Полный текст (121 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
إياك نعبد وإياك نستعين، وصل وسلم على رسولك الأمين، وآله وصحبه الأكرمين، وبعد فإني فكرت في عظم ذنب الغيبة وحقارة فعلها، وتساهل جل الناس بها، حتى صارت مألوفة غير منكورة، كأنها لم تكن أمّ كل محظور، تدار كؤوسها في المجامع، ويصغي إلى لحن شيطانها جميع المجامع، وما علم مرتكبها بوقوعه فيما هو أشد من الزنى، وأعظم جرماً من الربا، وهو لو تحقق قد ساواهم وزاد، لكونه ذنباً تعلقه بالعباد. فرأيت أن أذكر هنا بعض ما آتى في ذلك، فعسى أن نفسي الأمارة تكف عن بعض تلك المهالك، شعر:
لِنفْسِي أَبْكِي لَسْتُ أَبْكِي لِغَيْرِهَا ... لِنفْسِي فَفِي نَفْسِي عَنِ النَّاسِ شَاغِلُ
والله حسبي ونعم الوكيل.
стр. 2
الرسالة الأولى
تحريم الغيبة
اعلم أن الغيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وحقيقتها هو ما سيأتي من قوله ﷺ : (ذكرك أخاك بما يكره وإن كان فيه) .
في القرآن الكريم أما الكتاب فقوله تعالى: (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتَاً فَكَرِهْتُمُوهُ) ففي هذه الآية من الزجر والتمثيل والتهويل ما يقشعر له الجلد: وقوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلٍّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) ، قال الزمخشري: (الهمز: الكسر. واللمز: الطعن. يقال: لمزه ولهزه إذا طعنه، والمراد الكسر من أعراض الناس والغضّ منهم واغتيابهم والطعن فيهم) . انتهى.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في تفسير الآية قال: (وَيْلٌ لِكُلًّ هُمَزَةٍ) قال الطعان، لمزة قال مغتاب. وقوله تعالى: (وَلاَ
стр. 3
تَلْمِزُوا أَنْفسَكُمْ) قال الزمخشري: اللمز: الطعن والضرب باللسان والمعنى وخصوا أيها المؤمنون أنفسهم بالانتهاء عن غيها والطعن فيها.
قال: قيل ومعناه: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) لأن المؤمنين كنفس واحدة. انتهى وأخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب، وابن أبي الدنيا وابن جرير، وابن المنذر والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في تفسير الآية قال: (لا يطعن بعضكم على بعض) .
وقوله: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ منّاعٍ للخير) قال الزمخشري: (هماز عياب طعان، وعن الحسن: يلوي شدقيه في أقفية الناس) انتهى.
وهذه الآية وإن لم تخرج مخرج النهي لكنها في معرض الذم.
فالأحاديث فيها كثيرة جداً، وسأذكر ههنا ما وقعت عليه وهي ستة وخمسون حديثاً.
стр. 4
(ستة وخمسون حديثاً في تحريم الغيبة) الحديث الأول: عن أبي بكرة في ذكر خطبة حجة الوداع يوم النحر ومنها قوله ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامُ كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) الحديث الثاني: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته) .
стр. 5
الحديث الثالث: عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولاتنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى ههنا، التقوى ههنا، ويشير الى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله) .
الحديث الرابع: عن ابن مسعود أن النبي ﵌ قال: (قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق)
стр. 6
الحديث الخامس: عن عائشة: (اعتل بعير لصفية بنت حُييّ وعند زينب فضل ظهر فقال رسول الله ﵌ لزينب أعطيها بعيراً فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية، فغضب رسول الله ﵌ فهجرها ذا الحجة ومحرم وبعض صفر) .
الحديث السادس: عن ابن مسعود قال: كنا عند النبي ﵌.
الحديث السابع: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: (خمسٌ ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن والفرار يوم الزحف، وعينٌ صابرة يقتطع بها مالاً بغير حق) .
стр. 7
الحديث الثامن: عن أنس قال:
(ذكر النبي ﵌ الكبائر، أو سُئلَ عن الكبائر فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور، أو قال: شهادة الزور) الحديث التاسع: عن ابن عمر قال قال رسول الله ﵌: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) .
الحديث العاشر: عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ سئل أي المسلمين أفضل؟ قال: (من سلم المسلمون من لسانه ويده) .
ولمسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: (من سلم الناس)
стр. 8
الحديث الحادي عشر: عن معاذ قال: كنت أسير مع النبي ﷺ فقلت أخبرني عن عملٍ يدخلني الجنة فذكر النبي ﵌: (الصلاة والزكاة والصوم والحج والصدقة وصلاة الرجل في جوف الليل والجهاد ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله قلت: بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثلكتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) .
الحديث الثاني عشر: عن عائشة ﵂ أنها ذكرت صفية فقالت: إنها قصيرة، فقال النبي ﵌: (قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) .
стр. 9
الحديث الثالث عشر: عن ابن عباس قال: (ليلة أسري بنبي الله ﵌ ونظر في النار فإذا قومٌ يأكلون الجيف قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس) .
الحديث الرابع عشر: قوله ﵌: (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) .
الحديث الخامس عشر: عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله ما النجاة قال: (امليك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) .
стр. 10
الحديث السادس عشر: عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: (الغيبة أشد من الزنى؟ قال: إن الرجل يزني ويتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفرُ له حتى يغفرها له صاحبه) .
الحديث السابع عشر: عن أبي بكرة ﵁: (أنه مر مع النبي ﵌ على قبرين فقال النبي ﵌: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ما يعذبان إلا في الغيبة والسبيل) .
стр. 11
الحديث الثامن عشر: عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: (من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم) .
الحديث التاسع عشر: عن السُّدي أن: (سلمان الفارسي كان مع رجلين يخدمهما وينال من طعامهما، وأن سلمان نام يوماً وطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء وقالا: ما تزيد سلمان شيئاً غير هذا، أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب. فلما جاء سلمان أرسلاه الى رسول الله ﵌ يطلب لهما إداماً، فانطلق فأتاه فقال: يا رسول الله: حثّني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. فقال: ما يصنع أصحابك بالإدام؟ قد ائتدموا. فرجع سلمان فأخبرهم فانطلقا فأتيا رسول الله ﵌ فقالا: والذي بعثك بالحق
стр. 12
ما أصبنا طعاماً منذ نزلنا فقال قد اغتبتم سلمان بقولكما، فنزل قوله تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً..) الحديث الموفي عشرين: عن عكرمة: (أن امرأة دخلت على النبي ﵌ ثم خرجت، فقالت عائشة: يا رسول الله ما أجملها وأحسنها لولا أن بها قصراً فقال لها النبي ﵌: اغتبتِها يا عائشة؛ فقالت: إنما قلت شيئاً هو بها، فقال: يا عائشة إن قلت شيئاً بها فهي غيبةٌ، وإذا قلت ما ليس بها بهتها) .
стр. 13
الحديث الحادي والعشرون: عن عائشة قالت: (لا يغتب بعضكم بعضاً فإني كنت عند رسول الله ﵌ فمرّت امرأةُ طويلة الذيل فقلت: يا رسول الله إنها لطويلة الذيل، فقال النبي ﵌: الفظي فلفظت بضيعة لحمٍ) الحديث الثاني والعشرون: عن عكرمة: أن النبي ﵌ لحق قوماً فقال لهم: تخللوا، فقال القوم: يا نبي الله ما طَعِمنا اليوم طعاماً، فقال النبي ﵌: إني لأرى لحم فلانٍ بين ثناياكم، وكانوا قد اغتابوه) .
стр. 14
الحديث الثالث والعشرون: عن يحيى بن أبي كثير:
(أن نبي الله ﵌ كان في سفرٍ، وكان أبو بكر وعمر ﵄ معه، فأرسلوا الى رسول الله ﵌ يسألونه لحماً فقال: أوليس قد طلبتم من اللحم شباعاً؟ فقالوا: من أين؟ فو الله ما لنا باللحم من عهدٍ، فقال من لحم صاحبكم الذي ذكرتم، فقالوا: يا نبي الله، إنما قلنا والله إنه لضعيف ما يعيننا على شيء، فقال أبو بكر: يا نبي الله طأ على صماخي وأستغفر، وجاء عمر فقال مثله ففعل وأستغفر) .
الحديث الرابع والعشرن: عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﵌: (من أكل من لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة فيقال له: كله ميتاً كما أكلته حياً، فإنه ليأكله
стр. 15
ويكلح ويصيح) .
الحديث الخامس والعشرون: عن عبيد مولى رسول الله ﵌ أن: (امرأتين صامتا على عهد رسول الله ﵌ فجعلتا تأكلان لحوم الناس، فجاء رجل فقال: يا رسول الله إن ههنا امرأتين صامتا وقد كادتا أن تموتا، فقال رسول الله ﵌: ائتوني بهما، فجاءتا فدعا بعسٍّ أو قدح فقال لإحداهما قيئ فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح، وقال للاخرى: قيئِ فقاءت من قيح ودم وصديد حتى ملأت القدح، فقال
стр. 16
رسول الله ﷺ : إن هاتين صامتا عمّا أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس) .
الحديث السادس والعشرون: عن أم سلمة أنها سئلت عن الغيبة فأخبرت: (أنها أصبحت يوم جمعةٍ وغدا رسول الله ﵌ الى الصلاة، فأتتها جارةٌ، لها من نسائها فاغتابتا وضحكتا برجال ونساءٍ، فلم تبرحا على حديثهما من الغيبة حتى أقبل النبي صلى الله عليه وآل وسلم منصرفاً من الصلاة، فلما سمعتا صوته سكتتا، فلما قام بباب البيت ألقى طرف ردائه على أنفه ثم قال: أن اخرجا فاستقيئا ثم تطهرا بالماء، فخرجت أم سلمة فقاءت لحماً كثيراً، فسألها النبي صلى الله عليه وآل وسلم عما قاءت فأخبرته فقال:
стр. 17
ذلك لحمك ظللت تأكلينه فلا تعودي وصاحبتك فيما ظللتما فيه من الغيبة، فأخبرتها صاحبتها أنها قاءت مثل الذي قاءت) .
الحديث السابع والعشرون: عن أبي مالك الاشعري أن رسول الله ﵌ قال: (المؤمن حرام على المؤمن: لحمه عليه حرام أن يأكله بالغيبة وعرضه حرامٌ أن يحرقه، ووجهه عليه حرامٌ أن يلطمه) .
الحديث الثامن والعشرون: عن أبي هريرة أن: لِنفْسِي ما عزاً لما رُجم سمع النبي ﵌ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب. فسار النبي ﵌ ثم مر بجيفة حمار، فقال: أين
стр. 18
فلان وفلانٍ؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار. فقالا: وهل يؤكل هذا؟ فقال: ما قلتما من أخيكما آنفاً أشد أكلاً منه، والذي نفسي بيده إنه لفي أنهار الجنة يتغمس فيها) .
الحديث التاسع والعشرون: عن جابر بن عبد الله قال: (كنا مع رسول الله ﵌ فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال: إنهما لا يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول) .
стр. 19
الحديث الموفي ثلاثين: عن جابر قال: (كنت مع النبي ﵌ فارتفعت ريح جيفة منتنة فقال رسول الله ﵌: أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون الناس) .
الحديث الحادي والثلاثون: عن أنس قال قال رسول الله ﷺ : (إذا أوقع في الرجل وأنت في ملأ فكن للرجل ناصراً وللقوم زاجراً، ثم تلا قوله تعالى: (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً) .
الحديث الثاني والثلاثون: عن ابن عباس عن النبي ﵌ قال: (الربا نيف وسبعون باباً أهونهن باباً مثل من نكح أُمّهُ في الاسلام، ودرهم الربا أشد من خمس وثلاثين زينةَ،
стр. 20
وأشد الربا وأربى الربا وأخبث الربا انتهاك عِرضِ المسلم وانتهاك حرمته) .
الحديث الثالث والثلاثون: عن أنس قال: قال رسول الله ﵌: (لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحم الناس ويقعون في أعراضهم.
الحديث الرابع والثلاثون: عن أنس: (أن النبي ﵌ أمر أن يصوموا ولا يفطرن أحدٌ حتى آذن له فصام الناس، فلما أمسى جعل الرجل يجيء إلى رسول الله ﵌ فيقول: ظللت منذ اليوم صائماً فائذن لي فأفطر فيأذن له حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله إن فتاتين من أهلك
стр. 21
ظلّتا منذ اليوم صائمتين فائذن لهما فليفطرا، فأعرض عنه، ثم أعاد عليه فقال رسول الله ﵌: ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس، اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيئا ففعلتا فقاءت كل واحدةٍ منهما علقةً، فأتى النبي ﵌ فأخبره فقال ﵌: لو صامتا وبقيت فيهما لأكلتهما النار) .
الحديث الخامس والثلاثون: عن ابن عباس أن رجلين صلّيا صلاة الظهر وكانا صائمين فلما قضى النبي ﵌ الصلاة قال: (أَعيدا وضوءكما وامضيا في صومكما واقضيا يوماً آخر.
قالا: لمَ يا رسول اله؟ قال: اغتبتم فلانا) .
стр. 22
الحديث السادس والثلاثون: عن عائشة قالت: (أقبلت امرأة قصيرة والنبي ﵌ جالس قالت: فأشرت بإبهامي إلى النبي ﵌ فقال ﵌: لقد اغتبتِها) .
الحديث السابع والثلاثون: عن أبي هريرة: (أن رجلاً قام من عند النبي ﵌ فرأى في قيامه عجزاً فقال بعضهم: ما أعجز فلاناً، فقال النبي ﵌: قد أكلتم الرجل واغتبتموه) .
الحديث الثامن والثلاثون: عن معاذ نحو الأول، وفيه: (لو قلتم ما ليس فيه لقد بهتموه) .
стр. 23
الحديث التاسع والثلاثون: عن معاذ قال: (كنا مع رسول الله ﵌ فذكر القوم رجلاً فقالوا: ما يأكل إلا ما أطعم، ولا يرحل إلا ما رُحل له، وما أصفنه؟ فقال رسول الله ﵌: اغتبتم أخاكم) .
الحديث الموفي أربعين: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: (ما من رجل رمى رجلاً بكلمة مشينة إلا حبسه الله يوم القيامة في طينة الخبال حتى يأتي منها بالمخرج) .
الحديث الحادي والاربعون: عن سمرة بن جندب قال: (مر رسول الله ﵌ على رجل بين يدي حجام وذلك في رمضان، وهما يغتابان رجلاً فقال
стр. 24
النبي ﵌: أفطر الحاجم والمحجوم.
الحديث الثاني والأربعون: عن أبي هريرة قال قال: رسول الله ﵌: (لما عرج بي مررت بقوم تقطع جلودهم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: الذين يتزينون للزينة، ثم مررت بجبَ منتن الرائحة فسمعت فيه أصواتاً شديدة فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: نساء كن يتزين للزينة ويفعلن ما لا يحل لهن، ثم مررت على نساء ورجال معلقين بثديّهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الهمازون والهمازات) .
стр. 25
الحديث الثالث والأربعون: عن أنس عن النبي ﵌ قال: (الغيبة أشد من الزنا، فإن صاحب الزنا يتوب، وصاحب الغيبة ليس له توبة) .
الحديث الرابع والأربعون: عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵌: (لا تسبّوا الأموات وقد أفضوا إلى ما قدموا) .
الحديث الخامس والأربعون: عن ابن عباس أن النبي ﵌ قال: (لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا) .
стр. 26
الحديث السادس والأربعون: عن سهل بن سعد مرفوعاً بلفظ: (ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين، وإذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيراً) .
الحديث السابع والأربعون: عن ابن عمر، عنه ﵌: (أشرف الإيمان أن يأمنك الناس، وأشرف الإسلام أن يسلم الناس من لسانك ويدك) .
стр. 27
الحديث الثامن والأربعون: عن أبي سعيد الخدري عنه ﵌ قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا) .
الحديث التاسع والأربعون: عن ابن مسعود مرفوعاً بلفظ: (أكثر خطايا ابن آدم من لسانه) .
الحديث الموفي الخمسين: عن ابن جحيفة عنه ﵌: (أحب الاعمال إلى الله حفظ اللسان) .
стр. 28
الحديث الحادي والخمسون: عن أبي بكر، عنه ﵌:
(ليس شيءٌ من الجسد إلا وهو يشكو ذرب اللسان) .
الحديث الثاني والخمسون: عن ابن عباس بلفظ: (إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله ولينظر ما يقول) .
الحديث الثالث والخمسون: قوله ﷺ : (من ذبَّ عن عِرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة) . وقال ﷺ : (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) .
стр. 29
الحديث الرابع والخمسون: عن أنس مرفوعاً بلفظ: (من اغتيب عنده أخوه المسلم فلم ينصره وهو يستطيع نصره أذلّه الله في الدنيا والآخرة) .
الحديث الخامس والخمسون: عن أسماء بنت يزيد عنه ﵌: (من ذبَّ عن عِرض أخيه بالغيبة كان حقاً على الله أن يقيه من النار) .
الحديث السادس والخمسون: عن أبي الدرداء عن النبي ﵌: (من رد عن عرض أخيه كان له حجاباً من النار) .
وفي هذا المقدار كفاية بل في واحدٍ منها لمن له هدايةٌ والله ولي التوفيق.
стр. 30
الإجماع على تحريم الغيبة
وأما الإجماع فلا شكّ ولا ريب في اتفاق جميع الأمة على تحريم الغيبة ولم يسمع عن أحد الترخيص فيها، لكنهم استثنوا صوراً ذكرها النووي في شرح مسلم، وهي ستة أسباب: الأول: الاستعانة على تغيير المنكر.
الثاني: جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين والمشاورة والنصيحة.
الثالث: التعريف.
الرابع: الاستفتاء.
الخامس: المظلوم. قال النووي: فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان أو القاضي أو غيرهما ممن له ولاية وقدرة على إنصافه من ظالمه ويقول: فعل بي فلان أو ظلمني.
السادس: المجاهر بفسقه وبدعته. قال: ويجوز ذكره بما تجاهر به ولا يجوز بغيره إلا سبب آخر، انتهى منه مختصراً إذا عرفت هذا.
стр. 31
فأما الأول وهو الاستعانة على إزالة المنكر، وذلك عمود من أعمدة الدين وواجب من واجباته، فإذا كان يعلم أن يظن المغتاب قدرة المخاطب، فإخباره واجب، فترجح أدلة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر على أدلة تحريم الغيبة.
وأما الثاني وهو جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين فهو أيضاً واجب بالإجماع لحفظ الشريعة وأموال العباد. وأما المشاورة فقد ورد شرعيتها وورد أن الدين النصيحة، ولكن يكفي في ذلك أن يقول لمن يستشيره: هذا لا يحسن، لا أشير عليك بفلان، من غير أن يعدد مثالبه ومعايبه.
وأما الثالث وهو التعريف باللقب، فقد نهى الله عنه في كتابه العزيز فقال: (وَلاَتَنَابَزُوا بالألْقَابِ) ولكن قال كثير من العلماء بجوازه لمن لا يعرف إلا به لم يقصد انتقاصه.
وأما الرابع وهو الاستفتاء فقد استدلوا على ذلك بقول امرأة أبي سفيان للنبي ﵌: إن أبا سفيان رجل شحيح.. الحديث ... والأولى الإجمال في ذلك فيقول: ما يقول المفتي في رجل كذا ونحوه.
стр. 32
وأما الخامس والسادس وهو الظالم والفاسق فاعلم أن هذين القسمين قد ترخص كثير من الناس في ثلب أعراضهم، وقضوا بها مجامعهم، ولم يعلموا أنهما ممن شملهما الإسلام وأن الحسنات لهم والسيئات عليهم، وليتهم اقتصروا على مجرد وصف الظالم بظلمه والفاسق بفسقه، لكنهم جاوزوا ذلك. وظنوا أن أعراضهم قد أبيحت على الإطلاق. وسأذكر لك ما استدلوا به على حل أعراضهم، وأذكر ما قاله بعض أئمة التفسير وشرح الحديث ليعلم حرمة عرض المسلم وعدم مطابقته دليلاً على استحلال عرضه ورميه بكل رذيلة مما فيه وما لم يكن فيه، فقالوا في الظالم قوله تعالى: (لاَ يُحبُّ اللهُ الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ) .
وقوله ﵌ (لي الواجد ظلم ظلم يُحل عرضه وعقوبته) ، فأقول: قال الزمخشري ما لفظه (إلا جهر من ظلم استثني من الجهر الذي لا يحبه
стр. 33
الله جهر المظلوم وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء. وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم، ولمن انتصر بعد ظلمه وقيل: ضاف رجل قوماً فلم يطعموه فعوتب على الشكاية فنزلت: وقرئ (إلاَّ مَنْ ظَلَم) على البناء للفاعل للانقطاع، أي: ولكن الظالم راكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء، ويجوز أن يكون من ظلم مرفوعاً، كأنه قيل: لا يحب الله الجهر بالسوء إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو. ومنه (لاَ يَعْلَمُ مَن فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللهُ) ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار ... إلى آخر كلامه.
وقال البيضاوي: إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم والتظلم منه، وذكر قصة النزول والقراءة بالبناء للفاعل. وقال في الفتح: واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء من القول الذي يجوز لمن ظلم فقيل: هو
стр. 34
أن يدعو على من ظلمه، وقيل: لا بأس بأن يجهر بالسوء من القول بأن يقول: فلان ظلمني أو: هو ظالم، أو نحو ذلك. وقيل: معناه. إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر ونحوه فهو مباح له، والآية على هذا في الإكراه، وكذا قال قطرب قال: ويجوز أن يكون على البدل، كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم، أي: لا يحب الظالم بل يحب المظلوم، ثم قال: والظاهر من الآية: أنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم الكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيد الحديث الثابت في الصحيح بلفظ (ليُّ الواجد ظلم يُحل عرضه وعقوبته) . وأما على القراءة الثانية فالاستثناء منقطع أي: إلا من ظلم في قول أو فعل فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له. وقال قوم: معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلماً وعدواناً، وهو ظالم في ذلك. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم فقال سوءاً فإنه ينبغي أن
стр. 35
تأخذوا على يديه، ويكون استثناء ليس من الأول. انتهى.
وقال العلامة المقبلي في إتحافه: إلا: مستثنى منقطع لما يلزم في المتصل من كونه محبوباً لله، ولا يكون محبوباً بحال نظير ما يقول: إن الميتة والدم نجسان محرمان إنما عفى للمضطر تناولهما قال: ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ولذا رغبهم في العفو فيهما، فهما مكروهان عنده لا مطلوبان محبوبان. انتهى.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في تفسير الآية قال: لا يحب الله أن يدعو أحدٌ على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه رّخص له أن يدعو على من ظلمه وإن يصبر فهو خيرٌ له. انتهى.
стр. 36
فهذا كلام المفسرين لم يكن فيه إباحة لعرض الظالم بل أولوه بالدّعاء والإكراه، أو بأنه الظالم لا المظلوم، أو التشكي والتظلم وغير ذلك. وإذا احتاجوا إلى هذه التأويلات لما عرفت من عظم ذنب الغيبة. وهذا حبر الامة ابن عباس فسره بالدعاء، فلم يبق دليل في الآية على المطلوب، إلا أن يكون وصفه بالظلم أو التشكي عند من يرجى نفعه، وهذا لا بأس به لدخوله في صورة الإعانة على إزالة المنكر، فانظر أيها المظلوم المحروم كيف جمعت على نفسك ظلم الظالم لها وظلمك لها بتفويتها الأجر والانتصار الدنيوي والأخروي بكلام لا يعود عليك نفعه ولا يضر ظالمك، بل قد فاز باللذة العاجلة، وشفى غليله بظلم يديك وانتفع بما أخذ عليك، وأنت اقتضيت بما لا يغني ولا يشفي وصرت كما قيل شعراً:
وَتَرَكْت حَظَّ النَّفْسِ فِي الدُّنْيَا وَفِي ال ... أُخْرَى عَنِ الجَمِيعِ بمَعْزل
وقد تكون أعظم جرماً منه، لأنه يعفى عنك بقدر ظلامتك (فإذا انتصرت صار) إصراً على عنقك. هذا إن كنت مظلوماً، وإن لم تضاعف أجوره بما كسبت من الحسنات ووضع عليك وزر بعض تلك الظلامات، كما قال ﵌: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة
стр. 37
وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وسفك دم هذا، وأكل مال هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح في النار) .
وروى البخاري والترمذي عن أبي هريرة عنه ﵌ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم من قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان له عملٌ صالحٌ أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) .
стр. 38
وروى أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعاً بلفظ: (اتقوا الظلم ما استطعتم، فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة يرى أنها ستنجيه، فما يزال عبدٌ يقول يا رب ظلمني عبدك مظلمة فيقول: امحوا من حسناته، ما يزال كذلك حتى ما يبقى له حسنة من الذنوب) .
وروى البيهقي عن جماعة من الصحابة نحو هذا.
واعلم أن الظلم في الأعراض قد يكون أشد منه في الأموال عند كل نفس حرة كما قال:
يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ جُسومُنا ... وَتَسْلَمَ أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ
فإن قلت: بقيت أدلة أخرى للمظلوم وهي جواز المعاقبة والانتصار كما في قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سيّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) ، (فَمَنِ اعْتَدَى
стр. 39
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) ، (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) وغير ذلك. قلت: نعم لكن أين المماثلة التي أخذها الله على المنتصر؟ فليس هذا من معاملة السيئة بمثلها، ولا الاعتداء بمثله، إلا أن يكون اغتابك فقلت مثل قوله فهذا اعتداء مماثل، وسيئة مماثلة، مع أن ترك الانتصار جميعه هو الأولى والأحسن، ويكفيك ما أتبعه الله تعالى من ذكر العفو والصفح جميع الآيات المذكورة. انظر إلى حديث أبي بكر، وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: (إن رجلاً شتم أبا بكر، والنبي ﵌ جالسٌ، فجعل النبي ﵌ يعجب ويبتسم، فلما أكثر عليه رد، ﵁، بعض قوله، فغضب النبي ﵌ فقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله، إنه كان شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، فقال: إنه كان ملكٌ يرد عليك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان) .
стр. 40
وعن ابن عمر مرفوعاً: (إذا سبك رجل ما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فيكون أجر ذلك لك ووباله عليه) .
وقد ذكر ابن السبكي في الطبقات أن مذهب الشافعي أن ترك التحليل أولى لأنه قد يحتاج اليه في الآخرة. كما تقدم في الحديث أنها يؤخذ من حسنات الظالم أو تطرح عليه سيئات المظلوم؛ وذكر أن مذهب غيره أن التحليل أفضل. وفرق مالك بين الظلامات والتبعات فتحلل من الأول وتترك في الأخرى، وهذا التعليل الذي ذكره الشافعي عليك لأن الجزاء من الله على العفو أجل وأعظم من الاصل، إذ الحسنة بعشرة أمثالها. أخرج الحاكم والخرائطي عن أنس مرفوعاً قال: (رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله
следующие страницы →