في " الفتح " (٤ / ٥٢ - ٥٣) ساكتا عليه فهو ثابت عنده فهو شاهد قوي لحديثها المتقدم في هذا " البحث الخامس " صفحة (٢٧ - ٢٨) : " يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض. . . ". وكذلك يشهد له حديثها الآتي
وأما الفعل فهو ما جاء في حديث عمرتها من التنعيم مع أخيها عبد الرحمن قالت:
(صحيح) " فأردفني خلفه على جمل له قالت: فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي فيضرب رجلي بعلة الراحلة (١) قلت له: وهل ترى من أحد. . . "
أخرجه مسلم (٤ / ٣٤) والنسائي في " السنن الكبرى " (٢ / ٢٢٣ - المصورة) والطيالسي أيضا في " مسنده " (١٥٦١) لكن بلفظ:
فجعلت أحسر عن خماري فتناولني بشيء من يده
فسقط منه قولها: " عنقي " ورواية مسلم أصح سندا وأرجح متنا كما بينته في " المقدمة " ولذلك لم يعزه الشيخ إلى مسلم وتبعه على ذلك بعض المقلدة - كالمدعو درويش في " فصله " (ص ٤٣) - لأنها حجة عليهم من جهة أن الخمار لا يغطي الوجه لغة كما تقدم وكونها معتمرة
стр. 37
فلا يجوز لها أن تلثم به كما قالت آنفا فتغطيتها لوجهها بالسدل - كما في بعض الروايات - فعل منها نقول به ولكن لا يدل على الوجوب خلافا لزعم المخالفين
قلت: فبطل بهذا البيان تأويل الشيخ المذكور لمخالفته أقوال أئمة الفقه المصرحة بجواز الكشف عن الوجه في الصلاة وخارجها بحضرة الرجال ولتعليل بعضهم الجواز بحاجة المرأة إلى البيع والشراء والأخذ والإعطاء وبجواز المؤاكلة أيضا وكل هذه الأقوال يحملها الشيخ على الصلاة وليس بحضرة الرجال فما أبطله من تأويل بل تعطيل. فإنا لله وإنا إليه راجعون
ثم إن مما يؤكد جهل الشيخ بالفقه وأقوال الفقهاء - أو على الأقل تجاهله وتحامله علي وبطره للحق - أن من مراجع كتابه (ص ١٠٩) ابن مفلح في " الآداب الشرعية " وابن مفلح هذا من كبار علماء الحنابلة في القرن الثامن ومن تلامذة ابن تيمية وكان يقول له: " ما أنت ابن مفلح بل أنت مفلح ". وقال ابن القيم فيه:
ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح
(١)
إذا عرفت هذا فقد قال المفلح هذا في كتابه المذكور " الآداب الشرعية " (١ / ٣١٦)
ما نصه:
стр. 38
" هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن في الطريق؟
ينبني [الجواب] على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها أو يجب غض النظر عنها؟ في المسألة قولان قال القاضي عياض في حديث جابر رضي الله عن هـ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. رواه مسلم. قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة ومستحبة لها (١) ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي. ذكره الشيخ محي الدين النووي ولم يزد عليه "
يعني: في " شرح مسلم " قبيل (كتاب السلام) وأقره
ثم ذكر المفلح قول ابن تيمية الذي يعتمد عليه التويجري في كتابه (ص ١٧٠) وتجاهل أقوال جمهور العلماء وقول القاضي عياض الذي نقله المفلح وارتضاه تبعا للنووي. ثم قال المفلح:
فعلى هذا هل يشرع الإنكار؟ ينبني على الإنكار في مسائل الخلاف وقد تقدم الكلام فيه فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم: إن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة. فلا ينبغي الإنكار
стр. 39
قلت: هذا ما قاله هذا الإمام الحنبلي قبل ستة قرون (ت ٧٦٣) تبعا لمن اقتديت بهم من الأئمة السالفين أفلا يعلم الشيخ ومن ضل به - هداهم الله - أنهم ﵏ ينالهم القدح الذي وجهه إلي في آخر كتابه - كما تقدم - وهو قوله:
ومن أباح السفور للنساء واستدل على ذلك بمثل ما استدل به الألباني فقد فتح باب التبرج على مصراعيه
إلى آخر هرائه هداه الله
البحث السادس: تعطيلهم الأحاديث الصحيحة المخالفة لهم
قد جاءت أحاديث كثيرة في كشف النساء لوجوههن وأيديهن - كما سيأتي في الكتاب - يبلغ مجموعها مبلغ التواتر المعنوي عند أهل العلم فلا جرم عمل بها جمهور العلماء ولكن المقلدين المتعصبين قد سلطوا عليها أيضا معاول التخريب والتهديم بتأويلها وتعطيلها وإبطال معانيها ودلالاتها الظاهرة البينة كما فعلوا بأقوال الأئمة كما عرفت آنفا ولا يتسع المجال هنا لمناقشتهم في كل تأويلاتهم فإنها لكثرتها تتطلب تأليف رسالة خاصة بها لسرد الأحاديث وأقوالهم في تأويلها ثم الرد عليها فلا أقل من ذكر بعض النماذج منها فإنها تغني القارئ المنصف عن الباقي
الحديث الأول: وهو الثاني في الكتاب (ص ٦١ - ٦٢) حديث الخثعمية وفيه أنها كانت حسناء وضيئة وفيه: " فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها "
[٤١]
стр. 40
فأقول: اضطرب الشيخ ومقلدوه أو موافقوه في الانفصال من دلالة الحديث الصريح على وجوه:
فتارة يقول (ص ٢٠٨) :
ليس فيه أن المرأة كانت سافرة بوجهها فيحتمل أن ابن عباس أراد حسن قوامها وقدها ووضاءة ما ظهر من أطرافها
وهذا كلام ينقض أوله آخره وآخره أوله فإن " أطرافها " هي اليدان والرجلان والرأس - كما هو معلوم في اللغة - وعليه فما نفاه في أوله أثبته في آخره ولكن بطريقة اللف والدوران - مع الأسف - فإن " أطرافها " تشمل الوجه لغة ففي " القاموس ":
الأطراف من البدن: اليدان والرجلان والرأس
فهل جهل الشيخ هذه الحقيقة اللغوية - كما هو شأنه في تفسيره ل (الجلباب) و (الخمار) و (الاعتجار) - أم تناسا ها تمويها وتضليلا؟ فإن كان الأول فهل جهل قوله ﷺ :
(صحيح) " إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهه وكفاه. . . " الحديث (١) أم تناساه أيضا؟ وسواه كان هذا أو ذاك فأحلاهما مر وسيأتي قريبا (ص ٤٤) ما يدل على أنه فعل ذلك تمويها فإنه هناك: " أطراف يديها "
стр. 41
وتارة يقول (ص ٢١٩) : " وإن كان الفضل قد رأى وجهها فرؤيته لا تدل على أنها كانت مستديمة. . . "
وهذه مكابرة أخرى تشبه سابقتها من حيث التجاهل فإن قول ابن عباس:
فأخذ الفضل ينظر يلتفت إليها
وفي الرواية الأخرى: " فطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها " يبطل قول الشيخ ومن قلده مثل أخينا الطيب محمد بن إسماعيل (٣ / ٣٦٨) - وذلك من وجهين:
الأول: قوله: " ينظر يلتفت " فإنه يفيد استمرار الفعل كما هو معلوم
والآخر: قوله: " فطفق " فإن معناه: استمر ينظر كقوله تعالى: (فطفق مسحا بالسوق الأعناق)
[٣٣]
وقوله: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) [الأعراف: ٢٢] . ومثله في البخاري في قصة اغتسال موسى ﵇ وحده: " فطفق بالحجر ضربا " وفيه أيضا في حديث الهجرة: " فطفق أبو بكر يعبد ربه "
ولذلك قال ابن بطال - كما سيأتي في الكتاب (ص ٦٣) -:
لم يحول النبي ﷺ وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها
إلخ
ثم استدل بذلك على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا وهذا هو الذي
[٤٣]
стр. 42
لا يمكن أن يفهم سواه العلماء المنزهون عن التعصب المذهبي ولذلك لم يستطع الحافظ ابن حجر - مع علمه الواسع ومعرفته باللغة وآدابها - إلا أن يقول ردا على ابن بطال:
إنها كانت محرمة
كما سيأتي هناك
ولا يخفى على أهل العلم أن هذا الجواب إنما يستقيم لو كان لا يجوز للمحرمة أن تغطي وجهها بالسدل عليه وهذا مما لا يقول به الحافظ أو غيره من العلماء مردود وقد يشعر بعضهم بضعف هذا الرد فينحرف عن دلالة الحديث الظاهرة في جواز كشف وجهها إلى القول بأنه لا دليل فيه على جواز النظر إلى وجهها كما جاء في رسالة الشيخ ابن عثيمين وغيرها. فنقول: نعم لا يجوز ذلك عند خشية الفتنة ولذلك لا يجوز لها أن تنظر إلى وجه الرجل الأجنبي عنها عند الفتنة أفيجب عليه أن يستره عنها؟
الحديث الثاني: وهو الثالث في الكتاب (ص ٦٤ - ٦٥) حديث المرأة التي قالت: " يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي. . . " الحديث
أقول: فمن المضحك المبكي أن الشيخ التويجري حشر هذا الحديث في جملة الأحاديث التي استدل على أنه يجوز للخاطب أن ينظر إلى وجه خطيبته ورقبتها (كذا) وأطراف يديها (١) . ولما أجاب (ص ٢١٩) عن
стр. 43
استدلالي بالحديث أوهم أنه في المخطوبة وهو يعلم أن النبي ﷺ لم يكن قد خطبها - كما ذكرت هناك عن الحافظ ابن حجر - وإنما هي عرضت نفسها عليه ﷺ كما هو صريح الحديث وكان ذلك في المسجد كما في رواية الإسماعيلي وعلى مرأى من سهل بن سعد راويه والقوم الذين كان فيهم كما في رواية للبخاري وأبي يعلى والطبراني وراويتهما أتم كما سترها هناك
فهل استقام في ذهن الشيخ ومقلديه جواز الخطبة على مرأى من الأجانب؟ وهو الأمر الذي ينكرونه ويبالغون في إنكاره ولو بتحريف الكلم عن مواضعه كقول بعضهم:
أليس في الحديث أنها كانت سافرة الوجه
ذكره الأخ في " العودة " (٣ / ٣٦٨) مع أقوال أخرى لا تستحق الذكر لظهور بطلانها منها قول التويجري المذكور ومنها: أن النبي ﷺ معصوم. وهذه كلمة حق أريد بها باطل لأن البحث في رؤية الصحابة كما لا يخفى على ذي عين
وفي ظني أن الشيخ الفاضل محمد بن صالح بن عثيمين إنما لم يتعرض للجواب عن الحديث بشيء من هذه الأجوبة لظهور ضعفها فرأى السلامة في السكوت وترك المراء جزاه الله خيرا. وإن كنت آمل منه إعادة النظر في المسألة على ضوء ما تقدم من البيان وما سيأتي في
[٤٥]
стр. 44
الكتاب من الفوائد الجديدة والزيادات لم تكن في الطبعات السابقة
الحديث الثالث: وهو الخامس في الكتاب (ص ٦٦) وهو حديث فاطمة بنت قيس وأمره ﷺ إياها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم الأعمى وقال لها: " فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك " لقد بينت هناك وجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة فرد الشيخ ذلك (ص ٢٢١ - ٢٢٣) بعد كلام طويل لا طائل تحته ودس فيه ما لا أقول به ومن ذلك قوله:
وأين النص في الحديث على وجوب ستر الرأس وحده وتحريم كشفه عند الرجال الأجانب دون الوجه والرقبة
فأقول: أما النص فهو في إذنه لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم رضي الله عن هـ وعلل ﷺ ذلك بقوله: " فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك " والخمار غطاء الرأس عند جماهير العلماء كما تقدم تحقيقه بما لا مرد له عند من يعقل وينصف فهذا هو النص على الرأس دون الوجه. وأما قولك: " والرقبة " فهو دس رخيص لا أدري هل يمكن أن يصدر مثله من شيخ فاضل متق يدري ما يخرج من فيه؟ فإنه يعلم أن ذكر الرقبة ليس من موضوع البحث وأنه لا خلاف في كونها عورة منها وأن الخمار يسترها. فأعوذ بالله من الحور بعد الكور
وأما اعتراضك على استدلالي المذكور بقولك (ص ٢٢٢) :
[٤٦]
стр. 45
" ولو كان الأمر كذلك لقال ﷺ : فإنك إذا وضعت خمارك لم ير رأسك أولم ير شعرك "
فأقول: كفاك أيها الشيخ جدلا ومكابرة فإن النبي ﷺ لا يتكلم حسب هواك فإنه أفصح من نطق بالضاد وأوتي جوامع الكلم فإن (الخمار) معناه في اللغة التي كانت تفهمها فاطمة رضي الله عن ها على خلاف فهمك المستعجم فلا داعي ليقول لها ما طرحته وألزمتنا به ألا ترى أنه يستطيع أقل الناس فهما أن يقلبه عليك فيقول لك: " ولو كان الأمر على ما ذهبت إليه أن الخمار يغطي الوجه أيضا لغة لقال: فإنك إذا وضعت خمارك لم ير رأسك ووجهك ". فهل تلتزم هذا أيها الشيخ المسكين أم تجيب بنحو جوابي المذكور وأن الخمار بزعمك يشمل الوجه أيضا؟ وحينئذ يتبين لك أن ما ألزمتنا به غير لازم وأنك تجادل بالباطل لتضل الناس بغير علم فإنك في كل كتابك وردك لم تأت بنص من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المتقدمين - على اختلاف اختصاصاتهم - يشهد لزعمك المذكور ولن تستطيع إلى ذلك سبيلا البتة
ومن الدليل على ذلك تصريح ابن بلدك الشيخ الفاضل محمد بن عثيمين: بأن الخمار ما تغطي به المرأة رأسها - كما تقدم نقله عنه - ولذلك - فيما أظن - رأى السلامة أيضا أن لا يدخل نفسه في مثل مجادلتك ومكابرتك فلم يتعرض للجواب عن استدلالنا بهذا الحديث وما ذاك إلا لقوة دلالته والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات
[٤٧]
стр. 46
البحث السابع: استدلالهم بالأحاديث الضعيفة والآثار الواهية وإصرارهم على ذلك بعد أن وقفوا على عللها التي تمنعهم شرعا من الاحتجاج بها لو أنصفوا ولم يتبعوا أهواءهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى " (١ / ٢٤٦) :
والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله
والشيخ كأنه يجهل قول ابن تيمية هذا فإنه لم يتثبت فيما نقل عن السلف ولا في دلالته بل بعضه حجة عليه وإليك بعض الأمثلة:
الحديث الأول: عن ابن عباس قال:
(ضعيف) " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن. . . ويبدين عينا واحدة " وسيأتي في الكتاب (ص ٨٨)
لقد بينت هناك أن للحديث علتين فأغمضوا أعينهم عنهما وتتابعوا جميعا على الاحتجاج به وصرح السندي (ص ١٩ - ٢٠) بصحة سنده دون أن يتبين ذلك على أسلوب علماء الحديث عامله الله بما يستحق وخفي ذلك على الإسكندراني فأقره (٢ / ٢٦٥) والله المستعان وكرره الشيخ التويجري مرارا (ص ١٦٣ و ٢٢٦ و ٢٦٥) ونسبني بسبب مخالفتي إياه إلى الإلحاد فقال (ص ٢٣٣) :
[٤٨]
стр. 47
" وكلام الألباني في تفسير أية الأحزاب لم يسبقه إليه أحد من الصحابة والتابعين وقد خالف ما جاء عن حبر الأمة وغيره من أكابر التابعين في تفسيرها فهو إذا من الإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم. . . "
كذا قال - هداه الله - ولست أقابله إلا بقوله تعالى تعليما لنا: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) [سبأ: ٢٤] ولكني سأثبت لكل منصف أن كلام الشيخ سيحور عليه مصداق قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته:
(صحيح) " ومن دعا رجلا بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه " وقول المثل السائر: " رمتني بدائها وانسلت "
وذلك أن هناك رواية أخرى عن ابن عباس - في المصدر الذي نقل الشيخ الرواية الأولى منه وهو " الدر المنثور " - كتمها الشيخ ومقلدوه لأنها تخالف أهواءهم ونصها في تفسير آية الإدناء: " وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها ". رواه ابن جرير وابن مردويه
وهذا نص قولنا وذكره ابن جرير (٢٢ / ٣٣) تحت قوله:
وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن
وهذا وإن كان إسناده ضعيفا فإنه أرجح من الأول لأمور:
стр. 48
١ - أنه الأقرب إلى لفظ (الإدناء) كما تقدم في " البحث الأول "
[٤٩]
стр. 49
٢ - أنه الموافق لما صح عن ابن عباس من طرق سبعة عنه: أن الوجه والكفين من الزينة الظاهرة التي يجوز كشفها وقد خرجت الطرق السبعة في " المقدمة " وبعضها صحيح - كما سيأتي في الكتاب - وهو نص في المقصود كما قال ابن القطان الفاسي في " النظر في أحكام النظر " (ص ٢٠ / ٢) وقواه بتوثيقه لرجاله وأشار السندي إلى أسانيده جزم بعدم صحتها (ص ١٨) وإن من خبثه وتدليسه أنه ساق الضعيف منها وأفاض في إعلالها وكتم الصحيح منها وأقره الإسكندراني (٣ / ٢٦٥) لجهله بهذا العلم الشريف ولذلك فقد أساء إلى نفسه وإلى قرائه بدخوله فيما لا يحسنه
стр. 50
٣ - أنه الموافق لما رواه أبو الشعثاء (١) : أن ابن عباس قال:
تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به
стр. 51
أخرجه أبو داود في " مسائله " (ص ١١٠) بسند صحيح جدا (١)
стр. 52
٤ - أنه المنقول عن بعض تلامذة ابن عباس رضي الله عن هـ كسعيد بن جبير فإنه فسر الإدناء: بوضع القناع على الخمار وقال:
لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها
وسيأتي في الكتاب (ص ٨٥)
وذكر نحوه أبو بكر الجصاص في " أحكام القرآن " (٣ / ٣٧٢) عن مجاهد أيضا مقرونا مع ابن عباس:
تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها
ومجاهد ممن تلقي تفسير القرآن عن ابن عباس رضي الله عن هـ
ثم تلقاه عن مجاهد قتادة رحمهم الله تعالى فإنه من تلامذته والرواة عنه فقال في تفسير (الإدناء) :
أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب
стр. 53
أخرجه ابن جرير (٢٢ / ٢٣) بسند صحيح عنه (١)
فقوله: " يقنع " أي: يلبسن القناع ويشددنه على الحواجب والرأس فإن (القناع) هو أوسع من المقنع والمقنع ما تقنع به المرأة رأسها كما في " القاموس " وغيره وتقدم مثله (ص ١٩ - ٢٠) عن الحافظ وغيره
فمن العجيب الغريب حقا أن يذكر الشيخ التويجري - ومن قلده من المحوشين والمقمشين - هذا الأثر عقب حديث ابن عباس الضعيف هذا وعقب ذلك أثر عبيدة السلماني - الآتي بيان ما فيه من العلل - ذكر هذا الأثر عقب ذلك مستشهدا به وهو حجة عليه كما ترى ولست أدري - والله - أهذا من جهل الشيخ بلغته أو تجاهل مقصود منه؟ فإن كان الأول فهل خفي عليه أن الإمام ابن جرير ذكره مترجما به للقول الثاني المخالف لقول من قال بحديث ابن عباس الضعيف فقال عقبه (٢٢ / ٣٣) :
وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك
؟
ثم ساق تحته حديث ابن عباس الذي في صدد ترجيحه بهذه الأمور الأربعة أتبعه بأثر قتادة هذا
أفلا يحق لي بعد هذا البيان أن أقول: إن ما اتهمني الشيخ به من
стр. 54
المخالفة للصحابة والتابعين والإلحاد في آيات الله تعالى وتحريف الكلم. . . أنه وصفه هو؟ وأن ما نسبه إلى ابن عباس جازما به كذب عليه؟ وأني أنا أسعد الناس بمتابعته رضي الله عن هـ في الرواية الراجحة عنه في تفسير الآية الكريمة وفي غيرها كما سيأتي في تفسير: (إلا ما ظهر منها) (ص ١٠٢)
وإذا تبين ضعف حديث ابن عباس في أمر النساء بتغطية وجوههن إلا عينا واحدة وأن الرواية الأخرى عنه المصرحة بشد الجلباب على جبينها أقوى منها - لشواهدها وموافقتها (الإدناء) لغة ولتفسيره - يتبين للقراء الكرام حقيقة مرة مؤسفة: وهي أن الشيخ التويجري قد سن لمن كتب في هذه المسألة سنة سيئة وهي الاحتجاج بما لم يصح من الأحاديث مع علمه بضعفها وعلتها المبينة في كتابي - كما سيأتي (ص ٧٣) - وإعراضه عن الإجابة عنها وعن ذكر ما يعارضها فعليه يصدق قوله ﷺ والذي يضعه في آخر كتابه (ص ٢٤٩) في غير موضعه فظلمني بذلك - ألا وهو قوله ﷺ : ". . . ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. . . " الحديث. فقد قلده عامة من وافقه على الاحتجاج بهذا الحديث الواهي والسكوت عليه ومنهم من عز علي احتجاجه به في " رسالة الحجاب " (ص ١٢) لظني أنه يتحرى السنة الصحيحة وبخاصة فيما يعلم أن العلماء مختلفون فيه فكيف
[٥٣]
стр. 55
يكون حال الآخرين الذين لا يحسنون إلا التقليد والجعجعة بل إن بعضهم زاد عليهم وقفا ما لا علم له به فصححه وهو المدعو صالح بن إبراهيم البليهي فيما سماه " يا فتاة الإسلام " (ص ٢٠١ و ٢٥٢) وهذا مما لم يقله عالم من قبل ولا يمكن أن يتفوه به مبتدئ في هذا العلم فهذا مؤلف كتاب " الحجاب " الأخ مصطفى العدوي من الناشئين في هذا المجال لم يسعه إلا أن يعترف بضعف إسناده (ص ٢٨ و ٤٦) وإن كان كتم العلة الثانية منه وهي ضعف عبد الله بن صالح كما تقدم لكنه قد صرح بها في كتابه الآخر " أحكام النساء " (ص ١٩)
وإن مما يسترعي الانتباه ويلفت النظر قول الشيخ الفاضل ابن عثيمين بعد أن ساق الحديث جازما به:
وتفسير الصحابي حجة بل قال بعض العلماء: إنه في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ
فأقول: نعم ولكن أثبت العرش ثم انقش فقد كان الواجب عليك يا فضيلة الشيخ قبل أن تقول هذا أن تجيب عن علتي الحديث وتثبت صحته على أصول علم الحديث كما هو المفروض في أمثال هذه المسألة الخلافية ولا سيما وأنت في صدد الرد على مخالفك وقد ضعف حديثك هذا من قبل فإذا كنت مسلما بضعفه فلم احتججت به؟ وأن كنت ترى صحته فلماذا لم ترد عليه وتقيم الحجة على صحته؟ أليس هذا مما يتنافى
[٥٤]
стр. 56
مع الكلمة الطيبة التي ذكرتها في رسالتك وقد جاء فيها (ص ٣٢) :
أنه يجب على كل باحث يتحري العدل والإنصاف. . . أن يقف بين أدلة الخلاف موقف الحاكم من الخصمين فيحكم بطريق العلم فلا يرجح أحد الطرفين بلا مرجح
؟
فما أظنك فعلت ما أوجبت لأنك لو فعلت لم تحتج به - إن شاء الله - لظهور ضعفه أو إن كان العكس ورأيت صحته - وهذا بعيد جدا عن " كل باحث " - فلم كتمت الدليل على صحته؟ أهذا هو موقف الحاكم من الخصمين؟ (يا أيها الذين لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف: ٢ و ٣]
الحديث الثاني: من الضعيف الذي استدلوا به ولهج به الشيخ التويجري ومقلدوه: (ضعيف) " سؤال ابن سيرين عبيدة السلماني عن آية (الإدناء) ؟ فتقنع عبيدة بملحف وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى ". خرجه السيوطي في " الدر " (٥ / ٢٢١) ونقله التويجري (ص ١٦٣ - ١٦٤)
وبيان ضعفه من وجوه:
стр. 57
١ - أنه مقطوع موقوف فلا حجة فيه لأن عبيدة السلماني تابعي اتفاقا فلو أنه رفع حديثا إلى النبي ﷺ لكان مرسلا لا حجة فيه فكيف إذا كان موقوفا عليه كهذا؟ فكيف وقد خالف تفسير ترجمان
[٥٥]
стр. 58
القرآن: ابن عباس ومن معه من الصحابة؟
стр. 59
٢ - أنهم اضطربوا في ضبط العين المكشوفة فيه فقيل: " اليسرى " - كما رأيت - وقيل: " اليمنى " وهو رواية الطبري (٢٢ / ٣٣) وقيل: " إحدى عينيه " وهي رواية أخرى له ومثلها في " أحكام القرآن " للجصاص (٣ / ٣٧١) و " تفسير البغوي " (٣ / ٤٤٤) وغيرهما
стр. 60
٣ - ذكره ابن تيمية في " الفتوى " (١٥ / ٣٧١) بسياق آخر يختلف تماما عن السياق المذكور فقال:
وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره: إن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابين من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق
ونقله عنه التويجري (١٦٦) وابن عثيمين (ص ١٣) وغيرهما وارتضوه
وإذا عرفت هذا فاعلم أن الاضطراب عند علماء الحديث علة في الرواية تسقطها عن مرتبة الاحتجاج بها حتى ولو كان شكليا كهذا لأنه يدل على أن الراوي لم يضبطها ولم يحفظها على أن سياق ابن تيمية المذكور ليس شكليا كما هو ظاهر لأنه ليس في تفسير الآية وإنما هو إخبار عن واقع النساء في العصر الأول وهو بهذا المعنى صحيح ثابت في أخبار كثيرة كما سيأتي في الكتاب بعنوان: " مشروعية ستر الوجه " (ص ١٠٤) ولكن ذلك لا يقتضي وجوب الستر لأنه مجرد فعل منهن ولا ينافي وجود من كانت لا تستر وجهها بل هذا ثابت أيضا في
[٥٦]
стр. 61
عهده ﷺ كما سيأتي وتقدم بعضها
стр. 62
٤ - مخالفته لتفسير ابن عباس للآية كما تقدم بيانه فما خالفه مطرح بلا شك
الحديث الثالث: عن محمد بن كعب القرظي مثل حديث ابن عباس الأول في: (يدنين عليهن من جلابيبهن) قال:
(موضوع) " تخمر وجهها إلا إحدى عينيها "
أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (٨ / ١٧٦ - ١٧٧) : أخبرنا محمد بن عمر عن ابن أبي سبرة عن أبي صخر عنه
قلت: وهذا إسناد موضوع آفته ابن أبي سبرة قال الإمام أحمد في " العلل " (١ / ٢٠٤) :
كان يكذب ويضع الحديث
والراوي عنه محمد بن عمر - وهو الواقدي - قريب منه قال الحافظ في " التقريب ":
متروك
وقال أحمد: " كذاب "
ثم هو إلى ذلك مرسل كما سيأتي في الكتاب (ص ٩٠ - ٩١)
ومع هذا البلاء الذي في إسناد هذا الحديث ذكره الأخ محمد بن إسماعيل في " العودة " (٣ / ٢١٤) ساكتا عنه مع عزوه إياه ل " الطبقات "
[٥٧]
стр. 63
كما سكت عنه الشيخ التويجري في غير ما موضع من كتابه (ص ٢٢٧ و ٢٣٣) مشيرا بذلك إلى تقوية الحديث الأول والمبتدئون في هذا العلم يعلمون أن مثل هذا الإسناد الهالك لا يصلح للتقوية ولكن هل هم على علم به أم هم قوم حطابون نقلة؟ أحلاهما مر
الحديث الرابع: عن الفضل بن عباس قال:
(ضعيف) كنت ردف النبي ﷺ وأعرابي معه ابنة له حسناء فجعل يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها قال: فجعلت ألتفت إليها وجعل رسول الله ﷺ يأخذ برأسي فيلتويه
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (١٢ / ٩٧) من طريف يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عنه
قلت: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات ومتنه منكر وفيه علل خمس:
الأولى: عنعنة أبي إسحاق - وهو السبيعي - فإنه مدلس
والثانية: اختلاطه فلا يحتج بحديثه إلا ما حدث به قبل الاختلاط مع تصريحه بالتحديث وذلك غير متوفر هنا أما الأول فلما يأتي وأما الآخر فلما تقدم
والثالثة: لين في ابنه يونس ولعل ذلك خاص في روايته عن أبيه
[٥٨]
стр. 64
فإنه روى عنه بعد الاختلاط كما جزم بذلك ابن نمير فيما نقله عنه الحافظ ابن رجب الحنبلي في " شرح علل الترمذي " (٢ / ٥٢٠) وانظر (٢ / ٦٧٢) منه
والرابعة: مخالفته لابنه إسرائيل وهو ثقة وأحفظ من أبيه فقد روى هذا الحديث عن جده به إسنادا ومتنا إلا أنه لم يذكر: " وأعرابي معه ابنة له. . . رجاء أن يتزوجها "
أخرجه أحمد (١ / ٢١٣) والطبراني في " الكبير " (١٨ / ٢٨٨)
قلت: وإسرائيل مقدم عند الاختلاف على يونس لما تقدم ولذا قال الإمام أحمد:
حديث إسرائيل أحب إلي منه
قلت: فهذه الزيادة منكرة للمخالفة المذكورة وهذا على افتراض أنها ليست من تخاليط أبي إسحاق ولم يحدث بها فإن كان حدث بها فتكون شاذة لما ذكرنا من حاله ولعلة أخرى وهي:
الخامسة: مخالفته لجميع الثقات الذين رووا الحديث عن ابن عباس دون الزيادة وهم أربعة فيما وقفت عليه وكلهم ثقات:
стр. 65
١ - سليمان بن يسار في " الصحيحين " وغيرهما وسيأتي تخريجه في الكتاب (ص ٦١ - ٦٢)
[٥٩]
стр. 66
٢ - الحكم بن عتيبة رواه أحمد بسند صحيح
стр. 67
٣ - عطاء بن أبي رباح أحمد أيضا بسند جيد
стр. 68
٤ - مجاهد عند الطبراني في " الكبير " وإسناده جيد أيضا
وإن مما يؤكد شذوذها أنها لم ترد في حديث علي أيضا عند الترمذي وصححه ويأتي تخريجه هناك
ولا يخفى على البصير بهذا العلم الشريف أن علة واحدة من هذه العلل الخمس كافية في تضعيف الحديث فكيف بها مجتمعة؟ فالعجب كل العجب من الحافظ ابن حجر كيف قال في " الفتح " (٤ / ٦٧) :
رواه أبو يعلى بإسناد قوي
؟
وقد وقف على هذه التقوية الشيخ عبد القادر بن حبيب السندي في رسالته " الحجاب " فتشبث بها وعقد بحثا من صفحة (٢٧ - ٤٣ / الطبعة الخامسة) حاول فيه إثبات صحة هذا الإسناد بطرق ملتوية عجيبة ولغة ركيكة وكثير منه غير مفهوم لعجمته وما كان مفهوما منه فهو ما نقله عن غيره غالبا وفيه ما هو حجة عليه يبطل تصحيحه المذكور مع تناقض عجيب فقد نقل عن الحافظ أنه قال في أبي إسحاق السبيعي: " اختلط بأخرة " ثم عقب بقوله:
[٦٠]
стр. 69
" قلت: رواية ابنه يونس لم تكن في حالة الاختلاط إن شاء الله تعالى "
وهذا - كما هو ظاهر - يعني أنه يعترف بالاختلاط كمبدأ ولكنه سرعان ما ينكل عن ذلك فيقول بعد سطور:
ولم أقف على اختلاط أبي إسحاق ومع أنه ذكره ابن الكيال في كتابه
الكواكب النيرات " (ص ٣٤١ - ٣٥٦) "
كذا قال المسكين فوفق أيها القارئ الكريم - إن استطعت - بين نفيه الوقوف واعترافه بذكر الكيال له في الكتاب المذكور وتمام اسمه " في معرفة من اختلط من الرواة الثقات " وبشهادة الحافظ باختلاطه أيضا وقد ذكره آخرون: كابن الصلاح وابن كثير وغيرهم كثير وكثير وبينوا ﵏ من روى عنه قبل الاختلاط فيحتج به ومن روى عنه بعده فلا يحتج به ومن هؤلاء يونس بن أبي إسحاق كما تقدم عن ابن نمير وهذا مما صرح السندي بخلافه آنفا وكم له من مثل هذه المخالفات - وقد أحصيت له منها في الحديث وحده ثمانية - يطول الكلام جدا بذكرها وموضع بيانها في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " برقم (٥٩٥٩) ومنها زعمه أن تدليس أبي إسحاق لم يكن ضارا ورد على الحافظ ذكره إياه في الطبقة الثالثة ولم يعلم بقول ابن القطان في " الوهم والإيهام " (٢ / ٢٠٨ / ٢) : " كان يدلس كثيرا "
[٦١]
стр. 70
ولقد كان الحامل له على أن يدخل نفسه فيما لا يحسنه إنما هو الظهور بمظهر الباحث المحقق الذي جاء بما لم تستطعه الأوائل وهو أن يقدم إلى المتشددين سلاحا جديدا لإبطال دلالة حديث الخثعمية الصحيح على جواز الإسفار عن الوجه فقد اعترف في أول بحثه بأن فيه تقريرا على كشف الوجه خلافا للشيخ التويجري ومقلديه بيد أنه علل كشفها بأنه إنما " كان لأجل النظر في حق الخاطب " كما قال (ص ٣٧) ثم أكد ذلك في مكانين آخرين (ص ٣٨ و ٤٠)
فيقال له: لقد أصابك هوس التأويل والتعطيل للأدلة الصريحة في الحديث الصحيح المتفق عليه باعتمادك على هذه الزيادة المنكرة مع أنه ليس فيها أن النبي ﷺ كان خاطبا وإنما فيها العرض عليه ﷺ لعله يتزوجها فلو صح هذا فهو كحديث الواهبة نفسها للنبي ﷺ الذي حمله التويجري على الخاطب أيضا ولا خاطب كما تقدم بيانه في الرد عليه في " البحث السادس: تعطيل الأحاديث الصحيحة المخالفة لهم " (ص ٤١) فراجعه فإنه مهم
ثم لو سلمنا بما زعم السندي فذلك لا يقتضي أن قصة بنت الأعرابي هو نفس قصة الخثعمية بل هذه غير تلك يقينا وإلى ذلك جنح الحافظ ابن القطان في كتابه " النظر في أحكام النظر " (٥٢ / ١ - ٢) لاختلاف سياقها عن تلك فبقيت سالمة من ذاك التأويل الهدام
[٦٢]
стр. 71
الحديث الخامس: عن أم سلمة قالت:
كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم - وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب - فقال النبي ﷺ : " احتجبا منه ". فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ :
أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟
أخرجه أصحاب السنن إلا ابن ماجه وغيرهم من طريق الزهري: حدثني نبهان مولى أم سلمة عنها. وهو مخرج في " الإرواء " (٦ / ٢١٠ / ١٨٠٦) و " الضعيفة " (٥٩٥٨) فمن شاء التفصيل رجع إليهما أو على الأقل إلى الأول منهما لأن الآخر لما يطبع حتى الساعة
وخلاصة التحقيق الوارد فيهما:
стр. 72
١ - أن الحديث تفرد به نبهان وعنه الزهري كما قال النسائي والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم
стр. 73
٢ - وأن نبهان مجهول العين كما أفاده البيهقي وابن عبد البر وقريب منه قول الحافظ في " التقريب ": " مقبول " (١) فإنه يعني: أنه غير مقبول
стр. 74
إلا عند المتابعة كما نص عليه في مقدمة " التقريب " وأن قوله في " الفتح ": " إسناده قوي " غير قوي لمخالفته لقوله في " التقريب " وللقواعد الحديثية - كما هو مبين في " الضعيفة " - على أن قوله: " مقبول " وإن كان مؤيدا لضعف الحديث فهو غير مقبول لأن حقه أن يقول مكانه: " مجهول " لما تقدم من تفرد الزهري عنه وما في " تهذيبه ": أنه روى عنه أيضا محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة فهو غير محفوظ كما حققه البيهقي وشرحته هناك في " الضعيفة " وفيه الرد على الحافظ مفصلا وعلى غيره ممن سبقه أو قلده من المقلدين كالتويجري وغيره ممن خالفوا التحقيق العلمي وأقوال الأئمة الآخرين - ومنهم الإمام أحمد ﵀ كما يأتي - ولذلك لم يسع الحافظ إلا أن يصرح في مكان آخر من " الفتح " بقوله (١ / ٥٥٠) :
وهو حديث مختلف في صحته
فهل علم الشيخ التويجري بهذا النص من الحافظ أم جهله؟ فإن كان الأول فلماذا اكتفى - كلما ذكر هذا الحديث - بذكر من صححه من المتساهلين والرد على من خالفه بقوله (ص ١٥٤) :
ولا يلتفت إلى من قدح فيه بغير حجة معتمدة
كذا قال - هداه الله - وهو يشير بذلك إلى الرد علي فإني كنت ضعفت الحديث بالجهالة في " الإرواء " في المكان المشار إليه آنفا. أهكذا
[٦٤]
стр. 75
يكون الرد يا فضيلة الشيخ؟ أهذا هو سبيل العلماء؟ أرأيت لو أن رادا رد عليك كتابك الذي ترد فيه على مخالفك أو رد على من قلدك بغير علم ولا كتاب منير فألف رسالته التي سماها: " اللباب في فريضة النقاب " بمثل قولك هذا أيكون محقا في رده أم جاهلا كذاك الدكتور - زعموا - الذي ألف في الرد عليك - أو على مقلدك المشار إليه - كتابا سماه " تحريم النقاب "؟ (١) لا شك أنه فعل فعلتك هذه أو نحوها من المكابرة والادعاء أقول هذا وإن كنت لم أطلع على كتابه ولكني وقفت على نتف منه مردودا عليه في " مجلة التوحيد " التي تصدرها جماعة أنصار السنة في القاهرة / العدد السابع سنة (١٤١١)
لقد كان المفروض - يا فضيلة الشيخ - أن تنصح لقرائك وتحكي حجة مخالفك وتقرع الحجة بالحجة كما يقتضيه علم مصطلح الحديث وليس على سبيل المقلدين الذين يمثل فعلهم المثل المعروف: " عنزة ولو طارت "
في ظني أن الشيخ قال تلك الكلمة الهزيلة لعدم علمه بمن سبقني إلى تضعيف الحديث وإعلاله بنبهان وإلا لما أجاز لنفسه أن يقولها وهو يصيب بها أئمة لهم وزنهم - حتى عند أمثاله من المقلدين الذين ليس لهم