Полный текст (676 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فَثِبْ واثقاً بالله وثْبةَ ماجدٍ ... يَرى الموْتَ في الهيجا جَنْي النّحل في الفَم
من قول صالح:
صَبرتُ ومنْ يصبر يجد غِبَّ صَبره ... ألذَّ وأحْلى من جَنى النَّحلِ في الفمِ
وهذا من قسم المساواة.
يليها قصيدة أولها:
أحْيا وأيسَر ما لاقيتْ ما قَتَلا ... والبينُ جارَ على حكمي وما عَدلا
قال فيها:
لولا مُفارقةُ الأحبابِ ما وَجدتْ ... لَها المَنايا إلى أروَاحِنا سُبلا
هذا من قول أبي تمام:
لَوْ حارَ مُرْتادُ المَّنيّةِ لِمْ يَجِدْ ... إِلاّ الفَراق على النَّفُوسِ دَلِيلاً
стр. 142
بيت أبي تمام أحسن صنعة وقوله: حار ولم يرد دليلاً غير الفراق كلام مليح، ومثله للحماني:
وَلقدْ نظَرت إلى الفراقِ فلمْ أَجِدْ ... لِلموتِ لَوْ فَقد الفِراقُ سَبِيلا
وهذه الأبيات تدخل في مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام. ويليه قول المتنبي:
بِما بجَفْنيك مِن سحرٍ صلى دَنِفاً ... يَهْوى الحياةَ، وأمَّا إِنْ صَدَدت فلا
قال إسحاق بن إبراهيم:
تَهْوى الحياة إذا ما كنتَ راعينا ... وإنْ بَقينا ليومٍ غَير ذَاكَ فَلا
وهذا يدخل في باب ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
إِلاَّ يَشِب فَلَقَدْ شَابَتْ لهُ كَبدٌ ... شيباً إِذا خَضَّبتْهُ سَلْوةٌ نَصَلا
زعم أبو العباس المصيصي أنه سرق هذا من أبي تمام في قوله:
شَابَ رأْسي وَما رأيتُ مَشيب الرَّأ ... سِ إِلا من فَضْلِ شَيْبِ الفُؤَادِ
стр. 143
هذا يذكر قد شاب رأسه من شيب بهمومه، والمتنبي يذكر أنه) أن (لم يشب فلقد شابت كبده من الهموم وشيب الرأس معنى ويمكن أن يكون غريزة أو لسن وشيب الكبد استعارة وزاد أبو الطيب في الكلام من ذكر خضاب السلوة ونصول، شيب فؤاده. وهذا يدخل في مماثلة السارق المسروق منه في كلامه، بزيادته في المعنى ما هو من تمامه ولولا أنّ أبا العباس النامي ذكر أنّ هذا مأخوذ من هذا لكان بعيداً منه.
وقال المتنبي:
علّ الأمير يرى ذُلي فَيشفع لِي ... إِلى التي تَركتني في الهَوى مَثَلا
هذا من أقبح معنى لأنه يريد من الأمير أن يكون قواده عليه معها فإن عارضنا معارض، فقال ما أخذ هذا إلاّ من أبي نواس في قوله:
سَأشكو إلى الفَضلِ بن يحيى بن خالد ... هَواك لعِلّ الفضْلَ يَجْمعُ بَيننا
وقال الجمع بينهما قيادة، قيل له التأويل في الجمع أسوغ منه في الشفاعة لأن الجمع بينهما يكون بصلاته التي تعنيه وترغبها فيه فيصل إليها نكاحاً لا سفاحاً والدليل على صحة هذا المقصد منه قوله:
فيا فَضْلُ دارِكْ صَبْوتي بغُبارِها ... فلا خير في حُبِّ المُحبّ إِذا دَنا
والشفاعة تضيق عليه وجه الخروج من قبح المقصد، وأبو نواس أصح معنى وإن اتفقا باستغاثهما بمن مدحاه على هواهما ومن انساغ له التأويل أرجح كلاماً ممن ضاق عليه وجه الخروج مما عيب عليه وقد كان لأم جعفر جارية اسمها)
стр. 144
نعم (عشقها عبد الغفار بن عمر الأنصاري فقال:
أميرُ المؤمنين إِليْك أشكو هوى ... في القلبِ يَشعر بالصُدود
أميرُ المؤمنين فجد بها بي جزاك ... الله جنات الخلود
وكتب بها إلى الرشيد، فقال الرشيد ما أصبت معيناً لك على جهلك غيري فحبسه دهراً ثم كلم فيه فأطلقه فإذا سئل الرشيد أن يجود بجارية يمكنه أخذها ممن هي له تبد) ... (فسمى الاستغاثة في ذلك جهلاً وأمتعض من ذلك فما ظنك بمن يسأل الشفاعة.
وقال المتنبي:
أيقنت أنّ سعيداً طالبٌ بِدَمي ... لَمَّا بصُرتُ به بالرُّمْحِ مُعْتِقلا
قال أبو محمد: بيناه يرجو شفاعته إذا أيقن أنه طالب بدمه وأظنه سأل الشفاعة استضعافاً له عن الطلب فلما صار بالرمح معتقلاً أنف من الشفاعة واعتصم بعز الشجاعة. فطلبه بدمه من محبوبته مذهب مذموم عند العشاق وليس ينبغي أن يتجشم حمل اسم السرقة فيما عيب على السابق إليه فممن عبّر به العباس بن الأحنف في قوله:
فإِنْ تَقتلوني لا تَفوتوا بِمهْجتي ... مَصالِيت قَوْمي مِن) حنيفة (أو عَجْل
стр. 145
فتبعه ابن المعتز فقال:
تَحسِبُ قَومي يُضيِّعون دَمِي ... ما ضاعَ قَبلِي لهاشمٍ ثَارُ
وهذه المعاني تصلح لتهدد الأعداء ويبعد عن الرقة إلى الجفاء فأما المحبوبون فيقال لهم كما قال القائل:
لَوْ جُزّ بالسيف رأسي في مَودَّتِكمْ ... لمرّ يهوي سريعاً نَحْوكم رأسي
وكما قال الآخر:
والله والله لَوْ تقطع يَدي ... أمرتني طائعاً قَطَعْت يدي
فيك من الناسِ كُلهم عَوض ... حتّى من الوالدينِ والولدِ
وفي نحوها للرشيد:
أما يُكفيك أنْ تَملكيني ... وأنَّ الناس كُلهم عَبيدِي
وأنَّك لَوْ قطعت يَدي وَرِجْلي ... لقلت مِن الهوى أحْسَنت زيدي
فهذا ما أشبه عادة العشاق المتيمين مع الأحباب المعشوقين فأما طلب الدماء والثارات فيصلح في الحروب والغارات وما أدري لم أيقن بطلب دمه لاعتقاله بالرمح فلو كان شاهراً سيفه لم يوقن بذلك منه وقد ساوى هؤلاء القائلين الجفاء في شعره فهو سارق منهم ورجح كلام أضدادهم وصاروا أولى بما قالوه.
وقال المتنبي:
وأنّني غَيرُ محصٍ فَضْلَ والدِهِ ... وَنائل دون نَيْلي وَصْفَه زُحَلا
стр. 146
إن كسر) إنّ (وجعلها مبتدأة كان أشعر وأحسن وإن فتحها وعطفها على ما قبلها من قوله: أيقَنْتُ أنَّ سعيداً طالِبٌ بدمي لأن المعنى يصير أنّه:) لمَّا رآه بالرمح معتقلاً (أيقن أنه) غير محصٍ فضل والده (.
وليس اعتقال الرمح دلالة على فضل الآباء ولا على أن نيل زحل دون نيل وصفه وما أراه إلا بالكسر، فأما معنى البيت فقوله: ونائل دون نيلي وصفه زحلا مثل قول ابن الرومي:
أرى من تعاطي ما بلغتمْ كرائم ... وهناك الثريا وهَو أكمه مقعد
ففي بيت ابن الرومي زيادة يستحق بها ما قال على من أخذ منه لأن مثال النجم على أكمه مقعد أصعب منه على صحيح الجوارح، فقد رجح عليه وهذا يدخل في قسم رجحان كلام المأخوذ منه على كلام الآخذ عنه.
وقال المتنبي:
قَيلُ بِمنبج مَثْواهُ ونائله ... في الأُفْقِ يَسألُ عمَّن غَيرهُ سألا
وقال ابن الرومي:
لهُ نائلٌ ما زالَ طالب طالب ... ومَرتاد مرتاد، وخاطب خاطب
فهذا تقسيم مليح أخذه ابن الرومي من أبي تمام فقال:
فأضحَت عَطاياهُ نَوازعَ شُدّدا ... تسائِلُ في الآفاقِ عَنْ كل سَائلِ
وهذا بيت لا يفضل لفظه على معناه، وصاحبه السابق أرجح على كلام من أخذ عنه فهو أحق بمعناه.
وقال المتنبي:
стр. 147
تُرابهُ في كِلابٍ كُحْلٌ أعْينُها ... وَسَيفُهُ في جنابٍ يَسْبقُ العَذلا
ولو قال:
إحسانه في كلاب غيث مجديها ... وسَيفُهُ في جناب يَسبقُ العَذَلا
لصح التقسيم إذ ليس التراب ضد السيف، وقد أستعمل هذا ابن الحاجب فقال:
حَاولت بالعذلِ أنْ ترشدني ... قلتُ مهلاً سَبق السيفِ العذلِ
وقال المتنبي:
وضَاقتِ الأرض حتّى كان هارِبُهم ... إِذا رأى غضير شَيء ظَنَّهُ رَجُلا
هذه مبالغة مستحيلة لأن غير شيء لا يقع عليه رؤية وزعم بعض النحويين أن له مخرجاً من كلام العرب وذلك قولها: ليس فلان بشيء لا تريد أن تخرجه من الوجود وإنما هو استصغار واستقلال.
стр. 148
قال أبو محمد: وليس الأمر عندي كما ذهب إليه، لأن القائل) ليس فلان بشيء (وقد دلّ على مراده بأن أثبت له حقيقة ثم نفاه نفي استصغار فقد فهم مقصده ومن شأن العرب فيما فهم معناه عنها الحذف فإذا أشكل لم يحذف وفي الكلام محذوف بالضرورة لأنها لا تثبت وتنفي في زمان واحد وإنما يريد ليس فلان بشيء طائل أو كبير فأما قوله: إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا فلا يسوغ فيه هذا التأويل من الحذف وأما الهارب فالذي يحسن فيه قول جرير:
ما زالَ يحسبُ كُلَّ شيءٍ بَعْدهمْ ... خيلاً تكُّرُ عليهم وَرجالا
وقد أبان مقصده بقوله:) تكر عليهم ورجالا (، وأبو الطيب يذكر أنهم إذا رأى هاربهم غير شيء ظنه رجلاً والرؤية لا تقع إلاّ على مرئي، فإن قال قائل هذا على مذهب من استحسن المبالغة المستحيلة أبلغ قلنا له ما ادعاه جرير يصلح للجنون، لأن الفزع يبلغ بصاحبه إلى أن يرى شخصاً غير رجل فيظنه رجلاً لأن الجنون يرى أشياء لا حقيقة لها لا يرى ذلك غيره من صح عقله، فأما قول القائل:
стр. 149
كأنَّ بلاد الله وهي عَريضة ... على الخائفِ المطلوب كفةُ حابلِ
يؤدي إليه أن كثنيل ثنيّة ... تيممّها ترمي إليه بقاتل
فهذا مساغ كأنه يظن أن كل ثنية يقصدها قاتلاً قد كمن له فيها الرغبة، وقد قال الله تعالى:) يحسبون كل صيحة عليهم (.
فخبر أنهم يظنون) أن (كل صوت صائح هم المقصودون،) لأنه ولم يقل لا يسمعون شيئاً فيظنون عدم الصياح صياحاً من أجلهم أو علمهم من سبق إلى المعنى فجاء فيه بسائغ ممكن وأتى من أخذه منه بغير ممكن فقد رجح كلام المأخوذ منه وصار أولى بما قال.
وقال المتنبي:
فبعدهُ وإلى ذا اليوم لَو ركضَتْ ... بالخَيْلِ في لهواتِ الطِّفلِ ما سَعلا
السعال قد يكون بالطفل فتخصيصه الطفل بالسعال لا معنى) له (وما قال البحتري أجود:
стр. 150
فَزّعوا باسْمك الصَّبيّ فعادَتْ ... حَركات البكاءِ مِنْهُ سُكونا
البحتري ذكر ممكناً من المبالغة يقع مثله مشاهدة أن يبكي الصبيّ فإذا فزع في مكانه بمفزع سكن، فأما أن تركض الخيل في لهوات بشر، فهذا ما لا يجوز، وأظنه سمع قول البحتري فبالغ وأتى بمجال، وقوله يشبه قول القائل:
لَوْ أَنَّه حَرَّك الجرْدَ العتاق على ... أجْفانِ ذي حُلمٍ لَمْ ينتبه فَرقَا
فالطفل وذو الحلم في السكون والانتباه أقرب إلى الصحة من ركض الخيل في اللهوات، فهما أرجح وأحق بما قالا ممن أخذ منهما.
وقال المتنبي:
عَقدتُ بالنَّجمِ طَرْفي في مفاوِزها ... وَحُرَّ وَجْهي بحرَّ الشَّمس إِذْ أفَلا
هذا مأخوذ من قول الحماني:
يَهماء لا يتخطاها الدليل بها ... إِلاَّ وناظره بالنَجْم مَعْقودُ
فذكر أبو الطيب حاله بالليل والنهار في هذه المفازة، فقد زاد في المعنى ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
أنكَحْتُ صُمّ حَصَاها خَفّ يَعْملةٍ ... تَغَشْمرتْ بي إِليكَ السَّهْل والجَبَلا
قال بعض النحويين: أنكحت، وطئت الحصى كما توطأ المرأة والمعنى
стр. 151
جمعت بينهما. قال أبو محمد: والذي عندي أنه أراد أن هذه الفلاة لم تكن توطأ قط فأنكحتها خفاف هذه الناقة لأنها أول خف وطئها، ومن ذلك قوله في أخرى:
أنْساعُها ممغوطةٌ وخَفافِهُا ... مَنكُوحَةٌ، وطَريقُها عَذْراءُ
أراد أن خفافها قد وطئت غير هذه الطريق، وطريقها عذراء لم توطأ قط وهذا يقرب من قول ابن الحمامي:
يهماء ولا يجتابها السفر ... حاضرها الظلمان والغفر
أنْكحتُها ذَا غرة مَالها ... مِنه سوى غرّته مهر
وفي هذا ضرب من الإشارة إلى المراد باستعارة.
وقال المتنبي:
لَوْ كُنتَ حَشْوَ قَميصي فوق نُمرقُها ... سَمِعْتَ للجنِّ في غيطانها زَجَلا
هذا كلام مقصر فكأنه لو كان رفيقه حشو قميص نفسه ولم يكن فوق نمرقها بل كان ماشياً أو فوق نمرق ناقة أخرى لن يسمع زجل الجن، وهذا معنى مستعمل قال الأعشى: للجِنْ بالَّلْيل في حافاتِها زَجَلٌ
стр. 152
وقال أبو العتاهية:
نسمع للجن في جَوانبهِ ... ما شِئت منْ صَمتٍ وأصْوات
وقال المتنبي:
حتى وَصَلْتُ بنفسٍ ماتَ أكْثُرها ... وَلَيتني عِشتُ مِنها بالَّذي فَضَلا
يشبه قول أبي العتاهية:
لمْ تُبق منّي إِلا القليل ولا ... أحسبه تَتركُ الَّذي بقيا
وكلام أبي الطيب أجزل وأرجح من كلام أبي العتاهية.
وقال المتنبي:
أرْجو نَداك ولا أخْشَى المطالَ بِهِ ... يا مَنْ إذا وَهَب الدنيا فَقَدْ نَجلا
والدنيا لا يقدر البشر أن يملكوا أكثر منها، والبخل إنما يكون ممن في يده شيء لم يسمح به ولا أرى لأحد ملكاً على الآخرة فبأي شيء تحل. وهذه مبالغة مستحيلة أصح منها قول أبي العتاهية:
ولوْ كانت لَهُ الدنيا ... لأعطاها وما بَالي
وهذا من نقل الجزل إلى الرذل على ما فيه من الإحالة وأجزل من قول أبي العتاهية قول ابن الحاجب:
стр. 153
والله لَوْ ملكَ الدنيا لما امتنعت ... كَفاه أنْ يهبَ الدنيا بما فِيها
وقال أيضاً:
لَوْ أنه وهب البلاد بأسرها ... ما عده كرماً إذا لَمْ يزدد
ويتلوها قصيدة أولها:
كَمْ قَتيلٍ، كما قُتلْتُ شَهيدٍ ... لبياض الطُّلى وَوَرْدِ الخُدُودِ
هذا بيت لا يطلب منه استخراج سرقة لأن معناه متداول وأول من جعل قتلى الحب شهيداً من الشعراء فيما علمت جميل بن معمر:
لكلِّ حديثٍ بَينهن بشاشةٌ ... وكلُّ قتيلٍ بينهن شَهيدُ
وقال ابن الحاجب:
من شهيد الهوى فإِن لِمنْ ... ماتَ من الحبِ ضعف أجر الشهيد
ومع أخذ أبي الطيب هذا اللفظ المستعمل والمعنى المستبذل فإنه ما وضع الأقسام مواضعها ولا أوقع الألفاظ مواقعها لأنه كان ينبغي أن يقول: لبياض الطُّلى وَحمر الخُدودِ أو لأُقحوان الثغور فيطابق بين البياض والحمرة أو يجمع بين نوعين من جنس واحد أو صنفين أو زهرين.
وقال المتنبي:
دَرّ دَرُّ الصبا أأيَّامَ تجري ... ر ذُيُولي بدار الأثْلةَ عُودِي
стр. 154
فهذا بيت لا يجب استخراج سرقته لفراغه ولكن لمْ يحقره أبو الطيب فيجب أن لا يحقر آمره إقتداء به، وهو من قول ابن المعتز:
يا لياليَّ بالمطيرةِ والكَرْ ... خِ فدير العاقول بالله عُودِي
كُنْت عِنْدي أنموذجات من ... الجَنّةِ لكنَّها بغيرِ خُلودِ
وقال المتنبي:
عمْركَ الله هَلْ رأيتَ بُدُوراً ... قَبْلها في بَراقعٍ وَعُقُود
البدور، إنما تتبين سافرة فإذا تبرقعت ذهب معناها من الحسن والنور وقد أخذ هذا من قول القائل:
عَهدت بها وحشاً عليها براقعٌ ... وهذي وحوش لا تَبرقع
стр. 155
الوحوش هاهنا ظباء وبقر والمستحسن من الجنسين هو الأجياد والعيون وطول العنق لا يخفيه البرقع والعين من البرقع مريبة فالوحوش أمكن في التشبيه من البدور.
وقال المتنبي:
رَامياتٍ بأسْهمٍ ريشُها الهُدْ ... بُ تَشقّ القُلوب قَبلَ الجُلُودِ
مسروق من قول أبي الشيص:
يَرْمين ألباب الرِّجالِ بأسْهُمٍ ... قد راشَهُنَّ الكُحْلُ والتَّذيبُ
وأما قوله: تشق القُلوب قَبْل الجُلودِ.
فمن قول ابن الرومي:
يذكرني الشبابَ سهامُ حَتْفٍ ... يَصبن مَقاتلي دُوني الأَهابِ
والبيتان جميعاً ينوب عنهما بيت أبي الطيب فهو باختصار الطويل في الموجز القليل أولى بما قال.
وقال المتنبي:
يَتَرشَّفنَ مِنْ فمي رَشفاتٍ ... هُنَّ فِيهِ أحْلَى مِن التَّوحْيدِ
هذه ألفاظ فيها قلة ورع وامتهان للدين لا أحب له استعمالها وأحسن من هذا وأبعد من الإثم قول ابن المعتز:
يَقول العاذلون يَسأل عَنها ... وأطف غليل قَلبكَ بالسُّلوّ
وكيفَ وقُبْلةٌ منها اختلاساً ... ألذُّ مِنْ الشماتةِ بالعدوّ
стр. 156
وقال المتنبي:
كُلَّ خُمصانةٍ أرَّق من الخم ... ر بقلبٍ أقسى من الجَلمودِ
هذا مثل قول الأول:
وكيف لي قينان لَحظ ولَقْط ... وعظات لو كانَ ينفعُ وَعَظ
لكَ جِسمُ أرقُ مِنْ رقة الماءِ ... وقلبٌ كأنّهُ الصخر فَظْ
أنْتَ حَظي فما لوْ كانَ ... لِمنْ أنتَ حظه مِنْك حَظْ
وقال إبراهيم النظام:
لكَ جسمٌ أرقُ من قطرِ ماءٍ ... وفؤادٌ مِنْ صخرةٍ صَمّاء
فهذا يدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.
وقال المتنبي:
ذاتَ فرعٍ كأنّما ضربُ العنب ... ر فيه بِماء ورْدٍ وَعُودِ
والعود لا ذكاء له ولا رائحة إلاّ أن يسحق أو يحرق فإن كان ضرب مع ماء الورد فينبغي أن يتبعه بمسحوق حتى يصح معناه وقوله) كأنما (على التشبيه، وقول ابن المعتز:
يقْطرُ مِسكاً على غلائِله ... شعرُ قفا كالعَبير قَدْ وكفَا
стр. 157
فجعل يقطر مسكاً ولم يقل كأنما يقطر فإن أحتج محتج بأنه ذهب إلى قول امرئ القيس:
ألمْ تَر أنّي كلّما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطّيبِ
قيل له إنما يصح هذا التأويل لو لم يكن بعد:
تَحملُ المسكِ عن غدائرهِ الري ... حُ وتفترُّ عنْ شتيتٍ بُرودِ
فإذا كانت غدائره تحمل المسك فما حاجتنا إلى) كأنما (وبينا يخبرنا عن حمل الغدائر المسك إذ أخبرنا عن افترارها عن شتيت برود وليس بينها وبين الثغر تناسب فيجتمع بين الوصفين.
وقال المتنبي:
كُلُّ شيء من الدماءِ حَرام ... شُربُه ما خلا دم العُنْقُودِ
تحريم هذا الدم بمنزلة قوله:
يَترشفْنَ منْ فَمي رَشَفاتٍ ... هُنَّ فِيه أحْلَى من التَّوْحيدِ
كله يدخل في قلة الورع واستعارة الدم للعنقود قد سبقه إليه مسلم في قوله:
خَلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنا ... فأظهر في الألوان مِنَّا الدّم الدّمُ
إذا شئتما أن تسقياني مُدَامةً ... فلا تقتلاها كلَّ ميتِ محرّمُ
فملح في الجمع بين دم الاستعارة ودم الحقيقة واستعار في البيت الثاني للمزاج لفظاً مليحاً في القتل وجاء بتحليل أحسن من تحليل المتنبي فصار أولى بما سبق إليه لرجحانه. وأول من سمى المزاج قتلاً للراح حسان بن ثابت فقال:
стр. 158
إِنَّ التي ناولتني فَرَددْتُها ... قُتلتْ قُتلتَ فَهاتها لمْ تُقتل
وقال المتنبي:
شَيْبُ رأسي وَذِلَّتي ونُحولي ... ودُمُوعي على هَواكَ شُهُودِي
هذا متداول وهو من قول ابن طاهر:
أليسَ وَحْدي وفرطُ شَوق ... ي وطُول سَقْمي شُهود حُبي
وقال أحمد بن أبي عمال الكاتب:
مِنْ نُحولي عَلى مقالي شَهيد ... وعويلي وزَفُرتي ونحيبي
هذه الأبيات متقاربات المباني والمعاني وهي من مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام ولم نوردها لأنها غريبة ولكنه أخذها فاحتجنا إلى إيرادها وقال المتنبي:
ما مقامي بأرض نَخلة إِلاّ ... كمُقامِ المَسيح بينَ اليَهُودِ
стр. 159
يشبه قول القائل:
أخلا النبيذ بَرئت مِنْكم ك ... ما بَرئ المَسيح من اليَهُودِ
وقال المتنبي:
مَفْرشي صَهْوةُ الحِصان ولك ... نَّ قَميصي مَسْردوةٌ مِنْ حَديدِ
ما أعرف فائدة في هذا البيت ولا فرق بين قوله) مفرشي صهوة الحصان وقميصي مسرودة (فيخبر عما يفترش ويلبس ويكون أحسن وقد قال الحماني:
طيئ الغِبار وَجْنتي مَوصونة ... وَخشيتي ظهر الأقبِ الأشقر
وأول من سبق إلى هذا المعنى عنترة فقال:
وَحشيتي سَرجُ على عَبْل الشَّوى ... نَهْدٍ مراكله نبيل المحْزِمِ
وهذا يدخل في قسم مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.
وقال المتنبي:
ضاقَ صَدْري وطالَ في طَلب الرَّز ... ق قيامي وقَلَّ عَنْهُ قُعُودي
يشبه قول الحصني:
أسمو إلى الأملِ الأقْصى فيلقبني ... جَدٌّ عثور دَهر مهتر حرف
لا الحظُ يُسعدني فِيما أحاولُه ... مِنْ العِلو ولا لي عَنْهُ مُنصرفُ
стр. 160
ولم يبلغ الحصني مراده إلا في بيتين وجاء به المتنبي في بيت فجمع الطويل في الموجز القليل فهو أحق بما قال.
وقال المتنبي:
أبداً أقطع البلاد ونجمي ... في نحوس وهمتي في سعود
هذا مأخوذ من أبي تمام:
ما إِنْ يزالُ بِجدّ حَزمٍ مُقْبلٍ ... مُتَوطِّئاً أعقابَ رِزْق مُدْبِرِ
أخذه من البحتري فقال:
متحيز ببعد وبعزم قائم في ... كل نائبة وجد قاعد
طابق أبو تمام وتبعه البحتري، ولو قال البحتري: بجد قائم في كل نائبة وجد قاعد كانت مطابقة أحسن من مطابقة أبي تمام وألفاظهم متناسبة ومعانيهم متقاربة تدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام. وقال المتنبي:
لِسرِّي لباسَهُ خشن القُط ... نِ ومرويّ مَروَ لبسُ القُرُودِ
هذا لفظ هجين ومعناه موجود في قول ابن الرومي:
стр. 161
كمْ مِنْ لئيمٍ غدا في ثوب سيده ... تبلى على جِسْمه السمور والفيلُ
فهذا أجزل من قول أبي الطيب فهو لقائله.
وقال المتنبي:
عِشْ عَزيزاً أو مُتْ وأنْتَ كَريم ... بين قَرْعِ القَنا وخَفْقِ البُنُودِ
هذا يشبه قول القائل:
لعزُّ يومٍ ويأتي الموتُ في غَدِ ... هـ خَيرٌ من العيشِ في ذلٍ وإتعاسِ
قال ابن المعتز:
فَعِشْ مَلكاً أو مت عزيزاً فإِ ... نْ تمت وسيفك مَشهور بِكفك تعذرُ
وقال القرطي:
فإِنْ قرب الكتابِ فَكنْ كَريماً ... وكنْ ملكاً أخا ملك مفيد
أرى أنّ المنيةَ بالمعالي ... أحبُّ إليَّ مِنْ ذُل العقود
ومثله للديك:
حتّى أصادفُ مالاً أو يقال فتىً ... لاقى الردى بين أسيافٍ وأرماحِ
فهذه معان متقاربات تدخل في باب المساواة بين الآخذ والمأخوذ منه في كلامه.
وقال المتنبي:
стр. 162
فَرؤوسُ الرماحِ أذْهَبُ للغي ... ظِ وأشفى لغل صَدْرِ الحَقُودِ
فقوله) أذهب للغيظ (لحن لأنه يقال ذهب به فأذهبه فكان يجب أن يقول أشد إذهاباً للغيظ أو يقول) ذهب بالغيظ (ليسلم من الخطل ولكنه لم يفرق بين الأمرين لضعفه في العربية ومما أدلك على صحة ذلك ما حدثنا به شيخنا أبو الحسن المهلبي ﵀ قال: حضرته في مجلس لبعض الرؤساء وجرت مسألة في المذكر والمؤنث. فقلت: قد يؤنث المذكر إذا نسبت لمؤنث، فقال: من قال هذا. فقلت: قال سيبويه ويستشهد بقول القائل:
مَشَيْنَ كما اهتَّزتْ رماح تَسفهت ... أعاليها مَرُّ الرياح النَّواسمِ
ومثل ذلك:
وَتشرقُ بالقولِ الذي قَدْ ادَعْتهُ ... كما شَرِقَتْ صدر القَناةِ من الدَّمِ
стр. 163
فقال: لا أعرف هذا ولعله مذهب البصريين ولا أعمل على قولهم، قال: فقلت له هذا في كتاب ابن السكيت في المذكر والمؤنث فقال: ليس ذلك فيه فأخرجته من خزانة الرئيس الذي كنا عنده، فلما قرأه قال: ليس هذا بخط جيد أنا أكتب خيراً، فقلت: ما جلسنا للتخاير بالخطوط فانقطع في يدي، وقلت له يوماً: كيف تصغّر مختاراً فقال: مختار لا تصغر وقلت: لهن مختاراً وأم حنين لك العافية،
стр. 164
وهذا يشهد لك بما قلناه، ويقرب بيته بيت البحتري:
وَلمْ تَر التّراتِ بَعْدنَ عهداً ... كَسلِّ المشرَفَيَّةِ من قَريبِ
وقال المتنبي:
لا كما قَدْ حييتَ غَيْر حَمِيدٍ ... وإِذا مُتَّ مُتَّ غَير فَقيدِ
يشبه قول الديك:
فإِنْ ماتَ لمْ يحزن صديقاً مماته ... وإنْ عاشَ لمْ يضرر عدواً بقاؤه
وهذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
يقْتلُ العاجِزُ الجَبان وقَدْ يَع ... جزُ عنْ قطع بخنقِ الموْلود
وَيُوقّى الفَتى المِخشُ وقد خَ ... وَّضَ في ماءِ لِبَّةِ الصَنْدِيد
ومما أنشده في هذا المعنى معاوية بن أبي سفيان:
كأنَّ الجبان يَرى أنّهُ ... يدافعُ عَنْه الفَرار الأجلُ
فَقدْ تدرك الحادثات الجبان ... ويسلمُ مِنْها الشُجاع البطلُ
وقال ابن أبي عيينة:
стр. 165
لَيسَ الجَسور على الأُمور بِهالكٍ ... دُون الجَبان ولا الجبان بخارجِ
وكل هذا من نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير والشاعران أحق بما قالا، للاختصار.
وقال المتنبي:
لا بِقَوْمي شَرفتُ بَلْ شَرفوا بي ... وبنفسي فخَرت لا بجدودي
هذا من قول القائل:
قَدْ قالَ قَوم أعطه لقديمه ... جَهلوا، ولكن أعطني لتقدمي
فأنا ابن نفسي لا ابن عرضي أجْتديَ ... بالسَّيفِ لا برفات تلك الأعظم
ذهب هذا إلى قول القائل:
إِذا ما الحي عاشَ بعظم ميتٍ ... فَذاك العَظم حيّ وهو ميت
يقرب منه قول الأول:
فَما سودت عجلاً مآثر عيرهم ... ولكن بِهم سادتْ عَلى عيرها عجل
стр. 166
وقال ابن المعتز:
وَتردّيتُ بالمكارم حَوْلي ... وكفتني نَفْسي من الافتخارِ
وقال البحتري:
حَسِبَ الفتى أنْ يكونَ ذَا حس ... ب مِنْ نفسه ليس حسبه حَسبهُ
وفي هذا مجانسة وهذه الأبيات متقاربة وهي من باب مساواة الآخذ المأخوذ عنه في الكلام.
وقال المتنبي:
وَبهمْ فَخْرُ كُلّ من نطق الضَّا ... د وعَوذُ الجاني وغوثُ الطَّريدِ
أراد أن العرب لا ينطق غيرها بالضّاد وقد روى ابن دريد أن بعض العجم ينطق بالضّاد.
قال أبو محمد: ولو جاء بحرف يشترك فيه العرب وغيرها كان أعم للمدح.
وقال المتنبي:
إِنْ أكنْ مُعجباً فَعُجْبُ عَجيبٍ ... لمْ يَجدْ فَوْقَ نَفْسِهِ منْ مَزيدِ
ولولا عادة الشعراء تمدح أنفسهم لكان هذا الكلام من نهاية الجهل وضعف العقل، وقد قرأت أبياتاً ترجمتها لبعض المحمقين هي تشبه هذا البيت وهي:
стр. 167
أتيهُ على جِنّ البلاد وإِنْسها ... فلو لم أجد خَلقاً لتْهتُ على نفسي
أتيه فَما أدري مِن التيّه منْ أنا ... سوى ما يقولُ الناس فيّ وفي جنسي
فإِنْ يزعموا أني من الإِنسِ مثْلهمْ ... فما لي عيب غير أني من الإِنسِ
وقال المتنبي:
أنا تِربُ النّدى وَربُّ القوافي ... وسَمامُ العدى وغيظُ الحَسُودِ
وهذا مدح يكثر مثله ولا يغرب وهو من قول ابن مناذر:
كان عبد الحميد ضَيم الأعادي ... ملء عين الصديق رَغم الحَسُودِ
وأقسام ابن مناذر) في ضيم الأعادي وملء عين الصديق رغم الحسود (أحسن صنعة من ذكر الندى مع القوافي، وذكر العدو مع الحسود فابن مناذر أحق ببيته.
وقال المتنبي:
أنا في أمّةٍ تداركها الل ... هـ غريبُ كصالح في ثَمُودِ
أخذه من أبي تمام في قوله:
كان الخليفة يوم ذلك) صالحاً ( ... فيهم. وكان المشركون) ثمودا (
стр. 168
هذا يدخل في باب المساواة.
يتلوها أبيات أولها:
قَدْ شَغل النَّاسَ كثرةُ الأملِ ... وأنْتَ بالمُكرماتِ في شُغُلِ
هذا بيت مسلم:
تَشاغلَ الناس بالدنيا وزُخرفها ... وأنْتَ من بذلك المعروف في شُغلِ
والكلام يساوي الكلام ولا يزيد عليه وصاحبه أحق به.
وقال المتنبي:
تَمثَّلوا حاتماً ولوْ عَقَلُوا ... لكنتَ في الجودِ غَاية المَثلِ
اقتصر في التشبيه على حاتم في معنى واحد من المد وأبو تمام أشعر منه في قوله:
إِقدامَ عمرو في سماحة حاتمٍ ... في حِلم أحْنفَ في ذَكاء إِياسِ
فأتى في ذلك بأربع صفات ذكر أن الممدوح يساوي فيها من فوقه ثم لم يرض بذلك حتى استدرك ذلك بأن قال:
لا تُنكروا ضَرْبي لَهُ مِن دُونِهِ ... مثلاً شروداً في الندى والباس
فاللهُ قَدْ ضَرب الأقلَّ لِنُورِهِ ... مثلاً من المشْكاةِ والنِّبراس
فهذا كلام فائق ومعنى رائق يقع كلام أبي الطيب معه بعيداً ورجحانه لا خفاء به. وقد قال البحتري:
لا تَقيسنّ) حاتم (الجُود في الجو ... د إِليه) فحاتِمٌ (فيه عَيْدُهْ
стр. 169
وهذا يقرب من معنى أبي الطيب لأنه إذا كان عبده غاية المثل في الجود صلح أن يكون في الجود عبده بالقياس، فأما قول ابن الرومي:
أعطى الذي لَوْ سِيمَ حا ... تمُ أخْذهُ يوماً لَهَابَه
فجعل حاتماً يهاب أن يأخذ ما يعطيه من مدحه وقول أبي تمام يدل في رجحان الكلام المأخوذ عنه على كلام الآخذ منه وكذلك كلام ابن الرومي فهما أحق بما سبقا إليه.
وقال المتنبي:
هديَّةُ ما رأيتُ مُهْديها ... إلاّ رأيْتُ العِباد في رَجُل
سرق هذا من أبي نواس في قوله:
وليسَ للهِ بِمُسنكرٍ ... أنْ يَجمعَ العالمَ في وَاحِدِ
ولم يزد على أنّ نقل معناه في مقدار لفظه في الاختصار ولا زيادة عليه فأبو نواس أحق بما قال.
وقال المتنبي:
كَيفَ أكافي على أَجَلِّ يدٍ ... من لا يَرى أنَّها يدٌ قِبلي
لم يهمز أكافي على غير قياس وما أكثر ما يسقط الهمز من أبواب النحو وأنت ترى ذلك كثيراً في شعره. ومعنى أبي الطيب أن الممدوح لا يرى يداً تشد بها يداً وأبيات حسان في آل جفنة في قوله:
стр. 170
إِنَّ ابن جَفْنَة من بقية معشرٍ ... لم يغذهم آباؤهم باللّوم
يعطي الجزيل ولا يَراهُ عِنْده ... إلا كبعضِ عطية المذموم
أبلغ مدحاً وأرجح لفظاً لأنه ما رضي إلا بأن جعل الممدوح يعطي الجزيل ويراه كبعض عطية المذموم ولم يجعلها كلّ عطية المذموم، ولكن أبا الطيب قد جعل يد الممدوح أجلّ يد نالته وأنّ الممدوح لا يراها أبداً أصلاً لا لممدوح ولا لمذموم فقد نقصت مبالغة حسان ورجحانه لمبالغة أبي الطيب فصار أولى بما أخذ على من أخذ منه.
يليها أبيات أولها:
أقْصِرْ فلستَ بِزائدي وُدّا ... بَلغ المَدى، وتَجاوزَ الحَدّا
مأخوذ من قول جرير:
إِني وعيتك لو طلبت زيادةً ... في الحُب عِنْدي ما وَجدت مَزِيدا
قال ابن الرومي:
فَلا تسأليني في هواك زيادةً ... فأيسرُه مُرضٍ، وأدناهُ مُقْنِعُ
هذه ألفاظ متساوية في باب المساواة لا له ولا عليه وأصحابها أولة) بها (.
وقال المتنبي:
أرْسلتهَا مملوءةً كرماً ... فرددْتها مَملوءةٌ حَمْدا
جاءتْكَ تَطْفَحُ وهي فَارغةً ... مَثْنى به وَتظّنُّها فَردا
стр. 171
قد رأيت بعض أهل الأدب تقوم علينا وهو أبو القاسم علي بن حمزة البصري، بأن قال: لأبي الطيب معان لا يفسرها غيره فسألناه عنها فكان هذا منها وسألناه عن معنى أي شيء أراد به فقال: جاء جام حلواً ففرغه وكتب هذه الأبيات فصار فارغاً من الحلواء مملوءاً من الحمد فهو فارغ طافح يظن فرداً وهو بالحمد مثنى فقلت له الشعر على مقصد قائله وأبيات المعاني كلها تجري هذا المجرى فسكت.
وقال المتنبي:
لوْ كُنت عصراً مُنْبتاً زَهراً ... كُنتَ الرَّبيعَ وكانتِ الوَرْدا
أخذه من أبي تمام:
وَمِنْ زمنٍ ألبستينيه كأنَّهُ ... إِذا ذكرتْ أيّامُهُ زمنُ الورْدِ
معنى أبي الطيب: لو كنت عصراً وكان الملك زهراً كنت ربيعاً وكان الزهر ورداً وتشبيه الزمان بزمان من جنسه هو زمان الورد أحسن وأشبه من تشبيه إنسان بزمان الورد فتشبيه أبي تمام أوضح وكلامه أرجح وهو للشبق أولى بما قال.
يليها أبيات أولها:
بَقيَّةُ قَوْمٍ آذنوا بِبوارٍ ... وأنضاء أسْفارٍ كَشَرْبِ عُقارِ
لا فائدة فيها.
يليها قصيدة أوّلها:
أرقٌ على أرقٍ ومِثْلي يأرقُ ... وجوىً يَزيدُ وعبرةٌ تترقرقُ
قال فيها:
جهدُ الصَّبابة أنْ تكون كما أرى ... عين مسهدة وَقَلْب يَخْفِقُ
стр. 172
وقال الحماني:
قالتْ: عُييت عن الشكوى. فَقلتُ لها ... جَهدُ الشكايةِ أنْ أعيا عَنْ الكَلمِ
أشكو إلى الله قلباً لو كحلت به ... عينيك لاختضبت من حرّه بدم
فهذا أبلغ من قول أبي الطيب ويشبه قول أبي الطيب قول البحتري:
هَلْ غايةُ الشّوقِ المبّرح غَيْر أنْ ... يَعْلو نشيجٌ أو تَفيض مَدَامِعُ
وصاحب العين المسهدة، والقلب الخافق وصاحب النشيج والدمع الفائض يمكنهما شكاية حالهما ويقدران على الكلام ومن عجز عن الكلام أتم سوء حال منهما، فكلام أبي الطيب والبحتري يدخل في باب المساواة وكلام الثالث أرجح من كلامهما.
وقال المتنبي:
ما لاحَ برقُ أو ترنَّمَ طائِرٌ ... إلاّ انْثَنيتُ ولي فُؤاد شَيِّقُ
هذا معنى متدارك لا يعبأ به ولكن أبا الطيب لتناوله ما سخف من المعاني وارتفع يلزمنا الشغل بما أشتغل به وهو من قول ابن أبي عيينه:
ما تَغَنّى القُمريّ إِلاَّ شَجانِي ... وغِناءُ القُمريّ للصبّ شاجِي
стр. 173
وقال المتنبي:
جَرّبْتُ من نار الهَوى ما تَنْطفي ... نارُ الغضى وَتكلُّ عما تُحْرِقُ
إبدال الهمزة هذا لا يجوز إلا ضرورة وهذا مما ذكرت لك من إسقاط الهمز وأما معناه فمأخوذ من قول الشاعر:
لوْ أن قلبي في نارٍ لأحْرقها ... لأن إِحْزانَهُ أذْكى منَ النَّار
ومن جعل النار تحترق من نار قلبه أشد مبالغة ممن ذكر أنها تعمل في النار إلا تطفأ والكلال وإن كان الانطفاء من النار لا يكون مما هو أعظم منها إنما يكون بضدها من الماء فصاحب البيت في مذهب من رأى المبالغة أحسن وأرجح كلاماً وهو أحق ببيته، قال أبو محمد: وقد أنشدني أبي ﵀ قال: أنشدني أبو بكر بن دريد لنفسه:
لَوْ أن نار فؤادي ما زجتْ لَهباً ... لظلَّ مِنها لَهيبُ النارِ مُحترقا
وقال المتنبي:
وَعذلتُ أهلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ ... فَعجبتُ كيفَ يموت من لا يعشقُ
وعذرتُهمْ وعرفْتُ ذَنبي أنني ... عَيّرتهمْ فَلقيتُ فيه ما لقوا
стр. 174
هذا من قول أبي الشيص:
وكنتُ إِذا رأيتُ فتىً يبكي ... على شَجَنٍ ضَحكتُ إِذا خَلَوتُ
فاحسبني أدالَ الله مِني ... فَصرتُ إَذا بَصرْتُ بِه بكيتُ
قال ابن الجهم:
وقدْ كُنتُ بالعشّاقِ أهزأ مَرَّةً ... فها أنا لِلعشاق أصبحت باكيا
بيتا أبي الطيب مساويان لبيتي أبي الشيص وبيت ابن الجهم مما نقله أبو الطيب من اللفظ القصير إلى الطويل الكثير فالأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
نبكي على الدنيا وما من مَعْشرٍ ... جمعتُهم الدُّنيا فلمْ يَتفرّقوا
هذا من قول صالح:
أو ما يريبكَ مِنْ زمانِكَ أنَّهُ ... لا يُلْبث القُرناءَ أنْ يتفرقوا
ومثله قول للأول:
لنْ يُلبثُ القرناء أنْ يتفرقوا ... لَيْل يكرُّ عليهِمْ وَنهارُ
стр. 175
وهذا يدخل في باب المساواة لا له ولا عليه. وقال المتنبي:
أين الأكاسرة الجبابرة الألى ... كنزوا الكُنوز فما بَقَيْنَ ولا بَقُوا
قال أبو العتاهية:
أين الأولى كنزوا الكُنوز وأتقنوا ... أنْ القرون بنو القرون الماضية
دَرجُوا فأصبحت المنازلُ منهم ... عُطلاً وأصبحت المساكن خالية
وأبو الطيب جاء بالمعنى واللفظ الطويل في الموجز القليل وهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
من كُلّ من ضَاق الفَضاءُ بجيشه ... حتى ثَوى فَحواهُ لحْدٌ ضَيِّقُ
هذا من قول أشجع:
وأصبح في لحدٍ من الأرضِ ضَيِّقٍ ... وكانَتْ به حَيّاً تضيق الصَّحاصِحُ
فجعل أبو الطيب الأرض تضيق بجيشه، وأشجع جعل الضيق به وحده فبيته أرجح وأمدح فهو أولى للسبق بما قال. وقد قال أبو العتاهية:
شهواتُ الدنيا ... عوافهن المكاره
يسع القبر شخصاً ... من لم يسعه المهامه
стр. 176
وهذان البيتان يساويان قول أبي الطيب بغير زيادة لأن المهامه لا تضيق عن شخص من إلا أن يريد أبو العتاهية مراد أبي الطيب لم يسعه المهامه لكثرة رجاله وتوافر جيشه فيصيران متساويان وقد يكون أشجع أولى بالرجحان.
وقال المتنبي:
فالموتُ آتٍ والنّفوسُ نفائس ... والمستغرُّ بما لديه الأحمقُ
أنشد ابن قتيبة في كتاب عيون الشعر:
إِنّ امرأ أمِن الزَّما ... ن لمستغِر أحْمقُ
وفي بيت أبي الطيب زيادتان في صدره وعجزه يستولي بها على هذا البيت ولفظه أجزل فهو أرجح من هذا البيت وأحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
ولَقدْ بكيْتُ على الشَّبابِ ولمّتي ... مُسودّةٌ ولماء وجهي رَوْنَقُ
حَذراً عليهِ قَبْلَ يَومِ فَراقِهِ ... حتّى لكدتُ بِماءَ جَفْني أشْرَقُ
هذا يشبه قول القائل:
كُنتُ أبكي دماً وأنْت ضجيعي ... حَذراً من تَشّتت أو فراق
وهذا يدخل في نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير لم يبلغ مراده إلا في
стр. 177
بيتين وأتى به من سبقه في بيت، الأول أولى بما قال. ويشبه ما حكاه الصولي، قال: قال ثعلب: غير مرة وأنشد لابن الأحنف ما رأيت أحداً إلا وهو يستحسن هذا وهو مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه:
قد كنت أبكي وأنت راضية ... حذار هذا الصُّدودِ والغَضبِ
إن تم ذَا الهجر يا ظلوم ... ولا تم فما لي في العيش من أرب
جعله أبو الطيب في الشباب وجعله ابن الأحنف في محبوبه واعتراض كلام في كلام فيه فائدة مما يستحسن قوله ولا تم من ذلك وفي معنى ابن الأحنف:
ما كنتُ أيّام راضية ... عنّي بذاك الرّضا بمغتبط
علماً بأنَّ الرّضا سيتبعُهُ ... منك التَّجني وكثرة السَّخط
فكلما نساني فعن خلق منك ... وما سرني فعنَّ غلط
وقال المتنبي:
كَبّرتُ حَول ديارهمْ لما بَدتْ ... منها الشُّموسُ وليس فيها المشرِقُ
ذكر أنه كبر حول ديارهم تعجباً من كون الشموس فيها وليس فيها المشرق. شبه الممدوحين بالشموس، وينبغي أن تكون الشموس في المشرق فكأن ديارهم ليس لها مشرق فلذلك أستغرب كون الشمس فيها، نبهه على هذا أبو نواس بقوله:
стр. 178
ترى حَيْثُ ما كانتْ من البيت مَشرقاً ... وما لم تكنْ فيه من البيت مَغربا
فخبر عن الخمر بأنها إذا حلت في بيت كان مشرقاً وإذا لم يكن فيه كان مغرباً وكلام أبي نواس أحسن وقد ذكر المشرق والمغرب فرجح كلامه عليه.
وقال المتنبي:
وعجِبتُ من أرض سَحاب أكفهم ... مِنْ فوقها وصخُورها لا تُورِقُ
قال بعض البادية:
لوْ أنَّ راحتهُ مرت على حجرٍ ... صَلْدٍ لأورق منها ذلك الحَجَرُ
وقال مسلم:
لَوْ أنَّ كفاً أعشبتْ لِسماحةٍ ... لبدى براحتِهِ النباتُ الأخْضرُ
قال ابن الخياط في طاهر بن الحسين) في حراقة في دجلة (.
عَجبتُ لِحُرّاقةَ ابن الحسي ... أن كيف تعومُ ولا تغْرقُ
стр. 179
وبحران مِنْ تَحْتِها واحِدٌ ... وآخر مِنْ فوقها مُطْبِقُ
وأعجب من ذاك عِيدانُها ... وقَدْ مسّها كيف لا تُوْرقُ
فتعجب أبو الطيب من أرض سحاب أكفهم فوقها لم تورق صخورها وخبر البدوي أن يد الممدوح لو مرت على حجر لأورق فأخبر بإيراق الحجر ولم يتعجب من أن لا يورق فبيته أرجح وأمدح وهو أولى بما قال ومعنى بيت مسلم لو كان ممكناً أن يعشب كف لأعشبت يدك فخبر أن ذلك غير ممكن والإخبار بإيراق الحجر أبلغ في المدح من إعشاب الراحة بعد ما دل على أن ذلك لا يمكن فيها وقد أشترك أبو الطيب وابن الخياط في التعجب ولكن الصخور أبعد من الإيراق وإن كانت العيدان قد بعدت من إمكان الإيراق فيها ولكن ما أمكن أن يورق في حال أقل مبالغة مما لم يكن إيراقه على حال فعلى هذا الترتيب فالبدوي أحق بما قال ثم أبو الطيب وأقصد القوم مسلم.
وقال المتنبي:
وتفوحُ من طيبِ الثَّناءِ رَوائحٌ ... لهم بكل مكانةٍ تُستنشقُ
مِسْكيّةُ النفحّاتِ إِلا أنّها ... وَحْشيّة بِسواهُمُ لا تعْبقُ
أخذ هذا من شعر أورده جدّي وكيع في كتاب الغرة:
لَوْ كان يوجَدُ ريحُ مجدٍ فائحاً ... لوجدتَهُ منهم عَلى أمْيالِ
стр. 180
وقال العطوي: وقد حمل نعش ابن أبي داود:
وليسَ نسيم المِسْك ما تجدونه ... ولكنَّهُ ذاك الثَّناءُ المخلَّفُ
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنَّهُ أصلاب قومٍ تَعصفُ
وقال ابن الرومي:
أعبقتهُ من طيبِ ريحكَ عبقةً ... كادَتْ تكُونُ ثناءك المَسمُوعا
فالشاعر الأول قال لو كان يوجد ريح مجد فائحاً لوجدته منهم على أميال ولكنه لا يوجد وابن الرومي قال: كادت تكون) ثناءك وقال: كادت (والعطوي خبر أن المسك ليس هو في الحقيقة ما يجده الشام ولكنه ثناؤه المخلف بعده وأبو الطيب خبر عن ريح الثناء أنه منهم بكل مكانة يستنشق وبكل مكان أعم من أميال ولكن العطوي جاء بإرادته في بيت ولم يبلغ أبو الطيب إرادته إلا في بيتين فنقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير.
следующие страницы →