Полный текст (676 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
يحنُّ إِلى المعروف حتى يُنيلهُ ... كما حنَّ إِلفٌ مُسْتهامٌ إِلى إِلْفِ
وقال قبلها أبو تمام:
قد تيّمتْ منه المعالي بامرئٍ ... ما زال بالمعروف وهو متيَّمُ
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
وأُقْسِمُ لولا أنّ في كل شَعرةٍ ... له ضَيْغماً قُلنا له أنت ضَيْغَمُ
هذه مبالغة تشبه مبالغة ابن الرومي وهي أشد استحالة منها وهي قوله:
أسدٌ له في كلِ جا ... رحة وعضو مُخلبِ
وقال المتنبي:
أَننقصُهُ من حظهِ وهو زائدٌ ... ونَبْخَسُهُ والبخس شيء مُحَرَّمُ
وقال بعد هذا:
يجل عن التَشْبيه، لا الكفُّ لجّة ... ولا هو ضرغامُ، ولا الرأي مخذمُ
فإن كان قول أبي الطيب مفهوماً أنه إذا قال: يجل على التشبيه فكلما أورده معلوم أنه دونه ولكن لم يشرح شرحاً شافياً ووكلنا إلى معرفة قصده بالتأمل وقال ابن الجهم:
стр. 422
إِذا نحن شبهناك بالبدرِ طالعاً ... بخسناك حظّاً أنت أبهى وأجملُ
ويظلمُ إن قسناك بالليث تجده ... لأنك أحمى للحريم وأبسلُ
ولستَ ببحرٍ أنت أعذبُ مورداً ... وأنفعُ للرّاجي نِدَاك وأشملُ
فشرح وأغنى عن التأمل فإن قال قائل: فأبو الطيب أدرك مراده في بيت وابن الجهم جاء به في ثلاثة أبيات قلنا لم يشرح الأسباب التي زادها على اللجة والضرغام والسيف ولا يحتسب بهذا الاختصار كقول الحكماء:) البلاغة حذف الفضول وليست طيّ المعاني (وهذا من استيفاء طويل في موجز قليل، ونحن نجعل بازاء الاختصار طول القول في الشرح، فإنّ البيت الواحد لا يغني عن الأبيات الثلاثة لإحواجه إلى التأمل فهذا بهذا.
وقال المتنبي:
ولا يبرمُ الأمر الذي هو حاللٌ ... ولا يُحللُ الأمر الذي هو مُبرَمُ
أظهر التضعيف وأخذ المعنى من قول الحصني:
ويحل ما عقد الرجال بكيده ... عفواً ويسجل كيده ما أبرما
وقال إبراهيم بن المهدي:
إلى يقظان ذي عرفٍ ... عن الدينار والدرهم
إِذا ما أبرموا أَوْهَى ... ولا يوهون ما أبرم
стр. 423
وقال المتنبي:
ألذُّ من الصّهْبَاءِ بالماء ذِكرُهُ ... وأَحْسَنُ مِنْ يسر تلقَاهُ مُعْدِمُ
أخذه من قول ابن بسام:
يا نظيراً للبرء بعد السقام ... يا يساراً أتى على إعدامِ
بأهلا لأعداء وقد نقص ... الشهر على غفلةٍ من الصوامِ
وقال المتنبي:
ولو قال: هاتُوا درهماً لم أجد بهِ ... على سائلٍ أعيا على النَّاس درهمُ
فتح له بكر بن نطاح هذا المعنى بقوله:
لو لم يكن في الناس إِلا درهم ... ومدحته وافاك ذاك الدرهم
وقال المتنبي:
صفوفاً لليثٍ في ليوثٍ حُصُونها ... مُتون المذاكي والوشيحُ المُقَّومُ
هذا من قول القائل:
ونحن أناس لا حصون بأرضنا ... نلوذ بها إِلا القنا والقواضبُ
وقال المتنبي:
تغيب المنايا عنهم وهو غائبٌ ... وتَقدْمُ في ساحاتهم حين يَقْدِمُ
стр. 424
قال البحتري:
يشهد الأنس حين يحضر فيهم ... ويغيب السرور حين يغيبُ
وهذا من المعكوس، قال ابن أبي فنن:
قدم الندى لما قدمت ... وغاب عنهم حين غبنا
وقال المتنبي:
مَحلُّك مقصودٌ، وشانيك مُفْحَمٌ ... ومثلك مفقودٌ، ونيلُكَ خِضْرمُ
أسقط همزة) شانيك (وباب الهمز يسقط في شعره وعمل له مسلم من قوله:
فُعالك محمودٌ ومجدُكَ شامخٌ ... وجودُك موجودٌ ونيلك خِضرمُ
لبيته مثالاً أحتذي عليه.
وقال المتنبي:
وزارك بي دُونَ الملوك تَخرج ... إِذا عنَّ بحرٌ لم يَجزْ لي التَّيممُ
стр. 425
هذا بيت فقهي يدل على ورع وتحير لا تطلب مع مثله النبوة، وقد أشار إليه أبو تمام بقوله:
لبستُ سواهُ أقواماً فكانُوا ... كما أغنى التيمُّمُ بالصَّعيدِ
وقد ألمَّ بهذا المعنى أبو الطيب ومن هذا المعنى قول ابن الجهم:
فلا تكن مستخلفاً منه جاءنا ... فقد من فيوض البحر يجري التيمم
وقال المتنبي:
فَعِشْ لو فَدَى المملوكُ رَبَّاً بنفسه ... من الموتِ لم تُفْقَدْ وفي الأرض مسلمُ
لا أدري لِمْ قال:) تفقد وفي الأرض مسلم (ولو كان:) لم تفقد وفي الأرض بشر (كان أمدح، وإذا كان المسلمون لا يكبرون عن فديته فليس ينبغي أن يصان المخالفون عن ذلك، فتخصيصه أهل الإسلام بالفدية لا وجه له، والجيد قول ابن دريد:
نَفْسي الفداء لأميريَّ ومَنْ ... تحت السماء لأميريَّ الفَدَا
وقد أوقفنا أبو الطيب في هذا الاختيار بقوله:
فدىً لك مَنْ يقصِّرُ عن فداكا ... فلا مَلْكٌ إذاً إلاَّ فَدَاكا
فعم ولم يخصص.
ويتلوها قصيدة أولها:
أركائبَ الأحباب إنّ الأدمعا ... تطيسُ الخُدودَ كما تَطِسْنَ اليَرْمَعا
стр. 426
قال فيها:
قد كان يمنعني الحياء من البُكا ... فاليوم يمنعُهُ البكا أن يمنعا
هذا يشبه من الشعر قول ابن الرومي:
فأطلب القلب والذين سَبَوْهُ ... عائقاً كل عائق أن يعوقا
ويشبه من الأخبار حكاية حكيت لي: عن علي بن محمد بن بسام: أنّه دعاه صديق له مع نحوي متشرق فثقل على علي بن بسام ثم دعي معه في يوم آخر فتخلف فلقيه النحوي معاتباً على تخلفه، فقال له: ما يمنعك من زيارتنا فقال: يمنعني يمنعك، يريد أنه ثقل الإعراب في يمنعك بمنع الزيارة.
وقال المتنبي:
حتى كأنَّ لِكلِّ عظمٍ رنَّةً ... في جلدِهِ ولكلِ عِرْقٍ مَدْمَعَا
هذه مبالغة يشبهها قول ابن المعتز:
ومُتيّم جرح الفراقُ فُؤَاده ... فالدمع مِنْ أجفانه يَترقرقُ
هزّتهُ ساعة فرقة فكأنّما ... في كلّ عضوٍ منه قلبٌ يخفِقُ
стр. 427
ورنين العظام أبعد في المبالغة من خفقان القلوب، وقد قال البحتري:
وكأنَّ لي في كل عُضوٍ واحدٍ ... قلباً يحنُ وناظراً ما يَطْرِفُ
فقد أتى بمعناه والزيادة في كلامه ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
سَفرتْ وبَرْقَعَها الحياءُ بصفرةٍ ... سترت محاجرها ولم تكُ بُرْقعا
هذا بيت فيه روايتان يروى:) وبرقعها الفراق (ويروى) وبرقعها الحياء (فمن روى الحياء فهو مذهب لأبي الطيب أختص به ومثل هذا قوله:
فمضت وقد صبغ الحياء بياضها ... لوني كما صنع اللجين العسجدُ
ومن روى الفراق، أكذبه مذهبه في الحياء ومن جعل ذلك للفراق فكان ينبغي هذا للفراق أيضاً على مذهبه في تغير الوجه بالخوف أو جعل ذلك للحياء وجعل هذا مثله ليكون المذهب مطرداً، وقد ذكرنا فيما تقدم من الكتاب قول جالينوس) الحمرة من الخجل، والصفرة من الوجل (ولو جعل مكان الصفرة الحمرة لصح الوزن والمعنى. ومعناه في الصفرة:) سترت محاجرها (فقامت في تخللها إياها مقام البرقع ويقال: برقع وبرقوع.
وقال المتنبي:
فكأنَّها والدَّمُعُ يقطر فوقها ... ذهبٌ بِيِمْطَيْ لؤلؤ قد رُصِّعا
стр. 428
الهاء تعود على كأنّها على الصفرة وتشبيهه الذهب بصفرتها واللؤلؤ بدموعها كثير، وقد قال أبو نواس في صفة الخمر وحبابها:
ذهباً يُثْمرُ دُرّا ... كلّ إِبّانٍ وحين
وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
كشفت ثلاث ذوائب من شَعرها ... في ليلةٍ فأرت ليالي أربَعا
فجعل كل ذؤابة ليلة، وقد قال ابن المعتز:
سقتني في ليلٍ شبيه بشعرها ... شبيهة خَدّيها بغير رقيبِ
فما زِلتُ في ليلين بالشعر والدّجى ... وشمسين من كأسٍ ووجهٍ حبيبِ
فشبه جملة الشعر بالليل واستغنى عن عدد الذوائب وكذلك قال ابن المعتز أيضاً:
نشرت غدائر شعرها لتظلني ... خوفاً عليّ من الرقيب المحنقِ
فكأنني وكأنها صبحان ... باتا تحت ليلٍ مُطبق
стр. 429
وقد رواه ابن قتيبة لغيره ويكون لمن فقد جاء بالغدائر ولم يرد على تشبيهها بليل واحد ولم يفرقها ليالي بعددها، وقد زاد القوم بتشبيه الوجه والشعر في كلامهم ما هو من تمامه فهم أرجح.
وقال المتنبي:
واستقبلت قمر السَّماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقتٍ معا
هذا يقارب قول القائل:
وإذا الغزالة في السَّماء تعرضت ... وبدا النهارُ لوقِتهِ يترحَّلُ
أبدتْ لوجه الشمس عيناً مثلها ... يلقى السَّماء بمثل ما تستقبلُ
ومن ذلك قول أبي دلف:
طلعت والشّمس طالعةً ... من رأى شمسين في بلدِ
ومن قول البحتري:
بتْنا ولي قمران: وجه مُساعدي ... والبدر إذ وافى التمام وأكْملاَ
وأحسن من هذا كله قول مسلم:
فبتُّ أسرّ البدر طوراً حديثها ... وطوراً أناجي البدر أحسبُها البدرا
فكل الأبيات منه ومنهم تدخل في قسم المساواة، وأما بيت مسلم فيخبر أنه قد أشكل عليه وجهها من البدر قمرة يسر البدر حديثها وطوراً يناجي البدر
стр. 430
لإشكال الخال بينه وبينها فهي زيادة مليحة يحصل له بها فضل السبق والحذق وقال ابن المعتز في كلام مسلم:
موسومةٌ بالحسن معشوقةٌ ... تميت من شاءت وتحييه
بات يرينيها هلالُ الدّجى ... حتى إذا غاب أرتنيه
فهذا يذكر عند مغيب الواحد أنْ الآخر يريه الغائب بحضوره وقد يستحسن الناس قول البحتري:
أضرّتْ بضوءِ البدر والبدرُ طالعُ ... وقامت مقام البدرِ لما تغيَّبا
وقوله:) أصرّت (يدل على أن ضوءها فوق ضوئه فينبغي أن يزيد عليه وكيف تكون قائمة مقامه.
وقال المتنبي:
رُدّى الوصال سَقى طُلُولَكِ عارِضٌ ... لو كان وصلُكِ مِثْلَهُ ما أَقْشَعَا
стр. 431
يقال: أقشع السحاب وأقلع وخبر بالإقشاع عن الوصل وكان الأحسن في الصنعة أن يقول: لو كان وصلك مثله لم تهجري له وكأن يقول:) لو كان مثل هجرك ما أقشع (وقد ألمّ بهذا المعنى من قول أبي تمام:
ذكرتكُمُ الأنواءُ ذكري بعضكُمْ ... فبكت عليكم بكرةً وأصيلا
دعا لهم أن تذكرهم الأنواء كذكره بعضهم ليكون بكاؤها متصلاً وهذا من استخراج معنى من معنى لفظهما مفترق ومعناهما متفق وفي بيت أبي الطيب مطعن وكلام أبي تمام لا مطعن فيه فهو أحق بقوله.
وقال المتنبي:
زجلٌ يريك الجوّ ناراً والملا ... كالبحر والتلّعات روضاً مُمْرِعا
قال أبو تمام: آضٍ لنا ماء وكان بارقاً يريد يقدم البرق المطر، وقال ابن دريد:
كأنَّما البيداءُ غبّ صوبه ... بحرٌ طما تَيّارُهُ ثم سَجَا
стр. 432
فقد جمع ما فرق غيره وزاد من ذكر الروض في كلامه ما هو من تمامه، وأنشدني أبو الطيب الحريري قال أنشدني أبو عبد الله:
سحابةُ مذاقةُ الأنواءِ ... بحر يُثنيها على البطحاءِ
يعقب بين الضحكِ والبكاء ... بدت بنارٍ وبنت بماءِ
وهذا مثل قول أبي تمام.
وقال المتنبي:
كبنانِ عبد الواحد الغدقَ الذي ... أروى وآمن مَنْ يشاءُ وأجزعا
وقد سلك في هذا طريق الخروج المليح إلى ما راده من المديح ولكنه من قول أبي تمام:
بنانُ موسى إِذا استهلّتْ ... للناسِ أغنت عن الغيوثِ
ومثله للبحتري في بركة:
كأنها حين لَجّتْ في تدفُّقها ... يدُ الخليفة لما سال وَاديها
وأما قول أبي الطيب:) وآمن من يشاء وأجزعا (ليس الأمن الجزع من جنس الري ولا من العبارات عن السحاب، فأما المعاني فمتساوية وكان ينبغي أن
стр. 433
يقول:) أروى به جدب البلاد وأمرعا (والأمن ضد الخوف والصبر ضد الجزع فقد أساء المطابقة ووصف الغيث بما ليس من صفاته.
وقال المتنبي:
تركَ الصنائعَ كالقواطعِ بارقا ... تٍ والمعالي كالعوالي شُرَّعا
ذكر بعض أهل الأدب أن معناه في هذا أنه ترك الصنائع مشرقة مرتفعة وذكر آخر أنه يحارب أعداءه بالصنائع كما يحاربهم بالسيوف والرماح والثاني أشبه بمراده.
وقال المتنبي:
متبسّما لعفاتهِ عن واضحٍ ... تَعْشى لوامعُهُ البروقَ اللُمَّعا
شبه ابتسامه بالبرق ولكن في قوله:) تعشى (مبالغة مليحة يريد بشره لعفاته، وقال أبو تمام:
أنسى ابتسامك والألوانُ كاسِفةٌ ... تبسم البرق في جُنحٍ من الظلم
شبه ابتسامه في عجاج الحرب بالبرق في جنح الظلم يريد شجاعة الممدوح.
وقال ابن أبي فنن:
إِذا الغيث خلنا وميض غمامهُ ... يَشقُ الدُجى عنا وعنه بوارقه
وقال المتنبي:
نفسٌ لها خُلُقُ الزمانِ لأنَّهُ ... مُفْنِي النفوس مُفرِّقٌ ما جمّعا
стр. 434
نبهه عليه قول أبي نواس:
فما هو إِلاّ يأتي بصرفه ... على كل من يشقى به ويُعادي
وقال المتنبي:
ويدٌ لها كَرَمُ الغمامِ لأنَّهُ ... يسقي العمارةَ والمكانَ البَلْقَعَا
قال ابن الرومي:
خرقٌ يعم ولا يخص بجوده ... لكنه كالغيث في الأطباقِ
وقال ابن المعتز:
ونصيب بالجود الفقير وذا الغنى ... كالغيث يسقي مُجْدباً ومرُبعا
وقال آخر يخاطب الغيث:
وأنت تخص أرضاً دون أرضٍ ... وكفَّاه تعمّانِ البلادا
وهذه الأبيات تدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
أبداً يصدَّعُ شعبَ وِفْرٍ وافرٍ ... ويلمُّ شعب مكارمٍ مُتَصدِّعا
هذا من قول أبي تمام:
لهُ كلّ يومٍ شملُ مجدٍِ مؤلفٍ ... وشملُ ندىً بين العُفَاةِ مُشَتَّتِ
стр. 435
وقال البحتري:
ومعالٍ أصارها لاجتماعٍ ... شملُ مالٍ أصاره لافتراقِ
فكل هذه المباني والمعاني متقاربة وكذلك هذه المطابقات فالسابق أولى بها.
وقال المتنبي:
يهتزُّ للجدوى اهتزاز مهنّدٍ ... يوم الرّجاء هززتهُ يوم الوَغى
هذا مستعمل قال الحطيئة:
كسوبُ ومتلافٌ إِذا ما سألتَهُ ... تهلّلَ، وأهتزّ أهتزاز المهنّد
وقال متمم بن نويرة:
تراه كنصل السّيف يهتزّ للنَّدى ... إِذا لم تجد عند امرئ السّوء مطمعا
وقال ابن أبي فنن:
تراه على العلات تهتز للندى ... كما أهتز مصقول مضاربه عِضْبُ
وهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
أقصرْ ولستَ بمقصرٍ جزتَ المدى ... وبلغتَ حيثُ النجمُ تَحْتَكَ فَأرْبَعَا
стр. 436
قال أبو تمام:
يا ليت شِعْري لمن هذي مآثِرُهُ ... ماذا الذي بِبُلوغ النجم ينتظرُ
وهذا من قسم التساوي.
وقال المتنبي:
نفذ القضاء بما أردت كأنّهُ ... لك كُلّما أزمعت شيئاً أزمعا
هذا يشبه قول الأول:
وأقضيةُ الله محتومة ... وأنت منفذ أقدارها
فأبو الطيب يقول إن نفوذ القضاء بإرادته، وهذا قد صيره منفذاً للقضاء.
وقال المتنبي:
وأطاعكَ الدَّهرُ العصيُّ كأنَّهُ ... عبدٌ إِذا ناديتَ لَبّى مُسْرِعا
يشبه قول أبي تمام في الحرب:
فالحربُ تلزم نفسها لك طاعة ... فيما أردت بطاعة المتعبدِ
فهذا مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه ويشبه قول القائل:
تصرّفت الدنيا له بقضائِهِ ... فأيّامُها أنّى يشاءُ صوارِفُ
стр. 437
فهذا يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
أكلت مفاخرك المفاخر وانْثَنَتْ ... عن شأوهنّ مكيُّ وصفي ظُلَّعَا
) أكلت (استعارة غير مليحة، ولو قال) فضحت (كان أحسن.
وقال الخريمي:
كم يدٍ أوليتها ويد ... تدع المتنبي بها وهو حسيرُ
فظالع وحسير متقارب والأول أحق بقوله.
وقال المتنبي:
وجرْينَ مجرى الشَّمس في أفلاكها ... فقطعن مغربها وجزن المطلعا
قال ابن الجهم:
فسار مسير الشمس في كل بلدةٍ ... وهبَّ هبوب الريح في البرّ والبحرِ
وجرى الشمس في أفلاكها فمعلوم أنّه يقطع مغربها ويجاوز مطلعها، وقد زاد ابن الجهم ما هو من تمامه، وقد قال ابن المعتز:
فسار مسير الشمس في كل بلدة ... من الأرض إلاّ نحو أرض تريدها
стр. 438
وقال ابن أبي فنن:
تذل إِذا ما رضتها لي صعابها ... وتأتي على غيري إِذا ما تريدُها
تسيرُ مسير الشمس شرقاً ومغربا ... ويحلُو بأفواه الرجال نشيدُها
فقول ابن أبي فنن) شرقاً ومغرباً (أجود من قوله لأنها إذا قطعت المغرب فمعلوم أنها قد جازت المطلع.
وقال المتنبي:
لو نيطت الدُّنيا بأخرى مِثْلها ... وعممتها خَشيت أنْ لا تَقْنعا
فقال: خشيت لأنه أراد جملة الدنيين وجميع ما فيها فذهب إلى الجمع كما قال :) قالتا أتينا طائعين (ومعناه لعممتها وخشيت مفاخرك أن لا يقنع لك بالدنيتين وهذا احتجاج ضعيف وذلك أن السماء سبع والأرض سبع على معنى هذا الجمع، فأما الدنيا فلم يقل فيها شيء من هذا ولو قال:) وخشيت (لصح الوزن وكان أوضح بمراده.
وقال المتنبي:
ومتى يُودّي شرح حالك ناطقٌ ... حفِظَ القليل النَّزر ممّا ضيَّعا
هذا من محال الكلام أن المحفوظ ليس من المضيع في شيء والتأمل له ضعيف وهو أن يريد حفظ القليل من جنس الكثير المضيع، وأجود من هذا قول أبي نواس:
فقل لمن يدَّعي في العلم فلسفةً ... جهلتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ
стр. 439
فهذا صحيح يستغني عن التأويل.
وقال المتنبي:
إِن كان لا يدعي الفتى إلاّ كذا ... رجلاً فسمّ النَّاس طرّاً إِصبعا
نصب رجلاً على خبر ما لم يسم فاعله كأنه قال:) لا يدعي الفتى رجلاً إلا كذا (وإصبع غير مليح وقد ذكر بعض النحويين أنه مأخوذ من قول العجاج:
لو كان خلْقُ الله جنباً واحداً ... وكنتَ في جنبٍ لكنت زائدا
وكان ينبغي أن يقول ينظر إلى قول العجاج وأظنه توهم في مقصد العجاج جنب الإنسان فقال جنبه وإصبعه جزء منه وما أحسب أنه مقصده إنما مقصده: لو كان خلق الله في جنب واحد في الأرض وكنت في جنب آخر لكنت زائداً عليهم كما قال عمر بن أبي ربيعة:
ولو سلك الناسُ في جانبٍ ... من الأرض واعتزلتَ جانبا
ليمّمتُ طيّتها إنّني ... أرى حُبها العجب العاجبا
قال المتنبي:
إنْ كان لا يسعى لجودٍ ماجدٌ ... إِلاَّ كذا فالغيثُ أبخلُ من سَعَى
стр. 440
هذا البيت عليل الكلام ضعيف النظام لأنه كأن نحبا فالغيث بخيل فأما أن يجعله أبخل الساعين فليس كل الساعين كالممدوح في سعيه والممدوحون من السعاة لا يبلغون إلى أن يسبقوا الغيث في سعيهم فهذا فاسد، وقد قال أبو تمام:
هو الغيثُ لو أفرطْتُ في الوصف عامداً ... لأفرطت في وصفيه لم أكُ كاذبا
فأما قول البحتري:
سقيتَ وكان الغيثُ أدنى مسافةً ... وأضيقَ باعاً من نِداك وأقصرا
فهذه مبالغة حسنة لأنه قال: من نداك المفرط وفاصل بين مفرطين ولم يقل أضيق باعاً من كل ندى وأنجل من كل باذل ندى.
وبعدها أبيات أولها:
أجارُك يا أسْدَ الفراريسِ مكرمٌ ... فتسكُنَ نفسي أم مهاب فمُسلم؟
وهي أبيات فارغة لا يطلب لها استخراج سرقة.
ويتلوها قصيدة أولها:
صلةُ الهجرِ لي وهجرُ الوصالِ ... نَكَسَانِي في السُّقّم نَكْسَ الهِلالِ
стр. 441
قال أبو تمام ما يقرب منه:
أمسى بنو الإِسلام بدراً بعدما ... مُحِقَتْ بشاشتُه مَحَاقَ هِلالِ
وقال المتنبي:
فغدا الجسمُ ناقصاً والذي يَنْ ... قُصُ منه يزيد في بلبالي
قال عبد الملك بن عبد الرحيم:
الشوقُ يزداد كلَّ يومٍ ... إِليك والجسم في انتقاصِ
فذكر أن نقصان جسمه لزيادة بلباله، وذكر الأول أن الشوق لزيادته سبب لنقصان جسمه وكان الأجود أن يقول أن زيادة بلباله سبب لنقصان جسمه فقلب الكلام من عبد الملك بن عبد الرحيم فهو صححه وهو أولى بمعناه.
وقال المتنبي:
بطلُولٍ كأنَّهنَّ نجومٌ ... في عراصٍ كأنَّهنَّ ليالي
أخذه من قول الديك:
ألقى على عَرْصاتها صَرْفُ البلى ... ليلاً يرى الزوار فيه نُجوما
جعل الطلول مكان الزوار في هذا البيت وهذا يساوي ما قال فصاحبه أولى به.
وقال المتنبي:
ونُؤِيَّ كأنَّهنَّ عليه ... ن خِدامٌ خُرْسٌ بسوق خِدَالِ
стр. 442
حشو لا ينتفع به إنما المعنى أن انعطافه كانعطاف الخلخال سواء كان الخلخال ناطقاً أو أخرس أو على ساق خدل أم خمش، والمليح قول أبي تمام:
أثافٍ كالخُدودِ لطمن خُرْساً ... ونُؤي مثل ما أنفصم السِّوَارُ
فهذان تشبيهان في بيت جميع ألفاظه مفيدة ولا حشو فيها وذكر انفصام السوار تحقيقاً للتشبيه ولم يذكر أبو الطيب انفصامه ومن جاء بزيادة تشبيه وحذف الحشو وخفق التشبيه فهو أولى بقوله.
وقال المتنبي:
لا تلمني فإِنني أعشق العشَّ ... اق يا أعذل العذَّالِ
يساوي قول ابن الرومي:
قافلاً في علوة اللوم أني ... مطيب في الغرامِ إنْ لم يقلا
وكذلك قال ابن الحاجب:
ما أزداد عاذله في عذله شرفاً ... إلا يزيد عياء في تصابيهِ
وقال المتنبي:
ما تريدُ النّوى من الحيّة الذَّوَّا ... ق حرَّ الفلا وبَرْدَ الظّلالِ
стр. 443
هذا كلام رديء الصنعة أما قال:) حرّ الفلا وبردها أو حر الهواجر وبرد الظلال (وجملة البيت أنه شبه نفسه بالحية، وهذا مأخوذ من قول أبي تمام:
والفتى من تعرقتْه اللَّيالي ... والفيافي كالحيَّةِ النّضناضِ
وإذا ورد تشبيه في صحة لفظ فصاحبه السابق أولى به.
وقال المتنبي:
ولحتفٍ في العزِّ يدنو محبّ ... ولعمرٍ يطول في الذلّ قالي
هذا يشبه قول بعض الأعراب:
سأعمل نصّ العيس حتى يكفّني ... غنى المال يوماً أو غنى الحدثانِ
فللموت خيرٌ من حياةٍ يُرى لها ... على المرء بالإِقلالِ وسمُ هَوانِ
ولأبي الطيب زيادة في بيته بالتطبيق بين محب وقال: والعز والذل وقال ابن الرومي:
أبت لي قبول الخسف نفس أبيّةٌ ... تبيع بعزّ الموت ذلّ حياتها
стр. 444
وهو يقرب منه في المطابقة والمعنى لأن الإباء ضد القبول والعز ضد الذل فهو يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
نحن ركبٌ مِلْجن في زيّ ناسٍ ... فوقَ طير لها شُخُوصُ الجمالِ
أخذه من أبي تمام:
في فتنةٍ إن سَروا فَجِنٌ ... أو يمّمُوا شُقةً فطيرُ
وقال ابن الرومي:
فلو لاقيتهم في يوم حربٍ ... لقيت الجن في أشباح إِنس
فبيت أبي تمام قد جمع المعنيين واستولى على التشبيهين، وابن الرومي أتى ببيت كامل في معنى واحد، وأتى أبو الطيب في صدر بيته فزاد في كلامه معنى هو من تمامه فأبو تمام أولى بما سبق إليه، وابن الرومي قصر عنهما.
وقال المتنبي:
من نبات الجديل تمشي بها في ال ... بيد مشي الأيَّام في الآجال
ينظر إلى قول مسلم:
موفٍ على مهجٍ في يوم ذي رهجٍ ... كأنَّه أَجَلّ يسعى إِلى أَمَلِ
وقال المتنبي:
كلُّ هوجاء للدّياميم فيها ... أثرُ النَّار في سليط الذُّبالِ
стр. 445
ينظر إلى قول ابن الأحنف:
أحرم منها بما أقول وقدْ ... نال به العاشقون من عَشِقوا
صوت كأني ذُبالةٌ نُصبت ... تُضيء للنّاس وهي تحترقُ
وقال المتنبي:
من يزرهُ يزُرْ سليمان في المُلْ ... ك جلالاً ويوسفاً في الجمالِ
هذا معنى متداول فأمّا صدره فمن قول أبي العتاهية:
فكرتُ في ملك هارون فذكرني ... في الأرض ملك سليمان بن داود
وعجزه من قول أبي تمام:
لم يجتمعْ فرق الحُسْن التي افترقَتْ ... من عهد يوسف حتَّى استُجْمِعَتْ فيه
ولكنه قد استوفى الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
وربيعاً يضاحُكُ الغيثُ فيه ... زهرَ الشكرِ من رياضِ المَعَالي
هذا كلام مستوفي الأقسام مليح النظام قد ألمّ فيه بقول ابن الرومي:
أمْطِر جنابي نوالاً يكسه زهراً ... أنت المُحيّا بريّاه إِذا نفحا
وقال المتنبي:
نفحتنا منه الصّبا بِنَسيمٍ ... رَدَّ روحاً في ميّتِ الآمالِ
стр. 446
بينما جاء بيت كله استعارة حتى توهم أن لها حقيقة) نفحت منه الصبا بنسيم (ولا معنى لتخصيصه الصبا بذلك فهو يتعلق برياض المعالي ورد الروح في بيت الآمال: فأما إحياؤه الآمال فمن قول أبي تمام:
أحيا الرجاء لنا برغم نوائبٍ ... كثرت بهنّ مصارعُ الآمالِ
جعل إحياء الرجاء بجود الممدوح، وذكر مصارع الآمال بالنوائب فكلامه أصح استعارة وأولى بالمعنى فأبو تمام بهذا أرجح.
وقال المتنبي:
همُّ عبد الرحمن نفع الموالي ... وبوارُ الأعداء والأموالِ
يشبه قول مسلم:
تظلّم المالُ والأعداءُ من يَدِهِ ... لا زال للمالِ والأعداء ظُلاَّما
وقال المتنبي:
أكبرُ العيب عنده البخل والطّع ... ن عليه التَّشبيه بالرّئْبالِ
يقرب من قول ابن الجهم:
وتظلم أن قسنا بك الليث مرةً ... لأنّكَ أحمى للحريمِ وأبسلْ
стр. 447
وقال المتنبي:
فَخُذَا ماء رجله وأنضحا في ال ... مدنِ تأمنْ بواثق الزَّلزالِ
هذا مدح غير مستعمل يصلح أن يكون من أوصاف الأنبياء والصالحين، وهو ينظر إلى قول ابن الرومي:
هُمْ حبل الله الذي لو أزاله ... وحاشاهم ما زال) في (الأرض زلزالُ
وقال المتنبي:
قابضاً كفّه اليمين على الدُّن ... يا ولو شاء حازها بالشمالِ
يقرب من قول جرير:
يا ضبّ قد أمست يميني فاعلموا ... خُلواً وما شغل القُيون شِمالي
وقال المتنبي:
نفسُهُ جيشه وتدبيرهُ النَّص ... رُ وألحاظُه الظّبا والعَوَالي
قال ابن الجهم:
فهّمتُه جيش وعزمتُه سُرى ... وفكرته حرب وآراؤُه جُنْدُ
стр. 448
وهذا البيت كثير الأوصاف صحيح الأصناف، فأما قوله:) وألحاظه الظبّا والعوالي (فمن قول القائل:
لحظاتُ طرفك في الوغى ... تُغْنيكَ عن سَلّ السيوفِ
وقال المتنبي:
رجُلٌ طينه من العنبر الوَرْ ... د وطينُ العِباد منْ صَلْصالِ
قال ابن مناذر:
إنا نظرنا ما كان جوهره ... فكان مسكاً وكان غيره طِيبا
هذا يدخل في قسم المساواة، ومثله قول أبي العتاهية:
ما أنت يا عتبَ إلاّ بدعةٌ خلقتْ ... من غير طين وخلق النّاس من طين
لم يذكر ما ذكره مما خلقت منه فقد زاد عليه، وقال ابن الرومي:
حظهم وافرٌ من الروح روح ... الله لا وافرٌ من الصلصالِ
وهذه مبالغة يزيد بها على جميعها، وللرومي أيضاً:
جعل الله طينة الناس صِلْصالا ... وأجراكَ سائغاً سِلسالا
وقال المتنبي:
وبقايا وقارهِ عافت النَّا ... س فصارت وقارة في الجبالِ
стр. 449
لا شيء أفضل من الحيوان الناطق المميز. وقوله: عافتْ الناس إزراءهم ويشبه ما قاله قول الوائلي:
وبنو المعمر إنّما أحلامهم ... خلقت جبالاً ما خلقن حُلوما
فنفى عنهم أن تكون حلومهم بل جبالاً وأشبه قوله قول أبي الطيب وإنما قالا هذا على المبالغة لأن الأجسام التي منها الحلوم أخف وزناً من الجبالكما قال ابن دريد:
فلو وزنت أحلامنا في بدننا ... لكانت من الشم الشوامخ أرجحا
فذكر الوزن على المبالغة لأنه شيء أثقل وزناً منها.
وقال المتنبي:
واغتفارٌ لو غيّر السخط منه ... جُعلتْ هامهُم نعال النِّعالِ
فإن كان أراد أن يكون هامهم تحت النعال فكأنّها نعال للبغال على المجاز فهو جائز وأراد نعال الطراقات فيمكن ذلك ومما أستعمل من هذا قول كثير:
وسعى إلى تغيب عِزة نِسوة ... جعل المليك خُدودهن نِعالها
وقال ابن الرومي:
فأغن في نعمةٍ برغم عدو ... جعل الله خده لك نَعْلا
стр. 450
ولكن الحصني بالغ فقال:
لا زال شانيك تحت نَعْلِكَ ... لا أكرمه الله بالدنو من قَدمك
فهذا نبهه على أن جعل للنعال نعالاً لأنه جعل هامهم تحت نعال الممدوح كالبغال.
وقال المتنبي:
لجيادٍ يدخلن في الحربِ أعرا ... ء ويخرجن من دمٍ في جلالِ
زعم أنه يركب أعراء فيخرجن من دم في جلال فدل على فروسته لا يركب خيله غير مسرجة وكذلك قال في قصيدة أخرى:
أو ركبوا الخيل غير مُسْرجةٍ ... فإِنَّ أفخاذهُمْ لها حَزَمُ
فدل على فروسيتهم بثبوتهم على ظهورها وهذا البيت الثاني بقوله: أو ركبوا الخيل أجود من الأول لأنه يدل على أنهم إن اضطروا ثبتوا عليها، والبيت الأول إخبار أنها تدخل على هذه الهيبة في الحروب وجميع حروب العرب يدخلها خيلها وفرسانها المشهورون يركبونها مسرجة وليس الخلاف لعادتهم من الفضيلة للممدوح وكأنه ينظر إلى قول البحتري:
سُلبوا، وأشرقَتِ الدماء عليهم ... مُحمّرةً، فكأنهم لم يُسْلُبوا
стр. 451
وقال المتنبي:
واستعارَ الجديدُ لوناً وألقى ... لونَهُ في ذوائبِ الأطفالِ
ينظر إلى قول أبي تمام:
أيّ وليدٍ رأى سيوفهُمُ ... في الحربِ مشهورةً فلم يشبِ؟
وقال المتنبي:
أنت طوراً أمرُّ من نافع السَّم ... وطوراً أحلى من السَّلْسالِ
السم يوصف بالتوجيه والإهلال فأما بالمرارة فلا، والجيد قول ابن الرومي:
أسوغُ لخلاّني مساغَ شرابِهمْ ... ويلقاني الأعداءُ كالحنظلِ الغضِّ
وقال أبو المعتصم في مثله:
أمرُ على الأعداء من جزع الرّدىَ ... وأحلى إذا شاهقتُه من جني الشهدِ
فجاء) بمر وحلو (ولكنه أتى بشيء يستعمل على المجاز.
وقال المتنبي:
إِنَّما النَّاس حيث كنتَ وما النَّا ... سُ بناسٍ في موضعٍ منك خالي
يقرب من قول العكوك:
إِنَّما الدنيا أبو دُلفٍ ... بين مبداه ومحتضرهِ
فإِذا ولّى أبو دُلُفٍ ... ولّتْ الدنيا على أثره
стр. 452
غير أن أبا الطيب أتى بالطويل في الموجز القليل.
يتلوها قصيدة أولها:
أمن ازديارك في الدّجى الرُّقباء ... إِذْ حيثُ كنت من الظلام ضِياءُ
قال فيها:
قلقُ المليحة، وهي مِسْكٌ، هَتْكُها ... ومسيرُها في الليل وهي ذُكَاءُ
أمن هاهنا) كنم (في قول جحظة:
زائرٌ نمّ عليه نوره ... كيف يُخفي الليل بدراً طَلَعا
وهي في معنى:) إذ حيث كنت من الظلام ضياء (ونظيره قول البحتري:
غاب دجاها، وأيُّ ليلٍ ... يدجو علينا وأنت بدرُ
ومن إبانته أعني المتنبي عن معناه قوله:) قلق المليحة (يوجب حركتها فيفوح عطرها ومسيرها وهي ذكاء يفضحها والذكاء الشمس، وهذا من قول إبراهيم بن علي الأنباري:
همت بنا حتى إذا أقبلتْ ... نَمَّ عليها المسك والعنبر
стр. 453
وقال البحتري:
وحاولْنَ كتمانَ التّرحّل في الدُّجى ... فنم بهنَّ المسك لما تضوَّعا
وملح أيضاً في قوله:
فكأنَّ العبير بها واشياً ... وجرس الحُلّي عليها رَقِيبا
فزاد معنى آخر في: وشي العبير وجرس الحلّي.
وقال المتنبي:
أسفي على أسفي الذي دلهتني ... عن علمه فَبِهِ عليّ خفاءُ
هذا كلام فيه صعود وحدود، وهو يقرب من قول أبي تمام:
أظله البينُ حتَّى إِنه رجلٌ ... لو مات من شغله بالبين ما علما
وكلاهما طلب مبالغة فصارت استحالة لأنه يأسف على الأسف فصار الآن غير مدلة عن الأسف الثاني، وأبو تمام يذكر أنّه لو مات بالبين ما علم، وأي علم له بعد الموت.
стр. 454
وقال المتنبي:
وشكيَّتي فقد السَّقام لأنه ... قد كانَ لَمَّا كان لي أعضاءُ
أصح من هذا قول القائل:
قدْ صِحتُ واكَبِدِي إذ كان لي كبدٌ ... فالآن قدْ قطعت مِنْ بعدكم قَطَعَا
وقال المتنبي:
مثلث عينك في حَشاي جراحةٌ ... فتشابها كلتاهما نَجْلاءُ
كان يجب أن يقول: فتشابهتا ولكن العين تأنيثها غير حقيقي ولو أستعمل القياس على قوله لقال: فكلاهما أنجل أو فشابهتا وكلتاهما نجلاء.
وقال المتنبي:
نفذت عليَّ السابريّ ورُبما ... تندقُ الصّعدةُ السَّمراءُ
فأخبر أن عينها نفذت عليه السّابريّ يريد الدرع إعلاماً بشدة الطعنة وأبان مراده باندقاق الصّعدة السمراء وليس هذا من صفات العيون التي توصف بخرق الدروع حتى توصل إلى حشاه جراحه، هذا من صفات السيوف والرماح وخرق الدروع واندقاق الرمح إنما يكون بالتقاء الأجسام وتصادم الأجرام وإنما النظر عرض له تأثير يؤثر في قلبه كما قال ابن المعتز:
стр. 455
عَيني أشاطت بدمي في الهوى ... فأبكوا قتيلاً بعضه قاتِلهُ
وقال آخر:
وسائلي عن يدي حبي ... فقلتُ قول الشجيّ المحب
سوادُ عيني كما أراه ... أسكنه فيَّ سوادُ قلبي
فخبر أن نظر عينه إلى محبوبه أوجب تأثيراً شكاه، هذا هو المعروف من أفعال العيون في القلوب فأما انحراق الدروع على لابسيها فيصلح أن يكون في لقاء الكماة كما قال عنترة:
ومشكٍّ سابغةٍ هتكتُ فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقةِ مُعلَمِ
قال البحتري في صفة سيف:
يلقى الوغى، والدرع ليس بجنةٍ ... من حدّه، والدّرعُ ليس بمعقلِ
وقال المتنبي:
أنا صخرةُ الوادي إذا ما زُوحِمَتْ ... وإذا نطقتُ فإِنني الجوزاءُ
لو قال:
أنا صخرة إن زُوحِمَتْ ... ونجم إذا نظق
قيل إن الصخرة لا يضرها ما زاحمها وأنه قصر بكلامه في محل النجم، فلما خصص صخرة الوادي
стр. 456
) والجوزاء احتجنا في هذا التخصيص إلى فائدة ولا فرق بين (صخرة الوادي وغيرها ولا بين الجوزاء وغيرها في العلو، وقال: فإذا نطقت فإنني عطارد كان قد دل على ما دلت عليه الجوزاء وخبر عن جلالة النجم وتأثيره في البلغاء والشعراء.
وقال المتنبي:
وإذا خفيت على الغبّي فعاذرٌ ... ألا تراني مُقلةٌ عمياءُ
يساويه قول ابن الرومي:
من لا يرى شمس نكهتها ... فقد استفاد عماه لي نيلى
وقال المتنبي:
شيمُ الليالي أن تشككَ ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء
فقال: أفضى وهو رباعي من أفضى يفضي وكان ينبغي أن يقول: أشد إفضاء فلحن ومعناه أن الليالي تشكك ناقته أصدره أوسع أم البيداء وأسهل من هذا وأقرب وأوضح وأعذب قول ابن الرومي:
يممته بنا المطايا فأفضتْ ... من فضاء إلى فضاء رحيبِ
وقد قال البحتري:
ليسَ الذي حَلتْ) تميم (وسطها) ال ... دّهناء (لكن صدرك الدَّهناءُ
стр. 457
فنقض باللحن عن مساواتهما، وأتبع هذا بقوله:
فتبيتُ تُسئدُ مُسئداً في نَيِّها ... إسآدها في المهمةِ الإِنضاءُ
فالإسآد إعداد الليل ومثله الآساد، وقيل الإسآد سير الليل خاصة، والإنضاء المصدر من أنضاه ينضيه: إذا هزله فإذا به وفائدة هذا الكلام، تبيت هذه الناقة كما يسرع تعبها في شحيمها، والمسئد منصوب على الحال منها والإنضاء مرفوع بمسئد والعائد عليه من هذه الحال الهاء في نيها والإسآد منصوب على المصدر والناصب له مسئد لا تسئد وتقديره فتبيت هذه الناقة تسئد مسئد الإنضاء فإسآدها في المهمة، مثاله:
تبيت هند يصلي مصلياً عمر ... في دارها كصلاتها في المسجد
أي تبيت على هذه الحال تصلى فمسئد
стр. 458
فعل الإنضاء وجرى حالاً على الناقة لما تعلق به من ضميرها الذي في نيّها كما يقول: مررت بهند واقفاً عندها عمرو، وقد جاء بمعنى غير لطيف ولفظ غير شريف وفيه من التعسف والتعجرف ما لو ورد عن الأنوه الأودي: ما أشتغل الناس بإخراج وجهه فكيف بمحدث جاء على ساقة الشعراء.
ولا يخلو أن يكون قال هذا لا يعرف وجه الخلاص فأتعب المحتج له لو عرف ذلك وهو قاصد أن يسأل فيجيب حرصاً منه على أن يحسن به الظن في علم العربية ونحن نعلم ضعفه فيها وقد أتى بهذا المعنى أبو تمام فأحسن بأحسن الكلام وأوضح نظام فقال:
رعتهُ الفيافي بَعدَما كان حقبةً ... رَعاها وماء الروض ينهلُّ ساكِبُهُ
فهذا يرجح لفظه ويفهم معناه وليس فيه من الصعود والحدود ما أوقعنا فيه المتنبي لتعجرفه.
وقال المتنبي:
أنساعُها ممغوطةٌ، وخِفَافُها ... منكوحةٌ وطريقُها عَذراءُ
فسر هذا بعض الأدباء فقال معناه أنساعها ممغوطة أي ممدودة وقال: خفافها منكوحة قد أدمتها مقارعة الحصى لما تكلفها من ذلك والعذراء البكر ذكر أنه فصل شدة من سيرها وهذا تفسير نحوي غير عالم بالشعر والمعنى أن أبا الطيب أراد أن خفافها من عادتها معاودة قطع هذه الطريق لم يطأها
стр. 459
خف يؤلم بسفكها أحد لبعدها أو مخافتها فهي كالعذراء التي ما افتضت فطابق بين المنكوحة والعذراء على وجه الاستعارة، كقول أبي تمام:
يسر بذلك مهر مطل إنه ... ينوي افتضاضَ صنيعةٍ عَذراءُ
وقال المتنبي:
بيني وبين أبي علي مِثلُهُ ... شُمُّ الجبال ومثلهنَّ رَجاءُ
نصب مثلهنّ على الحال لأنه نعت نكرة تقدم عليها يريد رجاء مثلهنّ فلما قدم نعتها عليها كما يقول: فيها قائماً رجل.
وقال المتنبي:
وعقابُ لبنات وكيفَ يقطعها ... وهوَ الشتاءُ وصيفهنَّ شِتاءُ
أخذ المعنى من البحتري في صفة دمشق:
وكيفَ لا يَحصيها بالهوى ... وَصيفُها مثلُ شتاء العِراقْ؟
стр. 460
وقال المتنبي:
لبس الثّلوجُ بها على مسالكي ... فكأنَّها ببياضها سَوداءُ
نبهه على هذا المعنى الديك في قوله:
مشيبٌ في العيون لهُ بياضٌ ... ولكن في القلوب له سَوادُ
فهذا استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه نقل المشيب إلى الثلج وكلاهما أبيض وذكر أن بياضها في عيونهما أسود وهذا من فطنة الشاعر الحاذق ولا يفطن له إلا كل جيد النقد للشعر.
وقال المتنبي:
في خطهِ من كلّ قلبٍ شهوةٌ ... حتى كأنَّ مدادهُ الأهواءُ
اختصر من مديحه على حسن الخط، وقال ابن الرومي:
بهِ أمستْ الأهواءُ يجمعها هوى ... كأنَّ نفوس الناسِ في حُبّه نَفْسُ
وقال البحتري في الخمر:
أفرغتْ في الزّجاج من كلّ قلبٍ ... فهي محبوبة إلى كُلّ نَفْسِ
فهذه أبيات متساوية وهي من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق
следующие страницы →