← Адаб

Адаб · id 31373

المنصف للسارق والمسروق منه

ابن وكيع التنيسي

Полный текст (676 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عن وجوههم فلا نصيب له في المدح، وينظر إلى قول العكوك وابن الرومي قول أبي دلف: نحنُ قومٍ تذيبنا الحدقُ النحل ... على أننا نذيبُ الحديدا لا نصدّ الوجوه من خشية الناس ... ونخشى من الغواني الصدودا وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه. وقال المتنبي: قبيلٌ أنت أنت وأنت منهم ... وجدّك بِشرٌ الملكُ الهُمامِ فذكر أنه على شرفه واحد منهم وهو على الانفراد قبيلٌ وحده، وأحسن من هذا قول ابن الرومي: قالوا أبو الصقر من شَيبان قُلت لهم ... كلا لعمري ولكن مِنه شيبان وكم أبٍ قد علا بأبن ذرى شرفٍ ... كما علا برسول الله عدنان تَسمو الرجال بآباء وآونة ... تَسمو الرجال بأبناء وتزدان جعل شيبان منه ولم يجعله منهم ذهاباً به عن الإضافة إلى أحد وذكر أنها على ارتفاعها ترتفع به، وأبو الطيب إضافة إليهم وابن الرومي أرجح كلاماً وأبلغ في معناه فهو أحق بقوله. وقال المتنبي: لقد حسنتُ بك الأيام حتى ... كأنّك في فم الزَّمنِ ابتسامُ

стр. 387

يشبه قول ابن الرومي: قعدت بِك الدنيا وما ظلمت ... مفترة عَنْ كل مبتسم وقال البحتري: فأبقَ أنساً لهُ فما ضحِكَ الدَّه ... رُ إلينا إلاّ وعَنْكَ إفترِارُهْ وقال ابن الرومي أيضاً: أناسٌ إذا دهرٌ تبسم ضاحكاً ... فعنهم وعن آبائهم يبتسمُ فذكر الابتسام ولم يذكر فماً وهي استعارة يجوز فيها أن يراد بها بهجة الدهر وبشاشته، وأبو الطيب جعل للدهر فماً وشبه بابتسامة فحقق المعنى وملح فرجع كلامه. ويتلو هذه قصيدة أولّها: لجنّيةٍ أم غادةٍ رُفِعَ السجفُ ... لوحشية؟ لا. ما لوحشيةٍ شَنْفُ

стр. 388

معلوم أن هذا الكلام سؤال متباله يسأل من أي الجنسين هي، وهو يعلم أنها بشر ولا أعلم من خبره أنّ الجن لأحسن منظراً من الأنس حتى يسأل من أي الجنسين هي، فأما قوله:) لوحشيّة؟ لا ما لوحشية شنف (. فمستعمل من ذلك قول أبي تمام: لم يُخطك الجيدُ مِنْ غَزال ... لو عطّلوه من السحابِ فأنكر هذا الشنف كما أنكر هذا السحاب، وقد أنشدني أبي ﵀ قال: أنشدنا ابن دريد: أعنْ الشّمس عشاءً ... كشفَتْ تلك السجوفُ أمْ على لبتي غزال ... عُلّقت تلك الشُّنوفُ فسأل هل كشف السجوف عن الشمس، وهل تعلق الشنوف على لبتي الغزال لتشابه المعنيين عنده، فهو تباله مليه مع علم ليدل على قوة الشبه بين المشتبهين، والقرط ما كان في شحمة الأذن من أسفل، والشنف ما كان في حياز الأذن من فوق. وقال المتنبي: وخُيِّلَ مِنها مرطُها، فكأنَّما ... تَثنّى لنا خوطُ ولاحَظنا خِشْفُ فتخيل مرطها إياها يعمل لها حركة في قدها يشبه بها الخوط ولا عمل لتخييل مرطها في لحظها وهذه صفات متداولة منها قول ابن الرومي:

стр. 389

إن أقبلتْ فالبدر لاح، وإنْ مشتْ ... فالغصنُ مال، وإن رنت فالرّيمُ فإن كان الناظر في كتابنا يحتسب بهذه الشبهات المتداولات المستعملات فبيت ابن الرومي لا مطعن في أقسامه، وأبو الطيب لم يذكر في شعره غير لحظها وقدها وذكر ابن الرومي وجهها وقدّها ولحظها فكلامه أرجح وهو أولى بما سبق إليه. وقال المتنبي: زيادةُ شيبٍ وهي نقص زيادتي ... وقوةُ عشقٍ وهي من قُوّتي ضَعفُ صدره من قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي: الشوقُ يزدادُ كُلَّ يومٍ ... إليك والجسمُ في انتقاصِ ومثله قول القائل: زيادةُ عمر المرء نقص حياته ... فَما عجب من نُقصانِه من تَمامه ويقرب منه قول البحتري: أدلّةُ المرء أيّامٌ عددنَ لهُ ... يرينهُ الفضل تقويماً وإرشاداً وقدْ يُطالبن ما قدّمنَ من سلف ... فيه وينقصهُ الفضل الذي ازدادا وينظر إلى قوله قول ابن الحاجب: أكرهُ الموت والزيادة في أيام ... عمري نقصان عُمر السواد وقد أتفق لأبي الطيب من ذكر الزيادة والنقصان والقوة والضعف ما صار به

стр. 390

أجود صنعة بالزيادة في كلامه ما هو من تمامه وهذه معان تدخل في قسم المساواة. وقال المتنبي: هراقَتْ دمي من بي من الوجد ما بها ... من الوجد بي والشوق لي ولها حَلفُ هذا يشبه قول الشاعر: وجدتُ بي ما وجدتُ بها ... فكِلانا مغرمٌ دَنِفُ وعلى الأيام مظلمتي ... هلْ من الأيام منتصفُ وقال المتنبي: ومَنْ كلما جرّدتها من ثيابها ... كَساها ثياباً غيرها الشّعرُ الوحفُ من بلغ إلى تجريد محبوبه من ثيابه فقد بلغ نهاية مناه وبغية هواه فلم يهرق دمه، فأما المعنى فقد قال أبو تمام: من كلّ فتنانة تَردّى ... بِثوبِ فينانها الأثيثِ فقد تساوى المعنى ولكن أبا الطيب أكثر إبانة وأرجح بالإبانة والجزالة فهو أحق بالمعنى. وقال المتنبي: وقابلني رُمّانتا غُصن بانةٍ ... يميلُ به بدرٌ ويمسكُهُ حِقْفُ إضافته الرّمانتين إلى غصن البانة يدل على أنّ أغصان ألبان من ثمرها الرمان، وقد عرفنا مقصده إنما شبه الثديين بالرمانتين وقدها بالغصن وأرانا جمع حلقها غرائب لا تجتمع ولا تقع إلا فيه ولو أمكنه أن يقول:) رمانتان في غصن بانة (

стр. 391

.....، كان أسوغ في مقصده، كما قال ابن الرومي: أغصان بانٍ عليها الدهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل ألبان فكل تعجب مما ليس في العادة إجماعه، فأما إطلاق اللفظ على الرمان أنه من ثمر ألبان بغير مقدمة توضح مراده فلا أستحسنه هاهنا وقوله:) يميل به بدر (فالبدر وجهه وليس يميل وجهه بقده لأن إذا مال مال بوجهه حيث يميل، وابن الرومي أشعر منه في إتيانه أن الفواكه ليس مما يحمل ألبان، فدل على أن المراد التشبيه لا الحقائق وهو أولى بقوله. وقال المتنبي: أرددُ) ويلي (لو قضى الويل حاجةً ... وأكثر) لهفي (لو شفى غلةً لهفُ يشبه قول البحتري: فيا أسفاً لو قابلَ الأسفُ الجوى ... ولهفاً لو أَن اللهف في ظالمٍ يُجدي وهذا من قسم المساواة، وقال ابن الرومي: أسفي لو أنّ قولي أسفي ... كان يشفيني من حر الأسف وقال المتنبي: ضَنَىً في الهوى كالسُّم في الشَّهد كامناً ... لذذت به جهلاً وفي اللّذةِ الحتفُ هذا من قول إبراهيم بن المهدي: يشوب بنادي النصح غِشّاً يسره ... كما خيض بالسم الرحيقِ المُشعشع

стр. 392

وقال أبو تمام: أعلى يا ابن الجهم أنَّك دقت لي ... خمراً وسماً في إناءٍ واحدِ ويقرب من هذا قول القائل: إذا استوحشتَ مِنْ رجلٍ ... فكُن منه على وجَلِ ولا يغرركَ ظاهرُهُ ... فباطنُهُ على دَغَلِ فقد يُلفي حِمامُ المو ... تِ بين السمِّ والعَسلِ فجاء بالسم والعسل كما جاء به وهذا من قسم ما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه، ومثله لأبي الشيص: أعلّلُ آمالي بكانت ولم تكن ... وذلك طعمُ السمِّ والسهد في الكأسِ وبيت أبي الطيب أفصح وأرجح. وقال المتنبي: فأفنى وما أفنته نفسي كأنَّما ... أبو الفرجِ القاضي لهُ دونها كَهفُ الهاء في) أفنته (عائدة على أفنى، أي نفسي ولا أفنيه كأن الممدوح كهف للضنى دون أن تفنيه نفسي، فقد أراد الخروج المليح إلى المديح ولم يظفر بمعنى فائق ولا جاء بحفظ رائق. وقال المتنبي: قليلُ الكرى لو كانت البيضُ والقنا ... كآرائهِ ما أغنتْ البيضُ والزَّغفُ

стр. 393

قال أبو تمام: وأستلَّ من آرائِهِ الشُّعلَ التي ... لو أنهُنَّ طُبعنَ كُنَّ سُيوفا لم يزد أبو تمام على أنّ أراهم لو طبعن كدن سيوفاً، وأبو الطيب يذكر أن السيوف لو كنّ كآرائه ما أغنت البيض والزغف أي لقطعن ما لا تقطع السيوف فلفظه أرجح فهو أولى بما أخذ. وقال المتنبي: يقومُ مقامَ الجيشِ تقطيبُ وجههِ ... ويستغرق الألفاظ مِنْ لفظهِ حَرفُ قال البحتري: وإذا خِطابُ القوم في الخطبِ اعتلى ... فَصل القضيةَ في ثلاثةِ أحرفِ فقد جاء أبو الطيب في صدر بيته بمعنى، وجاء في عجز البحتري ونقصنا حرفين فهو أرجح وأولى بما أخذ. وقال المتنبي: وإن فَقَدَ الإِعطاء حنت يمينُهُ ... إليه حنينَ الإِلفِ فارقَهُ الإِلفُ وهذا يقارب معنى أبي تمام: واجدٌ بالجميل من رُحاءِ الشّ ... وقِ وجدانَ غَيرِهِ بالحبيبِ فأما قول البحتري: يحنُّ إلى المعروف حتى يُنيلَهُ ... كما حنَّ إلف مستهامٌ إلى إلفِ فهذا أخذ واضح يكاد يدخل في أخذ اللفظ المدعى هو ومعناه معاً والبحتري أحقّ بقوله. وقال المتنبي: أديبٌ رستْ للعلمِ في أرض صَدرِهِ ... جبالٌ، جبالُ الأرضِ في جنبها قُفُّ

стр. 394

قال أبو تمام: وإذا الملوك تقدّمت أفعالهم ... كانوا وأنتَ طود رأس قال ابن الرومي: غدا جبلاً جبالُ الأرض طُرّاً ... تضاءل تحته مثل الظّرابِ وهذا يدخل في قسم المساواة. وقال المتنبي: فأضحى وبين النَّاس في كل سيدٍ ... من الناسِ إلا في سيادته خُلفُ قال أبو الشيص: ولا أجمعت إلاّ عليكَ جميعُها ... إذا ذُكِرَ المعروفُ ألبسهُ العُرفُ وقال أبو تمام: لو أنّ إجماعنا في فَضل سؤدده ... في الدين لم يختلف في الملة اثنانِ وقال البحتري: وأرى النّاسَ مجتمعينَ على فض ... لِكَ من بين سيّدٍ ومَسُود عَرف العالمُون فضلكَ بالعِل ... م، وقال الجُهال بالتقليد وقال ابن الرومي: يَختلفُ الناس في سِواك ... وما يوجدهم موضعاً لمختلف

стр. 395

فأبو الشيص ينادي أبا الطيب وأبو تمام جعل الإجماع على سؤدده لو كان في الدين فلا اختلاف، فزاد في كلامه ما هو من تمامه، والبحتري جعل سبب الإجماع علماً به أو تقليداً فيه فأوضح ورجح، وابن الرومي ذكر الخلاف في سواه وإجماعهم عليه وذكر أنه لم يوجدهم الطريق إلى الاختلاف فيه لكماله فللقوم زيادات يرجحون بها على المتنبي وهو المتأخر فهم أولى بمعانيهم. وقال المتنبي: يفدّونهُ حتّى كأنَّ دماءهُمْ ... لجارى هَواهُ في عُروقهم تقفو ليس في التفدية دلالة على أنّ دماءهم كأنها تقفو هواه في عروقهم وليس العروق من مساكنة الهوى بل من مساكنة القلوب ولكنه سمع قول أبي العتاهية: فتنفست ثُمّ قلتُ نعم حس ... بّاً جرى في العروق عِرقاً فعرقا فأخذه) منه (: وقال المتنبي: وقوفين في وقفين: شكرٍ ونائلٍ ... فنائلهُ وقفٌ، وشكرهُمُ وقفُ نصب) وقوفين (على الحال منه ومن الناس المقدم ذكرهم والعامل في الحال قوله:) يفدونه (كقولك) لقيتك ضاحكين أنا وأنت (في هذه الحال

стр. 396

وإن شئت نصبته بفعل مضمر أي أذكر وأعني وما أشبهه فجائز، وقال أبو تمام: فتىً عِرضُهُ وقفٌ على كلِّ طالبٍ ... وأموالُهُ وقفٌ على كُلّ مُجتدِ وقد قدم الشكر على التأويل في صدر بيته ولو قال في عجزه) فشكرهم وقف ونائله وقف (. كان أجود للصنعة إلا أن يذهب إلى أن الشكر يتقدمه النائل وقد قال البحتري فيما يقرب من هذا: أعيالٌ لهُم بنو الأرضِ أمْ ما ... لهُمُ راتبٌ على النَّاس وقفُ فأتى بمعناه في نائلهم وزاد عليهم بالشكر، وقال ابن الرومي: أموالهُ وقفٌ على تنفيلنا ... وثناؤنا وقفٌ على تحقيقِهِ فجاء بالوقفين وأورد من التثقيل والتخفيف مطابقة حسنة ولم يدع له فضلاً فابن الرومي أحق بما قال. وقال المتنبي: ولا نالَ من حُسّادهِ الغيظُ والأذى ... بأعظم مما نال من وِفْرِهِ العُرفُ سمع الديك يقول: فعلتْ مقلتاه بالصَّبِ ما تف ... علُ جَدوى الأمير بالأموالِ فجعل بازاء الصّب الحسّاد وجعل بازاء مقلته الغيظ والأذى والجدوى والعرف واحد، والبيت من قسم ما احتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه. وقال المتنبي: تفكّرُهُ علمٌ، ومنطقهُ حكمٌ ... وباطنُهُ دينٌ، وظاهرهُ ظَرفُ أهل العروض ينكرون هذا البيت ويقولون هذه القصيدة من العروض الطويلة من الضرب الأول وعروض الطويل الأول أبداً تجيء مقبوضة على مفاعلن إلا أن يصرع البيت وهذا البيت غير مصرع فهو غير جائز عندهم، وقد قال الخريمي: فتىً جَهرهُ ظرفُ، وباطنه تُقىً ... يُزَيّنُ ما يُخفي بصالح ما يُبدي فعجز البيت داخل في هذا وباقي البيت زيادة في كلامه ما هو من تمامه ولكن أبا الطيب أجمع أوصافاً. وقال المتنبي: فلَم نرَ قبل ابن الحسين أصابعاً ... إذا ما هطلن استحيتِ الدّيمُ الوطفُ كان يجب أن يقول:) لم نر مثل أصابع ابن الحسين أصابعاً (إذ ليس يعبر عن جملة أبي الحسين بالأصابع ولكنه حذف لعلم المخاطب وهذا من قول أبي نواس:

стр. 397

إنّ السَّحابَ لتستحي إذا نظرت ... إلى نداك فقاستهُ بما فيها حتى تهمّ بإِقلاعِ فيمنعها ... خوف العقوبة في عصيان مُنشيها فلا زيادة على أبي نواس في البيت الأول وقد جاء في كلامه بزيادة هي من تمامه وأتى بغريبه في الثاني لم يسبق إلى مثلها، وقال أبو تمام: لآل سهلٍ أكفّ كلمّا اجتدُيتُ ... فَعَلْنَ في المحلِ ما لا تفعل الدِّيمُ فقد ساوى أبو تمام أبا الطيب في هذا المعنى. وقال المتنبي: ولا ساعياً في قُلّة المجدِ مُدركاً ... بأفعالِه ما ليس يُدركُهُ الوصفُ حمله معنى البيت أن الوصف لا يدرك أفعاله، وقد قال البحتري: أحاطت بآفاق المعالي أجمع ... للوصفِ من السعي في قلةِ المجدِ وباقي البيت في معنى بيت أبي الطيب وذكر البحتري أنه أحاط بآفاق المعالي وأعاد ذكر الإحاطة لأنها لا يحيط بها وصف فهو أرجح. وقال ابن الرومي: وفي الحُسن والملاحةَ حتّى ... ما يُوِّفيه واصفٌ حقَّ وَصْفِ فجعل توفية الحسن إياه سبباً لامتناع الوصف فهو أرجح ممن لم يذكر العلة في ذلك. وقال المتنبي: ولمْ نرَ شيئاً يحملُ العبء حَملهُ ... ويستصغِرُ الدُّنْيا ويحملُهُ طرْفُ ليس استصغاره الدنيا مما له وزن إنما ذلك لشرف الهمة وارتفاع النفس، وما بين المستقبل

стр. 398

لها والمستكثر إياها فرق في الوزن، فهذه صنعة رديئة وإياها نحا عبد الله بن المعتز في عبد الله بن سليمان حين وقع من دابته فقال: لا ذَنْبَ عِندي لابن العَيْرِ حين خَوتْ ... رجلاه من خَوْر فيها ومن لينِ حمّلتموهُ الذي ما كان يحملهُ ... فره البغالِ وأصنافْ البرذينِ البدرُ والبحرُ والطّورُ الرَفيع وأنْتَ ... الغابُ والدنيا مع الدينِ لكل هزة وزن ثقيل غير الدين فإنه أتم به القافية وفيما نقل مما له وزن كفاية. وقال المتنبي:

стр. 399

ولا جَلَسَ البحرُ المحيطُ لقاصدٍ ... ومن تَحْتِه فرش ومن فَوقهِ سَقْفُ هذا لفظ هجين غير حلو ولا رصين، وليس البحر مما يعبّر عنه بالجلوس وقد قال ابن الرومي: هو البحر إِلا أنّ في جَنباتِهِ ... رغاء المطايا لا تَفيق العَلاَجِمُ نفى عنه من يفيق العلاجم ما لا يعد من جوده في البحر وعرض من ذلك المطايا والأصناف المجتدين فدل على مخالفته صفة البحر بكرم يفيد، لا يوجد في البحر، فهو أرجح قولاً وإن أستحسن مستحسن الجلوس على البحر فليستحسن قول البحتري في محبوس: غداةَ غدا من سجنه البحرُ مطلقاً ... وما خِلْتُ أنَّ البحْرَ يخطرُ في سِجْنِ

стр. 400

وقال المتنبي: فيا عجباً مني أحاوِلُ وصفَهُ ... وقدْ فنيت فيه القراطيسُ والصُّحْفُ قال أبو تمام: تركتهُمُ سيراً لوْ أنّها كُتبتْ ... لم تُبْق في الأرض قرطاساً ولا قَلَما القرطاس محتاج إلى القلم، والقراطيس والصحف معنى متقارب، فأبو تمام أسبق وأحدث وكلامه أرجح فهو أولى بقوله. وقال المتنبي: قَصَدتُكَ والرّاجونَ قَصْدي إِليهِمْ ... كثيرٌ، ولكنْ ليس كالذَّنب الأنْفُ هذا من قول الحطيئة: قومٌ هو الأنفُ والأذناب غيرهُمُ ... فمن يُساوي بأنف النَّاقةِ الذَّنبَا وقد بين الحطيئة الأنف والذنب من أي جنس قصد ولم يبين المتنبي مقصده فرجح الحطيئة في معناه. وقال المتنبي: ولا الفِضة البيضاءُ والتّبر واحِدٌ ... نَفوعانِ للمكْدِي وبينهما صَرْفُ هذا من قول ابن الرومي: وجدتكُمْ مثل الدّنانير أخْلصَتْ ... وسائِرَ هذا الخَلْقِ مثلُ الدَراهم أبو الطيب أخبرنا من الصرف الذي بينهما بما لا يجهل وإن لم يذكر البيت الذي قبله لم يفد معنى مفهوماً وبيت ابن الرومي قائم بنفسه دال على مراده فهو

стр. 401

أرجح كلاماً من كلام أبي الطيب فصاحبه أحق به. وقال المتنبي: ولستَ بدون يُرْتجى الغيثْ دونَهُ ... ولا مُنتهى الجود الذي خلْفهُ خلْفُ يقرب من قول العكوك: حَوى سَعْيه بعد المعالي وقَبْلها ... فليسَ لَهُ بعد وليسَ لها قَبْلُ فذكر القبل والبعد ولم يذكر الخلف والقدام، وأراد العكوك الشكوك في الابتداء والأنتهاء لأنه قد يجوز لمبتدئ الجود أن يقف عند كل غاية منه. وقال المتنبي: ولا واحداً من ذا الوَرى من جماعةٍ ... ولا البعضَ من كُلّ ولكنَّكَ الضَّعْفُ والبعض أقل ما بقي ويقع على الواحد وأكثر منه. وقال المتنبي: ولا الضعفُ حتّى يتبع الضَّعف ضعفهُ ... ولا ضعف ضعف الضّعف بل مثلهُ ألفُ هذا يحتاج إلى صاحب جبر ومقابلة يحسبه فأما المفهوم من قول الناس فمن قول أبي نواس: أآل الربيعِ فَضلتْمُ ... فضل الخَميس على العشير وكقول أبي العتاهية: وإذا حَسبتمْ فَضْله ... لمْ تَدركُوا عُشْرَ العشيرِ وقال المتنبي: وذنْبي تقصيري وما جِئْتُ مادحاً ... بذنْبِي ولكنْ جئتُ أسألُ أنْ تعفُو

стр. 402

إسكان واو) تعفو (قبيح غير أنه في القافية أسهل منه وسطاً كقول العكوك: وعِنْدي أيادٍ جمّةٌ مِنْكَ لمْ أجِدْ لها ... بإِحْصَائها عِنْدي لساناً مُعبِّرا ولكنَّ جهدي أنْ أقول وما عَسى ... لذي الجُهدِ إِلاَّ أنْ يقولَ فَيعْذَرا وقال أبو تمام: وما كنتُ إلاّ مذنباً يوم أنتحي ... سِواك بآمالي فجئتُك تائبا وهذه معان تتساوى. ويتلوها قصيدة أولها: بأبي الشُّموس الجانِحاتُ غواربا ... اللاّبساتُ من الحرير جَلاببا شبه أحبابه بالشموس وغروبها وفراقها وقال البحتري: شمسٌ تألق والفراق غروبها ... عنّا، وبدر والصدود كسوفُهُ لا يقل صدر بيت أبي الطيب ويفي ببيت البحتري فليس كذلك والنصف الأول بازاء النصف الأول وقد زاد من ذكر الصدود معنى مليحاً وأتى أبو الطيب من ذكر ملابسها بما أغرب فيه أن تكون الشموس في ملابسه وقد أتى بشار بمثل هذا فقال:

стр. 403

فلقدْ أزورُ على الهوى ويزُورني ... قَمرُ المجرّةِ في مجاسدِ كاعبِ وإنما يريد مثل هذا أنّ الوصف كالشمس والقمر لأنهما في جلابيب ومجاسد وليس هما من صفات الشمس والقمر على طريق الإعراب وذلك أراد أبو مالك الأعرج في قوله: لا بلْ هي الشمسُ في الثيابِ فَهَلْ ... أبصرت شمساً لها جَلابيبُ والبحتري أرجح، يحسن التأليف في الفراق والصدود. وقال المتنبي: المُنبهاتُ عُيوننا وقُلُوبنا ... وجناتهِنَّ النّاهِباتِ النَّاهِبَا هذا كلام متكلف ولفظ متعجرف وهو من قول أبي تمام: سلبنَ غطاءَ الحُسْن عن حُرّ أوجُهٍ ... تظلُّ للبّ السّالبيها سَوالِبا وقال ابن الرومي: منهوبةً باللحظ مسلوبةً ... لها جمالٌ ناهب سالبُ

стр. 404

وشعر أبي الطيب أصعب وشعر غيره أعذب، فالأول أحق بقوله. وقال المتنبي: حاولْنَ تفديتي وخِفْنَ مراقباً ... فوضعن أيديهنَّ فوق تَرائِبا كان المليح أن ينكر فيقول:) وضعن أيدنا فوق ترائب (أو يعرف فيقول:) وضعن أيديهن فوق ترائبهنّ (لتعتدل الصنعة والتقدير من عادتها وضع الأيدي على الترائب فهؤلاء الرقباء إذا رأوا أيديهن فوق ترائبهن وليس هذا من عادتهن إلا لعلة فلم يفطنوا لمقصدهم في غاية ركود الفطنة واستيلاء الغفلة. وقال المتنبي: وبسمْنَ عن بَرَدٍ خشيتُ أذيبُهُ ... منْ حَرّ أنفاسي فكنتُ الذَّائِبا أخذه من قول ديك الجن:

стр. 405

تضاحكَ عَنْ بردٍ مُشْرقٍ ... ناجيتهُ من بَيْن جُلاَّسي فكلَّما قبُلتهُ خِفْتُ أنْ ... يَذُوبَ من نيرانِ أنْفاسِي فالمعنى المعنى ولكن لأبي الطيب زيادة وهي من تمام الكلام، وهي قوله:) فكنت الذّائبا (وهي مليحة يستحق بها الجزالة ما أخذ. وقد أملح أبو تمام في قوله: ومن العجائبِ أن يُذيبَ مفاصِلي ... منْ لو جَرى نفسي عليه لذابا وقال المتنبي: يا حبذا المتحملونَ وحبَّذَا ... وادٍ لثمتُ به الغزالةَ كاعِبَا هذا من قول المؤمل: يا قوم قَدْ زارني شخص سررت به ... زارتني الشمس إِلا أنَّها بَشرُ فهذا يدخل في قسم المساواة. وقال المتنبي: كيف الرَّجاء من الخُطوبِ تخلَّصاً ... من بعد ما أنشبنَ فيَّ مخالِبَا هذا موجود اللفظ والمعنى في قول أبي الرومي: فقد أنشبت حادثاتُ الخُطوبِ ... مخالبُها بِي وأنيابها

стр. 406

فهذه استعارة للعتّابي في قوله: فتىً ظفرت مِنهُ الليالي بِزلّةٍ ... فافعلنَ عنه دامياتِ المَخالِب وقال المتنبي: أوجدْنِني ووجدْنَ حزناً واحداً ... متناهياً فجعلنَهُ لي صَاحِبا قال أبو تمام: مضى صاحبي وأستخلف البتَّ والأسى ... عليَّ فلي من ذا وهَذاك صَاحِبُ ولا فرق بين المبنيين والمعنيين فالسابق أولى بما قال وأفصحهما، الديك سرقه في أخذه من أبي تمام منه جملة فقال: مضى قاسم وأستخلف البتَّ والأسى ... عليّ قدْ أخل وذاكَ مساعِدُ وقال المتنبي: ونصبنني غرضَ الرُّماةِ تُصيبُني ... مِحنٌ أشدُّ من السَّيُوفَ مَضَارِبا ما أحوجه أن تكون القصيدة على قافية اللام، فكان يقول: محن أشد من السهام نِصَالا لأنه لا يقدم ذكر العرض فكان قد وفى الصنعة حقها كما قال الحصني: في كل يوم لها نُبل معوقه ... كأنّني غرض تنجوه أو هَدفُ

стр. 407

وكقول أبي نواس: تعاورتهم سِهامُ الدهرِ فانقرضوا ... كما تيمم نُبْل قَصْد أغْراضِ وقال المتنبي: أظمتني الدُّنيا فلما جِئْتُها ... مُسْتسقياً مَطَرتْ عَليَّ مَصَائِبا وقال ابن الرومي: وكنت كمستسق سماء مخيلة ... حيا فأصابته بإِحدى الصَواعق وهذا يدخل في قسم المساواة. وقال المتنبي: وحبيتُ من خوصِ الرّكابِ بأسْوَدٍ ... من دراشٍ فغدوْتُ أمشي رَاكِبا هذا معنى أقل من فتحه أبو نواس ولكنه مع افتتاحه إيا جوّده حتى يزيد عليه من احتذاه بعده، وقال: إِليك أبا العبّاس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحضرميّ المُلَسَّنا قلائص لم تُسقط جنيناً من الوَجَى ... ولم تَدْرِ ما قَرع الفنيقُ ولا الهَنا وقال المتنبي: حالاً متى علم ابن منصور بها ... جاء الزَّمانُ إِليّ منها تائِبَا

стр. 408

هذا من قول أبي تمام المكفور النعمة المجحود المعرفة وهو: كثرت خطايا الدَّهْر فيّ وقد يُرَى ... لنداك وهو إِليّ منها تَائِبُ وقد يدخل هذا في اللفظ المدعى هو ومعناه، وقد ألم الحصني بمعنى أبي تمام فقال: وقد تَحْسِن الأَيام بَعْد إساءةٍ ... ويذيبُ صرف الدهرِ ثمَّ يتوبُ ويقرب منه قول ابن الرومي: أساءت لي الأيامُ يا بن محمدٍ ... ووهنَّ إِليّ اليوم مُعْتذراتُ أين مطافي حول حقوبك عائذاً ... فهنَّ لمن أبصرته حذراتُ وقال ابن المعتز: وعرفني الدهر عن قربة ... زماناً فقد تابَ من ظلمِهِ وقال المتنبي: مَلكُ سِنانُ قناتِهِ وبنانُهُ ... يتباريان دماً وعرفاً سَاكِبا هذا من قول البحتري: تلقاهُ يقطرُ سيفهُ وسنانُهُ ... وبنانُ راحِتهِ ندىً ونَجِيعَا

стр. 409

وهو المعنى بعينه، وللبحتري السبق، فهو أولى بقوله. وقال المتنبي: يستصغر الخطرَ الكبيرَ لِوفْدهِ ... ويظنُّ دجلة ليس تكفي شارِبا أصح معنى منه معنى مسلم حيث يقول: ليس الجوادُ بمالهِ إلا الذي ... يُعطي الجزيل ولا يراهُ جَزيلا معناه معنى أبي الطيب فإن أحتسب له محتسب إن قال ويظن دجلة ليس تكفي شارباً معنى آخر عورض بأن يقال له فقد قال ابن الرومي: فسقاني امرؤ يرى لجةُ البحرِ ... لديه حوضاً من الأَحواضِ فلجة البحر أكبر من دجلة، والحوض أكثر ما يشرب الشارب إلى بلوغ ريّه فالناقص بازاء الناقص والزائد بازاء الزائد وابن الرومي أحق بقوله. وقال المتنبي: كرماً فلو حدّثتهُ عن نَفْسِهِ ... بعظيمِ ما صنعْتَ لظّنكَ كَاذِبا قال البحتري: تجاوز غايات العُقولِ مواهبٌ ... تكادُ بها لولا العِياتُ تكذّبُ

стр. 410

وقال أيضاً: وحديثُ مجدٍ عنك أفْرط حُسْنُه ... حَتّى ظنّنا أنّهُ موضُوعُ وقال البصير: يحدث عنه كلَّ بادٍ وحاضرٍ ... أحاديث كالأحلامِ فيها عَجائبُ أحاديث لولا حقٌ لبسنه ... لظنّ أناس إِنهنّ كَواذبُ وقال البحتري: أغرُّ إِذا عدّتْ مناقِبُ فعلِهِ ... توهّمتَ أنَّ الحقَّ مِنْهُنّ باطِلُ فكل من أتى بهذا المعنى يخبر أن غير الممدوح يظن ما سمعه كذباً في إفراطه غير أبي الطيب فإنه جعل أن يكون الكريم متناسياً لصنائعه فأما أن ينساها جملة حتى يظن حديثك بما فعل كذباً فهو بلادة وركود فطنة وقلة معرفة بما أسداه وهو بالذم أشبه منه بالمدح وألفاظ السابقين أرجح وأمدح فهم بما قالوه أحق. وقال المتنبي: وعجاجةً تركَ الحديدُ قذالها ... زنْجاً تبسّمَ أو قذالاً شائِبا الأحسن في صنعة الشعر لو أمكنه أن يقول: زنجياً تبسم أو قذالاً شَائِبا أو: زنجاً تبسم أو قذالة شَائبا فأتى بالجمع مع الجمع والمفرد مع المفرد

стр. 411

وتخصيصه القذال دون اللحية لا يفيد إلا ما يفيد المفرق، وقد أتى تبسم الزنجي ابن المعتز فقال: قدْ أغتدي والصبح في مآبِه ... كالحبشي أفتر عن أنْيابِهِ كأنّما يُضحك من ذهابِه فهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه جعل العجاج بازاء الليل وجعل الحديد بازاء الصبح، وجاء بالمعنى بعينه والأول أحق به. وقال المتنبي: فكأنَّما كُسي النَّهارُ بها دُجَى ... ليلٍ وأطلعتِ الرّماحُ كَواكِبا قد أكثر الشعراء في هذا المعنى فمن ذلك قول العتابي: يبني حَوافرها من فَوق رأسِها ... سقفاً كواكبه البيض المآثير وقال ابن أبي فنن: تَرى للنّقع فوقهم سماءً ... كواكبها الأسِنّةُ والنُّصولُ وكل ما قيل في هذا المعنى يسقط دون قول بشار: كأنَّ مثار النقع فوق رؤوسهم ... وأسْيافنا ليل تَهاوى كَواكِبُه هذا شعر يجمع حسن اللفظ والمعنى لأن فيه تشبيهين في تشبيهين

стр. 412

لا يحتاج البيت فيهما إلى غيره، وبيت أبي الطيب يفسّره ما قبله فيكون اللفظ الطويل الذي جاء به الشعراء قبله في الموجز القليل والسابق أحق بقوله. وقال المتنبي: أسدٌ فرائسُها الأسود يقودها ... أسدٌ تَصيرُ له الأسودُ ثعالبا صدره من قول ابن المعتز: أسدٌ فرائسها الأسود ولا تطأ ... إِلاَّ على الآساد يوم حُروبها وعجزه من قول المريمي: كم من عدوٍ كان قبلك ضيغماً ... حتى إِذا ما خيف عاود تعلبا وقد ألم المريمي ببيت ابن الرومي في قوله: ليث إذا زأر الليث الهزبر له ... لم يحسب الليث إِلا ثعلباً ضبحا وكأن بيت أبي الطيب يجمعه معنى بيت ابن المعتز وابن الرومي والمريمي في قوله فقد استوفى الطويل في الموجز القليل فصار أحق بما أخذ وكل

стр. 413

ما أخذه أبو الطيب من هذا المعنى وقلت إنه أولى بما أخذ فقد بقي فضل السبق عليه. وقال المتنبي: في رُتْبةٍ حجب الورى عن نَيْلها ... وعلا فسموه عليّ الحاجِبا المعاني يتولد بعضها من بعض ويفتحها نظائرها والذي فتح له هذا المعنى ابن الرومي بقوله: كأنَّ أباهُ سماه صاعداً ... درى كيف يرقى في المعالي ويصعد ولم يصرف علياً للضرورة فحذف التنوين لسكونه وسكون اللام بعده قال عبد الله بن قيس الرقيات: تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن حذام العقيلةُ العذراءُ فقال عن حذام ولن ينون أراد عن حذام. وقال المتنبي: كالبدر من حيث ألتفتَّ رأيته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا هذا من قول البحتري: أشرق للناظرين بدرٌ ... لم يخلُ من نُورِهِ مَكَانُ

стр. 414

وقال المتنبي: كالبحر يَقْذِفُ للقريب جواهراً ... جوداً ويقذف للبعيد سحائبا هذا من قول المريمي: بحره يغمر القريب وإنْ ... كان بعيداً روّوا تراه السحابُ وكلام أبي الطيب موفى الأقسام مليح النظام جعله يقذف للقريب أنفس ما فيه وللبعيد أنفع ما فيه وأصل هذا المعنى وفاتحه مسلم في قوله: هو البحر يغشى سُرّة الأرض ... ويُدرك أطرافَ البلاد سَوِاحلُهْ وقال المتنبي: كالشمس في كبد السماء وضوؤها ... يغشى البلادَ مشارقاً ومغاربا قال ابن الرومي: كالشمس في كبد السماء محلُّها ... وشعاعُها في سائر الآفاقِ وهذا يدخل في اللفظ المدعى ومعناه معاً ولم يزد أبو الطيب زيادة يستحقه بها فصاحبه أولى به. وقال المتنبي:

стр. 415

أمهجِّن الكُرماء والمُزري بهم ... وَتَرُوكَ كُل كريمِ قومٍ عاتبا ألمّ بقول البحتري في ذكر العتب: كم آمر ألا تجود، وعاتبٍ ... في أن تجود، أَبتّه في عتبه وللبحتري أيضاً: رَدّ معروفُكَ الكثير قليلاً ... وأرى جودك الجَوادَ بخيلا وقال المتنبي: شادوا مناقبهم وشدت مناقباً ... وجدتْ مناقبهم بهنَّ مثالبا هذا من قول أبي تمام: مساع لأقوامٍ متى يقرنوا بها ... محاسن أقوامٍ تكن كالمعايبِ أخذه أبو المعتصم فقال: إِذا نحن عددنا محاسِنَهُ أُعيدتْ ... محاسن أهل الأرض فيها مساويا وهذه أبيات تدخل في قسم التساوي. وقال المتنبي: تدبيرُ ذي حُنَكٍ يفكّر في غدٍ ... وهجوم غِرٍّ لا يخاف عواقبا

стр. 416

قال البحتري: مَلِكٌ له في كل يومٍ كريهةٍ ... إِقدام غرٍ واعتزام مُجَرِّبِ وهذا يساوي قول أبي الطيب مبنى ومعنى فالسابق أولى به. وقال المتنبي: وعطاءُ مالٍ لو عداهُ طالبُ ... أنفقتهُ غي أن تُلاقي طَالبا وإذا أنفق ماله في طلب طالب فوجده لم يبق معه ما يدفع إليه فبالغ وأقلّ التأمل، وقال أبو تمام في هذا: وكأنَّما ظفرت يداهُ بالمُنى ... أسراً إِذا ظفرت يداه بمُجْتدِي فخبر بفرح من ظفر بمناه إذا ظفر بمجتد يلقاه، فجاد مبناه ورجح معناه بالسلامة من طعن طاعن. وقال المتنبي: خذ من ثناي عليك ما أَسْطِيعُهُ ... لا تلزمنِّي في الثَّناء الواجبا قصر الممدود وذلك جائز في الشعر للضرورة ولو قال. ) خذ من ثناي فيك (استراح من الضرورة، فأما معناه فمأخوذ من قول أشجع: جهدتُ فلم أبلغ نِدَاكَ بمدحةٍ ... وليس على من كان مجتهداً عَْبُ

стр. 417

وقال أبو تمام: كم أبلغ الواجب ... في المدح ولم أترك وقال ابن الحاجب: جهدتُ فلم أبلغ صفاتك كلها ... فقلت على مقدار ما أجتهد الوسعُ وهي أبيات تدخل في قسم المساواة. وقال المتنبي: ولقد دهِشتُ لما فعلتِ ودونَهُ ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتِبا فقال: دهشت لما فعلت فصيره ثلاثياً وقال: يدهش فصيره رباعياً وهذا تحكم على لسان العرب، وقد أحتج له بعض المحققين به فقال هذا يدل على انفراد ما لم يسمّ فاعله بفعل يختص به كما يختص بعض الفاعلين بفاعل لا يذكر معه المفعول نحو: قام زيد وقعد عمرو، ومثله: حمّ واحمه الله ويرجحه وأبره الله فجعل هذا الرجل ما هو مسموع قياساً يطرد عليه حتى كأنّه في شعر الهذليين وكأنّه ورد عليه من رؤبة والعجاج ما يجعله أهلاً له فأما معنى البيت فموجود في قول ابن الرومي: أملت على كاتبها حتى أرتبك ... ثُمَّ عدت مهملة بلا ملك وقد يدهش وهو يكتب فابن الرومي قال: ارتبك حتى صارت مهملة بلا ملك

стр. 418

يليها قصيدة أولها: نرى عِظَمَاً بالصّدّ والبينُ أعظمُ ... ونتّهِمُ الواشين والدمعُ منهمُ صدره من قول القائل: نشكو بالصدود فجاء الفراق ... فأنسى الجوارح نار الصدود وعجزه من قول القائل: فإِن يك سر قلبك أعجميا ... فإِنَّ الدمع نمّام فصيحُ ذكر أبو الطيب أن الدمع من الوشاة به، والواشي والنمام معنى واحد ولكنه قد اختصر من الكلام الطويل ما جاء به في الموجز القليل واكتفى ببيت من بيتين فهو أولى بما أخذ. وقال المتنبي: ومَنْ لبّه مَعْ غيره كيف حالُهُ؟ ... ومَنْ سِرُّهُ في جَفْنِهِ كيف يكتم إسكانه) مع (من ضروراته التي يكثر استعماله إياها. قال مسلم: يقولون لي: أخف الهوى لا تُبحْ به ... وكيف وطرفي بالهوى يتكلَّمُ فجاء بيت أبي الطيب في نصفه بمعنى بيت مسلم في جميعه وزاد في صدره معنى آخر واستوفى الطويل في الموجز القليل. وقال المتنبي:

стр. 419

فلم أر بدراً ضاحكاً قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميِّتاً يتكلَّمُ قال مسلم: شكوتُ إليها حبها فتبسمت ... ولم أر بدراً قبلها يتبسم فأتى مسلم بصدر بيت أبي الطيب في معنى بيته فرجح كلام أبي الطيب لأنه زاد في كلامه ما هو من تمامه فصار أحق بما أخذ. وقال المتنبي: بفرع يعيدُ الليل والصبح نَيّرٌ ... ووجهٍ يعيد الصبح والليل مظلم ألمَّ بمعنى أبي تمام: بيضاءُ تسري في الظَّلامِ فيكتسي ... نوراً وتبدو في الصباح فيُظلِمُ وما ملح فيه الخليع الصغير قوله: بوجه يُعيدُ الليلَ صبحاً كأنّما ... مشارقه من فَرعها في مغارب فهو يستولي على معنى بيت أبي الطيب وعبارته أرجح فهو أولى بما قال. وقال المتنبي: أَثَافٍ بها ما بالفؤّادِ من الصَّلى ... ورسمٌ كجسمي ناحل متهدِّمُ قال مخلد الموصلي:

стр. 420

يا منزلاً ضنَّ بالسلام ... سُقيت رَيَّاً من الغمام لم تترك المزن فيك إِلا ... ما ترك الشوقُ من عظامي خبر أبو الطيب أنّ نحول الربع وتهدمه كنحول جسمه وتهدمه ولم يشرح العلتين الموجبتين لذلك ومخلد جاء بهما فهو أرجح فإن قيل لأبي الطيب معنى في ذكر حال فؤاده قلنا لمخلد زيادة في الإخبار لعلتين ليستا في بيت أبي الطيب فقد صار أسوأ. وقال المتنبي: بَلَلْتُ بها رُدْنيَّ والغيم مُسْعِدِي ... وعَبْرتُهُ صرفٌ وفي عَبْرتي دمُ هذا من قول الخليع الصغير أعني الحراني: سقيتُ مياه الغيث إِنّ خُدودنا ... سقين مياه الدمع يمزجها الدمُ وهذا يدخل في قسم المساواة. وقال المتنبي: ولوْ لمْ يكن ما أنهلَّ في الخدِّ من دمي ... لَمَا كان محمرّاً يسيل فَأَسْقَمُ أحسن ما قيل في هذا قول بشار: وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنه نفس تذوب فتقطر والدمع ماء فإذا صار محمراً قامت الدلالة على أنه دم واستغنى عن إخبارنا بذلك. وقال المتنبي: مُحِبّ النَّدى الصابي إلى بذل ماله ... صُبّوا كما يصبو المحِبُّ المتيمُ ) صبوا (حشو لأن الفعل دال على مصدره وقد يرد مثل هذا لنفي الشك وتأكيد الخبر، وهذا من قول البحتري:

стр. 421

يحنُّ إِلى المعروف حتى يُنيلهُ ... كما حنَّ إِلفٌ مُسْتهامٌ إِلى إِلْفِ وقال قبلها أبو تمام: قد تيّمتْ منه المعالي بامرئٍ ... ما زال بالمعروف وهو متيَّمُ وهذا يدخل في قسم المساواة. وقال المتنبي: وأُقْسِمُ لولا أنّ في كل شَعرةٍ ... له ضَيْغماً قُلنا له أنت ضَيْغَمُ هذه مبالغة تشبه مبالغة ابن الرومي وهي أشد استحالة منها وهي قوله: أسدٌ له في كلِ جا ... رحة وعضو مُخلبِ وقال المتنبي: أَننقصُهُ من حظهِ وهو زائدٌ ... ونَبْخَسُهُ والبخس شيء مُحَرَّمُ وقال بعد هذا: يجل عن التَشْبيه، لا الكفُّ لجّة ... ولا هو ضرغامُ، ولا الرأي مخذمُ فإن كان قول أبي الطيب مفهوماً أنه إذا قال: يجل على التشبيه فكلما أورده معلوم أنه دونه ولكن لم يشرح شرحاً شافياً ووكلنا إلى معرفة قصده بالتأمل وقال ابن الجهم:

стр. 422

إِذا نحن شبهناك بالبدرِ طالعاً ... بخسناك حظّاً أنت أبهى وأجملُ ويظلمُ إن قسناك بالليث تجده ... لأنك أحمى للحريم وأبسلُ ولستَ ببحرٍ أنت أعذبُ مورداً ... وأنفعُ للرّاجي نِدَاك وأشملُ فشرح وأغنى عن التأمل فإن قال قائل: فأبو الطيب أدرك مراده في بيت وابن الجهم جاء به في ثلاثة أبيات قلنا لم يشرح الأسباب التي زادها على اللجة والضرغام والسيف ولا يحتسب بهذا الاختصار كقول الحكماء:) البلاغة حذف الفضول وليست طيّ المعاني (وهذا من استيفاء طويل في موجز قليل، ونحن نجعل بازاء الاختصار طول القول في الشرح، فإنّ البيت الواحد لا يغني عن الأبيات الثلاثة لإحواجه إلى التأمل فهذا بهذا. وقال المتنبي: ولا يبرمُ الأمر الذي هو حاللٌ ... ولا يُحللُ الأمر الذي هو مُبرَمُ أظهر التضعيف وأخذ المعنى من قول الحصني: ويحل ما عقد الرجال بكيده ... عفواً ويسجل كيده ما أبرما وقال إبراهيم بن المهدي: إلى يقظان ذي عرفٍ ... عن الدينار والدرهم إِذا ما أبرموا أَوْهَى ... ولا يوهون ما أبرم

стр. 423

وقال المتنبي: ألذُّ من الصّهْبَاءِ بالماء ذِكرُهُ ... وأَحْسَنُ مِنْ يسر تلقَاهُ مُعْدِمُ أخذه من قول ابن بسام: يا نظيراً للبرء بعد السقام ... يا يساراً أتى على إعدامِ بأهلا لأعداء وقد نقص ... الشهر على غفلةٍ من الصوامِ وقال المتنبي: ولو قال: هاتُوا درهماً لم أجد بهِ ... على سائلٍ أعيا على النَّاس درهمُ فتح له بكر بن نطاح هذا المعنى بقوله: لو لم يكن في الناس إِلا درهم ... ومدحته وافاك ذاك الدرهم وقال المتنبي: صفوفاً لليثٍ في ليوثٍ حُصُونها ... مُتون المذاكي والوشيحُ المُقَّومُ هذا من قول القائل: ونحن أناس لا حصون بأرضنا ... نلوذ بها إِلا القنا والقواضبُ وقال المتنبي: تغيب المنايا عنهم وهو غائبٌ ... وتَقدْمُ في ساحاتهم حين يَقْدِمُ

стр. 424

قال البحتري: يشهد الأنس حين يحضر فيهم ... ويغيب السرور حين يغيبُ وهذا من المعكوس، قال ابن أبي فنن: قدم الندى لما قدمت ... وغاب عنهم حين غبنا وقال المتنبي: مَحلُّك مقصودٌ، وشانيك مُفْحَمٌ ... ومثلك مفقودٌ، ونيلُكَ خِضْرمُ أسقط همزة) شانيك (وباب الهمز يسقط في شعره وعمل له مسلم من قوله: فُعالك محمودٌ ومجدُكَ شامخٌ ... وجودُك موجودٌ ونيلك خِضرمُ لبيته مثالاً أحتذي عليه. وقال المتنبي: وزارك بي دُونَ الملوك تَخرج ... إِذا عنَّ بحرٌ لم يَجزْ لي التَّيممُ

стр. 425

هذا بيت فقهي يدل على ورع وتحير لا تطلب مع مثله النبوة، وقد أشار إليه أبو تمام بقوله: لبستُ سواهُ أقواماً فكانُوا ... كما أغنى التيمُّمُ بالصَّعيدِ وقد ألمَّ بهذا المعنى أبو الطيب ومن هذا المعنى قول ابن الجهم: فلا تكن مستخلفاً منه جاءنا ... فقد من فيوض البحر يجري التيمم وقال المتنبي: فَعِشْ لو فَدَى المملوكُ رَبَّاً بنفسه ... من الموتِ لم تُفْقَدْ وفي الأرض مسلمُ لا أدري لِمْ قال:) تفقد وفي الأرض مسلم (ولو كان:) لم تفقد وفي الأرض بشر (كان أمدح، وإذا كان المسلمون لا يكبرون عن فديته فليس ينبغي أن يصان المخالفون عن ذلك، فتخصيصه أهل الإسلام بالفدية لا وجه له، والجيد قول ابن دريد: نَفْسي الفداء لأميريَّ ومَنْ ... تحت السماء لأميريَّ الفَدَا وقد أوقفنا أبو الطيب في هذا الاختيار بقوله: فدىً لك مَنْ يقصِّرُ عن فداكا ... فلا مَلْكٌ إذاً إلاَّ فَدَاكا فعم ولم يخصص. ويتلوها قصيدة أولها: أركائبَ الأحباب إنّ الأدمعا ... تطيسُ الخُدودَ كما تَطِسْنَ اليَرْمَعا
следующие страницы →