Полный текст (676 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وهذان البيتان يساويان قول أبي الطيب بغير زيادة لأن المهامه لا تضيق عن شخص من إلا أن يريد أبو العتاهية مراد أبي الطيب لم يسعه المهامه لكثرة رجاله وتوافر جيشه فيصيران متساويان وقد يكون أشجع أولى بالرجحان.
وقال المتنبي:
فالموتُ آتٍ والنّفوسُ نفائس ... والمستغرُّ بما لديه الأحمقُ
أنشد ابن قتيبة في كتاب عيون الشعر:
إِنّ امرأ أمِن الزَّما ... ن لمستغِر أحْمقُ
وفي بيت أبي الطيب زيادتان في صدره وعجزه يستولي بها على هذا البيت ولفظه أجزل فهو أرجح من هذا البيت وأحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
ولَقدْ بكيْتُ على الشَّبابِ ولمّتي ... مُسودّةٌ ولماء وجهي رَوْنَقُ
حَذراً عليهِ قَبْلَ يَومِ فَراقِهِ ... حتّى لكدتُ بِماءَ جَفْني أشْرَقُ
هذا يشبه قول القائل:
كُنتُ أبكي دماً وأنْت ضجيعي ... حَذراً من تَشّتت أو فراق
وهذا يدخل في نقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير لم يبلغ مراده إلا في
стр. 177
بيتين وأتى به من سبقه في بيت، الأول أولى بما قال. ويشبه ما حكاه الصولي، قال: قال ثعلب: غير مرة وأنشد لابن الأحنف ما رأيت أحداً إلا وهو يستحسن هذا وهو مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه:
قد كنت أبكي وأنت راضية ... حذار هذا الصُّدودِ والغَضبِ
إن تم ذَا الهجر يا ظلوم ... ولا تم فما لي في العيش من أرب
جعله أبو الطيب في الشباب وجعله ابن الأحنف في محبوبه واعتراض كلام في كلام فيه فائدة مما يستحسن قوله ولا تم من ذلك وفي معنى ابن الأحنف:
ما كنتُ أيّام راضية ... عنّي بذاك الرّضا بمغتبط
علماً بأنَّ الرّضا سيتبعُهُ ... منك التَّجني وكثرة السَّخط
فكلما نساني فعن خلق منك ... وما سرني فعنَّ غلط
وقال المتنبي:
كَبّرتُ حَول ديارهمْ لما بَدتْ ... منها الشُّموسُ وليس فيها المشرِقُ
ذكر أنه كبر حول ديارهم تعجباً من كون الشموس فيها وليس فيها المشرق. شبه الممدوحين بالشموس، وينبغي أن تكون الشموس في المشرق فكأن ديارهم ليس لها مشرق فلذلك أستغرب كون الشمس فيها، نبهه على هذا أبو نواس بقوله:
стр. 178
ترى حَيْثُ ما كانتْ من البيت مَشرقاً ... وما لم تكنْ فيه من البيت مَغربا
فخبر عن الخمر بأنها إذا حلت في بيت كان مشرقاً وإذا لم يكن فيه كان مغرباً وكلام أبي نواس أحسن وقد ذكر المشرق والمغرب فرجح كلامه عليه.
وقال المتنبي:
وعجِبتُ من أرض سَحاب أكفهم ... مِنْ فوقها وصخُورها لا تُورِقُ
قال بعض البادية:
لوْ أنَّ راحتهُ مرت على حجرٍ ... صَلْدٍ لأورق منها ذلك الحَجَرُ
وقال مسلم:
لَوْ أنَّ كفاً أعشبتْ لِسماحةٍ ... لبدى براحتِهِ النباتُ الأخْضرُ
قال ابن الخياط في طاهر بن الحسين) في حراقة في دجلة (.
عَجبتُ لِحُرّاقةَ ابن الحسي ... أن كيف تعومُ ولا تغْرقُ
стр. 179
وبحران مِنْ تَحْتِها واحِدٌ ... وآخر مِنْ فوقها مُطْبِقُ
وأعجب من ذاك عِيدانُها ... وقَدْ مسّها كيف لا تُوْرقُ
فتعجب أبو الطيب من أرض سحاب أكفهم فوقها لم تورق صخورها وخبر البدوي أن يد الممدوح لو مرت على حجر لأورق فأخبر بإيراق الحجر ولم يتعجب من أن لا يورق فبيته أرجح وأمدح وهو أولى بما قال ومعنى بيت مسلم لو كان ممكناً أن يعشب كف لأعشبت يدك فخبر أن ذلك غير ممكن والإخبار بإيراق الحجر أبلغ في المدح من إعشاب الراحة بعد ما دل على أن ذلك لا يمكن فيها وقد أشترك أبو الطيب وابن الخياط في التعجب ولكن الصخور أبعد من الإيراق وإن كانت العيدان قد بعدت من إمكان الإيراق فيها ولكن ما أمكن أن يورق في حال أقل مبالغة مما لم يكن إيراقه على حال فعلى هذا الترتيب فالبدوي أحق بما قال ثم أبو الطيب وأقصد القوم مسلم.
وقال المتنبي:
وتفوحُ من طيبِ الثَّناءِ رَوائحٌ ... لهم بكل مكانةٍ تُستنشقُ
مِسْكيّةُ النفحّاتِ إِلا أنّها ... وَحْشيّة بِسواهُمُ لا تعْبقُ
أخذ هذا من شعر أورده جدّي وكيع في كتاب الغرة:
لَوْ كان يوجَدُ ريحُ مجدٍ فائحاً ... لوجدتَهُ منهم عَلى أمْيالِ
стр. 180
وقال العطوي: وقد حمل نعش ابن أبي داود:
وليسَ نسيم المِسْك ما تجدونه ... ولكنَّهُ ذاك الثَّناءُ المخلَّفُ
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنَّهُ أصلاب قومٍ تَعصفُ
وقال ابن الرومي:
أعبقتهُ من طيبِ ريحكَ عبقةً ... كادَتْ تكُونُ ثناءك المَسمُوعا
فالشاعر الأول قال لو كان يوجد ريح مجد فائحاً لوجدته منهم على أميال ولكنه لا يوجد وابن الرومي قال: كادت تكون) ثناءك وقال: كادت (والعطوي خبر أن المسك ليس هو في الحقيقة ما يجده الشام ولكنه ثناؤه المخلف بعده وأبو الطيب خبر عن ريح الثناء أنه منهم بكل مكانة يستنشق وبكل مكان أعم من أميال ولكن العطوي جاء بإرادته في بيت ولم يبلغ أبو الطيب إرادته إلا في بيتين فنقل اللفظ القصير إلى الطويل الكثير.
стр. 181
وقال المتنبي:
أمريُدَ مِثْلَ مُحمدٍّ في عصرنا ... لا تبلنا بطِلاب ما لا يُلْحقُ
أخذه من أبي الشيص:
لَوْ تبتغي مثلَهُ في الناس كُلّهم ... طلبتَ ما ليس في الدنيا بموجود
ويقرب من قول البحتري:
وما للمعالي طالبُ فتمهّلنْ ... ولو طُلبتْ ما كان مِثْلك يُلْحقُ
وللبحتري أيضاً:
أيُّها المبتغي مساجلة) الفتْ ... ح (تبغيتَ نَيلَ ما لا يُنالُ
فهذه أبيات تتناسب معانيها ومبانيها وهي تدخل في باب المساواة والسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
لمْ يخلقِ الرحمنُ مِثْل محَمدٍ ... أحداً وظني أنَّه لا يَخلقُ
стр. 182
قال عبد الله بن أبي السمط:
ما كان مِثلك في الورى فيمنْ مَضى ... أحداً وظنّي أنه لا يخلقُ
وهما متفقا اللفظ والمعنى مجتمعان على التيقّن فيما مضى والشكّ في المستقبل وهذا تغيير يسير يكاد يدخل في أخذ اللفظ المدعى وهو ومعناه معاً، وقد قال ابن الرومي:
فَهلْ من سبيلٍ إلى مِثله ... أبى اللهُ ذاك على منْ خَلقْ
فلم يخطر جمعهم وجود مثله إلا على من خلق دون من يخلق غير المعوج فإنه قال:
стр. 183
وما ابن علي في العُلى كابن من ... لهُ مِن الناسِ شكل أو يكون لهُ شكل
وقال الحصنيّ:
لمْ يكن في خليفةِ الله ندٌّ ... لك فيما مَضى وليس يكونُ
فمنع وجود مثله في الماضي والمستقبل فحكم على الغيب وما أشبه هذا الشعر بشيء. روي عن المعتصم أنه أمر في ليلة من لياليه بإحضار من جار على بابه فوجد الغلام ثلاثة قد مروا بالباب من أهل المدينة فأدخلوا، فقال لهم المعتصم: أسمعوا هذا الغناء واحداً واحدا وعرّفوني ما عندكم فيه وأمر جارية له بالغناء فغنّت فقال لأحدهم: كيف رأيت ما تسمع؟ قال: امرأته طالق إن كان الله يخلق مثل هذه. وقال للآخر ما تقول أنت؟ قال: امرأته طالق إن كان الله يخلق مثلها أبداً. فقال للثالث: ما تقول أنت؟ قال: أقول امرأتي طالق. قال: إن كان ماذا. قال: إن كان لا شيء، قال: ولم طلقت، قال: لطلاق رفيقيّ من أين لهذا العاض بظر أمه أن الله ما خلق مثل هذه ولهذا العاض بظر أمه إن الله لا يخلق مثلها فلما رأيتهما قد طلقا في غير موضع الطلاق ساعدتهما على ذلك.
стр. 184
وقال المتنبي:
يا ذَا الذي يهَبُ الكثير وعنده ... إني عليه بأَخْذِهِ أتَصدَّقُ
أخذه من زهير من أحسن لفظ) وهو:
تَراهُ إِذا ما جِئتهُ مُتهللاً ... كأنّكَ تُعطيه الذي أنْتَ سَائله (
فأتى بما لا زيادة عليه في الحسن، وأخذه أبو الطيّب أخذاً قبيحاً وجعل مكان المعطي المتصدق ومن شأن النفوس الأبيّة الفرح بالعطايا النسبية، فأما) أخذ (الصدقة فلا تفرح بها، وهذا يدخل في باب رجحان المأخوذ منه على من أخذ عنه.
وقال المتنبي:
أمْطِرْ عليّ سَحاب جُودِكَ ثَرَّةً ... وأنظُرْ إليَّ بِرحمةٍ لا أغْرَقُ
وهذا يشبه قول عبد الله بن أبي السمط في سحابة:
حتَّى ظللتُ أقولُ في إلحاحِها ... بالويل: هَلْ أنا سالمٌ لا أغْرقُ
وهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
جَذب ابن فاعلةٍ يقول لجهله ... مات الكرامُ وأنت حَيّ تُرْزقُ
أخذه من قول أبي زيد عمر بن شبة:
وقائلةٍ لم يَبق في الأرضِ سيد ... فَقُلْتُ لها عبدُ الرّحيم بن جَعْفَرِ
стр. 185
ولا زيادة له فيه غير شتم القائل وليس ذلك مما يحسب له به زيادة وهو يدخل في قسم المساواة.
ويلي ذلك قصيدة أولها:
حُشاشَة نفس ودَّعتْ يَوْمَ ودّعُوا ... فَلمْ أدْر أيّ الظاعنينَ أشيِّعُ
أخذه من بشار في قوله:
حَدا بَعضُهم ذات اليمين وبَعضُهُمْ ... شمالاً وقَلبي بينهم مُتَوزّعُ
فَو الله ما أدري بليلٍ وَقَدْ مَضَتْ ... حُمولهم أيّ الفريقين أتْبَعُ
وقال العباس بن الأحنف:
تَفرّق قَلبي منْ مُقيمٍ وظاعِنٍ ... ولله دَرّى أيّ قلْبٍ أشيِّعُ
فهو في المبنى والمعنى يساوي ما قاله فلا له ولا عليه، والأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
أشارُوا بتسليمٍ فَجُدْنا بأنفسٍ ... تَميلُ من الآماق والسَّمُ أدْمُعُ
أحسن ما أتى في هذا قول بشار:
وليسَ الذي يَجْري من العين ماؤُها ... ولكنَّها نفس تَذُوبُ فَتقطُرُ
стр. 186
وقد قال الديك:
ليسَ ذا الدّمْعُ دَمْعَ عَينِي وَلكِنْ ... هي نَفْسٌ تُذيبُها أنفاسِي
فجانس بين النفس والنفس وقد قال ابن دريد:
لا تحْسبني دَمْعي تَحدَّر إِنَّما ... رُوحِي جَرَتْ في دَمْعي المُتحدّرِ
وكلهم أنّث الروح، والروح مذكر إنّما أنثوه لتأنيث النفس فكلام بشار أرطب وأعذب، لأن من قال ذاب، قال: قطرت فهو أرجح من جميع هذه الألفاظ فأما أبو الطيب فنسخ هذا المعنى وما نسخه لأنه يبعد عن لفظ من يقدمه في الرونق والبهاء وكثرة الماء ولو لم يكن في بيته إلا ما يفاضح به من قول السم وبكم قطع ألف الوصل أملح في شعر المتأخرين من ذكر السم على كراهة النحويين ذلك إلا في ضرورة الشعر ولعل بعضاً من المتشدقين أن يعارض هذا القول مني بالطعن ويقول أتختار له ركوب ما لا يجوز إلا في ضرورة على الصحيح الفصيح؟ فالجواب على ذلك، أنّ أبا الطيب أكثر الناس ركوباً للضرورات والمجازات أولاً وأيضاً فإن أشعار المحدثين لا يراد منها استفادة علم وإنما يروى لعذوبة ألفاظها ورقتها وحلاوة معانيها وقرب مأخذها ولو سلك المتأخرون مسلك المتقدمين في غلبة الغريب على أشعارهم ووصف المهامة والقفار والإبل والفلوات وذكر الوحش والحشرات ما رويت لأن المتقدمين أولى
стр. 187
بهذه المعاني ولا سيما مع زهد الناس في الأدب في هذا العصر وما قاربه وإنما يكتب أشعارهم لقربها من الأفهام وإنّ الخواص في معرفتها كالعوام فقد صار صاحبها بمنزلة صاحب الصوت المطرب يستميل أمّة من الناس لاستماعه وإن جهل الألحان وكسر الأوزان وقائل الشعر الحوشي بمنزلة المغنّي الحاذق بالنغم غير المطرب الصوت يعرض عنه إلا من عرف فضله على أنه إذا وقف على فضل صنعته لم يصلح لمجالس اللذات إنما يجعل معلماً للمطربات من القينات يفوقهن بحذقه ويستمتع بخلوفهن دون حلقه ليسلمن من الخطأ في صناعتهن ويطربن بحسن أصواتهن.
وقال المتنبي:
حَشاي على جمر ذَكيٍّ من الهوى ... وَعيْناي في رَوْضٍ من الحُسن تَرْتعُ
أخذه من خالد الكاتب حيث يقول:
بأيِّ ذنبٍ إِليه ... أطال حُزني عليه
قالوا نَراك سَقيماً ... فَقُلْتُ مِنْ مُقْلتيه
في النّار قَلْبي، وَعَينْي ... في الرّوضَ مِنْ وَجْنتيْه
وهذا من نقل القصير إلى الطويل الكثير، ومثله لبعض المحدثين:
وكانَ طَرْفي مِنْهُ في جَنَّةٍ ... وكانَ قَلبي مِنْه في نارِ
стр. 188
وما زاد في المعنى ما يستحقه والمتقدم أولى به.
وقال المتنبي:
وَلَوْ حُملِّتْ صُمُّ الجبال الَّذي بنا ... غَداةَ افْترقنا أوشكتْ تَتصَدَّعُ
قال الأول:
وأكتمُ ما بي مِنْ هَواكِ ولو يرى ... على جبلٍ صَلْد إِذن لتقطَّعا
وقال الآخر:
صَبرتُ على ما لو تحمل بَعضه ... جِبالُ شَروري أوشكتْ تَتصدّعُ
وقال ابن الرومي:
شكوى لو أني أشكوها إلى حجرٍ ... أصَمَّ ممتنع الأركان لانفلقا
فهذه الأبيات تناست معانيها ومبانيها ولا زيادة له فيها وأصحابها أحق بها منه.
وقال المتنبي:
أتتْ زائراً ما خامرَ الطِّيب ثَوْبها ... وكالمِسْك من أردانِها يَتَضوَّعُ
غير متهيب ولا مراع للأخذ من سيد الشعراء في أخذ شعره مع نباهة ذكره حيث يقول:
ألمْ تَر أني كُلمّا جئتُ طارقاً ... وجَدْتُ بها طيباً وإنْ لمْ تَطّيبِ
ولا زيادة على هذا الكلام في المعنى والنظام فهو أحق بما قال ممن سرقه منه.
وقال المتنبي:
فيا ليلةً ما كانَ أطْولَ بتها ... وسم الأفاعي عذب ما أتجّرعُ
стр. 189
إذا قال إن) سم الأفاعي عذب ما أتجرع (فقد خبر أن سم الأفاعي مرّ وإنما يوصف السم بالإهلاك وضد الإهلاك، السلامة، فلو قال) إن سم الأفاعي أسلم ما أتجرع (لكان أقرب وقد قال النابغة (:
فبتُّ كأنّي ساورتني ضئيلةٌ ... من الرُّقش في أنيابها السُّمُّ ناقعُ
فأخبر بما يحذر منها من سمها ولم يخبر عن طعمه.
وقال المتنبي:
تذلَّل لها وأخضَعْ على القُربِ والنَّوى ... فما عاشِقٌ منْ لا يذلُّ ويخضَعُ
هذا مستعمل كثيراً إلا أنه ما حقره، وقد ساوى البحتري في قوله:
وَتذلّلتُ خاضعاً لمليكي ... وقليلُ من عاشقٍ أنْ يذلاّ
وقال المتنبي:
بِذي كرمٍ ما مرّ يوم وَشْمسُهُ ... على رأس أوفى ذِمَّةً مِنهُ تَطلْعُ
قال البصير:
مَلكُ لم تَطلْع الشْمْسُ على ... مِثْله أوْسَعَ شيئاً وأعمّ
فهذا يدخل في باب المساواة.
وقال المتنبي:
فأرْحامُ شِعْرٍ يتّصلْنَ لدنّهُ ... وأرْحامُ مالٍ ما تني تَتَقطَّعُ
هذا من لحونه إنما تشدد النون مع النون نحو) لدنّي، ولدنّا (وأستعمل لدن
стр. 190
بغير) من (وما يكاد يستعمل إلا بمن قال الله :) من لدن حكيم عليم (واستعماله إقفاء الكلام إنما يجوز ويطلب له الوجوه إذا كان ذلك من يدري يتكلم بطبعه فأما لمثله فلا، وقد قال المتنبي قبل هذا بيتاً وهو:
وإِنَّ الذي حابى جَديلة طيءٍ ... بهِ الله يُعْطي من يَشاءُ وَيمنَعُ
وهو أيضاً يخرج إلى تفسير فمعناه حاباها من الحباء بمعنى حباها والحبا العطية، وللبيت معنيان: أحدهما أن تكون الهاء في) به (راجعة إلى حابى وخبر عن الممدوح بأنه يعطي من يشاء ويمنع وهذا مدح أرفع أبا الطيب أن يقصده لأن كل واحد له ملك أو ملك فهو مخير بمن يعطيه ويمنعه ممن شاء، والمعنى الآخر الذي أراه مراده أن يكون إن الله يعطي به من يشاء ويمنع أي قد جعلها الله شيئاً للعطاء والمنع كما قال الضبي:
وأقضيةُ الله محتومة ... وأنْتَ منفّذ أقْدارها
стр. 191
وقال المتنبي:
فَتىً ألفُ جُزءٍ رأيهُ في زمانه ... أقلُّ جُزْءٍ بَعْضه الرأيُ أجْمَعُ
هذا كلام ظاهر التعسف بين التخلف وهو ينظر إلى قول أبي تمام:
لَوْ تراهُ يا أبا الحَسنِ ... قمراً أوفى على غُصُنِ
كُلُّ جُزءٍ من مَحَاسِنِهِ ... فيهِ أجزاءُ من الفِتَنِ
وهذا يدخل في نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي، وأبو تمام أولى بما قال.
وقال المتنبي:
غَمامٌ علينا مُمطِرٌ لَيْسَ يُقْشعُ ... وَلا البرقُ فيه خُلَّباً حين يَلْمَعُ
أخذه من قول المعتصم:
فليستْ جهاماً للعفاةِ سحابه ... وليستْ بُروق الجودِ فيها تَحْلِبُ
وقد قال البحتري قبلهما:
رأيتك إِنْ مَنَّيتَ منَّيْتَ موعداً ... جَهاماً وإِنْ أبرقْتَ أبرقْتَ خُلَّبا
وهذا من المعكوس الذي ابتدئ هجاءً وعكس فصار ثناءً.
وقال المتنبي:
إِذا عرضَتُ حاج إِليه فَنفْسُهُ ... إِلى نَفْسِهِ فيها شَفيعُ مُشَفَّعُ
стр. 192
وهذا كثير من قول الحطيئة:
وَذاكَ امرؤ إِنْ تأتِهِ في نفسهِ ... إلى مالِهِ لا تأتهِ بِشَفِيعِ
قال أبو العتاهية:
وما ابتغى عنده شافعاً ... سِواه إلى نفسِه يَشْفَعُ
وقال أبو العتاهية:
فيا جُود موسى ناج مُوسى بحاجِتي ... فمالي سِوَى مُوسى إِليه شَفِيعُ
وقال آخر:
فيا جودَ معن ناد معناً بِحاجتي ... فمالي سوى مَعْن سِواكَ رَسولُ
وقال ابن الرومي:
أبا الصَّقرّ من يَشْفع إِليك بشافعٍ ... فما لي سوى شِعْري وجود شافِعُ
وقال ابن الحاجب:
جُوده شافعٌ لطالب جدواه ... إِذا غره وجودك شَفيعُ
وقال المتنبي:
خَبَتْ نارُ حربٍ لم تَهجْها بنانه ... وأسمرُ عُريانٌ من القشر أصْلعُ
نحيفُ الشَّوى يعدو على أُمَّ رأسه ... ويَحفى فيقوى عَدُوهُ حين يَقْطَعُ
стр. 193
أما قوله:) يعدو على أم رأسه (فمن قول القائل:
وَمنتكس يَعدو على أمّ رأسه ... يَخافُ ويرجى نَفعه حَيثُ تَمما
وأما قوله:) ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع (فمن قول كلاب بن حمزة:
فإِنْ تخوّفت من حفاه فخُذْ ... سَيفك فأضربْ قفا مُقلّدِهِ
فإِنَّه إِنْ قطعْتَ أجْوَدَه ... عادَ نشيطاً بِقَطْع أجْوَدِهِ
وقال المتنبي:
ذبابُ حُسامٍ مِنْهُ أنجى ضريبةً ... وأعْصَى لمولاهُ وذا مِنْهُ أطْوَعُ
شبهه بالسيف وفضله بالطاعة لمن ملكه. وقد قال البحتري:
ما السيف عصيان نصل رونقه ... أمضى على الحادثات مِن قلمه
وليس في شعر البحتري أكثر من تشبيه القلم بالسيف وأبو الطيب قد ذكر من عصيان السيف أحياناً وطاعة القلم للكاتب به ما فيه زيادة يستحق بها الشعر.
وقال المتنبي:
بِكفّ جَوادٍ لو حَكَتْها سَحَابةٌ ... لما فَاتها في الشرق والغَرْب مَوضِعُ
стр. 194
أخذه من ابن الرومي حيث يقول:
خِرقٌ يعمّ ولا يخصُّ بِفَضلِهِ ... لكنَّهُ كالغيْث في الأطباقِ
فجعل الغيث يعمّ ويخصّ وجعله يعم الغيث في أطباقه وكذلك قال أبو الطيب: إن سحابة لو حلت كفه لكانت عامة غير مختصة وهذا يدخل في باب المساواة والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
فَصيحٌ متى ينطقُ تَجِدْ كُلّ لفظةٍ ... صول البراعات التي تَتفَرّعُ
ففي كل لفظة محذوف يزيد على كل لفظة حسنة أو عذبة أو ما أشبه ذلك ولو قال كل لفظه وهذا المعنى ينظر إلى قول أبي تمام:
كلُّ جُزْءٍ منْ مَحاسِنِه ... فيه أجزاءٌ من الفِتنِ
وقد أخذ ذلك من أبي تمام أخذاً مما هو أبين من هذا في قوله:
كلُّ سقامٍ تراه في أحدِ ... فَذاكَ فرع والأصلُ في بَدني
وهذا من استخراج كلام من كلام أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
ولَيس كبحر الماء يَشتقّ قَعْرهُ ... إلى حيثُ يفنى الماءَ حوتٌ وضَفدعُ
стр. 195
في هذا البيت حشوٌ غثّ وهو قوله) بحر الماء (ولا معنى له وهو من جنس قول أبي العيال:
ذكرتُ أخي فَعاودني ... صُداع الرأسِ والوصب
إلا أن يكون للبيتين بحر يعبر عنه بهذا الاسم فيفيد كلامه وما في اشتقاق الحوت والضفدع ماءه حتى يفنى الماء ضرر على أحد ولا نقص على البحر وهذا مدح لا فائدة فيه فأما قول ابن الرومي:
هُو البحر إلا أنَّ في جَنباته ... رُغاء المَطايا لا تفتق العَلاجِمُ
فقد صيره بحراً على صفة يعدمها البحر لأن المطايا لا تحط على البحار فدل على كرم من حط إليه المطايا إذ كان مرجواً لخير مقصوداً. وقال أشجع:
لو كان للركبان في كل وجهه ... إليك إيصال تتبعه الركب
وقال الآخر:
يَزدحمُ الناسَ على بَابِه ... والمنهلُ العذب كَثيرُ الزحام
فليس في فائدة هذا الكلام فائدة ذكر الحوت والضفدع.
وقال المتنبي:
أبْحرٌ يَضرّ المعْتفين وَطَعْمُه ... زعاقُ كبحرٍ لا يَضُرُّ وَيَنْفعُ؟
стр. 196
فإن كان ضرر المعتفين في البحر هو الغرق والصائب بالأموال فبازاء هذا نيل الرغائب من نفس المتاجر ومثمن الجواهر وقطع المسافات المتباعدات في أقل مدة وإن كان ضرره أن طعمه زعاق فلا يضرك ذلك إلا من قصده صادياً وقد قصر لفظه عن إيضاح معناه لأن الأجود كاد أن يقول:
أبحر يزيد الواردين زعاقه ... صدا مثل بحر سلسل الورد ينفع
ولعل معترضاً أن يعترض هذا الكلام فيقول: البحر لا يكون سلسل الورد فإن البحر لا يقع إلا على الملح، قلنا له إنما شبه رجلاً ببحر فذكر أخلاقه بالعذوبة وأعرب ببحر يخالف صفة ما وقع عليه هذا الاسم وقد يسمى العذب باسم الملح وقد قال ابن الجهم:
ولست ببحرٍ أنْتَ أعْذَبَ مَورداً ... وأقربُ للرّاجي نداك وأسْهَلُ
ففضله على البحر بعذوبة مورده وقرب راجيه من مراده وأوضح مراده ورجح على أبي الطيب فصار أحق بما قال.
وقال المتنبي:
أَلاَ أيُّها القَيلُ المُقِيمُ بمنْبجٍ ... وهمّتهُ فوق السماكين تُوضعُ
هذا مأخوذ من قول العطوي:
إِنْ كُنت أصبحتُ لابساً سملاً ... فَهِمتي فَوْقَ كَاهِلُ الفَلك
وقال القاضي التنوخي:
стр. 197
وأنفس مسكنها ما بيننا ... وهَمّها بين السَّماكِ والسُّهى
وكل الأبيات تدخل في باب المساواة وبيت العطوي دونهما وليس لبس السمل مما يدل على اتضاع الهمة، وقد خبر أبو الطيب عن الممدوح بإقامة جسمه بمكان وخبر عن همته بسير فوق السماكين فطابق وزاد بالمطابقة فأستحق ما أخذ وهو يساوي التنوخي في معناه ولكن وافقه في ذكر الأنفس والهمم ولم يتفق له من الإقامة والسير ما أتفق لأبي الطيب والذي نبه أبا الطيب على هذا المعنى أبو تمام بقوله:
جرّدتُ في ذَمِّيك خَيْلَ قَصائدِ ... سَارتْ بك الدُّنيا وأنْتَ مُقِيمُ
وقد أخذ ابن الرومي هذا المعنى من أبي تمام فقال في صفة قصيدة له:
تَظل مقيماً في محلّكَ خافضاً ... وأنْتَ بِها في كُلّ فجٍ تُسيّر
وقال المتنبي:
أليْسَ عجيباً أنَّ وصْفكَ مُعْجزٌ ... وأنَّ ظُنُوني في معاليك تَطلعُ
ينظر إلى قول أبي تمام:
تَرقَّتْ مناهُ طوْدَ عِزٍّ لو ارتقتْ ... له الريحُ فتراً لانثنتْ وهي طَالِعُ
стр. 198
وقال المتنبي:
وأنَّكَ في ثوبٍ وَصَدْرُكَ فِيكُما ... على أَنَّهُ مِنْ ساحَة الأرضِ أوْسَعُ
الصدر في الثوب وليس الصدر في الإنسان إنما هو من الإنسان ولم يرد بالصدر ما أشتمل عليه من قلبه على المجاورة لأنه قد ذكر في البيت الذي بعد هذا قلبه، وقال أبو المعتصم في مرثية:
يا وَاسعَ المعروفِ هَلْ وَسِعَ الثرى ... في الأرض صَدْرك وَهْوَ منها أوْسَعُ
فعجب من أن صدر هذا البيت في الأرض وهي مشتملة عليه وهي أوسع منها وأصل هذا أبو تمام في قوله:
وَرُحْبِ صَدْرٍ لو أنّ الأَرضَ واسِعَةٌ ... كَوُسِعه لَمْ يَضِقْ عنْ أهلهِ بَلَدُ
وقال المتنبي:
وَقَلبك في الدُّنيا وَلَوْ دَخَلتْ بنا ... وبالجِنّ ما دَرتْ كيف تَرْجِعُ
فشبه سعة بأوسع منها فهو إفراط مستعمل مثله. فأما دخول الإنس والجن في قلبه ثم لا يدري كيف ترجع فهو من المبالغة المستحيلة لا يستحسنها كثير من الناس فأما دخول الأجسام في قلبه من الجن والإنس فلا أراه مليحاً.
وقال المتنبي:
ألا كُلّ سَمْحٍ غيرك اليوْمَ باطلُ ... وكلُّ مديحٍ في سِواكَ مُضَيَّعُ
стр. 199
هذا من قول ابن الرومي:
وكلُّ موالٍ صاعداً فهو صاعدُ ... وكل معادٍ صاعداً فهو هَابطُ
وهذا أحسن من قول أبي الطيب لأن الصعود والهبوط ضدان فالبيت المطابق صحيح الطباق وليس باطل ضدّ مضيع لأنّ ضد باطل حق وضدّ مضيع محفوظ فأبن الرومي أرجح كلامه وأولى ببيته.
يتلوها أبيات أولها:
قَضاعة تَعْلمُ أني الفَتى الّ ... ذي ادَّخرتْ لصُروف الزَّمانِ
وقال فيها:
ومَجدي يَدلُ بني خِنْدفٍ ... عَلى أنَّ كُلّ كريمٍ يَماني
نبهه على هذا أبو نواس في قوله:
بَلى فإِن ذمتني للضبى أريحيّة ... يمانية إن السماح يَمان
وقد تبعه ابن الرومي في هجاء قاله وهو:
ونساءُ كأنَّما يتوقعن ... سُقوط السماء كل أوانِ
стр. 200
فتراهن شَاعرات لكنّما ... يُدعمن السماء بالسيقان
إِنْ يَجد جلد بذلك ... فالسخ يمان والجود قدماً يمان
قال أبو محمد وتبعتهم في ذلك فقلت:
بُتْ صيفاً لسد يمني ... فقرابي والجودُ قدماً يماني
وأنْتَ عرسه بعاذلٍ أبرئ ... قلت لا تبعني فلست بزاني
فأتاني فقال نكهاً تعيشي ... فهي مرفوفة على الصيفان
قلت أحدثت في الضيافةِ ... معنى ما عرفناه في قديمِ الزَمان
قال منْ أجل ذاكَ طارلي ... اسم وألح الضيوف في عشاني
فإِذا يذكروا مع أسمي ... مضيفاً قبل مرعى وليس كالعدان
وقد كان ينبغي أن ترغب عن ذكر هذه الأبيات ولكن جر ذكرها ما قبله وقال المتنبي:
حَديدُ اللّحاظِ، حديدُ الحفاظ ... حديدُ الحُسامِ، حديد الجنان
يشبه قول المريمي:
ثَلاثة أنشاء في حداد فكيف لا أروم ... الغنى بالغضب والغضب والغضب
فمقولي الماضي وثانيه مفصلي وثالث ... صدق من وفاء ومن لبّ
стр. 201
فأتى أبو الطيب بأربع صفاتٍ في بيت كشف مراده فيه والمريمي جاء باللفظ القصير في الطويل الكبير فالمتنبي أحق بما أخذ.
وقال المتنبي:
يَرى حده غامضاتِ القلوب ... إِذا كُنْتُ في هَبْوةٍ لا أرانِي
وكشف السيف عن غوامض القلوب إنما يكون بشق الصدور عنها وإبراء المنون في ظلم الأحشاء سبلاً وقد شرط فيها ابن دريد أنها لا ترى بقوله في المقصورة:
يُرى المنون حيث تقفو إِثْرَهُ ... في ظُلمِ الأحشاءِ سُبْلاً لا تُرَى
هذا أبلغ وأرجح وهو المأخوذ منه فهو أولى ببيته، وقال المعلى الطائي:
تمشت الهوينى في الرماح سُيوفكم ... حتّى عَرفن مسالك الأرْواحَ
سَخطتْ جماجمُهمْ على أجسادهم ... فتبدلتْ منهم صُدر رماحِ
وقال المتنبي:
سأجْعَله حَكماً في النفوس ... وَلَوْ ناب عَنْهُ لِساني كفاني
стр. 202
وقال الحرثي في مثله:
وإذا تألق في الندى كَلامه ... المصقول خَلتْ لِسانه من غَضبه
وقال ابن المعتز:
ولي حسام يهابُ الناس صَوْلته ... أمضى وأغضب من حديه غضب فمي
وقال أحمد بن محمد الحاجب:
ما يُبالي أسيفَ عمرو بن معدي ... كرب حزْت أم غرار لِسانه
وقال ابن الرومي:
يا مَنْ غدا وعزيمهُ ولسانهُ ... سَيفان شَتْى في الخُطوبِ وفي الخُطبْ
وفيه من المجانسة ما يرجح به، وقال آخر:
يحلو به شبه العمى فكأنّها ... من جدّ مِنْصلة الحسام لسانه
وهذه المعاني داخلة في قسم المساواة فإن قلت إن فائدتها أن ألسنتهم كسيوفهم لا غرو لأبي الطيب زيادة أن جعله حكماً في النفوس ولم يخبروا
стр. 203
بذلك، قلت: ذلك موجود في شعر أبي تمام في قوله:
راحَ التّنصُلُ معقوداً بألسنهمْ ... لمّا غَدَا السَيّفُ في أَعْناقهم حَكَما
ويلي ذلك أبيات أوّلها:
قِفَا تَريا ودقي فهاتا المخايلُ ... ولا تخشيا حلفاً لما أنا قائِل
وقال فيها:
رماني خِساس الناس من صائب أسنه ... وآخر قُطنّ مِنْ يَديه الجَنادِلُ
فهذا بيت ضعيف ونسج سخيف فأما صدره فإنه رماه من أصاب أسته والسهام لا تدور إلى خلفه إنما يحسن أن يقول كما قال الحارث بن وعلة:
قومٌ هُمْ قَتلوا أميم أخي ... فإِذا رميتُ يُصيبني سَهْمي
والسهم قد يصيب بارتداده ما وقع عليه من نحر أو صدر فإن أحتج له محتج فقال ليس هاهنا سهم ولا رمي على الحقيقة إنما هذه استعارة قلنا وكذلك قول الحارث استعارة ولكن ينبغي أن توفي الاستعارة مستعيرها حقوق ألفاظها وقال في عجز البيت:) وآخر قطن من يديه الجنادل (
стр. 204
فإن كان معناه في هذا أن الجنادل من يدي هذا الرامي كالقطن تهاوناً وخفة وزن عليه فإنه لفظ هجين غير رصين.
وقال المتنبي:
ومن جاهلٍ بي وهو يجهل جَهْلهُ ... ويَجْهلُ عِلْمي أنَّهُ بي جاهِلُ
هذا مذهب من الشعر يسميه الجاحظ المذهب الكلامي ويشبهه قول الخليل:
لو كُنْتَ تعلم ما أقولُ عَذرتَنِي ... أو كنت أعلم ما تقول عذرتكا
لكن جَهِلْتَ مقالتي فعذلتني ... وعلمتُ أنَّكَ جاهل فَتركتكا
وهذا الجنس قبيح التعسف بين التكلف وفيه تعب وكد وبلاء وجهد وبالجملة فإن قول أبي الطيب أخصر من هذا وأقل طولاً وهو أحق بما قال ومن هذا الجنس قول القائل:
وعلَّمتني كيفَ الهوى وَجهلتْه ... وعلمني صَبْري عَنْ ظِلمكم ظلمي
وأعلمْ ما لي عِنْدكم فَتميل بي ... هواي إلى جَهلي فأعرض عن عِلمي
وقد كان ينبغي أن أدخل هذا الفن في فنون البديع ولكنه ثقل مثله في
стр. 205
الشعر ولا سيما في شعر أبي الطيب ولا أختار له أن يسلك مسالك من ركب هذا الطريق فلذلك تركته.
وقال المتنبي:
ويَجهلُ أني مالك الأرض مُعسر ... وأني على ظهرِ السَّماكين رَاجِلُ
فمعسر مع مالك الأرض، وراحل على ظهر السماكين معنى مليح وتطبيق صحيح وهو أصح من قول العطوي:
إِنْ كُنتَ أصبحت لابساً سملاً ... فَهمّتي فوق كاهل الفلك
فأبو الطيب أحق بما أخذ وهو مأخوذ من قول أبي تمام:
فَثريت جاراً للحضيض وهِمّتي ... قد عُلقت بكواكب الجَوْزاء
وقال المتنبي:
وما زلتُ طوقاً لا يزول مناكبي ... إلى أنْ بدتْ للضّيمِ فيّ زَلازِلُ
ينظر إلى قول ابن الرومي:
أنا ذو القصد غير أني إذا آ ... نستُ ضيماً رأيت لي غُلواء
وقال المتنبي:
فقلقتُ بالهمّ الذي قَلْقل الحشا ... قَلاقِلَ عيس كُلهُنَّ قَلاَقِلُ
هذا البيت ما ذكره أبو العباس النامي في عيوب شعره وما ظلمه وهو قليل
стр. 206
المجانسة فلما جانس جاء بغير طائل، والهاء والنون في قوله) كلهنّ (تعود على العيس لا القلاقل وهو أبلغ من عودتها على القلاقل وهو يحتاج إلى ناقل فإنه يصح له.
وقال المتنبي:
إِذا الليلُ وارنا أرتْنا خِفافُها ... بقدحْ الحَصى ما لا تُرينا المَشاعِلُ
القدح لا تستنير إلا شرراً والمشاعل إفراط وقد قال أشجع:
ينشرن نَقع القاعِ حين يطأنه ... ويُطرن مُرّان الحصى بالفرْقَدِ
ويقع على الشرار اسم النار ولا يبلغ ذلك إلى المشاعل، قال الحصني:
وللمرء عن قدحٍ ما تستثير ... سَنابلها لهب مضّرم
وكذلك اللهب المضرم قول أبي الطيب فيمن أستحسن المبالغة أبلغ وفي مذهب من ذمها أنقص، وقال ابن أبي كريم:
إِذا أفترشتْ جنباً أثارتْ بمثنه ... عجاجاً وبالكذان نارُ الحَباحبِ
стр. 207
هذا تشبيه مقتصد جيد النظام مستوفي الأقسام أخبر فيه عن حال الأرض الوعثة والصلبة من حال الأغبار والنار بما لا قسم في الأرض الموطوة غيره فهو أحق بالمعنى من جميعهم.
وقال المتنبي:
يُخَيَّلُ لي أنَّ البِلادَ مسامعي ... وأني فيها ما تقول العَوَاذِلُ
وهو بيت معنى وذلك أنه أراد لا يستقر في بلد إنما يدخل أرضاً ويخرج منها إلى غيرها فكأنه عذل العذول له يدخل أذنه ويخرج منها، وأراد بقوله إلى العواذل فحذف لعلم المخاطب مراده.
وقال المتنبي:
ومَنْ يبغِ ما أبْغي من المَجْدِ والعُلا ... تساوى المحايى عِنْدهُ والمَقاتِل
قال امرئ القيس:
فقلتُ لهُ لا تبكِ عَينكَ إِنَّما ... نُحاولُ ملكاً أو نموت فَنُعْذَرا
فتبعه الناس في هذا منهم أبو تمام في قوله:
رَكُوبٌ لأَثباج المهالكِ عالم ... بأنَّ المَعالي دُونَهنَّ المَهالِكُ
وقال أبو تمام أيضاً في ممدوح مدحه وقد قال:
وقَدْ قالَ إِمَّا أنْ أُغادرَ بَعْدَها ... عَظيماً وإِمّا أنْ أغَادرَ أعْظُمَا
فجاء بمعنى بيت امرئ القيس في مجانسة مليحة. وقال ابن الرومي:
وَمنْ لمْ يَزلْ في مصعب المجد راقياً ... صِعاب المراقي نالَ أعلى المَراتبِ
стр. 208
فامرؤ القيس بالسبق أولى) الناس (بما قال وأبو تمام فأخذ ببيته كمعنى بيت امرئ القيس بغير زيادة والبيت الثاني فيه مجانسة مليحة رجح بها كلامه وابن الرومي يساوي أبا الطيب في كلامه وابن الرومي بالتقدم أولى بما أخذ عنه.
وقال المتنبي:
ألا ليْسَت الحاجاتُ إلاّ نُفوسكمْ ... وليْسَ لنا إِلاَّ السيوف وسَائلُ
والعلوي البصري:
إِذا اللئيم مط حَاجيه ... وزادَ عَنْ حريم دِرْهميه
فأنهضْ إلى السيف وشفرتيه ... فاستنزل الرزق بمضربيه
إذا قعد الدهر فَقُمْ إِليه
وفائدة هذا البيت فائدة وليس لنا إلا السيوف وسائل فلم يجعل ذلك الرزق إلا منه ولم يجعل هذه الوسيلة في حوائجه غيره ولعل غائباً أن يقول يحتاج إلى إيراد بيت سرقه فيأتي بمتطوع كامل، ولعمري إن هذا قد مضى منا مثله ويمضي في باقي الكتاب، لأنا ما جهلنا ما ذكره ولا عمتنا عما أبصره ولكن قصدناه قصداً وأتيناه عمداً لأن موضوع الكتاب الفائدة للقارئ ولسنا من عليه من الإكثار عاقبة للإضمار بمعنى واحد من السرقات فيريد أن ينقله إلى استماع شعر مطرب أو خبر معجب ليروح عن قلبه ويجلو صدى ما في الانتقال من حال إلى حال من مداواة
стр. 209
القلوب من الإملال. وقد قال بعض الصحابة روحوا القلوب تعي الذكر. وقال أبو الدرداء: إني لأستجّم نفسي بالشيء من الباطل ليكون أعون لها على الحق. وروى عن عطاء بن يسار قال: كان يفض علينا حتى نبكي ويجدينا حتى نضحك، ويقول مرة هكذا ومرة هكذا وقد حضر بشار بن برد مجلساً فقال: لا تجعلوا مجلسنا هذا حديثاً كله ولا غناء كله ولا شعراً كله ولكن تناهبوه فإن العيش فرص ثم يعود إلى موضع التأليف.
ويتلو ما تقدم قصيدة أولها:
ضَيْفٌ ألمَّ برأسِي غَيْرَ مُحْتِشم ... السَّيفُ أحْسَنُ فِفْلاً مِنْهُ باللّمم
العامة تضع الحشمة موضع الاستحياء والعرب تضعها موضع الغضب وقد أستعمل الأرذل في موضع الأفضل وأوجب الاستحياء من الضيوف وميّز عادة هذا
стр. 210
الضيف من عاداتهم وحشمة الضيف إنما تكون من لئيم فأما من أهل الكرم فلا حشمة منهم فأما معنى بيته فهو قوله:) والسيّف أحسن فعلاً منه باللمم (وذلك من قول القائل:
وَصد الغواني عَنْ بِياضٍ بعارضي ... وأعرضن عَنْ لبيك لي عنْدَ مَنْطقي
فليتَ بياض السيف يَوْم لقيتني ... مَكان بياض الشيبِ كان بِمفرقي
ومجيء البياض مكان البياض من الترديد المليح الذي رجح به لفظه فصار أولى بما قال وقد ملح دعبل في تسمية الشيب ضيفاً وهذا يدخل في الاستطراد يريد مديح نفسه بالكرم لمحبة الأضياف في قوله:
ومِقتُ الشيب لَما قيل ضيفٌ ... لحبي للضيوف الطارِقينا
وقال المتنبي:
أبْعَدْ بَعِدْت بياضاً لا بياض لَهُ ... لأنْتَ أسود في عيني من الظُّلمِ
سامح أبو الطيب نفسه في هذا ولم يبلغ علمه إلى ما فيه عليه لأن العرب لا تقول أسود من) كذا (ولا أحمر من كذا إنما تقول في الألوان أشد سواداً) أ (وأشد
стр. 211
حمرة، وهذا رأي البصريين وما ورد ما قاله أبو الطيب إلا في بيتين شاذين غير مأخوذ بهما ولا معول عليهما فأحدهما) من قول الراجز (:
جاريةٌ في درْعها الفضفاض ... أبيض من أخت بني إِباضِ
والآخر:
إذ الرّجالُ شَتوا وأشتدَّ أكلهُمُ ... فأنْتَ أبيضهُمْ سربال طَبّاخِ
هذا حال الإعراب وأما المعنى فأخذه من قول أبي تمام:
لَهُ مَنْظرٌ في العَينِ أبيض ناصِعُ ... ولكّنهُ في القلب أسودُ أسْفَعُ
стр. 212
وقال ديك الجن:
نباتُ في الرؤوس لهُ بَياض ... ولكنْ في القلوبِ لَهُ سَواد
وقد سلم البيتان من اللحن ولم يعد ما حسن الكلام فلفظهما أرجح والسابق أولى بما قال.
وقال المتنبي:
بحُبّ قاتِلتي والشيب تَغْذَيتي ... هواي طفلاً وشَيبْي بالغ الحُلمِ
تقرب ألفاظه من قول أبي علي البصير:
وتَمتعتُ شبابي كلهُ ... وغذائي بالهوى قبل الحلمِ
وقال المتنبي:
وما أمرّ برسم لا أسائلُهُ ... ولا بذات خمار لا تُريقُ دَمي
هذا العموم في لفظه بمسائلة كل رسم وإراقة كل ذات خمار دمه لا أحبه قد يمكن أن يكون الرسم لغير محبوب ويكون ذات خمار مشينة أو عجوزاً فيصير حفاظه في القياس شبهاً بالوسواس.
وقال المتنبي:
تَرْنو إليّ بعين الظّبي مُجْهشةً ... وَتَمْسح الطّلَّ فَوْقَ الوَرْدِ بالعنم
وهذا تشبيه أبي نواس:
стр. 213
يا قمراً أبصرت في مأتمٍ ... يَنْدبُ شَجْواً بَين أتْرابِ
يَبْكي فيذْري الدُّرَّ مِنْ عينه ... وَيلطُمُ الورْدَ بِعُنَّابِ
جعل مكان الطل الدرّ وكلاهما يراد الدموع والعناب مكان العنم والورد بازاء الورد فلا زيادة له على أبي نواس غير أن الطلّ يقع على الورد ويخضر العناب بحيث يخضر الورد من البساتين والدارسين من جنس الأزهار والأثمار فجمع بين أنواع متجانسة ولقائل أن يقول ذكر الدّر هاهنا بمنزلة عين الظبي وأنقطع الكلام ثم عطف ما يتجانس على مثله فالأول أحق به.
وقال المتنبي:
أبديتَ مِثْلَ الذي أبْديتُ من جزعٍ ... ولمْ تُجنّي الذي أجنيتَ من ألمٍ
وهو من قول أبي نواس:
زعمتم بأنَّ البين يْحزنكُمْ نعم ... سيُحزنكُمْ علْمي ولا مثل حزْننا
وفي كلام أبي الطيب جزالة يفضل أبا نواس ورجح كلامه على كلامه فهو ولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
أرى أناساً ومحصولي على غنمٍ ... وذكر جودٍ ومحصولي عَلى كَلمِ
أما صدر هذا البيت فمن قول أبي تمام:
لاَ يَدْهمَّنكَ مِنْ دهمائهمْ عَدَدُ ... فإِنَّ جُلَّهُمُ بل كُلَّهُمْ بَقَرُ
стр. 214
وأما عجزه فمن قول أبي تمام:
مُلْقَى الرَّجاءِ ومُلْقى الرَّحْلِ في نفرٍ ... الجُودُ عِنْدهمُ قَولُ بلا عَمَلِ
مثله للقائل:
جاءني الصك بالشعر ولكن ... لمْ أحْصِل سِوى استماعُ الكلام
فالمعنى يساوي المعنى ولكن قد استوفى اللفظ الطويل في الموجز القليل وأتى في بيت واحد فصار أحق بذلك من الأول: وقال المتنبي:
وَرُبَّ مالٍ فقيراً من مُروتّهِ ... لَمْ يُثر مِنها كما أثْرى من العَدَمِ
هذا من قول البحتري:
إِذا المرْءُ له يحصل غِناهُ ذَرِيعةً ... إلى سُؤْدُد فأعدد غِنَاه من العدْمِ
ومعنى البحتري أوضح لفظاً وأرجح.
وقال المتنبي:
سَيصحبُ النَّصْلُ مِنّي مثل مضربه ... وتتجلى خبرتي عن صِمّة الصِّممِ
فائدة هذا البيت أن النصل قد صحب منه مثله فهذا موجود في قول مسلم:
стр. 215
أتتكَ المطايا تبقى بمطيةٍ ... عَليها فتىً كالنَّصْلِ يَصْحبه النَّصْل
وهذا مما يدخل في قسم المساواة والسابق به أولى به من السارق.
وقال المتنبي في الخيل:
فالطعنُ يُحْرِقها، والزَّجْرُ يُقلقُها ... حتى كأنَّ بها ضَرْباً من اللَّممِ
قال البحتري في فرس:
وتظنُّ رَيْعَانَ الشَّباب يَروُعُهُ ... من نشوة أو جنَّة أو أفكَلِ
فجمع البحتري أوصافاً متقاربة ومعان متناسبة لم تحصل لأبي الطيب منها غير صفة واحدة فكلام البحتري أرجح وهو أولى بما قال.
وقال المتنبي:
تُنْسى البلاد يروق الجو بارِقَتي ... وتكتفي بالدَّمِ الجاري مِنَ الديمِ
وهذا البيت رديء الصنعة إنما يكتفي بالشيء عن الشيء إذا ساواه، والديم لا تكفي البلاد بالدم عنها لأن الأرض لا تشرب الدم ولا تنبت عنه فليس تشبيهه تشبيهاً صحيحاً.
وقال المتنبي:
следующие страницы →