Полный текст (676 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وقال المتنبي:
ذلَّ من يغبط الذليل بعيشٍ ... رُبَّ عيشٍ أخفُ منه الحِمامُ
يشبه قول القائل:
إذا لم يكن بد من الموتِ للفتى ... فالموتُ قبل الذل خيرٌ وأكرمُ
ولابن دريد:
وللموتِ خيرٌ من حياةٍ دنيةٍ ... تعد لكْم أيامها بالمثالبِ
وأنشد أبو الطيب ابن الوشاء:
أرى الموت خيراً من حياةٍ زهيدة ... أرى الذل فيها حينَ أمسي وأصبحُ
لئن كانَ باقي عيشنا مثلُ ما مَضى ... فللموتِ إن لم يدخل النار أروحُ
ويقارب هذا المعنى قول ابن الرومي:
أبتْ لي قبول الضيم نفسٌ أبيةٌ ... تبيع بعزّ الموت ذلَّ حياتها
وكل هذا يتساوى مبانيه ومعانيه والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
كل حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ ... حُجّةٌ لاجئ إليها اللِّئامُ
معنى هذا البيت أن الحلم عند القدرة، سبقه إليه سلم الخاسر في قوله:
وأحلمُ الناس عند مقدرة ... وإنما الحلم حين يقتدرُ
стр. 562
ومثله قول الآخر:
وما الحلمُ إلا العفو من بعد قدرةٍ ... على أن يمر في الأمورِ وأن يُخلى
وقال ابن المعتز:
والحلمُ يذهب باطلاً ... إلاّ لذي سَطواتِ
وأبو الطيب قد أتى بمعنى هذه الأبيات وزادنا أن إدعاء الحلم من غير قدرة من حججّ اللئام فزاد في كلامه ما هو من تمامه فاستحقه.
وقال المتنبي:
من يهنْ يسهل الهوانُ عليهِ ... ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
يشبه قول ابن الرومي:
قد عُوِّدوا مسّ الهوا ... نِ فكلهم بهيج بِمسه
وكان عجزه ينظر إلى قول البحتري:
أقولُ أزيد من سُقم فؤادي ... وهلْ يزدادُ مِنْ قتلٍ قَتيلُ؟
وقال المتنبي:
واقفاً تحت أخمصي قدر نَفسي ... واقفا تحتَ أخمصي الأنامُ
стр. 563
ألمّ بمعنى كثير في قوله:
وطئت على أعناقِ ضُمرة كلها ... بأخمص رجلي واتخذتهم نَعلا
وأراد الخروج بلفظ مليح إلى ما أراد من المديح فقال:
دُونَ أن يشرقَ الحجاز ونجد ... والعراقان بالقِنا والشامُ
شرقَ الجَوّ بالغبارِ إذا سا ... ر عليُّ بن أحمد القمقامُ
هذا يشبه خروج أبي تمام بينا هو في وصف الربيع إذ خرج إلى المديح البعيد فقال:
خلقٌ أظلّ من الربيع كأنَّهُ ... هُدى الإِمام وهديهُ المتيسِّرُ
في الأرض من عدل الإِمام وجودِهِ ... ومن الربيع الغضِّ برج تزهَرُ
ومثل هذا الخروج من القدماء قليل ومن المحدثين كثير.
وقال المتنبي:
стр. 564
لو حمى سيداً من الموتِ حامٍ ... لحماك الإِجلالُ والإِعظَامُ
يساويه قول ابن دريد:
فأقسم لو هابَ الردى وأجلّهُ ... فلم ينله لا ريد عنكَ يهينا
ومثله قول يزيد بن محمد المهلبي:
لو خلد الله مخلوقاً ليخدمه ... لكانَ ربك في الدنيا مخلِّده
وقال أبو عيينة:
ولو كانَ يخلدُ أهل الندى ... وأهل المَعالي إذا خُلّدوا
وقال المتنبي:
وعَوار لوامع دينها ال ... حل ولكنّ زيها الإِحرامُ
فشبههم أبو تمام بالمحرمين لعزتهم، واجتمعت لأبي الطيب مطابقة في الحل والإِحرام يرجح بها كلامه.
وقال المتنبي:
كتبتْ في صحائف المجد بسمُ ... ثمّ قيسٌ وبعدَ قيس السَّلامُ
стр. 565
فجمع بين إجازة الصرف وتركه في قيس وجاء ببيت وقد ألمّ فيه بقول علي بن محمد الحماني:
أيامُ ذكرك في دوا ... وين الصبا صدرُ الصَحائف
ولكن الحماني ذكر أن ذكره في صدر دواوين الصبا التي يجوز أن يكون معها غيرها وأبو الطيب ذكر أن أول صحائف المجد بسم ثم قيس القبيلة ثم السلام فشغل الصحيفة بما لا يختلط به غيره ولا تستغني عنه فكلامه أرجح وهو أولى بما أخذ.
وقال المتنبي:
ليلُها صبحها من النَّار، والإِص ... باحُ ليلٌ من الدخان تمامُ
هذا مأخوذ من قول أبي تمام:
غادرْت فيها بهيم الليل وهو ضُحىً ... يشلهُ وسطها صُبح من اللَّهبِ
ضوءٌ من النارِ والظلماء عاكفةٌ ... وظلمةٌ من دخانٍ في ضُحى شحبٍ
فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد وجبت ... والشمس واجبةُ من ذا ولم تَجِبْ
فلا يظن ظان أن أبا الطيب أوجز فأستحق ولا أن أبا تمام أطال فقصر بل
стр. 566
أتى بمعان جميعها محتاج إليه لا يستولي بيت أبي الطيب عليه وقد قيل ما البلاغة؟ قيل: سد الكلام معانيه وإن قصر حسن التأليف وإن طال فأبو تمام أحق بقوله.
وقال المتنبي:
هممٌ بَلَّغتكم رُتُباتٍ ... قَصُرَتْ عَنْ بلوغها الأوهْامُ
يساويه قول ابن الرومي:
يقصرُ عن أدراكِ تجديده ... عيون أوهامِ الضَمائِر
وقال المتنبي:
وقلوبٌ موطناتٌ على الرّوْ ... ع كأنَّ اقتحامها استسلامُ
ينظر إلى قول أبي تمام:
يستعذبونَ مناياهُمْ كأنّهم ... لا ييأسون من الدُّنيا إذا قُتِلوا
وقال المتنبي:
قائِدوا كلِّ شطبةٍ وحصانٍ ... قَدْ براها الإِسراجُ والإِلجامُ
وقد أشار له إلى هذا المعنى أبو تمام بقوله:
بسواهم لُحقِ الأياطلِ شربٍ ... تعليقُها الإِسراجُ والإِلجامُ
стр. 567
وقال المتنبي:
يتعثرونَ بالرؤوس كما مَرّ ... بتاءاتِ نُطقِه التَّمتامُ
فتعثر الخيل بالرؤوس تعثر جسم بجسم وتعثر التمتام في النطق استعارة ولم يكن يجب أن يشبه الحقيقة بالاستعارة.
وقال المتنبي:
طالَ غشيانُكَ الكرائِه حَتّى ... قال فيكَ الذي أقولُ الحُسامُ
يساوي قول الحصني:
يُثني عليك إذا النفوس تطايرتْ ... حدُ المهندِ والسنان اللهذمُ
وقال المتنبي:
وكفتكَ الصفائحُ الناسَ حَتّى ... قد كفتكَ الصفائحَ الأقلامُ
يقرب من قول ابن الرومي:
تلقى من النبل أحياناً مكائده ... وربما خلّفتْ أقلامه الأسلا
وقال المتنبي:
قد لعمري أقصرتُ عنك وللوف ... د ازدحامٌ ولِلعطايا ازدحامُ
نبهه على المعنى ابن الرومي بقوله:
كذلك ما يزالُ لهُ عطايا ... لَهنّ على مؤمله ازدحامُ
стр. 568
فذكر ازدحام العطايا ولم يذكر ازدحام الوفود عليه فجاء بذلك أبو الطيب فزاد في كلامه ما هو من تمامه.
وقال المتنبي:
خفتُ إن صرتُ في يمينك أن تأ ... خُذني في هباتِكَ الأقوامُ
في هذا معنى ظريف خاف أن تأخذه الأقوام في هباته وليس مما يملكه الممدوح فتأخذه العفاة في هباته كما تؤخذ المماليك في بعض الهبات وإذا كان قد خاف مثل هذا فهو أحد الأقوام فلِمْ لا يرج أن يهب له جميع الأقوام فيكون له مثل ما عليه ويستدل بذلك على أن منزلته عند الممدوح فوق جميع عفاته.
وقال المتنبي:
ومِنَ الرشد لَم أزرك على القُرْ ... بِ على البُعْدِ يعرفُ الإِلمامُ
ينظر إلى قول القائل:
نَزوركم لا نؤاخذكم بجفوتكم ... إنّ المحب إذا لم يستزر زارا
يقربُ الشوق داراً وهي بارحة ... من عالجَ الشوق لم يستبعد الدَارا
وهذا شرح أوضح وكلام أرجح.
وقال المتنبي:
هابكَ اللّيل والنهارُ، فلو تَن ... هاهما لم تجربك الأَيَّامُ
الليل والنهار هي حركات الفلك ولا بد للموجودات من كونهن منهما فلو نهى الليل والنهار فلم يجريا ففي أي شيء كان يكون وذكر الليل
стр. 569
والنهار ثم قال:) تجربك الأيام (والأحسن أن يقول: الأيام والليالي لكنه اكتفى بعلم المخاطب لأنه لا بد أن يكون مع اليوم ليلة.
وقال المتنبي:
لِم لا تحذُر العواقب في غَي ... ر الدَّنايا أو ما عليكَ حَرامُ
معناه في غير الدنايا أو ما هو عليك حرام، وهو ينظر إلى قول القائل:
كأنَّ بهم عيباً يخافون وَصْمَه ... وما عيبهم إلا اتقاء المَعَاير
وقال المتنبي:
كم حبيبٍ لا عُذر للؤم فيه ... لكَ فيه من التُّقى لُوَّامُ
رفعتْ قدرك النزاهة عنه ... وثنتْ قلبك المساعي الجسامُ
أخبر في البيت الأول أن التقى بلؤمه في الحبيب الذي لا يلام في مثله ثم أتبع ذلك) خبران (النزاهة رفعت عنه قدره والنزاهة غير التقية وجعل الثاني لقلبه عنه المساعي الجسام وثنى غير التقية أيضاً وليس يثني قلوب العشاق عن العشاق مساع تكون لهم جساماً والذي قسم فأوضح الأقسام وعدل بين موازين الكلام ابن الرومي في قوله:
ينهاهُ عن مأثمٍ تقي ورعٍ ... فيه، وعن مدنسٍ تقي أنف
فلم يدع ذكر الورع وضده من الإثم والأنف وضده من المدنس ولم يخلط في أقسامه ولا خالف بين كلامه فهو أولى بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
стр. 570
إنّ بعضاً من القريض هَذاءٌ ... ليس شيئاً وبعضهُ أحكامُ
منهُ ما يجلبُ البراعة والفض ... ل منه ما يجلبُ البِرسامُ
هذا يشبه قول القائل:
وبعضُ بيوتِ الشعر حكمٌ وبعضها ... جلالفةٌ في ظُلمه الليل خاطِبه
وقال أبو العتاهية:
ولكنَّ قول الشعر ما لم يكن هدى ... ونوراً وحكماً كان عيّاً وظُلمه
وقال: البرسام وليس للعرب إلا البلسام، وقد قال بشار:
أبا أحمدٍ طُول انتظاري يليه ... ووعدك داءٌ مثل داءُ المُبلسمِ
فعجلْ ببأس أو بتعجل حاجة ... كفى ببيان من فصيحٍ وأعجمِ
ولأنك كالعذراء يوم نِكاحها ... إذا استؤذيت في نفسها لم تكلمِ
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى تعلب يقال: تبلسم الرجل ولا تعرفه العرب بالزاء.
وبعدها أبيات أوّلها:
لا تنكرن رحيلي عنكَ في عجلٍ ... فإِنني لرحيلي غيرُ مُختارِ
يقول فيها:
وربّما فارقَ الإِنسان مُهجته ... يوم الوغَى غير قالٍ خَشْية العارِ
стр. 571
ينظر إلى قول ابن الرومي:
أبَتْ لي قُبولَ الضيم نفسٌ أبيّة ... تبيع بعز الموتِ ذُل حَياتها
وبعدها قصيدة أوّلها:
عذيري مِنْ عَذارى من أمورٍ ... سَكَنَّ جَوانحي بدل الخُدور
معنى البيت من عذيري من إنكار خطوب سكن جوانحي بدل خدورهن على وجه الاستعارة لما جعلها إنكارا جعل لها خدورا.
وقال المتنبي:
ومبتسماتِ هيجاواتِ عصرٍ ... عن الأسيافِ ليس عن الثُّغور
معنى الكلام وحروب تبسم هيجاواتها عن الأسياف ليس عن الثغور وهي ألفاظ هائلة المسموع قليلة المنفوع كأنها ثياب خلقان لها روعة وليس لها مقش طائل.
وقال المتنبي:
ركبتُ مشمراً قدمي إليها ... وكلّ عُذافرٍ قلقِ الضُّفُورِ
مشية في الحرب على قدمه أو ركوب الإبل أحسن منه ركوب الخيل، فأما قول الحطيئة:
إِما تباشرُك الهمو ... مُ فإنَّها داءُ مخامِرْ
ولقد تقضبيها الصَّري ... مة عنك والقلقُ العُذَافِرُ
стр. 572
فذلك جيد لأن الأسفار وركوب الإبل والعزيمة على الصبر إلى المسافات الطوال ربما أورد من الفوائد ما يزيل الهموم.
وقال المتنبي:
أعرضُّ للرّماحِ الصمِّ نحري ... وأنصِبُ حُرَّ وجهي للهجيرِ
صدر البيت من قول القتالي:
نُعرضُ للطّعان إِذا ألتقينا ... وُجُوهاً لا تعرّض للسِّبابِ
فجاء بالمعنى وزاد في كلامه ما هو من تمامه وجمع بين الفتوة والمروءة وعجز البيت من قول المثقب:
فقلت لبعضهنَّ وشُد رحلي ... لها جَرةٍ نصبتُ لها جَبيني
ولكن أبا الطيب قد جمع الطويل في الموجز القليل وللقتالي زيادة عليه.
وقال المتنبي:
عدوي كل شيء فيك حتى ... لخلت الأكم موغرة الصّدور
فسره بعض أهل العربية فقال معناه أن الأكم تنبو به فلا يطمئن فيها وكل ذلك لعداوته وذكر أن فيه معنى آخر أنها موغرة الصدور لحرارتها وهذا تفسير مظلم لا يحصل له معنى يفهم والذي أرى أن مقصد أبي الطيب أنه رأى في عدوه كل شيء من البشر قد أجمع حتى أوهمه ذلك أن الأكم موغرة الصدور من شرها واحتراقها بنار الحسد والحقد وما شاكل ذلك مما يجر الصدور فضلاً عن الناس.
وقال المتنبي:
стр. 573
ولكني حُسِدتُ على حياتي ... وما خيرُ الحياةٍ بلا سُرُورِ
يقرب من قول القائل:
غير مأسوفٍ على زمنٍ ... ينقضي بالهمِ والحُزنِ
يتلوها أبيات هجو في الذهبي:
لما نُسبتَ فكنت ابناً لغير أبِ ... ثُمّ اختبرتَ فلم ترجع إلى أدب
لا يكون ابن بغير أب إما من رشده وإما من زنيه إلا ما كان من شأن آدم والمسيح ﵉ وكأنه قد ألمّ بقول القائل:
لا خيرَ في صاعدٍ فتقصدهُ ... والخيرُ يأتيك من يدي عُمْر
ليس له ما خال أسمه نسب ... كأنّه آدم أبو البشر
وقال المتنبي:
سميت بالذَّهبي اليوم تسميةً ... مُشتَّقة من ذهاب العقلِ لا الذَّهبِ
وذهاب العقل لا ينسب إليه ذهبيّ بل ذهابي وما أحسن الاشتقاق وهو قليل المحاسن وكان ينبغي إذا أتى به أن يكون لفظه فائقاً ومعناه فيه رائقاً.
وقال المتنبي:
ملقبٌ بك ما لقبتَ ويْكَ به ... يا أيُّها اللقبُ الملقى على اللَّقَبِ
جعل الذهبي مرة تسمية ومرة تلقيباً واستراح إلى ويك استراحة ولو أسقط هذه
стр. 574
الأبيات لأراحنا من الشغل بمعنى غير عجيب ولفظ غير مصيب.
ويتلوها قصيدة أولها:
أفاضِلُ النَّاس أغراضٌ لذا الزمنِ ... يخلو من الهمِّ أخلاهم من الفطن
هذا من قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أتنكر مني الهمّ والهم ما له ... من الأرضِ مأوى غير قلبِ المُميز
وقال آخر:
من كان ذا غفلةٍ وجهلٍ ... كان خليّاً من الهمومِ
وقد أختصر أبو الطيب اللفظ الطويل في الموجز القليل وقال البحتري:
عقلتُ فودعتُ التَّصابي وإِنّما ... تصرّمُ لهو المرءِ أنْ يكمل العقْلُ
أرى العقل بُؤْسي في المعيشة للفتى ... ولا عيشَ إلا ما حباك به الجَهْلُ
وقال المتنبي:
وإنما نحن في جبلٍ سواسيةٍ ... شرّ على الحرّ من سُقمٍ على بدن
ينظر إلى قول بشار:
وصاحب كالدُّمل المُمدّ ... حملتُه في رقعةٍ من جِلْدي
وقال المتنبي:
حولي بكل مكانٍ منهم خلقٌ ... تُخطِي إذا جئت في استفهامها بمن
معناه: أن من يعقل يستفهم عنه بمن وما لا يعقل يستفهم عنه بما فجعل هؤلاء مما لا يعقل وجرى على رسمه في ترك الهمز في) تخطي (ومعناه موجود في قول أبي تمام:
لا يدهمنّك من دهمائهم عدد ... فإِن جلّهم بل كلّهم بقر
وهذا كلام واضح ومقصد راجح وأبو تمام أولى به.
وقال المتنبي:
فقرُ الجهول بلا عقلٍ إلى أدبٍ ... فقر الحمار بلا رأسٍ إلى رَسَنِ
) فقر الحمار بلا رأس إلى رسن (فقد الفرس والبغل من عدمهما رأسيهما لا فقدهما إلى رسن فكيف خصص الحمار إلا أن يكون قصر أن الجهول يشبه الحمار ورفع الفرس والبغل عن منزلة الحمار والمفهوم قول صالح:
وقد ينفعُ التأديب من كان عاقلاً ... فإِن لم يكن عقل فلن ينفعُ الأدبُ
وقال المتنبي:
خُرّابِ باديةٍ، غرثى بُطونهُمُ ... مكن الضّباب لهم زادٌ بلا ثَمنِ
مكن الضباب: بيضها قال أبو الهندي:
ومكن الضِّباب طعامُ العريبِ ... ولا تشتهيه نُفوس العَجمِ
والخراب جمع خارب وهو اللص والخارب وغيره يشتركان في الطعام من العرب.
وقال المتنبي:
كم مخلصٍ وعلاً في خوض مهلكةٍ ... وقتلةٍ قُرنت بالذمّ في الجُبُنِ
هذا يساوي بيتاً تمثل به معاوية وهو:
فقد تدرك الحادثات الجبان ... ويسلم منها الشجاع البطلُ
وقال المتنبي:
ألقى الكرامُ الأُلى بادوا مكارِمَهُمْ ... على الخصيبيِّ عند الفرض والسُّننِ
لو قال: بادوا محاسنهم على الخصيبي أو ألقى الزهاد والفقهاء تورعهم صح المعنى فأما المكارم فكان يجب أن يقول بعدها الجود والمنن لتحسن مبانيه وتتناسب معانيه.
وقال المتنبي:
القائلُ الصدقَ فيه ما يضرُّ به ... والواحدُ الحالتين: السِّرّ والعَلنِ
يشبه قول القائل:
فسرّي كإعلاني وتلك خليقتي ... وظلمةُ ليلي مثل ضوء نهاريا
وقال المتنبي:
أفعالُهُ نسبّ لو لم يقل معها ... جدي الخصيبُ عرفنا العرق بالغُصنِ
أما قوله: أفعاله نسب فمن قول البحتري:
ولست أعتد للفتى نسباً ... ما لم يكن في فعاله نَسبه
وعجزه من قول ابن الرومي:
كدأب علي في المواطن جده ... أبي حسن، والغصن من حيث يخرج
وقال غيره: والابن ينشأ على ما كان والده ... إنّ الأصول عليها ينبتُ الشجرُ
ولكنه جمع الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ... ن العارض الهتن ابن العارض الهتن
ولولا انتهاء القافية لمضى في العرض الهتن إلى آدم ﵇ وبانتهاء البيت أعلمنا أن نهاية عدد آبائه المستحقين للمدح ثلاثة ثم يقف هذا الأمر، وأحسن من هذا قول البحتري:
الفاعلون إذا لذنا بجودهم ... ما يفعلُ الغيث في شؤبويه الهتِنِ
فجاء بالمعنى عاماً بغير عدد مردود ولا لفظ مستبرد فهو أرجح كلاماً وأحسن نظاماً وهو أحق بما قال، وما أشبه تردد بيت أبي الطيب ببيت قاله امرؤ القيس:
ألا إنني بال جمل بال ... يقودُ بنا بال ويتبعُنا بال
فإن جعله قدوة في التردد فقد اقتدى برئيس الشعراء وقد قال الشافعي في أهل مصر: ما رأيت قوماً اتخذوا جهل رجل علماً غير أهل مصر فإنهم سألوا مالكاً عن مسائل قال لهم ما أعلمها فهم لا يقبلونها ممن علمها لأن مالكاً قال: لا أعلمها. وقال المتنبي:
الخاطرين على أعدائهم أبداً ... من المحامد في أوقى من الجننِ
هذا من قول ابن الرومي:
متلافُ أموالٍ، ضاعةُ كفِّه ... تفريقُ كل مُؤَثَلٍ مجموع
ما زال يبذلها ويعلم أنّها ... لمقاتل الأعراض خير دُروع
ومن قوله أيضاً:
ذاك الذي لا يقي مالاً بصفحته ... بل يجعل المال دون الدم كالجِنن
وهو من قسم المساواة.
وقال المتنبي:
لم نعتقد بك من مُزنٍ سوى لثقٍ ... ولا من البحر غير الريح والسُفُنِ
ولا من اللَّيث إِلا قبح منظرهِ ... ومن سواة سوى ما ليس بالحسنِ
اللثق: من مفاتح المزن وليس السفن من مفاتح البحر وكان ينبغي أن يقول:) ولا من البحر غير الجور والغرق (فيأتي بمفاتح البحر كما أتى بمفاتح المزن والليث ليعتدل الكلام وتستقيم الأقسام كما عدلها ابن الجهم بقوله:
إذا نحن شبهناك بالبدرِ طالعاً ... بخسناك حظاً أنت أبهى وأجملُ
ونظلمُ إنْ قسنا بك الليث مرة ... لأنك أحمى للذّمار وأبسلُ
ولست ببحرٍ أنت أعذبُ مورداً ... وأنفع للراجي نداك وأشملُ
أقسامه راجحة ومعانيه واضحة فهو أحق بقوله ومما يسأل عنه قوله:) ومن سواه سوى ما ليس بالحسن (ما معناه والذي وهب له أنا لم نفتقد بك من المزن والبحر والليث إلا ما يعاب به ومن سواه يريد لم يفتقد مما سواه شيئاً حسناً من جميع الأشياء سوى ما ليس بالحسن فإنه لا يشبهك كأنه يقول قد شبّه من كل شيء سوى ما كان غير حسن.
وقال المتنبي:
أخلتْ مواهبك الأسواق من صنع ... أغنى نِداك عن الأعمال والمُهَنِ
يقرب من قول العكوك:
ومعشرٍ رفعت دُنياك أعينهم ... فوق العيون وكانوا بِذلة المُهنِ
وهو يساويه أو يقاربه.
وقال المتنبي:
ذا جودُ من ليس من دهر على ثقةٍ ... وزُهد من ليس في دنياه في وطنِ
صدره من قول أبي نؤاس:
فتى يشتري حسن الثناء بمالِهِ ... ويعلم أنَّ الدائراتِ تَدُور
وباقيه ينظر إلى قول أبي نؤاس أيضاً:
إِمامٌ يخافُ الله حتى كأنّما ... يؤملُ رؤياهُ صباحَ مساء
لكنه قد جاء باللفظ الطويل في الموجز القليل.
ويليها قصيدة أولها:
ألا لا أرى الأحداث حمداً ولا ذمّاً ... فما بطشها جميلاً ولا كفّها حِلْما
يقرب من قول ابن المعتز:
الدهرُ فيه مساءةٌ ومسرّةٌ ... فجزاء دهرك أن يدوم ويحْمِدا
وقال المتنبي:
إلى مثل ما كان الفتى مرجعُ الفتى ... يعودُ كما أبدى ويكدي كما أرْمى
ينظر إلى قول ابن الرومي:
يودُ الفتى طول تَعْميره ... ولا مُتناهي إِلا قصيرُ
ما كان بدء الفتى كذ ... اك إذا كان أيضاً يصيرُ
وقال المتنبي:
منافِعُها ما ضرَّ في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن تجُوعَ وأنْ تَظما
ينظر إلى قول ابن أبي فنن:
فيما يُنعم عيشهم ... وليستريحوا في عَنائِهِ
وقال المتنبي:
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلمَّا دهتنا لم تزدني بها عِلْما
стр. 575
هذا من قول القائل:
تمثل ذو الحزم في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا
فإِن نزلت بغتة لم ترعْهُ ... لما كان في نفسه مثلا
فالمعنى المعنى بعينه، ولكنه قد جاء باللفظ الطويل في الموجز القليل.
وقال المتنبي:
تعجّبُ من خَطي ولفظي كأنَّها ... ترى بحرُوفِ السَّطر أغربةً عُصْما
نبهه على هذا المعنى قول ابن الرومي:
غضبٌ أسحُّ من الغمامِ الأسْحَمِ ... ورضاً أعزُّ من الغُراب الأعْصَمِ
وقال المتنبي:
ولم يسلها إِلاَّ المنايا، وإِنَّما ... أشدُّ من السُّقم الذي أذهبَ السُّقما
ينظر إلى قول أبي تمام:
أقولُ وقد قالوا استراحتْ بِموْتها ... من الكرب روح الموت شر من الكَرْبِ
وهو يدخل في قسم المساواة.
وقال المتنبي:
стр. 576
وكنت قبيلَ الموتِ أستعظِمُ النّوى ... فقد صارت الصُّغرى التي كانت العُظْمَى
هذا من قول البحتري:
شكونا الصدُود قوافي الفراقِ ... فأنْسىَ الجوانح وقْعَ الصَّدودِ
وقال المعوج:
شكوت صدودها فنأت فمن لي ... برجعتها وأرضى بالصدودِ
وهذا توليد معنى من معنى لفظهما مفترق ومعناهما متفق فالسابق أولى به.
وقال المتنبي:
هبيني أخذتُ الثَّأر فيك من العدى ... فكيف بأخذ الثار فِيك من الحُمَّى
هذا يقرب من قول القائل:
أخلاّي لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ما على الموت مُعتبُ
وهذا أيضاً من توليد كلام من كلام لفظهما مفترق ومعناهما متفق.
وقال المتنبي:
ولو لم تكوني بنت أكرمِ والدٍ ... لكان أباكِ الضَّخم كونك لي أُمّا
هذا من قول مسلم في ابنه:
стр. 577
أفخر بني بأن جدّك وائل ... وَأباكَ مصقلةُ الأبي الفاضِلُ
فكفاك بي فخراً ومجرى غايةً ... في كل سابقة عليه تماطلُ
وقد اختصر الطويل في الموجز القليل فصار أحق بالبيت من مسلم، وقال المتنبي في السيف:
وجاعلهُ يوم اللقاء تحيتي ... وإِلاَّ فلستُ السَّيد البطل القِدْما
هذا من قول عصابة:
أنعم صباحاً بالسيوف وبالقنا ... إنّ السيوف تحية الفِرْسان
وقد بين غرضه بياناً أشفى ولا زيادة في بيت لأبي الطيب على قوله فهو أحق بما سبق إليه.
وقال المتنبي:
وإني لمن قومٍ كأن نُفُوسهم ... بها أنفٌ أن تسكن العظم واللحما
ينظر إلى قول أبي تمام:
ألفوا المنايا فالقتيل لديهمُ ... من لم تُجل العيش وهو قتيلُ
стр. 578
وقال المتنبي:
فلا عبرت بي ساعةٌ لا تُعزني ... ولا صحبتني مهجة تقبل الظُّلما
يشبه قول ابن المعتز:
لا صاحبتني يدٌ لم تعن ألف يدٍ ... ولم ترد القنا حمدُ الخياشيمِ
كمل الجزء الأول بحمد الله ومنه.
стр. 579
من الجزء الثاني قصيدة أولها.
لك يا منازلُ في الفؤاد منازلُ منها:
وأنا الَّذي اجتلب المنيَّة طرفُهُ ... فمن المطالبُ والقتيل القاتِلُ
قال دعبل:
لا تأخُذا بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي أشتركا
وقال ابن المعتز:
عيني أشاطتْ بدمي في الهَوى ... فابكو قتيلاً بعضه قاتله
وقال المتنبي:
الرامياتُ لنا وهنَّ نوافرٌ ... والخاتلات لنا وهنَّ غوافِلُ
стр. 580
ينظر إلى قول النابغة:
في إثرِ غتنيةٍ رمتك بِسهْمها ... فأصابَ قلبك غير أن لم تُقْصِد
فخبر أنها أصابت قلبه غير أن لم يقصد فهو بمنزلة قوله:) الراميات لنا وهن نوافر (وفيه زيادة.
وقال المتنبي:
كم وقفةٍ سجرتكَ شوقاً بعدما ... غرى الرَّقيبُ بنا ولجَّ العاذلُ
أخذ لفظ البحتري:
لعليلةِ الألفاظ ناعمةِ الصبى ... أغرى الوشاة بها ولج العذل
وقال المتنبي:
أنعم ولذّ فللأمُورِ أواخِرٌ ... أبداً إِذا كانت لهُنَّ أوائِلُ
هذا من قول القائل:
خُذوا ما صفا من عيشنا قبل موته ... فكلُ وإن طال المدى يتصرّمُ
وقال المتنبي:
للشمس فيه وللرّياح وللسّحا ... ب وللبحارِ وللأُسود شَمائِلُ
كان ينبغي أن يتبع شمائلاً محمودة لأن هذه المذكورات محاسن ومقابح
стр. 581
منها أن للشمس الإشراق والإحراق، وللريح النسيم والسموم، وفي البحر الظفر بالرغائب والهجوم على المعاطب وللسحاب المطر وفيه الجهام القليل النفع والأسود الحياء والفخة وقد أتى بمثل هذا وتحرز مما أهمله هاهنا فقال في غيره:
لم نفتقدْ بك من مزنٍ سوى لثقٍ ... ولا من البحر غير الريحِ والسُفنِ
ولا من الليث إِلا قبح منظرهِ ... ومن سواهُ سوى ما ليس بالحُسنِ
وقال المتنبي:
لو لم يَهب لجب الوفود حوالُه ... لسوى إليه قطا الفلاةِ النَّاهِلُ
ما في سرى قطا الفلاة الناهل معنى طائل فإن كان إنما على كرمه بكثرة الوفود إليه فالطير ينفر من كثرة ضجيج الوفود وكيف خص ذلك القطا ونعتها بالناهل وما الفرق بين القطا العطشان والريّان في هذا إلا أن يكون أعتمد على قوله:
ولديْهِ مِلعقيان والأدبِ المُفا ... دِ وملْحياةِ وملمماتِ مناهِلُ
وهذه مناهل لا يقصدها القطا الناهل لأن هذه عبارة ليست من جنس الماء الذي يشربه القطا ويرده.
وقال المتنبي:
يدري بما بك قبل تُظْهرَه له ... من ذهنه ويجيب قبَل تُسَائِلُ
ليس يبلغ جودة الذهن إلى العلم بالشيء قبل الإخبار به ولا الإجابة قبل
стр. 582
السؤال عنه بل هذا من علم الغيب يصلح أن يسقط من بيته ذكر الذهن ويمدح به نبيّ يخبر بالغيب عن ربه، فأما قول أبي نؤاس:
وإني لطرف العين بالعين زاجر ... فقد كدت لا يخفى عليّ ضمير
فقد تحرز فذكر أنه زاجر فسلم من ادعاء علم الغيب وقد علمه بكذب وهو يصيب به ويخطئ فهو أصح وأرجح وأولى بمعناه.
وقال المتنبي:
كلماتُه قضبٌ وهنّ فواصِلُ ... كلّ الضَّرائب تحتُهنّ مفاصلُ
قال البحتري في سيف:
وإذا أصاب فكل شيء مفصل ... وإذا أصيب فما له من مُفْصلِ
وقال المتنبي:
علامة العلماء واللّجُ الذي ... لا ينتهي ولكُلّ لجّ ساحِلُ
قال البحتري:
ومن ير جدوى) يوسف بن محمدٍ ( ... ير البحر لم يجمع نواحيه ساحِلُ
قال أبو الطيب العلم وهذان أرادا الجود وهو مما أحتذي عليه وإن فارق ما قصد به إليه.
وقال المتنبي:
стр. 583
لو طاب مولد كل حي مثلهُ ... ولد النساء وما لهن قوابلُ
ولا أعرف لطيب المولد سبباً يغني النساء عن القوابل إلا أن يكون طيب المولد يوسع مخرج الأجنة فيصح مقصده.
وقال المتنبي:
لو بان بالكرمِ الجنين بيانهُ ... لدرت به ذكرٌ أم أنثى الحامِلُ
كأنه يخص بالكرم الجنين الذكر أم الأنثى والكرم لا يتبين إلا بعد الولادة وحصول التمييز وكيف بان هذا الممدوح في بطن أمه بالكرم. هذا من المبالغة المستحيلة التي عيبت على من تقدمه منهم أبو نؤاس في قوله:
وأخفتَ أهل الشُرك حتّى إِنّه ... ليخافك النطف التي لم تخلق
وقيل من كان نطفة لم يخلق بعد فكيف يصح منه خوف فإذا لم يصح الخوف منهم من النطفة لعدم التمييز فالجنين) كذلك (: وقال المتنبي:
ما تجسرُ الفصحاء تُنشدها هنا ... بيتاً ولكنني الهزْبرُ الباسِلُ
ترتيب هذا البيت غير صحيح لأن هنا كان يجب أن يكون لا يصلح الشجعان تبرزها هنا لوغى ولكني الهزبر الباسل أو يقول: ما تجسر الفصحاء تنشدها هنا بيتاً ولكني الفصيح الفاضل ليعدل بين الأقسام ويوازن بين الكلامين.
وقال المتنبي:
стр. 584
وإِذا أتتكَ مذمتي من ناقصٍ ... فهي الشهادةُ لي بأني الفاضِلُ
ينظر إلى قول مروان:
ما ضرني حسدُ اللئام ولم يزلْ ... ذو الفضلِ يحسدُهُ ذَوو التقصيرِ
وقال أبو تمام:
لقد أسفَ الأعداء مجد ابن يوسفٍ ... وذُو النقص في الدنيا بذي الفضل مُولعُ
وقال ابن المعتز:
ما عابني إِلا الحسو ... دُ وتلك من إحدى المناقِبُ
وهذا من توليد كلام من كلام معناهما متفق ولفظهما مفترق.
ويليها قصيدة أولها:
سِربٌ محاسنه حُرِمْتُ ذواتها ... داني الصفات بعيدُ موصوفاتها
السرب: القطيع من الظباء والبقر والطير والشاء وذوات محاسنه وأول هذه القصيدة لحن عند سيبويه وجميع البصريين لأنهم لا يجيزون إضافة) ذو (وأخواتها إلى المضمر لأنهم لا يجيزون: ضربت ذاه يريدون صواحبه فأما معناه فمن قول إبراهيم بن العباس:
стр. 585
يا بعيد الدار موصو ... لاً بقلبي ولساني
ربما أبعدك ال ... هر فنادتك الأماني
وقال المتنبي:
أوفى فكنتُ إِذا رميتُ بمقلتي ... بشراً رأيتُ أرقَّ من عبراتها
الهاء عائدة على المقلة أخذه من الديك في قوله:
أنا أوفى من المكاره من ... دمعي عليه أرقُ مِنْ خَدَّيْه
ما أن زاد على أن عكس المعنى شبه بشراتهن بعبراته وشبه الديك عبرته بخديه فالمعنى متساوٍ والسابق أولى به.
وقال المتنبي:
فكأنُها شجرٌ بدتْ لكنَّها ... شجرٌ جنيت المُرّ من ثَمراتها
نبهه على هذا المعنى وأشار إليه أبو نؤاس بقوله:
لا أذودُ الطير عن شجرٍ ... قد بلوتُ المرّ من ثمرِهْ
قال الحصني:
تخيروا شجراتٍ غير زاكيةٍ ... لقد جنى ثمر المكروه جانيها
هذه معانٍ مستحسنات في معانٍ مختلفات، أما أبو الطيب فإِنه شبه الظعن بالشجر ولكنه شجر حتى الموت من ثمراتها وأبو نؤاس يتذكر صنيع أحبابه
стр. 586
فلا يعارض البين فيهم لما جنى عليه من مرّ ثمره واستعار الطير وأسم الشجر لما أحتاج إليه من ذكر الثمر والحصني يذكر اصطفاهم ناساً غير أطاليب فقد جنى ثمر المكروه جاني ثمرهم فالمقاصد وإن اختلفت فالمعاني والاستعارات فقد اتفقت والأول أحق بما فتح.
وقال المتنبي:
إني على شغفي بما في خُمرها ... لأَعِفُّ عما في سَراويلاتِهَا
هذا مما أورده أبو العباس النامي المصيصي في عيوبه فإن كان اشتهى لفظ السراويلات فلا علة لذلك إلا أنها تضم ما تضمه مما يقصد فيه إلى مقصد رديء ولا فرق بين هذا وبين قول أبي نؤاس:
وجهي إذا أقبلت يشفعُ لي ... وبلاءُ قلبك حسن ما خَلْفي
وليس يعيب المحبوب أن يجنب منه الفاسق ما خلفه ويمتنع أو قدامه وقد شرط الرجل العفاف ولم يزل الشعراء يستجيزون النظر إلى الحسن ويعفون عن غير ذلك كما قال مسلم:
أخذتُ لطرف العينِ منها تصيبه ... وأخلفتِ من كفي مكان المخلخلِ
وقال ابن أبي زرعة:
إِذا ما خلت مني تناولت كفّها ... وقبلتُ وسط البحر واسطة العِقْدِ
أخذتْ التي فيها العقاب لآخذ ... ولم أرد الأخرى بهزلٍ ولا جدِ
стр. 587
وقال المتنبي:
وترى المروّة والفتوّة والأب ... وّة في كل مليحة ضرّاتها
هُنّ الثلاث المانعاتي لذَّتي ... في خلوتي إلا الخوفُ من تبعاتِها
هذا شعر يدل على قلة ورع وأحسن تخلصاً منه قول القائل:
رموني وإياها بشنعاتهم بها ... أحقُ أذال الله منهم وعجلا
يا من تركناهُ وربّ محمدٍ ... عياناً فأما عفةٌ وتجمَّلا
وقسم الترك على العفة والجميل الذي معناه مروءة ولم يستخف بالتبعات وأحسن تخلصاً منه ابن الرومي حيث يقول:
ينهاه عن مأثمٍ تقي ورعٍ ... فيه، وعن مدنسٍ تقي أنفِ
فجعل تركه للمأثم ورعاً وللمدنس أنفاً وهذا كلام نبيل وتقسيم جليل وقد وافقه إبراهيم بن المهدي بقوله:
استحييا إلاّ تعفا واعلما ... أن ليس ما أخفيتماه بخافِ
يا رب مجتنب لما فارقتما ... متنزه عنه بغيرِ عفافِ
وقول إبراهيم أقل قبحاً لأنه قد يجوز أن يدفع المرء المأثم تنزهاً لا العفاف ويكون مع عدم العفاف خائفاً من تبعاتها وأبو الطيب قد استعمل شكاً منه خوف التبعات ونسأل الله أن يقينا فيه القول والعمل.
وقال المتنبي:
ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتُها ... أقوات وحشٍ كُنّ من أقواتها
المألوف أن يقتات الناس من الوحش الظباء والحمير والبقر والأرانب والثعالب وهذه الأجناس كلها لا تأكل القتلى وإنما تأكلهم السباع والنمور والذئاب وليس هذه من الأقوات فإن أكل منها شيء فجوع مفرط قد فسد معناه على هذا.
стр. 588
وقال المتنبي:
إِن الكرام بلا كرامٍ منهُمُ ... مثلُ القلوبِ بلا سُويداواتها
قال الحصني:
حللت من القلوب وأنتَ أهل ... لذاك محل حبات القلوبِ
فالنفي والإثبات هاهنا متساوٍ.
وقال المتنبي:
تلك النفوسُ الغالبات على العُلا ... والمجدُ يغلبُها على شَهَواتها
يريد أنها تغلب على العلا بتركها شهواتها من المال واللذات وهو ينظر إلى قول أبي تمام
إِلى سالبِ الجبّار بيضةَ مُلكه ... وآملُه غادٍ عليه فسالبُهْ
فسلبه بيضة ملك الجبار وسلب الأمل له ما حازه من جنس غلبه الممدوحين على العلا وغلبة المجد لهم على شهواتهم.
وقال المتنبي:
تكبُو وراءكَ يا بن أحمد فُرحٌ ... ليست قوائمهن من آلاتِهَا
الهاء من آلاتها: عائدة على) وراءك (لأنها مؤنثة معناه هذه القرح تكبو وراءك إذا تبعتك ولا تحملها قوائمها لصعوبة مسالكك.
وقال المتنبي:
لا خلقَ أسمحُ منك إِلاّ عارفٌ ... بك راءَ نفسك لم يقل لك هاتِها
هذا تطويل يتسلق على معانٍ واضحة فمن ذلك قول القائل:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله
فهذا وإن كان من المبالغة المستحيلة فهو أسوغ مما قبله لأنه قال: لو جاز
стр. 589
أن يكون نفسه في كفه لجاد بها كعادته في الجود.
وقال المتنبي:
غلت الذي حسب العثور بآيةٍ ... ترتيلك السورات من آياتها
إن كان أراد أن يحسب العشور بترتيله فليس الترتيل صورة بنيت في اللفظ ولا الخط وإن كان أراد بقوله من آياتها أي من معجزاتها لم تحسب العشور بالآيات لإظهار معجزة في الآية التي هي تمام العشر، والإعجاز يشتمل على جميع آيات الكتاب من الأولى منها إلى العاشرة وما كنت أحب له أن يجعل ترتيل الممدوح السور من آياتها لأن الإعجاز فيها غير مفارق مع الترتيل وضده وتسامحه في هذا كتسامحه في قوله:
وأبهرُ آيات التهاميّ أنَّهُ ... أبوكَ وأجدى ما لكم من مناقبِ
وقال المتنبي:
كرمٌ تبين في كلامك مائلاً ... ويبينُ عتق الخيل في أصواتِها
قال ابن الرومي:
فمن يدلُ على لبٍ يعارضه ... والطرفُ يعرب عن عتق إِذا صَهلا
стр. 590
وقال المتنبي:
لا نعذلُ المرض الذي بك شائقٌ ... أنتَ الرجال وشائق عِلاَّتِها
العلل أعراض فكيف يعبر عنها بالشوق وما شوق العلل مما يدخل في المديح ولو حسن استعمال المبالغة المستحيلة في كل شيء لكان هذا المديح لا يستعمل في رئيس ويستعمل في حبيب لأحسن لأن الحمى إذا شاقها فلحسن وجه أو جسم كما قال غيره:
حُماك جاسية حماكُ عاشقةٌ ... لو لم تكن هكذا ما قَبَّلتْ فاكا
وهذا يشبه قول القائل:
أتمنى قبلةً منه ... في الزمان الطويل
يا لها حاجة ترددتْ فيها ... بذلتْ للعدو دون الجليل
لما كان التقبيل من عادة العشاق حسن أن يعبر عن هذا اللفظ بالتخميش والعشق وكان المقبل ممن يصلح للعشق وأما من يجب أن يوصف بالجود والبأس وسياسة الأمور فوصفه بهذا أولى به مما يسمى معشوقاً وشائقاً.
وقال المتنبي:
فإِذا نوت سفراً إليك سبقتها ... فأضفت قَبل مضافها حالاتها
فسره بعض الرجال فقال: معناه إذا أراد الرجال السفر إليك سبقتها بإضافتك حالاتها قبل إضافتك إياها ولا بد للمرض من جسم يحله فيه فيحله في
стр. 591
جسمه فذاك إضافتك إياه والحمى من عذاب الأجسام والرجال.
قال أبو محمد: قد أوجب على رأي المفسر أن يكون الناوون إليه سفراً لا يخلون من محموم فلذلك صار هو محموماً مضافاً إليه حالته، وقد يخلون من الحمى في سفرهم إليه. وفي هذا البيت غرائب منها أنه جعل ضيافته مقصورة على من نوى سفراً إليه دون استضافة من الحاضرين فأوجب الحمى على أضيافه فلذلك حمّ وجعله قادراً على نقل الحمى من جسم إلى جسم ومنها أنّه قد اتفق في ناوي السفر إليه جماعة بهم حمى أما أن تجتمع به أنواع الحميات وأما أن يخصه واحدة منها ويبقى الباقون لِما بهم لم يصف حالات جميعهم وهذا هذيان محموم.
وقال المتنبي:
عجبتها شرفاً فطال وُقوفها ... لتأملِ الأعضاء لا لأذاتها
الحسن هاهنا أوقع من الشرف لأن الشرف لا يتبين في الأعضاء والجيد قول البحتري:
ألطت به الحمى ثلاثاً ودها ... لو أن وشيك البراء مهل عاجلُه
تعاوده شوقاً إليه ولم يزل ... يتوق إليه الإِلْف حين يزائلُه
فهذا يخبر أن ود الحمى لو تمهلت في جسمه وأنها تعاوده شوقاً فإن قلت فهذا الذي أنكرت من قول المتنبي لأنه أطلق الشوق عليها قلت لم يبين السبب فيه والبحتري ذكر أنه يألفه من صحبته فلذلك اشتاقته الحمى وهذا تملح من الشعراء لا يطلب لمثله حقيقة فالبحتري أرجح منه كلاماً وأرق فهو أحق بالمعنى.
وقال المتنبي:
стр. 592
حق الكواكب أن تزورك من علٍ ... وتعودك الآساد من غاباتها
والجنّ من ستراتها، والوحش من ... فلواتها، والطيرُ من وكناتها
لا أعلم ما السبب لإعادة الأجناس لهذا الممدوح وبيته قصد بالنجوم تشبيهاً به في علو المكان والهمة وذلك الآساد شبهها به في البسالة والنجدة والجن لجودة الفطنة والقدرة على ما يعجز عنه الإنس والوحش التي منها الحمير والبقر والأيائل والظباء وما فيها من مناسبته لو اجتمعت هذه الأصناف على صحيح لأفزعته وأمرضته وكان قد بلي ببلاء عظيم.
وقال المتنبي:
في الناس أمثلة تدور حياتُها ... كمماتها، ومماتها كحياتها
قال يحيى بن الفضل:
لا يحزّننك موت من ... لا ينتفع بحياته
وليُجر عندك ميتاً ... مُجراه بعد مماته
فحياته كوفائه ... ووفاؤهُ كحياته
وهذا من قسم التساوي الذي يكاد يكون في اللفظ المدعي هو ومعناه معاً.
ومن قصيدة:
دع النَّفس تأخذُ وسعها قبل بَيْنها ... فمفترقُ جاران دارهما العُمْر
من قول رسول الله ﷺ :) ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا مستقر الجنة والنار وقريب يفرق جيران ديارهم الأعمار (.
وقال المتنبي:
стр. 593
وخرقٍ مكان العيس منه مكانُنا ... من العيس فيه واسِطُ الكور والظهرُ
معناه هذا الخرق لسعته كانا لا يذهب ولا يجيء فكأن العيس واقفة فكأنما نحن في أكوار العيس وظهورها لا تبرح وكذلك هي لا تبرح، كأن من هذا الخرق كوراً وظهراً وهذا يقرب من قول مسعود أخي ذي الرمة: يدأب فيه القوم حتى يطلحوا
ثم يظلُّون كأن لم يبرحوا ... كأنَّما أمسوا بحيث أصبحوا
وقال المتنبي:
ويومٍ وصلناه بليلٍ كأنَّما ... على أفقه من برقه حلل حُمْرُ
قال ابن مناذر:
وألبس عُرْضُ الأفق لوناً كأنَّهُ ... على الأْفق الغربي ثوبٌ معصفَرُ
وهذا من التساوي.
وقال المتنبي:
ولا ينفع الإِمكانُ لولا سخاؤُهُ ... وهل نافعٌ لولا الأكفُّ القنا السّمر
هذه أخبار بما لا يجهل وذلك أن صاحب الثراء إنما ينفع ثراءه إذا جاد به فلو بخل لم ينتفع به وخبرنا أن القنا السمر لا تنفع لولا الأكف وهذا مما لا يجهل أيضاً وقد أشار إلى هذا المعنى ناظراً إليه البحتري بقوله:
وما السيف إلا بِرِعادٍ لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله
стр. 594
وهذا الكلام مفيد لأن مضاء السيف بمضاء حامله وفي حملته الماضي وضدّه والمتنبي يذكر أن الأكف التي لا بد من حملها الرماح لولاها لم ينفع الرماح وهذا غير مجهول فائدته قليلة ولا فرق بين كلام أبي الطيب وبين من يقول: لولا عيناك ما نظرت، ولولا لسانك ما نطقت وما أشبه هذا بالهذيان الذي لا يفيد، وقد أتى البحتري ببيت يقرب من الأول:
فلا تُغلبن بالسيف كل غِلاته ... ليمضي فإِنَّ القلب لا السيف يقطعُ
ولعل محتجاً أن يقول فلا فرق بين قول أبي الطيب وبين قوله في قلة الفائدة قلنا ليس كذلك لأن السيف يضرب به كف الجبان فلا يقطع وهو ماض فكأنه هاهنا يقصد كف الشجاع وجودة الضرب لأن القطع للسيف إذا تبعته كف مجيدة للضرب فإذا لم يقطع فلعله يخالف كفّه فلم يخرج عن معناه في البيت الأول وكلا القولين مفيد.
وقال المتنبي:
إذا ورمت من لسعةٍ مرحَتْ لها ... كأنَّ نوالاً صرّ في جلدها النبرُ
النبّر: دويبة تلسع فيرم موضع لسعها.
وقال المتنبي:
أزالت بك الأيامُ عتبى كأنَّما ... بنوها لها ذنبٌ، وأنت لها عذرُ
стр. 595
قال ابن الرومي:
أنتم أناس بأياديكُمُ ... يستعتب الدهر إذا أذنبا
إِذا جنى الدهرُ على أهله ... وزاد في عدتكم أَعْتَبَا
فقد شرح وأوضح ولم يطل كل بيت من بيتيه في معنى بيت أبي الطيب وفي الجميع إتمام بمعنى أبي نؤاس في قوله:
يرجى إليك بها بنو أملٍ ... عتبوا فأعتبهم بك الدهرُ
وقال من قصيدة:
تظلُّ الطيرُ منها في حديثٍ ... ترد به الصراصر والنعيبا
الصراصر: أصوات البزاة وليست البزاة مما تقع على الفلا ولكنه غلط منه.
وقال المتنبي:
стр. 596
وقد لبست دماؤهم عليهم ... حداداً لم تَشُقَّ لها جيوبا
شبه الدماء إذا انتشت على نحور الطير وأحشائها بالحداد وهي الثياب السود ثم نفى عنها الحزن عليهم بأنه لم يشق لها جيوباً عليه ولو أستعمل مكان الإخبار لفظ التشبيه كان أجود.
وقال المتنبي:
شديد الخنزوانة لا يُبالي ... أصاب إِذا تَنَمَّرَ أم أُصيبا
أخذه من قول العباس بن مرداس:
أشدُ على الكتيبة لا أُبالي ... أَحَتْفِي كان فيها أم سواها
ومثله قول الخنساء:
سأحملُ نفسي على آلةٍ ... فإِمَّا عليها وإمَّا لها
ويقرب منه قول مالك بن الريب:
إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكرِ العواقب جَانِبا
وقال المتنبي:
كأنَّ الفجر حِبُّ مستزارٌ ... يُراعِي مِن دُجُنَّتِهِ رَقيبا
стр. 597
قال ابن المعتز:
في ليلةٍ ما راعني فيها سوى ... شبه النجوم بأعين الرقباءُ
وهذا من استخراج معنى من معنى احتذى عليه وإن فارق ما قصد به إليه ولفظ المتنبي أرجح لأنه لما ذكر الحبيب ذكر الرقيب.
وقال المتنبي:
أقلبُ فيه أجفاني كأنَّي ... أعدُّ به على الدهرِ الذنوبا
يريد أن تقليبه أجفانه يكثر ذكره ذنوب الدهر.
وقال المتنبي:
وشيخٌ في الشباب وليس شيخاً ... يُسمَّى كلّ من بلغ المشيبا
قال البحتري:
حديث الشباب كثرة بِفعاله ... وبعضُ الرجال كثرة بمشيبه
لم يخبرنا المتنبي لِمْ صار شيخاً في الشباب ولا لِمْ صار من يبلغ المشيب يسمى شيخاً وإنما يستدل على مراده بالتأمل لمعناه والبحتري قد فسر وأوضح فهو أحق.
وقال المتنبي:
стр. 598
إذا نكبت كنانتُهُ استبنْا ... بأنصلها لأنصلها نُدُوبا
ينظر إلى قول القائل:
يحل ضرب السهام بمثلها ... فلهن من يحدث الندوب نَدوبُ
وقال المتنبي:
لأْصْبِحَ آمِنَاً فيك الرزايا ... كما أنا آمِنُ فيك العُيوبا
سلخه من قول ابن الرومي:
أسالمُ، قد سلمت من العيوب ... ألا فأسلم كذاك من الخُطوبِ
وهذا من قسم المساواة.
وقال من قصيدة:
أذمُّ إلى هذا الزمان أُهيلة ... فأعلمهمُ فدمٌ وأحزمهم وغدُ
стр. 599
هذا تقسيم رديء لأن الفدم الغبي في المنطق وقد يكون الفدم عالماً فلا يفسر ذلك علمه، والوغد: الضعيف أو العبد وقد يكون الحزم في الضعيف أو العبد ولا تعد العبودية ولا ضعف الجسم حزمه وإنما ينبغي أن يأتي بالشيء وضده كما يقول تمثيلاً أعلمهم جاهل وأحزمهم أخرق، كما قال الشاعر:
إني بليتُ بمعشرٍ ... نَوكى أخفهمْ ثَقيلُ
لا يفهموني قَولهم ... ويدقُ عنهم ما أقولُ
فَهم كثيرون بي ... وأعلم أنني بهم قليلُ
وقال المتنبي:
ومن نكد الدنيا على الحُر أن يرى ... عدوّاً له ما من صداقته بُدُّ
سرق لفظه سرقة قبيحة يستحق عليها القطع وذلك قول إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
ومن نكد الدُّنيا على الحُرّ أن يرى ... عَدوا فيرضى أن يقول صديقُ
ولفظ إسحاق أوضح لأن معناه يرضى أن يسميه إذا سئل عنه صديقاً وتلك التسمية هي المداجاة وقد ألم أبو الطيب بكلام العرجي فقال:
وكم ذاد عنا بعضنا من قبيلةٍ ... فما وجدوا آمناً على بعضنا بدا
وقال المتنبي:
وإني لتغنيني من الماء نُغبةً ... وأصبر عنه مِثلَ ما تصبرُ الرّبد
стр. 600
وهذا من الشعر الذي لم يرد فيه عن مرام ولا خير عن مقام.
قال مروان بن أبي حفصة:
وإني لتغنيني عن الماء نُغبةً ... وأصبر عنه مِثلَ صبر الأباعرُ
وهذا من اللفظ المدعى هو ومعناه معاً.
وقال المتنبي:
وأكبرُ نفسي عن جزاءٍ بغيبةٍ ... وكلّ اغتيابٍ جُهد لا له جُهْدُ
قال بعض بني أمية: الغيبة جهد العاجز.
وقال المتنبي:
يُوالي بلا وعدٍ ولكنَّ قبلها ... شمائلهُ من غير وعدٍ لهما وعد
معناه: أن شمائله تقوم مقام الوعد، وهو ينظر إلى قول ابن الرومي:
همست إليّ بفضله ... آباؤه من قبل همسه
مِثل المغني أنبأت ... عن حذفه نغمات حبسه
وقال المتنبي:
فلمّا رآني مقبلاً هَزّ نفسهُ ... إليَّ حسامٌ كلُّ صفحٍ له حَد
قال الديك:
следующие страницы →