حال السعة والسهولة، لا في حال الضيق والشدة. . وأما أقصى الطاقة فيسمى جهدا، لا وسعا، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود " (١) .
وكذا قال الإمام الشوكاني عند تفسير هذه الآية: " الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه " (٢) .
ومن هنا قرر الفقهاء أن ما عُجِزَ عن أدائه سقط وجوبه، كما صرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - في غير موضع من كتبه بأن الواجبات كلها تسقط بالعجز عن أدائها (٣) .
[ثانيا من السنة النبوية المطهرة]
ثانيا: أدلة اليسر والسماحة من السنة النبوية المطهرة لما كان من الصعوبة بمكان استقصاء جميع الأحاديث الدالة على اليسر والسماحة في الشرع، لذلك سأكتفي هنا بذكر أبرز الأمثلة، ويمكن تقسيم هذه الأدلة إلى مجموعات - كما فعلنا في أدلة الكتاب - على النحو التالي:
١ - الأحاديث المصرحة بيسر الدين وسماحته، ومنها: (١) قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ
стр. 72
وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (١) والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، " فَسَدِّدُوا " أي الزموا الصواب، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط (٢) .
(٢) وعن مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ ﵁ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، وَيَسْجُدُ وَيَرْكَعُ، وَيَسْجُدُ وَيَرْكَعُ. . وجاء في آخره: " إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» وفي رواية: «إِنَّكُمْ أُمَّةٌ أُرِيدَ بِكُمُ الْيُسْرُ» (٣) .
(٣) وعن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» (٤) .
(٤) وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعا: «إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا» (٥) .
стр. 73
(٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «إِنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (١) .
قال الباجي - رحمه الله تعالى - عند شرح هذا الحديث: هذه سنة من الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا سيما لمن قرب عهده بالإسلام، ولم يعلم منه الاستهانة به، فيعلم أصول الشرائع، ويعذر في غيرها، حتى يتمكن الإسلام من قلبه؛ لأنه إن أُخِذَ بالتشديد في جميع الأحوال خيف عليه أن ينفر قلبه عن الإيمان، ويبغض الإسلام، فيؤول ذلك إلى الارتداد والكفر الذي هو أشد مما أنكر عليه (٢) .
(٦) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ مَرْفُوعًا: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى» (٣) .
(٧) وحديث عروة الفقيمي ﵁: «كُنَّا نَنْتَظِرُ النَّبِيَّ ﷺ فَخَرَجَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مِنْ وُضُوءٍ - أَوْ غُسْلٍ - فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعَلَيْنَا حَرَجٌ فِي كَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِينَ اللَّهِ فِي يُسْرٍ» ثَلَاثًا يَقُولُهَا (٤) .
стр. 74
(٨) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ دِينَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» (١) .
(٩) وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ مَرْفُوعًا: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: " الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» (٢) .
(١٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: «لِتَعْلَمَ الْيَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ» (٣) .
(١١) وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (٤) .
ومعنى " السمحة ": السهلة، أي أنها مبنية على السهولة، فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة، فهي حنيفية في التوحيد سمحة في العمل، كما قال الإمام ابن القيم (٥) .
ب - الأحاديث الآمرة بالتيسير والناهية عن التشديد والتعمق، ومنها:
و" المتنطعون " هم " المتعمقون، الغالون، المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم " (١) .
ج - الأحاديث الدالة على التزام النبي ﷺ اليسر في أموره، وتيسيره على أمته: لقد امتن الله على هذه الأمة بأن بعث فيهم رسولا، من صفاته أنه يعز عليه ما يعنت أمته، قال جل ثناؤه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (٢) ومعنى قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] أي تعز عليه مشقتكم - كما سلف - والناظر في سنة المصطفى ﷺ يرى بكل جلاء أنه ﷺ كان يتفادى كل ما يكون سببا لتكاليف قد تشق على المسلمين، وكان يتجنب أن يصنع شيئا تكون فيه مشقة على أمته إذا اقتدوا به فيه، فمن ذلك:
(١) حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ. فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ. فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ
وهناك الكثير من نحو هذه الأحاديث الدالة على تيسيره ﷺ على المؤمنين، ومخافة المشقة عليهم.
(٥) ونختم هذا المبحث بحديث عائشة ﵂ قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ - وَفِي رِوَايَةٍ: اخْتَارَ - أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِذَا كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ» . . الحديث (١) .
قال ابن عبد البر: " في هذا الحديث دليل على أن المرء ينبغي له ترك ما عسر عليه من أمور الدنيا والآخرة، وترك الإلحاح فيه إذا لم يضطر إليه، والميل إلى اليسر أبدا، فإن اليسر في الأمور كلها أحب إلى الله ورسوله " (٢) .
ولو رحنا نتتبع ما ورد من ذلك في آثار الصحابة والتابعين لطال بنا المقام، ولعل فيما ذكرنا الكفاية.
стр. 83
[المبحث الرابع دلالات النصوص المذكورة وما شابهها]
المبحث الرابع
دلالات النصوص المذكورة، وما شابهها بإمعان النظر في النصوص التي سقناها آنفا، من الكتاب والسنة، وما لم نذكرها مما في معناها، نستنبط منها جملة من الدلالات - غير التي سبقت الإشارة إليها في ثنايا عرض النصوص - منها ما يلي:
١ - إن اليسر والسماحة وانتفاء الحرج من أكبر مقاصد الشريعة، كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم:
فقد قال الإمام العز بن عبد السلام - رحمه الله تعالى -: " التيسير ورفع الحرج أصل عظيم في الدين، وركن من أركان شريعة المسلمين شرفنا الله به، فلم يحملنا إصرا ولا كلفنا في مشقة أمرا (١) .
ويقول الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى -: " رفع الحرج مقصود للشارع في الكليات، فلا تجد كلية شرعية مكلفا بها وفيها حرج كلي أو أكثري البتة. . ونحن نجد في بعض الجزئيات النوادر حرجا ومشقة، ولم يشرع فيه رخصة، تعريفا بأن اعتناء الشارع إنما هو منصرف إلى الكليات " (٢) .
ويقول العلامة ابن عاشور - رحمه الله تعالى -: " استقراء الشريعة دل على أن السماحة واليسر من مقاصد الدين " (٣) .
стр. 84
وقد أجمعت علماء الأمة على عدم وقوع المشقة غير المعتادة في التكاليف الشرعية ولو كان واقعا لحصل في الشريعة التناقض والاختلاف، وهي منزهة عنه (١) .
ومن هنا فقد وجدنا الفقهاء - رحمهم الله تعالى - كثيري الاعتماد على هذا الأصل في استنباط الأحكام وتعليلها وترجيح بعضها على بعض، حتى قال الإمام إبراهيم النخعي - رحمه الله تعالى -: " إِذَا تَخَالَجَكَ أَمْرَانِ، فَظُنَّ أَنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَيْسَرُهُمَا " (٢) .
وقد استنبط الفقهاء من هذا الأصل القاعدة الفقهية الكبرى: " المشقة تجلب التيسير " (٣) وما يندرج تحتها من القواعد الفقهية.
٢ - إن اليسر والسماحة من خصائص الشريعة الإسلامية: وذلك:
أولا - لأن الله أراد للشريعة الإسلامية أن تكون شريعة عامة للناس كافة في جميع أنحاء المعمورة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فاقتضى ذلك أن يجعل الله فيها من اليسر والسماحة والتخفيف ما يلائم اختلاف الناس وطبائعهم، في مختلف الأزمان، وتباين البقاع، حتى يكون تنفيذها بين الأمة سهلا ميسورا، ولا يتأتى ذلك إلا إذا انتفى عنها التشديد والإعنات (٤) .
стр. 85
ثانيا - لأنها شريعة الفطرة، وفي فطرة الإنسان حب اليسر والرفق والسماحة، والنفور من الشدة والإعنات، فإن طبيعة البشر العادية تنفر من التشديد ولا تحتمله، ولا تصبر عليه، ولو صبر عليه بعضهم لم يصبر عليه عامتهم، والشريعة إنما خاطبت الناس جميعا. وقد ظهر للسماحة أثر عظيم في انتشار الإسلام، وتقبل الناس له على مر العصور.
ثالثا - ولأن هذه الأمة أمة وسط في جميع المجالات، منها مجال شرعها الحنيف؛ لأن السماحة في الشريعة تعني سهولة التكليف والمعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وهذا راجع إلى معنى الاعتدال والعدل والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، والوسطية مما تميزت به هذه الأمة من بين سائر الأمم، كما قال جل شأنه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية (١) .
وعلى ذلك، فإن من نعمة الله تعالى على هذه الأمة أن جعل دينها وشريعتها حنيفية سمحة، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، لا إصر فيها ولا الأغلال التي كانت على الأمم السالفة، كما وصف بذلك نبيها ﷺ في التوراة والإنجيل: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٢) .
стр. 86
قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآية: " أي أنه جاء بالتيسير والسماحة. . وقد كانت الأمم التي قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها لهم. . " إلخ (١) .
وقال القرطبي - رحمه الله تعالى -: " ولم يكن في دين محمد ﷺ الرهبانية والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلية، كما كان في دين عيسى ﵇، وإنما شرع الله سبحانه حنيفية سمحة خالصة عن الحرج، خفيفة على الآدمي " (٢) .
٣ - إن اليسر والسماحة ورفع الحرج تشمل جميع أعمال المكلف، الدينية منها والدنيوية، ما لم يخالف حكما شرعيا. فليس للمسلم أن يشدد على نفسه بما لا يحتمله من العبادة، ولا أن يضيق على نفسه في أمور الدنيا بزعم التقرب إلى الله تعالى بذلك، فليس التضييق على النفس في الحلال من القربة إلى الله تعالى والزهد؛ لأن وجهة الإسلام العامة هي التيسير، فمن يبغي الشدة والتعنت إنما يعاند روح الإسلام (٣) .
٤ - إن الأمر بالتيسير والسماحة يعم جميع المكلفين، كل فيما يخصه:
стр. 87
فنرى - مثلا - أن الأئمة مأمورون بتخفيف الصلاة، مراعاة لظروف وأحوال من وراءهم من المأمومين.
والمعلمون والمربون مطالبون بالتيسير والرفق بالمتعلمين، فينبغي أن يرفقوا بهم ويأخذوهم باللين واللطف لا بالشدة والعنف الذي ينفرهم من الحق، ويستأنس لذلك بما حكاه الله عن موسى ﵇ وهو في مقام التعلم من الخضر ﵇ ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣] (١) .
وكذلك الدعاة ينبغي لهم أن يتحلوا بالرفق واللين والسماحة حتى تعطي دعوتهم ثمارها المرجوة كما أمر الله موسى وهارون ﵉ بقوله: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى - فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] (٢) وكما قال عز من قائل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (٣) .
كما يجب على الأمراء والولاة والعمال، وكل من تولى شيئا من أمور المسلمين أن ييسر على من تحت أيديهم ويرفق بهم، فقد قال ﷺ :
стр. 88
«اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (١) .
والمفتون كذلك ليس لهم أن يفتوا بما فيه حرج وشدة على المستفتي، ما دام يجد له مخرجا شرعيا صحيحا. وهكذا باقي فئات المجتمع.
٥ - إن الأمر بالتيسير والنهي عن التعمق والتشديد معلل بأمور (٢) منها:
(أ) الخوف من الانقطاع عن العبادة وبغض العبادة، وكراهة التكليف. وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أو ماله أو حاله.
قال ابن المنير - رحمه الله تعالى - في قوله ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة؛ فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع " (٣) .
وقد بوب ابن حبان - رحمه الله تعالى - على قوله ﷺ : «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» : " باب ذكر العلة التي من أجلها أمر بالأمر بإتيان الطاعات على الرفق ".
стр. 89
(ب) الخوف من التقصير عند مزاحمة الحقوق والواجبات والوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع، فإنه ربما أوغل في رعاية جانب على حساب جانب آخر فغفل عنه، كما تدل عليه قصة سلمان الفارسي مع أبي الدرداء ﵄.
وكما هو مقرر عند الأصوليين أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فمن انتفت في حقه هذه العلل فله ذلك، كما نقل عن حال بعض السلف من هذه الأمة ممن يسر الله تعالى لهم طاعته، وسهل عليهم تحمل المشاق في طاعته وعبادته، كما نبه عليه الإمام الشاطبي، رحمه الله تعالى (١) .
٦ - وأخيرا يجب التنبيه هنا على أنه ليس المراد بيسر الدين وسماحة الشريعة ترك العمل، أو تتبع مواطن الرخص، بعيدا عن الغاية الحقيقية من خالص الخضوع والطاعة لله وحده، والأخذ بالأسهل من الأمور تبعا للهوى، مما قد يؤدي بصاحبه إلى الانسلاخ من الأحكام والتهاون في مسائل الحلال والحرام في المطاعم والمشارب والمعاملات المالية وغيرها بدعوى يسر الدين وسماحته وعدم الحرج فيه (٢) بل المراد تجنب المشقة غير المعتادة بعدم التشديد في العبادات بنية التورع، وتحاشي التعمق في المسائل بزعم الطلب للأحوط وترك الشبهات، والله تعالى أعلم.
стр. 90
هذا ما تيسرت لي كتابته في هذا الموضوع وهو غيض من فيض، مما يؤكد أن اليسر والتخفيف ورفع الحرج والمشقة من أبرز سمات هذا الدين الحنيف وشريعته السمحة، أسأل الله العلي العظيم أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 91
[المصادر والمراجع]
فهرس المصادر والمراجع (١) كتاب الآثار: للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، (ت ١٨٢) - تحقيق: أبي الوفا - دار الكتب العلمية، بيروت - ١٣٥٥ هـ -.
(٢) الآحاد والمثاني: أحمد بن عمرو بن الضحاك أبو بكر الشيباني (ت ٢٨٧) - تحقيق: د / باسم فيصل الجوابرة - دار الراية، الرياض - الطبعة الأولى - ١٤١١ هـ.
(٣) أحكام القرآن: أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي (ت ٣٧٠ هـ) - دار الكتاب العربي - بيروت.
(٤) الأشباه والنظائر: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١ هـ) - دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ -.
(٥) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: الإمام محمد بن أبي بكر، ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) - تحقيق: محمد حامد الفقي - دار المعرفة - الطبعة الثانية، ١٣٩٥ هـ.
(٦) البحر المحيط: محمد بن يوسف، الشهير بأبي حيان الأندلسي (٧٥٤ هـ) - دار الفكر - الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ.
(٧) تفسير القرآن العظيم: الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير (٧٧٤ هـ) - دار المعرفة، بيروت - الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.
(٨) التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) : أبو عبد الله محمد بن عمر فخر الدين الرازي، (ت ٦٠٦ هـ) ، دار الفكر - الطبعة الأولى والثانية ١٤٠٥ هـ.
стр. 92
(٩) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: ابن عبد البر، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد بن عبد الكبير البكري - الطبعة الثانية - المملكة المغربية.
(١٠) جامع البيان عن تأويل آي القرآن: الإمام ابن جرير الطبري - دار الفكر، بيروت - ١٤٠٥ هـ.
(١١) الجامع الصحيح: الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ، تحقيق: د / مصطفى ديب البغا - دار القلم، دمشق، بيروت - الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.
(١٢) الجامع الصحيح: الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، (ت ٢٦٤ هـ) ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي - دار إحياء الكتب العربية - الطبعة الأولى ١٣٧٤ هـ.
(١٣) الجامع لأحكام القرآن: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي - دار الكتب المصرية، القاهرة - الطبعة الأولى ١٣٦٥ هـ.
(١٤) رفع الحرج في الشريعة الإسلامية: د / صالح بن عبد الله بن حميد - جامعة أم القرى - الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.
(١٥) السنن: الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، (ت ٢٧٥ هـ) تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد - دار الباز للنشر والتوزيع -.
(١٦) السنن: الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، (ت ٢٥٥ هـ) ، تحقيق: فؤاد أحمد زمرلي وخالد السبع العلمي - دار الريان للتراث، القاهرة - الطبعة الأولى ١٤٠٧.
(١٧) شعب الإيمان: الإمام البيهقي، تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول - دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.
стр. 93
(١٨) العبادة في الإسلام: د / يوسف القرضاوي - مؤسسة الرسالة، بيروت - الطبعة ١١ - ١٤٠٣ هـ.
(١٩) الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف: د / يوسف القرضاوي - سلسلة كتاب الأمة - ١٤٠٢ هـ.
(٢٠) صحيح مسلم بشرح النووي: الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي (ت ٦٧٦) .
(٢١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري: الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢) - راجعه: قصي محب الدين الخطيب - دار الريان، القاهرة - الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.
(٢٢) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) - دار الفكر - ١٤٠١ هـ.
(٢٣) القواعد والضوابط الفقهية عند ابن تيمية في كتابي الطهارة والصلاة: ناصر بن عبد الله الميمان - الطبعة الأولى، مكة المكرمة، مطابع جامعة أم القرى ١٤١٦ هـ.
(٢٤) الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: محمود بن عمر الزمخشري (٥٣٨ هـ) - دار المعرفة، بيروت -.
(٢٥) لسان العرب: لجمال الدين محمد بن مكرم بن منظور، (ت ٧١١ هـ) ، ت: عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي - دار الفكر.
(٢٦) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) - دار الريان - القاهرة - ١٤٠٧ هـ.
стр. 94
(٢٧) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) - جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم - إشراف المكتب التعليمي السعودي بالمغرب، الرباط - مكتبة المعارف.
(٢٨) محاسن التأويل (تفسير القاسمي) : محمد جمال الدين القاسمي - تصحيح وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي - دار إحياء الكتب العربية - الطبعة الأولى، ١٣٧٦ هـ.
(٢٩) مدارج السالكين: الإمام ابن قيم الجوزية - تحقيق: محمد حامد الفقي - دار المعرفة، بيروت - الطبعة الثانية، ١٣٥٩ هـ.
(٣٠) المسند: الإمام أحمد بن حنبل - دار الفكر -.
(٣١) المسند: أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي، (ت ٢٠٤) - مكتبة المعارف الرياض، دار المعرفة، بيروت -.
(٣٢) المسند: أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، (ت ٢١٩) - أو بعدها - تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي - المكتبة السلفية، المدينة المنورة -.
(٣٣) المسند: أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى التميمي، (ت ٣٠٧) ، تحقيق: حسن سليم أسد - دار المأمون للتراث - الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.
(٣٤) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: أحمد بن محمد الفيومي، (ت ٧٧٥ هـ) دار الفكر -.
(٣٥) المعجم الأوسط: سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، أبو القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ هـ) ، تحقيق: طارق بن عوض الله - دار الحرمين القاهرة - ١٤١٥ هـ.
стр. 95
(٣٦) المعجم الكبير: أبو القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي - وزارة الأوقاف بالجمهورية العراقية - مطبعة الأمة، بغداد - الطبعة الثانية -.
(٣٧) معجم مقاييس اللغة: لابن فارس - تحقيق: عبد السلام هارون - دار الجيل، بيروت - الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.
(٣٨) مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني (٥٠٣ هـ) - تحقيق نديم مرعشلي - دار الفكر، بيروت -.
(٣٩) مقاصد الشريعة الإسلامية: محمد الطاهر بن عاشور - تحقيق ودراسة: محمد الطاهر الميساوي - دار النفائس الأردن - الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ.
(٤٠) مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبد السلام: عمر بن صالح - دار النفائس، الأردن - الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ.
(٤١) المنتقى شرح موطأ مالك: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، الأندلسي (ت ٤٩٤ هـ) - مطبعة السعادة، مصر - ١٣٣٢ هـ.
(٤٢) الموافقات: إبراهيم بن موسى الغرناطي، الشاطبي (ت ٧٩٠) ، تحقيق عبد الله دراز - دار المعرفة، بيروت -.
(٤٣) النهاية في غريب الحديث والأثر: أبو السعادات المبارك بن محمد ابن الجزري، الشهير بابن الأثير، (ت ٦٠٦ هـ) ، تحقيق: محمود الطناحي، وطاهر أحمد الزاوي دار إحياء الكتب العربية -.
стр. 96
[سماحة الإسلام في التعامل مع المخالف]
[مقدمة]
المحور الثاني
دلالة القرآن على سماحة الإسلام ويسره سماحة الإسلام في التعامل مع المخالف
للدكتور حمزة بن حسين الفعر
стр. 97
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أرسل إلينا رسوله محمدا ﵌ مبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنزل علينا خير كتبه، ورضي لنا الإسلام دينا.
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن حكمة الله البالغة اقتضت أن يكون دين الإسلام خاتم الرسالات الإلهية لأهل الأرض، وهو الدين الذي رضيه الله لعباده المؤمنين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١) ولا يقبل الله من أحد من المكلفين كائنا من كان دينا غيره كما قال جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (٢) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] (٣) .
ورسالات الأنبياء السابقين وشرائعهم كانت هدايات وقتية سرعان ما تتبدل ويدخلها التحريف والتغيير على أيدي أبنائها أو غيرهم بعد موت نبيهم، ويظل أهلهم يوغلون في التخبط عن الرسالة الحقة التي
стр. 98
جاءهم بها نبيهم، وتختلط الأمور عليهم بسبب التحريف الذي لحق بها حتى يبعث الله لهم نبيا آخر يردهم إلى الجادة، ويحيي ما اندرس من معالم الدين الصحيح.
كما أنها رسالات خاصة بالأقوام الذين يبعث فيهم الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وليست عامة لكل البشر كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (١) ولهذا قد يوجد في الزمن الواحد أكثر من نبي، كل يبعث في قومه خاصة.
أما رسالة محمد ﷺ ودينه الخاتم - الإسلام - فإنها عامة لكل الخلق لا تختص بأمة دون أمة، ولا بموطن دون موطن، بل كل الخلق بعد بعثته ﷺ أمة واحدة هي أمة الدعوة، والرسول واحد والدين واحد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] (٢) .
ويقول النبي ﵊ في الحديث الصحيح: « (فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ:. وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ) » (٣) .
كما أن هذه الرسالة خالدة باقية إلى نهاية هذه الدنيا محفوظة بحفظ الله لكتابها من التغيير والتبديل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] (٤) .
стр. 99
وجاء في الحديث الصحيح: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» (١) .
وقد جاء هذا الدين هداية للبشرية كلها ورحمة بها كما يدل على ذلك قوله تعالى مخاطبا رسوله ﵌: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] (٢) .
وهذه الرحمة تشمل جوانب عديدة، من أهمها:
(١) أن الله رفع به عذاب الاستئصال للكافرين وهم أمة الدعوة.
(٢) أن الله جعل في دينه سعادة الدنيا لمن التزم به لما فيه من سعة، ويسر، وحق، وعدل، وخلاص من القلق والحيرة، وجعل فيه سعادة الآخرة بالفوز برضوان الله، ودخول الجنة، والتمتع بما أعده الله فيها للمتقين.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» (٣) .
стр. 100
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ الرَّحْمَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا أَصَابَ الْمَاضِينَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ. . "
وإذا قاتل المسلمون الكفار المعادين فإنه لا يجوز لهم قتل النساء والأطفال، ولا الشيوخ ولا الرهبان في صوامعهم.
وإن دينا هذه حقيقته، وهذا مقصده لا يسعه إلا أن يكون سمحا سهلا مع الخلق أجمعين، من كان منهم من أتباعه ومن لم يكن، حتى الأحوال التي تقتضي الشدة والحزم فإنها تنطوي على جوانب من السماحة واليسر لا يوجد لها نظير في غيره.
ومن ذلك إقامة الحدود والقصاص على من وقعوا فيها، فإنه لا يجوز لعنهم ولا مجاوزة العقوبة المقدرة في حقهم، ومن ذلك أيضا ذبح البهائم لأكلها، فإنه لا بد للذابح من مراعاة عدم تعذيبها: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (١) .
ولما كان جانب التعامل في هذه الحياة من أهم الجوانب لاتصاله بعلاقات الناس، وأحوالهم وأخلاقهم فإن الشريعة الإسلامية المطهرة أولته
стр. 101
عناية فائقة تنم عن مصدر هذا الدين، وأنه الهداية الإلهية لهذه البشرية بكل ما فيها من خير ورحمة، ويسر وسماحة.
[من مظاهر سماحة الإسلام]
[أولا تكريم بني آدم]
ويمكن أن نذكر هنا أهم الركائز التي توضح بجلاء سماحة هذا الدين مع كل أحد حتى المخالفين:
أولا: تكريم بني آدم يدل لذلك قوله ﵎: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] (١) قال المفسرون في بيان معنى التكريم في الآية: كرمهم بالعقل والنطق وتسخير الأشياء، وتناول الطعام بالأيدي، وحملهم في البر والبحر على المراكب المختلفة.
ورزقهم من الطيبات، أي من الزروع والثمار واللحوم والألبان والطعوم المشتهاة، والمناظر الحسنة، والألبسة المختلفة الأنواع والألوان، وفضلهم على سائر المخلوقات بسبب النعم المتقدمة (٢) كما أنه بين لهم أن كل ما خلق في ظاهر الأرض أو باطنها، إنما هو لمصلحتهم ومن أجلهم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (٣) .
стр. 102
وأقسم سبحانه على خلقه للإنسان في أحسن صورة، وأتم شكل في سورة التين، فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ - وَطُورِ سِينِينَ - وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ - لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ١ - ٤] (١) .
وقال الله تعالى بعد ذكر قصة ابني آدم، وقتل أحدهما الآخر معظما شأن إزهاق النفوس بغير حق، وحاثًّا على إحيائها واستبقائها: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] (٢) قال قتادة ﵀: " عظيم والله وزرها، عظيم والله أجرها " (٣) أي قتلها، وإحياؤها.
[ثانيا محبة الخير للناس]
ثانيا: محبة الخير للناس وهذه سمة ظاهرة في هذا الدين، وأصل أصيل في أحكامه وتشريعاته، دلت على ذلك آيات وأحاديث عديدة:
(١) منها ما ذكر في كتاب الله كثيرا من توجيه خطابات الدعوة إلى الهدى، والتذكير بنعم الله، وحقه على خلقه إلى الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] (٤) ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] (٥) .
стр. 103
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] (١) . وإلى بني آدم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] (٢) ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] (٣) ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥] (٤) .
(٢) ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] (٥) فالله سبحانه لا يأمر عباده بالكفر، ولا يحبه لهم.
(٣) ومنها قوله ﵊ في الحديث الصحيح: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ. .»
[ثالثا العدل والإنصاف]
ثالثا: العدل والإنصاف وهاتان خصلتان شريفتان تنبئان عن سر من أسرار عظمة هذا الدين، حيث أوجب العدل والإنصاف لكل أحد، حتى ولو كان مخالفا، تأصيلا لاتباع الحق، ونبذا للهوى الذي يعمي صاحبه عن الخير، ويحمله على الجور، ويحجبه عن كثير من الفضائل والمنافع، والحياة البشرية
стр. 104
بكل تقلباتها واختلافاتها، لا يضبط مسيرتها، ولا يحصن أهلها، ويؤمن حقوقهم إلا إقامة العدل والإنصاف، فإذا ما اهتزت هذه الركيزة اضطربت الأحوال، وسرى الفساد في جنبات هذه الحياة فانقلب نعيمها بؤسا، وبرها قطيعة، وما هذا البؤس الذي تتجرع البشرية بعامة، والمسلمون بخاصة مرارة كأسه إلا نتيجة للتفريط والعدوان على هذا الأصل، ولا يكاد يقيم هذا إلا من انتصر على هواه ونفسه، وتطلع إلى معالي الأمور - وأعظمها طاعة الله - وإن الناظر المنصف ليستطيع التمييز بين مراتب الناس وأقدارهم بملاحظة التزامهم بهذا الميزان من عدمه، ولهذا لا غرابة أن يتبوأ هذا المعنى الكريم من الشريعة المكان الذي يليق به، فإن السماوات والأرض قامتا بالعدل، وقد جاءت نصوص كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسوله ﵇ تأمر بالعدل في الأقوال والأفعال، وتدعو إليه، وتحذر من مغبة مخالفته منها:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] (١) وقوله. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٨] (٢) وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢] (٣) وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] (٤) .
стр. 105
كما أكدت آيات الكتاب على الإنصاف وعدم غمط ذوي الحقوق حقوقهم، فقال تعالى عن أهل الكتاب بعد أن حكى ظلمهم وكفرهم وتكذيبهم لأنبيائهم ومخالفاتهم العديدة منصفا أهل الاستقامة منهم بالثناء عليهم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] (١) ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] (٢) وقال جل ذكره: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٥] (٣) فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يغمط من يخالفه حقه، ولا أن يعامله بغير العدل.
[رابعا تحريم الظلم]
رابعا: تحريم الظلم لأنه عدوان وبغي على حقوق الآخرين، فيدفعهم ذلك إلى الانتقام إن قدروا عليه، وهنا تشيع الفوضى والاحتراب، وقد يطول السجال بين المظلوم ومن ظلمه، فيقع الضرر عليهما، وقد يدخل في هذه الدائرة من لا ناقة له فيها ولا جمل، وإن لم يستطع المظلومون الانتقام ظلت قلوبهم تغلي بالحقد والكراهية على الظالمين، فلا يلقى المجتمع رشدا ولا يشيع الوئام بين الناس، وتحرم هذه الفئات من ثمرات التعاون البناء، والتواصل المثمر.
والبعد عن الظلم واجب على كل مسلم لكل أحد حتى ولو اختلف معه، بل حتى ولو كان كافرا، وأن دعوة المظلوم من الدعاء المستجاب.
[خامسا الرحمة والتيسير]
خامسا: الرحمة والتيسير وهو أمر متسق مع إرادة الله الخير بعباده، ومراعاة حاجات النفوس حتى لا تنفر من الخير، أو تستثقل السعي إليه، والعمل به ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١) ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا - إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] (٢) .
ويقول رسولنا الكريم في وصيته لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ﵄ عندما بعثهما إلى اليمن: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا» ، (٣) «فإنما بعثتم ميسرين» (٤) .
وكان هذا هو منهجه ﵊، وهو الأسوة والقدوة لأمته كما تحكي ذلك عنه زوجه أم المؤمنين عائشة ﵂: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. .» (٥) .
стр. 108
إن من يتأمل ذلك كله يوقن أن كثيرا من تصرفات المسلمين حتى بعض الخاصة منهم تفتقر إلى مراجعة دقيقة لأحكام الشرع وآدابه وأخلاقه، وسيرة رسوله المصطفى ﷺ فقد أولع أناس بالتشديد والتضييق على الخلق مع عدم وجود مستند شرعي واضح لفعلهم ظنا منهم أن هذا هو الأوفق لالتزام الشريعة، وقد جانبهم التوفيق في ظنهم هذا؟ لأن منهج الشرع الراشد وجادته الواضحة في التزام التيسير حين لا يترتب على ذلك تضييع حقيقي ولا تفريط في حدود الشرع.
والصواب كما يروى عن المأمون ﵀: في الأسد لا في الأشد، والشريعة عدل كلها ورحمة كلها.
يقول الإمام سفيان بن عيينة ﵀: " التشديد يحسنه كل أحد، وأما الفقه فهو الرخصة من الثقة ".
فمن وقع في خلاف منهج الشرع فقد تحمل ما لا طاقة له به. وتبرز أهمية التزام هذا الأصل في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وفي دعوة المخالفين إلى تصحيح مخالفتهم.
[سادسا التوضيح والتبيين]
سادسا: التوضيح والتبيين إن الالتزام بالركائز المتقدمة لا يعفي من مسئولية توضيح الحق وتبيينه للمخالف، قياما بحق الله الذي ألزم به رسوله ﵊ والقادرين على ذلك من أمته: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (١) ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] (٢) .
стр. 109
والعلماء هم ورثة الأنبياء، ومن المسلم به أن حجة الله لا تقوم على الخلق إلا بالبيان والدعوة، وكم من مخالف حجبه جهله عن معرفة الحق، وكم من مخالف حالت شبهته بينه وبين النور والهدى، ولهذا كان حقا على القادرين القيام بهذا الواجب لعموم الخلق كل بحسب حاجته، وقد رفع الله العذاب عمن وجد له عذر صحيح حال بينه وبين بلوغ الدعوة الصحيحة إليه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا وإن كان واردا في أهل الفترة الذين كانوا قبل بعثة الرسول ﵇ إلا أنه يدخل فيه أيضا كل من لم تبلغه دعوة الرسول حتى بعد البعثة.
ولا يحكم على أحد بكفره ولا بفسقه حتى تتحقق فيه الشروط التي تبيح الحكم عليه بذلك، وحتى تنتفي الموانع من الأعذار والشبه ونحوها.
[سابعا الالتزام بالخلق الحسن في معاملة المخالفين]
سابعا: الالتزام بالخلق الحسن في معاملة المخالفين الخلق منظومة متكاملة مؤصلة في منهج الإسلام ورد الأمر بها، وامتداحها، والثناء على أهلها، إضافة إلى ترتيب الأجر الجزيل عليها، وهذا كله يدل المنصف على عظمة هذا الدين وسموه، وتفرده عن مناهج البشر.
إن الذي خلق الخلق، وركب فيهم فطرهم وغرائزهم هو الذي شرع لهم هذا المنهج، وهذا دليل على أنه المنهج الأحكم والأصلح للتعامل مع البشر عموما، والمخالف على وجه الخصوص، كما أن العقل السليم يدل على صحته وصلاحيته أيضا، ذلك أن النفوس البشرية بحاجة إلى من
стр. 110
يسوسها بحكمة وروية حتى يستطيع التأثير فيها، وقيادتها إلى الهدى، ومن أحق بذلك من الدين الذي رضيه العليم الحكيم؟!
إن نظرة فاحصة منصفة لما أمر به نبي الله وكليمه موسى عندما أرسل هو وأخوه هارون ﵉ إلى أعتى أهل الأرض وأفجرهم وأكفرهم الذي عاث في الأرض فسادا، وقتل ذكور بني إسرائيل واستحيا نساءهم، وزعم أنه الإله، لتدلنا على قيمة هذا الأمر، وأهميته في التخاطب والبلاغ، فقد أمرهما الله أن يترفقا في مخاطبة هذا الجائر العاتي لعله أن يستجيب ويهتدي: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ولم يكن رد فرعون، ولا موقفه غائبا عن علم الله المحيط قبل أن يصل إليه موسى ويكلمه بالأسلوب الذي أمره الله به، ولكنه المنهج الحق الذي يؤسس للتبليغ والدعوة، بالنسبة لموسى ﵇ ولغيره.
وقد أمر الله بني إسرائيل بالتزام هذا المنهج أيضا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وأمر الله سبحانه رسوله ﵇ أن يأمر عباده المؤمنين بقول الأحسن معللا ذلك بأن تركه مدخل من مداخل نزغات الشيطان: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]