Полный текст (676 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
يستقصي الشاعر تفصيل ما ابتدأ به ويستوفيه، فلا يغادر قسماً يقتضيه المعنى إلا أورده.
كقول بشار:
بِضَرْبٍ يَذُوقُ الموتَ مِنْ ذَاقَ طَعْمَهُ ... وَنُدركُ من نَجَّى الفرارُ مَثَالُبُه
فراحوا: فريق في الأسار ومثلُهُ ... قتيل، ومثل لاذ بالبحرِ هَاربُه
قال من يقع به الطعن، ودارت رحى الحرب عليه غير ما ذكر وكان علي بن يحيى يقول: لم يقل في التقسيم أحسن من قول الشماخ:
مَتى تَقع أرساغُه مُطمِئنَّةً ... على حَجرٍ يَرفضُّ أو يَتَدحرج
стр. 72
وقال: ليس في الوطئ) الشديد (إلاّ أن يكون الحجر الموطئ رخواً أو صلباً فيدفع.
ثم قال أبو الحسن قال: أتى هارون بن علي، وأنا أقول أن أحسن ما قيل في ذلك قول القائل:
يطعُنهم ما ارتموا حتّى إذا اطّعنُوا ... ضاربَ حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقَا
قال أبو الحسن: وأنا) أقول (:
إن يُلحقوا أكُرْر وإن يُستلحموا ... أشدد، وإن يُلقوا بضَنكٍ أنزلِ
المقابلة: وفي هذا المعنى بلغة كافية. يتلوه المقابلة، وذكر قدامة الكاتب - وكان من جهابذة الشعر - أن المقابلة:) هو أن يضع الشاعر معان يعتمد التوفيق بين بعضها وبعض
стр. 73
أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق، وفي المخالف بما يخالف على الصحة أو يشترط شروطاً ويعدّد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وفيما يخالفه بأضداد ذلك.
قال: قلت له فأنشدني أحسن ما قيل فيه فقال قوله:
فيا عجباً كَيفَ اتّفقنا فَناصحٌ ... وَفيّ ومطويٌّ على الغِل غَادِرُ
وقال الطرماح بن الحكيم:
أسرناهُمْ فأنْعمنا عَليهم ... وأسقَينا دماءَهُمُ التِرابَا
فما صَبروا لبأس عنْد حَربٍ ... ولا أدّوا لِحسن يدٍ ثَوَابَا
стр. 74
فجعلوا إزاء أن سقوا دماءهم التراب وقابلوا أن يصبروا بازاء أن ينعموا عليهم أن يثيبوا. وقال: هذه المقابلة.
وقال علي بن هارون: كان يحيى بن علي يزعم أن أحسن ما قيل فيها قول النابغة:
فتىً تمَّ فيه ما يُسرّ صديقَهُ ... على أنّ فِيه ما يَسوء الأعادِيَا
ففي هذا المثال كفاية في هذا الباب.
التسهيم: ويتلوه التسهيم، سئل علي بن هارون عن التسهيم فقال: هو لقب نحن أخترعناه، وكان بصناعة الشعر عارفاً. قيل: فما هو فأجاب بجواب
стр. 75
لم يبرزه بعبارة جلية إلا أنّ مفهومه:) إن صفة المسهم أن يسبق السامع إلى قوافيه، قبل أن ينتهي إليها راويه، وقال) إن (أحسن ما قيل في ذلك قول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:
فأقسمتُ يا عمرو لوْ نبَّهاك ... إذا نبّها منك داء عُضالا
إذا نَبها ليث عرّيسةٍ ... مُفتياً مفيداً نُفوساً ومَالا
وخرقٍ تجاوزت مَجهوله ... بِوجناءَ حَرْفٍ تشكَّي الكَلالا
فكنتَ النهار به شَمْسَه ... وكنتَ دُجى الليل فيهِ الهلالا
وفي هذا المعنى بلغة كافية، وهذا شعر حسن.
المطمع:
قال أبو محمد: لكن اللقب غير دال على المعنى ولفظه، وأرى الملقب لم يقصد غير الإعراب به، وهذا النوع الذي ذكره هو من الشعر ما كان معناه إلى قلبك أسرع من لفظه إلى
стр. 76
سمعك ويسمى المطمع، أي من يسمعه يطمع في قول مثله وهو من ذلك بعيد وقد أوردناه كما سمعناه ومثل ذلك في قلة الرشاقة لقب هو) التتبيع (وقد ذكرناه وذكر الملقب أن معناه:) أن يريد الشاعر معنى فلا يأتي باللفظ الدال عليه بل بلفظ تابع له. فإذا دلّ التابع أبان عن المتبوع وقد مضى هذا (. هذا قول صاحب التلقيب.
قال أبو محمد: ولا أرى ذلك واقعاً موقعه وهو في باب الإشارة أدخل وهو أن يريد الشاعر معنى فيأتي من غير لفظه بما يدل عليه، ومثل ذلك قول القائل:
وَقدْ كانَ متلافاً وصاحب نجدة ... ومرتفعاً عن جِفن عِينيه حَاجِبه
يقول لا يفعل ببيته ويغض فيها طرفه.
ومن الألقاب المحدثة التبليغ) وسماه قوم (الإيغال:) وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً، قبل انتهائه إلى قافيته ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها لأن
стр. 77
بها يصير الشعر شعراً، فيزيد البيت رونقاً والمعنى بلوغاً إلى الغاية القصوى وأبرع ما قيل في ذلك قول امرئ القيس:
كأنَّ عُيونَ الوحشِ حولَ خِبائنا ... وأرحلنا الجزعُ الذي لَمْ يثقبِ
فقد أتى على التشبيه قبل القافية لأن عيون الوحش إذا ماتت وتغيرت هيأتها، أشبهت الجزع، ثم احتاج إلى القافية فبلغ الأمد البعيد في التأكيد لأنه إذا لم يثقب كان أوقع في التشبيه.
وزعم الأصمعي أنه إذا كان كذلك كان أصفى له وأحسن وحكى ابن دريد قال: قال له التّوزي: قلت للأصمعي من أشعر الناس؟ قال:) من يأتي إلى المعنى الحنسيس فيجعله بلفظه كبيراً، وينقضي كلامه قبل القافية فإذا احتاج إلى أفاد بها معنى (فقال: فقلت: نحو من؟ قال: نحو الأعشى حيث يقول:
стр. 78
كناطحٍ صخرةً يوماً ليفلقَها ... فَلَمْ يضِرها وأوهَى قَرنهُ الوعِلُ
فقد تم الكلام فلما أحتاج إلى القافية قال:) الوعل (فزاد معنى قال فقلت له: كيف صار الوعل مفضلاً على كل من ينطح؟ قال: لأنه ينحط من قلة الجبل على قرونه، فلا يضره. ومن ذلك قول ذي الرّمّة:
أظُنُّ الذي يُجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجُمان المفصَّلِ
فتم كلامه قبل قوله:) المفصّل (وزاد شيئاً أفاده بالقافية.
الاستثناء: يتلوه بعد ذلك ما سماه بعض الأدباء) الاستثناء (، وعبر عنه ابن المعتز بأن قال:) تأكيد مدح يشبه الذم (.
فمن ذلك قول النابغة:
ولا عيبَ فِيهمْ غَير أنّ سيوفَهُمْ ... بِهنّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائبِ
ومثله قول الآخر:
فَلا تُبعدن إلا مِنْ السوء إنني ... إليكَ وإن شطّتْ بِكَ الدار نَازعُ
стр. 79
ومثله قول بعض الأعراب: خَرقاء إِلا أنها صَنَاعُ ومثله قول النابغة الجعدي:
فتىً كملتْ أخلاقهُ غير أنَّهُ ... جوادٌ فَما يُبقي من المالِ بافِيَا
ومن مليح قول المحدثين في هذا قول أبي هفّان
فإِن تسألي عنا فإِنّا حُلى العُلا ... بني عامرٍ والأرض ذات المناكبِ
ولا عيبَ فينا غير أنّ سماحنا ... أضّر بنا والناس من كلّ جانبِ
فأفنى الردى أعمارنا غير ظالمٍ ... وأفنى الندى أموالنا غير عَائبِ
أبونا أبٌ لو كان للناس كلهِّم ... أباً واحداً أغناهُمُ بالمناقِبِ
وهذا مثال في هذا الفن كاف.
стр. 80
الاستطراد: يليه الاستطراد: حكى محمد بن يحيى الصولي قال: سمعت البحتري يقول: أنشدنا أبو تمام لنفسه يهجو عثمان بن إدريس:
وسابح هَطل التَّعداء هَتّان ... على الجراء أمينٍ غير خَوَّانِ
أظمى الفُصوصِ وما تظمئ قوائمه ... فَخَلَّ عينيكَ في ظمآن رَيّانِ
فَلو تَراهُ مُشيحاً والحصى زِيَمٌ ... بين السنابكِ من مَثْنى وَوحْدانِ
أيقنتَ ... إن لم تَثّبتْ أنَّ حافِره مِنْ صَخرِ تَدْمُر أو مَنْ وجهِ عُثمانِ
ثم قال لي: ما هذا من الشّعر؟ قلت: لا أدري، قال: هذا المستطرد يريد وصف الفرس، وهو ينوي هجاء عثمان، والزيم المنقطعة، واحتذى هذا البحتري فقال، في
стр. 81
قصيده يمدح بها علي بن محمد القمي، و) يصف (، فرساً، فقال:
وأغرَّ في الزمنِ البهيمِ مُحَجَّلٍ ... قَدْ رُحْتُ مِنْه على أغرَّ مُحَجَّلِ
كالهيكلِ المبِّني إلاَّ أنَّهُ ... في الحُسنِ جاء كَصورةٍ في هَيْكلِ
ملكَ العيونِ فإِنْ بدا أعْطيتهُ ... نَظَرَ المَحِبِّ إلى الحَبيبِ المقبلِ
ما إنْ يَعافُ قَذَىّ ولو أوْردَتهُ ... يوماً خلائقَ حَمْدَويهِ الأحْوَلِ
وكان) حمدويه (هذا عدواً للممدوح فاستطرد به. وحكى عن أصحاب البحتري أنه قيل له: إنك سرقت بهذا المعنى لأنك سرقته من أبي تمام، فقال: أعاب عليَّ أخذي من أبي تمام؟ والله ما قلت شعراً قط إلا بعد أن أخطرت شعره بفكري ثم أسقط البيت بعد ذلك من شعره، فلا يكاد يوجد إلاَّ في أقل النسخ.
قال أبو محمد: فليت حصل لنا من أبي الطيب المتنبي الذي زعم أنه قال
стр. 82
الشعر، وما يعرف أبا تمام من الإقرار بأخذه عنه مثل ما حصل لنا من البحتري مع كثرة أخذ أبي الطيب منه على قلّة شعر أبي الطيب وكثرة شعر البحتري، وكان استعمال الصدق في من أراد أن يسرق النبوة أحسن به. ومثل ذلك قول زهير:
إنَّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كانَ ول ... كن الجَواد عَلى علاَّتِه هَرِمٌ
أراد أن يستطرد بهرم، وهذا استطراد يخرج به من ذم إلى مدح. ويقال إن حماد عجرد لما هجا بشاراً فقال:
نُسِبْتَ إلى بُردٍ وأنتَ لِغَيره ... وَهَبك ابن بُرد نِكْت أمك منْ بُرد
فذكر رواية بشار، أنه لما سمع هذا البيت بكى، وقال: ما له لعنه الله أكنت أروم هذا المعنى لأهجوه به فلا يطردني ومثل هذا البيت:
أنْتَ ابن بِيضٍ لعَمْرِي لَسْتُ أنْكِرُهُ ... حقاٍّ يقيناً وَلَكِنْ مَنْ أبُو بيضِ
стр. 83
وقال في الاستطراد إسحاق بن إبراهيم:
وَصافيةٍ تَعْشى العيونَ ضِياؤها ... رَهينة عامٍ في الدِّنانِ وعَامِ
أدَرْنا بها الكأسَ الرَّويةَ موهناً ... مِنَ الليلِ حَتَّى إنجاب كُلُّ ظلامِ
فما ذرَّ قَرْنُ الشَّمس حَتّى ... من العَي نَحْكي أحْمد بن هُشامِ
وقد يقع استطراد من مدح إلى ذم كقول) بكر بن نطاح (في مالك بن طوق:
عرضت عليها ما أرادتْ مِن المنى ... لِترضى فَقَالتْ: قُمْ فَجِئني بِكوْكَبِ
فَقُلْتُ لَها: هَذا التَعنتُ كلُّهُ ... كَمِنَ يَشْتَهي لحم عنقاء مُغْربِ
سَلي كُلّ أمر يَسْتقيمُ طلابُهُ ... وَلاَ تَذْهَبي يا بدرُ بي كُلَّ مَذْهَبِ
стр. 84
فَأقسم لَوْ أصْبحتُ في عِزِّ مالكٍ ... وَقدرته أعيا بِما رَمَتْ مَطْلبيِ
فَتىً شَقِيتْ أموالُه بِسماحِه ... كما شَقِقَيتْ قَيس بأرماحِ تَغْلُبِ
الحشو السديد: يتلوه الحشو السديد في المعنى المفيد كقول بعض الأعراب القدماء:
وَعودٍ قَليلُ الذنْبِ عَاودتَ ضَرْبَهُ ... إِذا هَاجَ شَوْقي من مَعَاهِدِها ذِكْرُ
وَقُلتْ لَهُ ذلفاءُ، ويحك سبَّبتْ ... لَكَ الضربَ فأصبِرْ إِنَّ عَادتُكَ الصَبْرُ
وقال أبو الوليد عبد المليك بن الحريم الحارثي:
لو بِكَ لا يكن بِكَ لا عِنْدِي ... وَراحَ إلْيكَ البرى والتَقربِ
وقوله) لا يكن بك (حشو مليح،
стр. 85
وكقول، ابن المعتز:
وَخيل طَواها القَوْدُ حَتَّى كأنَّها ... أنابيبُ سُمْرٍ من قنا الخَطِّ ذُبَّلُ
صَبَينا عليه ظَالمين سِياطَنا ... فَطَارتْ بِها أيدٍ سِراع وأرجُلُ
فقوله:) ظالمين (حشو مليح في لفظ مفيد، وقال ابن الرومي:
محلّ أيادِيكم بحقٍّ وإنّها ... لَديكمْ بِلاَ حَقٍّ لمحتقراتِ
فقوله) بحق، وبلا حق (حشو مفيد، وتقسيم سديد. وأحسن من هذا كله ما تقدم ذكره في عيون الوحش لامرئ القيس ومثله له
جَمعتُ رُدَينياً كأنَّ سِنَانَهُ ... سَنَا لَهبٍ لَمْ يَسْتَعِرْ بِدُخَانِ
وهذا من النحو الذي يريد فيه الشاعر من كلامه ما هو من تمامه، وكم بين هذا وبين قول أبي العيال الهذليّ:
стр. 86
ذَكرتُ أخَي فَعَاودَنِي ... صُداعُ الرأسِ والوَصَبِ
فالصداع في الرأس حشو فارغ، ومثله قول الديك:
فَتنغمتْ في البيتِ إذْ مُزِجَتْ ... بِالماءِ، واستلَتْ سَنا اللهبِ
كَتنفُّسِ الريحانِ مازَجَهُ ... مِنْ وَرْدِ جُورٍ نَاضِرُ الشُّعبِ
فذكره) المزج (يعني) والماء (فضل لا يحتاج إليه، وقد قصر عن أبي نواس في قوله:
سلبوا قِناعَ الطّينِ عنْ رَمقٍ ... حيِّ الحياةُ مُشَارِفِ الحَتْفِ
فتنفستْ في البيتِ إذ مُزِجَتْ ... كتنفّسِ الرَّيحانِ في الأنْفِ
فهذا مثال في هذا الباب كاف.
الإغراق: باب يسميه المحدثون الإغراق ويسمى الغلوّ وطائفة من الأدباء يستحسنونه
стр. 87
قول الأفوه
ويقولون) أحسن الشعر أكذبه (والغلو يراد به المبالغة في مجيء الشاعر بما يدخل في المعدوم ويخرج عن الموجود وقد أتت طائفة من العلماء استحسان هذا الجنس لِما كان بخلاف الحقائق وخروجه عن اللفظ الصادق.
قال أبو محمد: وما أتوا بشيء لأن الشعراء لا يلتمس منهم الصدق إنما يلتمس منهم حسن القول، والصدق يلتمس من أخبار الصالحين وشهود المسلمين فمن هذا القول قول الأفوه:
стр. 88
وَتَرى الطَّيرَ على آثارنا ... رَأْيَ عَيْنٍ ثِقَةً أن ستمار
أخذه النابغة فقال:
إذا ما غَزوا بالجيش حَلّق فَوقهُمْ ... عَصائبُ طيرٍ تَهْتدي بِعصائبِ
جَوانح قَدْ أيقنَّ أن قبيلَهُ ... إذا ما التقى الجمعَانِ أوَّلُ غالِبِ
لَهُنَّ علْيهِم عادةٌ قَدْ عرفنها ... إذا عُرَّضَ الخَطيُّ فوقَ الكوائِبِ
واستجاد قوله بعض المحدثين من المؤلفين فقال مثل ابن الأفوه مثل ابتداء النابغة.
قال أبو محمد: وليس الأمر عندي كذلك لأن الأفوه سبق وأقتصر وشرح مراده في بيت وأطال النابغة، وأتى بإرادته في أبيات، وهذا حيف من قائله أو ضعف في النقد، ونقد الشعر صنعة، وما أكثر ما يعيب محاسنه عن كثير من العلماء وتستخرجه قرائح العقلاء، وقد أتبع هذا من المتأخرين مسلم فقال:
قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عادات وَثِقْنَ بِها ... فَهُنَّ يَتْبعنْهُ في كُلِّ مُرْتَحل
وقال أبو نواس:
تَتأيَّأ الطيرُ غَدْوته ... ثِقَةً بالشّبْعِ من جَزَرِهْ
وزعم عمرو الوراق قال: قلت له ما تركت للنابغة شيئاً - فقال: أسكت -
стр. 89
فإن كان قد سبق) إليه (فما أسأت الإتباع.
قال أبو محمد: والمعنى المعنى بعينه، والسبب الذي ما أساء فيه الإتباع هو اختصار ما أطاله النابغة وما في قوله:) حلّق (دلالة على سبب التحليق، والطير اسم للجنس بعمّة وعصائب بعد عصائب منها فارغ.
وقال بعض الأعراب في صفة فرس:
جَاءَ كَلمعِ البرْقِ جَاءَ ماطِرُهْ ... يَسْبحُ أولاه وَيَطْفو آخرُهْ
فما يَمَسّ الأرضَ مِنْهُ حَافِرُهْ سرقه خلف الأحمر فقال في ثور وحشي:
فكأنَّما جَهَدتْ إلْيتُهُ ... ألاّ تَمسَّ الأرضَ أرْبَعُهُ
وقوع) كأنَّما (هاهنا يخرجه عن حد المحال وهو خبر أنّ أربعه لا تمس الأرض فكأنَّهُ أقسم على ذلك فهو مجتهد في أن يبر) إليته (وكان الشاعر الأول
стр. 90
أشد أعترافاً، والثاني أقرب إلى الصدق من الأول وأكثر توقياً ومثل ذلك قول القائل:
ما إنْ يَقِعْنَ الأرضَ إلاَّ فرطا ... كأنَّما يُعْجِلْنَ شيئاً لقْطا
فجوز الوقوع إلا أنه قليل. ومن الألفاظ قول مهلهل:
فلولا الريحُ أسْمعُ من بحِجر ... صَلِيلُ البِيض تُقْرَعُ بالذِكُورِ
وبين) حجر (والوقعة مسافة بعيدة، وقال سلم بن عوف:
فَلوْ أنّها تَجْري عَلى الأرضِ أدْرَكَتْ ... ولكنما يُطلينَ تِمثال طَائِرُ
وقول امرئ القيس أحسن من هذا ممن يستحسن الاقتصاد وقلة الإِحالة وذلك قوله:
كأنَّ غُلامي إذْ علاَ حال مِتْنَه ... عَلى ظَهْرِ بَازٍ في السماءِ مُحَلّقُ
فقوله:) كأنَّ غلامي (اقتصادي في القول. وكذلك قال معاوية بن مرداس:
стр. 91
يَكادُ في شأْوه لَوْلا أُسْكِّنهُ ... لَوْ طَارَ ذو حَافرٍ من سُرعةٍ طَارا
ومثله لبعض الأعراب:
فَلَو طَارَ ذو حَافرٍ قَبْلها ... لَطارَتْ ولكنَّهُ لَمْ يَطِرْ
فهذا مثال كاف في هذا الفن.
يتلوه: حسن الخروج المليح إلى الهجاء والمديح وهو في شعر المحدثين أكثر فمن ذلك في الهجاء قول حسّان:
إنْ كُنت كَاذِبة الذي حَدَّثَتْني ... فَنَجوت مَنْجى الحارث بِنْ هُشام
تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونهُمْ ... وَنَجا برأس طِمَّرةٍ وَلِجَام
стр. 92
وقد حكى علي بن هارون قال: سألت أبي عن أحسن تخلص يخلص منه شاعر إلى مدح أو ذم، فقال: هذا مذهب تفرد به المحدثون، وقلّما يتفق الإحسان لمحدث، فأمّا ما وجدت أهلي فجمعت على حسنه في التوصل إلى المدح، فكقول محمد بن يوسف:
ما زالَ يُلثِمُني مراشِفَهُ ... ويُعِلُّني الأبْريقُ والقَدَحُ
حَتى أستردّ اللْيلُ خَلْعَتهُ ... وَبدا خلال سَوادِهِ وَضَحُ
وبر الصبّاح كأنّ طَلَعتَهُ ... وَجْهُ الخَليفةِ حِينَ يُمتدحُ
قال أبو محمد: ومن أحسن ذلك عندي قول أبي تمام:
لا والَّذي هو عَالِم أنّ النوى ... صبرٌ وأنّ أبا الحُسَيْن كَرِيمُ
ما زلتُ عَنْ سننِ الوِدَادِ ولا غَدَتْ ... نَفْسي عَلى إِلفٍ سِواك تَحُومُ
وقال البحتري:
قَدْ قُلْتُ للغيث الرُّكامِ وَلَحّ في ... إبْراقِه، وألحَّ في إِرْعَادِهِ
لا تعرضنَّ لجَعْفر مُتشبّهاً ... لندى يَديْه فَلستَ مِنْ أنْدَادِهِ:
وقال أيضاً:
أقْسمت لا أجْعَل الإِعدامَ حادِثةً ... تُخْشَى) وعيسي بن إبراهيم (لي سَنْدُ
стр. 93
قال أبو محمد: ومما ابتدأه في هذا الباب مسلم في قوله:
أجدّكِ هَلْ تَدْرين أنْ رُبّ ليلة ... كأنَّ دُجَاها من قُرونكِ يُنْشَرُ
نصبت لها حَتَّى تجلّتْ بِغُرّةٍ ... كغُرةِ) يحيى (حِينَ يُذْكرْ) جَعْفَرُ (
قال ابن الجهم في السحابة:
فَلَما قَضَتْ حَقَّ العراقِ وأهْلِهِ ... أتاها من الرِّيح الشمال بَريدُها
فَمَّرتْ تَفوتُ الطْرفَ سبقاً كأنَّها ... جُنود عُبَيْد الله وَلّتْ بُنودُها
يريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفري إلى سرّ من رأى عند قتل المتوكل.
стр. 94
قال أبو محمد: وهذا المعنى مما عكسه ابن الجهم من قول أبي العتاهية:
وراياتٍ يحُلّ النّصْر فِيها ... كأنَّ زُهاءها قِطع السَّحابِ
فجعلها أبو العتاهية في رايات منصورة وجعلها ابن الجهم في مهزومة.
قال أبو محمد: وهذا من لطف صياغة الشاعر وفطنته أن يجعل الشيء مدحاً ويعكسه في ذم.
قال أبو محمد: وقد قدمت لك من هذه الأقسام ما تقوى به معرفتك بنقد الشعر فائقه ومقصره، وأطلعتك على سرائر رذله ومتخيره لتفاضل بين الشعراء بأصل وتنطق بعدل. ثم قد حسن الآن أن أورد ما قدمت الوعد به من شرح ما أخذه أبو الطيب، ولا أشرح إلا ما يقع فيه المعنى الذي لو كان له وقع بمثله وجماله، وحسن به مقاله أو ما قارب ذلك، فأمّا الأبيات الفارغات والمعاني المكررات المرددات فإني لا أشتغل بإيرادها ولا أطيل الكتاب باعتمادها ولكني أخاف أن يظن بنا غفلة عنها لا التجاوز لها فاحتاج إلى إيراد شيء من ذلك خوفاً مما ذكرت لك ولا يكون في غاية الفراغ من معنى يتعلق به، فإذا كان أبو الطيب يسهل عليه أخذ غير فائق ولا رائق لم يغفل عمّا اهتم به على أني لا أذكر المعاني التي قد كثّرت الشعراء استعمالها وواصلت استبدالها وصار موردها قد حصل له أسم السارق ولم يظفر بمعنى فائق، وذلك كتشبيه الوجه بالبدر، والريق بالخمر والمسك والماء الزلال، والقد بالغصن، وما أشبه ذلك من المتكرر المتردد
стр. 95
والمألوف المتعود وإنما أعذر سارق هذه الألفاظ المتداولة والمعاني المتناولة إذا زاد في معناها أو تملح في ألفاظها كقول ابن المعتز في صفة القد:
يا غُصناً إنْ هزَّهُ مَشيهُ ... خَشِيتُ أنْ يَسْقُطَ رُمَّانُهُ
هذه الخشية من سقوط رمان الغصن وجمعه في البيت تشبيه الثدي والقد من أملح كلام وكقوله في تشبيه الوجه بالبدر:
مَوْسومةٌ بالحُسن مَعْشوقةٌ ... تُميت من شاءت وتُحييهِ
باتَ يُرِينِيها هِلالُ الدّجَى ... حَتَّى إذا غابَ أرتنيهِ
فهذا كلام وإن كانت فائدته فائدة قوله: وجهها مثل البدر فترتيب كلامه في) أ (بياته كل واحد منهما عن صاحبه في عينيه مليح جداً كقول ابن الرومي:
يا طيبَ ريقَ بَاتَ بدر الدُ ... جَى لمحة بَيْن ثَنَاياكا
يَروي ولا ينهال عنْ شُرْبه ... والماءُ يُرويكَ ويَنْهاكَا
أنظر كيف قرن تشبيه الريق بالماء بلفظ مليح صار به المألوف غريباً والمبتذل عجيباً هذا وما أشبهه من الألفاظ المتداولة والأبيات الفارغة. فإذا رأيتني
стр. 96
أغفلته فلا يحمدّن حامد نفسك عندك استخراج سرقاتها، ولا يظنّ بنا عجزاً عمّا قدر عليه ولا جهلاً بما وصل إليه، لكنّا تركناه عمداً، وحذفناه قصداً ولولا خوفنا من ظنون هذه الطائفة لأوردنا المعنى الفائق، واللفظ الرائق الذي يتجمل به إذا كان إليه سابقاً وتقبيح به إذا كان سارقاً وحذفنا ما لا يكسب الأخذ فضيلة، ويلحقُ الأخذ رذيلة، ونحن نبدأ الآن بشعر أبي الطيب من أوله إلى آخره، والله المعين والموفق للصواب.
стр. 97
) بسم الله الرحمن الرحيم (أولُ شعرٍ قالهُ أبو الطيب أحمد بن الحسين قوله:
بأبي مَنْ وَددْتُهُ وافَترقْنا ... وَقَضَى اللهُ بَعْدَ ذَاكَ اجْتِماعا
وافترقْنا حَوْلاً فَلمّا التقينا ... كانَ تَسْلِيمُهُ عَليَّ وَدَاعَا
البيت الأول هو الفارغ قلت لا ألتمس له استخراج سرقة. والبيت الثاني هو بيت المعنى وهو مأخوذ من قول أبي الحسن جحظة أنشدنيه أبي ﵀:
стр. 98
زائرٌ نَمَّ عليه حُسْنه ... كيفَ يُخفي الليلُ بدراً طَلعَا؟
راقَبَ الغفلة حَتَّى أمكنتْ ... ورعا الحَارس حَتَّى هَجَعَا
ركب الأهْوالَ في زَوْرتِه ... ثُمَّ ما سَلم حَتَّى وَدّعَا
قال أبو محمد: ولا أعرف في بيت أبي الطيب زيادة يفضل بها من سرق منه وهذا الجنس من مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام حتى يزيد نظام على نظام السابق أولى ببيتيه، وأنشدت لأبي الشيص:
يا حبّذا الزورُ الذي زَارا ... كَأنَّهُ مُقتبسٌ نَارا
نَفْسِي فِداء لكَ من زائرٍ ... مَا حَلَّ حتَّى قِيلَ قَدْ سَارا
مَرَّ بِبابِ الدَارِ فاجْتازها ... يَا ليْتَه لَوْ دَخَلَ الدَارا
يتلو هذين البيتين ثلاثة أبيات أولها:
أبلى الهَوى أسفاً يَوْم النَّوى بَدني ... وَفرَّقَ الهَجْرُ بينَ الجَفْنِ والوَسَنِ
فهذا فارغ لا ذكر فيه وثانيه قوله:
روحٌ تَردّدُ في مِثْلِ الخلال إذَا ... أطارتْ الرّيحُ عَنْه الثَّوْب لَمْ يَبِنِ
وإنما ذكرنا لك هذا البيت لنذكر لك استحالة لفظه، فأمّا معناه فمستعمل ولفظه مستبذل لأن تشبيه جسمه بالخلال كثير جداً ومنه قول ديك الجن:
стр. 99
ارحمْ اليوم ذِلَتي وَخضوعي ... فَلَقدْ صُرْتُ ناحلاً كالخِلالِ
فالتشبيه كالتشبيه سواء: فإن قلت: ففي بيت أبي الطيب زيادة في أنّ الريح إذا أطارت عنه الثوب لم يبن والخلال يبين للناظر ولا يثبت الثوب على مثل الخلال وإن كان أخفّ ثوب وإنما نبهه على هذا بشار في قوله:
سَلَبت عِظَامي لَحْمها فَتركْتَها ... عَواري في أجْلادِها تَتكسرُ
وأخليت منها مخها فَتركتُها ... أنابيبَ في أجْوافِهَا الريح تَصفرُ
خذن بِيدي ثُمَّ ارْفعي الثوبَ فانْظري ... ضَنى جَسدي لكنَّني أتَسَتَّرُ
وليسَ الذي يَجْري مِن العَين مَاؤها ... ولكنها نَفْسٌ تَذوب فَتَقْطرُ
وهذا أصح على مذهب من جهد الاقتصاد، وذلك أنه خبر عن ضنَّى يسير بستره ثوبه على بدن لا يتبين للناظر وهي مبالغة مستحيلة، وللشعراء مبالغتان ممكنة ومستحيلة والممكن أحسن عند كثير من الأدباء من المستحيل، فمن ذلك قول القائل:
مَنَعَتْ مهابتُكَ القلوبَ كَلامها ... بالأمرِ تَكْرههُ وإنْ لَمْ تَعلمِ
فبالغ وأحسن فادعى ممكناً في الهيبة، وأراد أبو نواس المبالغة في الهيبة فقال ما أسرف فيه وهو:
وَأخفتَ أهْلَ الشّرْكِ حَتَّى إنَّهُ ... لَتخافُكَ النُّطفُ التي لَمْ تُخلقِ
стр. 100
قال أبو محمد: فهذا الكلام وإن أمكن المنتصر له أن يقول قد قيل أحسن الشعر أكذبه وإنما يريد أن يخرج عن حدّ الموجود إلى حدّ المفقود ليدلّ بوصفه الغاية وتجاوز النهاية، فأراد أبو نواس أن يدل على أنّ المخلوق من الممدوح على نهاية الخوف، إذ كان يطلق الخوف على من لم يخلق، ولا يجوز عليه الأمن والخوف.
قال أبو محمد: قلنا له هذه إرادته لا محالة ولكن إرادة الشاعر الذي قبله عند من حمد الأقتصاد، وفضل هذا الممكن أفضل وهذا الباب أكثر من أن يحصى وليس مما قصدنا له فيستحصى، وهذا مثال في علم المبالغة كاف، وقد قدمت، ذكر شيء منه في الرسالة والبيت الثالث قوله:
كَفى بجسمي نُحولاً أنَّني رَجلٌ ... لَوْلا مُخَاطَبتي إِيّاكَ لَمْ تَرَني
أخذه من قولِ القائل:
برى ضنىً لمْ يَدعْ مني سوى شجى ... لَوْ لَمْ أقلْ هَاأنا لِلَّناسِ لَمْ أبِنِ
ولا فرق بين اللفظين والمعنيين وهذا من باب مساواة الآخذ المأخوذ منه وصاحب البيت الأول أولى به.
وقد قال آخر:
هَا فانظُروني سَقيماً بَعْد فِرْقتكمْ ... لَوْ لَمْ أقلْ هَاأنا لِلناسِ لَمْ أبنِ
لَوْ أن إبرةَ رَفّاءٍ أكلّفُها ... جَريتُ في ثُقْبها منْ دقّةِ البدنِ
стр. 101
وبعد ذلك أبيات في جرذ قتله رجلان، لو كان طرحها من ديوانه لاستغنى عنها ولا يلتمس لمثلها استخراج سرقه لفراغها. أولها:
لَقَدْ أصْبحَ الجُرذْ المستغيرُ ... أسِيرَ المنايا صَريعَ العَطَبْ
وأتبعها بأبيات سقط عن راويها، النصف الأول من ابتدائها وذلك قوله: سَيْفُ الصّدُودِ على أعْلى مُقلِّدِهِ بغير تمام، وذلك يدلك على أنها غير مقروءة عليه وإذا كان سيف الصدود على مقلده، فلا معنى لا على مختص به وهو حشو لا يحتاج إليه، يليه بعده:
ذَمَّ الزَّمانُ إلْيهِ مِنْ أحبَّته ... ما ذَمَّ منْ دَهْرِه في حَمْدِ أحْمدِهِ
هذا البيت كما ترى كأنَّه رقية عقرب، وقد تكلف بعض أدباء عصرنا تفسيره فقال) الهاء (في) إليه (عائدة على) العاشق (ورواه:
م ذَمَّ مِنْ بَدْرِه في حَمْدِ أحْمدِهِ
стр. 102
و) البدر (هو معشوقه، وصير) المعشوق (بدر الزمان مبالغة في حسنه و) أحمد (يعني نفسه وجعل نفسه أحمد الزمان، أي ليس في الزمان أحمد مثله. والمعنى: أن هذا العاشق كان يتذمر من معشوقه الذي هو بدر الزمان جفاءه فاجتمع الزمان معه على ذمّ تلك الحال من معشوقه في حال حمد الزمان لأحمده أي فالزمان معه يذمّ هجر أحبته، وأحمد لفضله ونجابته: قال أبو محمد: وليس هذا المعنى مما يلتمس له استخراج سرقة وإنما ذكرته لِما أشترطه في ذكر غث كلامه. وقد تكلف المفسرون مشقة في تفسير غير مفيد ولا سديد، وهذا الكلام القليل الفصول الكثير الفضول البيّن التكلف المشبه ألفاظ
стр. 103
أهل التصوف، وأتبع ذلك بأن قال بيتاً زاده هذا المفسر لم أجده عندي وهو:
شَمْسٌ إذا الشَّمْسُ لاقَتُه على فَرَسٍ ... تَردَّدَ النُّورُ فيها مِنْ تَرَدُّدِهِ
قال أبو محمد: فقوله:) على فرس (كلام سخيف ونسيج ضعيف لأنه جعله) شمساً يتردّد النور فيها من تردده (ما كان على فرس، ويسقط هذا الوصف عنه عند نزوله عنه إذا وقفه لا يتردد والمعنى في الشمس لأبن الرومي ما هو أجزل من هذا، وهو قوله:
عُجبتُ لِلشمسِ لمْ تكسَفْ لمهلكهِ ... وهو الضِّياء الذي لَوْلاه لمْ تَقِد
قال أبو محمد: وهذا من الأقسام المذمومة، لأنه نقل جزلاً إلى رذل ثم قال:
إنْ يَقْبحُ الحُسْنُ إلا عنْدَ طَلعْتِهِ ... فالعبْدُ يقبحُ إلاَّ عِنْدَ سَيِّدِهِ
فسر هذا بعض المتكلفين فقال) إن (معناه: إنّ الحسن ليقبح عند إضافته إلى إشراق حسنه لنقصانه عنه كما أن العبد لا يحسن عند أحد حسنه عند مولاه.
قال أبو محمد: وهذا تفسير غير واضح ومعنى غير لائح لأن هذا التفسير إنّما يصح لو كان البيت لا يقبح الحسن إلا عند طلعته كالعبد يقبح إلاّ عند سيّده
стр. 104
على أنّي لا أعرف هذا التشبيه ما هو، وقد يمكن أن يستحسن الناس شيئاً لا يستحسنه مولاه ويتمنّون ملك من لا يعبأ به مالكه ولا أعلم في هذا الشعر أصلح من قوله:
نَفْسٌ تُصغّرُ نَفْسَ الدَّهْر من كِبَرٍ ... لَها نُهَى كَهْلِه في سن أمْردِهِ
ومثله قول البحتري:
حَدثٌ يوقّرُهُ الحجى، فكأنّما ... أخذ الوقار منْ المَشيبِ الشَّاملِ
وأخذه جميعاً قول مسلم:
كَبيرهُمْ لا تَقومُ الرَّاسياتُ لَهُ ... حِلْماً وطِفْلُهُم في هدي مُكْتهِلِ
ويتلوها قصيدة أولها:
أهْلاً بدارٍ سَباكَ أغْيدها ... أبْعدَ ما بانَ عَنْك خُرَّدُها
стр. 105
نذكر ما بلغه علمنا من مسروقها فمن ذلك:
ظَلت بِها تَنْطوي على كبدٍ ... نَضيجةٍ فَوْق خِلبها يَدُها
قال أبو محمد: هذا مأخوذ من أبيات أنشدها محمد بن داود الجراح.
لَهُ من فوق وَجْنته ... يَدٌ ويَدٌ على كَبدِهِ
يَسكنُ قَلْبُه بيدٍ ... ويمنحُ غَيره بِيدهِ
فالشعر المأخوذ أعذب لفظاً، وقد خبر عن شغل يديه وفر فملح وأوضح،
стр. 106
وهذا من السرقة المذمومة، لأنه قد زاد الأول في المعنى فأتم به، فلفظه أعذب فهو أرجح وأحق بما قال.
وقال المتنبي:
يا حادَيي عِيرِها وأحْسبُني ... أُوجَدُ مَيتاً قُبيْلَ أفقدُها
قال أبو محمد: هذا متداول المعنى مبتذل المبنى فمنه قول ابن أبي فنن:
تَنادوا بليلٍ إن رحلتنا غداً ... وناديت إنْ كانَ الفِراق غداً مِتُّ
وقال ابن المعتز:
قَالوا: الرَحيل غداً لا شَكَّ قُلت لَهُمْ ... بَلْ موت نَفْسي من قَبْل الرحيلِ غَدا
إني إذاً لصبورٌ إنْ بَقيتُ وَقدْ ... قَالوا الرحيلَ وإنْ لم يَرحلوا أبَدا
فالبيت الأول من قسم المساواة في الكلام والبيت الثاني زيادة في المعنى ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
قِفا قليلاً بِها عليَّ فَلا ... أقلَّ من نظرةٍ أُزوَّدُها
قال أبو محمد: معنى هذا البيت غير غريب، ولكن أبا الطيب لا يحقر شيئاً بل يأخذ الشعر الرفيع والوضيع، وهو في الأخذ كما قال ابن المعتز في العِشق:
قَلبي وثّابٌ إلى ذَا وذا ... لَيْسَ يرى شيئاً فيأباهُ
يَهيمُ بالحسنِ كما يَنْبغي ... ويَرهمُ القُبحَ فَيهواهُ
стр. 107
وقال أبو محمد: فيجب علينا الاهتمام بما أهتم به وهذا البيت من قول ذي الرمّةِ:
فإِنْ لَمْ يكُنْ إلاّ تعلّلَ ساعةٍ ... قَليل، فإِني نَافعٌ لي قَليلها
وهو من قسم المساواة. وقال ابن أبي فنن:
مَا ضر لوْ زودت خِلك نَظْرةً ... قَبل الرحيلِ وقلت قولاً تجَمل
وقال) المتنبي (:
فَفي فؤادِ المُحبّ نارُ هوىً ... أقل نار الجَحيم أبْردُها
من قول ابن الرومي:
وَقَدْ أملتكَ النفسُ بعد تخوم ... وأبردُ مِنْ هذا على كبدي الخَمر
قال أبو محمد: وهذا من باب مساواة الآخذ) من أخذ (منه.
وقال المتنبي:
شَابَ من الهجْرِ فَرقُ لِمَّته ... فَصارَ مِثْلَ الدمقْس أسْودُها
تخصيصه بالشيب في اللمة ضيق عطن بلفظ يعم جملة اللحة وكان ينبغي إذا خصص فرق اللمة بالشيب أن) يقول (فصار مثل الدمقس أسوده لعودة) الهاء (على المذكر، ولو قال:
شَابتْ لهجر الحبيبِ لِمّته ... فَصار مثْل الدمقس أسودُها
стр. 108
كان في الصنعة أمدح، وهو مأخوذ من القائل:
يبني عَنه أبانَ في شِ ... عْري أبيضهُ بَعد حُسن أسْوده
في هذا البيت مجانسة من ذكر) البين (و) الإبانة (وفيه مطابقة وفيه ضرب من استخراج معنى من) معنى (احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه من ذلك قول امرئ القيس:
فظلّ العذَارى يَرتمين بِلحْمها ... وشحمَ كهُدّاب الدِّمقْسِ المفتَّل
فشبه الأبيض بالأبيض، فنقل أبو الطيب هذا التشبيه من الشحم إلى الشيب وشبه الأبيض بالأبيض، ففي هذا البيت رجحان على ما قاله أبو الطيب، والسابق أولى به. وقال المتنبي:
بانوا بخرعوبةٍ لها كَفَلٌ ... يكادُ عندَ القيامِ يُقْعِدُها
أخذه من ابن الرومي:
إذا تَمشى يَكادُ يُقْعده ... رَدفٌ كَمثل الكُثيبِ رجْرَاحُ
стр. 109
ولأبي المعتصم:
إنْ نهضت أقعدها ... منْ رَدْفُها دَعص نقى
وهذه الأبيات تدخل في باب مساواة الآخذ المأخوذ منه في الكلام.
وقال المتنبي:
كيف يَحيكُ الملامُ في هَمَمٍ ... أقْرَبُها مِنْكَ عنك أبْعَدُها
قال أبو محمد: ظاهر هذا الكلام متناقض ولا يجوز أن يكون أقرب شيء أبعد شيء إنما كان يصح لو قال:) أقربها مِنْكَ بَعيد (والذي يمكن أن يوجه لكلامه من المعنى أنه أراد: أقربها منك عندك أبعدها في الحقيقة عنك.
وقال المتنبي:
بِئْسَ اللّيالي سَهِرتُ مِنْ طَربي ... شَوقاً إلى من يَبيتُ يَرْقُدُها
стр. 110
الطرب خفة يعتري عند الفرح وعند الحزن جميعاً والمراد بها هاهنا الحزن، والمعنى للبحتري في قوله:
يكْفيك أنّكَ لمْ تَذُقْ ... سَهراً وأنّي لمْ أنمْ
وهذا أعذب لفظاً وهو من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي والسابق إلى اللفظ الرطب والمعنى العذب أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
لا ناقتي تَقْبلُ الرَّديفَ ولا ... بالسَّوْطِ يَوْمَ الرّهانِ أجْهِدُها
شِراكُها كُورُها وَمِشْفرُها ... زمامُها والشُّسوع مِقْودُها
أراد أنه ركب نعلة فقصد الإغراب، وقد سبقه إلى هذا أبو نواس فقال:
следующие страницы →