إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك (١) .
٦ - بيان مصير الغالي وعاقبته: حيث وردت أحاديث تبين مآل من غلا، وأنه صائر إلى الهلاك، بل يرد ذلك مكررا ثلاث مرات في حديث واحد؛ مما يفيد عظيم الأمر وخطره، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا (٢) .
٧ - إخبار رسول الله ﷺ بهلاك المتنطعين، فقد أخرج مسلم في صحيحه ج٤ / ٢٠٥٥ / عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قالها ثلاثا قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ج١٦ / ٢٢٠ /: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. وأخرج أبو داود في سننه برقم ٤٩٠٤ / وأبو يعلى في مسنده رقم ٣٦٩٤ / وهو حديث حسن / عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ» . وهذا التشديد على النفس الذي هو نوع من أنواع الغلو، بينت السنة النبوية أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع، وأنه
стр. 177
ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع عن الاستقامة على الدين، يقول رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ [أَيْ يُغَالِبَ] الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ [أَيْ بِالتَّبْكِيرِ فِي الطَّاعَةِ] وَالرَّوْحَةِ [أَيِ الْعَوْدَةِ إِلَى الرَّاحَةِ لِاسْتِعَادَةِ النَّشَاطِ عَلَى الطَّاعَةِ] وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» . أي الاستعداد للمتابعة، تشبيها بالمسافرين الذين يجددون نشاطهم واستعدادهم لمتابعة المسير، بلا تكلف ولا إرهاق، ولهذا جاء في رواية أخرى: «وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا» [أخرجه البخاري في صحيحه ج١ / ١٦ / والنسائي في سننه ج١٨ / ١٢١] . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ج١ / ٩٤ /: " والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق، إلا عجز وانقطع فيغلب "، ولهذا أمر رسول الله ﷺ في آخر الحديث بالتسديد والمقاربة والتوسط، ليتحقق المقصود، ألا وهو الثبات على الدين بلا انقطاع ولا تخلف. فتبين بذلك أثر الغلو في الدين على الاستقامة عليه، فكان لا بد من نبذ الغلو لتحقيق الاستقامة على الحق والدين القويم. فالغلو والتفريط وما بينهما وسط. . قال الحسن البصري ﵀: إن دين الله وضع على القصد فدخل الشيطان فيه بالإفراط والتقصير فهما سبيلان إلى نار جهنم، وعنه: إن دين الله تعالى وضع دون الغلو وفوق التقصير (١) .
стр. 178
* * * وقال ابن عبد البر (١) قال سفيان بن حسين: أتدري ما السمت الصالح؟ ليس هو بحلق الشارب ولا تشمير الثوب، وإنما هو لزوم طريق القوم، إذا فعل ذلك، قيل قد أصاب السمت، وتدري ما الاقتصاد؟ هو المشي الذي ليس فيه غلو ولا تقصير.
* * * والترهب التعبد وهو استعمال الرهبة، والرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة (٢) .
* * * قال الطبري: وأرى أن الله تعالى ذِكْرُهُ إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها (٣) . حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال سألت ميمونا عن الصلاة خلف الأمراء؟ فقال: صل معهم. حدثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان قال: سألت ميمونا عن رجل، فذكر أنه من الخوارج، فقال: أنت لا تصلي له إنما تصلي لله، قد كنا نصلي خلف الحجاج وكان حروريا أزرقيا.
стр. 179
حدثنا وكيع ثنا سفيان عن إبراهيم بن أبي حفصة قال: قلت لعلي بن حسين: إن أبا حمزة الثمالي وكان فيه غلو يقول: لا نصلي خلف الأئمة ولا نناكح إلا من يرى مثل ما رأينا، فقال علي بن حسين: بلى نصلي خلفهم ونناكحهم بالسنة. وعن وكيع عن سفيان عن الأعمش قال: كانوا يصلون خلف الأمراء ويحتسبون بها. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» (١) . وعن ابن أبي قماش عن ابن عائشة قال: ما أمر الله تعالى عباده بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: فإما إلى غلو وإما إلى تقصير، فبأيهما ظفر قنع. وعن ابن يحيى قال حدثني بعض شيوخنا قال: قال علي بن غنام: كلا طرفي القصد مذموم، وأنشد أبو سليمان:
وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ ... كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ (٢)
قال الخطابي: والطريقة المثلى في هذا الباب، أن لا تمتنع من حق يلزمك للناس وإن لم يطالبوك به، وأن لا تنهمك لهم في باطل لا يجب
стр. 180
عليك وإن دعوك إليه، فإن من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، ومن انحل في الباطل جمد عن الحق، فكن مع الناس في الخير، وكن بمعزل عنهم في الشر، وتوخ أن تكون فيهم شاهدا كغائب وعالما كجاهل. وعن مكحول عن حذيفة قال: قال رسول الله: «لِلسَّاعَةِ أَشْرَاطٌ، قِيلَ: وَمَا أَشْرَاطُهَا؟ قَالَ: غُلُوُّ أَهْلِ الْفِسْقِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَظُهُورُ أَهْلِ الْمُنْكَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَعْرُوفِ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ: فَمَا تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: دَعْ وَكُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ» (١) .
عن جابر ﵁ مرفوعا بلفظ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عَبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» . واختلف في إرساله ووصله، ورجح البخاري في تاريخه الإرسال، وأخرجه البيهقي أيضا والعسكري عن عمرو بن العاص رفعه لكن بلفظ: «فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا سَفَرًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى» وزاد: «فَاعْمَلْ عَمَلَ امْرِئٍ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَمُوتَ أَبَدًا وَاحْذَرْ حَذَرًا تَخْشَى أَنْ تَمُوتَ غَدًا» وسنده ضعيف. وله شاهد عند العسكري عن علي رفعه: «إِنَّ دِينَكُمْ دِينٌ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا ظَهْرًا أَبْقَى وَلَا أَرْضًا قَطَعَ» وفي سنده الفرات بن السائب ضعيف. وهذا كالحديث الآخر الذي أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» وروى أحمد عن أنس
стр. 181
بلفظ: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ» وليس فيه الترجمة، وروى الخطابي في العزلة عن ابن عائشة قال: «ما أمر الله عباده بما أمر إلا وللشيطان فيه نزعتان فإما إلى غلو وإما إلى تقصير، فبأيهما ظفر قنع» . قال النووي: " المتنطعون، أي: المتعمقون المغالون والمجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم (١) .
كما جاء في أحاديث أُخَر أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله، فعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ» (٢) . وهذا التشديد على النفس الذي هو ضرب من ضروب الغلو، بينت السنة أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع، وأنه ما من مشاد لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ وَلَا يُشَادُّ (٣) الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا،
стр. 182
واستعينوا بالغدوة (١) والروحة (٢) وشيء من الدلجة» (٣) وفي لفظ «والقصد القصد تبلغوا» (٤) . قال الحافظ ابن حجر: " والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب " (٥) . وحتى لا يقع ذلك جاء ختام الحديث آمرا بالتسديد والمقاربة والتسديد: العمل بالسداد، وهو القصد والتوسط في العبادة، فلا يقصر فيما أمر به، ولا يتحمل منها ما لا يطيقها (٦) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه،،
стр. 183
[مظاهر الغلو في الاعتقاد والعمل والحكم على الناس]
[الغلو في الاعتقاد]
المحور الثالث
الغلو مظاهره وأسبابه مظاهر الغلو في الاعتقاد والعمل والحكم على الناس
للدكتور عبد السلام بن برجس العبد الكريم
стр. 184
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله. أما بعد: فإن من مظاهر الغلو: الغلو في الاعتقاد، والعمل، والحكم على الناس.
أما الغلو في الاعتقاد: فهو مجاوزة الحد فيما شرع الله تعالى من الأمور الاعتقادية. فإن الله تعالى إنما أنزل الكتاب وبعث المصطفى ﷺ ليكون الدين كله لله، والغالي لا يكتفي بما أنزل تعالى من الشريعة الكاملة، بل يسعى إلى الزيادة على ما شرع الله، ومخالفة ما قصده الشارع من التيسير على المكلفين إلى التشديد على نفسه وعلى غيره، ونسبة ذلك إلى شرع الله تعالى.
والغلو في الاعتقاد أخطر أنواع الغلو؟ ذلك بأن الاعتقاد درجة عالية من جزم القلب بما فيه من رأي أو فكر أو شرع، فأصعب ما يكون انتزاعها؛ لأن صاحبها يدافع عنها كما يدافع عن دمه وماله وعرضه، ومعلوم أن الغالي إنما يعتقد ما يتوهم أنه شرع الله وليس كذلك، بل إنما يعتقد فكرا أو رأيا مصدره الهوى.
ومن هنا كان تحذير علماء المسلمين من أهل البدع والأهواء أكثر من تحذيرهم من أهل المعاصي والفسوق. فالضرر الحاصل بالغلو في الاعتقاد أعظم من الضرر الحاصل بالغلو في العمل.
ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الغلو: غلو الخوارج وهم الفرقة المعروفة في جسم الأمة الإسلامية منذ العصر الأول:
стр. 185
إنهم فئة قادهم الغلو في الحكم على صاحب المعصية إلى إلحاقه بمن وقع في الكفر بالله ، فكان هذا الغلو الاعتقادي دافعا لهم إلى سلسلة من الجرائم الكبرى بحق الأمة الإسلامية:
(أ) حيث دفعهم إلى تكفير حكام المسلمين بمجرد الوقوع في المعاصي.
(ب) ثم تكفير عامة من لم يقنع بقولهم هذا من المسلمين، فكفروا المجتمعات المسلمة.
(ج) فقاتلوا المسلمين، وخرجوا على حكامهم.
وهكذا صور كثيرة من الظلم والاعتداء وإيهان قوة المسلمين، ارتكبها هؤلاء لأجل غلوهم في دين الله تعالى.
وقد كشف الحديث النبوي الشريف هذا الجانب السيئ في هذا الاتجاه، ففي صحيح ابن حبان (١) عن جندب البجلي أن حذيفة حدثه قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ رِدْءًا لِلْإِسْلَامِ، غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ، وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ " قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الرَّامِي أَمِ الْمَرْمِيُّ؟ قَالَ: " بَلِ الرَّامِي» .
فهذه الصورة تكشف الغلو الاعتقادي، كيف يبدأ صاحبه؟ ومن أين يأتيه الشيطان؟ وما يترتب على غلوه من المفاسد العظيمة: حيث قتل النفس التي حرم الله، وخيانة الجار، وزعزعة أمن الدولة المسلمة. كل ذلك يشرح نظريا شؤم الغلو الاعتقادي، ويبين عموم ضرره.
стр. 186
ومن هنا جاء كتاب الله تعالى وجاءت السنة النبوية بالتحذير الشديد من الغلو، وبيان عواقبه الوخيمة في أمور الدين وأمور الدنيا. ففي مسند الإمام أحمد (١) عن ابن عباس ﵄ قال: «قال رسول الله ﷺ غداة جمع: هَلُمَّ الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: " نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ. وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ» .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في " اقتضاء الصراط المستقيم " (٢) هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه مثل: الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنه أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا، إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به. وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك. اهـ.
وغلو أهل الكتاب من النصارى في دينهم واضح، حيث نص الله تعالى عليه في قوله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] (٣) .
فهنا غلو منهم في الاعتقاد، ساقهم إليه الشيطان، حيث زين لهم عبادة المسيح من دون الله تعالى في هيئة محبة الأنبياء وتعظيمهم، وقد أبطل الله
стр. 187
هذه الشبهة بأدلة متعددة، كقوله تعالى ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] (١) .
ومثل فعل النصارى هذا؛ فعل اليهود مع العزير، وفعل بعض فرق هذه الأمة مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولهذا حرقهم علي ﵁، واتفق الصحابة ﵃ على قتلهم، واختار ابن عباس أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق، وهو قول أكثر العلماء (٢) .
وقد قاد الغلو النصارى إلى ابتداع البدع في دينهم، والتعبد لله تعالى بها، كما قال تعالى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]
فكل من غلا من هذه الأمة، واتبع هواه وحكمه في دين الله، أو زاد على ما شرعه الله ففيه شبه من أهل الكتاب، ومن تشبه بقوم فهو منهم. ومآله إلى الهلاك في الدنيا والآخرة؛ لأن الغلو هو سبب هلاك من مضى من أهل الكتاب باختلافهم وتقاتلهم وتباغضهم، وفي الآخرة هم الأخسرون.
ولهذا قال ﷺ : «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " قالها ثلاثا» . رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود (٣) .
стр. 188
قال الخطابي في " معالم السنن " (١) المتنطع: المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. اهـ.
فهذا خبر عن هلاك من وقع في التنطع الذي هو ضرب من الغلو في الكلام ونحوه، فدل على أن عقوبة الغالين من المتقدمين والمتأخرين هو: الهلاك، ولهذا لا يقوم لأهل الغلو دولة، ولا تجتمع الأمة عليهم، كما قال الإمام وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - في الخوارج كنموذج للغلو، عند مناصحته لمن وقع في رأيهم: (فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج.
ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض، وقطعت السبل، وقطع الحج إلى بيت الله الحرام، وإذن لعاد أمر الإسلام جاهلية، حتى يعود الناس يستعينون برءوس الجبال كما كانوا في الجاهلية، وإذن لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلا ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح الرجل المؤمن خائفا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري أين يسلك أو مع من يكون.
غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته نظر لهذه الأمة فأحسن النظر لهم، فجمعهم وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج. .) الخ (٢) .
стр. 189
وكل ما ذكره هذا الإمام واقع ملموس في هذه الفئة ومن نحا نحوها في الغلو، ذلك بأن كل خير يحصل للأمة إنما هو بسبب اجتماعها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن هنا فسر حبل الله تعالى الوارد قي قوله جل وعلا ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] بالجماعة في قول ابن مسعود ﵁ وغيره (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأهل الإثبات من المتكلمين مثل الكلابية والكرامية والأشعرية أكثر اتفاقا وائتلافا من المعتزلة، فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا، حتى ليكفر التلميذ أستاذه، من جنس ما بين الخوارج، وقد ذكر من صنف في فضائح المعتزلة من ذلك ما يطول وصفه.
ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث وما تبع ذلك، ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ذلك، وقدم غيره عليه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]
فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وأهل الرحمة هم أتباع الأنبياء قولا وفعلا، وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة، فمن خالفهم في شيء فاته من الرحمة بقدر ذلك. . اهـ (٢) .
стр. 190
ومن هذا المنطلق جعل أهل العلم: من علامات المبتدعة: الغلو، فليس مع من ركبه أي حجة، ومن عباراتهم في ذلك، ما سطره العلامة الشيخ سليمان بن سحمان في كتابه الذي رفض فيه الغلو، وأنكر على أهله، وفند ما يظنونه حجة لهم، وهو كتاب: " منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع " قال ﵀: ومن علامات صاحب البدعة: التشديد، والغلظة، والغلو في الدين، ومجاوزة الحد في الأوامر والنواهي، وطلب ما يعنت الأمة ويشق عليهم ويحرجهم ويضيق عليهم في أمر دينهم، وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي إلى غير ذلك مما هو مشهود مذكور من أحوال أهل البدع ". اهـ.
وقد كشف الشيخ ابن سحمان ضلال طائفة من الغالين في كتابه هذا بما يحسن تلخيصه، إذ البلية تتكرر بمثل هذه الطائفة في كل زمن.
وقد قام الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن ﵀ بمنع هؤلاء الغالين من الذهاب إلى البادية للدعوة مما أثار حفيظة بعضهم، فذم الولاية، وذم العلماء، قال الشيخ ابن سحمان ﵀ (١) قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن الذي منع هؤلاء من الذهاب إلى هذه الأماكن المذكورة في السؤال هو الإمام - أعزه الله بطاعته وأحاطه بحياطته - لأمرين:
стр. 191
أحدهما: أنهم افتاتوا على منصب الإمامة، فذهبوا إلى البادية من رعيته ومن تحت يده وفي ولايته، من غير إذن منه، ولا أمر لهم بذلك. وقد كان من المعلوم أن الإمام هو الذي يبعث العمال والدعاة إلى دين الله.
الثاني: ما بلغه عنهم من الغلو والمجازفة والتجاوز للحد في المأمورات والمنهيات وإحداثهم في دين الله ما لم يشرعه الله ولا رسوله، فمن ذلك: أنهم كفروا البادية بالعموم.
ومنها: أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه، ويسمونها: العمامة، وأنها من السنة.
ومنها: أنهم لا يسلمون إلا على من يعرفون وتميز بالعمامة. وهم مع ذلك يزعمون أنهم هم على السنة، وأن المشايخ يميتون السنن.
ومنها: أنهم لا يدعون أحدا صلى معهم صلاة الصبح أن يخرج من المسجد إلا بعد طلوع الشمس.
ومنها: أنهم أدخلوا في دين الله ما ليس منه، فزعموا أن تدوية البدو للإبل عند ورودها وصدورها بدعة.
ومنهم من تجاوز الحد في التأديب عند فوات بعض الصلاة، فضربوا رجلا منهم حتى مات. .
فلما اشتهر هذا الأمر عنهم، وهذا الغلو والتجاوز للحد، خاف الإمام أن يسيروا بسيرة الخوارج، فيمرقون من الدين بعد أن دخلوا فيه،
стр. 192
كما مرق منه من غلا في الدين وتجاوز الحد ممن كانوا من أعبد الناس وأزهدهم وأكثرهم تهليلا، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة. . إلى أن قال الشيخ: وأما سبهم المشايخ وثلبهم إياهم وإساءة الظن بهم، وكذلك ما نسبوه إلى ولي الأمر من الأقوال التي لا تروج على عاقل، ويغتر بها كل مغرور جاهل، فهذا كله مما يرفع الله به درجات الإمام، والمشايخ، وحسابهم على الله، وسيجازيهم بما جازى به المفترين؛ لأن الإمام والمشايخ لم يمنعوهم إلا خوفا على من دخل هذا الدين أن يسلك مسلك الخوارج، الذين مرقوا من دين الإسلام وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وأما قول بعضهم: ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوتهم. فنقول: وهل يدور في عقل عاقل أن المشايخ يحسدونهم على ما أحدثوه من البدع والغلو والمجازفة والتجاوز للحد!!
وأما قولهم: إن المشايخ داهنوا في دين الله، والإخوان أمروا وأنكروا. فنقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، فلا جرم قد قالها الذين من قبلهم لما نهاهم أهل الحق عن الغلو في الدين، قالوا لمن نهاهم: يا أعداء الله قد داهنتم في الدين (١) . وهم يزعمون أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، تشابهت قلوبهم.
стр. 193
وأما قولهم: الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها، والمشايخ كتموها ودفنوها. فنقول: إن كان هذا حقا فسيجازيهم الله على ذلك. لكنهم مع ذلك قد سلكوا بهم مسلك أهل البدع، وتجاوزوا بهم الحد في الأقوال والأفعال، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فإن كان هذا هو ملة إبراهيم فقد أعظموا على الله الفرية وعلى ملة إبراهيم.
وأما قولهم: ما أطاع الإمام المشايخ إلا لسكوتهم عنه للمآكل والأغراض. فنقول: هذا - أيضا - من جنس ما قبله من الطعن على الإمام وعلى المشايخ بالزور والبهتان. . اهـ.
[فصل في الغلو في العمل]
فصل والغلو في العمل: تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة من غير ورود الشرع بذلك: كالذي يجعل حبلا يتعلق به إذا فتر عن قيام الليل، ونحوه، فإن هذا العمل غير ناتج عن عقيدة فاسدة، وإنما قد يظن المكلف أن ذلك زيادة خير.
فإن صاحب هذا العمل عقيدة فاسدة فهو الغلو الاعتقادي الذي تقدم ذكره، كحالة بعض المنتسبين إلى التصوف، ممن يعتقد أن تعذيب النفس في الطاعة مطلقا من أفعال الخير والهدى.
стр. 194
ولما كان هذا النوع من الغلو قد يدخل في نفس بعض المجتهدين في العبادة، عالجه ﷺ بأساليب متعددة، تارة بالعموم، وتارة بتوجيه من وقع فيه إلى خطأ فعله، وما كان من الصحابة ﵃ إلا التسليم المطلق لرسول الله ﷺ .
ففي سنن الترمذي (١) عن ابن عباس ﵄ قال: «إِنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي إِذَا أَصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ، وَأَخَذَتْنِي شَهْوَتِي، فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] »
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. اهـ.
وحسنه الشاطبي في " الاعتصام " (٢) ومثل هذه الحادثة كثير، فيوجه النبي ﷺ من وقع منه ذلك إلى البعد عنه، والحذر منه.
وقد روى ابن جرير الطبري في " تفسيره " (٣) عن أبي قلابة قال: «أَرَادَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَرْفُضُوا الدُّنْيَا، وَيَتْرُكُوا النِّسَاءَ وَيَتَرَهَّبُوا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَغَلَّظَ فِيهِمُ الْمَقَالَةَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ، اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحُجُّوا
стр. 195
وَاعْتَمِرُوا، وَاسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ لَكُمْ " قال: ونزلت فيهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] » .
قال الشاطبي ﵀ في " الاعتصام " (١) الاقتصار على البشع في المأكول من غير عذر تنطع. والاقتصار في الملبوس على الخشن من غير ضرورة، من قبيل التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه.
وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي: أنه قال لعلي بن أبي طالب ﵁: اعْدِني على أخي عاصم. قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد النسك. فقال علي ﵁: علي به. فأتى به مؤتزرا بعباءة، مرتديا بالأخرى، شعث الرأس واللحية. فعبس في وجهه، وقال: ويحك! أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات، وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] إلى قوله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] أفترى الله أباح لعباده إلا ليبتذلوه، ويحمدوا الله عليه، فيثيبهم عليه؟ وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول. اهـ.
стр. 196
وأدلة الشرع في النهي عن الغلو العملي كثيرة جدا، فالوقوع فيه: ارتكاب للنهي، ومعارضة لمقاصد الشريعة التي بنيت على التيسير والتخفيف. وإذا تأمل المسلم ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج من فرضية الصلاة على النبي ﷺ ، ومراجعته ربه جل وعلا في تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى أن بلغ خمس صلوات؛ علم يقينا أن الشارع الحكيم لا يقصد في تكاليفه المشقة على العباد وإلحاق العنت بهم. فلم يبق لمن ألزم نفسه بالغلو في جزئيات الشريعة حجة. وكل ما تقدم في ذم من غلا في جزئية أو جزئيتين، أما من كثر غلوه في الجزئيات فلا ريب أن غلوه هذا يلحق بالغلو الاعتقادي.
وقد جرت سنة الله تعالى في هؤلاء الغالية في العمل: أن ينقطعوا عن العمل بالكلية، إلا من أراد هدايته فوفقه للرجوع إلى الطريق المستقيم. وهذا بينه ﷺ فيما أخرجه البخاري (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا» .
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الل هـ- في " الفتح " (٢) المشادة بالتشديد المغالبة، والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع؛ فيغلب.
стр. 197
قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع. اهـ.
وتلافيا للوقوع في هذا المزلق الخطير: أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط في العمل.
فقد بوب البخاري ﵀ في صحيحه (١) باب القصد والمداومة على العمل، في كتاب الرقاق. وذكر فيه حديث عائشة ﵂ أنها قالت: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: " أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ " وَقَالَ: " اكْلَفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ» .
[فصل في الغلو في الحكم على الناس]
فصل وأما الغلو في الحكم على الناس: فهو مجاوزة الحد في إلحاق الحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق. فإن الحكم بهذه الأمور على أحد من الناس إنما هو إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، فمن دل الدليل القاطع على إلحاق هذه الأحكام به؛ ألحقت به، ومن لم يدل الدليل على لحوقها به؛ فإن تنزيلها عليه من تعدي حدود الله تعالى، والقول عليه بغير علم، وهو الغلو الفاحش الذي أردى الأمة ونخر في جسمها، وفرق جماعتها. بل إن أول الغلو في الأمة إنما هو هذا، يوم غلا الخوارج في الحكم على المسلمين، وحكام المسلمين بالكفر والخروج من الإسلام، فترتب على فعلهم هذا: إراقة دماء طاهرة مسلمة، وتمزق الجماعة، وانتشار التباغض والشحناء بين أهل الإسلام.
стр. 198
ومثل هذا يقال في التبديع بغير حق، والتفسيق بغير حق، فإنه يقود إلى التقاطع والتباغض، وهو سبيل إلى التكفير بغير حق.
وإذا كان النبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري - منع من تنزيل الحكم العام على شارب الخمر بأن تحل عليه لعنة الله، على الشخص المعين لما قام به من إيمان بالله ورسوله، فكيف يتسارع الغالون إلى تنزيل أحكام الكفر والفسق العامة على الأشخاص المعينين دونما روية وتؤدة؟!
ونص الحديث كما في صحيح البخاري (١) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِه، فَجُلِدَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .
فتنزيل هذه الأحكام على الشخص المعين لا بد لها من شروط تتوفر، وموانع تنتفي، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة.
ومن هذا المنطلق تتابعت نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الناس في عقائدهم أو عدالتهم لا بد أن يكون من العلماء وأهل الورع: من ذلك قول الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى -: والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع. اهـ (٢) .
стр. 199
وقد بلينا في هذه الأزمان ببعض المنتسبين إلى السلفية ممن يغلون في الحكم على الناس بالبدعة، حتى بلغ الأمر إلى التعميم في التبديع على كل المجتمع، وأن الأصل في غيرهم البدعة حتى يتبينوا في شأنهم. وهؤلاء جهال بالشريعة، جهال بفهم عبارات العلماء في البدع وأهلها، فلا عبرة بقولهم، بل هو هباء لا وزن له. وقد أجاد العلامة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد في نصحهم والتحذير من منهجهم في كتابه: رفقا يا أهل السنة بأهل السنة.
نسأل الله تعالى السلامة من الغلو كله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 200
[أسباب الغلو العلمية والمنهجية وعلاجها]
[مقدمة]
المحور الثالث
الغلو مظاهره وأسبابه أسباب الغلو العلمية والمنهجية
وعلاجها
(الخوارج أنموذجا)
للدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق
стр. 201
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فقد تفاوتت استجابات الناس لدعوات الرسل: - فمنهم المستقيم المتمسك بالحق. - ومنهم المفرط الزائغ المضيع لحدود الله. - ومنهم الغالي المتجاوز لحدود الله. وكل أولئك وجدوا فيمن سبق أمة محمد ﷺ ، وهم في أمته متوافرون، فجاءت النصوص ناهية عن سلوك سبل أهل الزيغ، كما جاءت ناهية عن الغلو، ولست بصدد بيان ذلك، وإنما تمحضت هذه الورقة للكلام عن: أسباب الغلو العلمية والمنهجية (الخوارج أنموذجا) .
وفاتحة القول في ذلك أن أقدم بمقدمة حول الأسباب: معناها، ومنهج استخراجها، وملاحظ عامة حول أسباب الغلو.
لقد جعل الله لكل شيء سببا، وجعل الظواهر والمشكلات التي يقع فيها الناس راجعة إلى أسباب سائقة إليها، وهذه سنة من سنن الله في الخلق والكون.
ومشكلة الغلو ليست بدعا من المشكلات إذ لها أسباب لإيجادها، وأسباب لإمدادها.
والأسباب هي: العوامل المؤدية إلى الوقوع في الغلو سواء أكانت متعلقة بالجانب الذاتي للغالي أو الجماعة الغالية، أم كانت متعلقة بالبيئة المحيطة به.
стр. 202
وهذه الأسباب قد يكون تأثيرها في إحداث الغلو ابتداء، وقد يكون تأثيرها في إمداده واستمراره ونشر مظاهره.
ولقد اجتهدت في دراسة أسباب الغلو العلمية والمنهجية عند الخوارج عبر عدة وسائل أهمها:
١ - قراءة آراء الخوارج العقدية، ومحاولة استنتاج الأسباب التي دفعتهم إلى غلوهم، والمداخل المنهجية التي أدت بهم إلى الغلو.
٢ - دراسة تاريخ الخوارج، وذلك بتتبع أحوالهم منذ بداية التكوين ثم دراسة تطور عقائدهم، وتتبع حالات المد والجزر في تاريخهم، ومعرفة التحولات والافتراق في تاريخهم؛ إذ من شأن تلك الدراسة أن توقف على الأسباب والمواقف الدافعة للغلو.
٣ - قراءة المؤلفات التي درست الخوارج: تاريخا ومعتقدا؛ لمعرفة أسباب غلو الخوارج من وجهة نظر أصحاب تلك المؤلفات، وتلك الاستفادة لا تعني أن ذكر الأسباب نابع من رأي الآخرين، بل هو جهد شخصي ناتج عن تتبع واستقراء، وإنما وقع الاستئناس بآراء الآخرين وتحليلاتهم فهي مؤكدة، لا مؤسسة.
وليس المراد هنا حصر الأسباب إذ الإحاطة الشاملة بجميع الأسباب غير ممكنة إذ طرق الشر والانحراف غير منحصرة في الأصل، قال أبو بكر الطرطوشي ﵀: (والخطأ لا تنحصر سبله، ولا تتحصل طرقه، فاخط كيف شئت، وإنما الذي تنحصر مداركه وتنضبط مآخذه فهو الحق؛ لأنه أمر واحد مقصود يمكن إعمال الفكر والخواطر في استخراجه،
стр. 203
وما مثل هذا إلا كالرامي للهدف، فإنَّ طرق الإصابة تنحصر، وتتحصل من إحكام الآلات، وأسباب النزع وتسديد السهم. فأما من أراد أن يخطئ الهدف فجهات الأخطاء لا تنحصر ولا تنضبط إلا أن نذكر من ذلك حسب الإمكان) (١) .
وهنا أنبه على أن دراسة الأسباب يجب ألا تتجه إلى أن تكون تبريرا للغلو، وإيجادا للعذر عند الغلاة، فهذا المنهج التبريري لا يولد في المآل إلا مزيدا من الغلو؛ ويجعل الغالي يسقط غلوه وجرمه على الناس.
وكم من متكلم في بعض قضايا الغلو يذكر بعض الأسباب ويجعلها مبررا للغلو، وهذا يهون الأمر في النفوس بل قد يجمع بعض الناس بذلك مزيدا من الأدلة ووسائل الإقناع للغلاة أو الجمهور المتلقين.
إن الغلو قد يوجد في البيئة السليمة لكن لأن وجهة النظر المبنية على الجهل والظلم تجعل ما ليس بخطأ خطأ وقد وقع ذلك في عهد النبي ﷺ . فعن أبي سعيد الخدْري ﵁ قَالَ «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ - يَعْنِي الْغَنَائِمَ - جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: وَيْلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (٢) .
стр. 204
فهذا ظن لسوء طويته أن النبي ﷺ قد جار فقال قولته الشنيعة، وكذلك فعل الخوارج حين رفعوا دعوى إبطال التحكيم، فاستدلوا بقوله سبحانه ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] فالقول الذي قالوه حق، ولكن زعمهم أن عليا حكم بغير شرع الله باطل.
ولذلك قال علي ﵁ (كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ) (١) قال الحافظ ابن حجر: (وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم: لا حكم إلا لله، انتزعوها من القرآن، وحملوها على غير محملها) (٢) فنحن وإن ذكرنا بعض الأسباب وأنها من العوامل التي أوقعت في الغلو لا نفتح بابا للعذر للخوارج وإنما نشخص الواقع؛ لتكون المعالجة على أصل قوي.
* * *
[أسباب غلو الخوارج العلمية]
[أولا الجهل بالقرآن]
إن أظهر أسباب غلو الخوارج هو: (الجهل) وفي الحديث أن النبي ﷺ قال عن الخوارج: «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ» . أي: أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون معانيه ومقاصده (٣) .
стр. 205
قال الإمام النووي ﵀: (المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم [هكذا] لا يصل إلى حلوقهم فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب) (١) .
وألوان جهل الخوارج كثيرة، منها:
أولا: الجهل بالقرآن فلقد كان عدم فهمهم للكتاب العزيز سببا في انحرافهم، فقد أخذوا آيات نزلت في الكفار فحملوها على المسلمين، يقول عبد الله بن عمر ﵄ في الخوارج: (إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين) (٢) .
ومن عدم فهمهم للقرآن استشهادهم على إبطال التحكيم بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] فالمعنى المأخوذ من الآية صحيح في الجملة، وأما على التفصيل فيحتاج إلى بيان؛ ولذلك رد عليهم علي ﵁ فقال: (كلمة حق أريد بها باطل) (٣) .
стр. 206
قال الحافظ ابن حجر ﵀: (وكان أول كلمة خرجوا بها قولهم: لا حكم إلا لله انتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها) (١) .
يقول الشاطبي ﵀: (ألا ترى أن الخوارج كيف خرجوا من الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي؛ لأن رسول الله ﷺ وصفهم بأنهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يعني - والله أعلم - أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم؛ لأن الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل به فهم على حال، وإنما يقف عند محل الأصوات والحروف المسموعة فقط، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم) (٢) .
ومن أظهر دلالات جهلهم بالقرآن أنهم أخذوا عمومات الوعيد فقالوا: إن معصية واحدة كافية للخلود في النار؛ استدلالا بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]
[ثانيا الجهل بالسنة]
ثانيا: الجهل بالسنة فلقد أتي الخوارج من جهة جهلهم بالسنة بل وإعراضهم عنها وزعمهم الاقتصار على الكتاب مع اطراح أدلة السنة، فأداهم ذلك إلى جعل ما ليس بسيئة سيئة، وما ليس بحسنة حسنة، فهم إنما يصدقون
стр. 207
الرسول فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف بزعمهم ظاهر القرآن (١) .
وما كان اعتراض الرجل على قسمة النبي ﷺ إلا من هذا القبيل فقد خرج عن السنة، وجعل ما ليس بسيئة سيئة (وهذا القدر [أي تحسين القبيح وتقبيح الحسن] قد يقع فيه بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل؛ لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المعلومة) (٢) .
ولذلك كان عمر بن الخطاب ﵁ يحض على إلزام المبتدعة والغلاة وأخذهم بالسنن؛ لأنها قاطعة في الدلالة على زيف أقوالهم وآرائهم فقد قال: (سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله) (٣) .
ولقد بين عبد القاهر البغدادي أن الخوارج ينكرون السنة وذلك من أسباب انحرافهم فقال: (والثاني مع الخوارج في إنكارها حجية الإجماع والسنن الشرعية، وقد زعمت أنه لا حجة في شيء من أحكام الشريعة إلا من القرآن، ولذلك أنكروا الرجم والمسح على الخفين، لأنهما ليسا في القرآن، وقطعوا السارق في القليل والكثير؛ لأن الأمر بقطع السارق في
стр. 208
القرآن ومطلق ولم يقبلوا الرواية في نصاب القطع ولا الرواية في اعتبار الحرز فيه (١) ولقد أتوا من ظنهم مناقضة هذه الأحاديث الصحيحة للقرآن، أو مناقضة بعضها لبعض، أو فساد معانيها، أو مخالفتها للمعقول (٢) .
ومن أمثلة ذلك: استدلال الخوارج بعمومات الوعيد من القرآن على تكفير العصاة وأنهم مخلدون في النار، فقد أخذوا تلك العمومات، وقطعوها عن نصوص السنة المبينة لها من مثل:
١ - قول الله في الحديث القدسي الذي يرويه نبينا محمد ﷺ : «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (٣) .
٢ - وعن أبي ذر ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه، فقال: " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ " قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: " وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ " ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: " عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» ، وفي رواية البخاري: «أَنَّ جَبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : (بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ
стр. 209
وَإِنْ زَنَى؛ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ: نَعَمْ) » (١) .
[ثالثا الجهل بقدر السلف وأهل العلم]
ثالثا: الجهل بقدر السلف وأهل العلم إن من أصول الدين رعاية قدر الصحابة ﵃ والاقتداء بهديهم والاستنان بسننهم فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمُهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» . (٢) .
والاهتداء رهن بالاقتداء بهم ﵃ يقول عبد الله بن مسعود ﵁ (من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) (٣) .
стр. 210
ولقد كان من الأسباب الرئيسة لانحراف الخوارج اعتدادهم بأهوائهم في مقابل النصوص، واعتدادهم بأنفسهم في مقابل الأجلة من أهل العلم أصحاب رسول الله ﷺ بل كان أول خارج ذو الخويصرة المعترض على قسمة النبي ﷺ القائل: (اعدل يا رسول الله!) ثم تتابع سير الخوارج على هذا النهج، فكانوا يعترضون على أجلة العلماء صحابة النبي ﷺ ويرفضون أقوالهم بل ويتبرءون منهم ويكفرونهم، ويستحلون دماءهم؛ لما رأوا من مخالفتهم إياهم فيما يعتقدون وعلى ذات المنهج ساروا في معاملة أهل العلم من التابعين. لقد دخل الخوارج قرية فخرج عبد الله بن خباب ﵀ ذعرا يجر رداءه، فقالوا: لم ترع؟ قال: والله لقد رعتموني، قالوا: أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثا يحدثه عن رسول الله ﷺ تحدثناه؟ قال: نعم سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ أنه «ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، " قال: فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ". قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال ": ولا تكن عبد الله القاتل» . قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك يحدثه عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل ما ابْدَقَرَّ، وبقروا أم ولده عما في بطنها (١) .
стр. 211
[رابعا الجهل بحقيقة الإيمان وعلاقته بالأعمال]
رابعا: الجهل بحقيقة الإيمان وعلاقته بالأعمال لقد عرف أهل السنة والجماعة الإيمان بأنه: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح (١) . قال الإمام البخاري ﵀: (لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أن أحدا منهم يختلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) (٢) .
وقد عقد الإمام الآجري ﵀ بابا سماه: (القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث) . ثم قال ﵀: (اعلموا - رحمنا الله وإياكم -: أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا. دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين. .) (٣) .
стр. 212
وهذا الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد جاءت الآيات والأحاديث دالة دلالة صريحة على زيادة الإيمان: (وكل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يتضمن الدلالة على نقصه وبالعكس؛ لأن الزيادة والنقصان متلازمان لا يفعل أحدهما بدون الآخر) (١) .
وقد ضل الضالون الغالون من الخوارج وغيرهم في أبواب الأسماء والأحكام بأسباب من جملتها: جهلهم بحقيقة الإيمان، وعلاقته بالأعمال، فقد (قالت الخوارج والمعتزلة: قد علمنا يقينا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض، ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار، إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء) (٢) .
ومنشأ ضلالهم: (أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: الإيمان هو الطاعة، فيزول بزوال بعض الطاعة) (٣) .
وقد زعموا أن الإيمان إذا كان مركبا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها كما يزول اسم العشرة عنها إذا زال أحد أفرادها (وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله) (٤) .
стр. 213
والصحيح أنه (ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ أَوِ الشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ» (١) وبين كفر منكر الإثبات) (٢) .
وقد رد شيخ الإسلام على شبهة الخوارج - هذه - بما ملخصه: أن الحقيقة الجامعة لأمور - سواء كانت في الأعيان أو الأعراض - إذا زال بعض تلك الأمور فقد - يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم في زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، سواء سميت مركبة أو مؤلفة، أو غير ذلك وما مثل به الخوارج من العشرة مطابق لهذا، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، فإذا زال أحد جزئي المركب فلا يلزم زوال الجزء الآخر، ولكن أكثر ما يقولون: إنه قد زالت الهيئة الاجتماعية، وزال الاسم الذي استحقته الهيئة لذلك الاجتماع والتركيب.
فالمركبات على قسمين: القسم الأول: ما يكون التركيب شرطا لإطلاق الاسم مثل: العشرة، فإن الواحد المكمل لعدد عشرة شرط في إطلاق اسم العشرة على هذه الأعداد.
стр. 214
والقسم الثاني: ما لا يكون التركيب شرطا لإطلاق الاسم ومثاله: البحر والنهر، فإن التركيب ليس شرطا في إطلاق الاسم، ولذلك لو نقص جزء من البحر لا يزول الاسم بل هو باق.
ومعظم المركبات من هذا النوع: (ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب؛ فإن النبي ﷺ قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان) (١) .
ولكن قد يزول اسم الإيمان بزوال جزء أساسي تزول به حقيقة الإيمان كما إذا زالت الشهادتان، أو تركت الصلاة على الراجح من أقوال العلماء. فإذا زال اسم الإيمان زال وصف الإيمان، واعتبار جزء من الأجزاء يزول به حقيقة الإيمان يختلف باختلاف الأحوال، فليس (للإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى مسلم في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض؛ بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف، وبلوغ التكليف له وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك) (٢) .
[خامسا الجهل بمراتب الأحكام]
خامسا: الجهل بمراتب الأحكام يظهر لكل من نال قدرا من الفقه في الدين أن الله جعل أحكاما لأفعال العباد، تتدرج هذه الأحكام وتتنوع، فمنها ما هو طلب للفعل المسمى ب (المأمورات) ومنها ما هو طلب للترك وذلك المسمى ب (المنهيات) ومنها ما
стр. 215
المكلف مخير فيه بين الفعل والترك وهي (المباحات) ومن جهل الخوارج الجهل بمراتب الأحكام، وأُمثل من ذلك على مراتب المنهيات.
فالمنهيات على مرتبتين: فالله إما أن ينهى عن الفعل على سبيل الحتم والإلزام فذلك الحرام، وإما أن ينهى عن الفعل لا على سبيل الحتم والإلزام فذلك المكروه.
والحرام درجات في ذاته، إذ يختلف باعتبارات عدة منها: درجة التحريم فإن أعظم المحرمات: الشرك بالله والشرك والكفر متفاوت المراتب فهو على نوعين:
(١) كفر اعتقادي. (٢) كفر عملي.
ويعبر عنهما بالكفر الأكبر والكفر الأصغر أو بالشرك الأكبر والشرك الأصغر.
فالكفر الاعتقادي هو: الموجب للخلود في النار، ويأتي في النصوص مقابلا للإيمان، من مثل قوله تعالى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] (آل عمران: ٨٦) .
والكفر العملي هو: الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود في النار، وهذا النوع يتناول جميع المعاصي؛ لأنها من خصال الكفر وشعبه وخصوصا ما سمي من المعاصي في النصوص كفرا، من مثل قول النبى ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١) .