Полный текст (676 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وقد لبست دماؤهم عليهم ... حداداً لم تَشُقَّ لها جيوبا
شبه الدماء إذا انتشت على نحور الطير وأحشائها بالحداد وهي الثياب السود ثم نفى عنها الحزن عليهم بأنه لم يشق لها جيوباً عليه ولو أستعمل مكان الإخبار لفظ التشبيه كان أجود.
وقال المتنبي:
شديد الخنزوانة لا يُبالي ... أصاب إِذا تَنَمَّرَ أم أُصيبا
أخذه من قول العباس بن مرداس:
أشدُ على الكتيبة لا أُبالي ... أَحَتْفِي كان فيها أم سواها
ومثله قول الخنساء:
سأحملُ نفسي على آلةٍ ... فإِمَّا عليها وإمَّا لها
ويقرب منه قول مالك بن الريب:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكرِ العواقب جَانِبا
وقال المتنبي:
كأنَّ الفجر حِبُّ مستزارٌ ... يُراعِي مِن دُجُنَّتِهِ رَقيبا
стр. 597
قال ابن المعتز:
في ليلةٍ ما راعني فيها سوى ... شبه النجوم بأعين الرقباءُ
وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه ولفظ المتنبي أرجح لأنه لما ذكر الحبيب ذكر الرقيب.
وقال المتنبي:
أقلبُ فيه أجفاني كأنَّي ... أعدُّ به على الدهرِ الذنوبا
يريد أن تقليبه أجفانه يكثر ذكره ذنوب الدهر.
وقال المتنبي:
وشيخٌ في الشباب وليس شيخاً ... يُسمَّى كلّ من بلغ المشيبا
قال البحتري:
حديث الشباب كثرة بِفعاله ... وبعضُ الرجال كثرة بمشيبه
لم يخبرنا المتنبي لِمْ صار شيخاً في الشباب ولا لِمْ صار من يبلغ المشيب يسمى شيخاً وإنما يستدل على مراده بالتأمل لمعناه والبحتري قد فسر وأوضح فهو أحق.
وقال المتنبي:
стр. 598
إذا نكبت كنانتُهُ استبنْا ... بأنصلها لأنصلها نُدُوبا
ينظر إلى قول القائل:
يحل ضرب السهام بمثلها ... فلهن من يحدث الندوب نَدوبُ
وقال المتنبي:
لأْصْبِحَ آمِنَاً فيك الرزايا ... كما أنا آمِنُ فيك العُيوبا
سلخه من قول ابن الرومي:
أسالمُ، قد سلمت من العيوب ... ألا فأسلم كذاك من الخُطوبِ
وهذا من قسم المساواة.
وقال من قصيدة:
أذمُّ إلى هذا الزمان أُهيلة ... فأعلمهمُ فدمٌ وأحزمهم وغدُ
стр. 599
هذا تقسيم رديء لأن الفدم الغبي في المنطق وقد يكون الفدم عالماً فلا يفسر ذلك علمه، والوغد: الضعيف أو العبد وقد يكون الحزم في الضعيف أو العبد ولا تعد العبودية ولا ضعف الجسم حزمه وإنما ينبغي أن يأتي بالشيء وضده كما يقول تمثيلاً أعلمهم جاهل وأحزمهم أخرق، كما قال الشاعر:
إني بليتُ بمعشرٍ ... نَوكى أخفهمْ ثَقيلُ
لا يفهموني قَولهم ... ويدقُ عنهم ما أقولُ
فَهم كثيرون بي ... وأعلم أنني بهم قليلُ
وقال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحُر أن يرى ... عدوّاً له ما من صداقته بُدُّ
سرق لفظه سرقة قبيحة يستحق عليها القطع وذلك قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
ومن نكد الدُّنيا على الحُرّ أن يرى ... عَدوا فيرضى أن يقول صديقُ
ولفظ إسحاق أوضح لأن معناه يرضى أن يسميه إذا سئل عنه صديقاً وتلك التسمية هي المداجاة وقد ألم أبو الطيب بكلام العرجي فقال:
وكم ذاد عنا بعضنا من قبيلةٍ ... فما وجدوا آمناً على بعضنا بدا
وقال المتنبي:
وإني لتغنيني من الماء نُغبةً ... وأصبر عنه مِثلَ ما تصبرُ الرّبد
стр. 600
وهذا من الشعر الذي لم يرد فيه عن مرام ولا خير عن مقام.
قال مروان بن أبي حفصة:
وإني لتغنيني عن الماء نُغبةً ... وأصبر عنه مِثلَ صبر الأباعرُ
وهذا من اللفظ المدعى هو ومعناه معاً.
وقال المتنبي:
وأكبرُ نفسي عن جزاءٍ بغيبةٍ ... وكلّ اغتيابٍ جُهد لا له جُهْدُ
قال بعض بني أمية: الغيبة جهد العاجز.
وقال المتنبي:
يُوالي بلا وعدٍ ولكنَّ قبلها ... شمائلهُ من غير وعدٍ لهما وعد
معناه: أن شمائله تقوم مقام الوعد، وهو ينظر إلى قول ابن الرومي:
همست إليّ بفضله ... آباؤه من قبل همسه
مِثل المغني أنبأت ... عن حذفه نغمات حبسه
وقال المتنبي:
فلمّا رآني مقبلاً هَزّ نفسهُ ... إليَّ حسامٌ كلُّ صفحٍ له حَد
قال الديك:
стр. 601
فتى كان مثل السيف من أين جئته ... لنائبةٍ نابته فهي مضاربه
وقال المتنبي:
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمَعت واحد فرد
قال البحتري:
ولمْ أرَ أمثال الرجال تفاوتوا ... إلى المجد حتى عُد ألف بواحدِ
فهذا كلام لا تقصير في مبناه ولا معناه والبحتري أحق بقوله.
стр. 602
وقال المتنبي:
ولا عشتُ ما ماتوا ولا أبواهم ... تَميم بن مُرّ وابن طانجةٍ أُدُّ
يدخل في قسم المساواة في قول ابن الرومي:
إذا سلف ولى وخلَّف مِثله ... فما ضرَّةُ أن غَيّبته الرّوامِسُ
وقال من أبيات:
من خَصَّ بالذم الفراقَ فإِنني ... من لا يَرى في الدَّهر شيئاً يُحمَدُ
هذه مبالغة مستحيلة لأنّ الدهر فيه العافية والشباب والثراء وكله محمود والإنصاف قول ابن المعتز:
الدهرُ فيه مساءةٌ ومسرّةٌ ... فجزاء دهرك أن يذمُ ويُحمَدا
وقال من قصيدة:
كلما رُمْتَ لونهُ منع النا ... ظر موج كأنَّه منك هازي
حذف الهمز ويشبه قول القائل:
وكأنَّ الفرند والرونق الجَا ... ري في صَحيفته ماء مُعين
стр. 603
قال ابن أبي زرعة:
متردّدٌ فيه الفرِن ... د تردّدَ السماء الزلال
وهو يشبه واحد والأول أحق به.
وقال المتنبي:
ودقيقٌ قذى الهباء أنيقٌ ... مُنوالٍ في مستوٍ هزهازِ
دقيق يعني الغبرة التي تعلوه، والهباء: ما تراه مع الشمس إذا دخلت من موضع ضيق وهو مثل قول والبه:
وكأنّما رد الهباء عل ... يه أنفاس الرياح
وقال المتنبي:
وردّ الماءَ فالجوانب قَدراً ... شربتْ والتي تُليها جوازي
الجوازي: التي تشرب الماء وأصله أن الإبل تجزأ بالرطب عن الماء وترك همزها على قياس) هازي (ليطرد الأصل. في الخطا، والماء ما يسقيه الصقيل ومن شأن الصقيل سقي شفرتي السيف دون غيره و) يترك (متنه فيروي سيفاه وما يليها عطشان وإنما يفعل ذلك ليكون أثبت في الضرب لئلا ينقصف وإذا كان
стр. 604
هذا أمرا من صنعه الصقيل لا بد منه في السيوف فقد خبر بما يكون منه بدّ في كل سيف فما فضيلة سيفه.
وقال المتنبي:
سلّهُ الرّكض بعد وهنٍ بنجدٍ ... فتصدى للغيث أهلُ الحجازِ
أخذ هذا المعنى بكماله من الوائلي:
ما سلّهُ أهل الحجاز لحاجةٍ ... إلاّ يبشّرُ بالسّحابِ الشَّاما
وهذا يقرب من أخذ اللفظ المدّعى هو ومعناه معاً إذ لا فرق بين الحجاز والشام وقد قال ابن الجهم في قبة المتوكل:
وقبة ملك كأنَّ النُّجو ... مَ تُصغي إليها بأسرارِها
إذا أوقدتْ نارُها بالعراق ... أضاءَ الحجاز سَنا نارِها
فهذا من إخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
وكأنَّ الفريد والدُّر واليا ... قُوتَ من لفظِهِ وسام الرّكازِ
أما التشبيه بالذهب فغير معتاد وإنما يعني) بسام الرّكَازَ (عروق الذهب في معدنها وأقبح ما يكون الذهب كذلك وإنما يحسن بالسبك فلا بد للذهب من معدن فإضافة السام إلى الركاز غير مفيد قد يكون ذهب بغير معدن وما
стр. 605
طلب إلا القافية.
وقال المتنبي:
كيف لا يشتكي وكيف تشكَّوا ... وبهِ لا بمن شكاها المَرازي
معناه: هو حامل للقاء الحروب والديات وغير ذلك فكيف لا يشتكي ويشكواهم وبه المرازي دونهم. وترك الهمز على عادته.
وقال من قصيدة:
أمّلتُ ساعةَ ساروا كشف معصمها ... ليلبثَ الحيُّ دون السَّيرِ حيرانا
خصّ معصمها بالنور ووجهها كان أولى بهذه الصفة وهذا ينظر إلى قول البحتري:
ويستوقفُ الركب العجال إذا بدوا ... فلا أحد يمضي من الناس أو تمضي
فإن كان أراد باستقافها الركب بنورها فقد زاد بوصفهم بالعجال على أبي الطيب، وهذا من إخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
خلائق لو حَواها الزنج لانقلبوا ... ظُمى الشَّفاهِ، جعاد الشعر غُرَّانا
стр. 606
ما تتعلق فضيلة الأخلاق بانقلاب الخلق غيرها هيأتها ولا أدعى أحد في بياض الأخلاق أنّه يبيض الجلود حتى يعود الأسود أبيض وما زاد على أن قالوا إن كانت الخلق سوداً فإن الأخلاق بيض كما قال عبد بني الحسحاسي:
ليس يزري السواد بالرجل ال ... هم ولا بالفتى الأديب الأريب
إن يكون للسواد ومنك نصيب ... فبياضُ الأخلاقِ منك نَصِيبي
وقال ابن الرومي:
خلائق لو قضت على الناسِ كُلهم ... محاسنها لم يبق للناس جِسمُ
وهذا كلام فيه مبالغة مستحسنة.
وقال المتنبي:
وواهباً كل وقتٍ نائلِهِ ... وإنما يَهَبُ الوهَّابُ أحيانا
وقال البحتري:
للّشيء وقت وإبّانٌ، ولستَ تَنِي ... تلقى لنائله وقتاً وإبانا
стр. 607
وقال المتنبي:
عليك مِنكَ إذا أخليت مرتقبٌ ... لم تأتِ في السرِ ما لم تأت إعلانا
قال الشاعر:
ومشيئةُ الأخلاقِ في السخطِ والرضى ... سريرته في الله يشبهها الجَهْرُ
وقال من قصيدة:
سهادٌ أتانا منك في العين عندنا ... رقادٌ وقلاّمٌ رعى سربكم وَردُ
قوله) في العين (حشو رديء لأن السهاد معلوم المكان وهو من قول الآخر:
يا نسيم الريح في السحرِ ... وشبيه الشمس والقمرِ
إن منْ أسهرت ليلته ... لقريرُ العينِ بالسهرَ
وقال المتنبي:
ولكنَّ حبّاً خامرَ القلب في الصِّبا ... بزيدُ على مرّ الزّمانِ ويشتَدُّ
يشبه قول القائل:
أتاني هَواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً فارغاً فتمكّنا
стр. 608
وقال المتنبي:
صيامٌ بأبواب القباب جيادهُمْ ... وأشخاصُها في قلبِ خائفهم تَعدُو
قال ابن أبي زرعة:
يخالُ الجياد من فرطِ خوفه ... جواري بالأبطالِ وهي سَواكِنُ
وقال من قصيدة:
وكادَ سُروري لا يفي بندامتي ... على تركه في دَهْري المستقام
أخذه من المسلوب المغصوب الوائلي حيث يقول:
وتركته يبكي بقيةَ عُمره ... أسفاً لماضي عمره المتقدم
وقال من أبيات:
حتّى دخلنا جَنة ... لو أن ساكنها مخلدُ
قال ابن المعتز:
كنت عندي أنموذجات ... من الجنة لكنّها بغير خلودِ
стр. 609
وقال من أبيات:
غدا النّاسُ مثلهم به، لا عدمته ... وأصبح دهري في ذُراه دُهُورا
قال بعض أهل الأدب الدهر: إذا صار دهوراً فهو طويل وطوله إنما يكون لشكوى حال أو مقام على كره فإن لم يرد دهراً فلا صحة لمعناه وليس الأمر كما ذهب إليه إنما خبر الناس فوجدهم مثلهم به ودهره خبر دهره فلو عاش فيه أحد وعاش غيره أضعاف تلك المسافة دهوراً في غيره ما في طويلها تقصير هذا الدهر وقد قال أبو نواس:
لو بعته بسنين ... وأعصر ودهور
وكلها في سرورٍ ... ما كنتَ بالمعذور
ذكر أنّه لو باع يوميه بهذه المدة الطويلة ما كان معذوراً لأن سرور يوميه يزيد على هذه المدة الطويلة وهذا يشبه قول القائل:
لا تكذبنَّ فما الدُنيا بأجمعها ... من الشبابِ بيوم واحد بَدلُ
ومن أبيات:
وإذا لم تَبرْ إلى الدار في وق ... تك ذا خِفْتُ أنْ تسير إليكا
стр. 610
قال ابن المعتز:
فرحتُ به دار الملوكِ فقد ... كادت إلى لقياه تسبقُهُ
ويقرب منه قول ابن أبي زرعة:
وأحسبُ أرضنا شو ... قاً إليهم سوفَ ترتحلُ
وقال المتنبي من أبيات:
سقاني الله قبل الموتِ يوماً ... دمَ الأعداءِ من جوف الجُرُوحِ
وقد قال البحتري:
صديان من ظماء الحُقود لو أنَّهُ ... يُسقى جميعَ دمائهم لَم ينقع
هذه مبالغة في حرارة الحقد حتى لو سقي جميع دمائهم لم يرو على المبالغة من صدا، فقد أخذ لفظاً جزلاً فجاء به رزلاً.
ومن قصيدة:
إليكَ فإِني ممن إذا أتَّقى ... عِضاضَ الأفاعي نام فوق العقاربِ
يقول: لست ممن تخوف من عظام الأمور، رضي بالصغار في صغارها.
وقال المتنبي:
стр. 611
كأنّ رحيلي كانَ من كفّ طاهرٍ ... فأثبت كُورى في ظُهورِ المَواهبِ
يريد أن مواهب طاهر لم تدع مكاناً إلا أتته وكذا أنا لم أدع مكانا إلا أتيته.
ومن أرجوزة في صفة فرس.
يتركُ في حجارةِ الأبارِق
آثار قلع الحَلي في المناطق ... مَشياً وإن يَعدُ فكالخنادقِ
وقال أبو تمام:
يَسبحُ به الصفا من كل حزنٍ ... ويحتقرُ الركايا في السُهولِ
وقال من قصيدة:
يَمشي بأربعةٍ على أعقابهِ ... تحتَ العُلُوجِ ومن وراءِ يُلْجَمُ
يشبه قول القائل:
كلُ يومٍ يَخرُ أحمد فليتْك ... إذا خَرَّ للسجودِ الوجوه
ما يبالي بقتله الجحود ... عِنده أو بقية أنفروه
стр. 612
وقال المتنبي:
وحلف ألفِ يمينٍ غير صادقةٍ ... مطرودةٍ ككعوب الرُّمح في نَسقِ
وقال البحتري:
نسبٌ كما أطّردتْ كعوبُ مثقفٍ ... لدنٍ يزيدك بسطةً في الطولِ
فالتشبيه كالشبيه ولكنه من إخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
كريشةٍ بمهبّ الرّيحِ ساقطةٍ ... لا تستقرّ على حالٍ من القَلقِ
قال ابن الرومي:
فحلُمك أطيش من ريشةٍ ... ورُوحك من هَضْبةٍ أرجحُ
وقال من قصيدة:
стр. 613
كرمٌ خشّن الجوانب منهُمُ ... فهو كالماء في الشّفارِ الرقاقِ
قال الرومي:
لا تغتر بحياء فيه من شرسٍ ... فالماء في كلّ غرب العصب صَمصامُ
وقال من قصيدة:
لقوه حاسراً في درع ضربٍ ... دقيقُ النسيجِ مُلتهب الحَواشي
يريد بقوله:) دقيق النسيج (أي ضرب متدارك قريب ما بين الضربة والضربة و) ملتهب الحواشي (من بريق السيوف وما قيل في التفاوت أحسن من قول أبي نواس:
أمام خميس أرجوان كأنَّهُ ... قميص محول من قناً وجيادُ
وقال المتنبي:
كأنَّ تلوِّي النُشاب فيه ... تَلوّي الخوصِ في سعف العِشاشِ
العشاش: النخل الطوال الذي قل العسف في أعلاها.
فشبه النشاب، وقد نشب فيه بنخله فلو تلوى سعفها وكان الممدوح أصابه سهم في خدّه.
وله من أبيات في وصف طائره:
стр. 614
كأنَّ رؤوس أقلامٍ غلاظٍ ... مُسِحْنَ بريشٍ جُؤْجِئهِ الصحاحِ
الصحاح: هاهنا إتمام القافية، وهو ينظر إلى قول القائل:
كأنَّ يجيدها والنحرُ منها ... إذا ما أمكنت للناظرينا
مثالاً كان من قلمٍ غليظٍ ... فخط يجيدها والنحر نونا
وقال المتنبي:
كأنَّ الرّيش منهُ في سهامٍ ... على جسدٍ تجسم من رياحِ
شبه ريشه في سهام لسرعتها وقوله: تجسم من رياح لسرعة الرياح، وقال بعض الأدباء: يجوز أن يجعل الريش جناحه وأعضاءه لسرعة خفقانها لأنه قال في سهام ولم يقل سهام.
وقال من قصيدة:
لمّا رأتْ وجههُ خيولُهم ... أَقْسَمَ بالله لا رأتْ كفلَهْ
ينظر إلى قول بعض الخوارج:
إذا بدا قلتُ مخلوقاً بغير قفا ... مِن تحتهِ سابحٌ ما أن له كَفْلُ
стр. 615
قال المتنبي:
وفاؤكما كالرَّبع أشجاه طاسِمه ... بأن تُسعدا والدمع أشفاه ساجمه
طسم وطمس: إذا درس ومعناه: أشجاه طاسمه أي أشده شجواً إلى ما محا منه ودرس وخاطب صاحبيه وتقدير الكلام وفاؤكما بأن يسعد أبعد دروس رسم وفائكما كالربع أشجاه طاسمه كما أن الدمع أشفاه ساجمه.
وقال من قصيدة:
وكنت أعيبُ عذلاً في سماحٍ ... منها أنا في السماح لَهُ عَذُولُ
من قول أبي تمام:
عطاءٌ لو إسطاعَ الذي يستميحُهُ ... لأصبح من بين الورى وهو عَاذِلُهْ
وقال المتنبي:
وكلُّ شَواة غطريفٍ تَمنَّى ... لسيرك أنَّ مفرقها السَبيلُ
стр. 616
يشبه قول أبي تمام:
مَضى طَاهرُ الأثوابِ لم تبق روضةَ ... غداة ثوى إلا اشتهت أنَّها قَبرُ
هذا من إخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال من قصيدة يرثي:
سَقى مثواك غاد في الغَوادي ... نظيرُ نوالٍ كفّكِ في النَّوالِ
قال ابن المعتز:
يا غيثُ سقّ محمداً ... جُوداً عليه كما فَعَلْ
وقال المتنبي:
فلا غِيضتْ بحارك يا جُموما ... على علل الغرائبِ والدخال
الدّخال: أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا ليشرب ثانية وإنما ذلك لقلة الماء، والغرائب: الإبل الغريبة.
ومن قصيدة:
стр. 617
يُرادُ من القلب نسيانكُمْ ... ويأبى الطباعُ على الناقِل
أنشد ابن الوشاء:
ومنْ يجتلب خلقاً سوى خلق نفسه ... تَدعه وترجعه إليه رواجعه
قال آخر:
ونميمة العذال عنه علمهم ... إنهم لم يملكوا نقل الشَيمِ
قال آخر:
يا أيها المتحلّي غير شيمته ... إن التخلقَ يأتي دونهُ الخُلقُ
وقال المتنبي:
وإني لأعشقُ من عشقكم ... نُحولي وكلّ امرئٍ ناحِلِ
стр. 618
ينظر إلى قول القائل:
وقلتُ للسقم عدُ إلى بدني ... أنسى بشيء يكون من شيمك
وقال المتنبي:
شَفنّ لخمس إلى من طلب ... ن قبل الشفونِ إلى نازلِ
الكاذة: لحم أصل الفخذ، والبائل: الذي قد أنفرج ليبول فتباعدت فخذاه أي فلا تشعب فروجهن لشدة العدو.
وقال المتنبي:
فَلُقّيْنَ كل رُدَيْنِيَّةٍ ... ومصبوحةٍ لبنَ الشَّائِلِ
المصبوحة: الفرس التي تسقى صباحاً، والشائل: التي لا لبن لها، والشائلة: التي تبقى بقية من لبنها، وقد سئل عن هذا فقال: أردت الهاء فحذفتها، ويقال إن الناقة إذا شال لبنها جفّ ومرّ ويجمع في شاربه فدل أنه إذا كان بهذه الصفة لم يسقوه إلاّ كرام خيلهم والشائل: التي قد شالت بذنبها وهذا لا يدخل في معنى بيته. وقال بعض النحويين: الشائل: التي شال لبنها والقياس يوجب ذلك لأنه يشاركها فيه الذكر كما أن القياس في الشائلة هي التي تشول بذنبها
стр. 619
لأنها يشاركها فيه الذكر وهو القياس فإن أستعمل هذا القياس سلم المتنبي من أن يكون حذف الهاء ضرورة.
وقال المتنبي:
بضربٍ يعمّهم جائرٍ ... له فيهم قسمةُ العادل
معناه: إنه لإفراطه جائر ولاستحقاقهم إياه عادل ويجوز أن يريد أنّه يترك من جنى ومن لم يجن ممن أتفق أن يدركه مختاراً أو يعقد الخيل ولا جناية لها ويقطع الدروع والجواشن فيصير عادلاً لأنه ساوى بين جماعتهم مساواة متكافئة فصار في القسم عادلاً كما قال البحتري: وللموتِ فيما بينهم قسمةُ عدلُ وقال المتنبي:
إذا ما نظرتَ إلى فارسٍ ... تحيّرَ عن مذهب الرَّاجل
في) نظرت (ضمير يعود على الممدوح وهو المخاطب والمبالغة فيه غير مستحكمة لأن الفارس قد يتعذر عليه بعض مذاهب الراجل من الصعود في الهضاب الصعبة والانقلاب في الغياض والأشجار وغيرها.
وقال المتنبي:
إذا طلبَ التّبل لم يشأهُ ... وإن كانَ دَيْنَاً على ماطلِ
стр. 620
يشبه قول ابن الرومي:
فاقتضيناهم الديون، وقِدماً ... لم يُقتنا بها الغريمُ الملطُّ
وقال المتنبي:
أمامَ الكتيبةِ تُزهى به ... مكانَ السّنان مِنَ العامِلِ
قال ابن الرومي:
فهم أنابيب رمح أنتَ عامله ... لا بل سنان طرير فوقَ عامِله
ومن قصيدة:
وعزمةٌ بعثتها همةٌ زحلٌ ... من تحتها بمكان التُّرب من زُحَلِ
ولمحمد بن داود الأصبهاني:
تراهُ الثريا فوقها ما ترى ... بنو الأرض أشباح النجوم المَرابل
قال ابن الرومي:
ورآه العُّيوق في فلك المج ... د فأمسى بخالُهُ العُّيوقا
стр. 621
وقال المتنبي:
إذا خلعتُ على عِرْضٍ له حللاً ... وجدتُها منه في أبهى من الحُلَلِ
قال أبو تمام:
حتَّى اكتسى من مدائحي فيه أوسمةٌ ... سني فرحنا جميعاً نسحب الحُللا
وبيت المتنبي أمدح.
ومن قصيدة:
وأراكَ دهرُك ما تحاولُ في العدى ... حتى كأن صروفَهُ أنصارُ
ينظر إلى قول ابن الرومي:
فلا زالَ ما تختاره وتحبه ... بطلاً يقتصر من القضاءِ المقدر
وقال المتنبي:
وإذا تنكر فالفناء عقابه ... وإذا عفا فعطاؤه الأعمارِ
وينظر إلى قول أبي نواس:
يُعطي ويردي الناكبين كأنَّما ... في كفهِ الأرزاق والآجالِ
ومن قصيدة:
بنا منك فوق الرّمل ما بك في الرّمل ... وهذا الذي يضنى كذاكَ الذي يُبلى
стр. 622
قال ماني الموسوس:
يا بالياً في الثرى من بعد ميتته ... سيان أنتَ ومن يبلى من الحُزنِ
وقال من أبيات:
ما لنا في الندى عليك اختيارٌ ... كلّما يمنحُ الشّريفُ شَرِيفُ
ينظر إلى قول إسحاق:
وحسبي قليلُ من جزيل نوالِه ... وهل من أمير المؤمنين قليلُ
وقال من أبيات:
وإذا وكلتَ إلى كريمٍ رأيهُ ... في الجودِ بان مذيقه من محضهِ
стр. 623
وقال من قصيدة:
لم لا يغاث الشعر وهو نصيحٌ ... ويرى بنا الحق وهو يَلوحُ
يقول فيها:
أنا من علمتم تصبراً فتنموا ... فالكلب في أثر الهزبر نَبوحُ
فلولا أنّ ريحك درّبتهُمُ ... لأحجمتِ الكلابُ عن الأسودِ
وقال المتنبي:
لكم الأمان من الهجاءِ فإِنّهُ ... فيمن به يهجا الهجاء مديحُ
هو يشبه قول القائل:
الشعرُ لما أن هجوتك قال لي ... أهجوته بي أم به تهجوني
والشعرُ لما أن شتمتك قال لي ... يا من تشاتمني بمن هو دوني
стр. 624
ويقرب منه قول أبي تمام:
قال لي العاذلون: وهو مقالٌ ... ذمّ من كانَ جاهلاً إطراء
وقال أبو تمام أيضاً:
لما غضبت على الهجاء هجرته ... فجعلت خلقته هجاءَ هَجائي
وقال المتنبي:
ويدلكم بركاتُ شعري أنَّهُ ... من بعد سرق قصائدي مربوح
والمعنى لأبي تمام في قوله:
طالَ رغبي إليك يا رب يا رب ... وربتني إليك فاحفظ ثيابي
وهذا القول من أبي تمام أحسن من أبي الطيب لأنه ثوبه إذا كان مريحاً معه مع كثرة أسلابه ما سلب من ثياب غيره فور بالبر تحسين.
стр. 625
وبعد هذا قصيدة أوّلها:
أمساور أم قرن شمس هذا ... أم ليث غاب يقدم الأستاذا؟
هذا معنى مبتذل وقد حشى بقوله:) يقدم الأستاذا (حشواً غير مفيد وهو من قول ابن مناذر:
أبدراً تحمل الناقة ... أم تحمل هَارونا
أم الليث أم الغيثُ ... أم الدنيا أم الدينا
فجمع من الأوصاف أكثر مما جمع بيت أبي الطيب بغير حشو فهو أرجح كلاماً وأولى بقوله.
وقال المتنبي:
شم ما انتضيتَ فقد تركتَ ذُبابه ... قطعاً، وقد ترك العِبادَ جُذوذا
أما قوله:) العباد (فمبالغة يريد بها الجمهور والأكثر والمعنى في البيت من قول البعيث:
وأنّا لنعطي المشرفية حقَّها ... فتقطعُ في أيمانِنا وتقطّعُ
وقد أخذ هذا المعنى أبو تمام فقال:
فما كنت إلا السيف لاقى ضريبة ... فقطعها ثُمَّ انثنى فَتقطَعا
стр. 626
وأبو الطيب خبرنا أنّه ترك ذباب السيف قطعاً قبل إخبارنا أنه ترك العباد جذاذاً وإن كانت الواو لا توجب ترتيباً فيجيء التقسيم في موضعه أحسن، وأما أبو تمام فرتب بثم ومبنى البعيث وأبي تمام أحسن من مبناه وزاد على معناهما معناه، فهما السابقان فهما أحق بما قالا.
وقال المتنبي:
غادرتَ أوجههُمْ بحيث نقيتهم ... أقفاء هُمْ وكبودهُم أفلاذا
يحتمل أن يكون إرادتك قطعتهم بالسيف حتى ما تعرف وجوههم من أقفائهم وغادرت كبودهم أفلاذاً، والفلذة: القطعة ولو أستعمل الكاف التي للتشبيه فأمكنه أن يقول:) كأقفائهم (كان أحسن من تحقيقه أن الوجوه صارت أقفاء ويمكن أن يريد أنهم يولون عند لقائه أقفاءهم فيصير النصفان لا يتناسبان إلا أن يريد أن الغيظ منه أو الخوف قطع قلوبهم فأما المولى فلا وصول إلى قلبه.
وقال المتنبي:
في موقفٍ وقف الحمام عليهمُ ... في ضنكهِ واستحوذ استحواذا
فحشى بالصدر كلامه لضيق القافية عليه، والمعنى لأبي تمام في قوله:
في موقفٍ وقف الزؤام به ... فالموت يوجدُ والأرواحُ تفتقدُ
وقد أقام أبو تمام في وجود الموت وعدم الأرواح مطابقة مليحة تفيد ما لا يفيد صدر أبي الطيب فرجح كلامه واستحقه.
وقال المتنبي:
стр. 627
جمدت نفوسهم فلما جئتها ... أجريتها وسقيتُها الفُولاذا
قد أركبته هذه القافية كل تعجرف وتكلف ذكر جمود نفوسهم ولم يذكر علّة الجمود وقال:) سقيتها الفولاذا (والفولاذ ليس مما تسقاه النفوس لأن السقي لا يصلح إلا لمائع بل الفولاذ يعبر عنه بالسقي إذا حد بالماء على المسن وقال أبو الشيص:
بطلُ يعمل السيوف ويسقي ... حدّها من جماجمِ الأبطالِ
فجعل السيوف مسقية من جماجمهم ولم يجعل النفوس مسقية الفولاذ الذي ليس بمائع فكلامه أصح وأرجح.
وقال المتنبي:
لما رأوك رأوا أبك محمّداً ... في جَوْشن وأخا أبيك مُعاذا
هبه أراد لمّا رأوك رأوا تشبهك بأبيك وأخيه وصورتهما في شمائلك فما معنى في جوشن كأنّه لا يشبه أباه وأخا أبيه إلا في جوشن فإذا زال الجوشن زال الشبه هذا الحشو الفارغ وكم بين استدلاله على تقارب الأشباه وبين قوله:
يا بن من كلّما بدوت بدا لي ... غائب الشّخص حاضرُ الأخلاقِ
لو تنكرت في المكرّ لقومٍ ... حلفوا أنّك أبنه بالطّلاقِ
وقال المتنبي:
غرّ طلعت عليه طلعة عارض ... مطرُ المنايا وابلاً ورذاذا
فجعل العارض يمطر المنايا وابلاً ورذاذاً وقال أبو الشيص:
وخميس تلقه في خميسٍ ... في سُحاب من الردى هطّال
стр. 628
فجعله هطالاً ولم يجعل منه رذاذاً فرجح لفظه واستحقه أبو الشيص.
وقال المتنبي:
فعدا أسيراً قند بللت ثيابه ... بدم وبلّ ببوله الأفخاذا
هذا من غث الكلام وهو قليل الركوب لقافية صعبة فلما ركب ذلك في قصيدة قليلة العدد أستعمل فيها كل كلفة وكان تركها أوفق له ومن هذا الجنس قوله أيضاً:
طلبُ الإِمارةِ في الثغورِ ونشوءه ... ما بين كرخايا إلى كلواذا
وما يمنع من نشاء في قرية أن يلي الفضل فيه أجلّ بلد لكنه تسلق على حصول القافية) بكلواذا (وأما أشبه بيته هذا ببيت علي بن بسام في علي بن عيسى:
أي عقل لوزيرٍ ... أصله من ديرنا
وما صنع شيئاً المتنبي هذا بأن قال:
فكأنه حسب الأسنة حُلوة ... أو ظننّها البرنّي والأزاذا
في هذا البيت مع غثاثة لفظه مطعن وهو أنه كان يكتفي بنصفه عن تمامه لأن الفائدة في باقيه مثل الفائدة في ماضيه إذ البرني والآزاد لا يخرجان عن حد الحلاوة فقد غني عن تكريره وكذلك كلما وقع عليه اسم الحلاوة ولو أمكنه أن يقول: وظنها البرني) والآزاذي
стр. 629
ظنها هذا الجنس من الحلاوة وهذا يشبه أن يقول عائب فيه (حسب الأسنة حلوة أو ظنها حلوة فلا يكون لهذا الكلام معنى وكان ينبغي أن يلي بإيراد هذا المعنى أن يقول في قافية محضوضة كحلاوة البرني والآزاذ.
وقال المتنبي:
متعوداً لبس الدّروع يخالُها ... في البرد خزّاً والهواجرِ لاذا
استعماله الخز في البرد حسن والموصوف في الخز ليس الكتان لأن الكتان من أبرد الملابس في الحر.
وقال القطامي: كاد الملاءُ من الكتان يشتعلُ فإنما وصف هاجرة فكأنه يقول: أبرد الملابس فيها يكاد يشتعل من حرها وأحسن من هذا قول البحتري:
ملوكٌ يعدون الرّماح مخاصِراً ... إِذا زعزعوها والدُّروع غلائلا
فلم يفرق بين الصيف والشتاء في لبس الدروع وخفتها عليهم للعادة الجارية وقد أتى في صدر بيته بمعنى حسن من ذكر الرماح فرجح لفظه وأستحق شعره.
ويلي هذه قصيدة أولها:
إِني لأعلمُ واللبيبُ خبيرٌ ... أن الحياةَ وإن حرصتَ غُرورُ
стр. 630
وقال يليه:
ورأيت كلا ما يعلل نفسهُ ... بتعلةٍ وإلى الفناء يصيرُ
هذا معنى مستعمل ولفظه مستبذل والبيتان جميعاً يدخل معناهما في بيت لابن الرومي وهو:
ومن يرجو مسالمة الليالي ... فمغرورٌ يعلّل بالأماني
فقد جاء ابن الرومي في الموجز القليل وأتى أبو الطيب به في اللفظ الطويل فابن الرومي أحق بشعره.
وقال المتنبي:
ما كنت أحسبُ قبل دفنك في الثرى ... أن الكواكب في التُّراب تَغُورُ
ينظر إلى قول القائل:
ما كنت أحسبُ والمنيّةُ كاسمها ... أن المنيّةَ في الكواكب تطمعُ
ويليه قوله:
ما كنت آمل قبل نعشك أن أرى ... رضوى على أيدي الرجال تَسيرُ
أخذه من قول ابن الرومي:
من لم يعاين سير نَعش محمدٍ ... لم يدر كيف تُسيّر الأجبالُ
وقال ابن المعتز في العباس بن الفرات:
стр. 631
قد انقضى العدل وزال الكمالُ ... وضاحَ صرف الدهر أين الرجال
هذا أبو العباس في نعشهِ ... فقوموا انظروا كيف تسير الجبال
يا ناصر الملك بآرائِه ... بعدك للملك ليالٍ طِوال
وكلها تدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
والشمس في كبد السماء مريضة ... والأرض واجفة تكاد تمور
فخبر بمرض الشمس ووجيف الأرض، قال ابن الرومي:
عجبت للأرض لم ترجف جوانبها ... وللجبال الرَّواسي كيف لم تَمِدِ
عجبتُ للشمس لم تكسفْ لمهلكه ... وهو الضياء الذي لولاهُ لم تَقِدِ
فتعجب ابن الرومي أصدق من أخبار أبي الطيب يكون ذلك وفي بيت ابن الرومي معنى مليح من قوله:) وهو الضياء الذي لولاه لم تقد (وقد زاد في كلامه ما هو من تمامه فهو أولى بشعره.
وقال المتنبي:
حتى أتوا جدثاً كأنَّ ضريحَهُ ... في قلب كلّ موحّدٍ محفورُ
стр. 632
يقرب منه قول محمد بن عبد الملك الزيات:
يقول لي الخلاّنُ لو زرت قبرها ... فقلت وهل غير الفؤاد لها قبرُ
فإن قال قائل ما عدا هذا اللفظ محمد بن عبد الملك وقول أبي الطيب أعم قلنا فقد قال الخبزأرزي:
فإِن كان لم يحتلَّ قبراً برقدة ... فإِن له في قلب كل امرئ قَبرا
فقد ساواه الخبزأرزي والسابق أولى بما قال: وقال المتنبي:
فيه السماحةُ والفصاحةُ والتّقى ... والبأسُ أجمعُ والحجا والخَيْرُ
هذا مأخوذ من قول عبد الصمد بن المعذل:
فضلٌ وحزمٌ وجوادٌ ضمه جدتٌ ... ومكرماتٌ طواها الترب والمدر
وهذا يدخل في باب المساواة، وقال مروان بن أبي حفصة أبياتاً حسنة في مرثية نذكرها بكمالها وهي:
стр. 633
فيا قبرَ معنٍ كيف واريت شَخْصَه ... وقد كان منه البر والبحرُ مُتْرَعَا
بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيّاً ضقتَ حتى تثدّعا
ويا قبرَ معنٍ أنت آخر تربة ... من المجد خطت للمكارم مضجعا
فتىً عيش في معروفه وهو ميتٌ ... كماء السبيل يضحى بعد مجراه مرتعا
وكل هذه المعاني متساوية ولكن لشعر مروان من الماء والرواء ورجحان الألفاظ في المباني والمعاني ما هو أولى به.
وقال المتنبي:
كفل الثناء له بردّ حياته ... لمّا انطوى فكأنَّهُ منشورُ
وهذا البيت لأبي القوافي الأسدي بكماله وهو:
ردّت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشورُ
وهذا يدخل في اللفظ المدعى هو ومعناه معاً وقد كان يدعي الشجاعة ولم يظهر لي منه إلاّ على الشعراء فإنهم موتورون وفي ألفاظهم مسلوبون وقال
стр. 634
أبو فراس الحمداني: وقد جرى ذكر المتنبي: ما رأينا له بياض سبب قط في غراه ولكنه كان شجاع اللفظ.
وقال المتنبي:
يبكي عليه وما أستقرّ قرارهُ ... في اللحد حتى صافحته الحُورُ
هذا معنى أخذ من الوائلي:
إن يكن مفرداً بغير أنيسٍ ... فعسى قد أنست أنت وحور
أبو الطيب يذكر أنه ما أستقر قراره في قبره حتى صافحته الحور محققاً قاطعاً بذلك، والوائلي يترجى أنّه قد أنس وتنكير الحور هاهنا غير مطبوع وكلام أبي الطيب أمدح وأرجح فهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
صبراً بني إسحاق عنه تكرُّماً ... إِنَّ العظيم على العظيم صَبورُ
أخذه من البحتري حيث يقول:
وحملتَ العظيم منها، وما يَدْ ... فَعُ كرهَ العظيم غيرُ عظيم
стр. 635
وقال المتنبي:
يممتُ شاسِعَ دارهم عن نيةٍ ... إِن المحبّ على البعاد يزورُ
يشبه قول القائل:
يقرب الشوق داراً وهي نازحةٌ ... من عالجَ الشوق لم يستبعد الدارا
وهذا يدخل في قسم التساوي.
وقال المتنبي:
وقنعتُ باللقيا وأوّلِ نظرةٍ ... إِن القليل من الحبيب كثيرُ
قال بشار:
وإِذا أقلّ لي البخيل عَذَرْتُهُ ... إِن القليل من البخيل كثيرُ
فالمعنى يساوي معنى أبي الطيب وكذلك لفظه فقد أشتمل على البيت فالسابق أولى بما قال وما أحسن ما قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
هل إلى نظرةٍ إليك سبيلُ ... يُروى منها الصدى ويشفى الغليلُ
إنّ ما قلّ منك يكثرُ عندي ... وكثيرٌ من الحبيبِ القليلُ
هذه معانٍ متساوية وألفاظ متدانية فالسابق أولى بها ولا سيما إسحاق فإنه
следующие страницы →