← Адаб

Адаб · id 31373

المنصف للسارق والمسروق منه

ابن وكيع التنيسي

Полный текст (676 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فلا يوصف بالارتفاع حتى يغطي التليل إلاّ أن يكون موقوصه قد غاب عنقها في صدرها، والمعتاد في هذا قول الوائلي: إذا أتى مقبلاً أبصرت هاديه ... كأنهُ راكب قِدام راكبه وقال البحتري: وكأنَّ فارسهُ وراء قذالِهِ ... ردفٌ، فلستَ تراه من قُدَّامِهِ فلا يظن أبو الطيب أنه قد زاد في المعنى بل قصد وذكر كثرة الرجال، وتضايقهم فقال: بمنعها أن يُصيبها مطرٌ ... شدّةُ ما قد تضايق الأسَلُ تضايق الأسل لا يمنع من وقوع المطر إذ الرماح ليس لاشتباكها من الأجرام ما يستر مطراً عن حامليها وبين الرمح والرمح من جسم الفرس والفارس ما يبعد بين الرمحين وقول ابن الرومي أبين: فَلو حصبتهم بالفضاء سَحابةٌ ... لظلَّ عليهم حصبُها يتدحرجُ وهذا أشد إمكانا لأن الرجال إذا تضايقوا وعليهم البيض وقع عليها البرد

стр. 492

وتدحرج وليس المانع كالجامد ولا رؤوس الناس كرؤوس الرماح. وقال المتنبي: يا بدرُ يا بحر يا غمامةُ يا ... ليث الثّرى يا حمامُ يا رجُلُ هذه كلها أوصافه يجمعها رجل أي قد اجتمعت فيك فهو يشبه قول مسلم: كأنه قمر أو ضيغم هصر ... أو حية ذكر أو عارض هطل وأنشد ابن قتيبة لبعض الخوارج: يلقاك تحتَ عجاجِ الموتِ مبتسماً ... كالغيث والليث إلا أنّه رجَلُ إذا بدا قلت مخلوقاً بغير قفاً ... وتحتهُ سابق ما أن له كفلُ وقال ابن دريد: عزمٌ هو السيف إلا لأنَّهُ عَرَضٌ ... يَمضي به الليث إلا أنّه رَجلُ وكل هذه الألفاظ متقاربات المعاني والسابق أولى بها وإن لم يكن مقصده ما فسرنا وأراد به أنّه رجل بعد هذه الصفات أي فيه شهامة ورجولة وهو بارد. وقال المتنبي: إن البنانَ الذي تُقَلُبه ... عندك في كل موضعٍ مثلُ ) عندك (حشو فارغ ولم يشرح فيما هو مثل ولو قال: إن البنان الّذي تُقلبه ... في جوده بالذي حَوى مثلُ

стр. 493

استراح من الحشو وأبان المثل الذي أتى به لأنه قد يمكن أن يكون مثلاً في الجود أو في غيره ولم يتبع ذلك بما يشرح مقصده كما قال إبراهيم بن العباس: لفضل بن سهل يَد ... تقاصر عَنها المثل فباطنها للندى ... وظاهرُها للقُبل وقال المتنبي: قلوبهم في مضاء ما امتشقوا ... قاماتهم في تمام ما اعتقلُوا قال الوائلي: أخذوا مضاء البيض لكن أسرفوا ... في الأخد من طول الرماح الذُّبل وهذان البيتان يتساويان مبنى ومعنى فالسابق أولى بما سبق إليه. وقال المتنبي: أنت نقيضُ اسمه إِذا اختلفتْ ... قواضبُ الهند والقنا الذّبل وأتبعه: أنت لعمري البدرُ المنير ول ... كّنك في حومة الوغى زُحَلُ إن كان البدر من السعود المشهورة بالسعادة دون غيره ما صح معناه وإلاّ لم يكن رجلاً والمعنى الصحيح قول ابن الرومي: عطارده ما أخبت الحربُ نارَهَا ... ومرِّيخها ما دامت الحربُ تُوقِدُ

стр. 494

وهذا قصد فقصر وابن الرومي أحق بما سبق إليه. وقال المتنبي: كتيبةٌ لستَ ربّها نَفَلُ ... وبلدةٌ لستَ حلْيها عُطُلُ وقال البحتري: وكأنّ سراج الأرضِ، والأرضُ مظلمٌ ... قُراها، وحلى الدهر فالدهر عاطِلُ وهو يساويه، والبيتان يجمعان تشبيهين بتشبيهين والأول أحق بقوله. وقال ابن المعتز: وعلى الزمان مصابه ... ما للزمان به بدلُ قد كنت حليته فأل ... قاها فبان به العطلُ وقال المتنبي: قصدت من شرقها ومغربها ... تي اشتكتك الرّكاب والسّبل يشبه قول أبي العتاهية: إنّ المطايا تشكيك لأنها ... قطعت إِليك سَبَاسِبَاً ورمالا فإِذا وصلن بنا وصلن خفائفاً ... وإذا صدرت بنا صدرنَ ثقالا وقال المتنبي: مددت في راحة الطّيب يداً ... وما درى كيف يقطع الأمل

стр. 495

ليس قطع عرق الفاصد مما يقطع الأمل منه إلا أن يكون سبباً لموته لا لنفعه وقد قال ابن المعتز: إنما غَرّق الطبيبُ شبا ال ... مبضَع في نفس مُهجةِ الإِسلام وقال غيره: يدُ الندى هي فأحذر لا ترق دمها ... فإِنَّ أرزاق طلاب الغنى فيها وهذا أسوغ من قول أبي الطيب أعني قول ابن المعتز لأنه خبر بتغريق المبضع الذي يجوز أن يكون سبباً لمضرة أمام أهل الإسلام، فأما البيت الثاني فقد ألمّ أبو الطيب بمعناه لأنه أمر أن يحذر على دم يده أن يراق لأنها سبب الأرزاق وهي مبالغة بغير حقيقة أثرى أرزاقهم من دم مفاصل الممدوح فإن كان ذلك من الخوف من ضرر يلحق النفس جاز أن يضر ذلك بأرزاق من هو سبب لرزقه. وقال المتنبي: إنْ يكن النّفعُ ضر باطنها ... فربَّما ضَرّ ظهرها القُبَلُ النفع لا يضر إنما يجب أن يقول: طلب النفع وما ضر القبل لظاهرها لو دامت عليها ليلاً ونهاراً ولو قال: إن يكن القصد ضر باطنها كان أحسن وقال ابن الرومي:

стр. 496

أصبحتْ بين خصاصةٍ وتحمل ... والمرء بينهما يموت هزيلا فأمدُدْ إليَّ يداً تعوّد بطنُها ... بذل النَّوال وظهرُها التَّقبيلا فقال: تعود ولم يقل ضر وأتى بملاحة تقسيم ومثله ما قدمناه من قول إبراهيم بن العباس وكل من يعبر عن القبل بمضرة. وقال المتنبي: أبلغ ما يطلب النجاح به الطّبْ ... ع وعند التعمق الزّلَلُ وقال صالح بن جناح: فدع التعمق في الأمور فإِنَّما ... قرن الظلام بكل من يتعمقُ جاء صالح بما نكر فيه التعمق في بيت كامل وجاء أبو الطيب بمراده في عجز بيت وفي بقيته بمعنى هو من تمامه فهو أحق بما قال. وبعدها قصيدة أولها: بقائي شاء ليس هُمُ ارتحالا ... وحُسْنُ الصبر زمّوا لا الجمالا أما صدره فبين التكلف ظاهر التعجرف وأخذه من أبي تمام: قالوا الرحيلُ فما شككتْ بأنها ... رُوحي عن الدنيا تريدُ رحيلا وهذا من نقل اللفظ العذب إلى المستكره الصعب وما يقي أختصاره بيت أبي تمام في نصف بيت بما جنى من مسخ معناه لا نسخه فأبو تمام أحق بمعناه،

стр. 497

وباقي البيت من قول الديك: ظلّ حاديهم يسوق بروحي ... ورأى أنَّهم يسوق الرِّكابا وقال غيره: هَلاّ سألت حِداتهم يوم النوى ... أحدوا ببينك أم حدوا بفُؤادي هذا النصف البيت يجري مجرى الأول وكلام غيره أعذب وكلام غيره أخفى وأصعب والسابق أولى منه ولا يحتسب له باختصار الكلام مع خفاء النظام. وقال المتنبي: فكان مسيرُ غيرهم ذَميلاً ... وسيرُ الدمع إِثرهم انهمالا وهو في معنى قول البحتري: إِنّ سَيْرَ الخليط لما استقلاَّ ... كان عوناً للدمع حتى استهلا وقد ألمّ بمعنى هذا الكلام، فأما قول ابن الرومي: لهم على العيسِ إمعانٌ يشط بهمْ ... وللدّموع على خديّ إمعان فهو يساويه. وقال المتنبي: كأنَّ العيس كانت فوق جفني ... مناخاتٍ فلمّا ثُرن سالا

стр. 498

ليس بروك العيس على الأجفان مما يتوهم ولكنّه أراد أن تثوير العيس كان قرين انحدار دمعه كأنّها كانت تحبسه كما قال ابن المعتز: ما بالُ ليلي لا يرى فَجْرُهُ ... وما لدمعي دائماً قطرُهُ أستودع الله حبيباً نأى ... ميعادُ دمعي أبداً ذكرُهُ وقد أنشدني بعض المتعصبين على أبي الطيب بيتاً زعم أنه لمتقدمي الزمان لم يذكره لي قال: إِن الجمالَ على جفوني برك ... فإِذا أثرن أقامت المحبوسا ولست على ثقة من روايته لظهور عصبيته فإن كان صادقاً فقول أبي الطيب أحسن لأن مبناه أعذب ومعناه أصوب وقال هذا) إنّ (فحقق كما يحقق التشبيه فيه فكيف التحقيق له. وقال المتنبي: لبسن الوشي لا مُتَجمّلاتٍ ... ولكن كي يصنّ له الجَمَالا قال أبو تمام: وتنوا على وشي الخدود صيانةً ... وشي البُرودِ بمسجفٍ وممهَّدِ وقال ابن الرومي: يُكسي الثياب صيانةً وحجابةً ... وهو الحقيق بأن يصان ويحجبا

стр. 499

وكلاهما أشار إلى مراد أبي الطيب ولكنه في المعنى أوضح وعبارته أحلى وأرجح على أنّ اللباس لمن أراده صيانة وخبر هو أنهنّ غير متجملات ولكن صين باللباس جمالهن فكشف ما كان مستوراً فهو أحق بما أخذ. وقال المتنبي: وضفّرن الغدائِرَ لا لحُسنٍ ... ولكن خفن في الشعر الضَّلالا أراد أنهنّ خفن الضلال في شعورهن لكثرتها ولو كانت شعورهن من الآجام ما خيف عليهن الضلال فيها والممكن الذي فيه قصد وتنبيه قول القائل: تقول يا غمنا نفي جوانبه ... ويلي بليتُ وأبلى جِلْدي الشِعْرُ مثل الأساودِ قَد أعيا بواسطهُ ... يضل فيه مداريه وينكسرُ فضلال المداري أسوغ من ضلال الشخص. وقال المتنبي: بجسمي من بَرَتْهُ فلو أصارتْ ... وشاحي ثقب لؤلؤة لجالا نبهه على هذا أبو تمام في قوله: مِنْ الهيفِ لو أنَّ الخلاخِلَ صُيِّرتْ ... لها وُشحاً جالت عليها الخلاخلُ

стр. 500

جعل أبو تمام الخلخال إذا كان وشاحاً لها كان جائلاً، وصير أبو الطيب ثقب اللؤلؤة لو كان وشاحاً لها لجال وهذا من توليد كلام من كلام معناهما متفق ولفظهما مفترق وقد ولد كلام ابن الرومي فقال: من الهيف لو شاءت لقامت بكأسها ... وخاتمها في خُصرِها متختّمُ والمعنى يفتح المعنى وقد بالغ الخبزأرزي في قوله: كلُّ الهوى صعب ولكنني ... بليت بالأصعبِ من أصعبهْ قد كان لي قبل الهوى خاتمُ ... والآن لو شئت بمنطقهْ وذبتُ حتى صرتُ لي وزج بي ... في ناظر الوسنانِ لم يَنْتبِهْ يا مَنْ إِذا أقبل قال الورى ... هذا أميرُ الجيش في موكِبِهْ فشارك ابن الرومي في معناه ولكنه أفسد قوله بزج بي لأنها هجينة يستعملها المولدون. وقال المتنبي: ولولا أنّني في غير نومٍ ... لبتّ أظنني منِّي خيالا

стр. 501

قوله:) أظنني مني (يشبه كلام أهل التصوف خذني مني وغيبني عني، وأما تشبيهه شخصه بالخيال فقد قال الراضي بالله أنا أذكرها بكمالها: قلبي لا يقبلُ المحالا ... وأنتَ لا تبذلُ الوصالا ضللتُ في حبّكم فحسبي ... حتَّى متى أتبعُ الضَّلالا قد زارني منكم رسول ... فزار إِذْ زارني خيالا رأى خيالاً على فراشي ... وما أراهُ رأى خيالا خبر أن الرسول رأى منه خيالاً على الفراش ثم شك في رؤيته ودفع بالظن صحة ما أخبر به فصار أرجح كلاماً. وقال المتنبي: بدت قمراً، ومالت خُوط بانٍ ... وفاحتْ عنبراً، ورنت غَزالا ووقوع) فاحت عنبراً (بين هذه التشبيهات التي هي أعضاء قلة صنعة وضيق عطن بما يليق في البيت ولو قال:) وماجت لجة (يريد ردفها كان البيت كله تشبيهات وكان أحسن في صنعة الشعر ولو جعل البيت بثلاثة تشبيهات فقال:) تثني ما بدا ورنت غزالا (لاكتفى بذلك وجميع البيت موجود في قول ابن الرومي:

стр. 502

إن أقبلتْ فالبدرُ لاحَ وإنْ مشت ... فالغصنُ مال وإنْ رنت فالريم وقال البحتري: فهي الشمسُ بهجةً، والقضيبُ ال ... غض ليناً، والريم طوقاً وجيدا وهذه معان متداولة مستعملة ولكن إذا بسط لأحدها فلا بد من إخراج مواضعها ومع ذلك فقد عرفتك نقصان صنعته فيها وكلاهما بالسلامة من مطعن أرجح وهما أولى بما قالا. وقال المتنبي: كأنَّ الحزنَ مشعوفٌ بقلبي ... فساعةَ هجْرِها يجد الوِصَالا معكوس هذا من قول ابن أبي فنن: أعرني ما تكون بي الليالي ... إذا مّا قيل قد وصل الحبيب وقوله أيضاً: فإِذا هجرت يعودُ بي سقمي ... وإِذا وصلت برأت من سقمي وقال المتنبي: كذا الدنيا على من كان قبلي ... صُروفٌ لم يُدْمِنَ عليه حالا

стр. 503

يشبه قول القائل: أصبر لدهر نال منك ... فهكذا مضتْ الدُهورُ فرحٌ وحزنٌ مرةً لا ... الحزنُ دام ولا السرورُ فهكذا مضت الدهور، كذا مضت الدنيا على من كان قبلي وقوله:) لا الحزن دام ولا السرور (هو صروف لم يدمن عليه حالاً ولكنه قد استوفى الطويل في الموجز القليل، وقد أختصر أبو العتاهية كاختصاره فقال: دار سوءٍ لم يَدُمْ فرحٌ ... لامرئ فيها ولا حزنُ فساواه مبنى ومعنى. وقال المتنبي: أشدُّ الغم عندي في سرورٍ ... تيقَّنَ عنه صاحبه انتقالا هذا من قول ابن الرومي: إِذا طاب لي عيش تنغصت طيبه ... يصدقُ نفسي أن سيذهب كالحلمْ ومن كان في عيش يراعي زواله ... فذلك في بؤسٍ وإن كان في نعمْ وقال ابن المعتز: ما أعجبَ الدهر في تصرُّفه ... ونقل سلطاته ودولته من كان يدري أنَّ النعيم إلى ... بؤسٍ رأى الهمَّ في مسرَّته أما ابن الرومي فإنه إن كان جاء بمراده في بيتين فإنه قد زاد في كلامه ما هو من تمامه والمعنى في شعر ابن المعتز في البيت الثاني يساوي قول أبي الطيب

стр. 504

فقد أستحقه عليه. وقال المتنبي: ) على (قلق كأنَّ الريح تحتي ... أوجِّهُها جنُوباً أو شمالا ينظر إلى قول القائل: فلو أني استطعت هوىً وشوقاً ... ركبتُ إِليك أعناقَ الرياحِ وقال المتنبي: إلى البدر بن عمار الذي لم ... يكن في غرّة الشهر الهلالا لم ينون عماراً فإن كان ذهب إلى قول الفراء وهو المعروف فقد ذهب مذهباً لأنه يقول: إن حقها لا تصرف لثقلها وأستشهد على ذلك بقوا الشاعر: لمصعبٍ عند جدِ الأ ... مر أكثرها وأطيبها وقد روى الكوفيون: لما عصى مصعب أصحابه ... أدى إليه الكيل صاعاً بصاع وقال الأصمعي: لأنّه لما عصى أصحابه هرب من ترك الصرف

стр. 505

وجميع البصريين لا يجيزون ترك صرف ما لا ينصرف هذا إذا فتح عمار فإن كسره فلا وجه إلاّ على قول عبد الله بن قيس الرقيات: تذهل الشيخ عن بينه وتبدي ... عن راها العقيلة العذراء ويرجع إلى المعنى، وقد قال ابن الرومي: وكل هلالٍ فهو غرة شهرهِ ... ووجهكْ فينا غُرةُ الشهرِ والشهرِ ذكر أبو الطيب أنّه في سائر زمانه بدر ولم يكن هلالاً على حال وجعله ابن الرومي هلالاً وغرة الشهر فنقصه عن مرتبته عند أبي الطيب ولكن قد قال ابن أبي عون الكاتب: لقد جانا الأفق الغربي ... بدرٌ ما كان قطُ هلالا

стр. 506

فساوى أبا الطيب ومن المليح الزيادة البين الإفادة قول ابن الرومي: أيُّها البدر لا تزل في كمال الأمرِ ... بدراً وفي السماء هلالا فأغرب وزاد على الجماعة. وقال المتنبي: ولم يعظم لنقصٍ كان فيه ... ولم يزل الأميرُ ولن يَزَالا ولو قال:) ولم يكمل لنقص كان فيه (لأجاد الكمال ضد النقص، وليس العظم ضده، وأما الصنعة فقد قال البحتري: وإني لم أزل كلفاً بليلى ... على رغم الوشاةِ، ولن أزالا فهذا من استخراج معنى من معنى أتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه. وقال المتنبي: بلا مثلٍ وإن أبصرتَ فيه ... لكلُّ مغيّبٍ حَسَنٍ مثَالا قال فيه مثال لكل حسن وهو مع ذلك بغير مثال كأنه يجمع ما في غيره من المحاسن فيه ولا يكمل في غيره جميع ما فيه، وهذا كأنه يشبه قول القائل: من فيه ما فيكم من كل صالحة ... وليس في كلكم ما فيه من حسن وقال المتنبي: حسامٌ لابن رائقٍ المرَّجى ... حسام المُتقي أيّامَ صالا

стр. 507

وأتبعه بأن قال: سنانٌ في قناةِ بني معدٍّ ... بني أسدٍ إذا دعوا النِّزالا ) حسام المتقي (معنى معروف. وقوله) أيام صالا (حشو غث فارغ كأنه إنما يكون حسامه في أيام صولته ويسقط عنه هذا الاسم في غيرها وقد جمع منصور النمري بيته في بيته فقال: فكنت قناة ثابتاً في سنانه ... وسيفاً له غضباً يقر الهواديا فاختصر الطويل في الموجز القليل وسلم من الحشو الفارغ فهو أحق بقوله. وقال المتنبي: يكون أحق ثنائي عليه ... على الدنيا وأهليها مَحَالا قال أبو تمام: إلى واحد الدنيا الذي لو بمدحه ... مدحتُ بني الدنيا كفتهم فَضَائِلُه فخبر عنهم بالاكتفاء بفضائله، وقال أبو الطيب تكون من الحق من الثناء على الممدوح إذا مدحت به الدنيا وأهليها محالاً لأنه إفراط يستحيل كونه مثله فهو أشد

стр. 508

مبالغة منه فهو بذلك أرجح وأمدح وأولى بما أخذ. وقال المتنبي: ويبقى ضعفُ ما قد قيل فيه ... إذا لم يَتَّرِك أحد مقالا تحديد الضعف سديد يتضح لمن وازن بين الفضائل حتى عرف أن الباقي معه منها بمنزلة الماضي وهذا تبعد والممكن ما قاله ابن أبي حفصة: ولا بلغ المداح في الوصف غايةً ... وإن أطنبوا إِلا الذي فيك أفضل وقال أشجع: وما ترك المداح فيك مقالةً ... ولا قال إِلاَّ دُون ما فيك قائل وقال أبو العتاهية: ما قلتُ في فضله شيئاً لأمدحهُ ... إِلاَّ وفضلُ يزيدٍ فوق ما قُلْتُ هذا هو المدح المعتاد فوق ودون وأكثر فأما ذكر الضعف فيحتاج إلى تعب حتى تعلم حقيقته. وقال المتنبي: فيا بْنَ الطاعنين بكل لَدْنٍ ... مواضع يشتكي البطل السُّعالا ذهب إلى قول كثير: وأقمُ أنَّ حبك أم عمروٍ ... لدى عند منقطع السّعالِ

стр. 509

وقال المتنبي: وقالوا هلْ يبلغك الثريَّا ... فقلت نعم إذا شئت استفالا هذا من محالاته لأن القوم سألوه هل يبلغوه الثريا إلاّ وهو دونها فكيف يبلغ ما هو أعلى منه إذا شاء يستفل ولو قال:) اقتصاداً (لو أمكن ذلك وإذا طلبت دون أملي فيه أوطى بهمته في رفع منزلتي، وأحسن من قوله قول البحتري: إذا ذكروا بشهرةِ يوم فخرٍ ... تناسيت النباهةُ والخُمولُ قصير المشهور خاملاً بالقياس مبالغة ورجحاناً على صير الصعود استفالاً. وقال المتنبي: هو المُفْنِي المَذَاكي والأعادي ... وبيضَ الهند والسُّمْرَ الطّوالا إسكانه الأعادي من ضروراته الجائزة في الشعر وجاء بعد بيته بما عطفه على المذاكي كقوله: وقائدُها مسوّمةً خِفَافاً ... على حي تُصبحُهُ ثقالا

стр. 510

قال أشجع: بسيوفٍ ورين من قيسِ غيلا ... ن ثِقال على العدو خِفَافُ وتبعه ابن أبي زرعة فقال: إِنَّ عندي منها حساماً على الها ... م ثقيلاً وفي الأكفِّ خفيفا وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه جعل المذاكي مكان السيوف في قول غيره، والسابق أولى به. وقال المتنبي: جوائل بالقنى مثقفاتٍ ... كأنَّ على عواملها الذُّبالا قال ابن الرومي: كان الزَّجاج اللهذميات بالضحُى ... فتيلٌ بأطراف الرُّدينّي مُسْرج فاكتفى أبو الطيب بفهم المخاطب لمراده، وأحتاط ابن الرومي بمسرج، وأصل هذا التشبيه قول الضحاك بن عمارة: بكل رديني كأن سنانه ... سنا لهبٍ لم يتصل بِدُخانِ

стр. 511

وقال المتنبي: إِذا وطئت بأيديها صُخُوراً ... يَفْئِنَ لِوَطْءِ أرجُلها رِمالا هذا يساوي قول ابن المعتز: أمراءُ قادوا أعنَّة جيشٍ ... يتركُ الصخر خلفه كالكثيب وقال المتنبي: جوابُ مُسَائلي أَلَهُ نظيرٌ ... ولا لك في سؤالك لا أَلاَ لاَ أخذه من قول المعتز بالله: قال العشائر هل بصرت بمثله ... أم هل سمعت به فقلت أَلاَ لاَ وقال المتنبي: لقد أَمِنَتْ بك الإِعْدَامَ نفسٌ ... تَعُدُ رجاءها إِياك مالا قال ابن الرومي: ما ترى في اصطناع حرّ كريم ... قد رآه رجاء مالك ماله فلأنت الذي إذا أمه الأمل ... عادت آماله أمواله

стр. 512

وقال ابن الرومي: أعد رجائي فيك مالاً محصلاً ... إِذا برّ في قومي عوادٍ زيّمُ وكل هذا من قسم المساواة. وقال المتنبي: وقد وجلت قلوبٌ منك حتى ... غدت أوجالها فيها وجالا وبسطت الرجاء والخوف حتى ... خافك الخوف وارتجاك الرجالا أحسن الصنعة في الجمع بين الأضداد من الخوف والرجاء وصارت له زيادة يرجح بها فهو أولى بما قال. وقال المتنبي: إذا سألوا شكرتهم عليه ... وإن سكتوا سألتهُمُ السّؤالا قال أبو تمام: يعطي ويشكر من يأتيه يسأله ... فشكره عِوض ومالُهُ هَدرُ

стр. 513

فنصفه يشاكل نصف بيت أبي تمام وفي بيت أبي تمام زيادة في كلامه ما هو من تمامه. وقال ابن الرومي: يا من إِذا سألناهُ أستهلَّ لنا ... فإِن سَكَتْنَا تجنَّى علةَ الطلبِ وهذان البيتان يأتيان على معنى بيت أبي الطيب بكماله، وقال البحتري: جاد حتى أفنى السّؤال، فلما ... باد منها السؤال جاد ابتداء وهذا أحسن من معنى بشار وابن الرومي وأبي الطيب لأنهم ما تجاوز بالممدوح، أنه إذا سئل الإعطاء أعطى وإذا سكت عنه بالسؤال سأل أن يسأل مشقة أعفى البحتري السائل من ذلها وذكر أنّه يجود ابتداء فذهب مذهب سلم الخاسر في قوله:

стр. 514

يحيى بن خالد الذي ... يعطي الجزيل ولا يُبالي أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال والمبتدئ النوال أبين كرماً ممن سأل أن يسأل وشبه قول البحتري قول ابن الحاجب: إن سيل كان عطاؤهُ فوق الغنى ... ويملُّ سائله السؤال فينتدي وقال المتنبي: وأسعد من رأينا مستميحٌ ... ينيل المستماح بأن ينالا هذا البيت صعود وحدور وسهول وغور، معناه بيت فضله مشهور وهو قول زهير: تراهُ إِذا ما جئته متهّللاً ... كأنّكَ تُعْطيه الذي أنت سائِله وهذا من نقل العذب من القوافي إلى المستكره الجافي ولو كان بعد أبي الطيب قوله لاستحق قوله عليه. وقال المتنبي: وأُقسمُ لو صلحتْ يمين شيءٍ ... لما صلحَ العباد له شمالا قال ابن أبي فنن: قد فضلت الملوك بأساً وجوداً ... مثل ما يفضلُ اليمين الشِمالا

стр. 515

وقال البحتري: فإِن قصّرت أكفاؤه عن مَحلّهِ ... فإِنَّ يمين المرءِ فوق شماله فالمعنى المعنى، وفي قول أبي الطيب زيادة أنه إذا صار يميناً لشيء لم تصلح العباد له شمالاً، فكلامه أرجح من كلامهم. وقال المتنبي: أقلبُ منك طرفي في سماءٍ ... وإنْ طلعت كواكبها خِصَالا هذا من قول ابن الرومي: كللت كفه سماء المعالي ... بنجوم المعروف والإِحسانِ فجعل للمعالي سماء نجومها معروفه وإحسانه، وجعل أبو الطيب الممدوح سماء نجومه خصاله وهذا من قسم المساواة. ويتلوها أبيات أولها: إِنَّما بدر بنْ عمارٍ سحابٌ ... هطلٌ فيه ثوابٌ وعقابُ قال العروضيون: هذا البيت صحيح لأنه مصرّع فتبعت عروضه ضربه فأما ما بعده من هذه القطعة فمضطرب الوزن وهي من الرمل لأنه جعل العروض

стр. 516

) فاعلاتن (والعروض هاهنا لم يستكمل إلا محذوفة السبب ووزنها فأعلن، قال عبيد: مثل سحقِ البرد عفّى بعدك ال ... قطر مغناهُ وتأويبُ الشَّمالِ والمعنى من قول ابن الرومي: بنو مصعب فينا سماء رفيعة ... لها درر ليست مدى الدهر تَهْدِمُ سماءٌ أظلت كل شيءٍ وأعلمت ... سحائب شتى صوبها المال والدمُ وقد طول ابن الرومي، وكلام أبي الطيب أخصر. وقال المتنبي: ما يجيلُ الطرفَ إلاَّ حَمِدَتْهُ ... جُهْدَهَا الأيدي وَذَّمتْهُ الرّقابُ ينظر إلى قول العكوك: وما مددت مدى طرف إلى أحدٍ ... إلا قضيت بأرزاق وآجالِ وقال المتنبي: ما به قتلُ أعاديه ولكن ... يتّقي إخلاف ما ترجو الذئابُ هذا من طريق المدح أن يمدح الرجل بقتل بني آدم لئلا يخلف رجاء الذئاب

стр. 517

وإذا كان لا يقتل أعاديه خوفاً منهم ولكن يقتلهم من أجل تحقيق رجاء الذئاب، والذئاب تريد أن تشبع ولا يشترط الشبع من لحوم الناس فإذا كان هذا همّه فالحسن أن يشبعها من لحم حلال ليحقق رجاءها ويصير من أهل العفو وتجتنب المآثم والكف عن الاستنكار بالمظالم. وقال المتنبي: فله هيبةُ من لا يترجَّى ... وله جُودُ مُرجى لا يُهَابُ وليس تمتيع الهيبة من الرجاء ولا الجود من الهيبة والجيد قول أبي نواس: يرجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنَّك الجنة والنار فجاء بمعنى صحيح من الرجاء والخشية وزاد بتشبيه فائق ومعنى رائق من ذكر الجنة والنار. وقال المتنبي: باعثُ النفس على الهول الذي ... ليس لنفسٍ وقعت فيه إيابُ وصف الممدوح بالجهل لأنه إذا بعث نفسه على ما لا إياب لنفس منه فقد أهلكها وهذه صفة الجاهل، فأما الشجاع، فالحال التي قالها الشاعر تمثل به معاوية:

стр. 518

شجاعٌ إذا ما أمكنتني فرصة ... فإِن لم تكن لي فرصة فجبانُ وقال المتنبي: ليس بالمنكر أن برّزت سبقاً ... غير مدفوعٍ عن السبق العرابُ ذكر المؤنث هاهنا ولا فرق بين أن يقول: مثل هذا أو تقول: الهندات قائم وذلك غير جائز وليس تعمد ركوب هذه الضرورات ولكن يغيب علمها. يليها قصيدة أولها: في الخد أَنْ عَزَمَ الخليطُ رحيلا ... مطرٌ تزيد به الخدودُ محولا قال الأول: وقفنا فأمطرنا سماء دموعنا ... جفونَ عيون والبقاعُ صدود قال أبو تمام: مطرٌ من العبرات خدّي أرضُهُ ... حتى الصباح ومُقْلتايَ سماؤُهُ هذان بيتان قد وفيا حقهما من الصنعة لأن شاعريهما لما سميا الدموع أنابا

стр. 519

عن المطر وعما يقتضيه ذكره من سماء أو أرض وما يقع عليه وأبو الطيب ذكر الخد والمطر بغير شرح فلولا ما أتبعه مما يخالف عادة المطر من المحول الذي أغرب به وخرج عن فعل المطر إذ المطر يفعل الخصب وأنواع الرياض لكان كلامه فارغاً وهو على ذلك ناقص الكلام عن من أخذ عنه فيهما، فهما بما قالاه أحق منه. وقال المتنبي: أجدُ الجفاء على سواك مروءةً ... والصبر إِلاَّ في هواك جميلا صدر هذا البيت غير صحيح لأنه إذا كان سواها منصفاً فليس جفاؤه مروءة فإن قال قائل: اجتناب المأثم: المروءة قلنا له فحكمها في هذا وحكم سواها واحد، وقوله: والصبر إلا في هواك جميلاً مثل قول العتبي: والصبرُ يحمد في المواطن كلها ... إِلا عليك فإِنَّه مذمومُ قال أبو تمام: الصبر أجمل غير أنّ تلدّداً ... في الحب أحرى أن يكون جميلا فإن اعترضنا معترض أوردت بيتين قد سلم صاحباهما أن الصبر

стр. 520

محمود وأنه جميل إلا فيمن وصفناه فكيف صار الجميل قبيحاً والمحمود مذموماً، قيل له للعشاق حدود يقون عندها ولا تحسن إلاّ منهم وسنن تحمد إلا عندهم فمنها الحقد على المحبوب وهو مسيء والمكافأة بذلك لا تحسن وحسن الصبر عند فراقه والدعاء عليه إذا ظلم يدخل عندهم في جفاء طباع العشاق ولا تحمد عند الظراف الرقاق فقد صار ذلك عندهم شريعة يدعونها وسنة لا يخالفونها فلذلك انساغ لهم تقبيح الجميل وذم المحمود ألا ترى إلى طعن أبي تمام على من خالف سنة العشق في قوله: لن يُسْعِدَ المشتاقَ وسنانُ الهوى ... يبسُ المدامع باردُ الأنفاسِ فمنع أن يسعد المشتاق من كان بهذه الصفة لقلة البكاء وعدم العزاء وممن قال فيه ابن أبي زرعة: أرى جزعي إلا لبينك ضِلّة ... كما الصبرُ إِلا عند بيتك يجملُ وقال المتنبي: تشكو روادفك المطيّةُ فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا ) شكوى المطية أردافها (مبالغة إنما المعتاد الذي يقال أن يقول: شكاء حصرها ردفها وجار عليه، فأما المطايا فهي تحمل أثقل الناس أردافاً وجسماً وأضخمهم جثة وجرماً.

стр. 521

وقال المتنبي: ويغيرني جذبُ الزمامِ لقلبها ... فَمَها إِليك كطالبٍ تقبيلا ليس من عادة الجمال تقبيل الناس فكيف وقع له هذا الوهم حتى أغاره ولا سيما وهو يشاهد جذب الزمام مشاهدة وإن كان لم يحقق بقوله: كطالب ولكنه تخيل فاسد واضح من هذا قول أبي نواس: يثرى لأنقاض أضرّ بها جذ ... ب الزمام فحدودها صغر فكأنَّها مصنع لسمعه بعضُ ... الحديثِ بإِذنه وَقِرُ فبالغ في قوله: بإذنه وفرقه، وقد قال إبراهيم بن المهدي: إِذا حدثت بها الأنساغ أص ... غت كإِصغاء النحي إلى النحى وقال المتنبي: حِدَقٌ يذم من القواتل غيرها ... بدرُ بن عمّار بن إِسماعيلا هذا من الخروج المليح إلى ما أراد من المديح، وقد قال أبو دلف: كم في بني الروم من أعجوبةٍ مثل ... يُبقى وفي العربِ من ذي نجده بطلِ

стр. 522

إنا بأسيافنا نعلو أكابرهم قهراً ... ويقتلنا الولدان بالمقلِ إِذا رجعنا بتسرى من سُراتهم ... نالوا التراث بلحظ الأعين البخلِ فقوله:) نالوا التراث (ينظر إلى قول أبي الطيب بدم من القواتل غيرها. وقال المتنبي: محك إذا مطل الغريم بِدَيْنِهِ ... جعلَ الحسامَ بما أراد كفيلا يساوي قول ابن أبي زرعة: أبى الله إِلا أنَّ سيفَ محمد ... كفيلٌ بنصر الدين والدينُ ضامنُ وفي هذا البيت زيادة يرجح بها على من أخذ منه، وقد قال ابن الرومي: فافتضيناهُمُ الديونَ، وقِدْما ... لم يُفتنا بها الغريمُ المُلشطُ برماحٍ مداعسٍ، وسيوفٍ ... باتراتٍ لهن قدِّ وقط كأنه قد ألمَّ بمعناه، وقد قال أبو العباس النامي في رسالة له في مأخوذ أبي الطيب، قال أبو تمام: لا تأخذني بالزمان فليس لي ... تبعاً ولستُ على الزمان كفيلا وقال: أخذ منه ولا أعلم له به تعلقاً إلا بلفظ كفيل فإن كان أول من تكلم

стр. 523

بكفيل أبو تمام فقد أخذ لفظه لا معناه وإلا فما يتعلق كلام أبي تمام بكلام أبي الطيب في شيء أصلاً، ولو قال أبو العباس إن أبا الطيب أخذ هذا من قول أبي تمام: ما زال ذاك الصبر وهو عليكم ... للموت في قبض النفوس وكيلا كان أقرب إلى المعنى وهذا نقد من يساجل أبا الطيب في الشعر ويظن أنه قربه. وقال المتنبي: أعدى الزمانَ سخاؤه فسخا به ... ولقد يكونُ به الزمانُ بخيلا وذكر أنه أعدى الزمان سخاؤه حتى سخى به وتبع أبا تمام فقال: هيهات لا يسخو الزمانُ بمثله ... إِن الزمان بمثلهِ لبخيلُ فمنع وجوده ما أخذه فصار كلامه أمدح ولفظه أرجح، وقال البحتري: قد لعمري أعدت شمائلك الدْه ... ر فأضحى من بعد لؤمٍ كريما وقال المتنبي: فكأن برقاً في متون غمامةٍ ... هندية في كفه مسلولا

стр. 524

وقال أبو عيينة بن أبي عيينة: وغيث إذا ما لاَحَ لاحتْ بُروقه ... كما هزت الأيدي مِتون الصفائِح وقال المتنبي: رقَّت مضاربه فهنَّ كأنَّما ... يبدين من عشق الرقاب نُحولا إنما ينحل العاشق بالهجر فإن كان هذا السيف لا يصل إلى الرقاب فيجوز أن ينحل من عشقها وإلا فمنع مواصلتها لا ينحل، ونحن نحتكم إلى قوله: تعلقها هوى قيس لليلى ... وواصلها فليس به غرامُ وقال المتنبي في الأسد: وردٌ إذا ورد البحيرة شارباً ... وَرَدَ الفُراتَ زئيرهُ والنِّيلا وتعظيم زئيره جيّد وليس لصوت زئيره في الماء إلا ما له في البر مع عدم الماء فكيف اقتصر على ذكر البحيرة والفرات والنيل أتراه لا يسمع إلا في ماء. وقال المتنبي: ما قُوبلتْ عيناهُ إِلا ظُنَّتَا ... تحت الدُّجى نارَ الفريق حُلولا يشبه قول أبي نواس في باز: كأنما ينظر من سراج

стр. 525

وقال المتنبي: أسدٌ يرى عضويه فيك كليهما ... متناً أزلَّ وساعداً مفتُولا قد ألم في ذلك بقول البحتري: هزبرٌ مشى يبغي هزبراً، وأغلبُ ... من القومِ لاقى باسل الوجه أغلبا وقال المتنبي: في سُرج ظامئة الفُصوص طمرّةٍ ... يَأبى تفرُّدُها لها التَّمثيلا هو موجود في قول ابن الرومي: أصف الحبيبَ ولا أقول كأنَّهُ ... كلا لقد أمسى من الأفرادِ إني لأستحي محاسن وجهه ... ألا أنزهه عن الأندادِ فأبى تفرد الناس التمثيل لها وأتى تفرد محبوب ابن الرومي التشبيه له لتفرده وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه. وقال المتنبي: أنف الكريم من الدنيّةِ تاركٌ ... في عينه العددَ الكثير قليلا هذا من قول الأسود بن يعفر: وللموتِ خيرٌ لامرئ من علاقةٍ ... من العارِ يرميه بها كل قائل

стр. 526

وقال ابن الجهم: فقلَّلَ في عيني عُظْم جُمُوعِهم ... عزيمةُ قلبٍ فيه ما جلَّ يصغُرُ فجعل ابن الجهم قلة عددهم في عينه لكبر قلبه، وجعل أبو الطيب الأنف من الدنيّة مقللاً عدد كثيرهم في عينه وإن أختلف السببان فهما يدخلان في قسم المساواة. وقال المتنبي: والعارُ مضّاضٌ وليس بخائفٍ ... من حَتْفِهِ من خاف مما قِيلا ينظر إلى قول أبي تمام: فتىً لا يرى أنَّ الفريضة مقتلاً ... ولكن يرى أنَّ العيون المَقَاتِلُ وينظر أيضاً إلى معنى أبي الطيب قول أبي تمام:

стр. 527

مُثَل الموتُ بين عينيه والعارُ ... وكُلاًّ يراه خطباً عظيما ثُمَّ سارت به الحميةُ قدماً ... فأماتَ العِدَى ومات كريما وقال المتنبي: قبضتْ منيَّتُهُ يديه وعُنْقَهُ ... فكأنما صَادَفْتَهُ مغلولا قد حام في هذا على معنى ابن الرومي في قوله: حصرتَ عميد الزَّنج حتى تخاذلتْ ... قُواهُ، وأودى زادُهُ المتزوَّدُ فطلَّ ... ولم تعتلْهُ بلفظ نفسهُ وظل ولم تأسِرْهُ وهو مقيَّدُ وقال المتنبي: وأمرّ ممّا فرّ منه فرارُهُ ... وكقتله أَلا يموتَ قتيلا هذا من قول أبي تمام: ألِفُوا المنايا فالقتيلُ لديهم ... من لم يجل الحرب وهو قتيلُ وقال المتنبي: لو كان علمك بالإِله مُقسماً ... في الناس ما بعث الإِلهُ رسُولا أحوج الناس إلى ما غنى عنه يداً لقصور علمهم عما يعلمه. وقال المتنبي:

стр. 528

لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال ... قُرآنَ والتوراة والإِنجيلا جعل لفظه يعني الناس عن الثلاثة كتب المعجزات من قول الباري تعالى عما يقول علواً كبيراً. وقال المتنبي: نطقت بسُؤددك الحمامُ تغنيِّاً ... وبما يُجَشِّمُها الجيادُ صَهيلا صدره من قول القائل: ولقد سمعت حمامة أنشدتها ... فيك المديح فعددت تغريدا وعجزه من قول عنترة: فأزور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إِليَّ بعبرةٍ وتحمحُمِ وقال المتنبي: ما كلُّ من طلب المعالي نافذاً ... فيها ولا كلُّ الرجال فُحُولا يشبه قول ابن أبي داود: أكلُ امرئ تحسبين امرءاً ... وناراً توقد بالليل نارا

стр. 529

وينظر إلى قول البحتري: وأعلمُ ما كلُّ الرجال مُشَّبعُ ... ولا كل أسباب الرِّجال حُسامُ وأبيات أولها: نُهني بصورٍ أم نهنئها بكا ... وقل الذي صُورٌ وأنت له لكا يشبه قول إبراهيم بن العباس: أنهنيكَ بطوس ... أم نُهني بك طوسا أصبحتْ بعد طلاق ... بك يا فضلُ عروسا واستقلاله لبدر من قبله لا يحسن ببدر أن يسمعه ولا يقبله. وقال المتنبي: تحاسدت الأمصار حتى لو أنها ... نفوسٌ لسار الشرق والغرب نحوكا مأخوذ من قول أبي نواس: تتحاسد الآفاقُ وجهك بينها ... فكأنهن حيث كنتَ ضرائرُ

стр. 530

قال أبو تمام: فلو أن شوقاً رمته فاستطعته ... لصاحبنا شوقاً إِليك مغاربُهْ يدخل في قسم التساوي. بعدها أبيات أولها: أرى حللاً مطوّاةً حِسَاناً ... عداني أن أراك بها اعتلال يقول فيها: وهبك طويتها وخرجت عنها ... أتطوي ما عليكَ من الجَمَالِ يقرب من قول ذي الرّمة: زَيْنُ الثياب وإن أثوابُها استلبت ... على الحشيّة يوماً زانها السلبُ يليها قصيدة أولها: الحبُّ ما منع الكلامَ الألسنا ... وألذُّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
следующие страницы →