والروح الريحاني بقوله: السيد الإمام إنسان عين الأعلام، صدر العلماء المعتمدين بدر الأئمة المجتهدين، له العلوم الزاخرة، والأحوال الشريفة الفاخرة، والأخلاق النبوية والسيرة المحمدية، من مشايخه الشيخان العلامتان عبد الخارق بن أبي بكر ومحمد بن علاء الدين المزجاجيان، ومن أهل الرحمين السيد الإمام العلامة محمد بن الطيب المغربي الفاسي. وله من الأساتذة الكملة نيف وثمانون شيخاً، ومن المؤلفات ما يزيد على الأربعين مؤلفاً: منها حاشية القسطلاني وحاشية الجلالين وحاشية المطول ومختصره وشرح كفاية المتحفظ، ومن مشايخه أيضاً محمد حياه السندي المدني، وقد ترجمه وامتدحه عمدة من العلماء الأعلام، منهم القاضي العلامة قال في جملة ترجمته: تسامى له السند العالي مع النسب الغالي، مظهر السنة النبوية على رؤوس الأشهاد، مبكتاً لأهل البدعة في الحاضرة والباد. ولقد قام بهذا الواجب أتم قيام، وذب عن سنة جده بين الأنام، وأدخلها إلى أذهان الفقهاء المقلدين، وقبلها من له الفهم المكين، والذهن السمين وسلك طريق المتقين، ومال عن الاعتساف وآض إلى الإنصاف، فلله دره من عالم هدى وأمال عن طريق الردى. امتدحه السيد العلامة علي بن محمد بن علي بن أحمد اليمني بقصيدة أبان فيها أوصافه الجميلة، وأياديه الجزيلة. توفي ﵀ سنة ألف ومائتين وسبع.

стр. 901

السيد عبد القادر بن السيد درويش بن السيد محمد بن السيد حسين بن السيد يحيى الشهير بابن حمزة الدمشقي الحنفي الحسيني أحد أعيان دمشق الشام وأوحد علمائها الأعلام، كان نبيهاً ذكياً وفقيهاً زاهداً تقياً، عالماً عاملاً ماجداً فاضلاً. ولد بدمشق سنة خمس وثلاثين ومائتين وألف، ونشأ بها في الانكباب على التحصيل والطلب، والتضلع في علوم الشريعة والأدب، وحضر دروس الشيوخ الأعلام والسادة الفضلاء الكرام، كالشيخ سعيد الحلبي والشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار والشيخ محمد أكرم الأغواني. وله مؤلفات كثيرة، منها رسالته في التوحيد المسماة بالرسالة الحمزاوية بالتوفيق بين الماتريدية والأشعرية، ورسالته في فضل آل البيت، ورسالة في الرد على من قال أن قراءة الفاتحة خلف الإمام أحوط. وقد ولي أمانة الفتوى أيام حسين أفندي المرادي مفتي دمشق الشام. مات رحمه الله تعالى بدمشق سنة تسع وسبعين ومائتين وألف، عاشر شهر رمضان المبارك ودفن في مرج الدحداح. الشيخ عبد القادر أفندي بن عبيد الله الكردي ثم المارواني البغدادي الحيدري قد ترجمه عثمان أفندي الحيدري بن سند فقال ما ملخصه: البليغ المنطيق المفلق السري، جمع الفصاحة في برود كلماته، والنباهة في مطاوي مبدعاته، إذا أخذ في أخبار الماضين وجدته بحراً عجاجاً، وإن مرد الأحكام أبدع تقريراً وإنتاجاً، كأنما الأحكام في صدره مرقومة، واللطائف

стр. 902

في لسانه مصورة منظومة. " إلى أن قال ": اجتمعت به سنة أربع عشرة بعد المائتين والألف فرأيته قد استكمل من الكمال أعلاه ومن العلم أولاه. طلب العلوم على جهابذة سادة وأفاضل قادة، وكان لطيف المجالسة حسن المؤانسة، له شعر ذو أمثال سائرة، وتشبيهات بديعة نادرة، وفوائد أدبية ونوادر قريضية: وإذا نظرت إلى نوادر شعره ... أبصرت فيه فصاحة لا توصف يذر النوادر للبيان كأنها ... درر بعقد أو جمان يوصف تولى قضاء البصرة مرتين، فكان للقضاء والحكم بالحق قرة عين. وقد مدحه عثمان أفندي سند سنة ألف ومائتين واثنتين وثلاثين بقوله: حكم إذا حققت فيه رأيته ... لا جهل فيه ولا تعسف أو شطط كم حكمة أبدى لنا في مشكل ... لو لم يزله لكان ليلاً لم يمط ما أشار إلى معنى إلا أبداه ولا مشكل إلا أجاب إذا ناداه، ولا غرو فآباؤه كلهم نجوم، وأعمامه ولاة المنثور والمنظوم. توفي ﵀ بعد الخمس والثلاثين والمائتين والألف. رحمه الله تعالى. عبد القادر بن أحمد بن محمد بن مسلم بن إبراهيم بن عيسى بن مسلم الصمادي القادري شيخ الطائفة الصمادية بدمشق الشام، ومرشد الفرقة القادرية ذات الاحترام، كان مستقيم الأطوار مقصوداً لبلوغ الأوطار، مشتغلاً بالطريق والاستعداد حسن السلوك والإرشاد، زاهداً عابداً خاشعاً متواضعاً، نبيهاً فقيهاً عالماً بعلمه فائقاً في فهمه. مات سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف، ودفن في باب الصغير قرب قبر الشمس الكزبري.

стр. 903

الشيخ عبد القادر بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ مصطفى الخلاصي الحنفي الدمشقي الطبيب ولد في دمشق الشام وأخذ عن والده علم الطب حتى برع به، ثم قرأ بقية العلوم على شيوخ دمشق وأجازوه بما تجوز لهم روايته به. وكان كثير الاستفادة حسن الإفادة، ذكياً بارعاً عارفاً بدقائق الطب، أستاذاً قد انتهت إليه رئاسة معرفة الأمراض وتشخيصها وكان له في رؤية المرضى أمور خارقة للعادة تدل على كمال علمه ومعرفته. وكان كثير التردد على والدي المرحوم وكان يسأله كثيراً عن بعض مشكلات، وقد أخذ عنه واستجازه فأجازه. وكان حسن الهيئة لطيف المعاشرة جميل الملاطفة غزير العلوم. شرح الدر المختار وألفية ابن مالك وله عدة تآليف وجملة من التصانيف. مات بدمشق سنة ألف ومائتين و.... ودفن بباب الصغير. الشيخ عبد القادر الديملاني النقشبندي الخالدي إمام في العلم والعبادة، قد استوى على عرش القناعة والزهادة، ثم أقبل على الطلب إقبال المشغوف وحضر دروس الأفاضل حضور الملهوف، واعتصم بحبل العمل وفاز من دهره بالأمنية والأمل، وساد بين الناس وكان مشهوراً باللطف والإيناس، ثم بعد مضي أيام الطلب وفوزه بما رجا وطلب، أخذ الطريقة الشريفة النقشية عن عالم الوقت والعصر الشيخ خالد شيخ الحضرة العلية، فخدمها حق الخدمة واجتهد بها اجتهاداً عالي الهمة، ولم يزل إلى أن وجد به الأستاذ كمال الاستعداد للإرشاد، فخلفه وأذن له بإعطاء الطريق لذوي الأهلية لنوال المراد، وكان الأستاذ كثيراً ما يحيل تربية المريدين إليه ويعتمد في علم اللوازم عليه. توفي سنة ألف ومائتين ونيف وأربعين.

стр. 904

السيد عبد القادر البرزنجي النقشبندي الخالدي العالم العامل الزاهد الورع العابد الخاشع الناسك. أخذ عن علماء عصره، ثم أخذ الطريقة النقشية عن عالم زمانه ومرشد وقته وأوانه الشيخ خالد شيخ الحضرة، ولما وجد فيه الأهلية أذن له في الإرشاد. توفي سنة ألف ومائتين وخمس وأربعين تقريباً. القاضي عبد القادر الرضوي لاورتقباوي من أدباء الهند والعجم غواص لجج البيان، المقرط بدرر بدائعه الآذان، فمن لطيف شعره: صدر الورى فخر أهل الهند قاطبة ... علامة العصر مولانا غلام علي لقد أقر على الأفلاك أخمصه ... وجل في المنصب العالي عن البدل في قلبه من سنا العرفان بارقة ... وفي يديه زمام العلم والعمل أملى لنا سبحة المرجان مرحمة ... وأثبتت المنة العظمى على المقل أتى بمعجزة غراء ناسخة ... صحائفاً صنفت في الأزمن الأول كجده باهر الإعجاز حيث محا ... كتابه صحفاً من معشر الرسل أبقى إله الورى فينا إفادته ... ما نضر الغيث نبت السهل والجبل السيد عبد القادر أفندي بن السيد تقي الدين القدسي الحلبي الكاتب الثاني في المابين قد ترجمه سعادة أحمد عزت باشا في كتابه المسمى بالعقود الجوهرية في مدائح الحضرة الرفاعية فقال: صاحب الخصائل الممدوحة والآداب والمعرفة، تدفق ذكاء وتجسم حياء

стр. 905

قد صيغت أخلاقه من النسيم، وتهذبت أطواره بحكم التجاريب من الحديث والقديم، فهو من بيت شرف وعز مستديم. كان أبوه نقيب حلب الشهباء، وجده مفتيها ومرجع العلماء، فهم فيها عماد الشرف والمحامد، وركن الطارف والتالد. ولد حفظه الله بحلب سنة ست وأربعين ومائتين وألف، وترعرع في حجر والده ونشأ على حال عظيم من الكمال والتقوى والأدب، وتلقى علوم العربية والفقه وغيرها من علوم السنة عن أفاضل حلب، ثم أتقن بعدها اللغة التركية والفارسية، وأحسن المنثور والمنظوم في اللغتين العربية والتركية، وله فيها الآثار الحسنة، والأفكار المستحسنة، ومن أعظمها أنه ترجم كتاب البرهان المؤيد مؤلف حضرة الغوث الرفاعي ﵁ من العربية إلى التركية، ورسالة رحيق الكوثر التي هي من كلام الغوث الرفاعي الأكبر أبدع فيهما كل الإبداع، وترجم المجالس الأحمدية. وله غير ذلك من المآثر العديدة والآثار الحميدة، ما تتزين به الصحائف والأوراق وتهتز لها الأغصان بالأوراق. وقد تقلب منذ نشأ في خدمة الدولة العثمانية حتى أحرز المراتب العلية والمناصب السنية، وهو الآن الكاتب الثاني في المابين للجناب العالي السلطاني لا زال ملحوظاً بالأنظار الخفية والجلية بكل غدوة وعشية، وله نظم رقيق ونثر بكل مدح حقيق، ومن نظمه تخميسه على قصيدة حسن أفندي البزار الموصلي في مدح السيد أحمد الرفاعي قدس الله سره آمين وهي: يا سادتي فضلكم في الصحف مكتوب ... وحبكم بلسان الشرع مندوب والحمد لله أني فيه مسلوب ... قلبي إليكم بأيدي الشوق مجذوب والصبر عن قربكم للوجد مغلوب ولست أبغي براحاً عن مودتكم ... حسبي أعدد خيلاً في عشيرتكم

стр. 906

وقد فنيت بكم من فيض همتكم ... لا أستفيق غراماً في محبتكم وهل يضيق من الأشواق مسلوب عسى بإسعافكم أستحصل الأملا ... فالصبر مر وفيكم للمحب حلا كم ذا أقول وقيد البعد قد ثقلا ... يا قلب صبراً على هجر الأحبة لا تجزع لذاك فبعض الهجر تأديب لعل يوماً بلطف منهم يصلوا ... أسير هجر وحبل الوصل يتصل فلا تحد عنهمو مهما بدت علل ... همو الأحبة إن صدوا وإن وصلوا بل كل ما صنع الأحباب محبوب والقصيدة طويلة ذكرها بتمامها صاحب العقود الجوهرية، وهي تدل على كمال صاحب الأصل والتخميس، والأصل مذكور بتمامه في ترجمة صاحبه توفي في الآستانة سنة ألف وثلاثمائة وعشر تقريباً. الشيخ عبد الكريم البرزنجي من سلسلة طيبة طاهرة ذي نسبة باهية باهرة، لهم الفضل الأعلى، والقدر الأجل الأجلى. وقد ترجمه الإمام الكامل والهمام العالم العامل، أديب العصر وزينة كل قرية ومصر، السيد عثمان بن سند العراقي في كتابه أصفى الموارد فقال: العالم الذي عرفت العلوم مقداره وأرتعه روض الدقائق نوره وبهاره، والمحقق الذي أقعده التحقيق على ربوة الصدارة، والمدقق الذي نشر فضله على النيرين إزاره، والنسيب الذي شرف الجوزاء

стр. 907

ذكره والشريف الذي أعرق في الشرف سره، والسيد الذي مكانه من السؤدد صدره. قرأ على السادة الأفاضل وأخذ عنه ذوو الفضائل والفواضل، ممن طار ذكرهم في الأقطار وافتخرت بهم مصرهم على الأمصار. وممن قرأ عليه وجلس للأخذ عنه بين يديه، العالم الشهير والفاضل النحرير، والعارف بالله والمقبل عليه في سره ونجواه الشيخ خالد شيخ الحضرة النقشبندي الكردي الشافعي، فقرأ على المترجم كتباً جمة، وحضر مجالس علومه بالجد والاجتهاد وعلو الهمة، وكان رفيع المقام شامخ القدر والاحترام، ليس له من عيب لقال سوى أنه في عصره فرد بلا مثال، وإقباله على الله دائم ولا تأخذ فيه لومة لائم. ولم يزل كذلك إلى أن توفي رحمه الله تعالى وذلك في السليمانية عام ألف ومائتين واثني عشر ودفن بها. الشيخ عبد الكريم بن محمد بن عبد الجبار بن محمد الحلبي الحنفي الماتريدي أبو محمد كمال الدين العالم الواعظ الفقيه والإمام الفاضل النبيه. ولد سنة أربع وعشرين ومائة وألف وقرأ القرآن العظيم، واشتغل بالأخذ والتلقي والسماع والقراءة، فقرأ على والده وسمع عليه الكثير من الأحاديث وكتب المتون والأسانيد وانتفع به، وعلى أبي الفتوح علي بن مصطفى الميقاتي الدباغ والبدر حسن بن شعبان السرميني وقاسم بن محمد النجار وأبي عبد الفتاح محمد بن حسين الشهاب وأبي محمد عبد الكريم بن أحمد الشراباتي وأبي المحاسن يوسف بن حسين بن درويش الدمشقي الحسيني المفتي والنقيب بحلب وأبي الثنا محمود بن شعبان البرستاني وأبي محمد عبد السلام بن مصطفى الحريري وآخرين، وأجازوه، وارتحل إلى دمشق وسمع بها على أبي النجاح أحمد بن علي المنيني الخطيب في جامع بني أمية وشرف الدين موسى ابن أسعد المحاسني وأبي الفدا العماد إسماعيل بن محمد جراح العجلوني

стр. 908

وأبي الحسن علي بن أحمد كزبر وأبي الثناء محمود بن عباس الكردي العبدلاني نزيل دمشق وآخرين وسمع منهم غالب المسلسلات كالأولية وغيره وأجازوا له وكتبوا له بخطوطهم ودخل القدس وأخذ بها عن أبي الإرشاد مصطفى ابن كمال الدين بن علي البكري الصديقي الدمشقي الخلوتي وأجاز له بخطه في أواسط سنة ستين ومائة وألف وانتفع به وقرأ عليه البعض من تآليفه، وسمع عليه الكثير واستقام عنده أياماً، ثم ارتحل إلى مصر بقصد الأخذ والتلقي وقرأ بها على النجم الحفناوي والبدر حسن بن أحمد المدابغي والشمس محمد بن محمد الدفري والشهاب أحمد بن عبد الفتاح الملوي والزين أبي حفص عمر بن الطحلاوي وسمع عليهم غالب كتب الأحاديث الشريفة والمسلسلات وأولها حديث الرحمة، فإنه سمعه من جميع شيوخه كما هو مصرح في إجازاتهم، ولازمهم مدة أشهر وقرأ عليهم، وكتبوا له بخطوطهم الإجازات المؤرخة سنة أربع وستين ومائة وألف، وعزم على الحج من مصر وحج تلك السنة، وسمع الأولية وبعض المسلسلات من أبي عبد الله محمد بن محمد الطيب المغربي الفاسي المالكي نزيل المدينة المنورة وأجاز له بخطه، ثم عاد إلى حلب ودرس بها ووعظ بجامعها الأموي الكبير. توفي بعد الخمسة والمائتين والألف. الشيخ عبد الله الدهلوي المعروف بشاه غلام علي بن شاه عبد اللطيف الدهلوي شيخ مشايخ السادة النقشبندية، وأستاذ أهل الطريقة الفاضلة العلية، وهو من رجال الحدائق الوردية، في حقائق أجلاء النقشبندية. فقال

стр. 909

شاه العارفين، ومليك المرشدين الكاملين، مظهر علوم الدين، ومظهر سر الهداية واليقين، المحقق بمقام التلوين في التمكين، شيخ مشايخ الديار الهندية، ووارث المعارف والأسرار المجددية، سباح بحار التوحيد، سياح قفار التجريد، قطب الطرائق، وغوث الخلائق، ومعدن الحقائق. نال قدس الله سره من العلوم الإلهية ما نال، ومن المقامات العلية ما لا يخطر ببال. وذلك أن هذا العزيز، بعد ما بلغ سن التمييز، أكب على تحصيل الفضائل، والتحلي بأحسن الشمائل، حتى صعد بهمته إلى سماء علوم الرسوم، فتناول من ثرياها أعظم النجوم، إلى أن أصبح في كل علم إماماً، فزاد إقداماً على الترقي في المعالي واهتماماً، فصعد النظر إلى قمر المعارف، فرأى نوره مستمداً من شمس أستاذه العارف، فقصد على جنائب العزم جنابه، ويمم بالهمم الكبار رحابه، فأقبلت به نسمة القبول، على حرم مراحم الوصول، إلى ذلك المقام المأمول، مقام المرشد العظيم، فحنا عليه بقلبه السليم، حنو المرضعات على الفطيم، وجعل يمده بمدده الروحاني، ويربيه بنفيس نفسه الرحماني، ويرقيه إلى مدارج الأخيار، ويقيه أغيار الأغيان وأغيان الأغيار، حتى إذا جذبه إلى مقام حق اليقين، وانتهى به إلى سدرة منتهى المقربين، عاد إلى عالم الشهادة وقد خلع عليه خلع السيادة، وأصبح من غيث إحسانه غوث زمانه، وعهد إليه بعده بإرشاد المسترشدين عنده، فوفى عهده، وصدق وعده، وكان خير خلف، لأشرف سلف. قام بتأييد الشريعة المحمدية، وتجديد معالم السنة السنية، وأداء حقوق الحقائق، وإحياء

стр. 910

جميع الطرائق، القادرية والسهروردية الكيروية، والجشتية والنقشبندية، رافعاً لواءها بين الخلائق، فأقبلت القلوب تستظل بظله، ولبت الألباب نداء فضله، وانتهت إليه رتبة الإرشاد، ورحلت إليه الأبدال والأوتاد، فنال ببركته كل مريد أقصى المراد. شذرة من خبره وذرة من أثره ولد قدس سره عام ثمان وخمسين ومائة وألف في قصبة بتاله ضلع بنجاب وجاء تاريخ ولادته مظهر جود وهو من آل البيت الكرام غير أني لم أقف على نسبه الشريف. وكان والده الشريف الشاه عبد اللطيف عالماً عارفاً صالحاً زاهداً كبير الشأن قادري الطريقة، تلقاها عن العارف الكبير الفائز بصحبة الخضر ﵇ الشاه ناصر الدين القادري قدس سره، واشتغل بالرياضات الشاقة والمجاهدات التامة. وكثيراً ما كان يخرج إلى الصحراء فيذكر الله تعالى ويتغذى بالنبات بقي مرة أربعين يوماً

стр. 911

لم يكتحل طرفه بنوم، ولم يذق الطعام إلا ليلاً قليلاً، ومع ذلك لم ينو الصيام مقاومة لرعونة نفسه، وكان له انتساب أيضاً للطريقة الجشتية والشعارية، ورأى والده في منامه قبل ولادة الشيخ قدس الله سره سيدنا علياً كرم الله وجهه فقال له: سم ولدك باسمي فلما ولد سماه علياً، إلا أن لما بلغ قدس الله سره سن التمييز سمى نفساً تأدباً غلام علي، ورأت أمه في المنام رجلاً جليلاً يقول لها: سميه عبد القادر، قال مترجمه الشيخ عبد الغني المعصومي: ويمكن أن يكون هذا العزيز هو الغوث الجيلاني ﵁ وسيأتي أن رسول الله ﷺ سماه في المنام عبد الله. وكان قدس سره في الذكاء آية باهرة، حفظ القرآن المجيد في شهر واحد، وأكب على تحصيل العلوم معقولها ومنقولها، حتى أصبح عالم عصره. وكتب المترجم في بيان أحوال نفسه فقال: إني بعد تحصيل علم الحديث والتفسير تشرفت في أعتاب حضرة الشهيد قدس سره، فبايعني على الطريقة العلية القادرية بيده المباركة، ولقنني الطريقة العلية النقشبندية فتشرفت بالحضور في حلق الذكر، والمراقبة عنده خمس عشرة سنة حتى تفضل على هذا الحقير بالإجازة المطلقة في الإرشاد العام، وقد ترددت أول الأمر في أنه هل يرضى الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵁ أن اشتغل في الطريقة النقشبندية أولاً، فرأيته في واقعة جالساً في مكان وحضرة الشاه نقشبند في مكان تلقاءه، فخطر لي حينئذ أن أحضر عند شاه نقشبند فقال الغوث الجيلاني في الحال: المقصود هو الله تعالى فاذهب فلا مضايقة، وكان لي جهة تعيش فتركتها، فاشتدت عرى الفاقة علي فاعتصمت بالتوكل واتخذته سجية، ولم يكن يومئذ عندي غير خلق حصير أفترشها، ولبنة أتوسدها، فبلغ بي الضعف أقصاه، فلفرط ما نالني أغلقت باب حجرتي، وقلت هذا قبري حتى يأتي الله بالفتح أو بأمر من عنده، فما لبثت أن فتح الله تعالى علي يد من لا أعرفه، فمكثت في زاوية القناعة خمسين سنة.

стр. 912

قيل: لما أغلق باب الحجرة وقال ما قال أدركته العناية الإلهية، فجاءه شخص وقال له: افتح الباب، فقال: لا أفتح، فقال له: إن لي معك شغلاً فافتح لي، فلم يفعل، فألقى له من خصال الباب جملة من الدراهم الهندية المعروفة بالروبية وذهب، فمن ذلك اليوم لم تنقطع الفتوحات عنه. ولما توفي شيخه حضرة الشهيد قام مقامه في مسند تربية المريدين وإرشاد الطالبين فأكب الناس عليه، وشدوا الرحال إليه، من أماكن بعيدة من الروم والشام والعراق والحجاز وخراسان وما وراء النهر، بل من أقصى أرض الخطا إلى غاية أرض المغرب، بعضهم بأمر رسول الله ﷺ كحضرة مولانا خالد والشيخ أحمد الكردي والشيخ إسماعيل المدني، وبعضهم بإشارة السادات كالشيخ محمد جان، والبعض برؤيتهم له في المنام. وكان موصوفاً بأعلى مراتب الأخلاق الحميدة، فمن السخاء بحيث كان يوجد في رباطه دائماً ولا ينقص عن مائتي مريد إلا قليلاً، وكان يقدم لهم كفايتهم على أتم وجه، ولم يدخر لغد قط، ومن الحياء والتواضع بأنه لم يضطجع ماداً رجليه أبداً، ولم ينظر وجهه في المرآة، وإذا دخل إلى داره كلب ليطعم شيئاً يقول إلهي من أنا حتى أكون واسطة بينك وبين أحبابك فأسألك بحرمة مخلوقك هذا وكل من قصدني إلا ما رحمتني وقربتي إليك. ومن التمسك بالسنة المطهرة ما لا يدرك شأوه، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لا يهاب معه الأمراء والملوك كما يعلم ذلك من مطالعة مكتوباته، حتى أنه لما حضر السيد إسماعيل المدني بأمر رسول الله ﷺ إلى رحابه وأحضر معه بعض آثار نبوية بإشارة منه

стр. 913

عليه السلام أن يضعها في المسجد الجامع الذي في دهلي، فوضعها، عرض ذلك إلى حضرة الشيخ، فقال له إنه وإن تكن بركات فخر العالم ﷺ في ذلك المكان محسوسة ولكن لا يخلو من ظلمة الكفر، ففتشوا ذلك المكان فإذا فيه صورة بعض الأكابر، فرفعوا الأمر إلى السلطان وأزالوا التصاوير منه. وكان قليل النوم جداً، فإذا قام إلى التهجد أيقظ النوام ثم يتهجد ويجلس للمراقبة، ويتلو من كلام الله تعالى ما شاء. وكان ورده في كل يوم عشرة أجزاء ثم يصلي الصبح جماعة في وقت الغلس، ثم يلتفت إلى حلقة الذكر والمراقبة إلى وقت الإشراق. وكان رباطه لا يستوعب المريدين لكثرتهم، فلذلك كان يكرر الأذكار لطائفة بعد طائفة، ثم يجلس لقراءة الحديث والتفسير إلى قرب الزوال، فيتناول الغداء. وكان إذا أرسل إليه أحد الأغنياء طعاماً نفيساً لا يأكله بل يكره أيضاً أن يأكل منه المريديون، وإنما يهديه لجيرانه، ومن كان حاضراً عنده من أهل البلدة، وربما ترك أواني الطعام في مكانها فيأخذها من شاء فيأكلها. نعم لو أرسل إليه شخص دراهم ولم يكن مظنة شبهة يخرج أولاً زكاتها على مذهب الإمام الأعظم من جواز إخراج زكاة المال إذا بلغ النصاب قبول الحول، لأن صدقة الفرض أفضل من النفل، ثم يعمل فيما بقي حلواء وغيرها ويرسل بها إلى فقراء الشاه نقشبند، وفقراء والده، ويؤدي ما كان عليه من دين في نفقة رباطه، ويعطي من قصده من ذوي الحاجة، وربما يأخذ الشخص من هذه الدراهم شيئاً في حضوره فيطلع عليه ويعرض عنه بوجهه ولا يتعرض له. وكان بعد تناول الغداء يقيل قليلاً، ثم يشتغل بمطالعة الكتب الدينية والحقائق وغيرهما والتحارير الضرورية، ثم إذا صلى الظهر قرأ درسي حديث وتفسير إلى العصر، فيصلي ثم يقرأ حديثاً وتصوفاً كمكتوبات الإمام الرباني وعواف المعارف ورسال القشيري، ثم يجلس

стр. 914

في حلقة الذكر والتوجه العام إلى الغروب، وبعد صلاة المغرب يتوجه لخواص السالكين، ثم يتناول العشاء حتى إذا صلى العشاء أحيا عامة ليله بالذكر والمراقبة، فإذا غلبه النوم اضطجع في مصلاه وربما نام وهو جالس ولم يعلم أنه مد رجليه لفرط حيائه كما تقدم. وكان لا يجلس إلا محتبياً كما نقل عن النبي ﷺ وكبار الأولياء كالغوث الجيلاني حتى توفي على هذه الحال. وكان حريصاً على إخفاء الصدقة فإذا فتح عليه بشيء يقسمه على الفقراء وهم في المراقبة لئلا يشعر أحد منهم بالآخر، وكان يلبس الخشن من الثياب، ولو أهدي إليه ثوب نفيس باعه واشترى عدة أثواب وتصدق بها، وهكذا في غير ذلك ويقول لأن يكتسي جماعة خير من واحد. وورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أخرجت يوماً إزاراً ورداء خشنين وقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين. وكان ﵁ شديد الشفقة على المسلمين يكثر من الدعاء لهم وأكثر ما يكون في جوف الليل، وكان له جار يسمى حكيم قدرة الله يصرف أكثر أوقاته في غيبته، فحبس يوماً فسعى كل السعي في خلاصه ولم يذكر ذلك له، وكان مجلس المترجم كمجلس سفيان الثوري لا ترفع فيه الأصوات ولا تنتهك المحارم، مبرأ عن حديث الدنيا فلا يذكر فيه الأمراء ولا الفقراء، وقد استغاب بعض الحاضرين في مجلسه شخصاً فذكره وقال: أنا أحق بما قلته منه، ونال شخص في حضوره من سلطان الهند وكان صائماً فقال: وا أسفاه لقد فسد صومي فقيل له: أنتم ما ذكرتم أحداً بسوء، فقال: نعم ولكن سمعت، والذاكر والسامع في الإثم سواء، وكان عاشقاً لرسول الله ﷺ فانياً فيه بحيث إذا سمع اسمه الكريم اضطرب وغاب. وقد أحضر له خادم أقدامه يوماً ماء للتبرك وقال له: أنت منظور رسول الله ﷺ فارتعد عند سماع هذا الكلام، ثم قام فقبل الخادم وقال له: من أنا حتى أكون منظور رسول الله ﷺ وبالغ

стр. 915

في إكرامه، وكان شديد الحرص على اتباعه ﷺ في أقواله وأفعاله قوي التمسك بالسنة دؤوباً على مطالعة حديثه، حتى توفي وسنن الحكيم الترمذي على صدره، ولم يبلغه أنه ﷺ فعل شيئاً إلا وتأسى به. وكان له في القرآن المجيد ذوق عظيم، وكان كثير التلاوة له كثير المحبة لسماعه، وكان يحب سماعه من أحد خلفائه العظام الشيخ أبي سعيد المعصومي ويتأثر تأثراً بليغاً، فإذا ازداد من السماع اضمحل وتلاشى له، وقال: حسبي لا طاقة لي بأكثر. ويحب سماع أشعار القوم والمثنوي ويحصل له من ذلك وجد، غير أنه كان لثباته وكمال تمكنه لا يظهر عليه، ويقول: رقص أبو الحسين النوري يوماً والجنيد جالس قال: " إنما يستجيب الذين يسمعون " فقال الجنيد: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " فالجنيد كان في غاية الثبات. ومن جملة كلامه الدال على علو مقامه، قوله: إن التخلق بالأخلاق الحسنة واجب على كل أحد، وهي الحلم التواضع والشفقة والنصيحة والموافقة للأصحاب والإحسان والمداراة والإيثار والخدمة والألفة والبشاشة والكرم والمروءة والتودد والمودة والجود والعفو والصفح والحياء والسخاء والوفاء بالعهد والسكينة والوقار والثناء والدعاء إلى الله تعالى دائماً وحسن الظن وتصغير النفس واحتقار ما عندك واستعظام ما عند غيرك. وأما المقامات فأولها الانتباه ثم التوبة ثم الإنابة ثم الورع ثم محاسبة النفس ثم الإرادة ثم الزهد ثم الفقر ثم الصدق ثم الصبر ثم الرضى ثم الإخلاص ثم التوكل. وأما الأحوال فمن ذلك المراقبة ثم القرب ثم الرجا ثم الخوف ثم الحياء وهو حصر القلب عن الانبساط ثم الشوق ثم الأنس ثم الطمأنينة ثم اليقين ثم المشاهدة وهي آخر الأحوال، وإليها الإشارة بقوله ﷺ : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ومن ذلك ما كتبه في إجازته للشيخ أبي سعيد المعصومي والشيخ بشارة الله، ولغرابة
следующие страницы →