والبعد عن الظلم واجب على كل مسلم لكل أحد حتى ولو اختلف معه، بل حتى ولو كان كافرا، وأن دعوة المظلوم من الدعاء المستجاب.
[خامسا الرحمة والتيسير]
خامسا: الرحمة والتيسير وهو أمر متسق مع إرادة الله الخير بعباده، ومراعاة حاجات النفوس حتى لا تنفر من الخير، أو تستثقل السعي إليه، والعمل به ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا - إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] (٢) .
ويقول رسولنا الكريم في وصيته لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ﵄ عندما بعثهما إلى اليمن: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا» ، (٣) «فإنما بعثتم ميسرين» (٤) .
وكان هذا هو منهجه ﵊، وهو الأسوة والقدوة لأمته كما تحكي ذلك عنه زوجه أم المؤمنين عائشة ﵂: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. .» (٥) .
стр. 108
إن من يتأمل ذلك كله يوقن أن كثيرا من تصرفات المسلمين حتى بعض الخاصة منهم تفتقر إلى مراجعة دقيقة لأحكام الشرع وآدابه وأخلاقه، وسيرة رسوله المصطفى ﷺ فقد أولع أناس بالتشديد والتضييق على الخلق مع عدم وجود مستند شرعي واضح لفعلهم ظنا منهم أن هذا هو الأوفق لالتزام الشريعة، وقد جانبهم التوفيق في ظنهم هذا؟ لأن منهج الشرع الراشد وجادته الواضحة في التزام التيسير حين لا يترتب على ذلك تضييع حقيقي ولا تفريط في حدود الشرع.
والصواب كما يروى عن المأمون ﵀: في الأسد لا في الأشد، والشريعة عدل كلها ورحمة كلها.
يقول الإمام سفيان بن عيينة ﵀: " التشديد يحسنه كل أحد، وأما الفقه فهو الرخصة من الثقة ".
فمن وقع في خلاف منهج الشرع فقد تحمل ما لا طاقة له به. وتبرز أهمية التزام هذا الأصل في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وفي دعوة المخالفين إلى تصحيح مخالفتهم.
[سادسا التوضيح والتبيين]
سادسا: التوضيح والتبيين إن الالتزام بالركائز المتقدمة لا يعفي من مسئولية توضيح الحق وتبيينه للمخالف، قياما بحق الله الذي ألزم به رسوله ﵊ والقادرين على ذلك من أمته: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (١) ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (٢) .
стр. 109
والعلماء هم ورثة الأنبياء، ومن المسلم به أن حجة الله لا تقوم على الخلق إلا بالبيان والدعوة، وكم من مخالف حجبه جهله عن معرفة الحق، وكم من مخالف حالت شبهته بينه وبين النور والهدى، ولهذا كان حقا على القادرين القيام بهذا الواجب لعموم الخلق كل بحسب حاجته، وقد رفع الله العذاب عمن وجد له عذر صحيح حال بينه وبين بلوغ الدعوة الصحيحة إليه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا وإن كان واردا في أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة الرسول ﵇ إلا أنه يدخل فيه أيضا كل من لم تبلغه دعوة الرسول حتى بعد البعثة.
ولا يحكم على أحد بكفره ولا بفسقه حتى تتحقق فيه الشروط التي تبيح الحكم عليه بذلك، وحتى تنتفي الموانع من الأعذار والشبه ونحوها.
[سابعا الالتزام بالخلق الحسن في معاملة المخالفين]
سابعا: الالتزام بالخلق الحسن في معاملة المخالفين الخلق منظومة متكاملة مؤصلة في منهج الإسلام ورد الأمر بها، وامتداحها، والثناء على أهلها، إضافة إلى ترتيب الأجر الجزيل عليها، وهذا كله يدل المنصف على عظمة هذا الدين وسموه، وتفرده عن مناهج البشر.
إن الذي خلق الخلق، وركب فيهم فطرهم وغرائزهم هو الذي شرع لهم هذا المنهج، وهذا دليل على أنه المنهج الأحكم والأصلح للتعامل مع البشر عموما، والمخالف على وجه الخصوص، كما أن العقل السليم يدل على صحته وصلاحيته أيضا، ذلك أن النفوس البشرية بحاجة إلى من
стр. 110
يسوسها بحكمة وروية حتى يستطيع التأثير فيها، وقيادتها إلى الهدى، ومن أحق بذلك من الدين الذي رضيه العليم الحكيم؟!
إن نظرة فاحصة منصفة لما أمر به نبي الله وكليمه موسى عندما أرسل هو وأخوه هارون ﵉ إلى أعتى أهل الأرض وأفجرهم وأكفرهم الذي عاث في الأرض فسادا، وقتل ذكور بني إسرائيل واستحيا نساءهم، وزعم أنه الإله، لتدلنا على قيمة هذا الأمر، وأهميته في التخاطب والبلاغ، فقد أمرهما الله أن يترفقا في مخاطبة هذا الجائر العاتي لعله أن يستجيب ويهتدي: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ولم يكن رد فرعون، ولا موقفه غائبا عن علم الله المحيط قبل أن يصل إليه موسى ويكلمه بالأسلوب الذي أمره الله به، ولكنه المنهج الحق الذي يؤسس للتبليغ والدعوة، بالنسبة لموسى ﵇ ولغيره.
وقد أمر الله بني إسرائيل بالتزام هذا المنهج أيضا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وأمر الله سبحانه رسوله ﵇ أن يأمر عباده المؤمنين بقول الأحسن معللا ذلك بأن تركه مدخل من مداخل نزغات الشيطان: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]
стр. 111
وهذا الأمر الكريم الذي تجاوز مدلوله الكلام الحسن إلى الأحسن - هكذا - بصيغة التفضيل له دلالته البالغة على أهمية الأسلوب الراقي، واللفظ الراقي في مخاطبات المؤمنين ومحاوراتهم بعضهم مع بعض ومع غيرهم من المخالفين.
ونجد أيضا في سنة المصطفى ﵌ دراري متقدة في نصوص كثيرة تزكي هذا الأمر، وتكشف عن قيمته، وترغب فيه في معاملة الخلق عموما، من أمثال قوله ﵊: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» ، (١) وقوله: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلِقٍ حَسَنٍ» ، (٢) وقوله: «أَنَا ضَمِينٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ» (٣) .
ويدخل في هذا المرتكز أيضا، كل ما هو معدود من محاسن الأخلاق والشيم التي تسمو بصاحبها، وتفتح له بإذن الله مغاليق قلوب العباد.
стр. 112
[ثامنا فتح باب الحوار لبيان الحق وتثبيته]
ثامنا: فتح باب الحوار لبيان الحق وتثبيته وسماع ما عند الآخر والتأمل فيه
حتى لا يشعر بالتسلط والتعسف في فرض الرأي عليه وهذا مما يسهل معرفته بالحق، وييسر عليه التزامه إن كان طالبا له راغبا فيه.
والحوار أسلوب راق للإقناع والبيان تعارف على قبوله أهل العقول الراجحة، والأفكار المستقيمة، وهو إلى ذلك نوع من المجادلة بالحق، وقد وردت في الكتاب الكريم والسنة المطهرة أمثلة عديدة لحوارات منهجية مفيدة، منها محاورة إبراهيم ﵇ مع قومه (١) ومحاورة موسى مع فرعون (٢) ومحاورة قوم موسى المؤمنين مع قارون (٣) .
كما أنه قد وردت الدعوة إلى الحوار مع أهل الكتاب في القرآن الكريم فيما أمر الله به رسوله ﵊ في قوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٤) .
وفي سنة المصطفى ﵊ أمثلة كثيرة لهذه الحوارات مع الكفار ومع الجهلة، ومع غيرهم مما يدل على أنه أمر مشروع، وأنه
стр. 113
يتبوأ مكانة عالية في منهج الإسلام السمح في معاملة المخالفين، وربما ظن البعض أن الحوار مع المخالف نوع من الضعف أو أنه مدعاة لإضفاء صفة الشرعية على بعض الأمور المخالفة للشريعة، وهذا أمر غير مسلَّم، فإن الحوار وسيلة، ولا يلزم منه حصول المحذور إذا ضبطت هذه الوسيلة، وحققت شروطها، بل إن القبول بالحوار دليل على التمكن والثقة عند المحاور بما يحمله من الأفكار والمعتقدات، وما يلتزم به من الأحكام والأخلاق.
أما تسلل الأفكار المنافية، وتسويغ بعض المخالفات فإنه أمر يحصل بأسباب كثيرة لا يلزم أن يكون الحوار منها.
[تاسعا الصبر]
تاسعا: الصبر وهو كما يعرَّف: حبس النفس على ما تكره، تطلعا لما هو أفضل من الأجر عند الله، إذا كان في سبيل تحصيل رضوان الله كما لو كان في طريق دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإصلاح الناس والمجتمع؛ حيث لا يبعد مقابلة الإنسان لما يكره، والصبر والاحتساب هنا يهون على الداعي إلى الله ما يلقاه، ويلفت نظر الناس إلى التفكر والتدبر فيما يدعو إليه، ولا تحصل هذه الفضيلة إلا إذا تسامح الدعاة واحتملوا الأذى، ولم يقابلوا السيئة بمثلها، ومثل هذه الأمور تدخل في منهج معاملة المخالف دخولا أوليا، وهي تنطوي على رحمة بالمخالف، ورغبة في إصلاح حاله، وإيصال الخير له، ولو أن التعامل مع المخالف عري عن هذا المعنى لانقطعت سبل الاتصال معه، وحل محلها كل ما يدعو إلى الانتصار لنفس، أو إيثار الراحة والدعة، وهذا خلاف الواجب الشرعي في البيان
стр. 114
والدعوة الذي أمر الله به رسوله والمؤمنين ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (١) ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] (٢) ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] (٣) .
وقال الرسول ﵊: «الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» (٤) .
وعندما رجع الرسول ﵇ منكسرا حزينا من الطائف بسبب المقابلة السيئة التي قابله بها أهلها، ورميهم له بالحجارة حتى أدموا عقبيه ﷺ ، وشتمه وإيذائه، جاءه جبريل ﵇ يخبره أن ملك الجبال نزل لأول مرة إلى الأرض، أرسله الله جل وعلا يستأمر رسوله ﵊ في أن يطبق على أهل مكة الأخشبين لتكذيبهم لله ولرسوله، فكان جوابه ﵊ بالرفض، متذرعا بالصبر، مؤملا أن يكتب الله لهم ولأعقابهم طاعة الله والدخول في هذا الدين قائلا: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (٥) .
стр. 115
[عاشرا علاقة المسلمين مع غير المسلمين]
عاشرا: علاقة المسلمين مع غير المسلمين أساس هذه العلاقة قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] (١) .
فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا حتى لو كانوا كفارا ما لم يحولوا بين الناس وبين دعوة الإسلام، أو يقاتلوا المسلمين أو يعتدوا عليهم. ولأهل الكتاب من بين غير المسلمين منزلة خاصة، حيث نهى الله عن مجادلتهم في دينهم إلا بالحسنى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (٢) .
وأباح الإسلام الأكل من ذبائحهم، ونكاح النساء المحصنات منهم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥] (٣) .
стр. 116
وهذا الحكم في أهل الكتاب وإن كانوا في غير دار الإسلام، أما الذين يقيمون في دار الإسلام بالعهد والجزية فلهم حق الرعاية، والحماية، بل والإعالة عند العجز، والشيخوخة والفقر. .
جاء في عقد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد ﵁ في عهد أبي بكر الصديق ﵁، وبمحضر من عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم لنصارى الحيرة في العراق: " وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله " (١) .
ورأى أمير المؤمنين عمر ﵁ شيخا يهوديا يسأل الناس، فسأله عن ذلك فعرف أنه محتاج بسبب عجزه وكبر سنه فأمر له، ولأمثاله بما يكفيهم من بيت مال المسلمين، وقال: " ما أنصفناه إذ أخذنا منه الجزية شابا، ثم نخذله عند الهرم " (٢) .
стр. 117
ولهم حق العمل والاكتساب بالعمل عند غيرهم أو بالعمل لحساب أنفسهم.
كما أن لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية في أماكنهم الخاصة من غير تثريب عليهم، ومن غير إجبارهم على الدخول في الإسلام.
стр. 118
[خاتمة]
خاتمة إن البشرية عادت في هذا الزمن إلى شريعة الغاب أو كادت. ظلم هنا، وقتل هناك، ودمار وهلاك، واستباحة للحرمات في ظل ضعف الاستمساك بالدين، وفي ظل غياب القيم الإنسانية بسبب عبادة المادة، والتخبط في أوحال الشهوات والملاذ.
وما أحوج البشرية وهي في هذا التيه إلى إظهار فضائل دين الله الذي ارتضاه لعباده، والتعريف به، ورد عاديات الأدعياء المتقولين، والأعداء المتطاولين عليه، وهذا أمر يدخل في صميم واجب الدعوة الذي أمر الله به رسوله ﵊ وهو أمر للمؤمنين جميعا - ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] (سورة النحل آيه ١٢٥) . وفي صميم واجب البيان الذي أخذه الله على أهل العلم خاصة ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (سورة آل عمران: آية ١٨٧) .
وإن التقاعس عن هذا الواجب، أو التفريط فيه، لن يورث إلا زيادة في سوء فهم الناس للإسلام، ويسهل عليهم قبول التهم التي توجه له، ويتيح للمتربصين شن الغارة على الإسلام وأهله، وتوظيف كل أساليب المكر والبغي والعدوان للنيل من شرع الله المطهر، وصد الخلق عنه.
стр. 119
وإن المؤسسات التي تتبوأ القيادة العلمية والدعوية في بلدان العالم الإسلامي مطالبة بأداء هذا الواجب أكثر من غيرها، بالعمل على إبراز هذه المعاني السامية التي انطوى عليها ديننا الحنيف، والعمل على تأصيلها، وتعريف الناس بها عبر وسائل الإعلام المختلفة، وبلغات العالم الحية، كما أن كل قادر مؤهل لذلك مطالب أيضا ببذل ما في وسعه قياما بحق دينه عليه، وسعيا في سبيل إصلاح الخلق مسلمين وغير مسلمين. وبالله التوفيق.
стр. 120
[سماحة الشريعة في التعامل مع الواقع للدول والأفراد]
[تقديم]
المحور الثاني
دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره سماحة الشريعة في التعامل مع الواقع للدول والأفراد
للدكتور عبد الرحمن بن زيد الزنيدي
стр. 121
تقديم الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فالإنسان ابن الواقع فشخصه بتكوينه المادي والروحي وتحولاته واقع، والكون المحيط به بأحداثه وتغيراته واقع، هو جزء منه.
هذا الواقع سمته النقص، والضعف والجذب المادي والإلهاء:
سواء كان الإنسان ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] الأحزاب ٧٢. . ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] النساء ٢٨.
ويقول ﷺ : «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا خَلَا الْكَذِبِ» (١) أو كان الكون الدنيوي بجماده ونباته وحيوانه:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] آل عمران ١٨٥.
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: ٢٠] الحديد ٢٠.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٣] يونس ٢٣.
في مقابل هذا الواقع يتجلى " الوحي الإلهي " متمثلا في شريعة محمد ﷺ بالقرآن الكريم، وسنته الشريفة، حيث الكمال والطهر، وحيث جاء ليرتقي بالإنسان نحو السمو والكمال والرشد في حركته ومآله.
стр. 122
والإنسان بحكم طبيعة وجوده التي برأه الله عليها متردد بين الوحي بكماله من جهة والواقع بنقصه من جهة أخرى، وغاية الوحي الذي يحمل منهج الله للبشر أن يحقق للإنسان كمال وجوده في هذا الواقع، ولكنه لم يضع الإنسان معلقا بصورة مثالية مبتورة الصلة بواقعه الذي لا فكاك له منه بحيث إنه إن تمسك بهذه الصورة - كما في بعض الأديان الروحية - ساء واقعه الحياتي وتدهور حضاريا، وإن استنكف عنها انجذابا للواقع ولفرط مثاليتها - كما في المدن المثالية التي وضعها كثير من الفلاسفة فبقيت تخيلات نظرية - غمره الواقع بكل سوءاته التي لا تقف عند حد حتى ينحدر لبهيمية تقطعه عن خالقه وعن إنسانيته.
منهج الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ منهج متفرد في علاج هذه القضية إذ يجمع بين الارتقاء بالإنسان في وجوده الحضاري في مدارج الإنسانية الممكنة وبين اعتبار الواقع الذي يعيشه الإنسان في إمكاناته، وضغوطه، ونزعاته، وأعرافه، وسقفه الحضاري، ونحوها، فحقق للإنسان سعادته في ظل واقعه الذي يعيشه، ويتعايش فيه مع من حوله في يسر ورفع حرج وسلام وتسديد ومقاربة وتكليفات لا تتجاوز حدود طاقته البشرية.
وشريعة الإسلام لا تحصر هذا المنهج في المنتمين إليه فقط وإنما تعم برحمته العالمين كلهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]
المشكلة لدى بعض أبناء الأمة في هذا العصر نتيجة انفعال بالضغوط المحيطة بهم وبأمتهم أنهم جنحوا عن هذا المنهج السوي إلى أحد تطرفين:
стр. 123
* تطرف الذين جمحوا في نظرتهم للواقع وتضخم لديهم حتى حكموه في شريعة الله المنزلة وقرروا أن ((الواقع له أولوية على كل نص)) (١) .
* يقابله تطرف الذين اختزلوا الإسلام في موقف مثالي اشتط في تعامله، ومن ثم في حكمه على الواقع لعدم استيفائه الصورة المثالية لديهم فرفضوا هذا الواقع واعتزلوه وأنكروا عناصر الخير فيه وأعلنوا الحرب ضده.
وهذه الصفحات المقتضبة مجرد أفكار - وضعت على عجل - في هذه القضية ((التعامل مع واقع الفرد والدولة في إطار سماحة الإسلام)) ، والله الموفق.
стр. 124
[اليسر ورفع الحرج منطق الإسلام في التعامل مع الواقع]
اليسر ورفع الحرج منطق الإسلام في التعامل مع الواقع اقتضت حكمة الله أن تكون الحياة الإنسانية على النمط الذي تجلت فيه واقعا عبر القرون المتتابعة وسطا بين الحياة الملائكية المتجردة من جواذب الحياة، والحياة الشيطانية المرتدة إلى أسفل سافلين، فالحياة الإنسانية تتنازعها جواذب متقابلة:
* إنسانية روحية كغريزة التدين وحب الخالق، وحب الفضائل، ومقت الرذائل.
* وحيوانية مادية متمثلة بالغرائز الشهوانية كحب التملك والشهرة والجنس ونحوها.
وحركة الحياة البشرية فردية أو حضارية هي استجابة لهذه الغرائز بما تتضمنه من قيم وأعراف وتشريعات وتصرفات.
وقد أنزل الله شريعته للإنسان من أجل أن يضبط حركته في الحياة عبر تنظيم تلك الغرائز - مادية وإنسانية - لا بكبتها والضغط عليها، ولا بإفلاتها، وإنما بفتح المجالس لها لتؤدي دورها وفق ما تحتاجه الطبيعة الإنسانية كي تنال سعادتها في حياتها، ومن ثم فلاحها في ما بعد الحياة، ولأن تحقيق ((المصالح الإنسانية)) هي غاية التشريع الإسلامي، لذلك فإنك لا تجد في الشريعة أمرا إلا وهو رحمة وتيسير وتسهيل، ولا نهيا إلا وهو عن عنت وضنك وحرج وبؤس.
стр. 125
يقول ﵎: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] البقرة ١٨٥.
ويقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الأعراف ١٥٧.
وقال سبحانه رابطا تيسير شريعته بواقع الإنسان المتسم بالضعف:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] النساء ٢٨.
ويبين تعالى أن الإسلام بما شرعه الله فيه من عبادات ومناهج سلوكية لا يهدف بل ولا يتجه إلى إرهاق الإنسان في حركته الدنيوية، وإنما إلى إضفاء طابع السمو، والطهر عليها حتى لو اضطر واقع الإنسان أن يكون هذا الطهر رمزيا فإن الشريعة تتنزل له، يقول سبحانه بعد تشريع التيمم بالتراب للمسلم إذا لم يجد الماء: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] المائدة ٦.
وأحاديث الرسول ﷺ تفيض ببيان تيسير الله لعباده ورعايته لوسعهم أي للإطار الواقعي الذي يعيشون فيه حيث يبين ﷺ أن الخروج
стр. 126
عن هذا المبدأ نأي عن طبيعة دين الإسلام ومجانفة لهديه هو ﵊.
يقول ﷺ فيما رواه أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» (١) .
وقال فيما رواه البخاري: «إِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا» (٢) .
وقال فيما رواه أحمد وصححه ابن حجر والسيوطي: «إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ - قَالَهَا ثَلَاثًا» (٣) .
ويبين ﷺ في حديث - رواه الترمذي - النسبية المتلازمة بين تدين الإنسان وواقعه الذي يعيشه حيث يدان الإنسان في حدود ما يسمح له به الواقع من إمكانات الاستقامة على منهج الله يقول ﵊ لأصحابه: «إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا» (٤) .
وواضح من هذا الحديث أن الاعتبار في نسبية التدين من ٩٠% إلى ١٠% ليس هو الشريعة فالشريعة بكمالها ثابتة لا تغير فيها، وليس الكينونة الإنسانية بما هي مادة وروح متضمنان للنزعات الفطرية لأنها أيضا ثابتة، ولكن الاعتبار إنما هو للواقع المتغير من وضع إيجابي موات اقتضى المطالبة بما لا يقل عن ٩٠% إلى وضع مترد ضاغط لا يتيح للإنسان ما يتجاوز ١٠% وهو ما يقبل منه عند الله.
стр. 127
ولهذا كان ﷺ يؤكد على أصحابه أهمية تمثل التيسير والسماحة في أشخاصهم: «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (١) .
وبأن تكون حركتهم الدعوية والتطبيقية تيسيرا وسماحة ورحمة: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» (٢) .
ليس فقط في دائرة التعامل مع المسلمين كما يتصور ذلك بعض من يضيق قيم الإسلام ويحد من عموميتها، ولكنه مع كل الناس، ولذلك وجه ﷺ معاذا وأبا موسى حينما بعثهما إلى اليمن: «ادْعُوا النَّاسَ وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا» (٣) .
ولعل من أبرز الإضاءات التي تبين هذه السمة السامية في الشريعة - أقصد التيسير ورفع الحرج - أن القرآن والسنة يغلبان دائما جانب الإباحة، ويحصران بالمقابل جانب التحريم بتفصيل أعداده لمحدوديته:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الأعراف ٣٢.
﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] البقرة ١٦٨.
وصيغ ((لا جناح عليكم)) ((أحل لكم)) ((فلا إثم عليه)) دائرة في هذا الإطار في مقابل الحصر للتحريم ((إنما حرم عليكم)) ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الآية في الأعراف ٣٣ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] الأنعام ١١٩.
стр. 128
وقد قال ابن تيمية ﵀: ((إن عامة ما ذم الله به المشركين في القرآن من الدين المنهي عنه إنما هو الشرك والتحريم)) (١) .
على هذا الإطار المتين الذي جاءت به الشريعة قامت قواعد الحضارة الإسلامية التي ارتكزت على ((فقه الشريعة)) لدى أئمة العلم الراسخين الذين انطلقوا من هذه الغايات التي استهدفتها شريعة الله ليستمدوا - كما يقول عبد الوهاب خلاف - ((من نصوص الشريعة وروحها ومعقولها مبادئ تشريعية عامة تعتبر الدستور التشريعي الذي يبني عليه المشرع (المجتهد) تشريعه (الاجتهادي) والقاضي قضاءه.
وكل هذه المبادئ يمت بسبب صحيح إلى تحقيق مصالح الناس، وإقامة العدل بينهم، وتؤخذ منه أحكام الوقائع المختلفة في مختلف البيئات والعصور.
من هذه المبادئ الخاصة برفع الضرر التي أساسها قول الرسول ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وهي: أن يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما، ودفع المضار مقدم على جلب المنافع، والضرورات تبيح المحظورات. . . . الخ.
ومنها المبادئ برفع الحرج التي أساسها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (الحج / ٧٨) ، ومنها: المشقة تجلب التيسير، ومنها المبادئ الخاصة بسد الذرائع، ومنها: ما يفضي إلى المحظور فهو محظور، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما أضر كثيره حرم
стр. 129
قليله. ومنها المبادئ الخاصة بالبراءة الأصلية التي أساسها قوله تعالى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (البقرة / ٢٩) ، ومنها: الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في الإنسان البراءة، وما يثبت باليقين لا يزول بالشك. . إلى غير ذلك من المبادئ التشريعية التي هي دستور الأحكام الشرعية)) (١) .
ولقد يبدو هذا التقرير المرتكز على نصوص من القرآن والسنة واضح المعاني فيما تدل عليه من يسر وسماحة وتخفيف ورفع حرج عن الحياة الإنسانية، وما توجه إليه المسلمين من طلب رعاية ذلك في كافة شئونهم، لكن الموازي لهذه الملحوظة المستدعي لتقرير هذا الواضح أن فئاما من شباب الإسلام المنتسبين للعلم أو للدعوة، أو المتحركين بغيرة إيمانية، ربما بسبب خلل في فقههم الشرعي، أو انفعال مفعم بضواغط العصر ومكر أهل الكيد للإسلام فيه، أو لتربية غير سوية، أو لغير ذلك من الأسباب - أنهم - انطبعوا في أحكامهم على الناس والواقع، وفي نظرتهم للأشياء، وفي تعاملهم بطابع مناقض لتلك السمة متسم بالغلظة وسوء الظن، ومقت الناس لعدم تحققهم بالصور المثالية التي يتراءونها والدعوة إلى بناء العلاقات، والتعامل على الرفض والمباعدة والتوجس من الآخرين، ثم هم يسعون لدعم مواقفهم ورؤاهم بما يوهم أنها منهج الإسلام وشريعته، مما يقتضي إيضاح الصورة السليمة، وتأكيد طابع الإسلام الحقيقي في هذا المجال.
ولكن ينبغي أن نؤكد هنا - حتى لا يشتط بنا هذا التطرف إلى تطرف مقابل - أن يسر الشريعة ورفعها للحرج لا يعني مباركة الواقع في كل تحولاته وفي مفاسده، كلا فالإسلام بناء عقدي وقيمي وتشريعي متميز
стр. 130
أنزله رب العالمين لتحقيق مصالح عباده، وهو أعلم بهم من أنفسهم، فإذا ما تصوروا أن في خلق أو معاملة مما يخالف شرع الله خيرا وصلاحا وأقبلوا على ذلك فإنهم ضالون تائهون، وشرع الله هو الحق، ولا يجوز للمسلم أن يواطئهم على ضلالهم ولا أن يرضى به.
стр. 131
[التعامل مع واقع الأفراد في إطار سماحة الإسلام]
التعامل مع واقع الأفراد
في إطار سماحة الإسلام في هذه المسألة نقطتان:
الأولى: في تعامل الدين مع الأفراد في واقعهم الحياتي سواء كان في ذواتهم أو في الأوضاع الملابسة لهم.
* وأول ما يشار إليه هنا هو أن الإسلام في عقيدته وشريعته جاء متناغما مع فطرة الإنسان أي مطابقا لواقعه الذاتي فيما فطر عليه من تدين وتوحيد، ومن قيم خلقية ونزعات مادية مما يجعل أي إنسان سوي العقل سليم الفطرة لا يملك حين ينظر في ما جاء به الكتاب والسنة في العقيدة والقيم والشريعة إلا أن يقر بأنها الحق والصدق الذي تهفو إليه نفسه، ولا حاجة لتجاوز هذا إلى تفصيل حديث القرآن عن قضايا الإيمان والقيم وتلاؤمها مع مقررات الفطرة فحسبنا هذه الإشارة (١) .
* مراعاة الطبيعة البشرية المحدودة طاقتها المادية بحيث جاءت الشريعة في حدود هذه الطاقة ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]
ولو جمح المسلم نتيجة توهج إيماني طامح بما يتجاوز هذه الطبيعة، فإن الإسلام يرده إلى المسار الوسطي معتبرا طموحه هذا خطأ، بل خروجا على هدي الإسلام وغلوا غير مقبول، وحديث الرهط الثلاثة الذين دفعتهم الرغبة في التفوق التعبدي على الآخرين لدرجة اختطاط مسالك خاصة في التعبد حيث «قال أحدهم أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أنا
стр. 132
أقوم ولا أرقد، وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، فلما علم الرسول ﷺ بمقالتهم أنكر عليهم وبين المنهج الوسطي الإسلامي المتناسب مع الطبيعة البشرية ذات الاحتياجات المادية المشروعة التي لا يجوز الجور عليها ولو بالإغراق في المسالك الروحية التعبدية قال ﵊: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) .
ومثل ذلك في رعاية الجانب المادي من الإنسان وردع من يصادر شيئا منه لحساب الجانب التعبدي الروحي، قال الرسول ﷺ حينما سقط الصوام في السفر وقام المفطرون بضرب الأبنية وسقي الركاب - قال - «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ بِالْأَجْرِ» (٢) .
وفي هذا الجانب أقصد في مراعاة الشرع الإسلامي لواقع الطبيعة الإنسانية راعت الشريعة ما يمكن أن يعرض لهذه الطاقة من ضعف ومشقة من جهة، ومن قدرة يمنحها الله بعض عباده زيادة عما هو معتاد في سائر الناس.
راعت الشريعة ذلك: * ففي حالة المشقة خففت عن المسلم فيما تطالبه به من عبادات فجاء مثل قصر الصلاة والجمع في السفر، والجمع في المطر والفطر للمسافر والمريض والمسح على الخفين والعمامة ونحو ذلك.
* وفي حالة وجود فائض طاقة لدى المؤمن وهمة في التسامي بصلته بالله شرع الإسلام نوافل الطاعات التي تتدرج من رواتب - كما في الصلاة - ووتر مؤكد، إلى تهجد معظم أجره، إلى نوافل مطلقة.
стр. 133
ومثل ذلك الصيام والصدقة والحج.
وهكذا لا يجد المسلم نفسه في حالة نفسية وجسمية وظروف إلا وقد شرع الإسلام ما يناسبها مما يحقق سعادته ويعمر به وجوده.
* من أعظم رعاية الإسلام للواقع الفردي للمسلم اعتباره للضغوط الخارجية المحيطة بالإنسان وأن المطلوب من المسلم ليس بخع نفسه أمام التحديات الضاغطة، ولكن أن يسدد ويقارب، ومهما اشتدت الضغوط عليه فإنه واجد في رخص الدين مسالك تقيه من أن تطحنه لدرجة أنه يجوز للمسلم عند الضرورة والخوف على نفسه الهلاك أن ينطق بكلمة الكفر: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] النحل ١٠٦.
وأنه لا يأثم عند الاضطرار لتناول الحرام الذي تتوقف عليه حياته، وفي هذه القاعدة التي استقراها العلماء من نصوص الشريعة وهي قاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) .
ثم إن الشريعة الإسلامية مع أنها وضعت للناس النموذج الأعلى للحياة الإنسانية السامية إلا أنها رعاية للواقع الإنساني تنزل إلى هذا الواقع لتكيف أحكامها الفرعية معه حتى لا تتعطل مصالح العباد وتنفلت حياتهم من الإسلام جملة، ومن أجل أن ترتقي بهم ما أمكن في سبيل صبغ حياتهم بالإسلام شيئا فشيئا.
стр. 134
من ذلك مثلا أنه يشترط فيمن يلي منصبا أن تتوفر فيه صفتا الأمانة والقوة، فإذا لم تتوفر بصورتها المطلوبة في مجتمع اقتضت المصلحة تولية من يمتلك قدرا منهما ولو دون ذلك.
وقد ذكر ابن تيمية ﵀ أن بعض العلماء سئل: إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق أو جاهل دَيِّن فأيهما يقدم؟
فأجاب العالم: إِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الدَّيِّنِ أَكْثَرَ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ قُدِّمَ الدَّيِّنُ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْعَالِمِ أَكْثَرَ لِخَفَاءِ الْحُكُومَاتِ قُدِّمَ الْعَالِمُ (١) .
ومثل هذا النمط كثير لدى العلماء الراسخين في إدراك مقاصد الشريعة ومنهجها المساوقة للحياة البشرية في كل أوضاعها (٢) لكن هل ذلك يعني الاستسلام للواقع الرديء والانسياق مع انحداره؟! ، كلا إن الواجب هو السعي إلى الارتقاء بالحياة نحو الصورة الإسلامية الممكنة ما استطاع الدعاة إلى ذلك سبيلا.
المسألة الثانية: توجيه الإسلام أتباعه في تعاملهم مع الأفراد برعاية واقعهم: فبناء على ما تقدم من الرعاية الشاملة في الإسلام لواقع الإنسان في كافة أحواله دعا الإسلام المسلمين في تعاملهم مع الآخرين إلى رعاية الطبيعة الواقعية لذواتهم ولظروفهم المختلفة في مختلف مجالات التعامل معهم:
* أولا: رعاية الواقع في دعوتهم إلى الله وإلى دينه فقد أمر الله نبييه موسى وهارون في دعوتهما فرعون بمراعاة وضعيته النفسية: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] طه ٤٤، وقد سبق
стр. 135
توجيه الرسول ﷺ لمعاذ وأبي موسى في دعوتهما في اليمن «أَنْ يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا» .
وفي هذا الإطار ذكر العلماء أنه مما ينبغي للداعية في مراعاة أحوال المدعو أن يختار له ما يناسبه فإذا كان في حالة يأس واستعظام لما هو فيه وتصور انقطاع ما بينه وبين الله استحسن أن يعالجه بنصوص الرجاء وسعة رحمة الله، وجب التوبة للذنوب ونحو ذلك، وإذا كان في حالة استهتار وأمن من مكر الله وتماد في الرجاء كان المناسب له نصوص الخوف والانتقام وعظيم عذاب الله في الدنيا والآخرة.
من ذلك أيضا أن تكون دعوة الداعي قائمة على العدل الذي جاء به الإسلام دون تطرف يجنح بالمدعو من مخالفة إلى مخالفة مقابلة، أي من تطرف إلى تطرف آخر.
فإذا أراد أن يحذر الناس من الترف والإسراف في المتعة الدنيوية فينبغي أن لا يعزف بهم نحو زهد صوفي اعتزالي لكل متع الحياة مما تأباه فطرهم، وإنما ينبغي أن يبين منهج الإسلام الوسط الذي أباح الطيبات وتفضل على عباده بالتمتع بها، ولكن على الوجه الشرعي بأن تؤدى الحقوق، ويشكر المنعم، ولا يتجاوز إلى الحرام.
وهذا ما يخطئ فيه بعض الدعاة الذين ينفعلون أمام الانحرافات التي يرونها فيرتمون إلى الطرف المقابل فإذا افتتن الناس بشيء في أصله مباح كبعض الألعاب أو موضات الثياب، أو التجميل، أو استقدام الخدم
стр. 136
أو بعض التقليعات الاجتماعية كالاستراحات. . . . الخ؛ حملتهم الغيرة على اقتلاع هذا الافتتان إلى الشطط في حرب هذه الأشياء والوقوع أحيانا في التحريم لزيادة الضغط في اتجاه الإصلاح الذي ينشدونه، وإن كانوا لا يمارون في لحظات الهدوء أن هذه الأشياء - في ذاتها - ليست محرمة.
* ثانيا: رعاية الواقع في معاشرتهم: حيث وجه الإسلام إلى رعاية الأوضاع النفسية لهم سواء في سمتها العام المتمثل بالحاجة إلى الحنان ممن حوله جارا أو قريبا أو غير ذلك، كما في حديث حقوق المسلم: «السَّلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ لُقْيَاهُ، وَتَشْمِيتُهُ عِنْدَ الْعُطَاسِ وَحَمْدِ اللَّهِ، وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِ، وَعِيَادَتُهُ إِذَا مَرِضَ وَتَشْيِيعُهُ إِذَا مَاتَ» (١) أو في حالاتها الخاصة بالتنفيس عنه إذا أصابته كربة، وبإقالة عثرته إذا كان من ذوي الهيئات الذين تجرحهم الفضيحة ويكفيهم العفو (٢) وبتهنئته إذا نال خيرا من زواج أو منصب ونحوه.
كما وجه الإسلام إلى رعاية الأوضاع المادية للإنسان من قبل من حوله من أفراد أو جماعة. وفي هذا الإطار نهى النبي ﷺ أن يطرق المسافر أهله ليلا حتى لا تضطر المرأة لاستقباله وهي غير متهيئة بما يفترض أن تتهيأ به الزوجة لزوجها فتكون النتيجة ربما نفوره منها (٣) .
ومما يدخل في هذا أن الشريعة تأمر الزوج بأن يلبس زوجته مما تلبسه أمثالها - بقدره - مراعاة للوضع المادي الذي تعيشه.
стр. 137
ومن ذلك نهي الشريعة المسلم الغني أن يحرج جاره الفقير حيث طلب منه الشرع كف أهله وأولاده من التباهي على أولاد جاره بما يمتلكون من ثياب وزينة ونحوها.
* ثالثا: مراعاة الواقع في الحكم على الناس وفيهم: وفي ذلك أن الشريعة وجهت المسلم أن يكون في حالة حكمه وتقويمه في وضع متزن يسمح له بتحري الصواب بأعلى درجة ممكنة فقد نهى النبي ﷺ أن يقضي القاضي وهو غضبان (١) وقيس عليه العوارض الأخرى المؤثرة في الحكم.
* ثم إن الشريعة جعلت للأعراف، وهي واقع إنساني متحول اعتبارا في أحكامها على الناس وحقوقهم بناء على القاعدة الفقهية: " المعروف عرفا كالمشروط شرطا " (٢) .
فلو اختلف زوجان في المهر الذي لم يحدداه عند العقد فالمراد هنا إلى العرف الجاري في البلد الذي يعيشان فيه، وهكذا كثير من قضايا البيوع والإجارات والمساقاة ونحوها للعرف فيها موقع مؤثر في الأحكام.
وأمر مهم هنا في الحكم على الناس في مستوى تدينهم، حيث لواقع الإنسان معرفة وقصد ورؤية اعتبار مؤثر لا يتسنى لمبتغي إصدار الأحكام التمكن منه بمجرد صدور رد فعل من هذا الإنسان، ولهذا كان التفريق بين الحكم على الأفعال والأقوال والحكم على الأشخاص الذين قالوها أو فعلوها بأعيانهم.
стр. 138
فلو نقلت إليك كلمة عن شخص أو فعل فمن الممكن لك أن تحكم بأن هذه القولة أو الفعل كفر، لكنك لا تحكم على الشخص بالكفر إلا بعد مواجهته واستنبائه عن خلفيات نطقه أو فعله أي استقراء واقعه والحكم من خلاله.
وكم من فتن جرها على الناس في زماننا تسرع متسرعين بأحكام الكفر والشرك على أناس لمجرد تلقف كلمة منسوبة إليهم أو فكرة مطروحة من قبلهم وذلك نتيجة الاستهانة بهذا المنهج الشرعي الذي به تحقن الدماء ويتوقى النزاع، والله المستعان.
стр. 139
[التعامل مع واقع الدولة في إطار سماحة الإسلام]
التعامل مع واقع الدولة
في إطار سماحة الإسلام لئن كان واقع الفرد معتبرا في الشريعة الإسلامية فإن واقع الدولة المسلمة أشد اعتبارا بحكم أن حرية الفرد - في الغالب - وبالذات في أوقات الاستضعاف أوسع من حرية الدولة أمام الضغوطات المحيطة بها والمطالب المناطة بها.
وعموما فما ذكرناه عن منهج الشريعة الإسلامية العام في توجهها لتحقيق المصالح ودرء المفاسد لا تخرج منه الدولة، ولأن واقع الدولة الذي تتحرك فيه واقع مادي دنيوي في عمومه، ثم إنه واقع تقف فيه الدولة الإسلامية إزاء دول أخرى غير إسلامية، خلافا لواقع الفرد - الإنسان - الذي تتشكل كينونته من عناصر ذات ثبات متمثلة بالنزعات الفطرية الروحية والمادية التي إن تغيرت بعض الصور المادية التي تتمثل بها فإنها في أساسها باقية ثابتة - لذلك - جاءت الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالدولة بعناصر عامة كالبيعة، والحكم بما أنزل الله، والشورى. . تاركة التطبيقات التفصيلية لإنشاءات المسلمين عبر اجتهاداتهم لتوليد صور مواكبة للسقف الحضاري الذي يعيشونه، ومحقق للمصالح الشرعية سواء ابتدعوها هم بأنفسهم وبتجارب تحولاتهم الذاتية، أو استفادوها من تجارب الأمم الأخرى من حولهم.
стр. 140
* إن علاقة المسلم بالدولة الإسلامية يقوم أساسا على قيم الإسلام العامة التي كما يطالب - هو - بها دولته، فإن الدولة تطالبه بها ليس فقط في علاقتهما الثنائية بل في مختلف العلاقات.
فالعدل حق للفرد ومن ثم للشعب على دولته، العدل في الأحكام والأموال وغيرها، وهو بالمقابل للدولة تطالب به الفرد معها ومع المحيطين بل ومع دينه، ومثل ذلك الوفاء الذي ينبغي أن يستوفيه الفرد والدولة تبادلا وعموما، وكذلك التعاون على البر والتقوى، والدعوة إلى الله إذ هي وإن كانت من غايات الحكومة الإسلامية إلا أنها واجب كل فرد في المجتمع.
* من رعاية الإسلام لواقع الدولة إعطاؤها المجال للحكم في تقدير المصلحة العامة في ضبط حركة المجتمع ذات البعد العام فمثلا ((الحرية)) حرية التعبير تمثل في الأساس مطلبا شعبيا من الدولة، بل إنها تتسامى إلى درجة الوجوب بسبب كونه لا يتم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله إلا عن طريقها لكن الشرع أعطى الدولة حق تغيير هذه الحرية إذا أصبحت سبيلا للإفساد وتعريض المجتمع للتفكك والاعتداء على مقدساته وأخلاقه، فالإسلام هنا وسط بين النظم الديكتاتورية المكممة للأفواه والنظم التي تفتح المجال للحريات حتى تتحول إلى فوضى يمارس من خلالها التضليل ونشر المجون والإلحاد، ولكن ذلك لا يعني أن يتجاوز الحاكم حدود المصالح التي تقتضيها الشريعة لسد منافذ حرية الرأي استبدادا باسم المصلحة فهذا جور على الدين لا اتباع له.
стр. 141
* من رعاية الإسلام للواقع في إطار الدولة أن أساس وجود الدولة في الإسلام هو إقامة شرع الله وإعلاء دينه وتحقيق المصالح الشرعية، وهذا يعني أن يقوم بها قوي أمين عادل صالح، وأن يعزل عنها الفاجر الجائر الذي لن يحقق هذه المطالب لكن رعاية الواقع متمثلة بالخشية من فتنة أكبر بانفلات الأمن، وضياع الحقوق نهت الشريعة عن الخروج على الإمام الجائر ما دام معلنا شعار الدين، وفي هذا جاء الحديث الذي سئل فيه رسول الله ﵊ عن منابذة أئمة الجور فقال: «لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ» (١) .
* ومن هذا المجرى أنه حينما تعرض للدولة المسلمة أحداث أو قضايا فيطلب الحاكم شورى من حوله أو اجتهادات العلماء فتتعدد الآراء والاجتهادات ويأخذ الحاكم بواحد منها ليعتمده في هذا الحدث، أو حل هذه القضية؛ فإن اعتماده لهذا الاجتهاد يقطع النزاع ويقضي على أصحاب الآراء الأخرى بالوقوف معه فيما تبناه، حتى لا يحدث التنازع والشقاق ومن ثم الفشل وذهاب الريح.
* ومن اعتبار الواقع في أمر الدولة أن العلاقة مع الأمم الأخرى على مستوى الدول تنطلق من الدولة نائبة عن الشعب في إقامة العلاقات وإبرام الاتفاقيات، وحتى في إعلان الجهاد ضد العدو إذا اقتضت الظروف ذلك.
وإذا ساغ للفرد أن تكون له علاقات شخصية أو فكرية ونحوها مع أفراد خارج دولة الإسلام فإنه لا يسوغ له أن يغامر بمجتمعه كله نتيجة
стр. 142
موقف اتخذه أو رأي رآه تجاه الآخر مفتئتا على دولته إلا أن يكون ممن خول له ولي الأمر إقامة مثل هذه العلاقات.
وقد يتصور أناس أن في هذه الضوابط التي جاءت في الشريعة أو قررها الفقهاء استقراء لقواعدها، أن فيها إجحافا بحق الفرد وجنوحا مع الدولة، وأن هذا الإجحاف يناقض يسر الشريعة وسماحتها بل ويوقع في الحرج المنفي عنها إذ كيف يطلب الشرع مني أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأن أجاهد ثم يقيدني بطاعة ولي أمر قد يمنعني من الأمرين؟ .
والحق أن يسر الشريعة في رعاية الواقع لا بالنسبة للدولة في هذه المجالات بل بالنسبة للفرد تتجلى أكثر مما تتجلى في كثير سواها.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أمور مرتبطة بعلاقة لها جانب سلطوي تجاه الآخر سواء كان في داخل الدولة كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في خارجها كالجهاد مما يعني أن تفاعلاتها وآثارها تتجاوز حدود ممارسها نحو من حوله بما فيه السلطة التي تحكمه وهذا يعني حساسية هذين التصرفين:
* فإما أن يتحمل الفرد مسئولية تقدير المصالح والمفاسد على المستوى العام وهو غير يسير - وإلا فالمستوى المهني الخاص بهذا التصرف أو ذاك موكول له - ومن ثم يؤاخذ على ما تحمل مسئوليته إذا غامر فخاب تقديره.
стр. 143
* وإما أن يتحاشى المغامرة تحاشيا ذاتيا فيحجز ذاته عن الفعل فيبقى قلقا من امتناعه عن العمل لمجرد تقديره الذاتي.
* وإما أن يتحمل أميره ((الحاكم)) مسئولية هذا التقدير ويشعر هو أنه معذور بتأجيل ممارسة هذه الأمور في ظل عدم إذن الإمام.
لا ريب أن الخيار الثالث هو أيسر الخيارات له وأرفعها للحرج عنه وينبغي أن نعي أن هذه الرعاية لواقع الدولة المسلمة من قبل الشريعة الإسلامية لا تعني أن هذه الدولة مضاهية للدول الأخرى من حيث انصياعها للواقع ومتطلباته المتحولة والتي تتفاقم فيها صنوف الفساد فتقبل وتشرع لأن الواقع قضى بها، كلا إن الدولة الإسلامية دولة شريعة تستهدي بهدي الكتاب والسنة وتستهدف إعلاء كلمة الله وتطبيق شرعه في أحكامها وفي حياة شعبها، فنظامها وإعطاؤها ومنعها قائم على الشريعة أساسا لكنها تبقى دولة تتحرك في عالم دنيوي بين دول أخرى وأمم لها مصالحها ومواقفها وتوازناتها الدولية مما يجعل إمكاناتها الحركية أقل من طموحات رجالها ومن ثم رغبات شعبها بدرجات تتفاوت زمنيا، وبسبب التفاوت بين الطموحات والإمكانات الحركية يكون التفاوت بين المطالب المثالية للناس والقدرة التنفيذية للدولة والله الموفق.
стр. 144
[المحور الثالث الغلو مظاهره وأسبابه]
[مفهوم الغلو في الكتاب والسنة]
[مقدمة البحث]
المحور الثالث
الغلو مظاهره وأسبابه مفهوم الغلو في الكتاب والسنة
للدكتور صالح بن غانم السدلان
стр. 145
مقدمة البحث إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن موضوع الوسطية في الإسلام اليوم هو موضوع الساعة، وهو في نظري أشد الموضوعات خطورة وأثرا، وأجدرها بالدارس المتأني ذي النفس الطويل؛ ذلك لأن المسلمين اليوم وهم يواجهون مشكلات الحضارة، وتحديات العصر ومعركة البقاء، لا يواجهون ذلك كله، وهم على منهج واحد، كما تواجه الأمم الأخرى هذه التحديات المصيرية، بل هناك مناهج لدينا نشأت من الابتعاد عن المنهج الأمثل، وهو المنهج الحق الذي ارتضاه الله لنا ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]
وكل ابتعاد عن هذا النهج القويم يولد الفرقة والتناحر والتشتت، وإن مما رزئت به الأمة الإسلامية وأشد ما ابتليت به اليوم قضية الغلو التي عصفت زوابعها في أذهان البسطاء من الأمة وجهالها، والتي افتتن بها أهل الأهواء الذين زاغت قلوبهم عن اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فكانت النتيجة الحتمية أن وقع الاختلاف بين أهل الأهواء وافترقوا إلى فرق