فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقين: الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ بِالنَّفْسِ فِي الْقُرْآنِ وَقَرِينُهُ، بَلْ جَاءَ مُقَدَّمًا عَلَى الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِلَّا مَوْضِعًا وَاحِدًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنه آكد من الجهاد بالنفس، وَإِذَا وَجَبَ الْحَجُّ بِالْمَالِ عَلَى الْعَاجِزِ بِالْبَدَنِ، فوجوب الجهاد بالمال أولى.
ومنها ما برز به عثمان من النفقة العظيمة، وَمِنْهَا أَنَّ الْعَاجِزَ بِمَالِهِ لَا يُعذر حَتَّى يبذل جهده، فإنه سبحانه إنما نفى الحرج عن العاجزين بعد أن أتوا رسوله ليحملهم، ثم رجعوا باكين.
وَمِنْهَا اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ إِذَا سَافَرَ رَجُلًا مِنَ الرعية، ويكون مِنَ الْمُجَاهِدِينَ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ لَهُمْ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي بِآبَارِ ثَمُودَ لَا يجوز شربه، ولا الطهارة به، ولا الطبخ به ولا العجين بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْقَى الْبَهَائِمَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بِئْرِ النَّاقَةِ، وَكَانَتْ مَعْلُومَةً بَاقِيَةً إِلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عِلْمُ النَّاسِ بِهَا قَرْنًا بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا ترد الركبان بئرا غيرها.
وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ مَرَّ بِدِيَارِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والمعذبين لا ينبغي لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا بَلْ يُسْرِعُ السَّيْرَ، وَيَتَقَنَّعُ بِثَوْبِهِ حَتَّى يُجَاوِزَهَا، وَلَا يدخل عليهم إلا أن يكون باكيا معتبرا.
ومنها أنه ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، وَقَدْ جَاءَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ في هذه القصة في حديث معاذ، وذكرنا علته، ولم يجئ عنه جمع التقديم فِي سَفَرٍ إِلَّا هَذَا، وَصَحَّ عَنْهُ جَمْعُ التقديم بعرفة قبل دخوله عرفة.
ومنها جواز التيمم بالرمل، فإنه ﷺ وأصحابه قطعوا تلك الرمال، ولم يحملوا معهم ترابا، وتلك مفاوز معطشة، وشكوا فِيهَا الْعَطَشَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ومنها أنه أقام بتبوك بضعة عشر يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَقُلْ لِلْأُمَّةِ: لَا يقصر رجل إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن انقضت إِقَامَتُهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَهَذِهِ الْإِقَامَةُ فِي حَالِ السَّفَرِ لَا تَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ سَوَاءٌ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع، قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سنون.
وَمِنْهَا جَوَازُ بَلِ اسْتِحْبَابُ حِنْثِ الْحَالِفِ فِي يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها، وإن شاء قدّم الكفارة، وإن شاء أخرها.
وَمِنْهَا انْعِقَادُ الْيَمِينِ فِي حَالِ الْغَضَبِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ بِصَاحِبِهِ إِلَى حَدٍّ لَا يَعْلَمُ مَعَهُ مَا يَقُولُ، وَكَذَلِكَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَتَصِحُّ عُقُودُهُ، فَلَوْ بَلَغَ
стр. 177
بِهِ الْغَضَبُ إِلَى حَدِّ الْإِغْلَاقِ لَمْ تَنْعَقِدْ يمينه، ولا طلاقه.
ومنها قوله: «مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَبْرِيُّ، وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِهِ، وإنما هو مِثْلُ قَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا أَمْنَعُ، وَإِنَّمَا أَنَا قاسمٌ أضعُ حَيْثُ أُمرت» ، فَإِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِالْأَمْرِ، فَإِذَا أَمَرَهُ رَبُّهُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْمُعْطِي وَالْمَانِعُ وَالْحَامِلُ، وَالرَّسُولُ مُنَفِّذٌ لِمَا أمر به.
ومنها أن أهل العهد إذا أحدث أحدهم حدثا فيه ضرر على الإسلام وأهله، انتقض عهده في ماله ونفسه، وإذا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فَدَمُهُ وَمَالُهُ هَدْرٌ، وهو لمن أخذه كما في صلح أهل أيلة.
وَمِنْهَا جَوَازُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ كَمَا دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذا البجادين إذا كان لضرورة أو مصلحة راجحة.
وَمِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمَتْ غَنِيمَةً أَوْ أَسَرَتْ أَسِيرًا أَوْ فَتَحَتْ حِصْنًا، كَانَ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ الخمس، فإنه ﷺ قسم غنيمة دومة الجندل بين السرية بخلاف ما إذا خرجت السرية من الجيش في حال الغزو، وأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابوه يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَمِيعِ بَعْدَ الْخَمْسِ وَالنَّفْلِ، وَهَذَا كَانَ هَدْيَهُ ﷺ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ» فَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ هِيَ بقلوبهم وهممهم، وَهَذَا مِنَ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ أَحَدُ مَرَاتِبِهِ الأربع، وهي القلب والسان والمال والبدن.
ومنها تحريق أمكنة المعصية كما حرق مسجد الضرار، وكل مكان مثله فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم أو تحريق، وَإِمَّا بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَمَّا وُضع لَهُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَمَشَاهِدُ الشرك أحق وأوجب، وكذا بيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر قَرْيَةً بِكَمَالِهَا يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَحَرَقَ حَانُوتَ رويشد الثقفي وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا، وَحَرَقَ قَصْرَ سعد لما احتجب فيه عن الرعية، وهمَّ ﷺ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِ تَارِكِي الجمعة والجماعة، وإنما منعه من فيها ممن لا تجب عليهم.
ومنها أن الوقوف لا يصح على غير قربة، وعلى هذا فيُهدم المسجد الذي بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ كَمَا يُنْبَشُ الْمَيِّتُ إِذَا دفن في المسجد، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مَسْجِدٌ وَقَبْرٌ، بَلْ أَيُّهُمَا طَرَأَ عَلَى الْآخَرِ مَنَعَ مِنْهُ، وَكَانَ الْحُكْمُ لِلسَّابِقِ، فَلَوْ وُضِعَا مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ وَلَا يَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ
стр. 178
فِي هَذَا الْمَسْجِدِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَلَعْنِهِ مَنِ اتخذ القبر مسجدا، فَهَذَا دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رسوله، وَغُرْبَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ كَمَا تَرَى.
[فصل في حديث الثلاثة الذين خُلِّفُوا]
فصل
في حديث الثلاثة الذين خُلِّفُوا (١) قال بعض الشارحين: أول أسمائهم مكة، وآخر أسمائهم عكة.
روينا في " الصحيحين " واللفظ للبخاري رحمه الله تعالى عن كعب بن مالك ﵁ قال: «لم أتخلف عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري حين تخلفت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة.
وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، وعدوا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان -. قال كعب ﵁: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى ما لم ينزل فيه وحي الله تعالى، وغزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، وتجهز رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْمُسْلِمُونَ معه، فطفقت أعدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجِدّ.
فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غاديا، والمسلمون معه، ولم أقضِ من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، ولم أقض شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل
стр. 179
فأدركهم، فليتني فعلت، فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بَعْدَ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب بن مالك "؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرده والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل ﵁: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ما علمنا عليه إلا خيرا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب، فأقول: بم أخرج من سخطه غدا، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: أن رسول الله ﷺ قد أظل قادما راح عني الباطل حتى عرفت أني لم أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه.
وأصبح رسول الله ﷺ قادما، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علانيتهم، واستغفر لهم، ووكّل سرائرهم إلى الله تعالى، فجئته، فلما سلّمت عليه تبسَّمَ تبسُّم المغضب ثم قال: " تعال " فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: " مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظهرك " فقلت: بلى إني والله يا رسول الله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لرأيت أني أَخْرُجَ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولكني والله إني لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عليَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فيه عفو الله تعالى، لا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذر، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا هَذَا، فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ "، فَقُمْتُ، وَثَارَ رجال من بني سلمة، فاتبعوني فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون، فقد
стр. 180
كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ استغفارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لك. فوالله ما زالوا يؤنبونني حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قلت: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالحين قد شهدا بدرا ﵄ ففيهما أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِيَ في نفسي الأرض فما هي التي أَعْرِفُ.
فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أنا فكنت أشبَّ القوم، وأجلدهم، وكنت أَخْرُجُ فأشهدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وأُسَلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بردِّ السَّلَامِ عليَّ أَمْ لَا، ثُمَّ أُصلي قَرِيبًا مِنْهُ، فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ إلى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تسورتُ جِدَارَ حَائِطِ أبي قتادة ﵁، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا ردَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ له: يَا أبا قتادة: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ؟ فسكت، فعدت فناشدته، فقال ﵁: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تسورتُ الجدار، فبينما أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نبط أهل الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهِ:
أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك جفاك، ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلتُ لما قرأته: وهذا أيضا من البلايا فتيمّمتُ بها التنور، فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي، إِذَا رسولُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يأتيني فيقول: أن رسول الله ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطلقها أَمْ ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها، ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك،
стр. 181
فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يقضي الله في هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ ، فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هلال بن أمية شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أن أخدمه؟ قال: " لا ولكن لا يقربنك "، قالت: والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي مذ كان إلى يومه هذا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ فقد أَذِنَ لِامْرَأَةِ هلال بن أمية أَنْ تَخْدُمَهُ، فقلت: والله لا استأذنت فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. فلبثت بذلك عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفجر صبْح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ; فبينما أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ ، قَدْ ضَاقَتْ عليَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عليَّ الْأَرْضُ بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يقول: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعلمت أن قد جاء فرج، وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بتوبة الله تعالى علينا حين صلى صلاة الْفَجْرَ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَل صاحبيَّ مبشرون، وركض رجل إلي فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الجبل، فكان الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ.
فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سمعت صوته يبشِّرني، نزعت له ثوبَيَّ، فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ، فَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لتهنك توبة الله تعالى عليك يا كعب. حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالس حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ الله ﵁ يُهَرْوِلُ، حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إليَّ رجل من المهاجرين غيره - وكان كعب لا ينساها لطلحة - فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: " أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مرَّ عَلَيْكَ مذُ ولدتك أُمك " قال: قلت: أَمِنْك يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ".
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ توبتي
стр. 182
أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ " قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدِّث إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث أحسن مما أبلاني، وما تعمدت مذ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وَإِنِّي لَأَرْجُوُ أَنْ يحفظني الله تعالى فيما بقيت، وأنزل اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ - وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩] (١) .
فوالله ما أنعم الله عليَّ من نِعْمَةً قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ ما قال لأحد فقال الله : ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ - يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] (٢) » .
اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من العمل أن في حديث كعب هذا فوائد:
منها: استحباب رد غيبة المسلم كما فعل معاذ ﵁.
ومنها: ملازمة الصدق، وإن شق فعاقبته إلى خير.
ومنها: استحباب ركعتين في المسجد عند القدوم من السفر قبل كل شيء.
ومنها: أنه يستحب للقادم من سفر إذا كان مقصودا أن يجلس لمن يقصده في موضع بارز كالمسجد ونحوه.
ومنها: جريان أحكام الناس على الظاهر، والله يتولى السرائر.
ومنها: هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة، وترك السلام عليهم تحقيرا لهم وزجرا.
ومنها: استحباب بكائه على نفسه إذا
стр. 183
بدرت منه معصية، وحق له أن يبكي.
ومنها: جواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى لمصلحة، كما فعل كعب ﵁.
ومنها: أن كنايات الطلاق كقوله: الحقي بأهلك. لا يقع إلا بالنية.
ومنها: جواز خدمة المرأة زوجها من غير إلزام ووجوب.
ومنها: استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة، أو اندفاع نقمة ظاهرة، والتصدق عند ذلك.
ومنها: استحباب التبشير والتهنئة، وإكرام المبشر بكسوة ونحوها.
ومنها: استحباب القيام للوارد إكراما له إذا كان من أهل الفضل بأي نوع كان، وجواز سرور القوم بذلك كما سر كعب بقيام طلحة ﵄، وليس بمعارض بحديث: «من سره أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النار» ؛ لأن هذا الوعيد للمتكبرين ومن يغضب إذا لم يقم له، وقد كان ﷺ يقوم لفاطمة ﵂ سرورا بها، وتقوم له كرامة، وكذلك كل قيام أثمر الحب في الله تعالى، والسرور لأخيك بنعمة الله، والبر لمن يتوجه بره، والأعمال بالنيات، والله أعلم.
ومنها: مدح الإنسان نفسه بما هو فيه إذا لم يكن فخرا.
ومنها: أن العقبة كانت من أفضل المشاهد.
ومنها: أن ديوان الجيش لم يكن في حياته ﷺ ، وأول من دوّن الدواوين عمر.
ومنها: أن الرجل إذا أتيحت له فرصة القربة فالحزم كل الحزم في انتهازها، فإن العزائم سريعة الانتقاض قلما تثبت، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَ لَهُ بَابًا إلى الخير فلم ينتهزه بأن يحول بينه وبين قلبه وإرادته. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] (١) وصرح سبحانه بهذا في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] (٢) وقال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصَّفِّ: ٥] (٣) وَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٥] (٤) وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لم يتخلف عنه ﷺ إلا من هو مَغْمُوصٌ عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ أَوْ مَنْ خَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ومنها:
стр. 184
أن الإمام لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُهْمِلَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ بَلْ يُذَكِّرُهُ لِيُرَاجِعَ الطاعة، فإنه ﷺ قال: ما فعل كعب "؟ ولم يذكر سواه استصلاحا له وإهمالا للمنافقين.
ومنها: جواز الطعن في رجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن ذَبًّا عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمِنْ هَذَا طَعْنُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِيمَنْ طَعَنُوا فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ، وطعن أهل السنة في أهل البدع.
ومنها: جواز الرد على هذا الطَّاعِنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الرَّادِّ أَنَّهُ وَهَم وغلط كما رد معاذ ولم ينكر ﷺ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
ومنها: أن السنة للقادم من سفر أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ عَلَى وُضُوءٍ، وَأَنْ يَبْدَأَ ببيت الله قبل بيته فيصلي ركعتين.
ومنها: ترك الإمام رَدَّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا تَأْدِيبًا له وزجرا لغيره.
وَمِنْهَا: مُعَاتَبَةُ الْإِمَامِ وَالْمُطَاعِ أصحابَه وَمَنْ يَعِزُّ عليه، فإنه عاتب الثلاثة دون غيرهم. وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ مَدْحِ عِتَابِ الْأَحِبَّةِ وَاسْتِلْذَاذِهِ وَالسُّرُورِ بِهِ، فَكَيْفَ بِعِتَابِ أَحَبِّ الْخَلْقِ على الإطلاق إلى المعتوب عليه، فلله مَا كَانَ أَحْلَى ذَلِكَ الْعِتَابَ وَمَا أَعْظَمَ ثَمَرَتَهُ وَأَجَلَّ فَائِدَتَهُ وَلِلَّهِ مَا نَالَ بِهِ الثلاثة من أنواع المسرات، وحلاوة الرضى وَخِلَعِ الْقَبُولِ.
وَمِنْهَا تَوْفِيقُ اللَّهِ لكعب وَصَاحِبَيْهِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الصِّدْقِ، وَلَمْ يَخْذُلْهُمْ حَتَّى كَذَبُوا وَاعْتَذَرُوا بِغَيْرِ الْحَقِّ، فَصَلُحَتْ عَاجِلَتُهُمْ، وفسدت عاقبتهم وَالصَّادِقُونَ تَعِبُوا فِي الْعَاجِلَةِ بَعْضَ التَّعَبِ، فَأَعْقَبَهُمْ صلاح العاقبة، وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة، فمرارات المبادئ حلاوات في العواقب، وحلاوات المبادئ مرارات في العواقب.
وفي نهيه ﷺ عن كلامهم بَيْنِ سَائِرِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِمْ وَكَذِبِ الْبَاقِينَ، فَأَرَادَ هَجْرَ الصَّادِقِينَ وَتَأْدِيبَهُمْ على هذا الذنب. وأما المنافقون فهذا الدواء لا يعمل في مرضهم، وَهَكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ فِي عُقُوبَاتِ جَرَائِمِهِمْ، فَيُؤَدِّبُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يُحِبُّهُ وَهُوَ كَرِيمٌ عِنْدَهُ بِأَدْنَى زَلَّةٍ وَهَفْوَةٍ، فَلَا يَزَالُ مُسْتَيْقِظًا حَذِرًا، وَأَمَّا مَنْ سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ وَهَانَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعَاصِيهِ، فكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة.
وقوله: " حتى تسوَّرتُ حَائِطِ أبي قتادة " فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ الرجل دار صاحبه وجاره، إذا علم رضاه بلا إذن، وفي أمره لهم باعتزال النساء كالبشارة بالفرج من جهة كلامه لهم، ومن أمره لهم بالاعتزال.
وفي قوله: " الحقي بأهلك " دليل على
стр. 185
أنه لا يَقَعْ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ وَأَمْثَالِهَا طَلَاقٌ مَا لَمْ ينوه، وفي سجوده لما سمع صوت البشير دليل أن تلك عادة الصحابة، وهو استحباب سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعَمِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَالنِّقَمِ الْمُنْدَفِعَةِ، وقد سجد ﷺ حِينَ بَشَّرَهُ جِبْرِيلُ أن مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، وَسَجَدَ حِينَ شَفَعَ لِأُمَّتِهِ، فَشَفَّعَهُ الله فيهم ثلاث مرات، وسجد أبو بكر لما جاءه قتل مسيلمة، وسجد علي حين وجد ذا الثدية مقتولا في الخوارج، وَفِي اسْتِبَاقِ صَاحِبِ الْفَرَسِ وَالرَّاقِي عَلَى سِلَعٍ دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِ الْقَوْمِ عَلَى الْخَيْرِ، وَاسْتِبَاقِهِمْ إِلَيْهِ، وَتَنَافُسِهِمْ فِي مَسَرَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَفِي نزع كعب ثوبيه وإعطائهما دليل على أن إعطاء المبشِّر من مكارم الأخلاق، وجواز إعطاء البشير جميع ثيابه، واستحباب تَهْنِئَةِ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دِينِيَّةٌ، وَالْقِيَامِ إليه، وَمُصَافَحَتِهِ فَهَذِهِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهُوَ جَائِزٌ لِمَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ. وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يقال: لِيَهْنِكَ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ وَنَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ، فَإِنَّ فِيهِ تَوْلِيَةَ النِّعْمَةِ رَبَّهَا، وَالدُّعَاءَ لِمَنْ نَالَهَا بِالتَّهَنِّي بِهَا.
وفيه أن خير أيام العبد على الإطلاق يوم توبته، وقبول الله لها، وفي سروره ﷺ بِذَلِكَ وَفَرَحِهِ بِهِ وَاسْتِنَارَةِ وَجْهِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ في قلبه من كمال شفقته على الأمة.
وفيه اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ بِمَا قُدِرَ عَلَيْهِ من المال، وفي قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» دليل على أن من نذر ماله كله يلزمه إخراج جميعه، وفيه عظم مقدار الصدق، وتعليق سعادة الدارين به، وقد قسم سبحانه الخلق قسمين سعداء، وهم أهل الصدق والتصديق، وأشقياء وهم أَهْلَ الْكَذِبِ وَالتَّكْذِيبِ، وَهُوَ تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ مُطَّرِدٌ منعكس.
وقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] (١) هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعَرِّفُ الْعَبْدَ قَدْرَ التوبة، وأنها غاية كمال المؤمن، فإن الله أَعْطَاهُمْ هَذَا الْكَمَالَ بَعْدَ آخِرِ الْغَزَوَاتِ بَعْدَ أن قضوا نحبهم، وبذلوا أنفسهم وَأَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ لِلَّهِ، وَكَانَ غَايَةَ أَمْرِهِمْ أَنْ تَابَ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ تَوْبَةِ كَعْبٍ خَيْرَ يَوْمٍ مر
стр. 186
عَلَيْهِ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَا يَعْرِفُ هَذَا حَقَّ مَعْرِفَتِهِ إِلَّا مَنْ عرف الله وحقوقه عَلَيْهِ وَعَرَفَ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ، وَعَرَفَ نَفْسَهُ وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالَهَا، وَأَنَّ الَّذِي قَامَ بِهِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ رَبِّهِ عَلَيْهِ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ هَذَا إِذَا سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يسع عباده غير عفوه ومغفرته، وقرر توبته عليهم مرتين فتاب عليهم أولا بالتوفيق لها، وثانيا بقبولها، فالخيرات كلها منه وبه وله.
[فصل في حجة أبي بكر ﵁]
فصل
في حجة أبي بكر ﵁ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ مَقْدِمِهِ من تبوك، خرج بثلاثمائة رجل من المسلمين، وَبَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعِشْرِينَ بَدَنَةً قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا بِيَدِهِ عَلَيْهَا ناحية ابن جندب الأسلمي، وَسَاقَ أبو بكر خَمْسَ بَدَنَاتٍ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَنَزَلَتْ (بَرَاءَةٌ) فِي نقضِ ما كان بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَهْدِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، فخرج علي عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فلحق أبا بكر، فلما رآه قال: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْرَأُ بَرَاءَةٌ عَلَى النَّاسِ، وَأَنْبِذُ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَأَقَامَ أبو بكر لِلنَّاسِ حجتهم حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ عِنْدَ الجمرة بالذي أمره رسول الله.
أخرج الحميدي في " مسنده " من طريق زيد بن نقيع قَالَ: سَأَلْنَا عليا: بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الْحَجَّةِ؟ قَالَ: بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، ولا يجتمع مسلم وكافر في البيت الْحَرَامِ بَعْدَ عَامِهِ هَذَا، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فعهده إلى مدته.
قال ابن إسحاق: ولما فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف فبايعته، ضربت إليه وفود العرب آباط الإبل من كل وجه، فذكر وفد بني تميم، ووفد طيء، ووفد بني عامر، ووفد عبد القيس، ووفد بني حنيفة، ووفد كندة، ووفد الأشعريين، ووفد الأزد، ووفد أهل نجران، ووفد همدان، ووفد نصارى نجران وغيرهم، ثم ذكر هديه في العلاج بالأدوية الروحانية المفردة والمركب منها، ومن الأدوية الطبيعية، فقال: روى مسلم عن ابن عباس
стр. 187
مَرْفُوعًا: «الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» وَفِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا عَنْ أنس أن «رسول الله ﷺ رخص في الرقية من العين والحمة والنملة» .
وروى مالك عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمامة بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: «رَأَى عَامِرُ بْنُ ربيعة سهلا يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جلد مخبّأة، فلُبِط سهل، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامرا، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَا بَرَّكْتَ؟ اغْتَسِلْ لَهُ فغسل عامر وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهِ فراح سهل مع الناس» .
وَذَكَرَ عبد الرزاق، عَنْ معمر، عَنِ ابن طاوس، عن أبيه مرفوعا. «العين حق، وَإِذَا اسْتُغْسِلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَغْتَسِلْ» وَوَصْلُهُ صَحِيحٌ.
قَالَ الترمذي: يُؤْمَرُ الرَّجُلُ الْعَائِنُ بِقَدَحٍ، فَيُدْخِلُ كَفَّهُ فِيهِ، فَيَتَمَضْمَضُ، ثُمَّ يَمُجُّهُ فِي الْقَدَحِ، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ في القدح، ثم يغسل يَدَهُ الْيُسْرَى، فَيَصُبُّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى، فَيَصُبُّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَغْسِلُ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ، وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَى رأس المصاب مِنْ خَلْفِهِ صَبَّةً وَاحِدَةً.
وَالْعَيْنُ عَيْنَانِ: عَيْنٌ إِنْسِيَّةٌ، وَعَيْنٌ جِنِّيَّةٌ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ أم سلمة «أَنَّهُ ﷺ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ، فَقَالَ: اسْتَرْقُوا لَهَا، فإن بها النظرة» قال البغوي: سفعة، أي: نظرة مِنَ الْجِنِّ يَقُولُ: بِهَا عَيْنٌ أَصَابَتْهَا مِنْ نظر الجن، أنفذ من أسنّةِ الرماح.
وكان ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ، وَمِنْ عَيْنِ الْإِنْسَانِ، فَأَبْطَلَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ قَلَّ نَصِيبُهُمْ مِنَ السَّمْعِ وَالْعَقْلِ أمر العين، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم، لَا تَدْفَعُ أَمْرَ الْعَيْنِ وَلَا تُنْكِرُهُ، وَإِنِ اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ قُوًى وَطَبَائِعَ مُخْتَلِفَةً، وَجَعَلَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا خَوَاصَّ وَكَيْفِيَّاتٍ مُؤَثِّرَةً، وَلَا يُمْكِنُ لِعَاقِلٍ إِنْكَارُ تَأْثِيرِ الْأَرْوَاحِ فِي الْأَجْسَامِ، فَإِنَّهُ أمر مشاهد محسوس.
وليست العين هِيَ الْفَاعِلَةَ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِلرُّوحِ، وَالْأَرْوَاحُ مُخْتَلِفَةٌ في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إليها، وروح الْحَاسِدِ مُؤْذِيَةٌ لِلْمَحْسُودِ أَذًى بيِّنًا، وَلِهَذَا أَمَرَ الله رَسُولَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ شَرِّهِ، وَتَأْثِيرُ الْحَاسِدِ فِي أَذَى الْمَحْسُودِ أَمْرٌ
والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ» .
وَمِنْهَا: «أعوذ بكلمات الله التامات مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ» .
وَمِنْهَا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بوجهك الكريم، وكلماتك التامة مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم لَا يُهزم جُنْدُكَ، وَلَا يُخْلَفُ وعدُك سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ» .
وَمِنْهَا: «أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ الحسنى، وبأسمائه مَا علمتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ لَا أُطِيقُ شَرَّهُ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ: تَحَصَّنْتُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَهِي وَإِلَهِ كُلِّ شَيْءٍ، وَاعْتَصَمْتُ بِرَبِّي وَرَبِّ كُلِّ شَيْءٍ، وَتَوَكَّلْتُ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَاسْتَدْفَعْتُ الشَّرَّ بِلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، حَسْبِيَ الرَّبُّ مِنَ الْعِبَادِ، حَسَبِيَ الْخَالِقُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، حَسَبِيَ الرَّازِقُ مِنَ الْمَرْزُوقِ، حَسْبِيَ الَّذِي هُوَ حَسْبِي، حَسْبِيَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، حَسْبِيَ الله وكفى، وسمع اللَّهُ لِمَنْ دَعَا، لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مَرْمَى، حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.
وَمَنْ جَرَّبَ هذه الدعوات والتعوذات، عرف مَنْفَعَتِهَا، وَشِدَّةَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَهِيَ تَمْنَعُ وُصُولَ أثر العائن، وترفعه بَعْدَ وُصُولِهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ إِيمَانِ قَائِلِهَا وَقُوَّةِ نفسه واستعداده وقوة توكله، فإنها سلاح، والسلاح بضاربه.
وإذا خشي العائن ضرر عينه وإصابتها للمعين فليقل: اللهم بارك عليه كما أمر رسول الله ﷺ عامرا لما عان سهل بن حنيف أن يقول: «أَلَا بَرَّكْتَ» أَيْ: قُلْتَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَيْهِ، ومما يدفعها قَوْلُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كان عروة إِذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَوْ دَخَلَ حَائِطًا من حيطانه قالها.
ومنها رقية جبريل للنبي ﷺ التي في " صحيح مسلم ": «بسم اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يشفيك بسم الله أرقيك» .
ثم ذكر هديه في العلاج لكل شكوى بالرقية الإلهية، فذكر فيه حديث أبي داود عن أبي الدرداء رفعه: «من اشتكى منكم شيئا فليقل:
стр. 190
رَبَّنَا اللَّهَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هذا الوجع فيبرأ» ، ثم ذكر رقية جبريل المتقدمة، ثم ذكر هديه في رقية القرحة والجراح، وذكر ما فِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، أَوْ جُرْحٌ قَالَ بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ ربنا» وهل المراد تربة الأرض كلها أو أرض المدينة؟ فيه قولان.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في علاج حر المصيبة]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في علاج حر المصيبة قال الله تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] (١) .
وفي " الصحيح " عن أم سلمة مرفوعا: «مَا مِنْ أَحَدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» ، وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعها له في عاجلته وآجلته، فإنها تضمنت أصلين إذا تحقق بهما تسلى عن مصيبته.
أحدهما: أن العبد وماله ملك لله جعله عنده عارية.
والثاني: أن المرجع إلى الله ولا بد أن يخلف الدنيا، فإذا كانت هذه البداية والنهاية، ففكره فيهما مِنْ أَعْظَمِ عِلَاجِ هَذَا الدَّاءِ. وَمِنْ عِلَاجِهِ أَنْ يَعْلَمَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ ليصيبه. ومنه أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا أُصِيبَ بِهِ، فَيَجِدُ ربه أبقى له مثله أو أفضل، وادخر له إن صبر مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ فَوَاتِ تِلْكَ الْمُصِيبَةِ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، وَأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَجَعَلَهَا أَعْظَمَ مما هي.
ومنه إطفاؤها ببرد التأسي بأهل المصائب، فلينظر عن يمينه وعن يساره، فهل يرى إلا محنة أو حسرة، وإن سرور
стр. 191
الدنيا أحلام نوم، وإن أضحكت قليلا، أبكت كثيرا.
ومنه العلم أن الجزع لا يرد بل يضاعف.
ومنه أن يعلم أن فوات ما ضمن الله على الصبر والاسترجاع أعظم منها.
ومنه أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَزَعَ يشمِّت عَدُوَّهُ، وَيَسُوءُ صديقه، ويغضب ربه. ومنه أن يعلم أن ما يعاقب الصبر والاحتساب من اللذة أضعاف ما يحصل له من نفع الفائت لو بقي له.
ومنه أَنْ يروِّح قَلْبَهُ بِرُوحِ رَجَاءِ الْخَلَفِ مِنَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عِوَضٌ إِلَّا الله.
ومنه أن يعلم أن حظه منها مَا تُحْدِثُهُ لَهُ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى، ومن سخط فله السخط.
ومنه أن يعلم أن آخر الجزع إلى الصبر الاضطراري، وهو غير محمود، ولا مثاب عليه.
ومنه أن يعلم أن من أنفع الأدوية موافقة ربه فِيمَا أَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ لَهُ وَأَنَّ خَاصِّيَّةَ الْمَحَبَّةِ وسرها موافقة المحبوب.
ومنه أن يوازن بين أعظم اللذتين والتمتعين وَأَدْوَمِهِمَا لَذَّةِ تَمَتُّعِهِ بِمَا أُصيب بِهِ، وَلَذَّةِ تمتعه بثواب الله.
ومنه العلم بأن المبتلي أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأنه لم يبتله ليهلكه، بل ليمتحن إيمانه، وليستمع تضرعه، وليراه طريحا ببابه.
ومنه أن يعلم أن المصائب سبب لمنع أدواء المهلكة، كالكبر والعجب والقسوة.
ومنه أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَرَارَةَ الدُّنْيَا هِيَ بِعَيْنِهَا حلاوة الآخرة، وبالعكس، فإن خفي عليك هذا، فانظر قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» وَفِي هَذَا الْمَقَامِ تَفَاوَتَتْ عُقُولُ الخلائق، وظهرت حقائق الرجال.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في علاج الكرب والهم والحزن]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في علاج الكرب والهم والحزن في " الصحيحين " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم» .
وللترمذي عَنْ أنس كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث» .
وله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أهمه أمر رفع طرفه إلى السماء
стр. 192
وقال: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قال: يا حي يا قيوم» .
ولأبي داود عن أبي بكر الصديق مرفوعا: «دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللُّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كله لا إله إلا أنت» ، وله عَنْ أسماء بنت عميس قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إلا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب: الله اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» وَفِي رواية «سبع مرات» .
ولأحمد عن ابن مسعود مرفوعا قَالَ: «مَا أَصَابَ عَبْدًا هَمٌّ وَلَا حُزْنٌ فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي. إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحا» .
وللترمذي عن سعد مرفوعا: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كلمة أخي يونس» .
ولأبي داود أنه ﷺ قال لأبي أُمامة: «أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَقَضَى دَيْنَكَ؟ قَالَ: قلت: بلى، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبن وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقهر الرجال "، ففعلت، فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي» .
ولأبي داود عن ابن عباس مرفوعا: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب» .
وَفِي " السُّنَنِ ": «عَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنِ النُّفُوسِ الهم والغم» .
وفي " المسند «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ، ويُذكر عن ابن عباس مرفوعا: «مَنْ كَثُرَتْ هُمُومُهُ وَغُمُومُهُ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لا حول ولا قوة إلا بالله» .
وفي " الصحيحين «إنها كنز من كنوز الجنة» .
وهذه الْأَدْوِيَةُ تَتَضَمَّنُ خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا مِنَ الدَّوَاءِ، فإن لم تقو على إذهاب الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْحُزْنِ، فَهُوَ دَاءٌ قَدِ اسْتَحْكَمَ، وتمكنت
стр. 193
أَسْبَابُهُ، وَيَحْتَاجُ إِلَى اسْتِفْرَاغٍ كُلِّيٍّ.
الْأَوَّلُ: تَوْحِيدُ الربوبية.
الثاني: توحيد الألوهية.
الثالث: التوحيد العلمي.
الرَّابِعُ: تَنْزِيهُ الرَّبِّ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَظْلِمَ عَبْدَهُ، أَوْ يَأْخُذَهُ بِلَا سَبَبٍ مِنَ الْعَبْدِ يوجب ذلك.
الخامس: اعتراف العبد أنه هو الظالم.
السادس: التوسل بأحب الأشياء إلى الله، وَهُوَ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ، وَمِنْ أَجْمَعِهَا لِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " الْحَيُّ الْقَيُّومُ ".
السَّابِعُ: الِاسْتِعَانَةُ بِهِ وَحْدَهُ.
الثَّامِنُ: إِقْرَارُ الْعَبْدِ لَهُ بِالرَّجَاءِ.
التَّاسِعُ: تَحْقِيقُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ، وَالِاعْتِرَافِ لَهُ بِأَنَّ نَاصِيَتَهُ فِي يَدِهِ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَأَنَّهُ ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فيهٌ قَضَاؤُهُ.
الْعَاشِرُ: أَنْ يَرْتَعَ قَلْبُهُ فِي رِيَاضِ الْقُرْآنِ، وَيَجْعَلَهُ لِقَلْبِهِ كَالرَّبِيعِ لِلْحَيَوَانِ، وَأَنْ يَسْتَضِيءَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَأَنْ يَتَسَلَّى بِهِ عَنْ كُلِّ فَائِتٍ، وَيَتَعَزَّى بِهِ عَنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَيَسْتَشْفِيَ بِهِ مِنْ أَدْوَاءِ صَدْرِهِ، فَيَكُونَ جَلَاءَ حُزْنِهِ، وَشِفَاءَ هَمِّهِ وَغَمِّهِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: الِاسْتِغْفَارُ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: التَّوْبَةُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْجِهَادُ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: الصَّلَاةُ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَوْلِ والقوة وتفويضها إلى الله.
[فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي علاج الفزع والأرق]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في علاج الفزع والأرق روى الترمذي عن بريدة قال: اشتكى خالد، فقال: يا رسول الله ما أنا أنام الليل من الأرق، قال: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَقُلِ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، كُنْ لِي جَارًا مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا أَنْ يَفْرُطَ عليَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ، أَوْ يبغي عليَّ أحد، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» .
وفيه من حديث عمرو بن شعيب: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعلّمهم من الفزع: «أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ» وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ عقل من بَنيه، ومن لم يفعل كتبه، فعلّقه عليه.
ويذكر من حديث عمرو بن شعيب مرفوعا: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْحَرِيقَ فَكَبِّرُوا، فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ» لَمَّا كَانَ الْحَرِيقُ سَبَبُهُ النَّارُ وَهِيَ مَادَّةُ الشَّيْطَانِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا وَكَانَ
стр. 194
فِيهِ مِنَ الْفَسَادِ الْعَامِّ مَا يُنَاسِبُ الشَّيْطَانَ بِمَادِّتِهِ، وَفِعْلِهِ كَانَ لِلشَّيْطَانِ إِعَانَةٌ عَلَيْهِ وَتَنْفِيذٌ لَهُ وَكَانَتِ النَّارُ تَطْلُبُ بِطَبْعِهَا الْعُلُوَّ وَالْفَسَادَ، وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ - وَهُمَا الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادُ - هُمَا هَدْيُ الشَّيْطَانِ، وَإِلَيْهِمَا يَدْعُو وَبِهِمَا يُهْلِكُ بَنِي آدَمَ، فَالنَّارُ وَالشَّيْطَانُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ، وَكِبْرِيَاءَ الرَّبِّ تقمع الشيطان، فإذا كبّر المسلم ربه، طفئ الْحَرِيقَ، وَقَدْ جَرَّبْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا هَذَا فَوَجَدْنَاهُ كذلك.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في حفظ الصحة قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] (١) فأرشدهم إِلَى إِدْخَالِ مَا يُقِيمُ الْبَدَنَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عِوَضَ مَا تَحَلَّلَ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَدَنُ فِي الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، فَمَتَى جَاوَزَ ذَلِكَ كَانَ إِسْرَافًا، وَكِلَاهُمَا مَانِعٌ مِنَ الصِّحَّةِ جَالِبٌ لِلْمَرَضِ أَعْنِي عَدَمَ الأكل والشرب أو الإسراف فيهما، فحفظ الصحة في هاتين الكلمتين الإلهيتين.
وَلَمَّا كَانَتِ الصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ وَأَجْزَلِ عَطَايَاهُ وَأَوْفَرِ مِنَحِهِ، بل العافية المطلقة من أجل النعم على الإطلاق، فحقيق بمن رُزِقَ حَظًّا مِنَ التَّوْفِيقِ مُرَاعَاتُهَا وَحِفْظُهَا وَحِمَايَتُهَا عما يضادها.
ولهذا قال ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» ، وَفِي الترمذي مرفوعا: «مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سربه، عنده قوت يوم، فكأنما حيزت له الدنيا» وفيه أيضا مرفوعا: «أَوَّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ من النعم أن يقال: ألم نصح لك جسمك؟ ونرويك من الماء البارد» .
ومن هنا قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] (٢) قال: عن الصحة.
ولأحمد مرفوعا: «سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَالْمُعَافَاةَ، فَمَا أُوتي أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ» فَجَمَعَ بَيْنَ عافيتي الدنيا والدين، وَلَا يَتِمُّ صَلَاحُ الْعَبْدِ فِي الدَّارَيْنِ إِلَّا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقاب الآخرة
стр. 195
وَالْعَافِيَةُ تَدْفَعُ عَنْهُ أَمْرَاضَ الدُّنْيَا فِي قَلْبِهِ وبدنه.
وفي " سنن النسائي " مرفوعا: «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ، فَمَا أُوتِيَ أحد بعد اليقين خيرا من المعافاة» وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ تَتَضَمَّنُ إِزَالَةَ الشُّرُورِ الْمَاضِيَةِ بِالْعَفْوِ، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة.
ولم يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ ﷺ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَغْذِيَةِ، فإنه مضر ولو أنه أفضل الأغذية، بل يَأْكُلُ مَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِأَكْلِهِ من اللحم والفاكهة والخبز والتمر ونحو ذلك.
قال أنس: «مَا عَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تركه» (١) ومتى أكل الإنسان ما لا يشتهيه، كان تضرره به أكثر من نفعه، وَكَانَ يُحِبُّ اللَّحْمَ، وَأَحَبُّهُ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَمُقَدَّمُ الشاة وهو أخف على المعدة وأسرع انهضاما.
وَكَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ - أَعْنِي اللحم والحلوى والعسل - من أنفع الأغذية للبدن والكبد والأعضاء.
وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ عِنْدَ مَجِيئِهَا ولا يحتمي عنها، وهو من أَسْبَابِ حِفْظِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ جعل في كل بلد الفاكهة ما ينتفع به أهلها، فيكون تناوله من أسباب صحة أهلها، وَقَلَّ مَنِ احْتَمَى عَنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ خَشْيَةَ السَّقَمِ إِلَّا وَهُوَ مِنْ أَسْقَمِ النَّاسِ جِسْمًا.
وصح عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» وَقَالَ: «إِنَّمَا أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يأكل العبد» وفسر بالتربع، وبالاتكاء على الشيء، وبالاتكاء على الجنب، والأنواع الثلاثة من الاتكاء مضر.
وكان يأكل بأصابعه الثلاث، وهو أنفع ما يكون من الأكلات.
وكان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا.
وصح عنه أنه أمر من فعله أن يتقيأه، وصح عنه أنه شرب قائما للحاجة.
وكان يتنفس في الشرب ثلاثا ويقول: إنه أروى وأمرأ، وأبرأ أي: أشد ريا. وَأَبْرَأُ: أَفْعَلُ مِنَ الْبُرْءِ، وَهُوَ الشِّفَاءُ، أَيْ: يُبرئ من العطش، وأمرأ: هو أفعل من مرى الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ فِي بَدَنِهِ: إِذَا دَخَلَهُ وَخَالَطَهُ بِسُهُولَةٍ وَلَذَّةٍ وَنَفْعٍ، وَمِنْهُ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] هنيئا في عاقبته، مريئا في مذاقته.
وللترمذي عَنْهُ ﷺ : «لَا تَشْرَبُوا نَفَسًا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى، وسموا الله إذا شربتم، واحمدوا الله إذا أنتم فرغتم» .
وفي
стр. 196
" الصحيح " منه: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ ليس عليه غطاء ولا سِقَاءٍ، لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا وَقَعَ فِيهِ من ذلك الوباء» قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ: الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة في كانون الأول.
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَخْمِيرِ الْإِنَاءِ وَلَوْ أن يعرض عليه عودا.
وصح عنه أنه أمر عند الإيكاء والتغطية بذكر اسم الله، ونهى عن الشرب من فم السقاء، وعن النفس في الإناء والنفخ فيه، وعن الشرب من ثلمة القدح، وكان يحب الطيب ولا يرده وقال: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ، فَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّهُ طيب الريح، خفيف المحمل» ولفظ أبي داود والنسائي: «من عرض عليه طيب» وفي " مسند البزار " عَنْهُ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنَاءَكُمْ وساحاتكم، ولا تشبهوا باليهود يجمعون القمامة في دورهم» .
وَفِي الطِّيبِ مِنَ الْخَاصِّيَّةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُحِبُّهُ، والشياطين تنفر منه، فَالْأَرْوَاحُ الطَّيِّبَةُ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ، وَالْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الْخَبِيثَةَ، وَكُلُّ رُوحٍ تَمِيلُ إِلَى ما يناسبها، فـ ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦] وهذا وإن كان في الرجال والنساء، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْمَالَ وَالْأَقْوَالَ، وَالْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ وَالْمَلَابِسَ والروائح، إما بعموم لفظه، وإما بعموم معناه.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ أَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ أقضيته وأحكامه وَلَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ التَّشْرِيعِ الْعَامِّ وإن كانت أقضيته الخاصة عامة، وإنما الغرض ذكر هديه في الأحكام الجزئية التي فصل بها بين الخصوم، ونذكر معها قضايا من أحكامه الكلية، فثبت عنه أنه حبس في تهمة، ففي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمِّدًا، فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَنَفَاهُ سَنَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتِقَ رَقَبَةً، وَلَمْ يقده به» .
ولأحمد عن أنس عن سمرة مرفوعا: «من قتل عبده قتلناه» فإن كان محفوظا كَانَ قَتْلُهُ تَعْزِيرًا إِلَى الْإِمَامِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ.
وَأَمَرَ رَجُلًا بِمُلَازَمَةِ غَرِيمِهِ، كما ذكره أبو داود.
وروي عن أبي عبيد «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بقتل القاتل،
стр. 197
وصبر الصابر» قال أبو عبيد: أي: يحبسه حَتَّى يَمُوتَ، وَذَكَرَ عبد الرزاق فِي " مُصَنِّفِهِ " عَنْ علي: يُحْبَسُ الْمُمْسَكُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يموت. وحكم في العرنيين بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَسَمْلِ أَعْيُنِهِمْ، كَمَا سَمَلُوا أعين الراعاة، وَتَرَكَهُمْ حَتَّى مَاتُوا جُوعًا وَعَطَشًا، كَمَا فَعَلُوا بالراعي.
وفي " صحيح مسلم «أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَ أَخَاهُ، فَاعْتَرَفَ، فَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، فَرَجَعَ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ، فَقَالَ ﷺ : أما تريد أن تبوء بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟ فَقَالَ: بَلَى. فَخَلَّى سَبِيلَهُ» .
وَفِي قَوْلِهِ: " فَهُوَ مِثْلُهُ " قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَاتِلَ إِذَا قِيدَ مِنْهُ، سَقَطَ مَا عَلَيْهِ، فصار هو والمستفيد بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا قَالَ: " إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ " وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ بَعْدَ قَتْلِهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعْرِيضُ لِصَاحِبِ الحق بترك القود والعفو، وقيل: إن كان لم يرد قتله فقتله به، فهو متعمد مِثْلَهُ إِذْ كَانَ الْقَاتِلُ مُتَعَدِّيًا بِالْجِنَايَةِ، وَالْمُقْتَصُّ مُتَّعَدٍ بِقَتْلِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْقَتْلَ.
وَيَدُلُّ على هذا التأويل ما روى أحمد عن أبي هريرة مرفوعا وفيه: «والله يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْوَلِيِّ: " أما إنه إن كَانَ صَادِقًا، ثُمَّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النَّارَ» فَخَلَّى سبيله، وحكم في يهودي رضَّ رأس جارية بين حجرين أن يرضَّ رأسه بين حجرين.
وفيه دليل على قتل الرجل بالمرأة، وأن الْجَانِيَ يُفْعَل بِهِ كَمَا فَعَل، وَأَنَّ الْقَتْلَ غِيلَةً لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إِذْنُ الْوَلِيِّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَدْفَعْهُ إِلَى أَوْلِيَائِهَا وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْفُوا عَنْهُ، بَلْ قَتَلَهُ حَتْمًا، وَهَذَا مَذْهَبُ مالك، وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابن تيمية ومن قال: إنه فعله لِنَقْضِ الْعَهْدِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنَّ نَاقِضَ الْعَهْدِ لا يرضخ رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف، وقضى في امرأة رمت أخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فِي الْجَنِينِ، وَجَعَلَ دية المقتولة على عصبة القاتل، وهو في " الصحيحين ".
وفي البخاري أنه قضى في جنين امرأة بغرة عبد أو وليدة، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا، وَفِي هَذَا الْحُكْمِ أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ لا قيود فيه، وَأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْغُرَّةَ تَبَعًا لِلدِّيَةِ، وَأَنَّ العاقلة
стр. 198
هُمُ الْعَصَبَةُ، وَأَنَّ زَوْجَ الْقَاتِلَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ، وَأَنَّ أَوْلَادَهَا أَيْضًا لَيْسُوا مِنَ الْعَاقِلَةِ، وحكم فيمن تزوج امرأة أبيه بقتله، وأخذ ماله، وهو مذهب أحمد، وهو الصحيح، وقال الثلاثة: حده حد الزاني، وَحُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أولى وأحق، وحكم فيمن اطلع في بيته رَجُلٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَحَذَفَهُ بِحَصَاةٍ، أَوْ عُودٍ، ففقأ عينه أن لا شيء عليه.
وثبت عنه أَنَّهُ قَضَى بِإِهْدَارِ دَمِ أُمِّ وَلَدِ الْأَعْمَى لما قتلها مولاها على سبه ﷺ ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ عَلَى سَبِّهِ وَأَذَاهُ. قال أبو بكر لأبي برزة لما أراد قتل من سبه: ليست لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وفي ذلك بضعة عشر حديثا بين صحاح وحسان ومشاهير. قال مجاهد عن ابن عباس: «أيما مسلم سب الله، أَوْ سَبَّ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَدْ كَذَّبَ رسول اللَّهِ ﷺ » وَهِيَ رِدَّةٌ يستتاب صاحبها، فإن رجع وإلا قُتل.
وفي " الصحيحين " أنه عفا عمن سمه ﷺ .
وصح عنه أنه لم يقتل من سحره من اليهود، وصح عن عمر وحفصة وجندب قتل الساحر، وصح عنه في الأسرى أنه قتل بعضا وفادى بعضا، ومنَّ على بعض، واسترقَّ بعضا، لكن لم يعرف أنه استرق بالغا، وهذه أحكام لم تنسخ، بل مخير فيها الإمام بحسب المصلحة، وَحَكَمَ فِي الْيَهُودِ بِعِدَّةِ قَضَايَا، فَعَاهَدَهُمْ أَوَّلَ مقدمه المدينة، ثم حاربته قينقاع فظفر بهم، ومن عليهم، ثم النضير، فظفر بهم فأجلاهم، ثم قريظة فقتلهم، ثم حارب أهل خيبر فظفر بهم.
[فصل في حكمه بالغنائم]
فصل
في حكمه بالغنائم حَكَمَ ﷺ أَنَّ لِلْفَارِسِ ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، وحكم أن السلب للقاتل، «وكان طلحة وسعيد بن زيد لم يشهدا بدرا، فقسم لهما فقالا: وأجورنا؟ فقال: وأجوركم» ولم يختلف أحد أن «عثمان تَخَلَّفَ عَلَى امْرَأَتِهِ رقية بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فأسهم له، فقال: وأجري يا رسول الله؟ فقال: وأجرك» قال ابن حبيب: هذا خاص للنبي ﷺ ، وأجمعوا أنه لا يقسم لغائب.
قلت: قد قَالَ أحمد ومالك وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا فِي مَصَالِحِ الجيش، فله سهم، ولم يخمس السلب، وجعله من أصل الغنيمة، وحكم به بشهادة واحد، وَكَانَتِ الْمُلُوكُ تُهْدِي إِلَيْهِ،
стр. 199
فيقبل هداياهم، ويقسمها بين أصحابه، وأهدى له أبو سفيان هدية، فقبل.
وذكر أبو عبيد عنه أنه «رد هدية أبي عامر، وقال: إنا لا نقبل هدية مشرك» . وقال: إنما قَبِلَ هَدِيَّةَ أبي سفيان، لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي مدة الهدنة بينه وبين مكة، وكذلك المقوقس؛ لأنه أكرم حاطبا وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، وَلَمْ يُؤَيَّسْهُ مِنْ إِسْلَامِهِ، وَلَمْ يقبل هدية مشرك محارب له قط.
قال سحنون: إذا أهدى أمير الروم إلى الإمام فلا بأس، وهي لَهُ خَاصَّةً. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُكَافِئُهُ من بيت المال. وقال أحمد حكمها حكم الغنيمة.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ ﷺ في قسمة الأموال]
فَصْلٌ
فِي حُكْمِهِ ﷺ في قسمة الأموال وهي ثلاثة: الزكاة، والغنيمة، والفيء.
فأما الزكاة والغنائم، فقد تقدم حكمها، وبيَّنا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَوْعِبُ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ، وأنه ربما وضعها في واحد.
وأما الفيء، فقسمه يَوْمَ حُنَيْنٍ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْفَيْءِ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا فَعَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لهم: " ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة وَالْبَعِيرِ وَتَنْطَلِقُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَقُودُونَهُ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ به خير مما ينقلبون به " وبعث إليه علي من اليمن بذهيبة، فقسمها بين أربعة نفر.
وفي " السنن " أنه وَضَعَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المطلب وترك بني نوفل وعبد شمس وقال: «إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ولم يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، بَيْنَ أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ، وَلَا كَانَ يَقْسِمُهُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حظ الأنثيين، بل يَصْرِفُهُ فِيهِمْ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ فَيُزَوِّجُ مِنْهُ عَزَبَهُمْ، وَيَقْضِي مِنْهُ عَنْ غَارِمِهِمْ، وَيُعْطِي مِنْهُ فقيرهم كفايته، والذي يدل عليه هديه أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَصَارِفَ الْخُمُسِ كَمَصَارِفِ الزَّكَاةِ لا يَخْرُجُ بِهَا عَنِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ، لَا أَنَّهُ يقسمه بينهم كالميراث، ومن تأمل سيرته لم يشك في ذلك.
واختلف الْفُقَهَاءُ فِي الْفَيْءِ هَلْ كَانَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُشَاءُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أحمد وَغَيْرِهِ، وَالَّذِي تدل عليه
стр. 200
سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْأَمْرِ فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، وَيَقْسِمُهُ عَلَى مَنْ أمر بقسمته عليهم، لا تصرف المالك بإرادته ومشيئته، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكا رَسُولًا، فاختار العبودية، والفرق أَنَّ الْعَبْدَ الرَّسُولَ لَا يَتَصَرَّفُ إِلَّا بِأَمْرِ سَيِّدِهِ وَمُرْسِلِهِ، والمَلِك الرَّسُولُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يُشَاءُ، وَيَمْنَعَ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِلْمَلِكِ الرَّسُولِ سُلَيْمَانَ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩] (١) أَيْ: أَعْطِ مَنْ شِئْتَ، وَامْنَعْ مَنْ شئت لا نحاسبك، وهذه المرتبة التي عُرضت على نبينا، فَرَغِبَ عَنْهَا إِلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا وهي مرتبة العبودية المحصنة، وقال: «والله إني لا أعطي أحدا، ولا أمنع أحدا إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت» ولهذا كان ينفق منه عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَمْوَالِ هُوَ السَّهْمُ الَّذِي وَقَعَ بَعْدَهُ فِيهِ مِنَ النِّزَاعِ ما وقع إلى اليوم.
وأما الزكاة والغنائم وقسمة المواريث، فإنها معنية لِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا، فَلَمْ يُشْكِلْ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِهَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَيْءِ، وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا مِنَ النِّزَاعِ مَا وَقَعَ فِيهِ، وَلَوْلَا إِشْكَالُ أمره لَمَا طَلَبَتْ فاطمة بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ميراثها من تركته، وقد قال تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الْحَشْرِ: ٩] (٢) فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَا أَفَاءَ عَلَى رسوله بجملته لمن ذكر في هؤلاء الْآيَاتِ، وَلَمْ يَخُصَّ مِنْهُ خُمُسَهُ بِالْمَذْكُورِينَ، بَلْ عم وَأَطْلَقَ وَاسْتَوْعَبَ، وَيُصْرَفُ عَلَى الْمَصَارِفِ الْخَاصَّةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ، ثُمَّ عَلَى الْمَصَارِفِ الْعَامَّةِ، وَهُمُ المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة.
فالذي عمل به هو وخلفاؤه هو المراد من الآيات، ولهذا قال عمر بن الخطاب فيما رواه أحمد وغيره عنه: «ما أحد بأحق بهذا المال من أحد، وما أنا بأحق به من أحد، والله ما من أحد من المسلمين إلا وله فيه نَصِيبٌ إِلَّا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، وَلَكِنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا
زوجها في طلبها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ: ١٠] (١) فَاسْتَحْلَفَهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا إِلَّا الرَّغْبَةُ فِي الإسلام، وأنها لم تخرج بحدث أَحْدَثَتْهُ فِي قَوْمِهَا، وَلَا بُغْضًا لَزَوْجِهَا، فَحَلَفَتْ فأعطى زوجها مهرها، ولم يردها عليه.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٥٨] (٢) .
وَقَالَ ﷺ : «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَحُلَّنَّ عَقْدًا وَلَا يَشُدَّنَّهُ، حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ، أَوْ ينبذه إليهم على سواء» صححه الترمذي.
وثبت عنه أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَارَ رَجُلَيْنِ أَجَارَتْهُمَا أم هانئ ابْنَةُ عَمِّهِ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أجار أبا العاص لَمَّا أَجَارَتْهُ ابْنَتُهُ زينب، ثُمَّ قَالَ: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ.» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» .
فَهَذِهِ أربع قضايا منها أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَهَذَا يمنع تولية الكفار شيئا من الولايات.
وقوله: يرد عليهم أقصاهم يوجب أن السرية إذا غنمت بقوة جيش الإسلام كانت الغنيمة لَهُمْ وَلِلْقَاصِي مِنَ الْجَيْشِ إِذْ بِقُوَّتِهِ غَنِمُوهَا، وَأَنَّ مَا صَارَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنَ الفيء لِقَاصِيهِمْ وَدَانِيهِمْ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ دَانِيَهِمْ.
وأخذ الجزية من نصارى نجران وأيلة من العرب ومن أهل دومة وأكثرهم عرب، وأخذها من أهل الكتاب باليمن وهم يهود، وأخذها من المجوس ولم يأخذها من مشركي العرب، قال أحمد والشافعي: لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس.
وقالت طائفة: تؤخذ من الأمم كلهم أهل الكتاب بالقرآن، والمجوس بالسنة، ومن عداهم يلحق بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَجُوسَ أَهْلُ شِرْكٍ لَا كِتَابَ لَهُمْ، فَأَخْذُهَا مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ جميع المشركين، وإنما لم يأخذها من مشركي العرب؛ لأنهم أسلموا كلهم قبل نزولها، ولا نسلّم أن كُفرَ عبدة الأوثان أغلظ من كفر المجوس، بل كفر المجوس أغلظ، فإن عبدة الأوثان مقرون بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ آلِهَتَهُمْ لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ، ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم، ولا يَسْتَحِلُّونَ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، وَكَانُوا عَلَى بقايا من دين إبراهيم، وكان له صحف وشريعة والمجوس لَا يُعْرَفُ عَنْهُمُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِ الأنبياء.
وكتب ﷺ إِلَى أَهْلِ هَجَرَ والملوك، يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية،
стр. 203
ولم يفرق بين العرب وغيرهم.
وأمر معاذا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ قيمته معافر، وهي ثياب باليمن، ثم زاد فيها عمر، فَجَعَلَهَا أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ، وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ ضعف أهل اليمن، وعمر علم غنى أهل الشام، وثبت عنه أنه استباح غزو قريش من غير نبذ عهد إليهم لما عدت حلفاؤهم على حلفائه، فغدروا بهم، فرضيت قريش، وألحق ردأهم في ذلك بمباشرهم.
[فصل في أحكامه في النكاح وتوابعه]
فصل
في أحكامه في النكاح وتوابعه ثبت عنه أنه رد نكاح ثيب زوَّجها أبوها وهي كارهة.
وفي " السنن " عنه أنه خير بكرا زوَّجها أبوها وهي كارهة، وثبت عنه: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، وإذنها أن تسكت» وقضى بأن اليتيمة تستأمر، «ولا يتم بعد احتلام» فدل على جواز نكاح اليتيمة، وعليه يدل القرآن.
وفي " السنن " عنه: «لا نكاح إلا بولي» وفيها أيضا: «لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تزوج نفسها» وحكم أن المرأة إذا زوّجها وليان، فهي للأول.
وثبت عنه أنه قضى في رجل تزوج، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حتى مات أن لها مهر نسائها لا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ أربعة أشهر وعشرا.
وفي " الترمذي " أنه قال لرجل: «إذًا أُزَوِّجَكَ فُلَانَةَ " قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: " أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجك فُلَانًا "؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَزَوَّجَ أَحَدَهُمَا صاحبه، فدخل بها، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا، فلما كان عند موته عوّضها سهما له بخيبر» فتضمنت هَذِهِ الْأَحْكَامُ جَوَازَ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الصداق، وَجَوَازَ الدُّخُولِ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ، وَاسْتِقْرَارَ مَهْرِ الْمِثْلِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَوُجُوبَ عِدَّةِ الوفاة، وإن لم يدخل، وبه أخذ ابن مسعود، وأهل العراق، وتضمنت جواز تولي طرفي العقد، ويكفي أن يقول: زوجت فلانا بفلانة. مقتصرا على ذلك، وأمر من أسلم وتحته أكثر من أربع أن يختار منهن أربعا، وأمر من أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما فتضمن صحة نكاح الكفار، وأنه يختار من يشاء من السوابق واللواحق، وهو قول الجمهور، وذكر الترمذي وحسّنه عنه: «أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فهو عاهر» انتهى.
والله أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.