← Адаб

Адаб · id 31373

المنصف للسارق والمسروق منه

ابن وكيع التنيسي

Полный текст (676 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وذلك أنه بلغني أنه كان عند محمد بن زهير صاحب الشرطة يشرب حتى إذا بلغ إلى نهاية من سكره وكان إذا سكر لم يفق إلاّ بإِنشاد الشعر فأمر محمد بن زهير خيار بن محمد الكاتب أن ينشد أبا نواس فأنشده خيار أبياتاً أبو نواس قائلها وادعاها خيار وهي: صَاحَ ما لي وللرسومِ القِفارِ ... ولنعتِ المطّيّ والأكوارِ شَغَلتني المُدامُ، والقصف عنها ... وقراع الطُّنبُورِ والأوتارِ ومضى في الشعر فوثب أبو نواس فتعلق به وبركا قدام محمد بن زهير وأنشأ يقول: أعِدْني يا محمدُ بِنْ زهير ... يا عذابَ اللّصُوصِ والدعارِ يَسرقُ السارقونَ لَيلاً، وهَذا ... يسرقُ الناس جهرةً بالنهارِ صَار شِعْري قَطيعة لخيارِ ... لِم؟ لماذا؟ لِقلة الأشْعارِ قل له فليغر على شعر حماد ... أخي الفتك أو على بَشارِ

стр. 37

فهذا الاستعداء والإِنكار لا يليق بما حكى عنه وما أشبه هذا الخبر بخبر عرفته عن أبي المعافي المزني حين مدح أبا العباس محمد بن محمد بن إبراهيم الإِمام بقوله: إِليْكَ بِمدحتي يا خَيْرَ ... إِلاَّ رَسُولَ الله مِن تَلدُ النِّساءُ ستأتيكَ المدائحُ مِنْ رِجالٍ ... وما كَفُّ أصابِعُها سَوَاءُ فأخذه منه بعض الشعراء فقال: إليك بمدحتي يا خير إلا ... رَسُولَ الله منْ تَلِد الرجال شبابيك المدائح من رجالٍ ... كَما أختلفتْ إلى الغرض النبال

стр. 38

فاستعدى عليه أبو المعالي صالح بن إسماعيل وهو على شرطة محمد بن إبراهيم بالمدينة فقال: ما سارقُ الشِّعْر فيه وَسْمُ صَاحِبه ... إِلا كسارقِ بيتٍ دُونَهُ غَلَقُ بَلْ سارِقُ البيْتِ أخْفى حين يَسْرقُهُ ... والبيتُ يَسْتُرُه من ظُلمةٍ غَسَقُ قال صالح فما تحب أن أفعل به؟ قال: تحلّفه عند منبر رسول الله ﷺ ألا ينشد هذا الشعر إلاّ لي وقد قال ابن الحاجب في مثل هذا: أفلا محنة يخبر مِنْ فَاض ... لنا في القريضِ والمفضولِ مِحنة تفضحُ اللصوص وَتقضي ... بالذَي فِيهم قَضى التنزيلَ سَارقُ المالِ تَقْطعُ الكفّ مِنْهُ ... واللسانُ السروق مِنْها بدليلِ يَسودُ الذي يحق له السؤ ... دد مِننا ويَرذلُ المرذُولِ

стр. 39

وقد أكثر الشعراء ذم السرقة والسارق، فأول من ذمّ في ما روى طرفة فقال: وَلا أُغيرُ عَلى الأشعار أسْرقُها ... عَنْها غَنيتُ وَشَرُّ النّاس من سَرَقا وقد ضج أبو تمام من سرقة محمد بن يزيد الأموي شعره فقال: مَنْ بَنو نجدل من ابن الحُبَابِ ... منْ بنو تغلب غَداةَ الكُلاب؟

стр. 40

منْ طُفيلُ وعَامِرٌ ومن الحا ... رثُ أم منْ قُتيبةُ ابن شِهابِ إِنَّما الضَّيغمُ الهَصُورُ أبو الأش ... بل جَبَّارُ كُلِّ خِيس وَغَابِ مَنْ غَدَتْ خيلُه على سَرْح ... شِعْري وهو للحِيْنَ راتعُ في كتابِ غَارةُ اسخنتْ عُيُونَ المعاني ... واستباحَتْ حُمى الآدابِ لَوْ تَرى مَنْطقي أسيراً لأصبح ... ت أسِيراً بعبْرةٍ وانتحابِ يا عَذارى الأشعار صِرْتُنّ بع ... دي سبايا تُبعن في الأعرابِ طَالَ رَغبي إليك يا رب يا رب ... وَرعني إِليكَ فأحفظ ثيابي

стр. 41

وكان البحتري قال قصيدة في العباس بن بسطام أولها: من قائلُ للزمان، ما أربُهْ ... في خُلْقٍ مِنه قَدْ خَلا عجبه؟ ) فعارضه فيها (أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بقصيدة يمدح فيها الموفق أولها: أجدُّ هذا المقال أمْ لعبه ... أم صِدْق ما قِيل فيه أمْ أكذبه فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري فيه: لا الدَّهرُ مُستنفذٌ ولا عَجَبُهْ ... تَسومُنا الخسفَ كُلَّهُ نُوَبُهْ

стр. 42

نَالَ الرِّضا مادِحٌ ومُمتدحٌ ... فَقُلْ لِهذا الأمير: ما غَضَبُهْ أحْلى لصوص البلادِ يَطْردُهم ... وظل لِصُّ القريضِ ينَتْهبُه أردد علينا الذي اسْتعرت وَقُلْ ... قَولكَ يُعْرفْ لغالبٍ غَلَبُهْ فضجّ من سرقة شعره، وقد ذمّ ابن الرومي البحتري بالسرقة فقال: قُبحاً لأشياءَ يأتي البُحْتريُّ بها ... مِنْ شِعرهِ الغثّ بَعْدَ الكِدَ والتَّعبِ كأنَّها حين يُصغي السامعون لها ... ممن يُمَيزُ بين النَّبَعْ والغَربِ رُقى العقارب أو هذر النُباة إذا ... أضْحُوا على شَعْثِ الجدرانِ في صَخَبِ سَمِينُ ما مَنحوه مِنْ هُنا وَهُنَا ... والغثُّ منه صَريحٌ غيره مؤتشبِ يُسيء عفّاً، فإنَ ألدتْ مَسائله ... أجادَ لِصّاً شَديدُ البأس والكلبِ

стр. 43

حيٌّ يُغِيرُ على الموتى فيسلبُهم ... حُرَّ الكلام بجيش غير ذي نجبِ ما إنْ تَزالُ تَراهُ لابساً حُلَلاً ... أسلاب قومٍ مَضَوا في سالف الحقَبِ شِعْرٌ يُغيرُ عَلَيْه باسِلاً بطلاً ... وَيشدُ النَّاس إِيَّاهُ على رتبِ حَتّى إذا كَفَّ عَنْ عاداته فَلَهُ ... شِعْرٌ يئن مقاسِيه مِن الوصبِ شِعْرٌ كنافض حُمى الخمريِّ لَهُ ... بَردٌ وكربٌ فَمنْ يُرويهِ في كَرب؟ قُلْ للعلاء بن عيسى والَّذي نَصَلتْ ... بِه الدَّواهي نُصول الآل في رَجبِ أيسْرقُ البحتُريُّ النَّاسَ شِعْرهُم ... جهلاً وأنْتَ نكالُ اللّص ذي الرّيبِ وتارةً تُبرزُ الأَرواحَ مَنْطقُهُ ... فالخلْقُ ما بيْنَ مَقْتولٍ وَمُغتصبِ تكّلهُ إن أناساً قَبْلهُ ركبُوا ... بِدُون ما قَدْ أتاهُ باسِقَ الخَشَبِ إذا أجادَ فأوْجبْ قطع مقْوله ... فَقَدْ دَما شُعراء النَّاس بِالحَربِ وإِنْ أساءَ فأوْجِبْ قَتْلَهُ قَوداً ... بِمَنْ أفات إذا أبْقى على السَّلبِ

стр. 44

أنظر إلى استساغ ابن الرومي من سرقة البحتري ومطالبه من له قدرة بعقوبته أو قتله عليها وإلى أنس أبي الطيب بها حتى غلبت على شعره والشاعر الذي لم يرض له ابن الرومي إلا بالقتل والصلب، ذكر محمد بن الجراح أنه ذكر له أحمد ابن أبي طاهر أنه أخرج له ستمائة بيت سرقة منها أربع مائة بيت للطائي فافتخر أحمد أنه قدر على إخراج مثل ذلك وأستكثره وشعر البحتري أكثر فليت أبا الطيب رضيّ بمثل هذه العدة من السرقة، ولكنه ظن أنه لا يهتدي إلى استخراج ما قال من السرقة غيره وأنّ سارقُ الشعر يستحقه بالسرقة والبحتري يقول فيه ابن الحاجب: والفتَى البحتري سَارقُ ما قَا ... ل ابن أوسٍ في المدح والتَّشْبيبِ كلُّ بَيتٍ لَهُ يَجودُ مَعَنا ... هُ فَمعناه لابن أوسٍ حَبيب فجعل جيد شعره لحبيب وإنما أخذ منه على ما حكى ابن أبي طاهر أربع مائة بيت على كثرة شعر البحتري ولعل أبا الطيب قد أخذ من حبيب هذه العدة أو أكثر،

стр. 45

وقد ذكر أبو بكر الصوليّ: أنّ رجلاً فضل أبا نواس على بشار، قال له أبو بكر: فرددت ذلك عليه وعرفته ما يجهله من فضله وتقدمه جميع المحدثين وأخذهم منه، فقال لأبي نواس معان قد سبق إليها وتفرد بها، فقلت له: ما منها، فذكر أشياء فجعلت كلّ ما منها، فذكر أشياء، فجعلت كلّ ما أنشد جئته بأصله فكان من ذلك قوله: إِذا نَحنُ أَثْنينا عليك بِصالحٍ ... فأَنْتَ كما نُثني وَفوق الذي نُثْني وإِنْ جرت الألفاظُ يوماً بِمدْحةٍ ... لغيرِكَ إِنْساناً فأَنْتَ الذي نَعْنِي فقلت أما البيت الأول فمن قول الخنساء: وَما بَلغَ المهْدُون في القولِ مِدْحةً ... وَلا صَدقُوا إِلاَّ الَّذي فِيكَ أفْضَلُ ومن قول عدي الرقاع العاملي: أُثنى فلا آلو وأعلمُ أنّهُ ... فَوْقَ الذي أُثْني بهِ وأَقُولُ

стр. 46

وأما البيت الثاني فمن قول الفرزدق لأيوب بن سلم بن عبد الملك: ولا أَمَرْتني النَّفس في رحلةٍ لها ... فيأمرني إلاّ إِليكَ ضَميرها فسلم ذلك. قال أبو محمد: فلولا أن السرقة تبطل فضيلة الإحسان ما عورض بها من استحسن قول أبي نواس وإن كانت قد سهلت على أبي الطيب حتى كثرت في شعره. وقد عرفتك الآن وجوه السرقات محمودها ومذمومها لتسلم من الحيف عليه وتقضي في الحقائق بما له وعليه مما أوجبه حكم السرقات من الإنصاف ولقبنا كتابنا) المنصف (لما قصدنا من إنصاف السارق والمسروق منه. وقد آن لنا أن نذكر ما قصدناه من إظهار سرقاته، وإن مرّ بنا في أثناء ذلك معنى مستحيل أو بيت لفظه غث أو إعراب فاسد ذكرناه احتراساً من توهّم الغفلة علينا وما نأتي في كل ذلك إلا ما تنسب به إلى العدل ويقع شاهدة العقل ولسنا نضمن إيراد جميع سرقاته وإنما نذكر من ذلك ما بلغنا علمه من مأخوذه، ونحن نبرأ إلى الناظر في كتابنا من إدعاء الإحاطة بجميع ما سلبه ومعرفة جملة ما أغتصبه لأني أدّعي رواية جميع الأشعار ولكل عالم زيادة على ما أوردت أن يورد منها ما أغفلت غير طاعن عليّ ولا ناسب تقصيراً إليّ لأني حفظت ما لم يبلغه وحفظ ما لم يبلغني وأعوذ بالله من إدعاء ما لا يحسنه وتعاطي ما لا يتقنه

стр. 47

على أنني لا أقضي على أبي الطيب بأن جميع كلامه مسلوب ولا كل فضله مغصوب وإذا جاء البيت الذي لم يبلغني من أين أخذه مما يستحسن سلمته إليه حتى يوجد له استخراج سرقة والله الموفق للصواب.

стр. 48

واعلم أن المحدثين أكثروا العجب بنوع من الشعر سموه البديع وظنوا أنهم أول من أخترعه وسبق إليه وابتدعه ولم يخترعوه ولا ابتدعوه بل لعمري قد صيروه كثيراً بعد أن كان نزراً يسيراً وتوهموا بكثرته في أشعارهم أنهم سبقوا إليه واستولوا عليه وكذلك أنا أدل على سبق المتقدمين إلى معرفته وتقدمهم في صنعته وقد قسموه أقساماً ونحلوه ألقاباً بك حاجة إلى معرفتها لئلا يرد عليك بيت لأبي الطيب يحتاج إلى مماثلة لهذا النوع فيبنى على أصلٍ وينطبق بعدلٍ،

стр. 49

وقد ذكرت من ذلك جملة هي دون الطويل المستكثر وفوق القليل المشتزر. التشبيه: أمّا أقسام الشعر فهي إما مثل سائر أو تشبيه باهر أو استعارة لفظها فاخر، فالمثل السائر والتشبيه الباهر أشهر من أن يشكل عليك فتحتاج إلى إيضاح، غير أنا نورد عليك مثالاً منه، وإن قلّ، فمن الأمثال السائرة قول امرئ القيس: فإِنّكَ لم يفخر عليك كفاخرٍ ... ضَعيفُ ولم يغلبك مثل مغلَّب ومنه قول طرفة: سَتُبدي لك الأيامُ ما كُنْتَ جَاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ من لمْ تَزَوِّدِ ومن شعر المحدثين قول أبي الشيص: إذا ما حمامُ المرء كان ببلدة ... دَعتهُ إليها حَاجة أو تطرّب

стр. 50

وقال دعبل: تأنّ ولا تعجل بلومك صاحباً ... لَعلَ لَهُ عُذراً وأنْتَ تَلَومُ وقال البحتري: وَرُبمّا جاءَ بما يُرتَجى ... وبعض ما لا يُرتجى الدَّهرُ وأما التشبيه الباهر فأحسن التشبيه عند أبي عمرو والأصمعي ما كان فيه تشبيهان في تشبيهين، وأحسن ذلك ما قاله امرء القيس:

стр. 51

كأنَّ قُلوبَ الطَّير رَطباً ويابساً ... لَدى وَكْرِها العُنّابُ والحشفُ البالي فشبه القلوب الرطبة بالعُنّاب، واليابسة بالحشف، وخص قلوب الطير بأنها أطيبها فإذا صادت جاءت بقلوب الطير إلى أفراخها وذكر عن الأصمعي أنه قال) الجارح لا يأكل قلوب الطير وإنما خصها دون غيرها لبقائها في وكر العقاب للعّلة التي ذكرها (. وقد قال بشار:) ما زلت مذ سمعت هذا البيت أزاول) أن (أقارن تشبيهين بتشبيهين فلا أستطيع حتى قلت: كأنَّ مُثارَ النَّقع فوقَ رُؤوسنا ... وَأَسيافنا لَيلَ تهاوى كَواكِبهُ ومن التشبيه المليح قوله: مِنْ وَحْش وَجْرةَ موشّىً أكارعُهُ ... طَاوي المصير كَسيف الصَقِيل الفَردِ

стр. 52

أخذه الطرماح فقال: يَبدو، وتُضمرُهُ البلادُ كأنَّنهُ ... سيفٌ على شرفٍ يُسلُّ ويُغمَدُ فملح في قوله:) تضمره (وشبه شيئين بشيئين، وجود الطباق بقوله:) يبدو، وتضمره، ويسل، ويغمد، ومثل ذلك ما أنشدنيه أبي ﵀ قال: أنشدنا أبو الحسن لابن الأعرابي الوشاء. قال: أنشدني ابن الرومي لنفسه: ومُهفهفٍ تَمت محاسنُه ... حَتى تَجاوز منية النفسِ تَصبو الكؤوس إلى مراشفه ... وَنَحنُ في يده إلى الحبسِ أبصرته والكأس بين فم ... مِنه وبين أنامل خمس فكأنَّها وكأن شَاربِها ... قَمرٌ يقبل عَارض الشمس

стр. 53

ومثله لابن المعتز: أهلاً وسَهلاً بالناي والعُود ... وَشِربِ كاسٍ من كفّ مَقْدود قَدْ انقضتْ دَولةُ الصِّيام وَقَدْ ... بَشَّر سُقْم الهِلالِ بالعيدِ يَتلو الثُريّا كفاغِرٍ شَرهِ ... يَفتحُ فاهُ لأكلِ عُنقودِ الاستعارة: وأما الاستعارة في البديع: فنحن نذكر منها مثالاً نقيس عليه، فمن ذلك ما رواه إسحاق بن إبراهيم قال: قال أبو عمرو بن العلاء: كانت يدي في يد الفرزدق قال: فأنشدته قول ذي الرمة: أقامتْ بهِ حتّى ذَوى العودُ في الثَّرى ... وساقَ الثُّريَّا في مُلاءَتِه الفَجْرُ فقال لي: أنشدك أم أدعك، فقلت: بل أنشدني قال: إنّ العود لا يذوي

стр. 54

أو يجفّ الثرى، وإنما الشّعر، حتى ذوى العود والثرى، ولا أعلم كلاماً أحسن من قوله:) وساق الثريا في ملاءته الفجر (ولا ملاءة له، وإنما هي استعارة. وقال ابن المعتز:) العود لا يذوي ما دام في الثرى (وأول من استعار امرئ القيس فقال: وَليلٍ كَموجِ البحْر مُرْحٍ سُدوله ... عليَّ بأنواعِ الهمومُ لِيبْتلي فَقلتُ لهُ لمَا تَمطى بصلبه ... وأردفَ أعجازاً وناءً بكلكلِ فذكر سدول الليل وجعلَ له صلباً وأعجازاً وكلكلاً، وقد قال زهير: صَحا القلبُ عنْ سَلمى وأقْصرَ باطِلُه ... وعُرىَ أفْراسُ الصِبّا وَرواحِلُهْ ولا أفراس للصبا ولا رواحل، ومن مليح الاستعارة قول جرير: تُحيي الرّوامِسُ ربْعها فتُجدُّه ... بَعْدَ البِلى، وتُمِيتهُ الأَمطار قال ابن المعتز: جمع هذا البيت المطابقة والاستعارة، بالإحياء والإماتة،

стр. 55

والبلى والجدّة، ومن ذلك قول أبي نواس: ما زلْتُ أستلّ روح اللدَّنِّ في لُطُفٍ ... وأستقي دمهُ منْ جوْفِ مجْرُوح حتى انْثنيت، ولي رُوحان في بَدنٍ ... والزقّ مُنْطَرِحٌ جِسْم بِلا روحِ وقال ابن الأحنف: وَلي جُفونٌ جَفاها الدمع فاتَّصلتْ ... أعجاز دمعٍ بأَناقِ الدَّمِ السَربِ وقال ابن المعتز: وقَدْ رَكَضَتْ بِنا خيلُ المَلاهِي ... وقَدْ طِرْنا بأجنحةِ السرورِ وهذا مثال من هذا القسم كاف ولو استقصى لطال به الأمر وفيما ذكرناه دلالة على ما حذفناه. وقد أدخل إسحاق بن إبراهيم الموصلي في البديع شيئاً سماه الإشارة في

стр. 56

الشِّعر، ذكر أنَّها من محاسنه، قيل له ما هي، فقال: جَعْلنا السيفَ بين الجيدِ مِنْه ... وبينَ سوادِ لِحْيته عِذارا ومثله قول جاهلي: جَعلتُ يَديَّ وشاحاً لَهُ ... وبعضُ الفوارس لا يعتنِقْ قال إسحاق قوله:) جعلت يديّ وشاحاً له (إشارة بديعة بغير لفظ الاعتناق وهي دالة. ومثل ذلك من كلام المحدثين قول أبي تمام: وإنّي لأرْجُو أن تُقَلَّد نحرَهُ ... قِلادةَ مأثور الذُّباب مُهَنَّدِ

стр. 57

فهذا ما لم يسمه هذه التسمية قبل إسحاق أحد. الإشارة: وقد ذكر قدامة الكاتب الإشارة فقال:) هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، باللمحة الدالة (. كقول امرئ القيس: عَلى هَيْكلٍ يُعطيك قَبْل سُؤاله ... أفانين جَرْيٍ غَيرَ كزّ ولا وان المطابقة: ثم قال لمخاطبه: تأمل ما أستملت لفظه) أفانين (مما لو عدّ كان كثيراً وما اقترن بها من جميع أصناف الجودة طوعاً من غير طلب ولا مسألة، ثم نفى عنه الكزازة والوناء، وهما أكثر معائب الخيل التي تربطها الفرسان للمنازلة،

стр. 58

ومن محاسن البديع، حسن المطابقة، وقد ذكر ذلك بعض المؤلفين المحدثين وقد سقت لك ما ذكر على وجهه وما قارب ذلك. قال أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش، وكان من العلماء بالشعر، وقد سئل عن الطباق فقال: أجد قوماً يختلفون في الطباق فطائفة تزعم وهي الأكثر: أنه ذكر الشيء وضدّه يجمعهما اللفظ الواحد بهما لا المعنى. وطائفة تخالف ذلك وتقول: هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد، مثل قول زياد الأعجم: ونُبِّئتُهمُ يستصرخون بكاهلٍ ... وللؤم فِيهم كاهلٌ وسِنَامُ

стр. 59

فقوله:) كاهل (للقبيلة، وقوله:) كاهل (للعضو وهو عندهم المطابقة وقال هذا هو التجنيس، وقال: من ادعى أنه طباق، فقد ادعى خلافاً على الأصمعي والخليل. فقيل له: أفكانا يعرفان هذا؟ فقال: يا سبحان الله، وهل مثلهما في علم الشعر وتمييز خبيثه من طيبه؟ فسألته عن أحسن طباق للعرب فقال هو قول عبد الله بن الزبير الأسدي: رَمَى الحدثان نسوةَ آل حَرْبٍ ... بِمقدارٍ سَمَدْنَ له سُمودا فَردَّ شعورهنَّ السودَ بيضاً ... وَرَدّ وجوههنَّ البيض سُودا وقال عمرو بن كلثوم بيتاً من الطباق المستحسن وهو: بأنّا نُورد الرايات بِيضاً ... ونُصدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رَوِينا كان أبدع بيت للعرب في الطباق لأنه لا يكون قد طابق بين الإيراد والإصدار والبياض والحمرة، والظمأ والريّ، وقد تم هذا لأبي الشيص فقال:

стр. 60

فأوردها بيضاء ظماء صدورها ... وأصدرها بالريِّ ألوانُها حُمْرا فصار أخذه مغفوراً بكمال معناه، وفسر أصل الطباق الأصمعي فقال:) معناه وضع الرجل في موضع اليد، وأنشد: وَخيلٌ يُطابقن بالدارعينَ ... طِباقَ الكلابِ يطأن الهِراسَا وقال الخليل:) يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حذو واحد وألصقتهما، وأحسن محاسن البديع المطابقة ويتلوها في الحسن المجانسة وقد سبق العرب إلى ذلك فمن ذلك قول الفرزدق: لَعنَ الإِلهُ بَني كُليبٍ إِنَّهم ... لا يَقْدرونَ ولا يَفونَ لِجار يَسْتَيقظونَ إلى نُهاقِ حَميرهمْ ... وَتنامُ أعينهمْ عنْ الأوتارِ

стр. 61

والمطابقة في شعر المحدثين كثيرة، من ذلك قول أبي تمام في الشيب: لَهُ مَنْظرٌ في العينِ أبيضُ نَاصعُ ... ولكنَّهُ في القلْبِ أسْودُ أسْفعُ ومنها قول دَعبل: لا تَعْجبي يَا سلم مِنْ رجلٍ ... ضَحِكَ المشيب بِرأسهِ فَبكَى وقال البحتري: إِنَّ أيامَهُ مِن البيضِ بيضٌ ... ما رَأيْنَ المفارِقَ السودَ سُودا ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول القائل: لِلسودِ في السودِ آثارٌ تركنَ بها ... لمعاً مِن البيضِ يَثْني أعْينَ البيض فالسود الأول هي: الليالي، والسود الثانية هي: الشعرات السود والبيض الأول هي الشعرات البيض والثانية: النساء. وهذا كلام لفظه فصيح وتقسيمه صحيح.

стр. 62

يتلوه ذكر المجانسة وهي: مجيء كلمة تجانس أختها في مسمع حروفها دون معناها، ونحن نذكر لك من شعر العرب في ذلك مثالاً فمنه قول امرئ القيس: لَقدْ طَمح الطّماحُ منْ بُعد أرضه ... لِيُلبسني مِنْ دائه ما تلبَّسا ومنه قول الآخر: وإني لا أزال أخا خروبٍ ... إذا لمْ أجْن كُنْتُ مجنَّ جَاني ومثله لجرير:

стр. 63

ومَا زالَ معقولاً عقالٌ عَنْ الندى ... وما زالَ مَحبوساً عَنْ الخيرِ حَابِسُ ومن التجنيس النازع قول رجل من عبس: أبلغْ لَديكَ أبا سَعْدٍ مُغَلغَةً ... إنّ الذي بيننا قَدْ ماتَ أو دَنَفَا وذَلكمْ أن ذلَّ الجار حَالفكُمْ ... وأنّ أنفكم لا يأنفُ الأنفَا فهذا مثال من شعر العرب في هذا، ومن شعر المحدثين في المجانسة قول عبد الله بن طاهر: وأنّي للثغرِ المخيف لكالئ ... ولِلثغرِ يَجْري طُلمه لِرشَوف وقال أبو تمام: أيام تُدمِي عَيْنهُ تِلْكَ الدُّمَى ... فِيها وَتقْمُرُ لُبَّهُ الأَقْمَارُ بيض فهُنَّ إذا رُمِقْنَ سَوافِراً ... صُورُ وَهُنَّ إِذا رَمقْنَ صِوَار

стр. 64

وقال أشجع: يوماً خلجتْ على الخليجِ نُفوسهم ... عصباً وأنْتَ بِمثلها مُسْتامُ وقال البحتري: إِذا ابتسمتَ تألقَ عارِضَاهَا ... على ضَربٍ تألّقُ فِي ضَريب متى تُغْربُ ضِياء الشمسَ نُردَد ... سَناها مِنْ سنا تِلْكَ الغُروبِ وفي هذا كفاية من معرفة هذا الجنس وقس عليه باقيه. ويتلوه: رد أعجاز الكلام على صدوره.) ولزهير بن أبي سلمى (: منْ يَلْقَ يوماً على عِلاته هَرماً ... يَلْقَ السماحةَ مِنْه والنَّدى خُلقا

стр. 65

ومثله للفرزدق: أصْدِرْ هُمومك لا يْقتُلك وارِدُها ... فَكلُّ واردة يوماً لَها صَدرُ ومنه للآخر: سَريعٌ إلى ابن العم يَشْتِمُ عِرضَهُ ... وليسَ إلى دَاعي النَّدى بِسريعِ وقال أبو حية النميري: إذا مَا تقاضى المرء يومٌ ولَيلةٌ ... تَقاضاهُ شَيء لاَ يملُّ التقاضيا وقال أبو نواس: ظَنّ بي من قد كلفتُ بِه ... فَهو يَجفوني عَلى الظَنَن

стр. 66

وقال الآخر: يا بَياضاً أذْرى دُموعي حَتَّى ... عَادَ مِنْها سَوادُ عَينْي بَيَاضَا الترديد: وقد لقب بعض الأدباء هذا الفن) الترديد (وبعضهم يسميه التصدير وهو أن يبتدئ الشاعر بكلمة في البيت ثم يعيدها في عجزه أو نصفه ثم يردها في النصف الآخر، وهذا إذا نظم الشعر على هذه الصفة تيسر استخراج قوافيه قبل أن يطرق أسماع مستمعيه، وهذا الباب واسع يدل عليه هذا اليسير فأكتف به موفقاً إن شاء الله. الالتفاف: وفي الشعر الالتفاف وهو: انصراف عن مخاطبة إلى إخبار وعن إخبار إلى مخاطبة.

стр. 67

من ذلك قول جرير: مَتَى كانَ الخيامُ بِذي طُلوحٍ ... سُقِيت الغَيْثَ أيتُها الخِيامُ أتنسى يوم تصقل عَارِضيها ... بعود بشامةٍ، سُقي البَشامُ وحكى أسحق بن إبراهيم قال قال لي الأصمعي:) أ (تعرف التفات جرير؟ قلت لا، فأنشدني: أتنسى إذْ تُودعنا سُليَمْى ... بفرعِ بشامة، سُقِي البَشامُ هذه رواية إسحاق كذا وجدتها. وقال أبو تمام: وأنجدتم من بعدِ اتهام دَارِكُمْ ... فيا دَمعُ أنجدني على سَاكِني نَجْدِ فهذا مثال في هذا. ومن محاسن الشعر اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه ثم يعود

стр. 68

الشاعر إليه فيتممه مرة واحدة، وربما سمي التفاتاً، من ذلك قول القائل: فإنّي إنْ أفْتك يَفِتك مني ... فَلا تَسْبِق بِه عِلقٌ نفَيسُ ومن أملح ذلك قول طرفة: فَسقى دياركَ غَيرْ مُفسِدِها ... صَوْبَ الربيعِ وديمةُ تَهمْي فقد تمم المعنى بقوله غير مفسدها، وقال نافع بن خليف الغنوي: رجالُ إذا لم يُقْبل الحقّ مِنَهمْ ... ويعطوهُ، عادوا بالسيوفِ القَواضبِ فتم المعنى بقوله: ويعطوه. التتبيع: ومن محاسن الشعر التتبيع: وهو أن يقول الشاعر شيئاً من معانيه ولا يأتي

стр. 69

اللفظ الدال عليه بل بلفظ تابع له فإذا دلّ التابع أبان عن المتبوع، من ذلك قول عمر: بعيدةُ مَهوْى القُرط إما لنوفلٍ ... أبوها، وإما عبدُ شمسٍ وهاشم وإنما ذهب إلى وصف طول الجيد، فلم يذكره بلفظه الخاص به بل أتى بمعنى هو تابع لذلك بقوله) بعيدة مهوى القرط (. ومن ذلك حسن التضمين قال الأخطل: وَلقدْ سَما للخيرمي فلم تَقلْ ... بَعْد الونى: لَكن تضايقَ مَقدمي مثله لآخر:

стр. 70

خلقت على باب الأمير كأنَّني ... قِفَا نبكِ مِنْ ذِكرى حَبيبٍ ومنزلٍ وقال ابن الرومي: قَال لي عُمرها وَقدْ غَازلتَنْي ... لا تعرجْ بِدارس الأطلال التقسيم: قد ذكرنا أصول الشعر من المثل الشرود والتشبيه السديد والاستعارة البديعة في الألفاظ الرفيعة، ثم صرنا إلى البديع فذكرنا محاسنه من المطابقة والمجانسة والالتفات والتوابع كذلك من ذكر الإشارة والتضمين وقد سمى المحدثون أسماء في الشعر ولقبوه ألقاباً لم يكن يعرفها المتقدمون ونحن نذكر منها ما يستدل به على معانيها حتى لا يفوتك شيء مما يتعلق بمعرفة نقد الشعر إلاّ أحكمته، فمن ذلك ما سمّوه التقسيم. سئل علي بن هارون عنه فقال: هو أن

стр. 71

يستقصي الشاعر تفصيل ما ابتدأ به ويستوفيه، فلا يغادر قسماً يقتضيه المعنى إلا أورده. كقول بشار: بِضَرْبٍ يَذُوقُ الموتَ مِنْ ذَاقَ طَعْمَهُ ... وَنُدركُ من نَجَّى الفرارُ مَثَالُبُه فراحوا: فريق في الأسار ومثلُهُ ... قتيل، ومثل لاذ بالبحرِ هَاربُه قال من يقع به الطعن، ودارت رحى الحرب عليه غير ما ذكر وكان علي بن يحيى يقول: لم يقل في التقسيم أحسن من قول الشماخ: مَتى تَقع أرساغُه مُطمِئنَّةً ... على حَجرٍ يَرفضُّ أو يَتَدحرج

стр. 72

وقال: ليس في الوطئ) الشديد (إلاّ أن يكون الحجر الموطئ رخواً أو صلباً فيدفع. ثم قال أبو الحسن قال: أتى هارون بن علي، وأنا أقول أن أحسن ما قيل في ذلك قول القائل: يطعُنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنُوا ... ضاربَ حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقَا قال أبو الحسن: وأنا) أقول (: إن يُلحقوا أكُرْر وإن يُستلحموا ... أشدد، وإن يُلقوا بضَنكٍ أنزلِ المقابلة: وفي هذا المعنى بلغة كافية. يتلوه المقابلة، وذكر قدامة الكاتب - وكان من جهابذة الشعر - أن المقابلة:) هو أن يضع الشاعر معان يعتمد التوفيق بين بعضها وبعض

стр. 73

أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة أو يشترط شروطاً ويعدّد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وفيما يخالفه بأضداد ذلك. قال: قلت له فأنشدني أحسن ما قيل فيه فقال قوله: فيا عجباً كَيفَ اتّفقنا فَناصحٌ ... وَفيّ ومطويٌّ على الغِل غَادِرُ وقال الطرماح بن الحكيم: أسرناهُمْ فأنْعمنا عَليهم ... وأسقَينا دماءَهُمُ التِرابَا فما صَبروا لبأس عنْد حَربٍ ... ولا أدّوا لِحسن يدٍ ثَوَابَا

стр. 74

فجعلوا إزاء أن سقوا دماءهم التراب وقابلوا أن يصبروا بازاء أن ينعموا عليهم أن يثيبوا. وقال: هذه المقابلة. وقال علي بن هارون: كان يحيى بن علي يزعم أن أحسن ما قيل فيها قول النابغة: فتىً تمَّ فيه ما يُسرّ صديقَهُ ... على أنّ فِيه ما يَسوء الأعادِيَا ففي هذا المثال كفاية في هذا الباب. التسهيم: ويتلوه التسهيم، سئل علي بن هارون عن التسهيم فقال: هو لقب نحن أخترعناه، وكان بصناعة الشعر عارفاً. قيل: فما هو فأجاب بجواب

стр. 75

لم يبرزه بعبارة جلية إلا أنّ مفهومه:) إن صفة المسهم أن يسبق السامع إلى قوافيه، قبل أن ينتهي إليها راويه، وقال) إن (أحسن ما قيل في ذلك قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب: فأقسمتُ يا عمرو لوْ نبَّهاك ... إذا نبّها منك داء عُضالا إذا نَبها ليث عرّيسةٍ ... مُفتياً مفيداً نُفوساً ومَالا وخرقٍ تجاوزت مَجهوله ... بِوجناءَ حَرْفٍ تشكَّي الكَلالا فكنتَ النهار به شَمْسَه ... وكنتَ دُجى الليل فيهِ الهلالا وفي هذا المعنى بلغة كافية، وهذا شعر حسن. المطمع: قال أبو محمد: لكن اللقب غير دال على المعنى ولفظه، وأرى الملقب لم يقصد غير الإعراب به، وهذا النوع الذي ذكره هو من الشعر ما كان معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى
следующие страницы →