← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 31375

في السلوك الإسلامي القويم

ابن الشوكاني

Полный текст (121 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فهذا كلام المفسرين لم يكن فيه إباحة لعرض الظالم بل أولوه بالدّعاء والإكراه، أو بأنه الظالم لا المظلوم، أو التشكي والتظلم وغير ذلك. وإذا احتاجوا إلى هذه التأويلات لما عرفت من عظم ذنب الغيبة. وهذا حبر الامة ابن عباس فسره بالدعاء، فلم يبق دليل في الآية على المطلوب، إلا أن يكون وصفه بالظلم أو التشكي عند من يرجى نفعه، وهذا لا بأس به لدخوله في صورة الإعانة على إزالة المنكر، فانظر أيها المظلوم المحروم كيف جمعت على نفسك ظلم الظالم لها وظلمك لها بتفويتها الأجر والانتصار الدنيوي والأخروي بكلام لا يعود عليك نفعه ولا يضر ظالمك، بل قد فاز باللذة العاجلة، وشفى غليله بظلم يديك وانتفع بما أخذ عليك، وأنت اقتضيت بما لا يغني ولا يشفي وصرت كما قيل شعراً: وَتَرَكْت حَظَّ النَّفْسِ فِي الدُّنْيَا وَفِي ال ... أُخْرَى عَنِ الجَمِيعِ بمَعْزل وقد تكون أعظم جرماً منه، لأنه يعفى عنك بقدر ظلامتك (فإذا انتصرت صار) إصراً على عنقك. هذا إن كنت مظلوماً، وإن لم تضاعف أجوره بما كسبت من الحسنات ووضع عليك وزر بعض تلك الظلامات، كما قال ﵌: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة

стр. 37

وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وسفك دم هذا، وأكل مال هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح في النار) . وروى البخاري والترمذي عن أبي هريرة عنه ﵌ قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم من قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهم، إن كان له عملٌ صالحٌ أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) .

стр. 38

وروى أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعاً بلفظ: (اتقوا الظلم ما استطعتم، فإن العبد يجيء بالحسنات يوم القيامة يرى أنها ستنجيه، فما يزال عبدٌ يقول يا رب ظلمني عبدك مظلمة فيقول: امحوا من حسناته، ما يزال كذلك حتى ما يبقى له حسنة من الذنوب) . وروى البيهقي عن جماعة من الصحابة نحو هذا. واعلم أن الظلم في الأعراض قد يكون أشد منه في الأموال عند كل نفس حرة كما قال: يَهُونُ عَلَيْنَا أَنْ تُصَابَ جُسومُنا ... وَتَسْلَمَ أَعْرَاضٌ لَنَا وَعُقُولُ فإن قلت: بقيت أدلة أخرى للمظلوم وهي جواز المعاقبة والانتصار كما في قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سيّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) ، (فَمَنِ اعْتَدَى

стр. 39

عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) ، (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) وغير ذلك. قلت: نعم لكن أين المماثلة التي أخذها الله على المنتصر؟ فليس هذا من معاملة السيئة بمثلها، ولا الاعتداء بمثله، إلا أن يكون اغتابك فقلت مثل قوله فهذا اعتداء مماثل، وسيئة مماثلة، مع أن ترك الانتصار جميعه هو الأولى والأحسن، ويكفيك ما أتبعه الله تعالى من ذكر العفو والصفح جميع الآيات المذكورة. انظر إلى حديث أبي بكر، وهو ما أخرجه أحمد وأبو داود بلفظ: (إن رجلاً شتم أبا بكر، والنبي ﵌ جالسٌ، فجعل النبي ﵌ يعجب ويبتسم، فلما أكثر عليه رد، ﵁، بعض قوله، فغضب النبي ﵌ فقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله، إنه كان شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، فقال: إنه كان ملكٌ يرد عليك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان) .

стр. 40

وعن ابن عمر مرفوعاً: (إذا سبك رجل ما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم منه فيكون أجر ذلك لك ووباله عليه) . وقد ذكر ابن السبكي في الطبقات أن مذهب الشافعي أن ترك التحليل أولى لأنه قد يحتاج اليه في الآخرة. كما تقدم في الحديث أنها يؤخذ من حسنات الظالم أو تطرح عليه سيئات المظلوم؛ وذكر أن مذهب غيره أن التحليل أفضل. وفرق مالك بين الظلامات والتبعات فتحلل من الأول وتترك في الأخرى، وهذا التعليل الذي ذكره الشافعي عليك لأن الجزاء من الله على العفو أجل وأعظم من الاصل، إذ الحسنة بعشرة أمثالها. أخرج الحاكم والخرائطي عن أنس مرفوعاً قال: (رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله

стр. 41

تعالى: كيف نصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيءٌ؟ قال: يا رب ليحمل من أوزاري، إن ذلك ليومٌ عظيم يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله بعد للطالب: ارفع بصرك فانظر، فرفع رأسه فقال يا رب أرى مدائن من ذهبٍ وقصوراً من ذهب مكللةً باللؤلؤ لأي نبي هذا؟ أو لأي صديق هذا؟ أو لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمنن أعطي الثمن. قال: يا رب ومن يملك ثمن ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك فأدخله الجنة) . وكذلك الدعاء كان تركه في حق المظلوم أولى مع ما أرشدنا الله تعالى إلى التضرع إليه والدعاء له فقال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ. إِنّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وقال: (وَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ) ، وقال: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطر إذَا دَعَاهُ) .

стр. 42

وقال: (وَإذَا سَأَلَكَ عِبَادي عَنِّي فَإِنِّي قرِيبٌ) وورد عن النبي ﵌ في ذلك ما يطول البحث بذكر بعضه فمنه: (أن الله يغضب على من ترك دعاءه) و (أنّ الله يستحي إذا رفع العبدُ يديه أن يدرهما، وأنه مُخّ العبادة) ، وأنه (دافِعٌ

стр. 43

للقضاء) ، وغير ذلك، وإنما كان أولى ليتوفر الجزاء من الله، والتعجيل بالنصر يكون فيه شائبة انتصار، فأخرج الترمذي وابن أبي شيبة عن عائشة عن النبي ﵌ قال: (من دعا على من ظلمه فقد انتصر) . وأخرج أبو داود عن عائشة أنه لما سرق عليها شيئاً فدعت عليه، فقال النبي ﵌: (لا تبخي عليه) . قال في النهاية: معنى تبخي: تخففي. فإن قلت: كيف الجمع بين هذين الحديثين وبين قوله ﵌ لمعاذ: (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجابٌ؟.

стр. 44

قلت: لا معارضة بينهما؛ لأن الحديثين فيما هو الأولى والأحسن، وأما إنه لا يجاب دعاء المظلوم فلا، وأما قوله ﵌: (ليّ الواجد ظلمٌ) فالحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه باللفظ المتقدم فأقول: قال ابن تيمية في المنتقى ما لفظه: قال أحمد قال وكيع: عرضه شكايته وعقوبته حبسه. وقال في النهاية أي لصاحب الدين أن يذمه ويصفه بسوء القضاء. وقيل: يجوز وصفه بكونه ظالماً. فهذا تفسير الحديث، ولم يقل أحد يجوز ثلب عرضه وذكره بما فيه، وما لم يكن فيه وإبداء معايبه، وهذه أدلة المحورين لغيبة الظالم. وأما الفاسق فاستدلوا بما أخرجه البيهقي والخطيب والديلمي وابن

стр. 45

عساكر عن أنس عن النبي ﵌ قال: (من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له) . قال البيهقي: ضعيف، وروى البيهقي ايضا والطبراني من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (ليس للفاس غيبة قال البيهقي: ضعيف. وروى أيضاً من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﵌ قال: (أترغبون عن ذكر الفاجر، اذكروه بما فيه كي يحذره الناس) قال البيهقي: ضعيف، وقال في حديث بهز: هذا ليس بشيء؛ وقال أحمد: حديث منكر، وقال ابن عدي: لا أصل له، قال: وكل من روى هذا الحديث فهو ضعيف. وقال الدارقطني في علله: هو من وضع الجارود ثم سرقه منه جمع، وفي الميزان أن الجارود كذاب، وفي الجامع الكبير للسيوطي أن الجارود تفرد به، وأن أبا حاتم وأبا أسامة

стр. 46

كذباه. فهذا ما استدلوا به في الفاسق وما أحقه عند تلك الزواجر العظام بقوله: (تنكّب لا يقطرك الزحام) . هذا واسم الإسلام باق عليه، فحسناته له وسيئاته عليه، وإن سلمنا صلاحية هذه الأحاديث للتخصيص فيكون لأحد الأسباب المتقدمة من النهي عن المنكر أو المشورة أو الجرح، وأما لمجرد فسقه فذنبه متعلق به، وأجور المغتاب لعلها قد زبرت في صحائف أعماله وخففت عنه بعض تلك الفعال مع أنه ﵌ قد نهى عن سب شارب الخمر بعد أن حدّه وقال: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم أما إنه يُحب الله ورسوله) . رواه البخاري. فما كان أولى من المحدود في شرب الخمر؟ فإن قيل فقد قال ﷺ في عيينة بن حصن: (بئس ابن العشيرة) فلما دخل آلان له القول،

стр. 47

فالجواب أن ذلك قبل إسلامه أو كان أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ولهذا ارتد مع المرتدين فعلم منه ﵌ على أصحابه لما ذكروا المنافقين وأسندوا معظم مقالهم إلى مالك بن الدخشتم فقال ﵌: (أليس شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ... الحديث) . فما هذه الحيلة الشيطانية سهلة في اللسان جالبة للخسران وسائقة إلى النيران، وما أحسن ما قاله النووي في شرح مسلم عند قوله ﵌: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره،

стр. 48

ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) . قال: وأما قوله ﵌: (فليقل خيراً أو ليصمت) . فمعناه أنه إذا أراد أن يتكلم فإن كان، ما يتكلم به خيراً محققاً يثاب عليه، واجباً كان أو مندوباً فليتكلم، فإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح، مستوى الطرفين. فعلى هذا يكون الكلام المباح مأموراً بتركه، مندوباً إلى الإمساك عنه مخافة من انجراره إلى المحرم والمكروه وهذا يقع في العادة كثيراً غالباً، وقد قال تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ثم قال: وقال الشافعي: إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه أمسك. قال: وقال إمام المالكية عبد الله بن أبي زيد جميع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي ﵌: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو

стр. 49

ليصمت) وقوله ﵌ للذي اختصر: لا تغضب وقوله ﵌: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) انتهى كلام النووي. وروى مسلم عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﵌ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) .

стр. 50

وروى الترمذي عن أنس: (أن رجلاً توفى على عهد رسول الله ﵌ فقال رجل آخر: أبشر بالجنة، فقال رسول الله ﵌: وما يدريك لعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه) . وروى الحاكم أن نساء اجتمعن عند عائشة فقالت امرأة منهن: والله لا يعذبني الله أبداً إنما بايعت رسول الله ﵌ على أن لا أشرك بالله شيئاً ولا أسرق ولا أزني ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتانٍ بين يدي، ورجلي، ولا أعصينّه في معروفٍ، وقد وفيت. فأتيت في منامها فقيل لها: أنت المتأّلية على الله فكيف بقولك ما لا يعنيك ومنعك ما لا يُغنيك؟. وفي البخاري عن أنس قال: (إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدقّ من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﵌ من الموبقات) . وروى الترمذي وابن ماجه عن أم حبيبة قالت قال رسول الله ﵌:

стр. 51

(كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا أمراً بمعروفٍ أو نهياً عن منكر أو ذكراً لله . قال سفيان الثوري: هذا في كتاب الله: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقةٍ أَو مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاس) . وعن أبي هريرة، عنه ﷺ : (أكثر الناس ذنوباً يوم القيامة أكثرهم كلاماً فيما لا يعنيه) . رواه ابن لال وابن النجار، ورواه أحمد عن سلمان موقوفاً. اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وفرطات ألسنتنا وأعوذ بك أن أكون من الذين يقولون ما لا يفعلون.

стр. 52

أخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هنَّ؟ قال: قوله : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبَّر وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أحكمت هذه الآية قال: لا، قال: فالحرف الثاني: قال قوله تعالى: (لِمَ تَقولونَ ما لا تَفْعَلونَ) أحكمت هذه قال لا قال فالحرف الثالث قال قوله تعالى: (مَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْه) أحكمت هذه؟ قال: لا قال: فابدأ بنفسك. ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله: وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى ... وريح الخطايا من ثنائك تسطع

стр. 53

ولله در أبي الأسود لا تَنْه عن خُلُقٍ وتأتي مِثلْه ... عارٌ عليك إذا فَعَلْتَ عظيمُ وَابدأ بنفسك فَانْهَهَا عن غِيِّها ... فَإذا انتهت عنه فَأَنْتَ حكيمُ اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وتولني بلطفك، وأدخلني في رحمتك التي وسعت كل شيء يا أرحم الراحمين، وصل وسلم على رسولك الأمين وآله وصحبه الأكرمين. آمين

стр. 54

الرسالة الثانية المرهم الشافي للداء الخافي

стр. 55

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمد العالم بخفيات الامور، المطلع على ما تُكِنّه الصدور. وأصلّي وأسلّم على الشفيع يوم النشور، وعلى آله وصحبه الماحين بسيوفهم ديجور الضلال والفجور. وبعد: فإني لما فكرت في الامور الباطنة وضعف قيامي بها رأيت أن أذكر شيئاً منها، وأتبعها بدلائلها في الحث على مأمورها، والزجر عن منهيّها. عسى أن أكف بعض جموح فؤادي، أو أشد به محلول قيادي. واعلم أنك إذا فكرت في هذا النوع الإنساني وجدت غالب مصائب دينه من المعاصي الباطنة، ووجدت المعاصي الظاهرة بالنسبة إليها أقل خطراً وأيسر شراً، لأنه قد منع عنها الدين، أو يمنع عنها الحياء وحفظ المروءة؛ وأما البلايا الباطنة فهي إذا لم يزع صاحبها وازعُ الدين ويجاهد نفسه كل حين لم يقلع عنها لعدم الاطلاع عليها، مع أن التكليف بها شديد، والوعيد عليها عتيد، فهي من أعظم فرائض الله على العباد، وأثقلها حملاً يوم يقوم الأشهاد، تذهب الأعمال الظاهرة إن لم يعكس النفس الأمارة، ولهذا يقول خير البشر ﵌:

стр. 56

(إن الله لا ينظر إلى جسدكم ولا إلى صوركم، لكن ينظر إلى قلوبكم) . وقال: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلُحت صلح الجسد، ألا وهي القلب) . وهما في الصحيح. وروى الترمذي عن ابن عمر، ﵁ قال: قال الله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقَاً أَلْسِنَتُهُمْ أحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبرِ فَبي حَلَفْتُ لأَ؟ تِيحَنَّهُم فِتْنَةً تَدَعُ الْحَليمَ مِنْهُمْ حَيْرانَ، فَبي يَغْتّرونَ، أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونْ؟) ؛ وقيل في تفسير قوله تعالى: (وَذَرُوا ظاهِرَ الإِثْمِ وَباطِنَهُ) ، وقوله: (وَلا تَقْرَبوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما

стр. 57

بَطَنَ) : إنها أعمال القلب. وها أنا سأذكر بعضاً من ذلك لتعلم وعورة تلك المسالك، وهي قسمان: قسمٌ في المأمور به: فمنه النية ، وهي سنام الدين، وعليها تدور رحى الأعمال. ومن الإخلاص ، وهو العروة الوثقى في الخلاص. ومنه التقوى واليقين، وهما أعظم شعائر المؤمنين. ومنه الصبر والرضا، وهما المرهم النافع في التسليم للقضاء. ومنه التوكل والتفويض، الذين هما راحة كل قلب مريض. ومنه الزهد والقناعة، وهما أجل بضاعة. ومنه سلامة الصدر والتواضع، وبهما يفتقد المرء أرفع المواضع. والقسم الثاني في المنهي عنه، ومنه ضد هذه المذكورات، والحسد والكبر وإعجاب المرء بنفسه. فهذه بعض الأمور الباطنة، وهي كثيرة لمن يتتبعها فأقول مستعينا بالله:

стр. 58

النية أما النية ففيها صلاح الأعمال وبخرابها خراب الأعمال. عن عمر بن الخطاب، ﵁، عن النبي ﵌: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) . رواه البخاري ومسلم وغيرها قال النووي: أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده، وصحته.

стр. 59

قال الشافعي وآخرون: هو ثلث الإسلام. قال: وقال آخرون: هو ربع الإسلام. انتهى. وهكذا ذكر الحافظ في الفتح وذكر الثلاثة الباقية منظمة وهي: اترك الشّبهات وازْهدْ ودَعْ ... ما ليس يغنيك واعملن بنيّة انتهى. وإذا تأملت في هذا الحديث علمت أنها تدور عليه جميع الأعمال التي تحتاج إلى النية، لا كما قال الشافعي إنه يدخل في سبعين باباً من الفقه. وعن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : (يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الارض خسف بأولهم وآخرهم؛ فقيل: يا رسول الله كيف يخسف

стр. 60

بأولهم وآخرهم وفيهم من ليس منهم فقال: إنهم يبعثون على قدر نياتهم) . رواه البخاري ومسلم وغيرها. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما يبعث الناس على نياتهم) . رواه ابن ماجه بإسناد حسن. الإخلاص وأما الإخلاص فهو ترك الرياء. فمن لم يخلص العمل لله فهو مأزور بعمله لا مأجور، وهو الشرك الأصغر. قال الله تعالى: (فَمَنْ كانَ يَرْجو لِقاءَ رَبِّهِ فَلَيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدا) . قال الماوردي: قال جميع أهل التأويل في تفسير هذه الآية: إن المعنى لا يرائي بعمله أحداً. وقال تعالى: (وما أُمِروا إلاّ لِيَعْبُدوا اللهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدّينَ) . وعن أبي الدرداء، ﵁، عن النبي ﵌: (الدنيا ملعونة ملعونٌ ما فيها إلاّ ما ابتغى به وجهُ الله) . رواه الطبراني. وعن أبي الدرداء، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليماً، ولسانه صادقاً، ونفسه مطمئنةَ مستقيمة) . رواه أحمد والبيهقي، وفي إسناد أحمد احتمال.

стр. 61

وعن أبي أمامة عن النبي ﵌: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه) . رواه النسائي. وعن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﵌ يقول: (إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكن قاتلت لأن يُقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار؛ ورجلٌ تعلم العلم وعلّمهُ وقرأ القرآن، فأُتي به فعرّفهُ نعمته فعرفها قال: فما عملت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالمٌ، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، اذهبوا به، فيسحب على وجهه حتى أُلقي في النار؛ ورجلٌ وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأُتي به فعرّفه نعمهُ فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال:

стр. 62

ما تركت من سبيل يجب أن ينفق فيه إلا أنفقتُ فيها لك فيقال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جوادٌ فقد قيل، ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى أُلقي في النار) . رواه مسلم والنسائي والترمذي. وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (بشر هذه الامة بالسنا والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب) . رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي. وعن ابن عباس، ﵁ قال: (قال رجل: يا رسول الله، إني أقف الموقف أُريد وجهَ الله وأريد أن ترى موطني فلم يرد عليه رسول الله ﵌ شيئاً

стр. 63

حتى نزلت (فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَل عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ

стр. 64

أَحَداً) . رواه الحاكم وصحح. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (من سمّع الناس بعلمه سمّع اللهُُ به سامع خلقه يوم القيامة وصغره وحقَّره) . رواه الطبراني والبيهقي. وعن كعب بن مالك، عنه ﵌: (من ابتغى العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء، أو تُقبل أفئدة الناس إليه فإلى النار) . رواه الحاكم والبيهقي.

стр. 65

وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (من سمّع سمّع اللهُ به، ومن يرائي يرائي الله به) . رواه البخاري ومسلم. وعن شداد بن أوس أنه سمع النبي ﵌ يقول: (من صام فراءى فقد أشرك، ومن صلّى فراءى فقد أشرك، ومن تصدق فراءى فقد أشرك) . رواه البيهقي. وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى المسجد فوجد معاذاً عند قبر النبي ﵌، يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال حديث سمعته من رسول الله ﵌ يقول: (اليسير من الرياء شركٌ) . رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي.

стр. 66

وعن محمود بن لبيد أن رسول الله ﵌، قال: إن (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله. قال: الرياء. يقول اللهُ إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً) . رواه أحمد والبيهقي وابن أبي الدنيا. وفي سماع محمود من أبيه اختلاف. وعن أبي هريرة ﵁، عنه ﵌ قال: (قال الله : أنا أغنى الشركاء فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك) . رواه ابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي.

стр. 67

وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﵌: (إن الإبقاء على العمل أشدُّ من العمل، وإن الرجل ليعمل العمل فيكتب لهُ صالحٌ معمولٌ به في السر يُضعف أجره سبعين ضعيفاً، فلا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس ويعلنه فيكتب علانية فيمحى بضعف أجره كُله، ثم لا يزال به الشيطان حتى يذكره للناس الثانية ويحب أن يذكر به ويحمد عليه فيمحى من العلانية ويكتب رياءً فاتقى الله امرؤٌ صان دينهُ، وإن الرياء شركٌ) . رواه البيهقي. وقد قيل إن موقوف؛ والأحاديث في المعنى كثيرة. وحسبك أن العالم والمقتول والمنفق ماله مع عدم الإخلاص أول من تسعر بهم النار.

стр. 68

التقوى وأما التقوى فهي مصدر، والمتقي اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتقى. وفي الشريعة: الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك. وعن ابن عباس، ﵄ في قوله تعالى: (هُدىً للمُتَّقينَ) قال: (هم الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى أو يرجون رحمته في التصديق بما جاء منه) . وقال أبو هريرة ﵁ لما سئل ما التقوى؟ قال: هل وجدت طريقاً ذا شوكٍ؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيتُ الشوك عدلت أو جاوزته أو قصّرت عنه قال: ذاك التقوى. وقال أبو الدرداء: تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال الذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلالٌ خشية أن يكون حراماً يكون حجاباً بينه وبين الحرام. ولو لم يكن في هذا الباب إلا قول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذو

стр. 69

الفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) . وأخرج أحمد والترمذي وحسّنه ابن ماجه والحاكم عن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﵌: (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس بهذ حذراً لما به بأسُ) . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى ههنا، التقوى ههنا، ويشير إلى صدره، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ: دمه وعرضه وماله) . رواه البخاري ومسلم.

стр. 70

وأخرج ابن ماجه بإسناد صحيح، والبيهقي أنه سئل رسول الله ﵌ عن أفضل الناس فقال: (التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غلَّ ولا حسد) . وعن ابن عباس، ﵄، عنه ﵌: (من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتقِ اللهَ) . رواه الحاكم والبيهقي والطبراني وأبو نعيم. وعن جابر قال: (نزلت هذه الآية: (وَمَنْ يَّتِّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ) في رجلٍ من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد، كثير العيال، فأتى رسول الله ﷺ فسأله فقال: (اتق الله واصبر، فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابنٌ لهُ

стр. 71

بغنمٍ كان العدوُّ أصابوه فأتى رسول الله ﷺ فسأله عنها وأخبره خبرها فقال: كلها فنزلت) . رواه الحاكم. وعن أبي ذر ﵁، قال: (جعل رسول الله ﵌ يتلو هذه الآية: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) فجعل يرددها حتى تعب فقال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم) . رواه الحاكم والبيهقي وابن مردويه. قال البيضاوي: والتقوى على ثلاث مراتب: الأولى: التقوى عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك، وعليه قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) . والثانية: التجنب من كل مأثم من فعل أو ترك حتى الصغائر، وهو

стр. 72

المعني بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمنُوا وَاتَّقَوْا) . والثالثة: أن يتنّزه عما يشغل سره عن الحق، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) . انتهى. اليقين وأما اليقين فهو في اللغة: زوال الشك، والمراد الإيقان بالله تعالى، وإزاحة الشك فيه، فلا إيمان إلا به، ومن شك فلا إيمان له. وهذا يكفي. الصبر وأما الصبر فهو في اللغة نقيض الجزع؛ وقال الشريف في التعريفات: هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلى الله. انتهى. وهو ضروري وغير ضروري قال الشاعر:

стр. 73

أرى الصَّبْرُ مَحْمُوداً وَعَنْهُ مَذاهِبٌفَكَيْفَ إِذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ هُناكَ يَحقُّ الصَّبْرُ وَالصَّبْرُ وَاجِبٌ ... وَمَا كانَ مِنهُ لِلضَّرورَةِ أَوْجَبُ واعلم أن الصبر في كتاب الله تعالى مذكور في مواضع كثيرة فوق السبعين لو لم يكن منها غلا قوله تعالى: (وَاسْتَعينوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلى الخاشِعينَ) ، وقوله (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا اسْتَعينوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ) وقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الّذِينَ إّذا أَصابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قالوا إنّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَّبِّهمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدونَ) ، وقال بعد ذلك: (وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) إلى قوله: (وَالصَّابِرينَ في البَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقوا وأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقونَ) وقوله تعالى: (إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) وقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ

стр. 74

لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتها الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ العامِلينَ الَّذين صَبَروا وَعَلى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلونَ) وقوله بعد (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذينَ جَاهَدوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرينَ) . وعن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله ﵌: (من يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يصبر يصبّرهُ الله وما أُعطي أحدٌ من عطاءٍ خيرٌ وأوسعُ من الصبر) . رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس، ﵄، عنه ﵌: (تعّرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) . الحديث، وفيه:

стр. 75

(قد جف القلم عما هو كائن، فلو أن قلوب الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يقضه اللهُ لك لم يقدروا عليه أو أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه. واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. واعلم ان النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) . رواه أحمد والطبراني. وعن صهيب ﵁ قال: قال النبي ﵌: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءٌ شكر وكان له خيرٌ، وإن أصابته ضرّاء صبر وكان له خيرٌ) . رواه أحمد ومسلم.
следующие страницы →