Полный текст (121 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
بغنمٍ كان العدوُّ أصابوه فأتى رسول الله ﷺ فسأله عنها وأخبره خبرها فقال: كلها فنزلت) .
رواه الحاكم.
وعن أبي ذر ﵁، قال: (جعل رسول الله ﵌ يتلو هذه الآية: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) فجعل يرددها حتى تعب فقال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم) .
رواه الحاكم والبيهقي وابن مردويه.
قال البيضاوي: والتقوى على ثلاث مراتب: الأولى: التقوى عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك، وعليه قوله تعالى: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) .
والثانية: التجنب من كل مأثم من فعل أو ترك حتى الصغائر، وهو
стр. 72
المعني بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمنُوا وَاتَّقَوْا) .
والثالثة: أن يتنّزه عما يشغل سره عن الحق، وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) . انتهى.
اليقين
وأما اليقين فهو في اللغة: زوال الشك، والمراد الإيقان بالله تعالى، وإزاحة الشك فيه، فلا إيمان إلا به، ومن شك فلا إيمان له. وهذا يكفي.
الصبر
وأما الصبر فهو في اللغة نقيض الجزع؛ وقال الشريف في التعريفات: هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله إلى الله. انتهى. وهو ضروري وغير ضروري قال الشاعر:
стр. 73
أرى الصَّبْرُ مَحْمُوداً وَعَنْهُ مَذاهِبٌفَكَيْفَ إِذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ
هُناكَ يَحقُّ الصَّبْرُ وَالصَّبْرُ وَاجِبٌ ... وَمَا كانَ مِنهُ لِلضَّرورَةِ أَوْجَبُ
واعلم أن الصبر في كتاب الله تعالى مذكور في مواضع كثيرة فوق السبعين لو لم يكن منها غلا قوله تعالى: (وَاسْتَعينوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلى الخاشِعينَ) ، وقوله (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنوا اسْتَعينوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرينَ) وقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوالِ وَالأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الّذِينَ إّذا أَصابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قالوا إنّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَّبِّهمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدونَ) ، وقال بعد ذلك: (وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) إلى قوله: (وَالصَّابِرينَ في البَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقوا وأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقونَ) وقوله تعالى: (إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) وقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ
стр. 74
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتها الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ العامِلينَ الَّذين صَبَروا وَعَلى رَبِّهمْ يَتَوَكَّلونَ) وقوله بعد (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذينَ جَاهَدوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرينَ) .
وعن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: قال رسول الله ﵌: (من يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يصبر يصبّرهُ الله وما أُعطي أحدٌ من عطاءٍ خيرٌ وأوسعُ من الصبر) .
رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن عباس، ﵄، عنه ﵌: (تعّرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) .
الحديث، وفيه:
стр. 75
(قد جف القلم عما هو كائن، فلو أن قلوب الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يقضه اللهُ لك لم يقدروا عليه أو أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يقضه الله عليك لم يقدروا عليه. واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. واعلم ان النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) .
رواه أحمد والطبراني.
وعن صهيب ﵁ قال: قال النبي ﵌: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءٌ شكر وكان له خيرٌ، وإن أصابته ضرّاء صبر وكان له خيرٌ) . رواه أحمد ومسلم.
стр. 76
وعن أبي ذر قال قال رسول الله ﵌: (إن الله يحب الرجل له الجار السوء يؤذيه فيصبر على أذاه، ويحتسبهُ حتى يكفيه الله بحياةٍ أو موتٍ) .
رواه الخطيب وابن عساكر.
وعن المقداد عنه ﵌: (إن السعيد لمن جنّب الفتن ومن ابتلي فصبر) .
رواه أبو داود.
وعن معقل بن يسار مرفوعاً بلفظ: (أفضل الإيمان الصبر والسماحة) رواه الديلمي في مسند الفردوس.
وعن أبي الدرداء عن النبي ﵌: (قال الله تعالى لعيسى: يا عيسى إني باعثٌ من بعدك أُمَّهَ إن أصابهم ما يحبّون حمدوا، وإن أصابَهم ما يكرهون
стр. 77
صبروا واحتسبوا ولا حلم ولا علم، فقال: يا ربِّ كيف يكون هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي) .
رواه الطبراني والحاكم والبيهقي.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
(ما من مسلم تصيبه مصيبةٌ فيقول ما أمَرَهُ الله إنا لله وإنا إليه راجعون اللهمَّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً مها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خيرٌ من أبي سلمةَ؟ أول بيتٍ هاجر إلى رسول الله ﵌. ثُمّ إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ .
رواه مسلم.
стр. 78
وعن ابن عباس ﵁ أن امرأة سوداء أتت النبي ﵌ فقالت: (إني أُصرعُ وإني أتكشف فادعُ الله لي، فقال: إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئت دعوتُ الله أن يعافيك، قالتْ: أصبرُ. قالت؛ إني أتكشف فادعُ الله لي أن لا أتكشف فدعا لها) .
رواه مسلم وغيره.
وعن أنس مرفوعاً بلفظ: (ثلاثٌ من كنوز الجنة: إخفاء الصدقة، وكتمان المصيبة وكتمان الشكوى. يقول الله: إذا ابتليتُ عبدي فصبر ولم يشكني إلى عُوّاده أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمهِ فإنْ أبرأته أبرأتهُ ولا ذنبَ له، وإن توفيته فإلى رحمتي) .
رواه الطبراني وأبو نعيم.
стр. 79
وعن غيره، عنه ﵌: (من ابْتُلي فصبرَ، وأُعطي فشكر، وظلم فعفا، وظلمَ فاستغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) رواه أحمد ومسلم.
وعن ابن عباس مرفوعاً بلفظ: (أربعٌ من أعطيهنّ فقد أُعطي خير الدنيا والآخرة: لسانٌ ذاكر، وقلبٌ شاكر، وبدنٌ على البلاء صابرٌ، وزوجةٌ لا تبغيه خوناً في نفسها ولا مالهِ) .
رواه الطبراني والبيهقي في الشعب.
وعن أبي مالك الأشعري، عنه ﵌: (إسباغ الوضوء شطرُ الإيمان، والحمدُ لله تملأُ الميزان، والتكبير يملأُ السمواتِ والأرض، والصلاة نورٌ، والزكاةُ
стр. 80
بُرهان، والصبرُ ضياءٌ، والقرآنُ حجّةٌ لك أو عليك) .
رواه أحمد والنسائي وابن حبان.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (لما نزلت: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقونَ أَمْوَالَهُمْ في سَبيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ) الآية.. قال رسول الله ﵌: رب زد أمتي فنزلت: (مَنْ ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثيرَةً) قال: رب زد أمتي فنزلت: (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ)) .
رواه ابن منذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه وابن مردويه والبيهقي في الشعب.
стр. 81
وأما الرضا
فهو القنوع بالشيء والاكتفاء به. يقال: رضيت بالشيء: قنعت به ولم أطلب غيره. ورضيت بالله رباً: اكتفيت به؛ ورضيت بالقضاءك سلمت له، وهو الذي تتضاءل عنده عظام الأمور، وتتصاغر لديه كبار الشرور، ويطيب به عيش صاحبه، وتهون من الدهر نوائبه، لأن من علم أن ما أتاه من موجده وخالقه ومن هو أرحم به من أبيه وأمه كيف لا يرضى بقضائه، ولا يعلم أن الخير فيما ارتضاه، وهل يعترض مالك العبد في تصرفه بعبده ببيع ونحوه؟ فكيف بتصرف العالم بما كان وما سيكون، والعارف بمصالحه القائل: (وَما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسير. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) والقائل: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلاَّ بإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٍ) .
قال الزمخشري في الآية الأولى: يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدم مكتوب عند الله قل أساكم على الفائت وفرحكم بالآتي، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده، لأنه وطّن نفسه على ذلك، وكذلك إذا علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته لم
стр. 82
يعظم فرحه عند نيله. ثم قال: والمراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغي الملهي عن الشكر؛ فأما الحزن الذي لا يكاد يخلو منه الإنسان مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله والاعتداء بها مع الشكر فلا باس بهما. انتهى.
ومما يدل على هذا قوله ﵌ يوم موت إبراهيم:
(عينٌ تدمع وقلب يخشع ولا نقول إلا ما يُرضي الرّبّ، وإنّا لمحزونون عليك يا إبراهيم) ، هذا ونحوه.
وروي عن ابن مسعود في تفسير الآية الثانية قال: (هي المصائب تُصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيُسلّم لها ويرضى) .
رواه عنه سعيد بن منصور.
стр. 83
وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (يَهْدِ قَلْبَهُ) قال: (يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئهُ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه) .
رواه ابن حريز وابن المنذر.
وعن رجل من بني سليم أن النبي ﵌ قال: (إن الله ليبتلي العبد فيما أعطاه فإن رضي بما قسم له بورك له ووسّعه، وإن لم يرضَ لم يبارك له ولم يُزد على ما كُتِبَ لهُ) .
رواه أحمد والبيهقي وروى الترمذي وابن ماجه عنه ﵌ قال: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخطُ) .
стр. 84
وعن أبي هريرة مرفوعاً: (ثلاثٌ من أُوتيهنَّ فقد أُوتي مثل ما أوتي آل داوُد: العدل في الغضب، والرضى والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله تعالى في السر والعلانية) .
رواه الحكيم الترمذي.
وعن عمران بن حصين، عنه ﵌: (ثلاثٌ يدرك بهن العبد رغائب الدنيا والآخرة، الصبرُ على البلاء، والرضا بالقضاء، والدعاء في الرخاء) .
رواه أبو الشيخ.
وعن معاذ عن النبي ﵌: (ثلاثٌ من كن فيه فهو من الأبدال: الرضا بالقضاء، والصبرُ على محارم الله، والغضب في ذات الله . رواه الديلمي في مسند الفردوس.
стр. 85
وعن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: (اتقل المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تُحبُّ لنفسك تكن مسلماً، ولا تُكثر الضحك فإن كثرة الضحك تُميت القلب) .
رواه أحمد والترمذي والبيهقي.
وعن ابن عمر ﵁ قال قال رسول الله ﵌: (خمسٌ من الإيمان من لم يكن فيه شيء منهن فلا إيمان له: التسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله، والتوكل على الله، والصبر عند الصدمة الأولى) .
رواه البزار.
وعن سعد مرفوعاً بلفظ: (من سعادة ابن آدم استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه مما قضى اللهُ) .
رواه الترمذي والحاكم.
стр. 86
وعن أبي هند الداري قال: (قال الله تعالى: (مَنْ لَمْ يَرْضَ بقَضائي وَلَمْ يَصْبِرْ عَلى بَلائي فَلْيَلْتَمِسْ رَبّاً سِوائي)) .
رواه الطبراني. وللبيهقي عن أنس نحوه، وفيهما ضعف.
وعن ابي أمام، عنه ﵌: (قُلِ اللهمَّ إني أسألك نفساً مطمئنةً تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك) .
رواه الطبراني والضياء.
وأما التوكل فهو تفويض الأمر إلى الله في جميع الأمور.
قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (إِنَّما الْمُؤْمِنونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ
стр. 87
يَتَوَكَّلُونَ) قال: يعني لا يرجون غيره، والآيات في ذكر التوكل كثيرة.
وهو كما قال ابن عباس ﵁ لأنه إذا اتّكل على الله ولم يرجُ سواه لم يخف شيئاً، ولم يحزن على شيء لأنه إذا كان ما يريده مطلوباً فقد رجا من لا يخيب أمله، وإن كان محذوراً فقد التجأ إلى خير حافظ.
وعن عمرو بن العاص ﵁، عنه ﵌: (إن من قلب ابن آدم بكل وادٍ شعبةٌ فمن اتبع قلبه الشعب كلها لم يبال الله بأي وادٍ أهلكهُ، ومن توكل على الله كفاه التشعّب) .
رواه ابن ماجه.
وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (لو توكلتم على الله حقَّ توكّله لرزقكم كما يُرزقُ الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) .
رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
стр. 88
وعن ابن عباس ﵁ مرفوعاً: (من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله) .
رواه ابن أبي الدنيا.
وعن عمران بن حصين ﵁، عنه ﵌: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب. قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: هُمُ الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) .
رواه مسلم وغيره.
стр. 89
قال الهروي في شرح هذا الحديث: واختلف العلماء من السلف والخلف في حقيقة التوكل فحكى الإمام أبو جعفر الطبري عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يستحق اسم التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوفُ غير الله من سبع أو عدوٍّ حتى يترك السعي في طلب الرزق بضمان الله له رزقه واحتجوا بما جاء في ذلك من الآيات.
وقالت طائفة: حدّه الثقة بالله والإيقان بأن قضاءه نافذ واتباع سنة نبيه ﵌ في السعي فيما لا بد منه من المطعم والمشرب والتحرز من العدو، كما فعله الأنبياء صلوات الله عليهم.
قال القاضي عياض: وهذا المذهب هو اختيار الطبري وعامة الفقهاء الأول مذهب بعض المتصوفة وأصحاب علم القلوب والإشارات. وذهب المحققون منهم إلى مذهب الجمهور ولكن لا يصح عندهم اسم التوكل
стр. 90
مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب بل فعل الأسباب سنة الله وحكمه، والثقة بأنه لا يجلب نفعاً ولا يدفع ضراً، والكل من الله تعالى وحده.
وقال أبو القاسم القشيري: اعلم ان التوكل محله القلب، وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما تحقق العبد أن الثقة من الله تعالى، فإن تعسر فتقديره، وإن تيسر فتيسيره.
وقال القشيري: التوكل الاسترسال مع الله على ما يريد.
وقال أبو عثمان الحازمي: التوكل الاكتفاء بالله مع الاعتماد عليه.
وقيل: التوكل أن يستوي الإكثار والتقلل. انتهى كلام الهروي.
وأما التفويض
فقال في النهاية: فوض الأمر تفويضاً: إذا رده عليه وجعله الحاكم فيه. انتهى. فمعناه معنى التوكل، ولذا فسر به هناك.
стр. 91
وأما الزهد
فهو في اللغة: الرغبة. والمراد هنا: الرغبة عن الدنيا حتى يستوي عنده جليلها وحقيرها. وعن سهل بن سعد قال: (جاء رجلٌ إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله دُلنّي على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس قال: ازهد في الدنيا يُحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يُحبك الناس) .
رواه ابن ماجه.
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵌: (إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله يستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الله واتقوا النساء) .
رواه مسلم وغيره.
стр. 92
وعن مستورد - أخو بني فهر - عنه ﵌: (ما الدنيا في الآخرة إلى كما يجعل أحدكم أُصبُعه هذا في اليم، وأشار بالسبابة، فلينظر بما يرجع) .
رواه مسلم.
وعن أبي موسى ﵁، عن النبي ﵌ قال: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى) .
رواه أحمد والحاكم والبيهقي.
стр. 93
وعن أبي مالك الأشعري أنه قال عند موته: يا معشر الأشعريين ليبلغ الشاهد الغائب، إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: (حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة) .
رواه الحاكم.
وعن كعب بن مالك ﵁، عنه ﵌ قال: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) .
رواه الترمذي وصححه.
وعن عمرو بن عوف الأنصاري قال: (لما قدم على النبي ﵌ بجزية البحرين قال: أبشروا وأمِّلوا ما يسرُّكم فوالله ما الفقر أخشر عليكم، ولكن أخشى
стр. 94
أن تبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتلهيكم كما ألهتهم) .
رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﵌: (إن أغبط الناس عندي لمؤمنٌ خفيف الحاذ، ذو حظٍّ من الصلاة أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غائصاً في الناس لا يُشار اليه بالأصابع، وكان رزقه كفافاً فصبر على ذلك، عجلت منيته وقلت بواكيه وقل تراثه) . رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (يا أبا ذرّ قلتُ: لبيك يا رسول الله. قالَ: ما يسرني أن عندي مثل أحدٍ ذهباً تمضي عليه ثالثة، وعندي منهُ
стр. 95
دينارٌ إلا شيء أرصده لدين إلا أن أقول في عباد الله هكذا أو هكذا وهكذا، عن يمينه هكذا أو هكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفِه وقليلٌ ما هُم) .
رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ قال:
(والذي نفسي بيده ما شبع نبيُّ الله ﵌ ثلاثة أيامٍ باعاً من خبز حنطة حتى فارق الدنيا) .
رواه البخاري ومسلم وعن ابن عباس ﵁ قال: (كان رسول الله ﵌ يبيت الليالي المتتابعة وأهلهُ طاوياً لا يجدون عشاءً، وإنما كان أكثر خبزهم خبز الشعير) .
رواه الترمذي.
стр. 96
وعن عائشة ﵂ قالت: (ما شبع آل محمدٍ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبض رسول الله ﵌ .
رواه البخاري.
وعن أنس أن فاطمة ﵂ ناولت النبي ﵌ كِسرة من خبز الشعير فقال: (هذا أوِّل طعامٍ أكَلَهُ أبوكِ منذ ثلاثة أيام) .
رواه أحمد والطبراني.
وعن أبي هريرة قال: (أُتي رسول الله ﵌ يوماً بطعامٍ سُخنٍ فأكل منه، فلما فرغ قال: الحمد لله ما دخل بطني طعام سُخنٌ منذ كذا وكذا) .
رواه ابن ماجه والبيهقي.
стр. 97
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال النبي ﵌: (عرض لي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً قلت: لا يا ربِّ، ولكن أشع يوماً وأجوعُ يوماً أو قال ثلاثاً أو نحو هذا، فإذا جعت تضرّعتُ إليك وذكرتك، وإذا شبعْتُ شكرتك وحمدتك) .
رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (خرج رسول الله ﵌ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير) .
رواه البخاري.
وعن كعب بن عجرة ﵁ قال: (أتيتُ النبيَّ ﵌ قال: فقلت: يا أبي أنت وأمي ما لي أراك متغيراً؟ قال: ما يدخل جوفي ما يدخل جوف ذاتِ كبدٍ مُنذُ ثلاثٍ) .
رواه الطبراني.
стр. 98
وعن سهل بن سعد ﵁ قال: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه اللهُ. فقيل: هل كان لكم في عهد رسول الله ﵌ مناخل؟ قال: ما رأى رسول الله ﵌ منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضهُ فقيل: فكيفَ كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كُنّا نطحنه وننفخه فيطير ما طارَ، وما بقي ثريناه فأكلناهُ) .
رواه البخاري.
وعن عائشة ﵂ قالت: (إن كنا ننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلةٍ في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﵌ نارٌ. قال عروة: يا خالةُ فما كان يعيّشكمْ؟ قالتْ: الأسودان التمر والماء) .
стр. 99
رواه البخاري ومسلم، وفيهما أنه عَصبَ بطنه بعصابة من الجوع، وفيهما أنه كان فراشه ﵌ أدماً حشوة ليفٌ، وفيهما أنه ﵌ توفّي ودرعه مرهونةٌ عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير.
وعن أبي بردة ﵁ أن عائشة ﵂: (أخرجت كساءً مُلبداً وإزاراً غليظاً فقالت: قُبض رسول الله ﵌ في هذين) والملبّد: المُرقّع.
وفي البخاري:
стр. 100
(ما ترك رسول الله ﵌ درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء التي كان تركها وسلاحهُ وأرضاً جعلها لابن السبيل) .
وفي مسلم أن بعض الصحابة (رأى النبي ﵌ وهو في المسجد يتقلبُ من الجوع) .
وعن ابن مسعود قال: (نام رسول الله ﵌ على حصير فقام وقد التزق جنبه قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً فقال: ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرةٍ ثم راح وتركها) .
رواه الترمذي وصححه وابن ماجه.
стр. 101
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (أتت علي ثلاثون يوماً وليلة ما لي ولبلال طعامٌ يأكله ذُو كبدٍ إلا شيءٌ يواريه إبطُ بلال) .
رواه الترمذي.
وفي الصحيحين (أن الصحابة ﵃ أكلوا.. ورق الحبلة، ومنهم من لم يجد ما يُكفى به) ، وأهل الصفة حالهم مشهور. لو تتبعت ذلك طال وإنما القصد التنبيه نسأل الله الهداية.
وأما القناعة
فهي في اللغة: الرضا بالقسم، فمن رضي بما قسم له فقد قنع؛ لأن من تيقن أن ذلك بتقدير الخالق الرازق، وأن ليس في قدره فعند الزيادة عليه طاب عيشه وزال همه وكان كما قيل.
стр. 102
أَمْطِري لُؤلُؤاً جِبالَ سَرَنْدي ... بَ وفيضي آبارَ تَكْرورَ تِبْرا
أَنا إنْ عِشْتُ لَسْتُ أَعْدَمُ قوتاً ... وَإذا مِتُّ لَسْتُ أَعُدَمُ قَبْرا
وما أحسن ما قاله بعض السلف: ثلاث آيات غنيت بهن عن جميع الخلائق الأولى: (وَما مِنْ داَّبةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلى اللهِ رِزْقُهَا) .
الثانية: (ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها) .
الثالثة: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إَلاَّ هُوَ) .
وعند عبد الله بن عمر مرفوعاً بلفظ: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً، وقنّعهُ الله بما آتاه) .
رواه مسلم والترمذي.
وعن فضالة بن عبيد أنه سمع النبي ﵌ يقول: (طوبى لمن هُدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً وقنع) .
رواه الترمذي والحاكم وصححاه.
стр. 103
وعن حكيم بن حزام مرفوعاً بلفظ: (اليد العليا خير من السفلى وابدأ بمن تعول، وخيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفُّه الله، ومن يستغنِ يغنه الله) .
رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁، عنه ﵌: (ليس الغِنى عن كثرة العرض ولكنَّ الغنى غنى النفس) .
رواه البخاري ومسلم.
стр. 104
وعن جابر مرفوعاً: (عليكم بالقناعة فإن القناعة مالٌ لا ينفد) .
رواه الطبراني في الأوسط.
وعن أبي هريرة بلفظ: (خيار المؤمنين القانع، وشرارهم الطامع) .
رواه القضاعي.
وقال ﵌: (إن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يُلمُّ إلا آكلة الخضر ... ) الحديث.
رواه مسلم.
ومعناه أن إنبات الربيع وخضره تقتل حبطاً بالتخمة لكثرة الأكل أو تقارب القتل إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة فإنه لا يضر. وهكذا.
стр. 105
وروي عن علي ﵁ في تفسير قوله تعالى: (وَلَنُحْييَنَّهُ حَيَاةً طَيَّبَةً) أنها القناعة.
وعن عبد الله بن الحصين ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (من أصبح منكم آمناً في سِربه، معافى في بدنه، وعنده قوتُ يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) .
رواه الترمذي وقال: صحيح غريب.
وعن جابر ﵁ مرفوعاً بلفظ: (إياكم والطمع فإنه هو الفقر، وإياكم وما يُعتذر منهُ) .
رواه الطبراني في الأوسط.
стр. 106
وعن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: (ابن آدم عندك ما يكفيك وأنت تطلب ما يُطغيك، ابن آدم لا بقليل تقنعُ ولا من كثير تشبعُ. ابن آدم إذا أصبحت معافى في جسدك، آمناً في سربك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العَفاء) .
رواه البيهقي في الشعب وابن عدي.
وعن سهل بن سعد ﵁، عنه ﵌ قال: (أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئتَ فإنكَ ميّت، وأحبِب مَن أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مُجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّهُ استغناؤه عن الناس) .
رواه الحاكم والبيهقي.
стр. 107
وأما سلامة الصدر فالمراد به عدم الحقد والغل والبغضاء.
عن الزبير بن العوام ﵁، عنه ﵌ قال: (دب إليكم داء الأُمم قبلكم: إلى ... والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفسُ محمدٍ بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم) .
رواه أحمد والترمذي.
ولمسلم عن أبي هريرة قوله: (لا تدخلوا الجنةَ) .
وعن أبي هريرة، عنه ﵌: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويم الخميس فيغفر فيها لكل عبدٍ لا يُشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه
стр. 108
شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا) .
رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
وعن ابن عباس مرفوعاً: (ثلاثٌ من لم يكن فيه فإن الله يغفر له ما سوى ذلك: من مات لا يُشرك بالله شيئاً، وَلم يكن ساحراً يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه) .
رواه البخاري في الأدب والطبراني.
وأما التواضع فهو أن لا يرى لنفسه حقاً.
وعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﵌: (إن الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحدٌ
стр. 109
على أحدٍ، ولا يفخرَ أحدٌ على أحدٍ) .
رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه.
وعن أبي هريرة ﵁، عنه ﵌:
(ما نقصت صدقةٌ من مال وما زاد امُرؤٌ يعفو إلا عزّاً وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله) .
رواه مسلم والترمذي.
وسيأتي تمام الأحاديث فيه في ذم الكبر.
وأما القسم الثاني المنهي عنه فمنه ضد ما تقدم، وهو: عدم صلاح النية، وعدم الإخلاص، وعدم التقوى واليقين، وعدم الصبر، والاستغناء بنفسه عن التوكل على الله، والغل، والحقد.
стр. 110
ومنه الحسد، وهو تمني زوال النعمة.
واعلم أن الحاسد لا يفوز بشيء سوى شديد الوعيد والخسران الذي ليس عليه مزيد مع عدم ضر المحسود بشيء من الأشياء، وهذا لا يرضى به ذو عقل سليم إلا من استخفه الشيطان الرجيم.
وعن أبي هريرة رضي الله، عنه ﵌: (لا يجتمع في جوف عبدٍ مؤمنٍ غُبارٌ في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبدٍ الإيمان والحسد) .
رواه ابن حبان في صحيحه.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (إياكم والحسد فإن الحسد يأكُل الحسنات كما تأكل النار الحطب) .
رواه ابن ماجه، ورواه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة.
следующие страницы →