← Общие книги

Общие книги · id 31448

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (327 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مثال ذلك: أن السنة وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر، فالترخيص الجافي أن يبرد إلى فوات الوقت أو مقاربة خروجه فيكون مترخصا جافيا، وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور ويفعل العبادة بتكره وضجر، فمن حكمة الشارع أن أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحر فيصلي العبد بقلب حاضر ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى. ومن هذا نهيه أن يصلي بحضرة الطعام أو عند مدافعة البول والغائط، لتعلق قلبه من ذلك بما يشوش عليه مقصود الصلاة، ولا يحصل المراد منها، فمن فقه الرجل في عبادته أن يقبل على شغله فيعمله ثم يفرغ قلبه للصلاة، فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونصب وجهه له وأقبل بكليته عليه، فركعتان من هذه الصلاة يغفر للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه. والمقصود أن لا يترخص ترخصا جافيا. ومن ذلك أنه أرخص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر، وتعذر فعل كل صلاة في وقتها لمواصلة السير وتعذر النزول أو تعسيره عليه، فإذا أقام في المنزل اليومين والثلاثة أو أقام اليوم فجمعه بين الصلاتين لا موجب له لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير مشقة، فالجمع ليس سنة راتبة كما يعتقد أكثر المسافرين أن سنة السفر الجمع سواء وجد عذر أولم يوجد، بل الجمع رخصة، والقصر سنة راتبة، فسنة المسافر قصر الرباعية سواء كان له عذر أولم يكن، وأما جمعه بين الصلاتين فحاجة ورخصة فهذا لون وهذا لون. ومن هذا أن الشبع في الأكل رخصة غير محرمة، فلا ينبغي أن يجفو العبد فيها حتى يصل به الشبع إلى حد التخمة والامتلاء، فيتطلب ما يصرف

стр. 37

به الطعام فيكون همه بطنه قبل الأكل وبعده، بل ينبغي للعبد أن يجوع ويشبع ويدع الطعام وهو يشتهيه، وميزان ذلك قول النبي ﷺ : «ثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (١) ولا يجعل الثلاثة الأثلاث كلها للطعام وحده. وأما تعريض الأمر والنهي للتشديد الغالي؛ فهو كمن يتوسوس الوضوء متغاليا فيه حتى يفوت الوقت أو يردد تكبيرة الإحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة أو يكاد تفوته الركعة. أو يتشدد في الورع حتى لا يأكل شيئا من طعام عامة المسلمين خشية دخول الشبهات عليه، ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العباد الذين نقص حظهم من العلم حتى امتنع أن يأكل شيئا من بلاد الإسلام، وكان يتقوت بما يحمل إليه من بلاد النصارى، ويبعث بالقصد لتحصيل ذلك فأوقعه الجهل المفرط والغلو الزائد في إساءة الظن بالمسلمين، وحسن الظن بالنصارى، نعوذ بالله من الخذلان. فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشديد غال، فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله بسالكه] (٢) .

стр. 38

وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة. وإما إلى إفراط وغلو. [فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين؛ فإنه يأتي إلى قلب العبد فيستامه، فإن وجد فيه فتورا وتوانيا وترخيصا أخذه من هذه الخطة فثبطه وأقعده وضربه بالكسل والتواني والفتور وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، حتى ربما ترك العبد المأمور جملة. وإن وجد عنده حذرا وجدا وتشميرا ونهضة وأيس أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد وسول له: إن هذا لا يكفيك وهمتك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وأن لا تفتر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغسل أنت سبعا، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها، ونحو ذلك من الإفراط والتعدي، فيحمله على الغلو والمجاوزة وتعدي الصراط المستقيم كما يحمل الأول على التقصير دونه، وأن لا يقربه، ومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم هذا بأن لا يقربه، ولا يدنو منه، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه. وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا ينجي من ذلك إلا علم راسخ وإيمان وقوة على محاربته ولزوم الوسط، والله المستعان] (١) .

стр. 39

ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له؛ هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد. وقد نهى الله عن الغلو بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧] (المائدة: من الآية ٧٧) . والغلو نوعان: نوع يخرجه عن كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة أو صام الدهر مع أيام النهي أو رمى الجمرات بالصخرات الكبار التي يرمى بها في المنجنيق أو سعى بين الصفا والمروة عشرا أو نحو ذلك عمدا. وغلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار، كقيام الليل كله، وسرد الصيام الدهر أجمع بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد الذي قال فيه النبي ﷺ : «إِنَّ [هَذَا] الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (١) يعني استعينوا على طاعة الله بالأعمال في هذه الأوقات الثلاثة، فإن المسافر يستعين على قطع مسافة السفر بالسير فيها. وقال: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ [فَلْيَقْعُدْ] » (٢) رواهما البخاري.

стр. 40

وفي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا» (١) وهم المتعمقون المتشددون. وفي صحيح البخاري عنه: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» (٢) . وفي السنن عنه أنه قال: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُبَغِّضَنَّ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ» (٣) أو كما قال. وقوله: وَلَا يُحْمَلَا عَلَى عِلَّةٍ تُوهِنُ الِانْقِيَادَ.

стр. 41

يريد: أن لا يتأول في الأمر والنهى علة تعود عليهما بالإبطال، كما تأول بعضهم تحريم الخمر بأنه معلل بإيقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه. وقد بلغ هذا بأقوام إلى الانسلاخ من الدين جملة. وقد حمل طائفة من العلماء أن جعلوا تحريم ما عدا شراب خمر العنب معللا بالإسكار، فله أن يشرب منه ما شاء ما لم يسكر. ومن العلل التي توهن الانقياد: أن يعلل الحكم بعلة ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر؛ فيضعف انقياد العبد إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم، ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور. وفي بعض الآثار القديمة: «يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَقُولُوا: لِمَ أَمَرَ رَبُّنَا؟ وَلَكِنْ قُولُوا: بِمَ أَمَرَ رَبُّنَا؟» . وأيضا فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر، وأقل درجاته أن يضعف انقياده له. وأيضا فإنه إذا نظر إلى حكم العبادات والتكاليف مثلا، وجعل العلة فيها هي جمعية القلب والإقبال به على الله فقال: أنا أشتغل بالمقصود عن الوسيلة، فاشتغل بجمعيته وخلوته عن أوراد العبادات فعطلها، وترك الانقياد بحمله الأمر على العلة التي أذهبت انقياده.

стр. 42

وكل هذا من ترك تعظيم الأمر والنهي، وقد دخل من هذا الفساد على كثير من الطوائف ما لا يعلمه إلا الله، فما يدري ما أوهنت العلل الفاسدة من الانقياد إلا الله، فكم عطلت لله من أمر، وأباحت من نهي، وحرمت من مباح، وهي التي اتفقت كلمة السلف على ذمها "اهـ (١) .

стр. 43

[الخاتمة] الخاتمة إن كل أمور الشرع تدل بوضوح أنه دين الحنيفية السمحة، دين اليسر؛ فلا غلو في الدين. إلا أن هاهنا قضية مهمة يحسن أن أذكر بها في ختام هذه الرسالة، وهي: أن هذه الأدلة تقرر سماحة الدين ويسره ووسطيته، وأنه دين ينافي الغلو والتشدد، بمعنى أن ما ثبت كونه من الدين فهذه صفته، لا بمعنى أن يأتي شخص ما بعقله وتفكيره فما رآه وسطا قال: هو الدين! فالوسطية في الدين، أي ما ثبت أنه دين فهو يسر. والرسول ﷺ يقول: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» ، فما ثبت أنه من الدين فهو اليسر وهو الحنيفية السمحة، وهو الذي لا تشدد في أخذه، ولا غلو فيه، ولا عسر فيه. وقال ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالَغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» ، فقال: الدِّينُ يُسْرٌ فما ثبت أنه من الدين فهو يسر. وصل اللهم على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

стр. 44

[مظاهر الوسطية في الإسلام] [مظاهر الوسطية في الجانب الفردي] المحور الأول الوسطية والاعتدال في القرآن والسنة مظاهر الوسطية في الإسلام للدكتور سليمان بن إبراهيم العايد

стр. 45

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد: الحديث عن مظاهر الوسطية في الإسلام حديث ذو شجون، لأنها كثيرة متغلغلة في جميع عقائده، وفرائضه، وشرائعه، ولو أردنا الحديث عنها حديثا شاملا لكتبنا كل ما كتب عن الإسلام من عقائد، وأحكام، عبادات ومعاملات، علاقات وسياسات. . إلخ، ولكنا في مقام لا يتسع إلا لقليل مما في شرائع الإسلام الواسعة، وأحكامه الشاملة، التي تشمل حياة الإنسان كلها. إن الإسلام هو الدين الحق ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] وهو الدين الخاتم الذي تكفل الله بحفظه، وإظهاره. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩] وقد اصطفى الله لخير الأديان وأكملها خير الأمم وأكملها على تفاوت في خيرية أفرادها ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] بعد قوله ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١]

стр. 46

فالأمة ثلاث فئات، أو ثلاثة أصناف، رتبت في الآية على حسب كثرتها وقلتها، فالطائفة الأولى (الظالمون لأنفسهم) هم الأكثر، ثم يأتي الأقل، وهم - ما بين مقتصد إلى سابق - أفراد من هذه الأمة المصطفاة. وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها على يد محمد ﷺ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] بعد أن أيأس الله الكفار من أن يبطلوا هذا الدين أو يغلبوه ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] وانظر تفسير القاسمي (٦ / ١٨٢٩ - ١٨٣٠) . وجعل أمة هذا الدين خير أمة أخرجت للناس ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وهذا كامن في سر دينها أكمل الأديان وأوفاها، وهو دين رباني بعقائده، وأصول شرائعه، ترك للبشر الاجتهاد في تنفيذه، وتطلب أفضل الطرق لتحقيقه واقعا في الأرض، بحسب طاقتهم وما أمكنهم الله فيه من العلم، وجعل هذا واجبا لازما في عنق هذه الأمة إلى قيام الساعة

стр. 47

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] وما جعله الله بهذه المنزلة، وهذه المثابة إلا لما يحمله من مزايا ذاتية، أهمها الوسطية، والحديث عنها - كما أسلفنا - متشعب، ذو فروع، لا يمكن الإتيان عليها كلها في مقالة أو كلمة، ولكن لنا أن نبرز أهم مظاهر الوسطية في الجوانب التالية: الفردية، والاجتماعية، والتشريعية: (١) الجانب الفردي إذ حمل الإسلام الإنسان مسئولية عمله، ولم يحمله مسئولية عمل غيره، مهما بلغت القرابة، ما لم يكن طرفا أو سببا. ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى - وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى - أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى - وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩] ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا - اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا - مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٥] وهذه القيمة لها أثرها في حياة الإنسان وسلوكه، وتحمله المسئولية، وتحقيق العدالة والمساواة بين الخلق، وهي أصل ومبدأ من مبادئ الإسلام الراسخة، تقصر دونه كل المبادئ والقيم الأخرى، وقد رتب على هذا أن

стр. 48

الجزاء مرتب على العمل، فلا أحد يظلم بحمل وزر غيره ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] إلا إذا سلكت سبيل المضلين ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] فإنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله من أوزارهم، القاسمي (١٤ / ٤٩٧٩) . ولا أحد يعطى ثمرة عمل غيره ليحرم منها العامل، ولا يستحق أحد المكافأة إلا بعمل صالح، لا ينفعه في ذلك نسب أو حسب أو جاه، وهذه مبادئ لو طبقت في واقعنا العملي الحيوي لكان للمسلمين شأن آخر، وإنما أتي المسلمون من الغفلة عنها. ومما يتعلق بالمسئوليات التوزيع العادل للمسئولية الاجتماعية قال ﷺ : «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . أخرجه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم (كتاب الإمارة ح ٢٠) . وقد دأب كثير من الناس على رمي غيرهم بالتقصير ونسيان أنفسهم تزكية لها، وكأنهم غير مسئولين، إن كل فرد في هذا المجتمع يحمل جزءا من المسئولية العامة فيه، مهما صغر هذا الجزء، إذ كل مسلم على ثغرة من ثُغُر الإسلام، فلا يؤتين الإسلام من قبله.

стр. 49

ولو أصلح كل واحد نفسه، وقام بالواجب عليه نحو غيره من نصح وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وسائر ما أمر به الشارع، وحده من الحقوق، لم يكن ثمة خلل، لكن أكثر القوم يتخلون عن مسئوليتهم، ويستبدلون بها كلاما في النقد، يوزع على حملة المسئولية، من ولاة وعلماء وأصحاب شأن، وكأنهم المعنيون ب «مَنْ قَالَ هَلَكَ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ» . إن الذين لا يعملون ولا يشعرون بوطأة العمل، وثقل المسئولية هم أجرأ الناس على النقد غير البصير، وهم أجرأ الخلق على إدانة غيرهم، وتبيان ما يظنون قصورا وعيبا فيهم، لأن المشغول بالعمل الجاد معني بإتقان عمله، وإصلاح نفسه، ودرء عيوبها، لا يشمت بمقصر، ولا يفتات على محسن، ولا يبهت بريئا؛ لأن له من دينه وشغله صارفا عن الاشتغال بغيره وذمه، ينظر إلى المحسنين فيدعو لهم بالتوفيق وأن يكون مثلهم، وينظر إلى المقصرين، فيدعو لهم بإقالة عثراتهم، وأن يعافيهم مما ابتلاهم به، في حين ينظر البطَّالون إلى المقصرين فيشمتون بهم، ويشيعون عنهم قالة السوء. وقد أتم الإسلام هذه القيمة بأحكام تتعلق بالغيبة والبهتان، والحسد والضغينة والتحقير، فعالج هذه علاجا خلقيا، ليس هذا مقام بسطه. قد يستغرب البعض إقحام المسئولية في مظاهر الوسطية، وليته يذكر ما تنادي به بعض الطوائف من تقسيم الخلق إلى أصحاب الحقيقة وأصحاب الشريعة، ومن إسقاط الواجبات الشرعية عن بعض، ومن تحمل بعض آخر المسئولية عن آخرين، ومن زعم البعض العصمة لمتبوعيهم. ومن مظاهر الوسطية في مصادر العلم الشرعي غلو فئة حتى لا تقر بغير القرآن مصدرا، ويجرها ذلك إلى إنكار السنة، وعدم الانقياد لها، أو

стр. 50

جهلها وإهمالها، وكان هذا مبدأ نشأة الخوارج الذين غلوا في القرآن حتى قال رسول الله ﷺ : «تَسْمَعُ لِصَوْتِهِمْ دَوِيًّا كَدَوِيِّ النَّحْلِ» . غير أنهم أهملوا سنته ﷺ ، فكان أن عملوا بمتشابه القرآن، وعموماته ومطلقاته التي تحتاج إلى سنته ترفع تشابهها، أو تخصيص يخصص عمومها، أو قيد يقيد مطلقها، وهذه الطائفة تتكرر في كل زمان، ولعلها الفئة التي أشار إليها عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: ((إِنَّهُ سَيَأْتِي أُنَاسٌ يَأْخُذُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ الْقُرْآنِ، فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ)) (شرح السنة للبغوي ١ / ١٩٢ تحقيق صقر) . والمتأمل في كثير من مسائل الضلالة، يجدها تعود إلى هذا الباب. وهذا العمل يؤدي إلى غلو الإنسان بنفسه، وأن يضعها في مكانة فوق ما تستحقه، حتى إنه ليظن أنه أحاط بالشريعة علما، وليس لديه إلا أقل القليل من نصوص لعله لم يحسن فهمها، ولم يع فقهها، ثم يحاكم الأمة إلى علمه هذا، ويرفض كل فقه أو علم لدى من سبقوه في أبواب العلم والفقه لرجال أفنوا أعمارهم، وأخلصوا تجاربهم له، ظنا منه أن هؤلاء قد حيل بينهم وبين الفهم السليم والفقه الراشد. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] ((وفي هذا

стр. 51

إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة)) [ابن كثير ٢ / ٣٢١] . وهذا نظير ما يفعله كثير من المبادرة والتسابق إلى نشر أشياء وأخبار وأقوال وإشاعات لم يتأكد من صحتها، ولعلها نقلت على غير وجهها، أو فصلت عن سياقها، أولم تقع، ومع ذلك يظنون معهم العلم كله، وما معهم إلا ظنون وإشاعات وشيء من الأخبار، الله أعلم بصحتها. وكان اللائق بهم أن يضعوا أنفسهم موضع السائل سؤال التبين والتعلم فيما يحتاج إليه من أمر الدين ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] وبالسؤال تتبين الحقيقة وتتأكد. وكل هذا إنما يقع لمخالفة القصد والتوسط في تحصيل العلم ونشره وأيا كان هذا العلم. لا أريد أن أدخل في صفات طالب العلم، ولا في صفات العلم النافع، ولا واجبات أهل العلم، لأن هذا معروف مقرر ويخرج بنا عن أصل الكلام. وإنما أريد أن أؤكد ما يقوله أهل العلم من أن من ((أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقيق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام)) (الموافقات ١ / ٥٦) وما قيل من ((أن العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتاب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال))

стр. 52

(الموافقات ص ٥٧) وهذا يفهم منه أن العالم لا بد ((أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم لأخذه عنهم، وملازمته لهم)) (الموافقات ١ / ٥٨) . فالعلم لا يتكون من القراءة وحدها، وإنما يتكون من الخلطة بأهل العلم ومجالستهم، وهو ما يفقد لدى كثير من المنتسبين للعلم. وكل انحراف أو زيغ في طريقة تحصيل العلم أو التأدب بآدابه، أو أداء حقه وواجبه، إنما مرده إلى شيء من الغلو في طريقة من طرق العلم، تفقد نوره وبهاءه، وتذهب ببركته. [مظاهر الوسطية في الجانب الاجتماعي والإنساني] (٢) الجانب الاجتماعي والإنساني لا يمكن للإنسان مسلما كان أو غيره أن يعيش وحده منعزلا عن المجتمع، مفردا لا يختلط بغيره؛ لأن الإنسان مدني بالطبع، ويتعين على المسلم أن يكون إيجابيا في هذه الحياة، وعنصرا مؤثرا «الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» كما جاء في بعض الآثار. وقد أساء بعض من غلا مفهوم العزلة، واستجاب لسلبية لم تأمر بها شرائع الإسلام، بل فيها تحريف وسوء فهم ل ((بخاصة نفسك)) كما أن بعض الناس حاول أن يؤسس لعزلة نفسية، من شأنها أن تشعر المعتزل بتميز ما عن سائر المجتمع، وهي ذات آثار على النفس، وعلى مفاهيم الشخص غير مستساغة ولا مقبولة؛ لأنها تغرس لدى المعتزل استعلاء لا

стр. 53

يليق بخلق المؤمن ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] ثم إن الإسلام نظم العلاقة بين أطراف المجتمع الحاكم والمحكوم، فجعل للحاكم حق الطاعة ما لم يأمر بمعصية، وحق النصح، وحرم غشه. وجعل للمحكوم على الحاكم حق الرحمة والرأفة، والنصح بأن يبحث، ويتطلب له ما فيه خيره ومصلحته في الدنيا والآخرة، فإذا قام كل طرف بما عليه استقامت الحياة وآتت ثمارها وأكلها بإذن ربها. فحرم على المحكوم أن يخرج على حاكمه، حتى إنه أمر بقتل من جاء المسلمين وهم مجمعون على رجل واحد يشق وحدتهم، وينتزع الولاية، وحرم على الحاكم غش الرعية، حتى جاء الوعيد بحقه في قول رسول الله ﷺ : «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ» (أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة ح ١٩) . وقوله: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (أخرجه البخاري ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة ح ٢١) . فجعل عقاب الحاكم إليه، وعقابه أنكى، ولئلا يتطاول الناس، وجعل عقاب المحكوم إلى خلقه لئلا يتجرءوا على ولاتهم، وبهذا تستقيم، وتستقر الأوضاع.

стр. 54

وقد أتي المسلمون من خلل في هذا الجانب، والإعراض عن ضوابطه الشرعية بمصائب كثيرة ابتداء من فتنة الدار إلى عصرنا الحاضر، فتجد من لا يرى طاعة الحاكم بالمعروف من طاعة الله، وتجد من يلتمس عيوبا وأوجه القدح، ويتأول أشياء وأعمالا على ما تزينه له نفسه باسم الإسلام والإصلاح على نحو مما تعمله الأحزاب السياسية. ومن العلائق الاجتماعية ما رتبه الإسلام بين المسلمين، وما أوجبه من حقوق لبعضهم على بعض، وهي حقوق متكافئة، للمسلم مثل ما عليه، وهي حقوق - لو أديت - تكفل استقرار المجتمع المسلم وتوازنه، وتحفظ عليه الضروريات الخمس (الدين، النفس، النسل، المال، العقل) وتبني مجتمعا يسوده الحب والألفة، يعرف كل فرد فيه مكانه وحدود مسئوليته، وواجبه، بحيث لا يتعدى ذلك أو يقصر عنه، وقد حدد الإسلام مسئولية الفرد في المجتمع بمثال حي، جاء في السنة النبوية: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقُوا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» (أخرجه البخاري في كتاب الشركة ح ٢٤٩٣ والشهادات ح ٢٦٨٦) فليس في المجتمع المسلم عنصر مهمل يخلى من المسئولية، فكل موكل بألا يؤتى الإسلام من قِبَلِهِ. ولو وعى المسلمون هذه الحقيقة لتخلصنا من كثير مما نعاني منه في حياتنا الاجتماعية، وهذه الصورة تحفظ المجتمع المسلم.

стр. 55

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يبني الإسلام علاقة متوازنة بين المسلمين وغيرهم من حيث الحقوق والواجبات؛ إذ البشرية كلها فريقان ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] والمؤمنون بعضهم أولياء بعض، غير أن هذه الولاية لا يلزم منها إعطاؤهم حق الظلم لغيرهم والكفار بعضهم أولياء بعض، ولكن الكفار لا يجوز ظلمهم أو سلب حقوقهم، بل لهم حقوق شرعت، وطرائق في معاملتهم سنت، ومظالم لو وقعت تعين رفعها ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] بل نهينا عن الاعتداء مع منع الحقوق ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] إن كثيرا من الخطاب الإسلامي الشائع على ألسنة بعض الدعاة والشباب يفقد توازنه مع غير المسلمين، وكأنه يوجب نمطا واحدا من المعاملة والخطاب، وما من شك أنهم أصناف وفئات، وللخطاب مقتضيات ومقامات، وللمتكلم أحوال وصفات، كلها توجب تعدد الخطاب وأن يكون مناسبا. لم يكلف محمد ﷺ إرغام الناس على الدخول في الإسلام ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] وفرق بين العرب في جزيرة العرب وغيرهم، فلم يقر المشركين العرب في الجزيرة على شركهم، وإن سوغ أخذ الجزية من عرب أهل الكتاب في غير الجزيرة، وقد نظم الإسلام العلاقة بين المسلمين وأهل الذمة، والمعاهدين والمحاربين من أهل الكتاب وغيرهم تنظيما لا مزيد عليه، غير أنه يحلو لكثير من المشتغلين بالدعوة أن يبرزوا وجها واحدا من هذه المعاملة ويدعوا الباقي، مما يجعل

стр. 56

المسلمين هدفا لأعدائهم، وهم ليسوا مؤهلين لمعاداة أهل الأرض لأوضاع لا تخفى على أحد، وهذا كله من غيبة الفقه، ونزوع البعض إلى نمط واحد من الخطاب، وكأنه المتعين، على الرغم من اختلاف المقامات والمقتضيات. إن الله حرم على المؤمنين موالاة الكفار، لكنه لم يمنع البر والإحسان إليهم ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] وقد ترك أمر الإحسان إليهم، واصطناع المعروف لديهم لتقدير المصلحة، أما الصنف الأول فالبر به والإحسان إليه هو الأولى لظهور المصلحة وغلبة الظن بتحققها. وقد تؤخذ آيات في طوائف من الكفار، وتطبق على آخرين، والأمر مختلف ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] هذا في مشركي العرب في جزيرة العرب، أما أهل الكتاب ففيهم ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]

стр. 57

[تفاوت الشرائع] (٣) تفاوت الشرائع ليست الشرائع على درجة واحدة، فهناك ما هو ركن، وما هو واجب، وما هو مستحب. . الخ، وكذلك المحظورات ذات درجات. فالشرائع من شعب الإيمان، والمحظورات من شعب الكفر، ومن أصول أهل السنة أنه يمكن أن يجتمع في الشخص الواحد كفر وإيمان، ويكون الشخص مؤمنا، في حين يسوي أهل الغلو بين شرائع الإسلام، فيكفرون بكل ذنب ولو كان دون الشرك، في حين خالف المرجئة، واكتفوا بمجرد التصديق، وقالوا: لا يضر ذنب مع التصديق. والوسط: هو قول أهل السنة، كما هو معلوم مفصل في موضعه. ومن مظاهر الوسطية في الإسلام عدم إلزام الناس طريقة واحدة، أو نمطا واحدا من أنماط البر، فهناك الصائم، والقائم، والذاكر، والعالم، والمجاهد، وفاعل المعروف، والمتصدق. الخ، وكلهم يؤدي شيئا من الإسلام، ومجموع أعمالهم تمثل شريعة الإسلام الواسعة الشاملة، وهذا التنوع ليس مسوغا لتنقص، ولا يدل على تمايز عند الله، وللجنة أبواب ثمانية، كل باب لضرب من ضروب البر. وهذا يفتح بابا واسعا في النظر والدعوة؛ إذ علينا أن نفيد من جميع المسلمين ذكورهم وإناثهم، محسنهم ومقصرهم، كما كان يفعل سلف هذه

стр. 58

الأمة، ففي جيش سعد، كان أبو محجن الثقفي، وكان القصاص، والقراء، والفرسان. . الخ، كل منهم يؤدي ما أقدره الله عليه، والله يتولى جميع عباده. إن ما يقال إن بعض المنتسبين للدعوة يفعله من رفض من لديه شيء من التقصير والإخلال أمر يجب أن نراجع فيه أنفسنا، ليتوحد الصف الإسلامي بكافة شرائحه كل بإمكانه، هذا بفكره، وذاك ببدنه، وآخر بماله، ورابع برأيه، وخامس بدعائه. . الخ، ولنتخلص من تصنيف الناس إلى بر يصلح لكل عمل، وفاجر لا يصلح مطلقا. وبعد. إن الوسطية ليست شعارا يرفعه مدعوه بل هي ممارسة عملية في واقع الحياة. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣] والمعنى - كما قال ابن كثير - ((إن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان)) (تفسيره ٢ / ٣٧٠) . إن الوسطية هي سمة الإسلام في عقائده، وشرائعه، وأنظمته. وأخلاقه. فهو وسط بين الغلو والتقصير: في عقائده بين التشبيه والتعطيل، والجبر والقدر مثلا، وفي التربية والسلوك بين الأمن والإياس. (ينظر شرح الطحاوية ٥٨٦ - ٥٨٨) . فيعبد الله بالحب والخوف والرجاء، وتلك عبادة المؤمنين. (ينظر شرح الطحاوية ٣٧٢) .

стр. 59

إن الوسطية في الإسلام مؤسسة تأسيسا محكما، ولا تتم صورتها إلا بمراعاة ما يلي: ١ - الشمول الذي يجعل الإسلام مهيمنا على الحياة كلها بأنظمتها وأنشطتها المختلفة، وبأعمال الإنسان المتنوعة، فلا يشذ عن الدين أي عمل يعمله ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ٢ - التوازن بين الأطراف المختلفة؛ بحيث لا يحصل حيف لطرف على طرف، ولا لجانب على جانب. ٣ - تحقيق المقاصد الشرعية بحسب مرتبتها وأولويتها من ضروري، وحاجي، وتحسيني بحسب التمايز المتحقق، ولا تجوز التسوية بين هذه الدرجات إلا عند من لا فقه لديه، وحديثي العهد بالعلم. ٤ - اتساع الصدور لاستيعاب المخالف فيما يسوغ فيه الخلاف، خاصة المجتهد، ومن يمكن التماس عذر له. ٥ - وضوح الأصول الاعتقادية، لتكون منطلقا لغيرها من الأعمال. تم بحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين.

стр. 60

[المحور الثاني دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره] [مفهوم السماحة واليسر في الكتاب والسنة وأدلتها] [مقدمة] المحور الثاني دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره مفهوم السماحة واليسر في الكتاب والسنة وأدلتها للدكتور ناصر بن عبد الله الميمان

стр. 61

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الدين الإسلامي اليوم يواجه تحديات كبيرة وهجمة شرسة على مبادئه، وفي سبيل ذلك تلصق به التهم والشبهات التي هو بريء منها، ومن ذلك: وصف أعداء الإسلام له بأنه دين العنف والإرهاب ومناوأة السلام والسلم الدوليين، وأن لديه من القيم والمناهج ما يتناقض مع ما تقرره العقول السليمة. والمنصف يعلم أن هذه التهم كلها من باب الزور والبهتان والقول بلا علم، وأنها محض دعايات لا توجد عليها الأدلة والبراهين. بل إن مبادئ الإسلام وأصوله قائمة على ما يحفظ السلم والسلام، ويقيم العدل والأمن في العالم أجمع، وبين أبناء البشر بلا تفرقة أو ميز، ويوفق بين حاجاتهم وواجباتهم، ويكفل لهم الحقوق الإنسانية التي تحفظ النسل البشري والعقل الإنساني، ومقومات الحياة المادية والاجتماعية. لذا أحببت في هذه العجالة المختصرة أن أشير إلى أصل عظيم، وسمة بارزة من سمات هذا الدين، ألا وهي: " السماحة واليسر في الإسلام "، وقد سقت في ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على هذا الأصل، ووضحت مفهوم السماحة من خلال كلام العلماء، وذلك ضمن المباحث التالية:

стр. 62

* المبحث الأول - معنى اليسر والسماحة. * المبحث الثاني - مفهوم اليسر والسماحة في الإسلام. * المبحث الثالث - أدلة اليسر والسماحة في الكتاب والسنة. * المبحث الرابع - دلالات النصوص المذكورة، وما شابهها. وإن موضوع هذا البحث موضوع جليل القدر، عظيم الشأن، عميم الفائدة، واسع المجال، لا يمكن استيعابه في مثل هذه العجالة، لكن حسبنا أن نشير هنا إلى ملامحه البارزة وخطوطه العريضة. وأسأل الله جل وعلا التوفيق والسداد، وأن يكون هذا البحث مسهما في إزالة الشبهات ودرء الظلم عن الشريعة الإسلامية، وأسأله جل وعلا أن ينفع به قارئه وكاتبه، إنه سميع مجيب.

стр. 63

[المبحث الأول معنى اليسر والسماحة] المبحث الأول معنى اليسر والسماحة ١ - معنى اليسر لغة: اليسر - بضم الياء وسكون السين، وبضمهما -: اللين والسهولة، والانقياد، ضد العسر. والتيسير: مصدر يسر الأمر، إذا سهله ولم يعسره، ولم يشق على نفسه أو غيره فيه (١) . ومعناه في الاصطلاح: موافق لمعناه اللغوي، وهو: عمل لا يجهد النفس ولا يثقل الجسم، أو بعبارة أخرى: هو عمل فيه يسر وسهولة وانقياد (٢) . ومعنى قوله ﷺ : «إن هذا الدين يسر» : قال ابن الأثير: " اليسر ضد العسر، أراد أنه سهل سمح قليل التشديد " (٣) . ب - أما السماحة لغة - في هذا الموضع -: فهي مصدر سَمَحَ يَسْمَحُ سَمَاحَةً وَسُمُوحَةً: أي فعل شيئا فسهل فيه. والسمح: السهل، والمسامحة: المساهلة (٤) قال ابن فارس في مادة " سمح " السين والميم والحاء أصل يدل على سلاسة وسهولة (٥) و" الحنيفية السمحة ": أي ليس فيها ضيق ولا شدة؛ لكونها مبنية على السهولة (٦) .

стр. 64

ومعنى السماحة في الاصطلاح مثل معناها اللغوي، وقال بعضهم: " هي السهولة المحمودة فيما يظن الناس التشديد فيه. ومعنى كونها محمودة: أنها لا تفضي إلى ضرر أو فساد " (١) . ويتبين مما سبق أن اليسر والسماحة قريبان في المعنى، يعنيان السهولة واللين والسعة ورفع الحرج والضيق والمشقة ونحو ذلك من المعاني الدالة على السلاسة والسهولة.

стр. 65

[المبحث الثاني مفهوم اليسر والسماحة في الإسلام] المبحث الثاني مفهوم اليسر والسماحة في الإسلام إن الله جل شأنه وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة، حفظ فيها على الخلق قلوبهم، وحببها إليهم بذلك، فلو عملوا على خلاف السماحة والسهولة لدخل عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧] (١) فقد أخبرت الآية - كما يقول الإمام الشاطبي - أن الله حبب إلينا الإيمان بتيسيره وتسهيله، وزينه في قلوبنا بذلك، وبالوعد الصادق بالجزاء عليه (٢) . فالتيسير صفة عامة للشريعة الإسلامية في أحكامها الأصلية، وكذا في أحكامها الطارئة عند الأعذار، فلا توجد فيها مشقة غير معتادة (٣) ؛ لأن " الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه " (٤) .

стр. 66

لكن ليس معنى اليسر والسماحة في الدين ترك العمل والتكاسل عن الطاعات والعبادات، كما ليس معنى التشديد فيه الأخذ بالأكمل فيها، كلا بل المراد الالتزام بالتوسط فيها، بلا إفراط ولا تفريط. نعم، هذا هو المنهج الوسط، وهو صراط الله المستقيم، فلا ميل إلى جانب الإفراط والتعمق والتشديد على النفس وعلى الآخرين، ولا إلى جانب التيسير الشديد والتساهل الذي يصل إلى حد التحلل والانسلاخ من الأحكام. وكما نقل الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن بعض السلف: " إن دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه " (١) . وفي هذا الصدد أيضا كلام جميل للإمام الشاطبي حيث قال - رحمه الله تعالى -: " فإذا نظرت في كلية شرعية فتأملها تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف، فذلك في مقابلة واقع، أو متوقع في طرف آخر. فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين. وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجي والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم

стр. 67

يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه "اهـ (١) .

стр. 68

[المبحث الثالث أدلة اليسر والسماحة في الكتاب والسنة] [أولا من القرآن الكريم] المبحث الثالث أدلة اليسر والسماحة في الكتاب والسنة لقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة، وإجماع الأمة على أن التيسير ورفع الحرج أصل من أصول الشريعة الإسلامية، فكما قال الإمام الشاطبي: إن الأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة بلغت مبلغ القطع " (١) لذلك فسأكتفي هنا بذكر بعض الأمثلة منها: أولا: من القرآن الكريم هناك آيات كثيرة أفادت بصريح اللفظ أو دلالته اليسر ورفع الحرج عن الأمة، ويمكننا أن نقسم الآيات الصريحة في ذلك إلى المجموعات التالية: (أ) الآيات المصرحة بإرادة الله تعالى اليسر والتخفيف بهذه الأمة: (١) كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (٢) ولا يقال إن الآية نزلت في شأن الرخص في الصيام؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو مقرر عند أهل العلم، قال أبو حيان: " وظاهر اليسر والعسر العموم في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية " (٣) .

стр. 69

(٢) وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] (١) والآية في معرض إباحة نكاح الأمة عند عدم طَوْل الحرة، إلا أن أغلب المفسرين على أن ذلك عام في جميع أحكام الشرع، ويؤيده آخر الآية (٢) . (٣) وقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٨] (٣) أي نسهل عليك يا محمد أعمال الخير، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا (٤) . (ب) الآيات المصرحة برفع الحرج والعنت عن الأمة: (١) مثل قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] الآية (٥) والحرج المنفي هنا هو جميع أنواع الحرج؛ لأنها نكرة في سياق النفي، ثم أكد هذا العموم بدخول حرف " من " عليها. (٢) ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (٦) قال الجصاص عند تفسير آية المائدة: " لما كان الحرج هو الضيق، ونفى الله عن نفسه إرادة الحرج بنا، ساغ الاستدلال بظاهره في نفي الضيق وإثبات التوسعة في كل ما اختلف فيه من أحكام السمعيات، فيكون

стр. 70

القائل بما يوجب الحرج والضيق محجوجا بهذه الآية " (١) ونحو ذلك قال غير واحد من أهل العلم (٢) . (٣) ومن ذلك أيضا ما وصف الله به نبيه ﷺ من أنه ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٣) أي ما شق عليكم وآذاكم وجهدكم (٤) . (ج) الآيات المصرحة بأن الله لا يكلف العباد إلا بما في وسعهم: (١) كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآية (٥) . (٢) وقوله تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢] (٦) ونحوهما من الآيات. والوسع: قال الزمخشري: هو ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه. أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقها، ويتيسر عليها، دون مدى الطاقة والمجهود " (٧) . وقال الرازي: " إنه ما يقدر الإنسان عليه في

стр. 71

حال السعة والسهولة، لا في حال الضيق والشدة. . وأما أقصى الطاقة فيسمى جهدا، لا وسعا، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود " (١) . وكذا قال الإمام الشوكاني عند تفسير هذه الآية: " الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه " (٢) . ومن هنا قرر الفقهاء أن ما عُجِزَ عن أدائه سقط وجوبه، كما صرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - في غير موضع من كتبه بأن الواجبات كلها تسقط بالعجز عن أدائها (٣) . [ثانيا من السنة النبوية المطهرة] ثانيا: أدلة اليسر والسماحة من السنة النبوية المطهرة لما كان من الصعوبة بمكان استقصاء جميع الأحاديث الدالة على اليسر والسماحة في الشرع، لذلك سأكتفي هنا بذكر أبرز الأمثلة، ويمكن تقسيم هذه الأدلة إلى مجموعات - كما فعلنا في أدلة الكتاب - على النحو التالي: ١ - الأحاديث المصرحة بيسر الدين وسماحته، ومنها: (١) قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ

стр. 72

وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (١) والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، " فَسَدِّدُوا " أي الزموا الصواب، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط (٢) . (٢) وعن مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ ﵁ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، وَيَسْجُدُ وَيَرْكَعُ، وَيَسْجُدُ وَيَرْكَعُ. . وجاء في آخره: " إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» وفي رواية: «إِنَّكُمْ أُمَّةٌ أُرِيدَ بِكُمُ الْيُسْرُ» (٣) . (٣) وعن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» (٤) . (٤) وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعا: «إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا» (٥) .

стр. 73

(٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (١) . قال الباجي - رحمه الله تعالى - عند شرح هذا الحديث: هذه سنة من الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا سيما لمن قرب عهده بالإسلام، ولم يعلم منه الاستهانة به، فيعلم أصول الشرائع، ويعذر في غيرها، حتى يتمكن الإسلام من قلبه؛ لأنه إن أُخِذَ بالتشديد في جميع الأحوال خيف عليه أن ينفر قلبه عن الإيمان، ويبغض الإسلام، فيؤول ذلك إلى الارتداد والكفر الذي هو أشد مما أنكر عليه (٢) . (٦) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ مَرْفُوعًا: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى» (٣) . (٧) وحديث عروة الفقيمي ﵁: «كُنَّا نَنْتَظِرُ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مِنْ وُضُوءٍ - أَوْ غُسْلٍ - فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِينَ اللَّهِ فِي يُسْرٍ» ثَلَاثًا يَقُولُهَا (٤) .

стр. 74

(٨) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ دِينَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» (١) . (٩) وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ مَرْفُوعًا: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: " الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» (٢) . (١٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: «لِتَعْلَمَ الْيَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ» (٣) . (١١) وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (٤) . ومعنى " السمحة ": السهلة، أي أنها مبنية على السهولة، فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة، فهي حنيفية في التوحيد سمحة في العمل، كما قال الإمام ابن القيم (٥) . ب - الأحاديث الآمرة بالتيسير والناهية عن التشديد والتعمق، ومنها:

стр. 75

(١) حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُمَا: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا» (١) . (٢) وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَيْضًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَمْرِهِ قَالَ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (٢) . (٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا» (٣) . (٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» (٤) . (٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قُلْتُ: فُلَانَةُ، لَا
следующие страницы →