← Общие книги

Общие книги · id 31448

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (327 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[خطة البحث] بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة مفهوم الوسطية والاعتدال الدكتور / ناصر بن عبد الكريم العقل أدلة الوسطية في القرآن والسنة الدكتور / محمد بن عمر بازمول مظاهر الوسطية في الإسلام الدكتور / سليمان بن إبراهيم العايد المحور الثاني دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره مفهوم السماحة واليسر في الكتاب والسنة وأدلتها الدكتور / ناصر بن عبد الله الميمان سماحة الإسلام في التعامل مع المخالف الدكتور / حمزة بن حسين الفعر سماحة الشريعة في التعامل مع الواقع للدول والأفراد الدكتور / عبد الرحمن بن زيد الزنيدي المحور الثالث الغلو: مظاهره وأسبابه مفهوم الغلو في الكتاب والسنة الدكتور / صالح بن غانم السدلان مظاهر الغلو في الاعتقاد والعمل والحكم على الناس الدكتور / عبد السلام بن برجس العبد الكريم أسباب الغلو العلمية والمنهجية وعلاجها الدكتور / عبد الرحمن بن معلا اللويحق المحور الرابع استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو معالجة القرآن لظواهر الانحراف والغلو الدكتور / إبراهيم بن سعيد الدوسري أثر معلم القرآن في تربية طلابه على الاعتدال الدكتور / عبد الله بن علي بصفر مؤسسات تعليم القرآن الكريم وأثرها في نشر الوسطية الدكتور / حمد بن موسى السهلي [المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة] [مفهوم الوسطية والاعتدال] المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة مفهوم الوسطية والاعتدال للدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل

стр. 2

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد: فإن الله تعالى ميز هذه الأمة (أمة الإسلام) بالوسطية بين الأمم فقال سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] والوسطية هنا تعني: العدل والخيار وسائر أنواع الفضل، فهي أفضل الأمم. ثم ميز الله أهل السنة والجماعة بالوسطية بين فرق المسلمين، فقال ﷺ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ. . .» الحديث. فأهل السنة هم في جملتهم (العدول الخيار) أهل التوسط والاعتدال في كل أمور الدين: عقيدة وعلما وعملا وأخلاقا ومواقف. وسط بين الغلو والتقصير وبين التفريط والإفراط في سائر الأمور. وسأتحدث في هذه المقالة عن مفهوم الوسطية والاعتدال في اللغة والاصطلاح، وهو موضوع الفرع الأول من المحور الأول في ندوة (أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو) . مفهوم الوسطية والاعتدال: ا - مفهوم الاعتدال: الاعتدال لغة: قال في القاموس المحيط: (العدل: ضد الجور، وما قام في النفس أنه مستقيم) ، و (عدل الحكم تعديلا: أقامه، و (عدل)

стр. 3

فلانا: زكّاه، و (عدل) الميزان (سواه) ، و (الاعتدال توسط حال بين حالين في كم أو كيف، وكل ما تناسب فقد اعتدل، وكل ما أقمته فقد عدَلته وعدّلته) ، والعدول: هم الخيار. وذكر في القاموس المحيط (١) من معاني العدل والاعتدال: الحكم بالعدل، والاستقامة، والتقويم، والتسوية، والمماثلة، والموازنة، والتزكية، والمساواة، والإنصاف، والتوسط. أما اصطلاحا فالاعتدال: هو التزام المنهج العدل الأقوم، والحق الذي هو وسط بين الغلو والتنطع، وبين التفريط والتقصير، فالاعتدال والاستقامة وسط بين طرفين هما: الإفراط والتفريط. والاعتدال هو: الاستقامة والتزكية، والتوسط والخيرية. فالاعتدال يرادف الوسطية التي ميز الله بها هذه الأمة، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقد فسر الرسول ﷺ هذا بقوله: (والوسط: العدل) (٢) ومن معاني العدل والوسط: الخيار.

стр. 4

ولا يتحقق الاعتدال في الاعتقاد والعمل والعلم والدعوة وغيرهما إلا بالتزام الكتاب والسنة وسبيل المؤمنين. ب - مفهوم الوسطية: الوسطية في اللغة: قال في المعجم الوسيط الصحيح: (وسط) الشيء - (يسطه) وسطا، وسِطة: صار في وسطه ويقال: وسط القوم، ووسط المكان. فهو واسط. و - القوم، وفيهم وساطة: توسط بينهم بالحق والعدل. (وسُط) الرجل - (يوسُط) وساطة، وسِطة: صار شريفا وحسيبا. فهو وسيط. (أوسط) القومَ: صار في وسطهم. (توسط) فلان: أخذ الوسط بين الجيد والرديء. و - بينهم: وسط فيهم بالحق والعدل. و الشيءَ: صار في وسطه. يقال: توسط القومَ. (الأوسط) : المعتدل من كل شيء، وأوسط الشيء: ما بين طرفيه. وهو من أوسط قومه: من خيارهم. (الوسَط) وسط الشيء: ما بين طرفيه، وهو منه. والمعتدل من كل شيء. يقال: شيء وسط: بين الجيد والرديء. وما يكتنفه أطرافه ولو من غير تساو. والعدل. والخير: (يوصف به المفرد وغيره) . وفي التنزيل العزيز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] عدولا أو خيارا. وهو من وسط قومه: من خيارهم.

стр. 5

والصلاة الوسطى: العصر، لتوسطها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وقيل الصلاة الوسطى: الفضلى، وفسرها بعضهم بالجمعة. (ج) وُسَط. (الوَسوط) : المتوسط. وبيت من بيوت الشَّعْر أكبر من المظلة وأصغر من الخباء أو هو أصغرها. (ج) وسط. الوُسوط: وُسوط الشمس، توسطها السماء. (الوسيط) : المتوسط بين المتخاصمين، و المتوسط بين المتبايعين أو المتعاملين. و المعتدل بين شيئين. وهي وسيطة. (ج) وسطاء، ويقال هو وسيط فيهم: أوسطهم نسبا وأرفعهم مجدا. فالوسطية تأتي بمعنى: التوسط بين شيئين، وبمعنى العدل، والخيار، والأجود، والأفضل، وما بين الجيد والرديء، والمعتدل، وبمعنى الحسب والشرف. ونجد أهل السنة والسلف الصالح - بحمد الله - تحققت فيهم هذه المعاني الفاضلة، كما سيأتي بيانه. الوسطية في الشرع والاصطلاح: وردت الوسطية في القرآن الكريم في أكثر من آية وفي السنة في أكثر من حديث على المعاني التالية: (١) بمعنى العدل والخيرية والتوسط بين الإفراط والتفريط، ومن ذلك قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي، عدلا [سورة البقرة - آية ١٤٣] . وبهذا المعنى فسرها النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري فقال: (الوسط: العدل) (صحيح البخاري ك التفسير ح ٤٤٨٧) .

стр. 6

(٢) وفسرها ابن جرير الطبري (٣ / ٢٤٢) بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط. (٣) وكذلك ابن كثير (١ / ٢٧٥) فسرها: بالخيار الأجود. (٤) وتأتي الوسطية في السنة كذلك بمعنى الأوسط والأعلى كما وصف النبي ﷺ الفردوس بأنه «أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ» -[البخاري ك الجهاد ح ٢٧٩٠] . (٥) ويأتي معنى الوسطية على اعتبار الشيء بين الجيد والرديء، كما قال ابن عباس - في رواية عنه - «كَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتًا دُونًا، وَبَعْضُهُمْ قُوتًا فِيهِ سَعَةٌ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] الْخُبْزِ وَالزَّيْتِ» . (٦) وفسر بعضهم: (أوسط) في الآية بأنه: الأعدل والأمثل، فتكون الآية على هذا التفسير مندرجة تحت المعنى الأول الذي هو (العدالة والخيار والأجود) . (٧) كما تأتي الوسطية بمعنى: ما بين طرفي الشيء وحافتيه. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] والصلاة الوسطى صلاة العصر، وسميت الوسطى؛ لأن قبلها صلاتين، على اختلاف في تحديد أي الصلوات هي (١) .

стр. 7

ومن ذلك ما جاء في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطًّا وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَخُطُوطًا إِلَى جَانِبِ الْخَطِّ الَّذِي وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَخَطًّا خَارِجًا مِنَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ، وَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ الْخَطُّ الْأَوْسَطُ، وَهَذِهِ الْخُطُوطُ إِلَى جَانِبِهِ الْأَعْرَاضُ تَنْهَشُهُ» (١) . ومن ذلك قوله ﷺ : «وَسِّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» (٢) . (٨) وتأتي الوسطية بمعنى التوسط الظرفي. ومن ذلك قوله ﷺ : «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ» (٣) ضعفه الألباني: ضعيف سنن أبي داود (٣٩٣) . وتأتي الوسطية مقابل: - الغلو: وهو مجاوزة الحد. قال تعالى: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وقال ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» . - والإفراط: وهو بمعنى الغلو، وهو تجاوز القدر في الأمور. - والتفريط: وهو بمعنى التقصير. فمنهج أهل السنة وسط في ذلك بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة. - والجفاء: خلاف البر والصلة. قال ﷺ في حق القرآن: «وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ» . أي: لا تنقطعوا عن تلاوته. فأهل السنة وسط بين جفاء الأعراب، وتقعر العجم.

стр. 8

- والظلم: وهو مجاوزة الحق. ولذلك سمى الله الشرك ظلما ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فأهل السنة هم الوسط في العدل والإنصاف. وعليه؛ فالوسطية، والاعتدال معنيان مترادفان في المفهوم اللغوي، والشرعي الاصطلاحي، فهما: العدل والاستقامة والخيرية والاعتدال والقصد والفضل والجودة. فالاعتدال والوسطية منهج الحق ومنهج الأنبياء وأتباعهم، ويتمثل ذلك بالإسلام بعد مبعث النبي ﷺ وبالسنة، ومنهج السلف بعد ظهور الأهواء والافتراق، فأهل السنة والجماعة هم العدول الأخيار في العقيدة والعبادة والأخلاق والمواقف. هذا، ونسأل الله أن يجعلنا من أهل الحق والعدل والاستقامة، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى، ويقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. [أدلة الوسطية في القرآن والسنة] [مقدمة] المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة أدلة الوسطية في القرآن والسنة للدكتور محمد بن عمر بازمول

стр. 9

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فهذه ورقات أفردتها في تقرير بعض من أدلة الوسطية من القرآن العظيم والسنة النبوية، أتقدم بها في ندوة " أثر القرآن الكريم في

стр. 10

تحقيق الوسطية ودفع الغلو "، التي ستنعقد في مكة المكرمة، ضمن فعاليات مسابقة الملك عبد العزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته، وتفسيره في ٣ - ١١ / ٨ / ١٤٢٤ هـ. سائلا الله المزيد من التوفيق والهدى والرشاد للقائمين على هذه الندوة، وأن يجعل جهودهم في موازين حسناتهم، إنه سميع مجيب.

стр. 11

[مدخل الإسلام وسط بين الأديان] مدخل الإسلام وسط بين الأديان من خصائص الإسلام الوسطية والتوازن (١) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: " قد خص الله ﵎ محمدا ﷺ بخصائص ميزه الله بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجا أفضل شرعة، وأكمل منهاج مبين. كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس؛ فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها، وأكرمها على الله من جميع الأجناس. هداهم الله بكتابه ورسوله لما اختلفوا فيه من الحق قبلهم. وجعلهم وسطا عدلا خيارا؛ فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله، وكتبه، وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام. فأمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأحل لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، لم يحرم عليهم شيئا من الطيبات كما حرم على اليهود، ولم يحل لهم شيئا من الخبائث كما استحلتها النصارى. ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيق على اليهود، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث والخبث كما رفعته النصارى، فلا يوجبون الطهارة من الجنابة، ولا الوضوء للصلاة، ولا اجتناب النجاسة في الصلاة،

стр. 12

بل يعد كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع القرب والطاعات، حتى يقال في فضائل الراهب: " له أربعون سنة ما مس الماء "! ولهذا تركوا الختان، مع أنه شرع إبراهيم الخليل ﵇ وأتباعه. واليهود إذا حاضت المرأة عندهم، لا يؤاكلونها ولا يشاربونها، ولا يقعدون معها في بيت واحد، والنصارى لا يحرمون وطء الحائض، وكان اليهود لا يرون إزالة النجاسة، بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه بالمقراض، والنصارى ليس عندهم شيء نجس يحرم أكله، أو تحرم الصلاة معه. وكذلك المسلمون وسط في الشريعة فلم يجحدوا شرعه الناسخ لأجل شرعه المنسوخ، كما فعلت اليهود. ولا غيروا شيئا من شرعه المحكم ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله، كما فعلت النصارى. ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى، ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود. ولا جعلوا الخالق سبحانه متصفا بخصائص المخلوق، ونقائصه، ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود، ولا المخلوق متصفا بخصائص الخالق سبحانه التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى. ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود. ولا أشركوا بعبادته أحدا كفعل النصارى. وأهل السنة والجماعة في الإسلام كأهل الإسلام في أهل الملل، فهم وسط في باب صفات الله بين أهل الجحد والتعطيل، وبين أهل التشبيه والتمثيل، يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسله

стр. 13

من غير تعطيل ولا تمثيل، إثباتا لصفات الكمال، وتنزيها له عن أن يكون له فيها أنداد وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] رد على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] رد على المعطلة. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] فالصمد: السيد المستوجب لصفات الكمال. والأحد: الذي ليس له كفو ولا مثال. وهم وسط في باب أفعال الله بين المعتزلة المكذبين للقدر، والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله، والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه. وفي باب الوعد والوعيد، بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار، وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار. وهم وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الغالي في بعضهم الذي يقول فيه بإلهية أو نبوة أو عصمة، والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه وهم خيار هذه الأمة "اهـ (١) . وقال ﵀: " وكذلك في سائر أبواب السنة، هم وسط؛ لأنهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان " اهـ (٢) .

стр. 14

[أدلة الوسطية من القرآن العظيم والسنة النبوية] [أولا الأدلة من القرآن العظيم] أدلة الوسطية من القرآن العظيم والسنة النبوية الأدلة على وسطية أمة الإسلام فلا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا جفاء، كثيرة من القرآن العظيم، والسنة النبوية، أذكر منها الأدلة التالية: أولا: الأدلة من القرآن العظيم (١) قول الله ﵎: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] ووجه دلالة الآية: أنه سبحانه وصف الصراط المستقيم بأنه غير صراط المغضوب عليهم، وهم اليهود أهل الغلو في الدين، وغير صراط النصارى، وهم أهل الغلو في الرهبانية والتعبد، حتى خرجوا عن حدود الشرع، ليس فقط في العبادة بل حتى في الاعتقاد، يقول ﵎: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ [النساء: ١٧١] (النساء: ١٧١) . فإذا كان الصراط المستقيم غير صراط اليهود والنصارى، وكان صراط اليهود والنصارى صراط غلو في الدين، دل ذلك على أن الصراط

стр. 15

المستقيم صراط لا غلو فيه، فهو بين طرفين: إفراط وتفريط، وهذا هو معنى الوسطية التي هي منهاج الدين الإسلامي. (٢) قال الله ﵎: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] (البقرة: ٢١٣) . يمتن الله سبحانه على عباده المؤمنين أن هداهم إلى الصراط المستقيم، الذي هو سبيل الرسول ﷺ ، ومن يتبعه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (الأنعام: ١٥٣) . وللغواية والضلال سبل، كما قال ﵎: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٨٦] (الأعراف: ٨٦) .

стр. 16

وكل سبيل غير سبيل الحق فهو معوج، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] (آل عمران: ٩٩) ، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٤٥] (الأعراف: ٤٥) . وسبيل الحق هو سبيل الرشد، وهو الصراط المستقيم، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] (الأعراف: ١٤٦) ، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] (غافر: ٣٨) . فالصراط المستقيم وسط بين السبل، التي أشارت إليها الآيات السابقات. وعليه فإن هذه الأمة وسط بين الأمم. فوصف الأمة بكونها هديت إلى صراط مستقيم، وأنها على صراط مستقيم، وصف يقتضي الوسطية لها في دينها، بين السبل المعوجة، ذات اليمين وذات الشمال. (٣) قال الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] (البقرة: ١٤٣) .

стр. 17

وقد تتابعت كلمة المفسرين في أن وصف الأمة بالوسط، يراد به كونهم عدولا خيارا، ويدل عليه الأمور التالية: ١ - أن الله وصف هذه الأمة في موضع آخر بالخيرية، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] (آل عمران: ١١٠) (١) . ٢ - أن هذا التفسير جاء فيه حديث صحيح مرفوع عن رسول الله ﷺ ، عن أبي سعيد الخدري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ. فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] » (٢) . ٣ - أن هذا التفسير هو الذي يطابق السياق، فإن الله تعالى يقول: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فالمناسب لكونهم شهداء على الناس أن يثبت لهم وصف الخيرية والعدالة. فأمة الإسلام جعلت أمة وسطا: عدلا خيارا؛ والعدل الخيار يتضمن الدلالة على كونهم بين الإفراط والتفريط.

стр. 18

قال الطبري (ت ٣١٠ هـ) ﵀: " وأرى أن الله ﵎ إنما وصفهم بأنهم وسط؛ لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو فيه - غلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هم أهل تقصير فيه - تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به - ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها " اهـ (١) . والمعنيان متداخلان، ولا تمانع بينهما، فلا مغايرة بين الحديث وبين ما دل عليه معنى الآية (٢) ؛ وذلك أن [الوسط في الأصل اسم لما يستوي نسبة الجوانب إليه كمركز الدائرة، ثم استعير للخصال المحمودة البشرية، لكن لا لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والإعواز والأوساط محمية محوطة؛ فإن تلك العلاقة بمعزل من الاعتبار في هذا المقام، إذ لا ملابسة بينها وبين أهلية الشهادة التي جعلت غاية للجعل المذكور، بل لكون تلك الخصال أوساطا للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط؛ كالعفة التي طرفاها الفجور والخمود. وكالشجاعة التي طرفاها الظهور والجبن. وكالحكمة التي طرفاها الجربزة (٣) والبلادة. وكالعدالة التي هي كيفية متشابهة حاصلة من اجتماع تلك الأوساط المحفوفة بأطرافها ثم أطلق على المتصف بها مبالغة كأنه نفسها، وسوى فيه بين المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث رعاية لجانب الأصل كدأب سائر الأسماء التي يوصف بها.

стр. 19

وقد روعيت هاهنا نكتة رائقة: هي أن الجعل المشار إليه عبارة عما تقدم ذكره من هدايته تعالى إلى الحق الذي عبر عنه بالصراط المستقيم، الذي هو الطريق السوي الواقع في وسط الطرق الجائرة عن القصد إلى الجوانب، فإنا إذا فرضنا خطوطا كثيرة واصلة بين نقطتين متقابلتين، فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية. ومن ضرورة كونه وسطا بين الطرق الجائرة كون الأمة المهدية إليه أمة وسطا بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة أي متصفة بالخصال الحميدة خيارا وعدولا مزكين بالعلم والعمل (١) . والله أعلم (٢) . ومن فوائد هذه الآية الإرشاد إلى أن كل خير ينفع الناس، فقد أمر الله به، ودعا إليه، وكل شر وفساد فقد نهى الله عنه وأمر بتركه، وهذا ضرورة كون هذه الأمة موصوفة بالخيرية، وأنها هديت إلى الصراط المستقيم. وهذا الوصف بالوسطية ثبت في نصوص عديدة، تؤكد معنى التوسط وعدم الغلو في مظاهر الدين، من ذلك: (٤) نهيه عن الغلو في الحكم بين الناس، حيث أمر بالعدل، والظلم خلاف العدل، وهو ميل إلى أحد الطرفين على حساب الآخر، قال الله تبارك

стр. 20

وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] (النساء: ٥٨) ، وقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] (المائدة: ٨) . والآيتان دليل على أمر الله ﵎ بما هو مقتض لخيرية هذه الأمة، وكون أهلها عدولا؛ فأمر بالحكم بالعدل؛ ليس فقط في حكمهم بعضهم على بعض، بل حتى في حكمهم على أعدائهم. والعدل في الحكم مع الأعداء من مظاهر هذه الخيرية التي خص الله بها هذه الأمة. (٥) نهيه عن الغلو في دعاء الله ، و «الدعاء هو العبادة» ، حيث أمر بالتوسط فيه دون الجهر وفوق المخافتة، فقال الله ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠] (الإسراء: ١١٠) . والأمر بابتغاء السبيل بين ذلك يعني أن يكون الدعاء تضرعا دون الجهر وفوق السر، فهذا مظهر من مظاهر الأمر بالتوسط في العبادة، التي هي الدعاء. (٦) نهيه عن الغلو في طلب الدنيا، فلم يأمر بترك الدنيا، والخروج إلى الفيافي، كما لم يأمر بالاستغراق فيها، وكأن الإنسان لا محل له إلا هذه الحياة

стр. 21

الدنيا، إنما أمر بالتوسط، فالدنيا بلغة يتبلغ بها الإنسان للآخرة، يأخذ منها بما أحله الله ، ويعيش فيها فيما أباحه الله ، ويستعد بذلك للآخرة، قال الله ﵎: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] (القصص: ٧٧) . وهذه الآية فيها دليل على أن ترك التوسط والاعتدال فساد في الأرض، ألا تراه يقول: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] فإذا كان العمل في الدنيا وترك السعي للآخرة فسادا في الأرض، فمن باب أولى ترك أمور الصراط المستقيم - وعنوانها تمام صالح الأخلاق - فساد في الأرض. (٧) نهيه عن الغلو في النفقة بالمال، حيث يقول ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] (الفرقان: ٦٧) ، وقوله ﵎: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] (الإسراء: ٢٩) . قال ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) ﵀: " والفرق بين الاقتصاد والتقصير أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط. وله طرفان هما ضدان له: تقصير ومجاوزة.

стр. 22

فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] وقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] والدين كله بين هذين الطرفين. بل الإسلام قصد بين الملل. والسنة قصد بين البدع. ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر، والغلو مجاوزته وتعديه. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلو ومجاوزة. وإما إلى تفريط وتقصير. وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله ﷺ ، وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم. وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم، ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير، وخوفوا من بلي بأحدهما بالهلاك. وقد يجتمعان في الشخص الواحد، كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه. والمهدي من هداه الله "اهـ (١) .

стр. 23

(٨) نهيه عن تحريم الطيبات، وهو من الغلو في التزهد، ونهيه عن الإسراف، وهو من الغلو في الاستغراق في الدنيا وملذاتها، والصراط المستقيم بينهما، يقول ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ - قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ - قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣١ - ٣٣] (الأعراف: ٣١ - ٣٣) . (٩) ومن الأدلة على وسطية الدين وسماحته، قوله ﵎: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] (المائدة: ٦) ، ويقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (البقرة من الآية ١٨٥) ، ويقول تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] (النساء من الآية ٢٨) . ويقول ﵎: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨] (الحج: ٧٨) .

стр. 24

ووجه الدلالة: أن وصف الله الدين بأنه يسر، وبأن الله ما جعل علينا فيه من حرج، وأن الله يريد أن يخفف عنا، كل هذا يدل على أن الغلو في الدين غير مطلوب، بل ليس هو من الدين، وأن التوسط هو سمة الدين ومنهاجه، والوسطية بين طرفين: تشدد وتساهل. وهل يؤخذ عند الاختلاف بأخف القولين أو بأثقلهما؟ (١) . ذهب بعض الناس إلى الأخذ بأخف القولين وأيسرهما استدلالا بهذه الأدلة. وذهب آخرون إلى الأخذ بالأشد. والذي يظهر أن المراد بهذه النصوص هو أن الدين يسر، أي: ما جاء وثبت في الشرع، فهو يسر، وليس المراد أن اليسر هو الدين. وأن سماحة الشريعة ويسرها إنما جاءت مقيدة بما هو جار على أصولها، والقول باتباع الأيسر مطلقا إنما هو اتباع هوى النفس وما تشتهيه، دون الرجوع إلى الدليل، وذلك ينافي أصول الشريعة (٢) . وهو مؤد إلى إسقاط التكاليف جملة؛ لأن التكاليف كلها فيها ما يشق على النفس، فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الأدلة؛ لزم ذلك في جميع التكاليف، فلم يبق للعبد تكليف، وهذا محال، فما أدى إليه مثله، فإن رفع الشريعة مع فرض وضعها محال (٣) .

стр. 25

والذين قالوا: نأخذ بالأشد؛ ذهبوا إليه لأنه الأحوط، وهؤلاء خالفوا أدلة أصحاب القول الأول، ثم الاحتياط هو: " الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة، وما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، من غير غلو ومجاوزة، ولا تقصير ولا تفريط، فهذا هو الاحتياط الذي يرضاه الله ورسوله " (١) . وعليه فإن الاحتياط هو الترجيح عند الاختلاف، فالمجتهد والمتبع والعامي يسلكون مسلك الترجيح عند الاختلاف لكل واحد منهم بحسبه، فلا يرجح الأيسر، ولا يرجح الأثقل، وإنما يرجح ما جاء به الدليل، فإن لم يتبين الدليل رجعوا جميعا إلى استفتاء النفس والقلب (٢) . [ثانيا الأدلة من السنة] ثانيا: الأدلة من السنة (١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ. ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] » (٣) .

стр. 26

وتقدم تقرير دلالة وصف ما كان عليه ﷺ بأنه الصراط المستقيم، وأنه يقتضي معنى الوسطية والخيرية، التي بين طرفي التفريط والإفراط. قال ابن تيمية ﵀: " أصل الدين أن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، ليس لأحد أن يخرج عن الصراط المستقيم، الذي بعث الله به رسوله، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (الأنعام: ١٥٣) ، وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : أنه خط خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ما ذم به المشركين، حيث حرموا ما لم يحرمه الله تعالى كالبحيرة والسائبة، واستحلوا ما حرمه الله كقتل أولادهم وشرعوا دينا لم يأذن به الله، فقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] (الشورى: من الآية ٢١) ، ومنه أشياء هي محرمة جعلوها عبادات كالشرك والفواحش مثل الطواف بالبيت عراة وغير ذلك ". اهـ (١) .

стр. 27

(٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (١) . ووجه الدلالة في هذا الحديث: أن الوسطية هي الخيرية، ومحاسن الأخلاق ومكارمها هي الوسط بين طرفين؛ وكل ما يدعو إليه الدين هو من مكارم الأخلاق التي هي أوساط للخصال الذميمة المكتنفة بها من طرفي الإفراط والتفريط (٢) . ولا ينازع في أن الغلو خلق ليس من مكارم الأخلاق، فصح أن الدين لم يأت به، لأنه إنما جاء لصالح الأخلاق ومكارمها. (٣) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا. فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدُّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا.

стр. 28

فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١) . ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ بين أن التشدد في العبادة ليس من سنته؛ فإذا كان التشدد في العبادة ليس من سنته، فمن باب أولى التشدد والمبالغة والغلو في الأمور الأخرى. قال ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ﵀: " قَوْلُهُ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» المراد بالسنة: الطريقة، لا التي تقابل الفرض. والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره. والمراد: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل. وقوله: " فَلَيْسَ مِنِّي " إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه، فمعنى: " فَلَيْسَ مِنِّي " أي: على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى: " فَلَيْسَ مِنِّي ": ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر.

стр. 29

وقال الطبري: فيه الرد على من منع استعمال الحلال من الأطعمة والملابس، وآثر غليظ الثياب وخشن المأكل. قال عياض: هذا مما اختلف فيه السلف: فمنهم من نحا إلى ما قال الطبري، ومنهم من عكس واحتج بقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] قال: والحق أن هذه الآية في الكفار، وقد أخذ النبي ﷺ بالأمرين. قلت: لا يدل ذلك لأحد الفريقين إن كان المراد المداومة على إحدى الصفتين، والحق أن ملازمة استعمال الطيبات تفضي إلى الترفه والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات؛ لأن من اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا، فلا يستطيع الانتقال عنه فيقع في المحظور كما أن منع تناول ذلك أحيانا يفضي إلى التنطع المنهي عنه، ويرد عليه صريح قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] كما أن الأخذ بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا، وترك التنفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخير الأمور الوسط ". اهـ (١) . (٤) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ. هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (٢) . والمتنطعون هم - كما قال شراح الحديث - المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

стр. 30

والحديث ظاهره خبر عن حال المتنطعين، إلا أنه في معنى النهي عن التنطع وهو دليل على أن التوسط والاعتدال في الأمور هو سبيل النجاة من الهلاك؛ فإنه إذ ذم التنطع وهو المغالاة والمجافاة وتجاوز الحد في الأقوال والأفعال، فقد دل على أن المطلوب هو التوسط، وذلك متصور في الطرفين؛ فمثلا شأن الدنيا من تشدد في طلبه والسعي وراءه دون الآخرة، فقد تنطع في طلبها، وهلك، ومن تشدد في مجافاتها والغلو في تركها والبعد عنها، فقد تنطع، وهلك، والتوسط بينهما هو المطلوب. (٥) وذكر أن الغلو في التعبد من سمات طائفة تمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ! فَقَالَ: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ! فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ وَهُوَ قِدْحُهُ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ» .

стр. 31

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ، وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ، فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ (١) . فهؤلاء غلوا في العبادات - والعبادات الدينية أصولها الصلاة والصيام والقراءة - بلا فقه؛ فآل الأمر بهم إلى البدعة، فقال: «يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» ، وأمر بقتلهم، فإنهم قد استحلوا دماء المسلمين وكفروا من خالفهم، وجاءت فيهم الأحاديث الصحيحة (٢) . (٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (٣) . [والمُشَادَّةُ بالتشديد: المغالبة، يقال: شَادَّهُ يُشَادُّهُ مُشَادَّةً إذا قَاوَاهُ، والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب. قوله: " فَسَدِّدُوا " أي: الزموا السداد، وهو الصواب من غير إفراط، ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل.

стр. 32

قوله: " وَقَارِبُوا " أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه. قوله: " وَأَبْشِرُوا " أي: بالثواب على العمل الدائم وإن قل، والمراد: تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، لأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم الْمُبَشَّرَ به تعظيما له وتفخيما. قوله: " وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ " أي: استعينوا على مداومة العبادة لإيقاعها في الأوقات المنشطة. وَالْغَدْوَةُ بالفتح: سير أول النهار، وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداة، وطلوع الشمس. وَالرَّوْحَةُ بالفتح: السير بعد الزوال. وَالدُّلْجَةُ: بضم أوله وفتحه وإسكان اللام: سير آخر الليل، وقيل: سير الليل كله، ولهذا عبر فيه بالتبعيض؛ ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار. وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، وكأنه ﷺ خاطب مسافرا إلى مقصد فنبهه على أوقات نشاطه، لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة. وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة] (١) .

стр. 33

والحديث نص في أن الدين يسر، وأن الدين قصد وأخذ بالأمر الوسط، فلا يفرط المرء على نفسه، ولا يفرط. (٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» (١) . والحديث نص في أن الإسلام حنيفية سمحة، والسماحة تتنافى مع الغلو والتشدد فيه. (٨) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (٢) . والحديث يأمر بالتيسير وترك التنفير والتعسير، مما يستلزم ترك الغلو وطلب الوسط، إذ اليسر هو السماحة وترك التشدد، وخير الأمور الوسط. وقد بوب البخاري على الحديث في كتاب الأدب " باب قول النبي ﷺ : «يسروا ولا تعسروا» ، وكان يحب التخفيف واليسر على الناس ".

стр. 34

وقد أخذ العلماء بهذا الأمر، فقعدوا قاعدة فقهية هي من قواعد الفقه الكبرى (١) والتي عليها مدار الفقه الإسلامي، وهي قاعدة: " المشقة تجلب التيسير، ومن فروعها: " الضرورة تبيح المحظورة "، " الرضى بأهون الضررين لدفع أعلاهما إذا لم يكن من أحدهما بد " (٢) . (٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: «هَاِت الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (٣) .

стр. 35

الْغُلُوُّ هُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الشَّيْءِ وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ بِتَجَاوُزِ الْحَدِّ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّعَمُّقِ (١) يقال: غَلَا فِي الشَّيْءِ يَغْلُو غُلُوًّا، وَغَلَا السِّعْرُ يَغْلُو غَلَاءً إِذَا جَاوَزَ الْعَادَةَ، وَالسَّهْمُ يَغْلُو غَلْوًا، بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ، إِذَا بَلَغَ غَايَةَ مَا يُرْمَى. والحديث نص صريح في النهي عن الغلو في الدين، فمنهاج الدين وسبيله هو السماحة والتيسير وترك التشدد في حدود ما جاء في الشرع. ومن فوائد الحديث تنبيهه على قضية خطيرة جدا، وهي أن الغلو في الدين من أسباب هلاك الأمم قبلنا، فالقصد القصد. وتعظيم الأمر والنهي من الدين، ومن التعظيم لهما ترك الغلو فيهما. قال صاحب منازل السائرين ﵀: تعظيم الأمر والنهي: وهو أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشدد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد ". قال ابن قيم الجوزية ﵀: " هاهنا ثلاثة أشياء تنافي تعظيم الأمر والنهي: أحدها: الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال. والثاني: الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي. فالأول تفريط والثاني إفراط. [ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيا غير مستقيم على المنهج الوسط.

стр. 36

مثال ذلك: أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر، فالترخيص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه فيكون مترخصا جافيا، وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور ويفعل العبادة بتكره وضجر، فمن حكمة الشارع أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر فيصلي العبد بقلب حاضر ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى. ومن هذا نهيه أن يصلي بحضرة الطعام أو عند مدافعة البول والغائط، لتعلق قلبه من ذلك بما يشوش عليه مقصود الصلاة، ولا يحصل المراد منها، فمن فقه الرجل في عبادته أن يقبل على شغله فيعمله ثم يفرغ قلبه للصلاة، فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونصب وجهه له وأقبل بكليته عليه، فركعتان من هذه الصلاة يغفر للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه. والمقصود أن لا يترخص ترخصا جافيا. ومن ذلك أنه أرخص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر، وتعذر فعل كل صلاة في وقتها لمواصلة السير وتعذر النزول أو تعسيره عليه، فإذا أقام في المنزل اليومين والثلاثة أو أقام اليوم فجمعه بين الصلاتين لا موجب له لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير مشقة، فالجمع ليس سنة راتبة كما يعتقد أكثر المسافرين أن سنة السفر الجمع سواء وجد عذر أولم يوجد، بل الجمع رخصة، والقصر سنة راتبة، فسنة المسافر قصر الرباعية سواء كان له عذر أولم يكن، وأما جمعه بين الصلاتين فحاجة ورخصة فهذا لون وهذا لون. ومن هذا أن الشبع في الأكل رخصة غير محرمة، فلا ينبغي أن يجفو العبد فيها حتى يصل به الشبع إلى حد التخمة والامتلاء، فيتطلب ما يصرف

стр. 37

به الطعام فيكون همه بطنه قبل الأكل وبعده، بل ينبغي للعبد أن يجوع ويشبع ويدع الطعام وهو يشتهيه، وميزان ذلك قول النبي ﷺ : «ثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (١) ولا يجعل الثلاثة الأثلاث كلها للطعام وحده. وأما تعريض الأمر والنهي للتشديد الغالي؛ فهو كمن يتوسوس الوضوء متغاليا فيه حتى يفوت الوقت أو يردد تكبيرة الإحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة. أو يتشدد في الورع حتى لا يأكل شيئا من طعام عامة المسلمين خشية دخول الشبهات عليه، ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العباد الذين نقص حظهم من العلم حتى امتنع أن يأكل شيئا من بلاد الإسلام، وكان يتقوت بما يحمل إليه من بلاد النصارى، ويبعث بالقصد لتحصيل ذلك فأوقعه الجهل المفرط والغلو الزائد في إساءة الظن بالمسلمين، وحسن الظن بالنصارى، نعوذ بالله من الخذلان. فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشديد غال، فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله بسالكه] (٢) .

стр. 38

وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة. وإما إلى إفراط وغلو. [فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين؛ فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستامه، فإن وجد فيه فتورا وتوانيا وترخيصا أخذه من هذه الخطة فثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، حتى ربما ترك العبد المأمور جملة. وإن وجد عنده حذرا وجدا وتشميرا ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد وسول له: إن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وأن لا تفتر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعا، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها، ونحو ذلك من الإفراط والتعدي، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم كما يحمل الأول على التقصير دونه، وأن لا يقربه، ومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم هذا بأن لا يقربه، ولا يدنو منه، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه. وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط، والله المستعان] (١) .

стр. 39

ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له؛ هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد. وقد نهى الله عن الغلو بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] (المائدة: من الآية ٧٧) . والغلو نوعان: نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة أو صام الدهر مع أيام النهي أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق أو سعى بين الصفا والمروة عشرا أو نحو ذلك عمدا. وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار، كقيام الليل كله، وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد الذي قال فيه النبي ﷺ : «إِنَّ [هَذَا] الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (١) يعني استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة، فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر بالسير فيها. وقال: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ [فَلْيَقْعُدْ] » (٢) رواهما البخاري.

стр. 40

وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا» (١) وهم المتعمقون المتشددون. وفي صحيح البخاري عنه: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» (٢) . وفي السنن عنه أنه قال: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُبَغِّضَنَّ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ» (٣) أو كما قال. وقوله: وَلَا يُحْمَلَا عَلَى عِلَّةٍ تُوهِنُ الِانْقِيَادَ.
следующие страницы →