Полный текст (676 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقال ابن الجهم:
فقلَّلَ في عيني عُظْم جُمُوعِهم ... عزيمةُ قلبٍ فيه ما جلَّ يصغُرُ
فجعل ابن الجهم قلة عددهم في عينه لكبر قلبه، وجعل أبو الطيب الأنف من الدنيّة مقللاً عدد كثيرهم في عينه وإن أختلف السببان فهما يدخلان في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
والعارُ مضّاضٌ وليس بخائفٍ ... من حَتْفِهِ من خاف مما قِيلا
ينظر إلى قول أبي تمام:
فتىً لا يرى أنَّ الفريضة مقتلاً ... ولكن يرى أنَّ العيون المَقَاتِلُ
وينظر أيضاً إلى معنى أبي الطيب قول أبي تمام:
стр. 527
مُثَل الموتُ بين عينيه والعارُ ... وكُلاًّ يراه خطباً عظيما
ثُمَّ سارت به الحميةُ قدماً ... فأماتَ العِدَى ومات كريما
وقال المتنبي:
قبضتْ منيَّتُهُ يديه وعُنْقَهُ ... فكأنما صَادَفْتَهُ مغلولا
قد حام في هذا على معنى ابن الرومي في قوله:
حصرتَ عميد الزَّنج حتى تخاذلتْ ... قُواهُ، وأودى زادُهُ المتزوَّدُ
فطلَّ ... ولم تعتلْهُ بلفظ نفسهُ وظل ولم تأسِرْهُ وهو مقيَّدُ
وقال المتنبي:
وأمرّ ممّا فرّ منه فرارُهُ ... وكقتله أَلا يموتَ قتيلا
هذا من قول أبي تمام:
ألِفُوا المنايا فالقتيلُ لديهم ... من لم يجل الحرب وهو قتيلُ
وقال المتنبي:
لو كان علمك بالإِله مُقسماً ... في الناس ما بعث الإِلهُ رسُولا
أحوج الناس إلى ما غنى عنه يداً لقصور علمهم عما يعلمه.
وقال المتنبي:
стр. 528
لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال ... قُرآنَ والتوراة والإِنجيلا
جعل لفظه يعني الناس عن الثلاثة كتب المعجزات من قول الباري تعالى عما يقول علواً كبيراً.
وقال المتنبي:
نطقت بسُؤددك الحمامُ تغنيِّاً ... وبما يُجَشِّمُها الجيادُ صَهيلا
صدره من قول القائل:
ولقد سمعت حمامة أنشدتها ... فيك المديح فعددت تغريدا
وعجزه من قول عنترة:
فأزور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إِليَّ بعبرةٍ وتحمحُمِ
وقال المتنبي:
ما كلُّ من طلب المعالي نافذاً ... فيها ولا كلُّ الرجال فُحُولا
يشبه قول ابن أبي داود:
أكلُ امرئ تحسبين امرءاً ... وناراً توقد بالليل نارا
стр. 529
وينظر إلى قول البحتري:
وأعلمُ ما كلُّ الرجال مُشَّبعُ ... ولا كل أسباب الرِّجال حُسامُ
وأبيات أولها:
نُهني بصورٍ أم نهنئها بكا ... وقل الذي صُورٌ وأنت له لكا
يشبه قول إبراهيم بن العباس:
أنهنيكَ بطوس ... أم نُهني بك طوسا
أصبحتْ بعد طلاق ... بك يا فضلُ عروسا
واستقلاله لبدر من قبله لا يحسن ببدر أن يسمعه ولا يقبله.
وقال المتنبي:
تحاسدت الأمصار حتى لو أنها ... نفوسٌ لسار الشرق والغرب نحوكا
مأخوذ من قول أبي نواس:
تتحاسد الآفاقُ وجهك بينها ... فكأنهن حيث كنتَ ضرائرُ
стр. 530
قال أبو تمام:
فلو أن شوقاً رمته فاستطعته ... لصاحبنا شوقاً إِليك مغاربُهْ
يدخل في قسم التساوي.
بعدها أبيات أولها:
أرى حللاً مطوّاةً حِسَاناً ... عداني أن أراك بها اعتلال
يقول فيها:
وهبك طويتها وخرجت عنها ... أتطوي ما عليكَ من الجَمَالِ
يقرب من قول ذي الرّمة:
زَيْنُ الثياب وإن أثوابُها استلبت ... على الحشيّة يوماً زانها السلبُ
يليها قصيدة أولها:
الحبُّ ما منع الكلامَ الألسنا ... وألذُّ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
стр. 531
النصف الأول من قول القائل:
قالت عييت عن الشكوى فقلت) إنها ( ... حد الشكاية أن أعيا عن الكَلِمِ
وعجزه من قول أبي العتاهية:
ما خير حُبٍ يخفيه صاحبه ... لا خير في الحب دون أن ظهرا
وقال البحتري:
وما الحبُّ ما ورّيتَ عنه تستراً ... ولكنَّه ما ملت فيه إلى الجَهْرِ
وقد استوفى أبو الطيب اللفظ الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
وتوقّدت أنفاسنا حتى لقد ... أشْفَقْتُ تحترق العواذل بيننا
هذا معنى قد تكرر من غيره قال الديك:
وضاحكٍ عن بردٍ مشرقٍ ... ناجيته من بين جُلاّسي
فكلما قبلته خفتُ أن ... يذوب من نيران أنفاسي
وقال آخر:
لو أنه أطلق أنفاسه ... من صدره أحرق وجهَ الجليسِ
стр. 532
وقال آخر:
هاك اتركي فوق قلبي من يديك يداً ... لتعلمي ما الذي ألقى من الحرقِ
ثم ارفعيها من تلهبها على ... أناملها أخشى من الحرق
وقال نصر الخبزأرزي:
ما أن تركت وداعه من سلوة ... ولقد جزعت لبينه وفراقع
لكن مخافة أن يُذيبَ فُؤاده ... نار تعلق منه عند عناقه
وقال أيضاً:
إني لأشفق إن ظفرت بوصلها ... من ضم أحشائي إلى أحشائِها
لو أنني لايمتها لأذبتها ... بتوقد الأنفاسِ في برحائها
وكل هذه الأبيات تدخل في قسم التساوي ولكن الخوف والإشفاق ما وقع من قائلها غيره لأنه أشفق العذال الذين قد كثر ذمهم في أشعار الشعراء والداع عليهم، فهم بذلك أرجح منه في قوله.
وقال المتنبي:
أفدي المودعةَ التي أتبعتُها ... نظراً فُرادى بين زفرات ثنا
أسكن الفاء من) زفرات (وحقها الحركة والمعنى فيه أنه كان ينظر نظرة بين زفرتين لا يفيد بيته غير هذا والذي قال الحماني أبلغ وهو:
стр. 533
أتبعتها نفساً تدمى مسالكه ... كأنه من حُمى الأحشاء مقدودُ
بقوله: تدمى مسالكه وكأنه من حما الأحشاء مقدود زيادة يرجح بها على أبي الطيب فهو أولى بقوله، وقال الديك في قسم ما يحتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه:
ولعيني دمع تسيل مثانيه ... ويجري رباعه وثلاثه
وقال المتنبي:
أنكرتُ طارقة الحوادث مرَّه ... ثمَّ اعترفتُ بها فصارت دَيْدَنَا
قال البحتري:
فأنستْ من خطوب الدهر كثرتها ... فليس يرتاعُ من خَطْبٍ إِذا طَلَعا
وقد قيل ما وجدته في كتاب الحماسة:
لقد جعلتُ نَفْسي على النأي تنطوي ... وعيني على فقد الحبيب تناه
وفارقتُ حتى ما جنَّ إلى هوى ... وإن بان جيران على كِرام
стр. 534
وقد اختصر خداش بن زهير فقال في هذا المعنى:
وبعد عينيه الخبرين حصن ... وقد باليت حتى ما أُبالي
فالتساوي شامل الأبيات والأول أحق بمعناه.
وقال المتنبي:
ووقف منها حيث أوقفني النَّدى ... وبلغت من بدر بن عمَّار المنا
) أوقفني (لغة ضعيفة غير مستعملة إلا شاذاً وأجرى عماراً على ترك الصرف وهو فعال للتكثير مصروف وقد أجراه مجرى عمر في المعدول فمنعه الصرف.
وقال المتنبي:
وشجاعةٌ أغناه عنها ذِكرُها ... ونهى الجبانَ حديثُها أن يجبُنا
يشبه قول العكوك:
فتىً علم الإِعطاء كل مُنحلٍّ ... وعلّم حبّ الموتِ كلّ جبانِ
стр. 535
جاء بما جاء به أبو الطيب وزاد بمعنى آخر فرجح كلامه وأستحقه.
وقال المتنبي:
نيطتْ حمائلُه بِعَاتِقِ مِحْرَبٍ ... ما كرّ قطّ وهل يكُرُّ وما انثنى
معناه أن الكر يكون بعد الفر وهذا لم يفر قط فيحتاج أن يكر وهذا إخبار بجنون وهوج والحزم الكر في مكانه والفر على حسب ما يوجبه الرأي فلذلك قال معاوية:
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإِن لم تكن لي فرصةٌ فجبان
وقال آخر:
لمثلها سميتُ مقشعراً ... أعيش حراً وأموت حُرا
لا بأس بالفارس أن يكر ... إذا رأى ذاك وأن يفرا
وقال المتنبي:
فكأنهُ والطعنُ من قُدَّامِهِ ... متخوف من خلفه أن يُطْعَنا
وقال أبو العتاهية:
كأنَّ المنايا ليس يجرين في الوغى ... إذا التقت الأبطالُ إِلا برائكا
فما آفة الأملاك غيرك في الوغى ... ولا آفة الأموال غير حبائكا
стр. 536
كأنك يوم الكرّ في الحرب إنما ... تفر من الطعن الذي من ورائكا
كلام أبي الطيب أوضح ومعناهما متساوٍ.
وقال المتنبي:
نفت التوهمَ عنه حدةُ ذهنه ... فقضى على غيب الأمور تَيَقُّنا
هذا من قول القائل أنشده ابن قتيبة:
بصير بأعقابِ الأمور كأنّما ... يخاطبه من كل أمرٍ عواقبه
وقال أشجع:
له نظرٌ لا يغمض الأمر دُونه ... تكاد ستورُ الغيب عنه تُمزَّقُ
وقال البحتري:
وإِذا استعان بنظرةٍ من فكرِهِ ... يوماً فتسترُ الغيب ليس بِمُسجفِ
وقال القاضي التنوخي:
وفطن ترى بعينِ الرأي ما لم ... تره كما ترى ما قد يُرى
وقال المتنبي:
مُسْتَنْبِطٌ من علمه ما في غدٍ ... فكأَنَّ ما سيكون فيه دُوَّنا
стр. 537
قوله:) دُوَّنا (مستكره جداً، والأبيات الماضية كلها من قسم المساواة، ويشبه هذا البيت قول ابن الرومي:
يقطانُ ما زالَ تُغْنيه قريحته ... عن التجارب يلقاهُنَّ والدُّرب
تلمحه تدرك العُقبى إذا احتجبت ... عن العقول بغيبٍ كلُ محتجبِ
وقال المتنبي:
يَتَفَزَّعُ الجبار من بغتاته ... فيظلُّ في خلواته مُتكفّنا
قال أبو تمام:
قَصْدٌ يخاف المشركون شذاتَهُ ... متواضعٌ خولٌ له الجبارُ
فما زاد كلام أبي تمام عن فزع الجبار منه، ولأبي الطيب من الإخبار بتكفينه في الخلوات خوفاً مما يرد منه في البغتات زيادة يرجح بها كلامه فهو أولى بما قال.
وقال أشجع:
منعت محافيل النفوس حديثُها ... بالأمر يكرهه وإن لم يَعْلَمِ
стр. 538
فجاء بما جاء به أبو الطيب.
وقال المتنبي:
يجد الحديد عَنْ بَضَاضَةِ جِلْده ... ثوباً أخفَّ من الحديد وألْيَنَا
وقال البحتري:
أناسٌ يعدّون الرماحَ مخاصراً ... إِذا زعزعوها، والدُّروع غلائلا
فالحديد الذي عناه أبو الطيب هو الدروع وما أشبهها وهي أثقل من الغلائل، وقد شغل صدر بيته بكلام مليح فصار أرجح كلاماً وأوفى نظاماً وأولى بما قال.
وقال المتنبي:
لا يسكنّ الرّعبُ بين ضُلوعه ... يوماً ولا الإِحسان أن ألا يُحسنا
هذا من قول القائل:
يحسنُ أن يُحْسِنَ حتى إِذا ... رام سوى الإِحسان لم يحسن
ما قال لا عند سؤال وإن ... همّ) بلا (لجليج كمالا لكن
حتى إِذا همَّ بترك الأطم ... ) همّ (بإِفصاح على الألسن
فالبيت الأول عجزه كعجز بيته، ولكن له في صدره من ذكر الرعبِ زيادة.
وقال المتنبي:
стр. 539
أرجَ الطريقُ فما تمر بموضعٍ ... إِلاّ أقامَ به الشَّذى مُسْتوطنا
الأرج: هيجان الريح الطيبة، والشّذا هاهنا: حدة رائحة الطيب، ويقال بل الشذا: المسك، قال بشار:
غرّاء حوراءَ في طيبٍ إذا سكنتْ ... للبيت والدّار من أرواحها أرج
وقال العرجي:
فملتُ أهوى إلى رحالهم ... أُهدي إليها بريحها الأرج
وهو من قسم التساوي.
وقال المتنبي:
لو تعقلُ الشجر التي قابلتها ... مدّت محييةً إِليك الأغْصُنا
ليس كل الشجر تصلح للتحيات، ولكنه خصص بقوله) التي قابلتها (فيمكن
стр. 540
أن يكون ما قابله منها شجر الأترج والتفاح فتمد أغصانها وفيها ثمرها، وقد قال أبو تمام:
يكادُ ركن الحطيم من فرحٍ ... بهم يحييهم إِذا استلموا
وقال البحتري:
ولو أن مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وُسْعِهِ لسعى إِليك المِنْبرُ
وهذا استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
أقبلت تبسمُ والجيادُ عوابسُ ... يحيين بالحلق المضاعف والقنا
قال مهلهل:
ولقد سبقْتَ سراتهم في مأزقٍ ... والخيلُ تعتر بالقنا وتعيش
وفي بيت أبي الطيب مطابقة ليست في بيت مهلهل وفي ابتسام الممدوح عند لقاء الخيل ما يدل على الشجاعة فكلامه أرجح.
وقال المتنبي:
عقدتْ سنابكها عليها عثيراً ... لو تبتغي عنقاً عليها أمْكنا
وقال البحتري:
стр. 541
لما أتاك يقودُ جيشاً أرعنا ... يَمْشي عليه كثافةً وجُمُوعا
هذا يقارب معنى وينظر إلى إرادته.
وقال المتنبي:
فأغفر فدىً لك وأحْبُنِي) من ... بعدها (لتخصّني بعطيّة منها أنا
قال الحسن الخليع:
أتراني أنسى حقوق أيادي ... ك وروحي من بعضها وبناني
وذلك يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
وَأنْهَ المشيرَ عليك فيّ بضلةٍ ... فالحرُّ ممتحنٌ بأولادِ الزّنا
قال ابن بسام:
يا من يصادفني والله يصرفه ... عن الحياةِ سريعاً لا عن العملِ
أنت الفداء لمن بالأمس فارقني ... يعطي الجزيل بلا مَنَّ ولا نجلِ
جرى الحسين على أعراقٍ أوله ... كما جريت على أعراقك الأول
لأصبحن وإن أصبحت ممتحناً ... وإنّما أمتحن الأحرار بالسفل
والمعنى المعنى والحرُّ ليس ضد أولاد الزّنا والبر أولى بالبيت واللئام
стр. 542
ضد الأحرار وكلا البيتين في ضعف الصنعة متساوٍ.
وقال المتنبي:
ومكايد السفهاء واقعةٌ بهم ... وعداوة الشُّعراء بئس المقتنى
ما قيل في التحذير من عدادة الشعراء أجود من قول ابن الرومي:
لا تعنْ بالشعراء ثم تعقّهم ... فتنام والشعراء غير نيام
واعلم بأنهم إِذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحُكام
وعقوبة الجاني عليهم تنقضي ... وعقابهم يبقى على الأيامِ
وقال المتنبي:
لُعِنَتْ مقارنةُ اللئيم فإِنَّها ... ضيفٌ يجر من الندامةِ ضَيفنا
صنعة هذا البيت على صنعة بيت أنشده أبو الطيب بن الوشاء:
لُعنتْ مواصلة اللئيمِ فإِنَّهُ ... يبدي القبيح ويكتمُ المعروفا
وقال المتنبي:
стр. 543
أمْسى الذي أمسى برّبك كافراً ... من غيرنا معنا بفضلك مؤمنا
هذا بيت مذموم لأنه جوز وجود الكافر بالله شكاً فيه ولا يقع منه شك في فضل الممدوح.
وقال المتنبي:
خَلَتِ البلادُ من الغزالةِ ليلَها ... فأعاضهاك الله كي لا تحزنا
إن كان عوض الله الليل البدر من الشمس لئلا تحزن البلاد لفقده فينبغي أن لا يسر النهار بالشمس لوجود عوض يغني عنها به. وقد قال ابن المعتز:
اسقينها خمراً لا تستخلف الشم ... س سُناها على سواد الليالي
فالمستخلف يقوم مقام من أستخلفه في غيبته، وهذا من استخراج معنى من معنى أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
ويليها أبيات أولها:
أصبحتَ تأمرُ بالحجابِ لخلوةٍ ... هيهاتَ لستَ على الحجاب بقادرِ
ثم قال:
من كان ضوءُ جبينه ونوالُهُ ... لم يُحْجَبَا، لم يَحْتَجِبْ عن ناظِرِ
أمّا ضوء جبينه إذا كان لا يحتجب بالحجاب فهو معنى قول أبي نؤاس في الخمر:
ترى ضوءُها من ظاهرِ الكأس ساطعاً ... عليك ولو غطَّيتها بغطاءِ
стр. 544
وأتبعه بقوله:
فإِذا احتجبتَ فأنت غير مُحجَّبٍ ... وإذا بطنتَ فأنت عين الظَّاهِرِ
أما نواله فلا يدخل في ظهوره، لأنه قد يكون محجوباً غير محجوب النوال كما قال البحتري:
وإن أتى دونه الحجاب ... فلن يحجب عنا آلاءه حُجْبهُ
ذكر أن وجهه محجوب وآلاءه غير محجوبة، وقال أبو تمام:
يا أيها الملك المحجوب غرته ... عنا ونائله من طالبٍ جيبُ
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إِن السماء ترجىّ حين تحتجب
وقال أبو تمام أيضاً:
فنعمت من شمسٍ إذا حجبت بَدَتْ ... من نورها فكأنَّها لم تحجب
وقد ألمّ في هذا أبو تمام بقول أبي نواس الذي ذكرته في الخمر، وهذه معاني مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
стр. 545
وبعد ذلك بيتان هما:
لم تر من نادمت الإِكا ... لا لسوى ودّكَ لي ذاكا
) الإك (يجوز استعمالها في الشعر والوجه في الكلام إلا إياك لأن) لا (ليس لها قوة الفعل ولا هي عاملة، وأمتن أبو الطيب على الممدوح لمنادمته إياه وهو ودّه له وأتبع هذا بقوله:
ولا لِحُبيها ولكنَّني ... أمسيتُ أرجوك وأخشاكا
ومن نادمه لودّه إياه فقد جاء بعلة شريفة هي أرفع من العلة الثانية التي جاء بها من الرجاء والخوف والتي لا تتعلق بها رغبة ولا رهبة إنَّما هي لعين الشخص أفضل.
ويتلوها أبيات أولها:
يا أيها الملك الذي ندماهُ ... شركاؤُهُ في مِلْكه لا مُلْكِهِ
في هذا البيت تجنيس ولكنه غير طائل المعنى لأنه شركة الندماء له في ملكه أن يبسط قدرتهم في دولته ويرفع منازلهم بتواتر نعمه وهذه تجمع الشركة في الملك والملك وقد بين المعنى من جوده وأقصر هو فيه وذلك قول ابن الرومي:
ومن كثرتْ في ماله شركاؤُهُ ... غدا في معاليه قليل المشاركِ
стр. 546
فذكر المعالي مكان الشرك في شعر أبي الطيب والمعالي تحسن ألاّ يشركه فيها أحد وقد أحسن التقسيم فيها ابن الرومي وهذب كلامه، وما أحسن ما قال ابن الرومي أيضاً:
مشتركُ المال لا محصله ... محصلُ العرضِ غيرُ مشتركِ
فجوَّز الشركة فيما تحسن الشركة فيه ومنع منها فيما يحسن الانفراد به وكلام ابن الرومي أرجح فهو أولى بما قال وسبق إليه.
وبعدها أبيات أولها:
بدرٌ فتى لو كان من سُؤاله ... يوماً توفَّر حظُّهُ من مالِهِ
هذه مبالغة أغرب فيها ولكن فيها مطعن وكان يجب أن يشترط بغيره عن خلفه في السخاء حتى يتوفر حظه من ماله وإلا فإن كان سخاؤه باقياً فالنصب الحاصل له من ماله دون الأصل الذي فرقه سخاؤه فكيف يوفر عليه بعض ماله وسخاؤه متلف كله.
وقال المتنبي:
سفك الدماء بجودهِ لا بأسه ... كرماً لأن الطّير بعضُ عِيَالِهِ
فأخبر أن سفكه الدماء للجود لا للبأس فبقي من فضيلة الأمر أما هو أحوج إليه وأخص بصفاته ولو كان قائد جيش بخيلاً كان أقل عيباً من أن يكون جباناً وقد أستحسن هذا المعنى حتى كرره فقال:
ما به قتلُ أعاديهِ ولكنْ ... يتّقي أخلافَ ما ترجو الذّئابُ
فخبر أنه سفك دماء الناس خوفاً من أخلاق الذئاب رجاها وكذلك سفكها لأن الطير من عياله وما يحسن أن يسفك دماء بني آدم بغير استحقاق ليشبع
стр. 547
بلحومهم الذئاب، والطير قد يسفك لها المفصد دم ما هو أحسن سفك دم من دماء الآدميين وأجلّ فإن قال قائل فقد قال النابغة:
إِذا ما غزا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ
جوائح قد أيقنّ أنَّ كتيبه ... إذا ما التقى الجمعانِ أول غالبِ
وقال الأفوه الأوري ومنه أخذ النابغة:
وترى الطير على آثارنا ... رأي عينٍ ثقةً أن سَتُمارُ
وقال أبو نواس:
تتأبا الطيرُ غدوته ... ثِقةً بالشبعِ من جزره
وقال مسلم:
قد عوّد الطير عاداتٍ وثقن بها ... فهنَّ يتبعنه في كلّ مرتحلِ
وقد سبقه الناس إلى ما عيب عليه. قلنا ليس الأمر كما ظننت لأن هؤلاء كلهم إنما قصدوا أن الممدوحين مظفرون ويسفكون الدماء في كل حرب، وقد تعودت الطير ذلك منهم فهي تتبعهم واثقة بالعادة منهم ولم يخبر أحد من الشعراء أن دماء الناس يقصد بسفكها إشباع الطير، إنما يسفك بمقصد عقلي فإن سفكت انتفعت الطير بها فهذا الفرق بين المذهبين.
وقال المتنبي:
إِن يُفن ما يحوي فقد أبقى به ... ذكراً يزولُ الدهرُ قبل زواله
هذا من قول منصور النمري:
стр. 548
فإِن تك أفنيتَ الليالي وأوشكتْ ... فإِن له ذكراً سيلي الليالي
ومثله لغيره:
بهجاتُ الثيابِ يخلقها الده ... ر وحسن الثناء غض جديدُ
فاكسني ما يبيد أصلحك الل ... هـ فإِني أكسوك ما لا يبيدُ
وهذا يدخل في قسم التساوي والسابق أولى به.
وبعدها بيتان وهما:
قد أبتُ بالحاجةِ مقضيةً ... وعفت في الجلسةِ تطويلها
هذا بيت فارغ والذي يليه:
أنت الذي طول بقاءٍ له ... خيرٌ لنفسي من بقائي لها
فذكر أن بقاء الممدوح خير من نفسه ومن بقائها وما يجدي عليه بقاء أكثر العباد خيراً وأعمهم نفعاً وميزاً بعد ذهاب نفسه وإنما المعتاد أن يقال إذا بقيت لنا لم ينال بمن هلك فأما أن يقال ما نبالي أن تبقى ونهلك نحن فهو ملق كاذب غير صادق وفيه عدول عن طريق الحقائق، والصحيح قول القائل:
لسنا نُبالي إِذا سلمت لنا ... من خانهُ دهرهُ ومن سَلِما
فإنما يقول أنه يريد بقاء من مدحه لصلاح بقائه فهذا هو الصحيح المعنى.
ويتلو هذا قوله:
стр. 549
يا بدرُ إنك، والحديثُ شُجونُ ... من لم يكن لمثاله تكوينُ
قال بعده:
لَعَظُمْتَ حتى لو تكونُ أمانةً ... ما كان مؤتمناً بها جبرين
أرجو أن لا يكون هذا القول صدر منه عن فساد نيّة ونحن نسأل الله تعالى الإعاذة من فتنة القول كما نسأل الإعاذة من فتنة العمل لأن هذا البيت قد خون فيه مأموناً جعله الله واسطة في أمانته ورضيه أميناً على رسالته وقد أخذ هذا المعنى من أبي فنن أبيات مجن فيها:
قامت تُشجعني ضلاً بتضليلِ ... وللشجاعةِ قلب غَير مجهولِ
هاتي شجاعاً بغير القتل منيته ... أريك ألف جبان غير مقتول
لما رأيتُ سيوف القومِ مصلتةً ... تجري تحير في عرضي وفي طُولي
الله سلمني منهم وخلصني ... مصفر الوجه مخضوب السَراويلِ
والله لو أن جبريلاً يضمن لي ... نفسي لما وثقت نفسي بجبريلِ
فالبيت مثل البيت يدخلان في قسم التساوي، ويليه:
بعضُ البريةِ فوق بعضٍ خاليا ... فإذا حضرتَ فكلّ فوق دُونُ
هذا من قول أبي نواس:
أَلاَ يا خيرَ من رأتْ العيون ... نظيرك لا يحسن ولا يكونُ
стр. 550
خُلقتَ بلا مشاكلةٍ لشيءٍ ... فأنت الخلق والثقلان دُونُ
وقال الحصني:
أنت دون الإِله خوفاً من اللّ ... هـ ما دون ذاك حاشاك دون
وهذا معنى يدخل في قسم التساوي ويدل هذا القول أنّه قد دار في خلده أن يقول هذا القول للحصني ولكنه خاف الله فمنعته التقية وقد همّ لولا ذلك بقول المعصية.
وبعدهن أبيات أوّلها:
فدتكَ الخيلُ وهي مُسوّمات ... وبيضُ الهند وهي مُجرّداتُ
يقول فيها:
وصفتكَ في قوافٍ سائراتٍ ... وقد بقيتْ وإن كثرتْ صِفاتُ
أملح من هذا وأخصر قول ابن الرومي: لم يفن ما قيل بل الكلام وقال أشجع:
وما ترك المداح فيك مقالةً ... ولا قالَ إلا دون ما فيك قَاتلُ
стр. 551
أبو الطيب ذكر أنّه بقي عنده صفات، وذكر ابن الرومي أن كلامه فني ولم يفن ما فيه، وكلام أشجع أشعر ما قيل في هذا المعنى لأنه أخبر أن المداح لم يتركوا فيه مقالاً وأنهم اجتهدوا فكان اجتهادهم يقصد فهو أرجح وأولى من الأخذ عنه.
وقال المتنبي:
أفاعيلُ الورى مِنْ قبل دُهْمُ ... وفِعلك في فعالهِمُ شِياتُ
هذا يشبه قول أبي تمام:
قومٌ إذا أسودَّ الزمان توضحوا ... فيه فغودِر وهوَ منهُم أبلقُ
ويتلو أبيات أولها:
مَضى الليلُ والفضلُ الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العُيُون من الغُمْضِ
يشبه قول القائل:
مضى الليلُ إلا أنَّ ليلي لا يمضي ... وأنَّ جُفُوني لا تروّى مِن الغُمضِ
وقول أبي الطيب:) ورؤياك أحلى في العيون من الغمض (.
موجود في قول ابن الرومي:
ولطعمُ أكتحاله منه بالزّائ ... ر أحلى في عينه من رقادِهِ
стр. 552
وبيت ابن الرومي أكرم من بيته لأنّ رؤياه لوجه العافي الزائر قياده إذا كانت أحلى عنده من الرقاد كان ذلك أكرم من رؤياه باستحسان الشخص والرؤيا في الرقاد والرؤيا في النظر.
وقال المتنبي:
على أنّني طُوِّقْتُ مِنكَ بنعمةٍ ... شهيدٌ بها بعضي لغيري على بعض
هذا يساوي قول ابن بسام:
وقد سبقتْ لامرئٍ نِعمةٌ ... تقرّ عليَّ وإن لم أُقِرِّ
ويليها بيتان أوّلهما:
نالَ الذي نلت مِنه ومني ... لله ما تصنعُ الخُمور
قوله:) نال الذي نلت منه (يشبه قول ابن الرومي:
стр. 553
بينا تُرى في الزّق مسحوبةً ... إذ حكمتْ أن يسحب الساحبُ
مسلوبةً في الدن مغلوبةً ... لها اقتدارُ سالب غالبُ
ومثله قول ابن المعتز:
نُباكرها ولنا قدرةً علي ... ها وتُمسي لها القُدره
فَعند الصباحِ لها حمرة ... وعند المساء لها سُكرهْ
تَضاحك في الكأس كف الفَ ... تى وفي نفسها للفتى عُذرهْ
وجميع ما قيل أشرح وأعذب من قوله والسابق أولى به.
ويليها أبيات أوّلها:
وجدتْ المدامة عذابةً ... تُهيج للقلب أشواقه
قال فيها:
تُسيء مِنَ المرءِ تأديبَهُ ... ولكن تحسن أخلاقُهُ
لو استعمل مكان) تأديبه () تمييزه (صح وصفه إياها لأن سوء الأدب أولى بسوء الخلق، وقد قال الشاعر:
رأيتُ أقلَّ الناسِ عَقلاً إذا انتشى ... أقلّهم عقلاً إذا كان صاحيا
تزيد حُميّاها السَّفيه سفاهةً ... وتتركُ أخلاقَ الكريم كما هيا
فخبر بزيادة سوء أدب السيئ الأدب وزيادة حسن أخلاق الكريم وهو صحيح وقال المتنبي
وأنفسُ ما للفَتى لُبُّهُ ... وذو اللبِ يكرهُ إنفاقَهُ
стр. 554
ولا أعرف شيئاً دعا الناس إلى محبة الشراب إلا ما يعلمه من إنفاق العقل الذي إن ذهب الليلة عاد غداً وقد أوجد ريحاً من السرور ينتهز فرصته وتحلو لذته فقد كره أبو الطيب ما أحبه الناس هذا مع فضائل يكثر عددها وتتواتر مددها منها ما يفعله الفرح في الجسم مع زيادة اللحم والدم وقد قال بعض الحكماء) الأرواح تحتاج إلى أقواتها من الفرح كما تحتاج الأجسام إلى أقواتها من الطعام ولن يفعل الفرح من الشراب الجزء اليسير إنما يفعله الشراب الكثير (.
وقد قال بعض الظرفاء لآخر: أتشرب النبيذ، قال: القدح والقدحين فقال: ما شربته فتوة ولا تركته مروة ولم يوجد طريق إلى الشرور كالشراب أخصر مسافة ولا أسهل مأخذاً من غيره معونة من الدهر لِما يحدث للقلب سروراً حتى تتغطى عيوبه وتغفر جنايته وذنوبه ويحسن الظن بالله فيتسع بذلك ضنك المكان ويرضى عن الزمان هذا إلى ما يحدثه من السماحة في البخلاء والشجاعة في الجبناء وهذه فضائل لا يبعثها إلا أريحية الشراب ومعاقرة الأحباب عند تغير العقل، فكيف كره إنفاق العقل أبو الطيب ولولا ما يخاف من الإثم في الشراب بما يحدثه السكر لوجب غفران ذنبه في جنب محاسنه، ولو قال أبو الطيب:) وأنفس ما للفتى ذنبه (لما أعترض كلامه ولا جاز أن ينكر، ولكنه جعل سبب ترك الشراب الخوف من تغير العقل الذي من أجله شربته العقلاء هرباً من عدم اللذات واشتعال النفس بالفكر من العواقب والحوادث الممضات فمن بالغ في الرغبة والحرص على الشراب أبو نواس.
فقال:
اسقني حتّى تَراني ... حسناً عِندي القبيح
والقبيح لا يصير حسناً إلا عند التغير بالسكر، وقد قال أبو نواس:
فما الغبن إلاّ أن تراني صاحياً ... وما الغنمُ إلا أن يتعتعني السكرُ
وقال آخر:
стр. 555
لما رأيتُ العيش عيش الجاهلِ ولمْ أرَ المغبون غير العاقلِ قدمت عيساً مِنْ خمور بابلِ فبتُّ مِنْ عقلي على مَراحلِ وقال البحتري هرب العقلاء من هموم العقل قولاً وهو:
أرى العقل بؤسي في المعيشةِ للفتى ... ولا عيش إلا ما حباكَ بهِ الجهلُ
ومن طريف معانيه قوله بعد هذا:
وقدْ متُّ أمس بها موتةً ... وما يشتهي الموت مَنْ ذاقه
كلام لا يصح معناه لأنه لا شهوة لمن مات وما رأينا من يخبر بمذاق الموت هل اشتهاه أو كرهه فليته أعتمد على قوله:
فالموتُ تعرف بالصفاتِ طباعه ... لمْ تلق خلقاً ذاق موتاً آيبا
وبالجملة فما أراد بالموت إلا تشبيه السكر به ومن يذوق السكر فهو يشتهيه وليس السكر موتاً بل غيبة تمييز وظل الغيبة هي المستلذة المطلوبة من الشراب ولولاها ما شرب لعلل توجب عنه الانقطاع ومنه الامتناع منها والدخول مما يروى بالمروءة والديانة وتنتهك حرمة الصيانة ومن ذلك الخمار الذي له من المضض ما هو لأعظم المرضى فلولا لذة السكر ما صبر على ذلك منه وفي ذلك أقول صيغة:
стр. 556
إلى الله أشكو هوىً شادن ... بعيدُ المنالِ قَريبُ المزارِ
يُسيء ويعذره حُسنه ... لدى عاشقيه بِغير اعتذارِ
محاسنُ تغفر ذنبَ الصُّدود ... كما غفر السكر ذنبَ الخُمار
والذي قاله الديك في هذا أحسن:
فتراهمُ صرعى وقدْ صعقتهمُ ... بكؤوسها في عدّةِ الأمواتِ
يا حبّذا هم ميتين وحَبّذا ... ذاكَ المماتِ لهم فخيرُ مماتِ
موتٌ تنافسه الملوك ويشترى ... بعقائل تُلْدٍ ومُطرّفاتِ
موتٌ أعزّ من الحياةِ عليهم ... وألذُّ في الأفواه واللَّهواتِ
ولا بد للمدام إذا أدمنت من حمى الأكباد واحتراق الأجساد ما هو معلوم منها وربما بلغ السكر بالشارب العاقل إلى غاية لا ترضى لصغار الغلمان وخساس العبدان ولكن لها ساعة تقل هذه البلايا في جبينها وتحمل على معاودة شربها وهي الحال التي كرهها أبو الطيب.
وله بعد هذه الأبيات مقاطيع في لعبة، أحضرت مجلس بدر بن عمار وقد طرح من شعره شيئاً كثيراً لم يرضه لو ألحقها به كان أوفق، ونحن نستغني عن ذكر أكثرها لفراغها والذي نذكره ما فيه بعض المعنى منها قوله:
جاريةٌ ما لجِسمها روحٌ ... بالقلبِ من حُبِّها تباريحُ
والبرد يعم معانيها، وقال بعد هذا:
في يَدِها طاقة يشير بها ... في كل طيبٍ من طيبها ريحُ
لا أعرف كيف صارت طاقة ريحان لكل طيب من طيبها ريح، ثم قال:
سأشربُ الكأس عن إشارتها ... ودمعُ عيني في الخدينِ مسفوحُ
ولا معنى لذكر الدمع إلا طلب القافية.
وقال في أبيات أوّلها:
стр. 557
إنّ الأميرَ أدامَ الله دولتهُ ... لفاخرٌ كسيتْ فخراً به مُضَرُ
يقول فيها:
قامَت على فردِ رجلٍ من مهابتهِ ... وليس تَعْقِلُ ما تأتي وما تذَرُ
تعجب من غير عجب، قد يكون في البرك أشخاص من أشكال طير وغيره تدور وتتحرك ولا أعلم لها بما فعلته وقد قال مسلم في سفينة:
إذا ما طفتْ ألقى الجريرَ لرأسها ... وملكها عِصيانَها وهي لا تدري
وقد أعرب أبو الطيب بقوله في أخرى:
ما نقلتْ في مشيئةٍ قدماً ... ولا اشتكتْ في دَوارِها ألما
وأتبعه بقوله:
لمْ أرَ شخصاً من قبل رؤيتها ... يفعلُ أفعالها وما عَزما
فأعدمها التمييز ثم قال:
فلا تلمها على تساقطها ... أطربها أن رأتكَ مُبتِسما
فخبر في الأولى أن مهابة الأمير أقامها على فرد رجل وذكر أنّها لا تعقل أن تأتي ولا تذر في أثر ذلك ثم خبر في أخرى أنها تفعل أفعالها بغير عزم ثم قال إنها تتواقع طرباً برؤيته مبتسماً فمرة يجعلها قاصدة مميزة لهيبة الأمير وسروره ومرة يعدمها التمييز وينفيه عنها في حال واحدة وذلك من محال الكلام ولكن
стр. 558
المذهب الحسن قول بعض الشعراء:
لو كانَ حيّاً قبلهنّ ظَعاينا ... حيا الحطيمُ وجوههنَّ وزمزمُ
وهذا احتياط يشبه احتياط البحتري في قوله:
ولو أن مشتاقاً تكلّف غير ما ... في وسعه لسعى إليكَ المنبرُ
فذكر هذا أنّه لو أمكن تحية الحطيم هذه الظعائن لحيا أو سعى هذا المنبر، وأبو الطيب جمع بين النفي والإثبات في حال واحدة.
ويلي هذه أبيات في هذه اللعبة أوّلها:
وذاتُ غدائرٍ لا عيبَ فيها ... سوى أن ليس تصلحُ للعناقِ
وهي مثل ما تقدم في الفراغ وكأن فال قائل ما تقول هذا الشعر كله بديها فلما تواتر هذا منه خجل عليه وأمر بدر برفع اللعبة، فقال له أبو الطيب: ما حملك على ما صنعت قال بدر: أردت نفي الظنة عن أذنك فقال:
زعمتْ أنّكَ تنفي الظنَّ عن أذني ... وأنتَ أعظم أهل العصر مقدارا
ثم أتبعه بقوله:
إنّي أنا الذهب المعروف مخبرُهُ ... يزيدُ في السبكِ للدينار والدينارا
стр. 559
نعت بالمعروف وجاء بما لا يعرف من الذهب أنّه يزيد في السبك ضعف وزنه ولو نعته بأن قال أنا ذهب معروف مخبره يزيد في السبك الضعف لجاز كأنه يريد نوعاً من الذهب يخالف عادة أجناسه والمعنى الصحيح قول البحتري:
وقد هذَّبتكَ الحادثاتُ وإنما ... صفا الذَّهبُ الإِبريزُ قبلك بالسَّبكِ
فخبر بفعل الذهب من السبك معتاد من الصفا وليس بمعتاد زيادة الضعف في السبك.
ويلي ذلك أبيات أوّلها:
برجاءِ جُودِك يطردُ الفقرُ ... وبأن تُعادى يَنْفد العُمْرُ
قال فيها:
فَخر الزُّجاجُ بأن شربتَ به ... وردتْ على من عافها الخَمرُ
ينظر إلى قول ابن الرومي:
تصبوُ الكؤوس إلى مراشفه ... وتهشُّ في يده إلى الحبسِ
وقال المتنبي:
وسلمت منها وهي تُسكِرنُا ... حتّى كأنَّكَ هابك السُكْرُ
هذا من قول ابن دريد:
كأنما الراح وهو يشربها ... تزيدُ في عقله إذا شَربا
стр. 560
وهذا الكلام أرجح من كلام أبي الطيب لأنه خبر عنها بالهيبة له أن يسكره، وابن دريد لم يرض لها بذلك حتى ادعى لها إذا شربها الزيادة في عقله فمبالغته أوضح ومعناه أرجح.
ويلي ذلك قصيدة أوّلها:
لا افتخارٌ إلاّ لمن لا يُضامُ ... مُدركٍ أو مُحاربٍ لا ينام
أخذه من قول ابن دريد:
ولا فخرَ إلا فخر منْ لمْ يكن ل ... هـ أمير عليه في الأمور تقدمُ
كريمٌ حمته نعمة السيف أن يُرى ... يمن عليه بالصنيعةِ منعمُ
ولكن أبا الطيب جمع اللفظ الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
ليس عزماً ما مرّض المرء فيه ... ليس هَمّاً ما عاق عنه الظلام
نبهه على هذا المعنى الأعشى بقوله:
إلى ملك لا يقطعُ الليلُ هَمّهُ ... خروجٍ تروكٍ للفراش الممهَّدِ
وقال المتنبي:
وأحتمالُ الأذى ورؤيةُ جاني ... هـ غذاءُ تضوى به الأجسامُ
ينظر إلى قول القائل:
ومالي جاه في اللئامِ ولا يد ... ولكن جَاهي في الكرامِ عَريضُ
أصح إذا لاقيتهم فكأنَّني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريضُ
стр. 561
وقال المتنبي:
ذلَّ من يغبط الذليل بعيشٍ ... رُبَّ عيشٍ أخفُ منه الحِمامُ
يشبه قول القائل:
إذا لم يكن بد من الموتِ للفتى ... فالموتُ قبل الذل خيرٌ وأكرمُ
ولابن دريد:
وللموتِ خيرٌ من حياةٍ دنيةٍ ... تعد لكْم أيامها بالمثالبِ
وأنشد أبو الطيب ابن الوشاء:
أرى الموت خيراً من حياةٍ زهيدة ... أرى الذل فيها حينَ أمسي وأصبحُ
لئن كانَ باقي عيشنا مثلُ ما مَضى ... فللموتِ إن لم يدخل النار أروحُ
ويقارب هذا المعنى قول ابن الرومي:
أبتْ لي قبول الضيم نفسٌ أبيةٌ ... تبيع بعزّ الموت ذلَّ حياتها
وكل هذا يتساوى مبانيه ومعانيه والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ ... حُجّةٌ لاجئ إليها اللِّئامُ
معنى هذا البيت أن الحلم عند القدرة، سبقه إليه سلم الخاسر في قوله:
وأحلمُ الناس عند مقدرة ... وإنما الحلم حين يقتدرُ
стр. 562
ومثله قول الآخر:
وما الحلمُ إلا العفو من بعد قدرةٍ ... على أن يمر في الأمورِ وأن يُخلى
وقال ابن المعتز:
والحلمُ يذهب باطلاً ... إلاّ لذي سَطواتِ
وأبو الطيب قد أتى بمعنى هذه الأبيات وزادنا أن إدعاء الحلم من غير قدرة من حججّ اللئام فزاد في كلامه ما هو من تمامه فاستحقه.
وقال المتنبي:
من يهنْ يسهل الهوانُ عليهِ ... ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
يشبه قول ابن الرومي:
قد عُوِّدوا مسّ الهوا ... نِ فكلهم بهيج بِمسه
وكان عجزه ينظر إلى قول البحتري:
أقولُ أزيد من سُقم فؤادي ... وهلْ يزدادُ مِنْ قتلٍ قَتيلُ؟
وقال المتنبي:
واقفاً تحت أخمصي قدر نَفسي ... واقفا تحتَ أخمصي الأنامُ
стр. 563
ألمّ بمعنى كثير في قوله:
وطئت على أعناقِ ضُمرة كلها ... بأخمص رجلي واتخذتهم نَعلا
وأراد الخروج بلفظ مليح إلى ما أراد من المديح فقال:
دُونَ أن يشرقَ الحجاز ونجد ... والعراقان بالقِنا والشامُ
شرقَ الجَوّ بالغبارِ إذا سا ... ر عليُّ بن أحمد القمقامُ
هذا يشبه خروج أبي تمام بينا هو في وصف الربيع إذ خرج إلى المديح البعيد فقال:
خلقٌ أظلّ من الربيع كأنَّهُ ... هُدى الإِمام وهديهُ المتيسِّرُ
في الأرض من عدل الإِمام وجودِهِ ... ومن الربيع الغضِّ برج تزهَرُ
ومثل هذا الخروج من القدماء قليل ومن المحدثين كثير.
وقال المتنبي:
стр. 564
لو حمى سيداً من الموتِ حامٍ ... لحماك الإِجلالُ والإِعظَامُ
يساويه قول ابن دريد:
فأقسم لو هابَ الردى وأجلّهُ ... فلم ينله لا ريد عنكَ يهينا
ومثله قول يزيد بن محمد المهلبي:
لو خلد الله مخلوقاً ليخدمه ... لكانَ ربك في الدنيا مخلِّده
وقال أبو عيينة:
ولو كانَ يخلدُ أهل الندى ... وأهل المَعالي إذا خُلّدوا
وقال المتنبي:
وعَوار لوامع دينها ال ... حل ولكنّ زيها الإِحرامُ
فشبههم أبو تمام بالمحرمين لعزتهم، واجتمعت لأبي الطيب مطابقة في الحل والإِحرام يرجح بها كلامه.
وقال المتنبي:
كتبتْ في صحائف المجد بسمُ ... ثمّ قيسٌ وبعدَ قيس السَّلامُ
стр. 565
فجمع بين إجازة الصرف وتركه في قيس وجاء ببيت وقد ألمّ فيه بقول علي بن محمد الحماني:
أيامُ ذكرك في دوا ... وين الصبا صدرُ الصَحائف
ولكن الحماني ذكر أن ذكره في صدر دواوين الصبا التي يجوز أن يكون معها غيرها وأبو الطيب ذكر أن أول صحائف المجد بسم ثم قيس القبيلة ثم السلام فشغل الصحيفة بما لا يختلط به غيره ولا تستغني عنه فكلامه أرجح وهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ليلُها صبحها من النَّار، والإِص ... باحُ ليلٌ من الدخان تمامُ
هذا مأخوذ من قول أبي تمام:
غادرْت فيها بهيم الليل وهو ضُحىً ... يشلهُ وسطها صُبح من اللَّهبِ
ضوءٌ من النارِ والظلماء عاكفةٌ ... وظلمةٌ من دخانٍ في ضُحى شحبٍ
فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد وجبت ... والشمس واجبةُ من ذا ولم تَجِبْ
فلا يظن ظان أن أبا الطيب أوجز فأستحق ولا أن أبا تمام أطال فقصر بل
следующие страницы →