← Общие книги

Общие книги · id 31448

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (327 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

[رابعا الجهل بحقيقة الإيمان وعلاقته بالأعمال] رابعا: الجهل بحقيقة الإيمان وعلاقته بالأعمال لقد عرف أهل السنة والجماعة الإيمان بأنه: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح (١) . قال الإمام البخاري ﵀: (لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أن أحدا منهم يختلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) (٢) . وقد عقد الإمام الآجري ﵀ بابا سماه: (القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث) . ثم قال ﵀: (اعلموا - رحمنا الله وإياكم -: أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا. دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين. .) (٣) .

стр. 212

وهذا الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد جاءت الآيات والأحاديث دالة دلالة صريحة على زيادة الإيمان: (وكل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يتضمن الدلالة على نقصه وبالعكس؛ لأن الزيادة والنقصان متلازمان لا يفعل أحدهما بدون الآخر) (١) . وقد ضل الضالون الغالون من الخوارج وغيرهم في أبواب الأسماء والأحكام بأسباب من جملتها: جهلهم بحقيقة الإيمان، وعلاقته بالأعمال، فقد (قالت الخوارج والمعتزلة: قد علمنا يقينا أن الأعمال من الإيمان فمن تركها فقد ترك بعض الإيمان، وإذا زال بعضه زال جميعه؛ لأن الإيمان لا يتبعض، ولا يكون في العبد إيمان ونفاق، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار، إذ كان ليس معهم من الإيمان شيء) (٢) . ومنشأ ضلالهم: (أنهم ظنوا أن الشخص الواحد لا يكون مستحقا للثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والحمد والذم، بل إما لهذا وإما لهذا، فأحبطوا جميع حسناته بالكبيرة التي فعلها، وقالوا: الإيمان هو الطاعة، فيزول بزوال بعض الطاعة) (٣) . وقد زعموا أن الإيمان إذا كان مركبا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها كما يزول اسم العشرة عنها إذا زال أحد أفرادها (وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله) (٤) .

стр. 213

والصحيح أنه (ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافرا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله «لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ أَوِ الشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ» (١) وبين كفر منكر الإثبات) (٢) . وقد رد شيخ الإسلام على شبهة الخوارج - هذه - بما ملخصه: أن الحقيقة الجامعة لأمور - سواء كانت في الأعيان أو الأعراض - إذا زال بعض تلك الأمور فقد - يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم في زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، سواء سميت مركبة أو مؤلفة، أو غير ذلك وما مثل به الخوارج من العشرة مطابق لهذا، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، فإذا زال أحد جزئي المركب فلا يلزم زوال الجزء الآخر، ولكن أكثر ما يقولون: إنه قد زالت الهيئة الاجتماعية، وزال الاسم الذي استحقته الهيئة لذلك الاجتماع والتركيب. فالمركبات على قسمين: القسم الأول: ما يكون التركيب شرطا لإطلاق الاسم مثل: العشرة، فإن الواحد المكمل لعدد عشرة شرط في إطلاق اسم العشرة على هذه الأعداد.

стр. 214

والقسم الثاني: ما لا يكون التركيب شرطا لإطلاق الاسم ومثاله: البحر والنهر، فإن التركيب ليس شرطا في إطلاق الاسم، ولذلك لو نقص جزء من البحر لا يزول الاسم بل هو باق. ومعظم المركبات من هذا النوع: (ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب؛ فإن النبي ﷺ قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان) (١) . ولكن قد يزول اسم الإيمان بزوال جزء أساسي تزول به حقيقة الإيمان كما إذا زالت الشهادتان، أو تركت الصلاة على الراجح من أقوال العلماء. فإذا زال اسم الإيمان زال وصف الإيمان، واعتبار جزء من الأجزاء يزول به حقيقة الإيمان يختلف باختلاف الأحوال، فليس (للإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى مسلم في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض؛ بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف، وبلوغ التكليف له وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك) (٢) . [خامسا الجهل بمراتب الأحكام] خامسا: الجهل بمراتب الأحكام يظهر لكل من نال قدرا من الفقه في الدين أن الله جعل أحكاما لأفعال العباد، تتدرج هذه الأحكام وتتنوع، فمنها ما هو طلب للفعل المسمى ب (المأمورات) ومنها ما هو طلب للترك وذلك المسمى ب (المنهيات) ومنها ما

стр. 215

المكلف مخير فيه بين الفعل والترك وهي (المباحات) ومن جهل الخوارج الجهل بمراتب الأحكام، وأُمثل من ذلك على مراتب المنهيات. فالمنهيات على مرتبتين: فالله إما أن ينهى عن الفعل على سبيل الحتم والإلزام فذلك الحرام، وإما أن ينهى عن الفعل لا على سبيل الحتم والإلزام فذلك المكروه. والحرام درجات في ذاته، إذ يختلف باعتبارات عدة منها: درجة التحريم فإن أعظم المحرمات: الشرك بالله والشرك والكفر متفاوت المراتب فهو على نوعين: (١) كفر اعتقادي. (٢) كفر عملي. ويعبر عنهما بالكفر الأكبر والكفر الأصغر أو بالشرك الأكبر والشرك الأصغر. فالكفر الاعتقادي هو: الموجب للخلود في النار، ويأتي في النصوص مقابلا للإيمان، من مثل قوله تعالى ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] (آل عمران: ٨٦) . والكفر العملي هو: الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود في النار، وهذا النوع يتناول جميع المعاصي؛ لأنها من خصال الكفر وشعبه وخصوصا ما سمي من المعاصي في النصوص كفرا، من مثل قول النبى ﷺ في حديث عبد الله بن مسعود: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١) .

стр. 216

فإن الكفر هنا ليس مرادا به الكفر المخرج من الملة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] فسماهم مؤمنين مع كونهم متقاتلين (١) . ثم بعد الكفر تأتي المحرمات، وقد قسمها العلماء على سبيل الإجمال إلى كبائر وصغائر، ودلت بعض النصوص على هذا التقسيم من مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] وقد أجمع على ذلك السلف: قال ابن القيم ﵀: (والذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف وبالاعتبار) (٢) . وكل واحد من هذه المحرمات يتفاوت؟ فالكفر يتفاوت وبعضه أغلظ من بعض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (اعلم أن الكفر بعضه أغلظ من بعض؛ فالكافر المكذب أعظم جرما من الكافر غير المكذب، فإنه جمع بين ترك الإيمان المأمور به وبين التكذيب المنهي عنه، ومن كفر وكذب وحارب الله ورسوله والمؤمنين بيده أو لسانه أعظم جرما ممن اقتصر على مجرد الكفر والتكذيب، ومن كفر وقتل وزنى وسرق وصد وحارب كان أعظم جرما) (٣) .

стр. 217

وللعلم بمراتب الأحكام أثره في الحكم على الناس فالمنهيات مراتب، ومرتكب الحرام ليس كمرتكب المكروه لتفاوت مرتبتي هذين الحكمين، والكافر ليس كالعاصي؛ لتفاوت ما بين حكم العمل الذي هو كفر، والعمل الذي هو معصية، فقد دلت النصوص - مثلا - على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وأنهم تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم حتى يمحصون، ومن تلك النصوص قول الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فجعل ما دون ذلك الشرك معلقا بمشيئته، ولا يجوز أن يحمل هذا على التائب؛ فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فهنا عمم وأطلق؛ لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلق) (١) . وأما الخوارج فقد جهلوا هذا، وأعرضوا عن النصوص المبينة لمراتب الأحكام فكفروا مرتكب الكبيرة، قال الإمام ابن أبي العز الحنفي ﵀: (إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج؛ إذ لو كفر كفرا ينقل عن الملة لكان مرتدا يقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين

стр. 218

الإسلام، ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين) (١) . [سادسا الجهل بمراتب الناس] سادسا: الجهل بمراتب الناس لقد اختلف الناس في موقفهم من دعوة سيد المرسلين ﷺ فكانوا فرقا شتى، فانقسم الناس في الجملة إلى: (١) مؤمن. (٢) منافق. (٣) كافر. وفي كل فرقة تتفاوت مراتب الناس باعتبارات مختلفة. يقول الحافظ ابن كثير ﵀ مبينا بعضها: (إن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وإن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وإن المنافقين أيضا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من النفاق) (٢) . ولو ذهبت أتتبع طبقات المكلفين، ومراتب كل طبقة وأحوالها لطال الأمر ولكني أقتصر على: مرتبة الفسق (الفسّاق) ذلك أن جهل الخوارج بهذه المرتبة أفضى بهم إلى ألوان من الغلو في التكفير. إن الفسق هو: العصيان ومخالفة أمر الله بما لا يصل إلى الكفر والمروق من الدين.

стр. 219

ولقد أمر الله بأوامر هي من شعب الإيمان، ونهى عن أمور هي من شعب الكفر، وليس كل من ترك شعبة من شعب الإيمان زال إيمانه و (ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمنا، حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته) (١) . ففي الناس إذا قوم تركوا شيئا من شعب الإيمان أو فعلوا شيئا من شعب الكفر (الكبائر) ومعهم من الإيمان ما يمنع خلودهم في النار، فليسوا من المنافقين أو المرتدين وليسوا من المؤمنين حقا، فصاروا في مرتبة الفسق أو ما يسميه بعض العلماء: الفاسق الملي (٢) . وأما الخوارج فإنهم يكفرونه بالمعصية، ويحكمون عليه بالخلود في النار لجهلهم بمراتب الناس ومسائل الأسماء والأحكام في ضوء نصوص الشريعة. * * * [أسباب غلو الخوارج المنهجية] [أولا عدم الجمع بين الأدلة] وأما في الجانب المنهجي فقد ضل الخوارج لأسباب منها: أولا: عدم الجمع بين الأدلة إن من سمات هذا الدين التي أبان عنها القرآن الكريم: اتساقه وتصديق بعضه بعضا، وعدم تناقضه؛ لأنه واحد المصدر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]

стр. 220

والنظر في آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة وفقهها وتدبر ما فيها يظهر القارئ على ذلك الاتساق، فالتدبر إذا وقع صدّق القرآن بعضه بعضا في فهم القارئ كما هو مصدق بعضه بعضا في واقع الأمر. وإذا أعرض الإنسان عن التدبر ولم يأخذ بالقرآن كله وضرب الأدلة بعضها ببعض اختلفت عليه فكان ذلك سببا في انحرافه عن الحق. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبينا أصلا جامعا في رد ما تنازع فيه الناس من فهم النصوص: (والمقصود هنا ذكر أصل جامع تبنى عليه معرفة النصوص، ورد ما تنازع فيه الناس إلى الكتاب والسنة، فإن الناس كثر نزاعهم في مواضع في مسمى الإيمان والإسلام لكثرة ذكرهما، وكثرة كلام الناس فيهما، والاسم كلما كثر التكلم فيه فتكلم به مطلقا، ومقيدا بقيد آخر في موضع آخر كان هذا سببا لاشتباه بعض معناه، ثم كلما كثر سماعه كثر من يشتبه عليه ذلك. ومن أسباب ذلك أن يسمع بعض الناس بعض موارده ولا يسمع بعضه، ويكون ما سمعه مقيدا بقيد أوجبه اختصاصه بمعنى، فيظن معناه في سائر موارده كذلك، فمن اتبع علمه حتى عرف مواقع الاستعمال عامة، وعلم مأخذ الشبه أعطى كل ذي حق حقه، وعلم أن خير الكلام كلام الله، وأنه لا بيان أتم من بيانه، وأن ما أجمع عليه المسلمون من دينهم الذي يحتاجون إليه أضعاف ما تنازعوا فيه) (١) .

стр. 221

ولقد كان عدم الجمع بين الأدلة، والاقتصار على بعضها وضرب القرآن بعضه ببعض سببا من أسباب انحراف الفرق ومنهم الخوارج. يتضح هذا من النظر في استدلالاتهم. واعتبر ذلك بالنظر إلى هاتين المجموعتين من النصوص: ١- يقول الله : ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] ٢ - يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٣] ويقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] فهاتان مجموعتان من النصوص يلحق بهما ما في معناهما: تسمى الأولى: نصوص الوعيد. وتسمى الثانية: نصوص الوعد. وقد صار فهم هذه النصوص سببا لانحراف طائفتين: الخوارج والمرجئة. فالخوارج أخذوا بعموم آيات الوعيد وقالوا: المعصية الواحدة كافية للخلود في النار.

стр. 222

والمرجئة أخذوا بعموم نصوص الوعد وقالوا: الإيمان هو التصديق، ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وبهذا المنهج يتعارض القرآن وينقض بعضه بعضا، والحق جمع هذه النصوص وفهمها بمجموعها و: (لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد. . . والعبد عليه أن يصدق بهذا وبهذا، لا يؤمن ببعض ويكفر ببعض، فهؤلاء (المشركون) أرادوا أن يصدقوا بالوعد، ويكذبوا بالوعيد. والحرورية والمعتزلة: أرادوا أن يصدقوا بالوعيد دون الوعد، وكلاهما أخطأ. والذي عليه أهل السنة والجماعة: الإيمان بالوعد والوعيد فكما أن ما توعد الله به العبد من العقاب قد بين سبحانه أنه بشروط: بأن لا يتوب، فإن تاب تاب الله عليه، وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وبأن لا يشاء الله أن يغفر له: ف ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فهكذا الوعد له تفسير وبيان، فمن قال بلسانه: لا إله إلا الله وكذب الرسول فهو كافر باتفاق المسلمين، وكذلك إن جحد شيئا مما أنزل الله. فلا بد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول، ثم إن كان من أهل الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فإن ارتد عن الإسلام ومات مرتدا كان في النار، فالسيئات تحبطها الردة، ومن كان له حسنات وسيئات فإن الله لا

стр. 223

يظلمه، بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مقال ذرة شرا يره، والله قد يتفضل عليه ويحسن إليه بمغفرته ورحمته. ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد في النار) (١) . ومن الجمع بين النصوص الرد إلى النصوص المحكمة والأصول الجامعة التي ترد إليها النصوص العامة، وهناك أصل جامع محكم ترد إليه نصوص الوعيد، وبالرجوع إليه يندفع التعارض المتوهم، فالقرآن ليس فيه تناقض ولا اختلاف: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] [ثانيا اتباع المتشابه] ثانيا: اتباع المتشابه يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] فربط سبحانه بين أهل الزيغ واتباع المتشابه، وجعل اتباع المتشابه من شأن أهل الزيغ والابتداع، وهم إنما يفعلون ذلك ابتغاء إحداث الفتنة وتتبعا لما لا يمكنهم العلم به، مما استأثر الله بعلمه أو خص بعلمه أهل العلم البصراء بدين الله.

стр. 224

ولقد حذر النبي ﷺ من اتباع المتشابه ومن متبعي المتشابه، فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قالت: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (١) . ولخطورة اتباع المتشابه كان السلف يردعون متبعه، ويؤدبونه تأديبا بليغا، فعن سليمان ين يسار ﵀ أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر، وقد أعد له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، فقال عمر: وأنا عبد الله عمر، ثم أخذ عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه (٢) . وما وصف متبعو المتشابه بالزيغ، والتحذير منهم وتأديبهم إلا لما يجره اتباع المتشابه من انحراف عن الحق وضلال، واعتبر ذلك بالخوارج؛ لتعلم كيف انحرفوا؟ بسبب اتباع المتشابه، فقد أخذوا - مثلا - قوله تعالى:

стр. 225

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠] على ظاهره، وقطعوه عن بيانه، وزعموا أن ذلك يعنى ألا يحكم البشر وألا يطلب منهم الحكم بشرع الله بين المتخاصمين فنقموا على علي بن أبي طالب ﵁ أنه حكَّم الحكمين، وهذا - بزعمهم - حكم بغير ما أنزل الله، وقد رد عليهم علي بن أبي طالب ﵁ بجملة آيات منها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] فأمر الله بتحكيم حكمين في أمر امرأة ورجل، قال علي ﵁: (فأمة محمد ﷺ أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل) (١) . قال الحافظ ابن حجر ﵀ في بيان أول زيغ الخوارج: (كان أول كلمة خرجوا بها قولهم: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠] انتزعوها من القرآن وحملوها على غير محملها) (٢) . [ثالثا التعامل المباشر مع النص والفهم الحرفي له] ثالثا: التعامل المباشر مع النص والفهم الحرفي له إن فهم الكتاب العزيز والسنة المطهرة يحتاج إلى أمرين: الأول: معرفة اللغة التي تكلم بها الشارع. الثاني: معرفة مقصوده من اللفظ.

стр. 226

وهذا متقرر حتى في فهم كلام الناس أنفسهم؛ فلا بد من معرفة ما عناه المتكلم وقصده. ويعرف مقصود الشارع سبحانه بمعرفة سنته في الخطاب فتجمع النصوص ليخرج من مجملها بفهم مراد الشارع كما يفهم أيضا المقصود بالرجوع إلى السنة وأقوال الصحابة. والألفاظ الشرعية وإن كانت عربية في الأصل إلا أنه لا بد من معرفة مراد الشارع الذي نقل تلك الألفاظ عن مدلولاتها الأصلية إلى معان بينها وبين المعنى الأصلي نوع اشتراك إذ (جنس ما دل عليه القرآن ليس من جنس ما يتخاطب به الناس، وإن كان بينهما قدر مشترك فإن الرسول ﷺ جاءهم بمعان غيبية لم يكونوا يعرفونها، فإذا عبر عنها بلغتهم كان بين معناه وبين معاني تلك الألفاظ قدر مشترك ولم تكن مساوية بها، بل تلك الزيادة التي هي من خصائص النبوة لا تعرف إلا منه) (١) . ولقد أعرض الخوارج عن هذا المنهج الرشيد فصاروا إلى الأخذ بظواهر النصوص من غير تدبر ولا نظر في مقاصدها ومعاقدها، فبادروا إلى تفسيرها بمجرد ظاهر اللغة وفهم العربية وبهذا يكثر غلطهم في فهم التنزيل. ومن أمثلة ذلك: اعتمادهم على قول الله ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]

стр. 227

[البقرة: آية ٨١] ولو جمع هؤلاء النصوص لفقهوا معنى (السيئة) و (الخطيئة) ذلك أنه عند التأمل في الكتاب العزيز نجد أن السيئة والخطيئة تطلقان على الشرك فما دونه من السيئات والخطايا. فمن إطلاقها على الشرك قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: ٢٥] وقوله سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] ومن إطلاقها على ما دون الشرك قوله سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] وقوله سبحانه على لسان إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وعليه فليست الآية كما يظهر لأول وهلة من ظاهرها أنها دالة على أن مرتكب السيئة كافر، خصوصا إذا رجعنا إلى الآية المحكمة من مثل قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]

стр. 228

[المحور الرابع استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو] [لمحات عن منهج القرآن الكريم في البناء التربوي ومعالجته] [المقدمة] المحور الرابع استثمار تعليم القرآن في ترسيخ الوسطية ومعالجة الغلو لمحات عن منهج القرآن الكريم في البناء التربوي ومعالجته للدكتور إبراهيم بن سعيد الدوسري

стр. 229

المقدمة الحمد لله الذي أنزل القرآن العظيم بالحق نورا وهدى للعالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وصفوته من خلقه أجمعين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن القرآن الكريم هداية الله للعالمين، وهو منهج كريم يسمو بالإنسان وينظم حياته من جميع أبعادها، سواء أكان من جهة صلته بربه، أم من جهة علاقته بالكون وما حواه ونفسه التي بين جنبيه ومجتمعه وأمته والناس أجمعين. ومن ثم كان القرآن الكريم المصدر الأساس للتربية لدى المسلمين، حيث كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، يتخلق بأخلاقه، ويؤدب أمته بآدابه. فكتاب الله العظيم قد تضمن منهجا كاملا وشافيا في الوسطية، والكشف عن معالمه يعد من الأمور الضرورية والملحة، ولا سيما في الظروف الراهنة التي بلغت خطورة بالغة طالت الأمة الإسلامية والعالم بأسره، بسبب خروج بعض الناس عن منهج القرآن الكريم أو البعد عنه، والتأثر بالأفكار المنحرفة والهدامة، والسير وراء كل ناعق، فأفرز ذلك خروجا عن طاعة ولي الأمر، وسعيا في الأرض فسادا وقتل النفس المعصومة، وغير ذلك من التبعات المخالفة لمنهج الوسطية منهج القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

стр. 230

وإذا كان من عادة القرآن في روافد البناء التحذير مما يعوقه، وحمايته مما يهدمه، وصيانته مما يقلل من قيمته فإن معالجة القرآن لما يخرج ذلكم البناء عن حد الاعتدال قد حوت حيزا كبيرا من آياته. ويأتي هذا البحث إسهاما يسيرا من أجل إبراز لمحات موجزة عن منهج القرآن الكريم في بعض الجوانب التربوية والاجتماعية وسبل معالجتها، راجيا من الله العلي القدير العون والتسديد. ولا يفوتني أن أرفع جزيل الشكر إلى صاحب المعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد على عنايته بهذه الموضوعات الحيوية، وعلى إتاحته الفرصة لي للمشاركة بهذا البحث في الندوة العلمية التي تعقدها الوزارة عن (أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو) . هدف البحث: يهدف هذا البحث إلى الإشارة إلى إبراز بعض لمحات منهج القرآن الكريم في البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي، والتنويه بالوسائل الكفيلة، بتفعيل التعاليم التربوية ذات الطابع الإصلاحي من خلال القرآن الكريم. خطة البحث: تتكون خطة البحث من تمهيد ومقصد وخاتمة، وذلك على النحو التالي: المقدمة: تتضمن أهمية الموضوع - كما تقدم - وهدفه وخطته.

стр. 231

التمهيد: منهج التربية في القرآن الكريم. المقصد: البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الجانب التربوي الأخلاقي. المطلب الثاني: الجانب التربوي الاجتماعي. الخاتمة: تتضمن خلاصة البحث وأهم النتائج التي انتهى إليها.

стр. 232

[نبذة موجزة عن منهج التربية في القرآن الكريم] التمهيد نبذة موجزة عن منهج التربية في القرآن الكريم التربية في اللغة: إصلاح الشيء والقيام عليه حالا فحالا إلى حد التمام، ويقال: ترببه وارْتَبَّه، ورباه تربية (١) . وهي في الاصطلاح تؤول إلى هذا المعنى وهو الرعاية والتنمية، إذ التربية وسيلة إصلاحية بناءة. ولقد حوى القرآن الكريم منهاجا فريدا في إصلاح الأمور والقيام عليها بالرعاية والتنمية، على أحسن وجه وأكمل حالة، فتلك هي التربية الربانية التي من صنع الله الذي أتقن كل شيء، وهو الذي خلق كل شيء، فهو أعلم بما يصلحه، وهو سبحانه أحق من يرعاه، قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (سورة الملك: ١٤) . ومفردات التربية في القرآن كثيرة جدا، تشكل قاعدة تشمل الإنسان وسائر الكائنات، فصفة الشمول والكمال تحيط بهذه التربية من كل جانب، وفي كل مفردة منظومة عجيبة من الكمال التربوي الذي أودعه الله جل وعلا في كتابه الكريم.

стр. 233

فلو نظرنا إلى تربية الإنسان في القرآن الكريم لوجدنا نظاما محكما يبدأ مع الإنسان منذ أول خلقه حتى يلقى الله جل وعلا ويواجه مصيره الذي ينتظره. إن منهج التربية في القرآن الكريم ينبثق من كمال هذا الدين ومعجزة هذا الكتاب المجيد، فتربيته تسع كل المجالات، كما أنها باقية وصالحة لكل عصر وجيل، حيث إن إعجاز القرآن الكريم لا ينحصر في ألفاظه ومبانيه، ولكنه يمتد إلى معانيه ومناهجه الحياتية والحيوية. [الجانب التربوي الأخلاقي] [أولا الوسائل الدافعة] الجانب التربوي الأخلاقي حقيقة التربية الأخلاقية في نظر الإسلام تنشئة الإنسان وتكوينه متكاملا من الجانب الخلقي، بحيث يصبح مفتاحا للخير ومغلاقا للشر في كل الظروف والأحوال (١) . وهي تستهدف ملكة استعداد النفس لتهذيبها وتنمية نزعات الخير لديها، فهي من الأهمية بمكان، لأنها ترجمة عملية للأخلاق النظرية المتمثلة في الإلزام والمسئولية والجزاء ((ذلك أنه إذا لم يعد هناك إلزام فلن تكون هناك مسئولية، وإذا عدمت المسئولية فلا يمكن أن تكون العدالة، وحينئذ تتفشى الفوضى ويفسد النظام)) (٢) .

стр. 234

حقا إن التربية الأخلاقية أحد الدعائم الأساسية في بناء الفرد المسلم، إذ هي عملية تؤدي إلى بناء فكر وفعل أخلاقي بما حوته من وسائل كفيلة يمكن من خلالها تطبيق دستور الأخلاق في القرآن الكريم، وهذه الوسائل تؤول إلى مجموعتين: وسائل دافعة ووسائل مانعة، أما الوسائل الدافعة فهي التي تنمي الاستعداد النفسي لفعل الخيرات مثل القدوة الصالحة والموعظة والصحبة، والمجموعة الثانية هي الوسائل المانعة وهي التي تحول بين المرء ورغبته في سيئ الأخلاق، وتعطل إرادته واستعداده من الوقوع فيها ومن بين تلك الوسائل المانعة الاعتبار والترهيب والعقوبة (١) . إن التربية الأخلاقية في نظرة الإسلام تتسم بالعمق والشمول، حيث إنها تتناول جميع الجوانب الإيجابية للتربية المتكاملة، من أهمها تكوين البصيرة عند المرء ليميز بين سلوكي الخير والشر وتلقي المبادئ التربوية ب افعل ولا تفعل وتطهير النفس من نوازع الشر وتحذير الغير منها، وتحليها بفضائل الخير، والدلالة إليها (٢) . والحق أن القرآن العظيم قد زود نظامه الأخلاقي بقاعدة تربوية غاية في الكمال (٣) وقد انتظم في هذه القاعدة جملة من الوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم الأخلاقية، وإيجاد العلاج والحلول المناسبة لكل انحراف أو

стр. 235

تسيب في الأخلاق، ومعنى هذا أنها ذات طابع إصلاحي ودعوي، فالحاجة إلى إبرازها وإعمالها ضرورة اجتماعية. أولا - الوسائل الدافعة وهي الوسائل التي تنمي الاستعداد لفعل الخيرات والمداومة عليها والترقي في معارج الفضيلة، ومنها: الموعظة: وهي التذكير بالخير فيما يرق له القلب (١) وتعد الموعظة من أقوى الأساليب وأنجع الوسائل، ولهذا سمى الله القرآن الكريم موعظة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] (سورة يونس: ٥٧) وقد استعمل القرآن الكريم الموعظة في السياق التربوي في كثير من المناسبات، ويظهر ذلك جليا في مواعظ الحكيم لقمان لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ - وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ - وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ - يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ - يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ - وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ - وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٣ - ١٩] (سورة لقمان: ١٣ - ١٩) .

стр. 236

والموعظة تأتي في القرآن الكريم صريحة كما في الآيات السابقة، وتأتي من خلال الاعتبار بمن سبق، قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: ((وقوله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] (سورة النساء: ١٧١) وقوله ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] (سورة الحديد: ٢٧) فإن ذلك متعلق بأهل الكتاب ابتداء، ومراد منه موعظة هذه الأمة لتجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة وسقوطها)) (١) وتصديق ذلك في القرآن الكريم حيث يقول الحق ﵎: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ - فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦] (سورة البقرة: ٦٥ - ٦٦) .

стр. 237

الصحبة: لا يخفى ما للصحبة من أثر فاعل في اكتساب الأخلاق سلبا أو إيجابا، ومسارقة الطبع تؤدي في ذلك دورا كبيرا، ((إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا)) (١) . وقصة أصحاب الجنة في سورة القلم شاهد حي على ما للصحبة من أهمية في استمداد القرناء بعضهم من بعض الطاقات الأخلاقية حيث يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ - وَلَا يَسْتَثْنُونَ - فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ - فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ - فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ - أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ - فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ - أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ - وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ - فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ - بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ - قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ - قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ - فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ - قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ - عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ - كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ٣٣] (سورة القلم: ١٧ - ٣٣) .

стр. 238

أوسطهم أي: ((أعدلهم قولا وعقلا وخلقا)) (١) والآية تدل على أن هذا الأوسط حذرهم من الوقوع في المعصية قبل وقوع العذاب فلم يطيعوه، فلما رأوا العذاب ذكرهم ذلك الكلام (٢) ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم: ٢٩] فكان تذكير أوسطهم أحد أسباب توبتهم، ولو استجابوا له أولا لانتفعوا ببستانهم، بيد أنهم استطاعوا أن يؤثروا عليه، حتى أزرى به بخله فأصابه ما أصابهم. وقد جاء التنويه بالصحبة وما لها من أثر فاعل في آيات كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] (سورة الفرقان: ٢٧) ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] (سورة الأنعام: ٧١) . القدوة الحسنة: وهي وسيلة عملية في البناء الخلقي، ((ولن تصلح التربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة)) (٣) والقرآن الكريم حافل بنماذج حية للشخصيات الأخلاقية الكريمة، للترغيب في أخلاقهم، ومحاكاة الحسن منها،

стр. 239

قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] (الأنعام: ٩٠) ، كما حفل بنماذج أخرى ضدها للتنفير من محاكاتها، قال ابن حزم: ((ولهذا يجب أن تؤرخ الفضائل والرذائل، لينفر سامعها من القبيح المأثور عن غيره، ويرغب في الحسن المنقول عمن تقدمه ويتعظ بما سلف)) (١) . ومن ثم سيق في القرآن الكريم تجارب الأنبياء الأخيار لينتفع منها النبي محمد ﷺ ، ((فلما أمر محمد ﵊ بأن يقتدي بالكل، فكأنه أمر بمجموع ما كان متفرقا فيهم، ولما كان ذلك درجة عالية لم تتيسر لأحد من الأنبياء قبله لا جرم وصف الله خلقه بأنه عظيم)) (٢) وبهذا يتضح مفاد التعبير بحرف الاستعلاء في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (القلم: ٤) إذ دل على استعلاء الرسول ﷺ على جميع الأخلاق الجميلة وتمكنه منها (٣) ولا سيما أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وفي الحديث الشريف: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (٤) . وإذا كانت طريقة القرآن فيما يذكره الله عن أهل العلم والأنبياء والمرسلين على وجه المدح للتأسي (٥) بهم، فلا جرم أن ما امتدح الله به رسوله ﷺ من عظيم الخلق يقتضي اتخاذه مثلا أعلى، ثم إنه قد جاء ذلك

стр. 240

صريحا في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] (الأحزاب: ٢١) ، قال ابن حزم: ((من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا وعدل السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها واستحقاق الفضائل بأسرها فليقتد بمحمد رسول الله ﷺ وليستعمل أخلاق سيرته ما أمكنه)) (١) . [ثانيا الوسائل المانعة] ثانيا: الوسائل المانعة ((وهي الوسائل التي تحول دون فاعلية الرغبة في الأخلاق السيئة وتعطل الإرادة والاستعداد لفعلها)) (٢) فهي طرق وقاية وعلاج لما يطرأ على الأخلاق من عوامل الانحراف والانحلال الخلقي الذي يعتور النفس بسبب الهوى أو الشيطان أو غيرهما. ولا ريب أن تلك الوسائل من الأساليب الناجعة في مجال التربية الأخلاقية، لما لها من سلطة على كبح الجرم الخلقي، وتهذيب السلوك، فإن كان ثمة مكنة من التوبة من قبل الفاعل فذلك مقصد أسمى من مقاصد العقوبة في الإسلام مهما كانت ضخامة الذنب، وإن لم يكن فإن العبرة قائمة لمن بعدها. وإذا كنا بصدد ندوة أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو؛ فمن المناسب التنبيه إلى أن معاقبة الغلاة والمبتدعة إحدى وسائل العلاج التي تضمنتها آيات الحدود والقصاص والتعزير، وهي كثيرة جدا، والعقوبة لهذا الصنف من الناس تختلف بحسب نوع الجرم الذي ربما يصل

стр. 241

بغلوه إلى حد الكفر، وقد يعاقب بالقصاص حين يقتل مسلما معصوم الدم (١) وبهذا يتبين أن الغلو قد يصل إلى درجة الإفساد في الأرض، فحينئذ ينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ويلحظ في هذه الآية أنها تناولت أنواعا من العقوبات، فمنها ما يقع على الجسد، وذلك في أول الآية وهو التقتيل أو الصلب أو التقطيع، ومنها عقوبات نفسية وذلك بالخزي الذي يلحق بهم، ومنها عقوبات اجتماعية تأديبية وذلك بالنفي، ومنها عقوبات أخروية ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] نسأل الله العافية، ولما كانت العقوبة أحد المقاصد الأخلاقية التي جاء القرآن الكريم ليؤكد عليها ضمن أجزيته الإصلاحية لذلك نجد أن الدعوة إلى التوبة تعقب ذكر تلك العقوبات لتفتح طريقا إلى العودة، وذلك ما نجده عقب هذه الآية وأمثالها، حيث يقول الله تعالى بعد آية الحرابة المذكورة آنفا ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]

стр. 242

[الجانب التربوي الاجتماعي] [إرساء قواعد التسامح] الجانب التربوي الاجتماعي جعل الإسلام رابطة الدين الجامعة المعتبرة، ودعا الناس لاتباعها ليكونوا أمة واحدة تجمعها وحدة الاعتقاد والتفكير والعمل الصالح، فأمر بإقامة الدين كما في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقد أبان الله ﵎ أن مراده الاجتماع تحت شريعة الإسلام (١) إذ يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وحبل الله هو الإسلام (٢) . وكما عني الإسلام بتأسيس هذه الجامعة وتسهيل الدخول إليها وتكثير سواد أتباعها - حاطها بسياج منيع من أن يجد معول الهدم إليها سبيلا، فجعل لها نظما تضبط تصرفات الناس في معاملاتهم وتدابير تذود عنهم أسباب الاختلال وتقيها من الانحلال (٣) وذلك ما سنشير إلى شيء من ملامحه - على وجه الإيجاز - فيما يلي: إرساء قواعد التسامح عني القرآن الكريم بموضوع التسامح عناية فائقة، فنوه به ليتمثله أهل الإسلام ولينبذوا ما ينافيه، وعده من خصائص دين الإسلام، فقال

стр. 243

جل شأنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال في صاحب الرسالة وخاتم النبيين ﷺ ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٨] وقال في أصحابه وأتباعه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣] ولذلك اعتبر القرآن المؤمنين إخوة، ووصفهم بهذا الوصف إشاعة لخلق التسامح فيما بينهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ((ثم إن وصف الأخوة يستدعي أن تبث بين الموصوفين به خلال الاتحاد والإنصاف والمواساة والمحبة والصلة والنصح وحسن المعاملة فيتقبلها جميع الأمة بالصدر الرحب، سواء في ذلك الشريف والمشروف والقوي والضعيف، فإذا ارتاضت نفوس الأمة على التخلق بالأخوة بينهم سهلت على الشريعة سياستهم، وإنما ترضاض النفوس على الأخوة بتكرير غرسها فيها، وبتأكيد الدعوة إليها واجتثاث ما ينافيها)) (١) . ولم يقتصر القرآن الكريم على إشاعة هذا الخلق فيما بين المسلمين، بل جعله عاما بين الناس جميعا، ((فلذلك يحق لنا أن نقول إن التسامح من خصائص دين الإسلام وهو أشهر مميزاته، وإنه من النعم التي أنعم بها على أضداده وأعدائه، وأدل حجة على رحمة الرسالة الإسلامية المقررة بقوله

стр. 244

تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] )) (١) وشواهد القرآن الكريم على ذلك كثيرة جدا، منها قوله تعالى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وقوله سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] وقد تمثل هذه الآية الإمام الجليل إسماعيل بن إسحاق القاضي، إذ ((دخل عليه ذمي فأكرمه، فوجد عليه الحاضرون فتلا هذه الآية عليهم)) (٢) . وخلق التسامح أحد الأخلاق التي حرص القرآن الكريم على ترسيخها، فلذلك نجد تقريره في الآيات المكية والمدنية، ومن الآيات المكية قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وفيها يقول الإمام الكبير جعفر الصادق: ((أمر الله نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية)) (٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وهذه الآية فيها جماع الأخلاق الكريمة، فإن الإنسان مع الناس إما أن يفعلوا معه غير ما يحب أو ما يكره، فأمر أن يأخذ منهم ما يحب ما سمحوا به، ولا يطالبهم بزيادة، وإذا فعلوا معه.

стр. 245

ما يكره أعرض عنهم، وأما هو فيأمرهم بالمعروف، وهذا باب واسع)) (١) . ومن الآيات المدنية قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣] فلا جرم أن التسامح وما يدور في فلكه من الاتحاد والإنصاف والمواساة والمحبة والصلة والنصح وحسن المعاملة من الأخلاق الاجتماعية التي تحتاج إلى تربية وتنشئة، ولقد تكفل القرآن الكريم ببيانها بيانا شافيا أوضح الله فيه المحجة للأمة، وجعله نظاما اجتماعيا حضاريا للعالمين. [ترسيخ مفاهيم السلام الاجتماعي] ترسيخ مفاهيم السلام الاجتماعي أرسى القرآن الكريم مفاهيم السلام في سور عديدة وآيات كثيرة، حتى أصبح السلام السمة البارزة لهذا الدين ليس في حال السلم فحسب، بل وفي الحرب ومع الأعداء، لأن هذا الدين يحرص على كسب أعدائه ودعوتهم إلى السلم بدلا من مخاصمتهم، ولأن دين الإسلام جاء لهداية الناس كافة إلى سبيل الله تعالى، فمقصده التآلف ودفع التنازع ونشر السلام في أرجاء العالم، وذلك ما دلت عليه الآيات الكثيرة التي تضمنت مادة (سلم) وما في معناه من الأمن والإصلاح، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]

стр. 246

(سورة البقرة: ٢٠٨) ، وقال عن منهج هذا القرآن العظيم ورسوله الكريم ﷺ : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ - يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] (سورة المائدة: ١٥ - ١٦) ، وقال جل شأنه في سياق آيات القتال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١] (سورة الأنفال: ٦١) ((فأمر الله المسلمين بأن لا يأنفوا من السلم، وأن يوافقوا من سأله منهم)) (١) لأنه أصل منهج الرسالة الخاتمة. [نبذ مظاهر الفرقة والخروج على الجماعة] نبذ مظاهر الفرقة والخروج على الجماعة عادة القرآن في روافد البناء التحذير مما يهدمه، لذلك جاءت الآيات الكثيرة موجهة إلى لزوم الجماعة وطاعة ولاة الأمر ومشددة النهي عن الاختلاف ومفارقة الجماعة، ومن الآيات الواردة في ذلك قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]

стр. 247

(سورة النساء: ٥٩) ، وقوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ - وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥] (سورة آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥) . وقوله سبحانه (وَلَا تَفَرَّقُوا) في الآية المذكورة تأكيد لما تضمنه الأمر بالاعتصام، والتذكير بنعمة الله فيها اشتمل على تصوير لحالة الناس التي كانوا عليها قبل الرسالة المحمدية، وفيه تنفير من العودة إلى تلك الحالة الشنيعة بعد أن أفاء الله عليهم بنعمة الإسلام الذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة، وذلك حث على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتفاق (١) .

стр. 248

[الخاتمة] الخاتمة بعون من الله وتوفيق تم إنجاز هذا البحث المختصر، المتضمن الإشارة إلى إبراز بعض لمحات منهج القرآن الكريم في البناء التربوي الأخلاقي والاجتماعي، والتنويه بالوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم التربوية ذات الطابع الإصلاحي من خلال القرآن الكريم. وقد اشتمل على دراسة موجزة تناولت مفهوم التربية القرآنية، والتربية الأخلاقية التي تهتم بتنشئة الإنسان وتكوينه متكاملا من الجانب الخلقي، بحيث يصبح مفتاحا للخير ومغلاقا للشر في كل الظروف والأحوال، وقد وكّد أن التربية الأخلاقية إحدى الدعائم الأساسية في بناء الفرد المسلم، إذ هي عملية تؤدي إلى بناء فكر وفعل أخلاقي بما حوته من وسائل كفيلة يمكن من خلالها تطبيق دستور الأخلاق في القرآن الكريم، وهذه الوسائل تؤول إلى مجموعتين: وسائل دافعة ووسائل مانعة، أما الوسائل الدافعة فهي التي تنمي الاستعداد النفسي لفعل الخيرات مثل القدوة الصالحة والموعظة والصحبة، والمجموعة الثانية هي الوسائل المانعة وهي التي تحول بين المرء ورغبته في سيئ الأخلاق، وتعطل إرادته واستعداده من الوقوع فيها ومن بين تلك الوسائل المانعة الاعتبار والترهيب والعقوبة، ولقد عني هذا البحث ببيان بعض تلك الوسائل من خلال القرآن الكريم. كما تضمن هذا البحث دراسة عن شيء من لمحات الجانب التربوي الاجتماعي في القرآن الكريم، وتناول بيان بعض تلك الملامح على وجه

стр. 249

الإيجاز، ومنها ركيزة التسامح، إحدى خصائص دين الإسلام، وبين أن التسامح وما يدور في فلكه من الاتحاد والإنصاف والمواساة والمحبة والصلة والنصح وحسن المعاملة، من الأخلاق الاجتماعية التي تحتاج إلى تربية وتنشئة، ولقد تكفل القرآن الكريم ببيانها بيانا شافيا أوضح الله فيه المحجة للأمة، وجعله نظاما اجتماعيا حضاريا للعالمين. ومن تلك الركائز ترسيخ مفاهيم السلام الاجتماعي وهو السمة البارزة لهذا الدين، ومنها نبذ مظاهر الفرقة والخروج على الجماعة، فكل ذلك مما جاءت آيات القرآن الكريم لتؤكده في الجانب التربوي الاجتماعي. ومن ثم انتهى البحث إلى جملة من النتائج، ومن أهمها ما يلي: * القرآن الكريم يحوي منهجا تربويا كاملا صالحا لكل عصر وجيل، ومنهج التربية القرآنية هو أكمل المناهج وأصلحها للبشرية ولا توازن تربيته بغيره من التربيات. * أن علاج الانحرافات البشرية يكمن في منهج القرآن الكريم وحده، وما عداه من المناهج البشرية مهما بلغت من العمق والإبداع، فستظل عاجزة عن معالجة يصدق عليها وصف الكمال، لأن ذلك ليس إلا لله سبحانه خالق كل شيء وهو بكل شيء عليم. * دراسة القيم التربوية في القرآن الكريم، وإبراز منهج الوسطية فيه، بحاجة إلى بحوث كثيرة جدا في جميع مجالات الحياة.

стр. 250

* أن القرآن العظيم قد زود نظامه الأخلاقي بقاعدة تربوية غاية في الكمال، وقد انتظم في هذه القاعدة جملة من الوسائل الكفيلة بتفعيل التعاليم الأخلاقية، وإيجاد العلاج والحلول المناسبة لكل انحراف أو تسيب في الأخلاق، ومعنى هذا أنها ذات طابع إصلاحي ودعوي، فالحاجة إلى إبرازها وإعمالها ضرورة اجتماعية. * العقوبة أحد المقاصد التي جاء القرآن الكريم ليؤكد عليها ضمن أجزيته الإصلاحية، لذلك نجد أن الدعوة إلى التوبة تعقب ذكر تلك العقوبات لتفتح طريقا إلى العودة. * أن معاقبة الغلاة والمبتدعة، إحدى وسائل العلاج التي تضمنتها آيات الحدود والقصاص والتعزير. وبعد، فما كان في هذا البحث من صواب فمن فضل الله وتوفيقه، وما كان فيه من خطأ أو خلل فأستغفر الله.
следующие страницы →