← Фикх общий

Фикх общий · id 314

الرد المفحم

ناصر الدين الألباني

Полный текст (214 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الرد المفحم على من خالف العلماء وتشدد وتعصب وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها وأوجب ولم يقنع بقولهم: إنه سنة ومستحبة للعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى ط ١ - ١٤٢١ هـ المكتبة الإسلامية - عمان الأردن

стр. 2

مقدمة المؤلف إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره (١) ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا. يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما) أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار

стр. 3

وبعد فلما عزمت على إعادة طبع كتابي " حجاب المرأة المسلمة " - بعد أن مضى عليه عدة سنين وطبع عدة طبعات تصويرا بالأوفست - رأيت أنه لا بد لي من إعادة النظر فيه لعلي ألهم أن أضيف إليه فوائد جديدة علاوة على ما كان توفر لدي منها مع مضي الزمان ووضعت كل شيء منها في نسختي موضعها فيه على مر الأيام وأصحح ما لا بد منه من الأخطاء المطبعية أو الفكرية التي لا يكاد ينجو من مثلها كتاب وعنيت عناية خاصة بمطالعة ما كان تجمع لدي من الكتب والرسائل المؤلفة في هذا العصر حول المرأة - وهي بالعشرات - فوجدت أكثرها قد تتابعت في الرد علي بعضها مباشرة باسم الكتاب ومؤلفه وبعضها على المسألة مباشرة دون التعرض لشخصي وهي التي زعم أحد الدكاترة أنني تفردت بالقول بها دون من قبلي من علماء السلف والخلف ألا وهي: أن وجه المرأة ليس بعورة ولا يجب عليها ستره ولقد رأيت - والله - العجب العجاب من اجتماعهم على القول بالوجوب وتقليد بعضهم لبعض في ذلك وفي طريقة الاستدلال بما لا يصح من الأدلة رواية أو دراية وتأويلهم للنصوص المخالفة لهم من الآثار السلفية والأقوال المشهورة لبعض الأئمة المتبوعين وتجاهلهم لها كأنها لم تكن شيئا مذكورا الأمر الذي جعلني أشعر أنهم جميعا - مع الأسف - قد كتبوا ما كتبوا مستسلمين للعواطف البشرية والاندفاعات الشخصية والتقاليد البلدية وليس استسلاما للأدلة الشرعية لأن ما ذكروه من الأدلة [٦]

стр. 4

- على مذهبهم - هم يعلمون جيدا أنها لم تكن خافية علي لأنهم رأوها في كتابي مع الجواب عنها والاستدلال بما يعارضها وهو أصح عندنا من استدلالاتهم التي تشبثوا بها كما أنهم يعلمون أنني لا أنكر مشروعيته البحوث: ولكن لا بد من الإشارة إلى أهم البحوث التي تناولتها في المقدمة المشار إليها (١) مع تلخيص الكلام فيها قدر الاستطاعة فأقول: البحث الأول: آية الحجاب: (. . . يدنين عليهن من جلابيبهن) [الأحزاب: ٥٩]

стр. 5

١ - يصر المخالفون المتشددون على المرأة - وفي مقدمتهم حمود التويجري حفظه الله - على أن معنى (يدنين) : يغطين وجوههن وهو خلاف معنى أصل هذه الكلمة: " الإدناء " لغة وهو التقريب كما كنت ذكرت ذلك وشرحته في الكتاب (١) - كما سيأتي في محله منه - وبينت أنه ليس نصا في تغطية الوجه وأن على المخالفين أن يأتوا بما يرجح ما ذهبوا إليه وذلك مما لم يفعلوا ولن يستطيعوا أن يفعلوا إلا الطعن على من خالفهم ممن تبع سلف الأمة ومفسريهم وعلماءهم وهذا هو الإمام الراغب الأصبهاني يقول في " المفردات ": (دنا) الدنو: القرب. . . ويقال: دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما

стр. 6

من الآخر " ثم ذكر الآية. وبذلك فسرها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس فيما صح عنه فقال: " تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به " كما سيأتي تخريجه وهذا هو الشيخ التويجري - هدانا الله وإياه - يقول في آخر كتابه المذكور (ص ٢٤٩) : ومن أباح السفور للنساء (يعني سفور الوجه فقط) - واستدل على ذلك بمثل ما استدل به الألباني فقد فتح باب التبرج على مصراعيه وجرأ النساء على ارتكاب الأفعال الذميمة التي تفعلها السافرات الآن كذا قال - أصلحه الله وهداه - فإن هذا التهجم والطعن لا ينالني أنا وحدي بل يصيب أيضا الذين هم قدوتي وسلفي من الصحابة والتابعين والمفسرين والفقهاء وغيرهم - ممن ذكرناهم في الكتاب - كما سيأتي وفي المقدمة المشار إليها أيضا وحسبي منها الآن مثالا واحدا وهو ما جاء في " الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد ابن حنبل " للشيخ علاء الدين المرداوي (١ / ٤٥٢) : الصحيح من المذاهب أن الوجه ليس من العورة ثم ذكر مثله في الكفين وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في " المغني " (١ / ٦٣٧) واستدل لاختياره ينهيه ﷺ المحرمة عن لبس القفازين والنقاب وقال: [٨]

стр. 7

" لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء " وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه " العمدة " (٦٦) فما رأي الشيخ التويجري بهذا النص من هذا الإمام الحنبلي الجليل؟ . أتظنه داعية للسفور أيضا وفاتحا لباب التبرج على مصراعيه و. . .؟ ؟ ألا يخشى الشيخ أن يحيط به وعيد قوله ﷺ : (صحيح) " إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب " أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عن هـ وهو مخرج في " الصحيحة " (٢ / ٥٤٠) ولو أن الشيخ - هداه الله - قدم رأيه للناس ودافع عنه بالأدلة الشرعية الصحيحة لقلنا: مرحبا به أصاب أم أخطأ أما أن يسلط " صارمه " على من خالفه في رأيه ويطعن به حتى على القوارير - التي أمر النبي ﷺ بالرفق بهن - لمجرد أنهن خالفنه واتبعن الصحيح من " مذهبه " الذي أعرض عنه لهوس غلب عليه فهذه مصيبة أخلاقية ومخالفة أخرى مذهبية فقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه (١)

стр. 8

البحث الثاني: يزعم كثير من المخالفين المتشددين: أن (الجلباب) المأمور به في آية الأحزاب هو بمعنى (الحجاب) المذكور في الآية الأخرى: (فاسألوهن من وراء حجاب) [الأحزاب: ٥٣] وهذا خلط عجيب حملهم عليه علمهم بأن الآية الأولى لا دليل فيها على أن الوجه والكفين عورة بخلاف الأخرى فإنها في المرأة وهي في دارها إذ إنها لا تكون عادة متجلببة ولا متخمرة فيها فلا تبرز للسائل خلافا لما يفعل بعضهن اليوم ممن لا أخلاق لهن وقد نبه على هذا الفرق شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في " الفتاوى " (١٥ / ٤٤٨) : فآية الجلابيب في الأردية عند البروز من المساكن وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن قلت: فليس في أي من الآيتين ما يدل على وجوب ستر الوجه والكفين أما الأولى فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها - وليس على وجهها - كما هو مذكور فيما يأتي من الكتاب (ص ٨٣) وعلى هذا كتب اللغة قاطبة ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسيرها: تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به أخرجه أبو داود في " مسائله " (ص ١١٠) وما خالفه إما شاذ أو ضعيف والتفصيل في تلك المقدمة [١٠]

стр. 9

وأما الآية الأخرى فلما ذكرت آنفا ولهذا فقد بدا لي أن أجعل عنوان الكتاب: " جلباب المرأة. . . " لأنه ألصق بموضوع الكتاب كما هو ظاهر. والله تعالى ولي التوفيق البحث الثالث: ومن تناقضهم أنهم - في الوقت الذي يوجبون على المرأة أن تستر وجهها - يجيزون لها أن تكشف عن عينها اليسرى وتسامح بعضهم فقال: بالعينين كلتيهما بناء على بعض الآثار الواهية التي منها حديث ابن عباس الآتي في الكتاب (ص ٨٨) وروي عنه ما يناقضه بلفظ: وإدناء الجلباب أن تقنع وتشده على جبينها وهذا نص قولنا: إنه لا يشمل الوجه. ولذلك كتمه كل المخالفين ولم يتعرضوا له بذكر وهو ضعيف السند لكن له شواهد كما يأتي ولقد صدق من قال: أهل السنة يذكرون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء يذكرون ما لهم ولا يذكرون ما عليهم. ومن ذلك أن الشيخ عبد القادر السندي كتم في رسالته " الحجاب " إحدى علتي أثر ابن عباس الأول وهون من شأن الأخرى (ص ١٩ - ٢٠) واغتر به مؤلف " يا فتاة الإسلام " فصرح (ص ٢٥٢) بصحته وكذا صححه مؤلف " فقه النظر في الإسلام " (ص ٦٥) وأسوأ من ذلك ما فعله المسمى ب (درويش) فيما سماه ب " فصل الخطاب " حيث غير إسناده فجعله في موضعين منه (٤٦ و ٨٢) من رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس. وهو محض افتراء لا أصل له [١١]

стр. 10

من هذه الرواية ولا أدري إذا كان هذا منه عن عمد أو سهو؟ وكنت أود أن أميل إلى الأول منهما لولا أنني رأيت له فرية أخرى (ص ٨٢) لعلي أنبه عليها في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى ويبدو لي أنهم - لشعورهم في قرارة نفوسهم بضعف حجتهم - يلجؤون إلى استعمال الرأي ولغة العواطف - أو ما يشبه الفلسفة - فيقولون: إن أجمل ما في المرأة وجهها فمن غير المعقول أن يجوز لها أن تكشف عنه فقيل لهم: وأجمل ما في الوجه العينان فعموها إذن ومروها أن تسترهما بجلبابها. وقيل لهم على طريق المعارضة: وأجمل ما في الرجل - بالنسبة للمرأة - وجهه فمروا الرجال أيضا - بفلسفتكم هذه - أن يستروا وجوههم أيضا أمام النساء وبخاصة من كان منهم بارع الجمال كما ورد في ترجمة أبي الحسن الواعظ المعروف ب (المصري) : " أنه كان له مجلس يتكلم فيه ويعظ وكان يحضر مجلس وعظه رجال ونساء فكان يجعل على وجهه برقعا تخوفا أن يفتتن به النساء من حسن وجهه ". " تاريخ بغداد " (١٢ / ٧٥ - ٧٦) فماذا يقول فضيلة الشيخ التويجري - ومن يجري وراءه من المتفلسفين - أمشروع ما فعله هذا المصري أم لا؟ مع علمهم بأن النبي ﷺ كان أجمل منه ولم يفعل فعله. فإن قلتم بشرعيته خالفتم سنة نبيكم وضللتم وهذا مما لا نرجوه لكم وإن قلتم بعدمها - كما هو الظن بكم - أصبتم وبطل فلسفتكم ولزمكم الرجوع عنها والاكتفاء في ردكم علي بالأدلة [١٢]

стр. 11

الشرعية إن كانت عندكم فإنها تغنيكم عن زخرف القول وإلا حشرتم أنفسكم في (الآرائيين) كما روى أحمد في " العليل " (٢ / ٢٤٦) عن حماد بن سلمة قال: إن أبا حنيفة استقبل الآثار والسنن يردها برأيه البحث الرابع: الخمار والاعتجار وقوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ذكرنا فيما يأتي من الكتاب (ص ٧٢) أن الخمار: غطاء الرأس فقط دون الوجه واستشهدت على ذلك بكلام بعض العلماء: كابن الأثير وابن كثير فأبى ذلك الشيخ التويجري - ومن تبعه من المذهبيين والمقلدين - وأصر على أنه يشمل الوجه أيضا وكرر ذلك في غير موضع وتشبث في ذلك ببعض الأقوال التي لا تعدو أن تكون من باب زلة عالم أو سبق قلم أو في أحسن الأحوال تفسير مراد وليس تفسير لفظ مما ينبغي الاعتماد عليه في محل النزاع والخلاف (١) وفي الوقت نفسه أعرض عن الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء والأئمة من المفسرين والمحدثين والفقهاء واللغويين المخالفة له وبعضها مما جاء في كتابه هو نفسه ولكنه مر عليها وكتم دلالتها مع الأسف الشديد من ذلك أنه لما ساق آية: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون

стр. 12

نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن. . .) [النور: ٦٠] الآية وتكلم عليها في نحو صفحتين (١٦١ - ١٦٣) بكلام مفيد ولكنه لم يوضح لقرائه ما هو المقصود من النقول التي ذكرها في تفسير: (ثيابهن) بأنها الجلباب ومنها قوله: وقال أبو صالح: تضع الجلباب وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد بن جبير: فلا بأس أن تضع عند غريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق وبهذا صرح جمع من الحنابلة وغيرهم فذكر ابن الجوزي في " زاد المسير " (٦ / ٦٣) عن أبي يعلى - يعني: القاضي الحنبلي - أنه قال: وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال ونحوه في أحكام القرآن للجصاص (٣ / ٣٣٤) وأشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية في " تفسير سور النور " (ص ٥٧) ونقله التويجري (١٦٧) محتجا به وهذا كله يدل على أن هؤلاء الأفاضل من علماء السلف والخلف يرون أن الخمار لا يستر الوجه وإنما الرأس فقط كما هو قولنا ومن يتأمل في بعض أجوبة الشيخ المتكلفة يتأكد من أنه يرى ذلك معنا ولكنه يجادل ويكابر ويتكتم فانظر مثلا جوابه عن حديث جابر الآتي في الكتاب (ص ٦٠) وفيه: " إنه رأى امرأة سفعاء الخدين " [١٤]

стр. 13

فأجاب الشيخ (ص ٢٠٨) باحتمال أن " تلك المرأة كانت من القواعد. . . " يعني: فكشف وجهها مباح كما صرح به الشيخ ابن عثيمين في " رسالته " (ص ٣٢) وأما التويجري فيلغز ويعمي ولا يفصح لقارئه فهل يصح هذا الجواب من الشيخ وهو يصر على أن الخمار يستر الوجه أيضا؟ فاللهم هداك واعلم أن المقصود من ذكر آية (القواعد) هذه إنما هو إقامة الحجة على الشيخ بما تبناه من أقوال العلماء في تفسير: (ثيابهن) منها ب (الجلباب) وأنه يجوز ل (القواعد) أن تظهر بخمارها " بحضرة الرجال الأجانب " يرون وجهها ومعنى ذلك عندهم - والشيخ تبع لهم في ذلك - أن الخمار لغة لا يستر الوجه وهذا وحده يكفي حجة على الشيخ هداه الله تعالى فكيف إذا انضم إلى ذلك ما سيأتي من السنة وأقوال العلماء في كل علم فيكون الشيخ مخالفا لإجماعهم ومتبعا غير سبيلهم؟ أقول هذا لكي أذكر بأن هناك قولا آخر في تفسير: (ثيابهن) - كنت ذكرته في محله من الكتاب - وهو الخمار وهو الأصح عن ابن عباس كما سيأتي (ص ١١٠ - ١١١) وقد كتم الشيخ هذا القول كعادته فيما لا يوافق هواه خلافا لأهل السنة الذين يذكرون ما لهم وما عليهم كما تقدم وإذ قد اختار هو القول الأول وهو (الجلباب) لزمه القول بأن (الخمار) لا يستر الوجه وهو المراد واختار ابن القطان الفاسي في " النظر في أحكام النظر " القول الآخر فقال (ق ٣٥ / ٢) : [١٥]

стр. 14

" الثياب المذكورة هي الخمار والجلباب رخص لها أن تخرج دونهما وتبدو للرجال. . . . وهذا قول ربيعة بن عبد الرحمن. وهذا هو الأظهر فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج. . . " إلى آخر كلامه وهو نفيس جدا ولولا أن المجال لا يتحمل التوسع لنقلته برمته فإني لم أره لغيره وأما مخالفته للسنة فهي كثيرة منها قوله ﷺ : (صحيح) " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " (١) وهو حديث صحيح مخرج في " الإرواء " (١٩٦) برواية جمع منهم ابن خزيمة وابن حبان في " صحيحيهما " (٢)

стр. 15

فهل يقول الشيخ التويجري بأنه يجب على المرأة البالغة أن تستر وجهها في الصلاة؟ ومثله قوله ﷺ في المرأة التي نذرت أن تحج حاسرة: (صحيح) " مروها فلتركب ولتختمر ولتحج " وفي رواية: وتغطي شعرها وهو صحيح أيضا خرجته في " الأحاديث الصحيحة " (٢٩٣٠) فهل يجيز الشيخ للمحرمة أن تضرب بخمارها على وجهها وهو يعلم قوله ﷺ : " لا تنتقب المرأة المحرمة. . . "؟ ومثل ذلك أحاديث المسح على الخمار في الوضوء فعلا منه ﷺ وأمرا رجالا ونساء فمن ذا الذي يقول بقول الشيخ المخالف للقرآن والسنة وأقوال العلماء أيضا كما تقدم في تفسير آية القواعد؟ ولدينا مزيد كما يأتي ومن ذلك قول العلامة الزبيدي في " شرح القاموس " (٣ / ١٨٩) في قول أم سلمة رضي الله عن ها: إنها كانت تمسح على الخمار. أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ٢٢) : أرادت ب (الخمار) : العمامة لأن الرجل يغطي بها رأسه كما أن المرأة تغطيه بخمارها [١٧]

стр. 16

وكذا في " لسان العرب " وفي " المعجم الوسيط " - تأليف لجنة من العلماء تحت إشراف " مجمع اللغة العربية " - ما نصه: (الخمار) : كل ما ستر ومنه خمار المرأة وهو ثوب تغطي به رأسها ومنه العمامة لأن الرجل يغطي بها رأسه ويديرها تحت الحنك فهذه نصوص صريحة من هؤلاء العلماء على أن الخمار بالنسبة للمرأة كالعمامة بالنسبة للرجل فكما أن العمامة عند إطلاقها لا تعني تغطية وجه الرجل فكذلك الخمار عند إطلاقه لا يعني تغطية وجه المرأة به وعلى هذا جري العلماء على اختلاف اختصاصاتهم من: المفسرين والمحدثين والفقهاء واللغويين وغيرهم سلفا وخلفا وقد تيسر لي الوقوف على كلمات أكثر من أربعين واحدا منهم ذكرت نصوصها في البحث المشار إليه في المقدمة وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار أفهؤلاء الأساطين - أيها الشيخ - مخطئون - وهم القوم لا يشقى متبعهم - وأنت المصيب؟

стр. 17

١ - فمن المفسرين: إمامهم ابن جرير الطبري (ت ٣١٠) والبغوي أبو محمد (٥١٦) والزمخشري (٥٣٨) وابن العربي (٥٥٣) وابن تيمية (٧٢٧) وابن حيان الأندلسي (٧٥٤) وغيرهم كثير وكثير ممن ذكرنا هناك [١٨]

стр. 18

٢ - ومن المحدثين: ابن حزم (ت ٤٥٦) والباجي الأندلسي (٤٧٤) وزاد هذا بيانا وردا على مثل الشيخ وتهوره فقال: ولا يظهر منها غير دور وجهها وابن الأثير (ت ٦٠٦) والحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢) ونص كلامه: و (الخمار) للمرأة كالعمامة للرجل وهنا لا بد لي من وقفة - وإن طال الكلام أكثر مما رغبت - لبيان موقف للشيخ التويجري غير مشرف له في استغلاله لخطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة الآتي في الكتاب (ص ٧٨) في نزول آية (الخمر) المتقدمة وبتر من شرح الحافظ نص كلامه المذكور لمخالفته لدعواه فقال الحافظ في شرح قول عائشة في آخر حديثها: " فاختمرن بها " (٨ / ٤٩٠) : أي: غطين وجوههن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيسر وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن باستتار و (خمار) إلى آخر النص فأقول: لقد رد الشيخ في كتابه (ص ٢٢١) قولي الموافق لأهل العلم - كما علمت - بتفسير الحافظ المذكور: " غطين وجوههن " وأضرب عن تمام كلامه الصريح في أنه لا يعني ما فهمه الشيخ لأنه يناقض قوله: [١٩]

стр. 19

" وصفة ذلك. . . " فإن هذا لو طبقه الشيخ في خماره لوجد وجهه مكشوفا غير مغطى ويؤكد ذلك النص الذي بتره الشيخ عمدا أو تقليدا وفيه تشبيه الحافظ خمار المرأة بعمامة الرجل فهل يرى الشيخ أن العمامة أيضا - كالخمار عنده - تغطي الرأس والوجه جميعا؟ وكذلك قوله: " وهو التقنع " ففي كتب اللغة: تقنعت المرأة أي: لبست القناع وهو ما تغطي به المرأة رأسها كما في " المعجم الوسيط " وغيره مثل الحافظ نفسه فقد قال في " الفتح " (٧ / ٢٣٠ و ١٠ / ٢٧٤) : التقنع: تغطية الرأس إنما قلت: أو تقليدا. لأني أربأ بالشيخ أن يعتمد مثل هذا البتر الذي يغير مقصود الكلام فقد وجدت من سبقه إليه من الفضلاء المعاصرين ولكنه انتقل إلى رحمة الله وعفوه فلا أريد مناقشته. عفا الله عنا وعنه وبناء على ما سبق فقوله: " وجوههن " يحتمل أن يكون خطأ من الناسخ أو سبق قلم من المؤلف أراد أن يقول: " صدورهن " فسبقه القلم ويحتمل أن يكون أراد معنى مجازيا أي: ما يحيط بالوجه من باب [٢٠]

стр. 20

المجاورة فقد وجدت في " الفتح " نحوه في موضع آخر منه تحت حديث البراء رضي الله عن هـ: (صحيح) " أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد. . . " الحديث. رواه البخاري وغيره وهو مخرج في " الصحيحة " (٢٩٣٢) فقال الحافظ (٦ / ٢٥) : قوله: مقنع " بفتح القاف والنون المشددة: وهو كناية عن تغطية وجهه بآلة الحرب " فإنه يعني ما جاور الوجه وإلا لم يستطع المشي فضلا عن القتال كما هو ظاهر وبعد هذا فلنعد إلى ما كنا في صدده من ذكر أسماء المحدثين المفسرين للخمار بغطاء الرأس: بدر الدين العيني (ت ٨٥٥) في " عمدة القارئ " (١٩ / ٩٢) وعلي القاري (ت ١٠١٤) والصنعاني (ت ١١٨٢) والشوكاني (ت ١٢٥٠) وأحمد محمد شاكر المصري (ت ١٣٧٧) وغيرهم

стр. 21

٣ - ومن الفقهاء: أبو حنيفة (ت ١٥٠) وتلميذه محمد بن الحسن (ت ١٨٩) في " الموطأ " وستأتي عبارته في (ص ٣٤) والشافعي القرشي (ت ٢٠٤) والعيني (٨٥٥) وتقدم قال في " البناية في شرح الهداية " (٢ / ٥٨) : هو ما تغطي به المرأة رأسها [٢١]

стр. 22

٤ - ومن اللغويين: الراغب الأصبهاني (ت ٥٠٢) قال في كتابه الفريد " المفردات في غريب القرآن " (ص ١٥٩) : (خمر) أصل الخمر: ستر الشيء ويقال لما يستتر به: (خمار) لكن (الخمار) صار في التعارف اسما لما تغطي به المرأة رأسها وجمعه (خمر) قال تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وابن منظور (ت ٧١١) والفيروزآبادي (٨١٦) وجماعة من العلماء المؤلفين ل " المعجم الوسيط " - كما تقدم - مع نصه قولهم الصريح في أنه غطاء الرأس من أجل هذه النقول عن هؤلاء الأئمة الفحول لم يسع الشيخ الفاضل محمد بن صالح بن عثيمين إلا أن يخالف الشيخ في تعصبه لرأيه ويوافق هؤلاء الأئمة فقال في رسالته (ص ٦) : (الخمار) : ما تخمر به المرأة رأسها وتغطيه به ك (الغدفة) (١) قلت: فبهذه الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة التفسير والحديث والفقه واللغة ثبت قولنا: إن الخمار غطاء الرأس وبطل قول الشيخ التويجري ومقلديه كابن خلف الذي زعم (ص ٧٠) من " نظراته ": أن الخمار عام لمسمى الرأس والوجه لغة وشرعا. واغتر به - مع الأسف - أخونا الفاضل محمد بن إسماعيل الإسكندراني فطبع في كتابه " عودة الحجاب " (٣ / ٢٨٥)

стр. 23

عنوانا نصه: " الاختمار لغة يتضمن تغطية الوجه ". ثم لم يأتيا على ذلك بأي دليل سوى البيتين من الشعر كنت سقتها في كتابي (ص ٧٣) مؤيدا قولي هناك: بأنه لا ينافي كون الخمار غطاء الرأس أن يستعمل أحيانا لتغطية الوجه واستدللت على ذلك ببعض الأحاديث فتجاهلوها مع الأسف ولم يحيروا جوابا وأزيد هنا فأقول: قد جاء في قصة جوع النبي ﷺ أن أنسا رضي الله عن هـ قال عن أم سليم: (صحيح) فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه. . . " الحديث أخرجه البخاري (٣٥٧٨) ومسلم (٦ / ١١٨) وغيرهما والشاهد منه واضح وهو أن الخمار الذي تغطي المرأة به رأسها قد استعملته في لف الخبز وتغطيته فهل يقول أحد: إن من معاني الخمار إذا أطلق أنه يغطي الخبز أيضا؟ لا أستبعد أن يقول ذلك أولئك الذين تجرؤوا على مخالفة تلك النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة الدالة على أن (الخمار) غطاء الرأس دون دور وجهها فقال أولئك: ووجهها. لا لشيء إلا لأنه قد استعمل لتغطية الوجه كالجلباب ولو أحيانا وإذا عرفت هذا فمن أخطاء التويجري - ومن لف لفه - قوله بعد تفسيره الخمار بما تبين خطؤه (ص ٢٢١) : [٢٣]

стр. 24

" فالاعتجار مطابق للاختمار في المعنى " فأقول: نعم هو كذلك بالمعنى الصحيح المتقدم للاختمار وأما بمعنى تغطية الوجه عند الإطلاق فهو باطل لغة ولا أريد أن أطيل في نقل الشواهد على ذلك من كلام العلماء وإنما أكتفي هنا على ما قاله الإمام الفيروزآبادي في " قاموسه " والزبيدي في " تاجه " جاعلا كلام الأول بين هلالين قال (٣ / ٣٨٣) : (الاعتجار) : لي الثوب على الرأس من غير إدارة تحت الحنك وفي بعض العبارات: هو (لف العمامة دون التلحي) وروي عن النبي ﷺ أنه دخل مكة يوم الفتح متعجرا بعمامة سوداء " (١) المعنى: أنه لفها على رأسه ولم يلح بها. والمعجر (كمنبر: ثوب تعتجر به) المرأة أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة وهو ثوب تلفه المرأة على استدارة رأسها ثم تجلبب فوقه بجلبابها كالعجار والجمع: المعاجر ومنه أخذ الاعتجار بالمعنى السابق " قلت: وهذا لا ينافي ما احتج به الشيخ التويجري لدعواه بقوله (ص ١٦١) :

стр. 25

" قال ابن الأثير: وفي حديث عبد الله بن عدي بن الخيار: جاء وهو معتجر بعمامته ما يرى وحشي منه إلا عينيه ورجليه. الاعتجار بالعمامة: هو أن يلفها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه. انتهى " قلت: لا ينافي هذا ما تقدم عن العلماء باللغة من الشرح ل (الاعتجار) لأن ما قاله ابن الأثير مصرح به في الحديث: " ما يرى منه إلا عينيه " فهو صفة كاشفة ل (الاعتجار) وليست لازمة له كما لو قال قائل: (جاء مختمرا أو متعمما لا يرى منه إلا عيناه) . فذلك لا يعني عند من يفهم اللغة أن من لوازم الاختمار والتعمم تغطية الوجه إلا العينين. ولذلك لم يزد الحافظ في " الفتح (٧ / ٣٦٩) على قوله: (معتجرا) أي: لاف عمامته على رأسه من غير تحنيك وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس فمن ضم إلى ذلك تغطية الوجه فهو مكابر معاند لما تقدم من الأدلة وعلى ذلك يسقط استدلال الشيخ - ومن قلده - بالأحاديث التي فيها اختمار النساء أو اعتجارهن على دعواه الباطلة شرعا ولغة ويسلم لنا - في الوقت نفسه - استدلالنا بآية (الخمار) وحديث فاطمة الآتي (ص ٦٦) رقم (٥) على أن وجه المرأة ليس بعورة كما سيأتي بيانه هناك. والله المستعان. (انظر حديث عائشة في اختمار النساء المهاجرات فيما [٢٥]

стр. 26

يأتي من الكتاب صفحة ٧٨) البحث الخامس: هل أجمع المسلمون على أن وجه المرأة عورة وأنها تمنع أن تخرج سافرة الوجه؟ ذلك ما ادعاه الشيخ التويجري - هداه الله وقلده فيه بعضهم - يعيد ذلك ويكرره في مواضع كثيرة وفي صفحات عديدة متقاربة من كتابه لا يكل ولا يمل (ص ١٥٦ و ١٩٧ و ٢١٧ و ٢٤٣ و ٢٤٥ و ٢٤٧) يفعل هذا وهو يعلم في قرارة نفسه أن لا إجماع فيه لأنه يمر على الخلاف ولا ينقله وقد ينقله ثم يتجاهله كما سيأتي بيانه قريبا بما لا يدع أي شك في ذلك وكلامه في ذلك مختلف لفظا متفق معنى وحسبي أن أنقل منه نصين فقط طلبا للاختصار: الأول: قوله (ص ١٩٧ و ٢١٧) بالحرف الواحد: وحكى ابن رسلان: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه. نقله الشوكاني عنه في (نيل الأوطار) (١) فأقول: إليك نص ما في " نيل الأوطار " (٦ / ٩٨) - البابي الحلبي) تحت حديث عائشة:

стр. 27

" يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه " (١) : فيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزمها ستر وجهها في طريقها وعلى الرجال غض البصر للآية. وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة قلت: يشير إلى بحث له في الباب الذي قبل حديث عائشة المذكور آنفا شرح فيه آية: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) [النور: ٣١] ونقل تحتها تفسير الزمخشري للزينة فيها ومنه قوله: فما كان ظاهرا منها كالخاتم والكحل والخضاب فلا بأس بإبدائه للأجانب ثم قال الشوكاني عقبه: والحاصل: أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه

стр. 28

بطلان الإجماع الذي ادعاه: فأقول وبالله وحده أستعين: لم ينطق بكلمة " الإجماع " في هذه المسألة أحد من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي إلا هذا الشيخ وما حمله على ذلك إلا شدته وتعصبه لرأيه وإغماضه لعينيه عن كل ما يخالفه من النصوص فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات ولو كان في وقتي متسع لألفت رسالة خاصة أرد فيها ما تيسر لي من أقوالهم في هذه المسألة ولكن لا بد لي من أن أنقل هنا بعضها مما يدل على بطلان الإجماع الذي ادعاه فأقول: الأول: قال ابن حزم في كتابه " مراتب الإجماع " (ص ٢٩) ما نصه: واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويديها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا؟ وأقره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى الثاني: قال ابن هبيرة الحنبلي في " الإفصاح " (١ / ١١٨ - حلب) : واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك [٢٩] والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها. وهو قول أحمد في إحدى روايتيه والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها. كما يأتي مع بيان رد ابن عبد البر لها قريبا الثالث: جاء في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " تأليف لجنة من العلماء منهم الجزيري في بحث حد عورة المرأة (١ / ١٦٧ - الطبعة الثانية) : أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين فإنهما ليسا بعورة (١) فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة " ثم استثنى من ذلك مذهب الشافعية وفيه نظر ظاهر لما تقدم في " الإفصاح " وغيره مما تقدم ويأتي الرابع: قال ابن عبد البر في " التمهيد " (٦ / ٣٦٤) - وقد ذكر أن المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين وأنه قول الأئمة وأصحابهم وقول الأوزاعي وأبي ثور -: [٣٠]

стр. 29

" على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث: كل شيء من المرأة حتى ظفرها " ثم قال ابن عبد البر: هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر الأرض به وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة (١) وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك عورة وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة وقد روي نحو قول أبي بكر هذا عن أحمد بن حنبل (٢)

стр. 30

قلت: وقد كنت نقلت فيما يأتي من الكتاب (ص ٨٩) عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على أن وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله وأ

стр. 31

٣٣٣٣ - نه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟ وإذا كان الإمام أحمد يقول فيما صح عنه: " من ادعى الإجماع فهو كاذب وما يدريه لعل الناس اختلفوا؟ ". إذا كان هذا قوله فيمن لا يدري الخلاف فماذا كان يقول يا ترى فيمن يدري الخلاف ثم يدعي الإجماع؟ فإن قيل: فمن أين يكون له أن الشيخ يعلم الخلاف المذكور ومع ذلك فهو يتجاهله ويكابر؟ فأقول: علمت ذلك من كتابه الذي رد عليه ثانيا أما الأول فإنه نقل (ص ١٥٧) عن الحافظ ابن كثير: أن الجمهور فسر آية الزينة بالوجه والكفين أعاد ذلك (ص ٢٣٤) وأما الآخر فقد ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي ومنهم ابن بطال (١) الذي نقلت عنه فيما يأتي في الكتاب (ص ٦٣) أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا

стр. 32

تأويل الشيخ لكلام العلماء وتعطيله إياه: فتجاهل الشيخ ذلك كله ولم يتعرض له بجواب اللهم إلا جوابه الذي يؤكد لكل القراء أنه مكابر عنيد وهو قوله (ص ٢٣٦) : إن المذهب الذي نسبه الألباني لأكثر العلماء - ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه - إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليست بحضرة الرجال الأجانب وقلده في هذا القول جمع ممن يمشي في ركابه كابن خلف في " نظارته " وأخيرا محمد بن إسماعيل الإسكندراني في " عودة الحجاب " (٣ / ٢٢٨) وغيرهما كثير والله المستعان ونظرة سريعة في قول ابن بطال المذكور يكفي في إبطال جواب الشيخ هداه الله وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشيخ خريت ماهر - ولا فخر - في تضليل قرائه وصرفهم عن الاستفادة من أقوال علمائهم بتأويله إياها وإبطال دلالاتها الصريحة تماما كما يفعل أهل الأهواء بتعطيلهم لنصوص الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المتعلقة بالأسماء والصفات الإلهية وهذا شيء يعرفه الشيخ منهم فيبدو أنه قد سرت عدواهم إليه - حفظه الله - ولو في مجال الأحكام هداه الله وتأكيدا لهذا الذي ذكرت لا يسعني هنا إلا أن أذكر مذاهب الأئمة الذين افترى الشيخ عليهم بتأويله لكلامهم على خلاف مرادهم فأقول: [٣٣]

стр. 33

أولا: مذهب أبي حنيفة: قال الإمام محمد بن الحسن في " الموطأ " (ص ٢٠٥ بشرح التعليق الممجد - هندية) : ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتستدل الثوب سدلا من فوق خمارها. وهو قول أبي حنيفة والعمامة من فقهائنا وقال أبو جعفر الطحاوي في " شرح المعاني " (٢ / ٣٩٢ - ٣٩٣) : أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمه الله تعالى ثانيا: مذهب مالك " روى عنه صاحبه عبد الرحمن ابن القاسم المصري في " المدونة " (٢ / ٢٢١) نحو قول الإمام محمد في المحرمة إذا أرادت أن تسدل على وجهها وزاد في البيان فقال: فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل ونقله ابن عبد البر في " التمهيد " (١٥ / ١١١) وارتضاه وقال بعد أن ذكر تفسير ابن عباس وابن عمر لآية: (إلا ما ظهر منها) [٣٤]

стр. 34

بالوجه والكفين (٦ / ٣٦٩) : وعلى قول ابن عباس وابن عمر الفقهاء في هذا الباب. (قال:) فهذا ما جاء في المرأة وحكمها في الاستتار في صلاتها وغير صلاتها تأمل قوله: " وغير صلاتها " وفي " الموطأ " رواية يحيى (٢ / ٩٣٥) : سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ قال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله قال الباجي في " المنتقى شرح الموطأ " (٧ / ٢٥٢) عقب هذا النص: يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها ثالثا: مذهب الشافعي: قال في كتابه " الأم " (٢ / ١٨٥) : المحرمة لا تخمر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي وقال البغوي في " شرح السنة " (٩ / ٢٣) : فإن كانت أجنبية حرة فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز [٣٥] له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين وعليه غض البصر عن النظر إلى وجهها ويديها أيضا عند خوف الفتنة فهل هذه النصوص - أيها الشيخ - في الصلاة؟ رابعا: مذهب أحمد: روى ابن صالح في " مسائله " (١ / ٣١٩) عنه قال: المحرمة لا تخمر وجهها ولا تنتقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها قلت: فقوله: " ليس به بأس " يدل على جواز السدل فبطل قول الشيخ بوجوبه كم بطل تقييده للرواية الأخرى عن الإمام الموافقة لقول الأئمة الثلاثة بأن وجهها وكفيها ليسا بعورة كما تقدم في كلام ابن هبيرة وقد أقرها ابن تيمية في " الفتاوى " (١٥ / ٣٧١) وهو الصحيح من مذهبه كما تقدم عن " الإنصاف " وهو اختيار ابن قدامة كما تقدم في " البحث الأول " وعلل ذلك بقوله: لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما بالنقاب لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء ومثل هذا التعليل ذكر في كثير من الكتب الفقهية وغيرها ك " البحر الرائق " لابن نجيم المصري (١ / ٢٨٤) وتقدم نحوه عن الشوكاني في أول هذا " البحث الخامس " (٢٧) [٣٦]

стр. 35

ومما سبق يتبن للقراء الكرام أن أقوال الأئمة الأربعة متفقة على تخيير المرأة المحرمة في السدل على وجهها وعدم إيجاب ذلك عليها خلافا للمتشددين والمقلدين هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد دل قول مالك في " الموطأ " وقول ابن عبد البر: " وغير صلاتها " على بطلان تأويل التويجري المذكور وكذلك تخيير الأئمة المحرمات بالسدل لأن ذلك خارج الصلاة فأريد الآن أن أبين لقرائنا الأفاضل علما كتمه المذكورون - أو جهلوه وأحلاهما مر - أن سلف الأئمة رحمهم الله تعالى - فيما سبق - أم المؤمنين عائشة رضي الله عن ها قولا وفعلا أما القول: فهو: (صحيح) " المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع لا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت " (١) أخرجه البيهقي في " سننه " (٥ / ٤٧) بسند صحيح وعزاه إليه الحافظ

стр. 36

في " الفتح " (٤ / ٥٢ - ٥٣) ساكتا عليه فهو ثابت عنده فهو شاهد قوي لحديثها المتقدم في هذا " البحث الخامس " صفحة (٢٧ - ٢٨) : " يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض. . . ". وكذلك يشهد له حديثها الآتي وأما الفعل فهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت: (صحيح) " فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلة الراحلة (١) قلت له: وهل ترى من أحد. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٣٤) والنسائي في " السنن الكبرى " (٢ / ٢٢٣ - المصورة) والطيالسي أيضا في " مسنده " (١٥٦١) لكن بلفظ: فجعلت أحسر عن خماري فتناولني بشيء من يده فسقط منه قولها: " عنقي " ورواية مسلم أصح سندا وأرجح متنا كما بينته في " المقدمة " ولذلك لم يعزه الشيخ إلى مسلم وتبعه على ذلك بعض المقلدة - كالمدعو درويش في " فصله " (ص ٤٣) - لأنها حجة عليهم من جهة أن الخمار لا يغطي الوجه لغة كما تقدم وكونها معتمرة

стр. 37

فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفا فتغطيتها لوجهها بالسدل - كما في بعض الروايات - فعل منها نقول به ولكن لا يدل على الوجوب خلافا لزعم المخالفين قلت: فبطل بهذا البيان تأويل الشيخ المذكور لمخالفته أقوال أئمة الفقه المصرحة بجواز الكشف عن الوجه في الصلاة وخارجها بحضرة الرجال ولتعليل بعضهم الجواز بحاجة المرأة إلى البيع والشراء والأخذ والإعطاء وبجواز المؤاكلة أيضا وكل هذه الأقوال يحملها الشيخ على الصلاة وليس بحضرة الرجال فما أبطله من تأويل بل تعطيل. فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم إن مما يؤكد جهل الشيخ بالفقه وأقوال الفقهاء - أو على الأقل تجاهله وتحامله علي وبطره للحق - أن من مراجع كتابه (ص ١٠٩) ابن مفلح في " الآداب الشرعية " وابن مفلح هذا من كبار علماء الحنابلة في القرن الثامن ومن تلامذة ابن تيمية وكان يقول له: " ما أنت ابن مفلح بل أنت مفلح ". وقال ابن القيم فيه: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح (١) إذا عرفت هذا فقد قال المفلح هذا في كتابه المذكور " الآداب الشرعية " (١ / ٣١٦) ما نصه:

стр. 38

" هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟ ينبني [الجواب] على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ في المسألة قولان قال القاضي عياض في حديث جابر رضي الله عن هـ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة ومستحبة لها (١) ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محي الدين النووي ولم يزد عليه " يعني: في " شرح مسلم " قبيل (كتاب السلام) وأقره ثم ذكر المفلح قول ابن تيمية الذي يعتمد عليه التويجري في كتابه (ص ١٧٠) وتجاهل أقوال جمهور العلماء وقول القاضي عياض الذي نقله المفلح وارتضاه تبعا للنووي. ثم قال المفلح: فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة. فلا ينبغي الإنكار

стр. 39

قلت: هذا ما قاله هذا الإمام الحنبلي قبل ستة قرون (ت ٧٦٣) تبعا لمن اقتديت بهم من الأئمة السالفين أفلا يعلم الشيخ ومن ضل به - هداهم الله - أنهم ﵏ ينالهم القدح الذي وجهه إلي في آخر كتابه - كما تقدم - وهو قوله: ومن أباح السفور للنساء واستدل على ذلك بمثل ما استدل به الألباني فقد فتح باب التبرج على مصراعيه إلى آخر هرائه هداه الله البحث السادس: تعطيلهم الأحاديث الصحيحة المخالفة لهم قد جاءت أحاديث كثيرة في كشف النساء لوجوههن وأيديهن - كما سيأتي في الكتاب - يبلغ مجموعها مبلغ التواتر المعنوي عند أهل العلم فلا جرم عمل بها جمهور العلماء ولكن المقلدين المتعصبين قد سلطوا عليها أيضا معاول التخريب والتهديم بتأويلها وتعطيلها وإبطال معانيها ودلالاتها الظاهرة البينة كما فعلوا بأقوال الأئمة كما عرفت آنفا ولا يتسع المجال هنا لمناقشتهم في كل تأويلاتهم فإنها لكثرتها تتطلب تأليف رسالة خاصة بها لسرد الأحاديث وأقوالهم في تأويلها ثم الرد عليها فلا أقل من ذكر بعض النماذج منها فإنها تغني القارئ المنصف عن الباقي الحديث الأول: وهو الثاني في الكتاب (ص ٦١ - ٦٢) حديث الخثعمية وفيه أنها كانت حسناء وضيئة وفيه: " فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها " [٤١]

стр. 40

فأقول: اضطرب الشيخ ومقلدوه أو موافقوه في الانفصال من دلالة الحديث الصريح على وجوه: فتارة يقول (ص ٢٠٨) : ليس فيه أن المرأة كانت سافرة بوجهها فيحتمل أن ابن عباس أراد حسن قوامها وقدها ووضاءة ما ظهر من أطرافها وهذا كلام ينقض أوله آخره وآخره أوله فإن " أطرافها " هي اليدان والرجلان والرأس - كما هو معلوم في اللغة - وعليه فما نفاه في أوله أثبته في آخره ولكن بطريقة اللف والدوران - مع الأسف - فإن " أطرافها " تشمل الوجه لغة ففي " القاموس ": الأطراف من البدن: اليدان والرجلان والرأس فهل جهل الشيخ هذه الحقيقة اللغوية - كما هو شأنه في تفسيره ل (الجلباب) و (الخمار) و (الاعتجار) - أم تناسا ها تمويها وتضليلا؟ فإن كان الأول فهل جهل قوله ﷺ : (صحيح) " إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهه وكفاه. . . " الحديث (١) أم تناساه أيضا؟ وسواه كان هذا أو ذاك فأحلاهما مر وسيأتي قريبا (ص ٤٤) ما يدل على أنه فعل ذلك تمويها فإنه هناك: " أطراف يديها "
следующие страницы →