خمس عشرة سنة، ورد من رده لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: أجازهم لطاقتهم، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَلَمَّا رآني مطيقا أجازني.
ثم ذكر قصة الأصيرم، وكلام أبي سفيان على الجبل، وهي ما روى البخاري في " صحيحه " عن البراء بن عازب ﵄ قال: «أشرف أبو سفيان، قال: أفي القوم محمد؟ فقال ﷺ : لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله تعالى لك ما يخزيك ويسوءك.
قال أبو سفيان: أعلُ هُبَل، أعلُ هُبَل. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أجيبوه، قالوا: مَا نُقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، قال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال النبي ﷺ : أجيبوه، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا ولا مولى لكم. قَالَ أبو سفيان: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجال، فأجابه عمر: لَا سَوَاءً قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النار، ثم قال أبو سفيان: وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
»
[فصل في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام]
فصل
في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام منها أن الجهاد يلزم بالشروع فيه، فمن لبس لأمته، وشرع في أسبابه ليس له أن يرجع.
ومنها أنه لا يجب الخروج إذا طرق العدو في الديار
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَأْذَنُ لِمَنْ لَا يُطِيقُ القتال من الصبيان
وَمِنْهَا جَوَازُ الْغَزْوِ بِالنِّسَاءِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِنَّ فِي الجهاد، وجواز الانغماس في العدو، كما فعل أنس بن النضر وغيره، وأن الإمام إذا خرج صلى بهم قاعدا وصلوا وراءه قعودا، وأن الدعاء بالشهادة، وتمنيها ليس من المنهي عنه كما فعل ابن جَحْشٍ، وأن الْمُسْلِمَ إِذَا قَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النار كقزمان، وأن الشهيد لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُكَفَّنُ في غير ثيابه إلا أن يسلبها، وأنه إذا كان جنبا غُسِّل كحنظلة، وأن الشهداء يدفنون في مصارعهم لأمره بردّ القتلى إليها، وجواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وهل دفنهم في ثيابهم استحباب
стр. 142
أو وجوب؟ الثاني: أظهر، ومنها أن المعذور كالأعرج يجوز له الخروج، وأن المسلمين إذا قتلوا مسلما يظنونه كافرا في الجهاد، فديتُه في بيت المال، لأنه أراد أن يدي أبا حذيفة بن اليمان، فَامْتَنَعَ حذيفة مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَتَصَدَّقَ بِهَا على المسلمين.
فأما الحِكَم التي في هذه الوقعة، فقد أشار سبحانه إلى أُمهاتها في سُورَةِ (آلِ عِمْرَانَ) مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى تمام الستين آية.
فمنها تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، ليتقوا ويحذروا من أسباب الخذلان، وأن حكمة الله جرت بأن الرسل وأتباعهم يُدالون مَرَّةً، ويُدال عَلَيْهِمْ أُخْرَى، لَكِنْ تَكُونُ لَهُمُ العاقبة، فلو انتصروا عليه دائما لم يحصل المقصود، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٩] (١) أَيْ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُنَافِقِينَ حَتَّى يَمِيزَ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النفاق، كما ميزهم بالمحن يَوْمَ أُحُدٍ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] الذي يميز بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في علمه، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يَمِيزَهُمْ تَمْيِيزًا مَشْهُودًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩] اسْتِدْرَاكٌ لِمَا نَفَاهُ مِنَ اطلاعهم على الغيب، أي: سِوَى الرُّسُلِ، فَإِنَّهُ يُطْلِعُهُمْ عَلَى مَا يَشَاءُ كما في سورة الجن، فسعادتكم بالإيمان بِالْغَيْبِ الَّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ، فَإِنْ آمَنْتُمْ به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر.
ومنها استخراج عبودية أوليائه في السراء والضراء، وفيما يحبون وفيما يكرهون فإذا ثبتوا على الطاعة فيما أحبوا وكرهوا، فهم عبيده حقا وليسوا كمن يعبده على حرف.
ومنها أنه لو بسط لهم النصر دائما لكانوا كما يكونون لو بسط لهم في الرزق، فهو المدبر لهم، كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، إنَّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.
ومنها أنهم إذا انكسروا له استوجبوا النصر، فإن خلعة النصر مع ولاية الذل، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] (٢) .
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] (٣) الآية، ومنها أنه هيأ لعباده منازل لا تبلغها أعمالهم، ولا يبلغونها إلا بالبلاء، فقيضه لهم بالأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائهم
стр. 143
وامتحانهم، كما وفّقهم للأعمال الصالحة.
ومنها أن العافية الدائمة، والنصر والغنى يورث ركونا إلى العاجلة، ويثبط النفوس، ويعوقها عن السير إلى الله، فإذا أراد الله كرامة عبد قيّض له من البلاء ما يكون دواء لهذا.
وَمِنْهَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ أوليائه، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه شهداء.
ومنها أنه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيّض أسبابا يستوجبون بها هلاكهم، وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بَغْيُهُمْ وَطُغْيَانُهُمْ وَمُبَالَغَتُهُمْ وبغيهم في أذى أوليائه، فيتمض بذلك أولياؤه من ذنوبهم، ويكون من أسباب محق أعدائه، وذكر سبحانه ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩] إلى قوله:
﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١] (١) فجمع بين تشجيعهم، وحسن التعزية، وذكر الحكم التي اقتضت إدالة الله الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] (٢) أي: ما بالكم تحزنون وتهنون عند هذا، وقد مسهم مثله في سبيل الشيطان.
ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُدَاوِلُ أَيَّامَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنَّهَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يُقَسِّمُهَا دولا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمييز المؤمن من المنافق، فَيَعْلَمُهُمْ عِلْمَ رُؤْيَةٍ وَمُشَاهَدَةٍ بَعْدَ أَنْ كَانُوا معلومين في غيبة، لأن الْعِلْمُ الْغَيْبِيُّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلَا عقاب، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي اتخاذه منهم شهداء، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] تنبيه لطيف على كراهته وبغضه للمنافقين انْخَذَلُوا عَنْ نَبِيِّهِ يَوْمَ أُحد، فَلَمْ يَشْهَدُوهُ ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لا يحبهم، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمحيص المؤمنين من الذنوب، وأيضا من المنافقين، ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى، وَهِي مَحْقُ الْكَافِرِينَ. ثم أنكرعليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بدون الجهاد، فَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢] (٣) أي: ولما يقع منكم، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، ثم وبخهم على هزيمتهم من
стр. 144
أَمْرٍ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ، وَيَوَدُّونَ لِقَاءَهُ، فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] (١) وَمِنْهَا أن هذه الوقعة مقدمة بين يدي موته ﷺ وَالشَّاكِرُونَ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النِّعْمَةِ، فَثَبَتُوا عَلَيْهَا حَتَّى مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا، فَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الْعِتَابِ وَحُكْمُ هَذَا الْخِطَابِ يَوْمَ مَاتَ رسول الله ﷺ فجعل لهم العاقبة، ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلا، ثم أخبر أن كثيرا من الأنبياء قُتلوا، وَقُتِلَ مَعَهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ كَثِيرُونَ، فَمَا وَهَنَ مَن بَقِيَ مِنْهُمْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سبيل الله، وما ضعفوا وما اسْتَكَانُوا بَلْ تَلَقَّوُا الشَّهَادَةَ بِالْقُوَّةِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْإِقْدَامِ، ثم أخبر سبحانه عما استنصر بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنَ اعْتِرَافِهِمْ، وتوبتهم واستغفارهم، وسؤالهم ربهم التثبيت لأقدامهم، والنصر عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧] (٢) لما علموا أَنَّ الْعَدُوَّ إنَّمَا يُدال عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَنَّ الشّيْطَانَ إنَّمَا يَسْتَزِلُّهُمْ، وَيَهْزِمُهُمْ بِهَا، وَأَنَّهَا نَوْعَانِ: تقصير في حق، أو تجاوز في حد، وأن النصر منوط بِالطَّاعَةِ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] ثم علموا أنه إنْ لَمْ يُثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَيَنْصُرْهُمْ، لَمْ يقدروا على ذلك، فسألوه ما هو بيده، فَوَفَّوُا الْمَقَامَيْنِ حَقَّهُمَا: مَقَامَ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ التَّوْحِيدُ والالتجاء إليه، ومقام إزالة المانع من النصر، وَهُوَ الذُّنُوبُ وَالْإِسْرَافُ، ثُمَّ حَذَّرَهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ طاعة عدوهم الكفار والمنافقين، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا الدارين، وفيه تعريض بمن أطاعهم من المنافقين لما انتصروا يَوْمَ أُحد، ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَوْلَى المؤمنين وخير الناصرين، فمن والاه، فهو المنصور، ثم أخبر أَنَّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمُ الرُّعْبَ الَّذِي يمنعهم من الهجوم عليهم، وذلك بسب الشرك، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، والمؤمن الذي لم يلبس إيمانه بالشرك، له الأمن والهدى.
ثم أخبر بصدق وعده في النصر، وأنهم لو استمروا على الطاعة، لاستمر النصر، ولكن انخلعوا عن الطاعة،
стр. 145
فَفَارَقَتْهُمُ النُّصْرَةُ، فَصَرَفَهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ عُقُوبَةً وَابْتِلَاءً وتعريفا لهم بعاقبة المعصية، ثم أخبر بعفوه عنهم بعد ذلك. قيل للحسن: كيف عفا وقد سلّط عليهم أعداءهم؟ فقال: لولا عفوه لاستأصلهم، ولكن بعفوه دفع عنهم عدوهم بعد أن أجمعوا عَلَى اسْتِئْصَالِهِمْ. ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْفِرَارِ مصعدين، أي: جادين في الهرب، أَوْ صَاعِدِينَ فِي الْجَبَلِ لَا يَلْوُونَ عَلَى نبيهم وأصحابهم، وَالرَّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ: «إِلَى عِبَادِ اللَّهِ أنا رسول الله» ، فأثابهم بهذا الفرار غمًا بعد غم: الفرار، وغم صرخة الشيطان بأن محمدا قُتل، وَقِيلَ: جَازَاكُمْ غَمًّا بِمَا غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بفراركم عنه، والأول أظهر لوجوه:
الأول: قوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣] إلى آخره، تنبيها عَلَى حِكْمَةِ هَذَا الْغَمِّ بَعْدَ الْغَمِّ، وَهُوَ نسيانهم الحزن على ما فاتهم من الظفر، وما أصابهم من الهزيمة، وهذا إنما يحصل بغم يَعْقُبُهُ غَمٌّ آخَرُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ، فحصل غَمُّ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ أَعْقَبَهُ غَمُّ الْهَزِيمَةِ، ثم غم الجراح والقتل، ثم سماع قتل النبي، ثم ظهور العدو على الجبل، وَلَيْسَ الْمُرَادُ غَمَّيْنِ اثْنَيْنِ خَاصَّةً، بَلْ غَمًّا متتابعا لتمام الابتلاء. الثالث: أن قوله: بِغَمٍّ من تمام الصواب، لَا أَنَّهُ سَبَبُ جَزَاءِ الثَّوَابِ، وَالْمَعْنَى: أَثَابَكُمْ غَمًّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ جَزَاءً عَلَى مَا وَقَعَ من الهرب وإسلامهم النبي، وترك الاستجابة له، ومخالفته في لزوم المركز، وتنازعهم وفشلهم، وكل واحد يوجب غما يخصه، ومن لطفه بهم أنها من موجبات الطباع التي تمنع من النصرة المسقرة، فَقَيَّضَ لَهُمْ بِلُطْفِهِ أَسْبَابًا أَخْرَجَهَا مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا آثَارُهَا الْمَكْرُوهَةُ، فَعَلِمُوا أن التوبة منها، والاحتراز منها، ودفعها بأضدادها متعين، وربما صحت الأجساد بالعلل.
ثم إنه سبحانه رحمهم، فغيّب عنهم الغم بالنعاس، وهو في الحرب علامة النصر، كما نزل يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ فَهُوَ مِمَّنْ أَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ لَا دِينُهُ وَلَا نَبِيُّهُ وَلَا أَصْحَابُهُ، وَأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ.
وفسر هذا الظن بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ سيضمحل، وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله، وَلَا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ، فَفُسِّرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ وإنكار القدر وإنكار إتمام دينه، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المشركون والمنافقون في (سورة الفتح) ، وإنما كان هذا الظن ظن السوء
стр. 146
لأنه ظن لا يليق بالله وصفاته وأسمائه وحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والألوهية وصدقه في وعده، فمن ظن أنه لا يتم أمر رسوله، وأنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها الحق اضمحلالا لا يقوم بعده، فقد ظن به ظَنَّ السَّوْءِ، وَنَسَبَهُ إِلَى خِلَافِ مَا يَلِيقُ بكماله وصفاته، ومن أنكر أن يكون ذلك بقدره، فما عرفه ولا عرف ملكه، وكذلك من أنكر الحكمة التي يستحق الحمد عليها في ذلك، فزعم أنها مشيئة مجردة عن الحكمة، فذلك ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النار.
وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفي غيرهم، ولا يسلم من ذَلِكَ إلَّا مَنْ عَرَفَ اللَّهَ، وَعَرَفَ أَسْمَاءَهُ وصفاته وموجب حمده وحكمته، فمن قنط من رحمته، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمَنْ جَوَّزَ عليه أنه يعذب المحسن، ويسوي بينه وبين عدوه، فقد ظن به ذلك، ومن ظن أنه يترك خلقه سدى من الأمر والنهي، فقد ظن به ظن السوء. وكذلك من ظن أنه لا يثيبهم ولا يعاقبهم، ولا يبين لهم ما اختلفوا فيه، وكذلك من ظن أنه يضيع العمل الصالح بلا سبب من العبد، ويعاقبه بما لا صُنع فيه، أو جوّز عليه أن يؤيد أعداءه بالمعجزات التي يؤيد بها الرسل، وأنه يحسن منه كل شيء حتى يخلد في النار من فنى عمره في طاعته، وينعم من أستنفذ عمره في معصيته، وكلاهما في الحسن سواء لا يعرف امتناع أحدهما إلَّا بِخَبَرٍ صَادِقٍ، وَإِلَّا فَالْعَقْلُ لَا يَقْضِي بقبح أحدهما وحسن الآخر، وكذلك من ظن أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا ظاهره باطل، وَتَرَكَ الْحَقَّ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَإِنَّمَا رَمَزَ إليه رموزا بعيدة، وصرح دائما بالتشبيه وبالباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم في تحريف كلامه، وَأَحَالَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى عُقُولِهِمْ، لَا عَلَى كِتَابِهِ، بَلْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا كَلَامَهُ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ لغتهم مع قدرته على التصريح بالحق، وإزالة الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، وَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ وَسَلَفُهُ عَبَّرُوا عَنِ الْحَقِّ دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّ الْهُدَى وَالْحَقَّ فِي كلامهم، وأن كلام الله لا يؤخذ من ظاهره إلا الضلال فهذا من أسوأ الظن بالله، فكل من هَؤُلَاءِ مِنَ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمِنَ الظانين بالله غير الحق ظن الجاهلية، ومن ظن أنه يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ،
стр. 147
وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ فَقَدْ ظَنَّ به ظن السوء، ومن ظن أنه متعطل من الأزل إلى الأبد عن الفعل، ولا يوصف به ثم صار قادرا عليه، فقد ظن به الظن السوء، ومن ظن أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَعْلَمُ الموجودات، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمَنْ ظَنَّ أنه لا إرادة له، ولا كلام يقوم به، ولم يكلم أحدا، ولا يتكلم أبدا، وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ يَقُومُ بِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمَنْ ظَنَّ أنه ليس فوق سماواته على عرشه بائنا من خلفه، وأن الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ومن قال: سبحان ربي الأسفل، كمن قال: سبحان ربي الأعلى، فقد ظن به أقبح الظن، ومن ظن أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان، كما يحب الطاعة، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ وَلَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ، وَلَا يُوَالِي وَلَا يُعَادِي، وَلَا يَقْرُبُ مِنْ أحد ولا يقرب منه أحد، فقد ظن به ظن السوء، وكذلك من ظَنَّ أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ يُحْبِطُ طاعات العمر بكبيرة واحدة تكون بعدها فيخلد فاعلها في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ ظَنَّ بِهِ خِلَافَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أو وصفه به رسوله، أو عطّل ما وصف به نفسه، فقد ظن به ظن السوء، كمن ظَنَّ أَنَّ لَهُ وَلَدًا أَوْ شَرِيكًا أَوْ شفيعا بغير إذْنِهِ، أَوْ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ وَسَائِطَ، يرفعون حوائجهم إليه، أو أن ما عنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة، أو ظن أَنَّهُ إذَا تَرَكَ لِأَجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعَوِّضْهُ خيرا منه، أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير سبب من العبد، أو ظن أنه إذا صدق في الرغبة والرهبة أنه يجيبه، أو ظن أَنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أعداءه تسليطا مستقرا في حياته ومماته، وأنه ابتلاه بِهِمْ لَا يُفَارِقُونَهُ، فَلَمَّا مَاتَ اسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ دون وصيِّته وظلموا أهل بيته، وكانت العزة لأعدائه وأعدائهم بلا ذنب لأوليائه، وهو يقدر على نصرهم، ثم جعل أعداءه المبدلين دينه مضاجعين له في حفرته وتسلم أمته عليه وعليهم، وكل مبطل وكافر ومبتدع مقهور، فهو يظن بربه هذا الظن، فأكثر الخلق بل كلهم إلا ما شَاءَ اللَّهُ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ السوء، ومن فتش نفسه، رَأَى ذَلِكَ فِيهَا كَامِنًا كُمُونَ النَّارِ فِي الزناد، فاقدح من زناد من شئت ينبئك شرره عما في زناده، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ،
стр. 148
فَإِنْ تنْج مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عظيمَةٍ ... وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكُ نَاجِيًا
فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللَّهِ ويستغفره كُلَّ وَقْتٍ مِنْ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَالْمَقْصُودِ مَا سَاقَنَا إِلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] (١) ثم أخبر عن الكلام الصادر عَنْ ظَنِّهِمُ الْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٤] وَقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] فليس مقصودهم بهذا إثبات القدر، ولو كان ذلك لم يذموا، ولما حسن الرد عليهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ولهذا قال غير واحد: إن ظنهم هذا التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ، وَظَنُّهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ إليهم لما أصابهم القتل، فأكذبهم بقوله: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فَلَا يكون إلا ما سبق به قضاؤه، فلو كتب القتل على من كان في بيته لخرج إلى مضجعه، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ إبْطَالًا لِقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ.
ثم أخبر تعالى عن حكمة أخرى في هذا التقدير، وهي ابتلاء ما في صدورهم، واختبار مَا فِيهَا مِنَ الْإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، فَالْمُؤْمِنُ لَا يزداد بذلك إلا إيمانا، والمنافق ومن في قلبه مرض يظهر على جوارحه، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمحيص ما في قلوب المؤمنين، وهو تنقيتها، فإن القلوب يخالطها من بغلبة الطبائع وميل النفس، وَحُكْمِ الْعَادَةِ، وَتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ، وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ مَا يضادُّ ما فيها من الإيمان، فلو كانت في عافية دائمة لم تتخلص من هذا، فكانت رحمته عليهم بهذه الكسرة والهزيمة تعادل نعمته عليهم بالنصرة، ثم أخبر تعالى عمن تولى من المؤمنين، وأنه بسبب ذنوبهم فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال، فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ جُندا عَلَيْهِمُ ازْدَادَ بِهَا عَدُوُّهُمْ قُوَّةً، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ وجُند عَلَيْهِ، ففرار الإنسان من عدو يطيقه إنما هو بجند من عمله.
ثم أخبر أَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ لِأَنَّ هَذَا الْفِرَارَ لَمْ يكن عن شك وإنما كان لعارض، ثم ذكر سبحانه أن هذا بأعمالهم فَقَالَ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٦٥] (٢) وَذَكَرَ هَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا هُوَ أعم من ذلك في السور المكية، وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] (٣)
стр. 149
وَقَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] (١) فالنعمة فضله، والسيئة عدله، وختم الآية بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥] بعد قوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] إعْلَامًا بعموم قدرته مع عدله، ففيه إثبات القدر والسبب فأضاف السبب إلى نفوسهم، وعموم القدرة إِلَى نَفْسِهِ، فَالْأَوَّلُ يَنْفِي الْجَبْرَ، وَالثَّانِي يَنْفِي إبطال القدر، فهو مشاكل قَوْلَهُ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ - وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] (٢) وفي ذكر قدرته نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِهِ، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، وكشف هذا ووضحه بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] (٣) وَهُوَ الْإِذْنُ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ، ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير وهو أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عِلْمَ عِيَانٍ، فتكلم المنافقون بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ، فَسَمِعَهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَسَمِعُوا رَدَّ الله عليهم وعرفوا مؤدى النفاق وما يئول إليه، فَلَلَّهِ كَمْ مِنْ حِكْمَةٍ فِي ضِمْنِ هَذِهِ القصة ونعمة، وكم فيها من تحذير وإرشاد، ثم عزَّاهم عمن قُتل منهم أحسن تعزية فَقَالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٤) الآيات فجمع لهم بين الحياة الدائمة، والقرب مِنْهُ وَأَنَّهُمْ عِنْدَهُ، وَجَرَيَانَ الرِّزْقِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِمْ، وَفَرَحَهُمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَهُوَ فَوْقَ الرِّضَى، وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ بِاجْتِمَاعِهِمْ بِهِمْ، يَتِمُّ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ، وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِمَا يُجَدِّدُ لَهُمْ كُلَّ وقت من نعمه وكرامته.
وذكّرهم سبحانه في هذه المحنة بما هو من أعظم نعمه عليهم، التي لو قابلوا بها كل محنة تنالهم وبلية لتلاشت في جنب هذه النعمة، وهي إرسال رسول من أنفسهم، وكل بليّة بعد هذا الخير العظيم أمر يسير جدا في جنب هذا الخير الكثير، فأعلمهم أن المصيبة من عند أنفسهم، ليحذروا، وأنها بقدره ليوحدوا ويتكلوا، وأخبرهم بما له من الحِكم لئلا يتهموه في فضله وقدره، وليتعرف
стр. 150
إلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَسَلَّاهُمْ بِمَا أَعْطَاهُمْ مما هو أعظم خَطَرًا مِمَّا فَاتَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَعَزَّاهُمْ عن قتلاهم لِيُنَافِسُوهُمْ فِيهِ، وَلَا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ، فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وعز جلاله.
فصل ولما انقضت الحرب، وانكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة، فشق ذلك عليهم، فقال ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: " اخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ، فَإِنْ هم جنبوا وامتطوا الْإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لئن أرادوها، لأسيرن إليهم، ثم لأناجزهم فِيهَا "، قَالَ علي: فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فَجَنَّبُوا الْخَيْلَ، وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ، وَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ وَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أبو سفيان ثُمَّ ناداهم: موعدكم الموسم ببدر. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قولوا: نعم " ثم انصرفوا.
فلما كانوا ببعض الطريق تلاوموا فيما بينهم، فقالوا: أصبتم شوكتهم، ثم تركتموهم يجمعون لكم، فارجعوا نستأصلهم، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَادَى فِي النَّاسِ، وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْمَسِيرِ، وَقَالَ: " لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إلَّا مَنْ شَهِدَ القتال "، فاستجاب له المسلمون على ما بهم، فاستأذنه جابر لحبس أبيه إياه، فأذن له، فساروا حتى أتوا حمراء الأسد، فقال أبو سفيان لبعض من يريد المدينة من المشركين: هَلْ لَكَ أَنْ تُبْلِغَ مُحَمَّدًا رِسَالَةً، وَأُوقِرَ لك راحلتك زبيبا إذا أتيت مكة؟ قال: نعم. قال: بلغه أنا جمعنا الكرة لنستأصله وأصحابه، فلما قال لهم ذلك، قَالُوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤] (١) . وكانت وقعة أُحد في شوال سنة ثلاث، وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى المدينة، فأقام بقية السنة، فلما استهل المحرّم، بلغه أن طليحة وسلمة ابني خويلد قَدْ سَارَا فِي قَوْمِهِمَا ومن أطاعهما يدعوان بني أسد من خزيمة إلى حربه، فبعث أبا سلمة ومعه مائة وخمسون، فانتهوا إلى ماء لبني أسد يأوي قطن بن أبي مرثد الغنوي
стр. 151
فأصابوا إبلا وشياها، ولم يلقوا كيدا.
فَلَمَّا كَانَ خَامِسُ الْمُحَرَّمِ، بَلَغَهُ أَنَّ خالد بن سفيان الهذلي قَدْ جَمَعَ لَهُ الْجُمُوعَ، فَبَعَثَ إلَيْهِ عبد الله بن أنيس فقتله.
فلما كان في صَفَرٌ، قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ، وَذَكَرُوا أَنَّ فِيهِمْ إسْلَامًا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَبْعَثَ معهم من يعلّمهم الدين، فبعث معهم ستة فيهم خبيب وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مرثد بن أبي مرثد الغنوي، فكان ما كان.
وفي هذا الشهر كانت وقعة بئر معونة.
وفي ربيع الأول كانت غزوة بني النضير، وزعم الزهري أنها كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ أَوْ غَلَطٌ عَلَيْهِ، بَلِ الَّذِي لَا شك فيه أنها بعد أُحد، والتي بعد بدر قَيْنُقَاعٍ، وَقُرَيْظَةُ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَخَيْبَرُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، فكان فله مع اليهود أربع غزوات.
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ ذات الرقاع في جمادى الأولى، وهي غزوة نجد، فخرج يريد قوما من غطفان وصلى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي فِي تاريخ هذه الغزوة وَصَلَاةِ الْخَوْفِ بِهَا وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ عَنْهُمْ، وَهُوَ مشكل جدا، والظاهر أن أول صلاة صلاها للخوف بعسفان، كما في حديث صححه الترمذي، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ غَزْوَةَ عُسْفَانَ كَانَتْ بعد الخندق، وقد صح عنه أنه صلاها بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَعُلِمَ أَنَّهَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَبَعْدَ عُسْفَانَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا موسى شهدا ذات الرقاع كما في " الصحيحين "، فلما كان شعبان، وقيل: ذي القعدة من العام القابل، خرج ﷺ لميعاد أبي سفيان بالمشركين فانتهى إلى بدر، وأقام ينتظر المشركين، وخرج أبو سفيان من مكة وهم ألفان ومعهم خمسون حتى إذا كانوا على مرحلة من مكة رجعوا، وقالوا: العام عام جدب.
ثم خرج ﷺ في ربيع سنة خمس إلى دومة الجندل، فهجم على ماشيتهم، وأصاب ما أَصَابَ، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ، وَجَاءَ الْخَبَرُ أَهْلَ دومة، فتفرقوا.
ثم بعث بريدة السلمي في شعبان إلى بني المصطلق وهي غزوة المريسيع - وهو مكان لماء - واصطفوا للقتال، وتراموا ساعة، ثم أمر أصحابه، فحملوا حملة رجل واحد، فانهزم المشركون، وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ والذراري والمال.
وفيها سقط عقد لعائشة، فاحتبسوا في طَلَبِهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ محمد بن إسحاق عَنْ يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة في قصة العقد أن أبا بكر قال: يَا بُنَيَّةُ فِي كُلِّ سَفَرٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وبلاء. فأنزل الله آية التَّيَمُّمِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ
стр. 152
الْعِقْدِ الَّتِي نَزَلَ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِهَا بَعْدَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَكِنْ فِيهَا كَانَتْ قِصَّةُ الإفك بسبب فقد العقد والتماسه، فاشتبه على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى.
وأما قصة الإفك، فهي في هذه الغزوة إلى أن قال: فأشار علي بفراقها تلويحا لا تصريحا لَمَّا رَأَى أَنَّ مَا قِيلَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فأشار بِتَرْكِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ إِلَى الْيَقِينِ، لِيَتَخَلَّصَ رَسُولُ الله ﷺ من الغم الذي لحقه بكلام الناس.
وأشار أسامة بإمساكها لما علم من حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لها ولأبيها، ولما علم من عفتها وديانتها، وأن الله لا يجعل حبيبة نبيه وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أهل الإفك.
وَمَنْ قَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ لِلَّهِ وَمَعْرِفَتُهُ لِرَسُولِهِ وَقَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ فِي قَلْبِهِ قَالَ كَمَا قَالَ أبو أيوب وَغَيْرُهُ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ لَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]
وتأمل ما في تسبيحهم في ذلك المقام من المعرفة بالله وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَجْعَلَ لرسوله امرأة خبيثة.
فإن قيل: فما باله ﷺ تَوَقَّفَ فِي أَمْرِهَا وسأل؟ قيل: هَذَا مِنْ تَمَامِ الحِكم الْبَاهِرَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ سَبَبًا لَهَا وَامْتِحَانًا وَابْتِلَاءً لرسوله، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بها أقواما، ويضع بها آخرين، واقتضى تمام الامتحان بأن حبس الوحي عن نبيه شهرا ليظهر حكمته، ويظهر كمال الوجود، ويزداد الصادقون إيمانا وثباتا على العدل وحسن الظن، ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا، وتظهر سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة منها ومن أبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة منهم إلى الله والذل له، والرجاء له، ولينقطع رجاؤه من المخلوقين، وَلِهَذَا وَفَّتْ هَذَا الْمَقَامَ حَقَّهُ، لَمَّا قَالَ لها أبوها: قُومِي إِلَيْهِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَرَاءَتَهَا، فقالت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي.
ولو أطلع الله رسوله على الفور، لفاتت هذه الأمور والحكم، وأضعافها وأضعاف أضعافها.
وأيضا فإن الله أحب أن تظهر منزلة رسوله عنده وأهل بيته، وأن يتولى بنفسه الدفاع، والرد على الأعداء وذمهم وعيهم بأمر لا يكون لرسوله فيه عمل.
وَأَيْضًا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان الْمَقْصُودَ بِالْأَذَى، وَالَّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ، فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَرَاءَتِهَا مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ الظَّنَّ الْمُقَارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَتِهَا، وَلَمْ يظن بها سوءا قط، وكان عنده من القرائن أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ
стр. 153
لكمال صبره وثباته ورفقه، وفّى مقام الصبر حقه.
ولما جاء الوحي ببراءتها حدّ من صرّح بالإفك إلا ابن أُبيّ مع أنه رأس الإفك، فقيل: لأن الحدود كفارة، وهذا ليس كذلك، وقد وعد بالعذاب الأليم فيكفيه ذلك عن الحد، وَقِيلَ: الْحَدُّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ وَهُوَ لَمْ يُقِرَّ بِالْقَذْفِ وَلَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَذْكُرُهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: حَدُّ الْقَذْفِ حَقُّ الآدمي لا يستوفى إلا بمطالبة، وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُطَالَبَةِ الْمَقْذُوفِ، وعائشة لَمْ تُطَالِبْ بِهِ ابن أبي.
وقيل: تركه لِمَصْلَحَةٍ هِي أَعْظَمُ مِنْ إقَامَتِهِ، كَمَا تَرَكَ قتله مع ظهور نفاقه، وَهِي تَأْلِيفُ قَوْمِهِ، وَعَدَمُ تَنْفِيرِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يؤمن إثارة الفتنة في حده.
ولعله تركه لهذه الوجوه كلها.
وَفِي مَرْجِعِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ قَالَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ ابن أُبيّ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] (١) فَبَلَّغَهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَاءَ ابن أبي يَعْتَذِرُ وَيَحْلِفُ: مَا قَالَ، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ زيد فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُذُنِهِ، فَقَالَ: " أَبْشِرْ فَقَدْ صَدَقَكَ اللَّهُ "، ثمَّ قَالَ: " هَذَا الَّذِي وَفَّى الله بِأُذُنِهِ "، فَقَالَ لَهُ عمر: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مر عباد بن بشر أن يضرب عُنُقَهُ، فَقَالَ: " فَكَيْفَ إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ".
[فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ]
فصل
في غزوة الخندق وهي سنة خمس في شوال، وسببها أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين يَوْمَ أُحد، وَعَلِمُوا بِمِيعَادِ أبي سفيان لِغَزْوِ المسلمين أنه خرج لذلك ثم رجع، فخرج أشرافُهم إلى قريش يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى غَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجَابَتْهُمْ قُرَيْشٌ، ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى غَطَفَانَ فَدَعَوْهُمْ واستجابوا لهم، ثم طافوا في قبائل العرب، ثم ذكر القصة إلى أن ذكر قصة العُرنيين، وقال: فيها مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ، وَطَهَارَةُ بول مأكول اللحم، والجمع
стр. 154
للمحارب بين قطع يده ورجله وقتله إذا أخذ المال، وَأَنَّهُ يُفْعَلُ بِالْجَانِي كَمَا فَعَلَ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا سملوا عين الراعي سملوا أعينهم، فظهر أن القصة محكمة، وإن كانت قبل أن تنزل الحدود، فالحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها.
[فصل في قصة الحديبية]
فصل
في قصة الحديبية وذكر القصة إلى أن قال: والصلح على وضع الحرب عشر سنين، وأن يرجع عنهم عامه ذلك، فإذا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَدِمَهَا وَخَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا، وَأَنْ لَا يَدْخُلَهَا إلا بسلاح الراكب والسيوف في القُرُب، ومن أتاهم لم يردوه، ومن أتى من المسلمين منهم ردوه.
وفي قصة الحديبية أنزل الله فِدْيَةَ الْأَذَى لِمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِالصِّيَامِ أَوِ الصَّدَقَةِ أَوِ النُّسُكِ فِي شَأْنِ كَعْبِ بْنِ عجرة.
وفيها دعا للمحلِّقين ثلاثا، وللمقصِّرين مرة.
وفيها نحر البدنة عن عشرة، والبقرة عن سبعة.
وفيها أهدى جمل أبي جهل لِيَغِيظَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ.
وَفِيهَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ.
فلما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمنات، فنهاه الله عن إرجاعهن، فَقِيلَ: هَذَا نَسْخٌ لِلشَّرْطِ فِي النِّسَاءِ، وَقِيلَ: تَخْصِيصٌ لِلسُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ، وَهُوَ عَزِيزٌ جِدًّا، وَقِيلَ: لم يقطع الشرط إلا على الرجال خاصة، فأراد المشركون أن يعمموا في الصنفين، فأبى الله تعالى ذلك.
وفيها من الفقه اعتماره ﷺ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وأن الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ مِنَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ، كَمَا أَنَّ الإحرام بالحج كذلك.
وَأَمَّا حَدِيثُ «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ المقدس غُفر له» ، فلا يثبت.
ومنها أن سوق الهدي سنة في العمرة المفردة، وأن إشعار الهدي سنة لا مثلة.
ومنها استحباب مغايظة أعداء الله.
ومنها أن الأمير يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْعَثَ الْعُيُونَ أَمَامَهُ نَحْوَ الْعَدُوِّ.
وَمِنْهَا أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِالْمُشْرِكِ الْمَأْمُونِ فِي الجهاد جائزة للحاجة، لأن عيينة الخزاعي كافر.
وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ مَشُورَةِ الْإِمَامِ رَعِيَّتَهُ وَجَيْشَهُ اسْتِخْرَاجًا لوجه الرأي، واستطابة لنفوسهم، وامتثالا لأمر الله.
ومنها جواز سبي ذراري المشركين المنفردين عن الرجال قبل القتال.
وَمِنْهَا رَدُّ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ وَلَوْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ مُكَلَّفٍ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا: خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، رد عَلَيْهِمْ وَقَالَ: " مَا خَلَأَتْ وَمَا ذَاكَ لَهَا بخلق ".
ومنها استحباب الحلف على الخبر
стр. 155
الديني الذي يريد تأكيده، وقد حفظ عنه ﷺ الْحَلِفُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَلِفِ على صدق مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي (يُونُسَ) و (سَبَأٍ) و (التَّغَابُنِ) .
وَمِنْهَا أَنَّ المشركين وأهل الفجور إذا طلبوا أمرا يعظّمون به حرمة من حرمات الله، أجيبوا إليه، وإن منعوا غيره، فيعانون على تعظيم ما فيه حُرُمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى كُفْرِهِمْ وَبَغْيِهِمْ، ويمنعون ما سوى ذلك، فمن التمس المعاونة على محبوب لله تعالى أُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ مَا لم يترتب عَلَى ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ مَبْغُوضٌ لِلَّهِ أَعْظَمُ مِنْهُ، وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ الْمَوَاضِعِ وَأَصْعَبِهَا وَأَشَقِّهَا عَلَى النفوس، ولذلك ضاق عنه من أصحابه من ضاق، وقال عمر ما قال، وأجاب الصِّدِّيق فيها بجواب النبي ﷺ ، وهذا يدل على أنه أفضل الصحابة، وأكملهم وأعرفهم بالله ورسوله ودينه، وَأَشَدُّهُمْ مُوَافَقَةً لَهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ عمر إلا النبي، والصِّدِّيق خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ أَصْحَابِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَدَلَ ذَاتَ الْيَمِينِ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: بَعْضُهَا مِنَ الْحِلِّ، وبعضها من الحرم، وروى أحمد في هذه القصة أنه كان ﷺ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الحِل، وفيه كالدلالة على أن المضاعفة متعلقة بجميع الحرم لا تختص بالمسجد، وأن قوله: صلاة في مسجد الحرام، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] (١) وقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] (٢) .
وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ مَكَّةَ، يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْحِلِّ، وَيُصَلِّيَ فِي الْحَرَمِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ.
ومنها جواز ابتداء الإمام بطلب الصلح إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، وفي قيام المغيرة على رأسه ﷺ بالسيف، ولم تكن عَادَتَهُ أَنْ يُقَامَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ - سنة يقتدى بها عند قدوم رسل الكفار من إظهار العز والفخر وتعظيم الإمام، وليس هذا من النوع المذموم، كما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليس مِنْ هَذَا النَّوْعِ الْمَذْمُومِ فِي غَيْرِهِ.
وَفِي بَعْثِ البُدن فِي وَجْهِ الرَّسُولِ الْآخَرِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ إِظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ لِرُسُلِ الْكُفَّارِ، وفي قوله ﷺ للمغيرة: أما
стр. 156
الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ، فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَالَ الْمُشْرِكِ الْمُعَاهَدِ مَعْصُومٌ، وَأَنَّهُ لَا يُملك، بَلْ يُرد عَلَيْهِ، فإن المغيرة صحبهم على أمان، ثُمَّ غَدَرَ بِهِمْ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ فَلَمْ يَتَعَرَّضِ ﷺ لِأَمْوَالِهِمْ، وَلَا ذبَّ عنها، ولا ضمنها لهم، لأن ذلك قَبْلَ إِسْلَامِ المغيرة.
وَفِي قَوْلِ الصِّدِّيقِ لعروة بن مسعود: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّصْرِيحِ باسم العورة إذا كان فيه مصلحة، كما أمر أن يصرح لمن دعى بدعوى الْجَاهِلِيَّةِ بِهَنِ أَبِيهِ، وَيُقَالُ لَهُ: اعْضُضْ أَيْرَ أَبِيكَ وَلَا يُكَنِّى لَهُ، فَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.
ومنها احتمال قلة أدب رسول الكفار للمصلحة، لأنه لم يقابل عروة على أخذه بلحيته.
ومنها طهارة النخامة، والماء المستعمل، واستحباب التفاؤل لقوله: سهل أمركم لما جاء سهيل، وأن مصالحة المشرك بما فيه ضيم جائز للمصلحة.
ومنها أن من حلف، أو نذر، أو وعد ولم يعين وقتا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ عَلَى التَّرَاخِي.
ومنها أن الحلق نُسُكٌ، وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَأَنَّهُ نُسُكٌ في العمرة كالحج، وأنه نسك في عمرة المحصر، كَمَا هُوَ نُسُكٌ فِي عُمْرَةِ غَيْرِهِ.
وَمِنْهَا أن المحصر ينحر هديه حيث أُحصر من الحل والحرم، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَاعِدَ مَنْ يَنْحَرُهُ فِي الْحَرَمِ إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَحَلِّهِ لقوله: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] (١) ومنها أن الموضع الذي نحروا فيه من الحل للآية، لأن الحرم كله محل نحر الْهَدْيِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ القضاء، وسميت التي بعدها عمرة القضية، لأنها التي قاضاهم عليها.
وَمِنْهَا أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِلَّا لم يغضب لتأخرهم عن الأمر. وَإِنَّمَا كَانَ تَأْخِيرُهُمْ مِنَ السَّعْيِ الْمَغْفُورِ لَا المشكور، وقد غفر الله لهم، وأوجب لهم الجنة.
وَمِنْهَا جَوَازُ صُلْحِ الْكُفَّارِ عَلَى رَدِّ مَنْ جاء منهم من المسلمين من الرجال لا النساء، فإنه لا يجوز وهو مَوْضِعُ النَّسْخِ خَاصَّةً فِي هَذَا الْعَقْدِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ فِي غيره.
ومنها أن خروج البضع عن ملك الزوج متقوم، وأنه بالمسمى لا بمهر المثل.
ومنها أن شرط رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى الْإِمَامِ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا إِلَى غير بلاد الإمام، وإذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب رده بدون
стр. 157
الطلب.
ومنها أنه إذا قَتَل الذين تسلّموه لَمْ يَضْمَنْهُ بِدِيَةٍ وَلَا قَوَدٍ وَلَمْ يَضْمَنْهُ الإمام.
ومنها أنه إذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبين أهل الذمة عهد، جاز لملكٍ آخر أن يغزوَهم، كما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلا بقصة أبي بصير مع المشركين.
والذي في هذه القصة من الحِكَم أكبر وأجلّ من أن يحيط به إلا الله.
ومنها أنها مقدمة بين يدي الفتح الأعظم، وهذه سنته سبحانه في الأمور العظام شرعا وقدرا أن يوطئ بين يديها بمقدمات وَتَوْطِئَاتٍ تُؤْذِنُ بِهَا، وَتَدُلُّ عَلَيْهَا.
وَمِنْهَا أَنَّ هذه الهدنة مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ، فَإِنَّ النَّاسَ أَمِنَ بَعْضُهُمْ بعضا واختلط المسلمون بالكفار، ونادوهم بِالدَّعْوَةِ وَأَسْمَعُوهُمُ الْقُرْآنَ وَنَاظَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ جَهْرَةً آمِنِينَ، وَظَهَرَ مَنْ كَانَ مُخْتَفِيًا بِالْإِسْلَامِ وَدَخَلَ فيه مُدَّةَ الْهُدْنَةِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْخُلَ، فكانت تلك الشروط من أكبر الجند التي أقامها المشترطون لحزبهم، فذلوا من حيث طلبوا العز، وعز المسلمون من حيث انكسروا لله، فانقلب العز بالباطل ذلا بحق.
ومنها ما سببه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان، والإذعان على ما أكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضا بالقضاء وانتظار وعد الله، وشهود منّته بِالسَّكِينَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي قُلُوبِهِمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي تُزَعْزَعُ لها الجبال.
ومنها أنه سبحانه جعله سببا للمغفرة لرسوله، ولإتمام نعمته عليه، وهدايته ونصره، وَانْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الضيم، ولهذا ذكره سُبْحَانَهُ جَزَاءً وَغَايَةً، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى فعلٍ قام بالرسول والمؤمنين.
وتأمل وصفه قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الَّذِي اضْطَرَبَتْ فيه القلوب، فازدادوا بالسكينة إيمانا، ثم أكد بيعتهم لرسوله أنها بيعة له، وأن من نكثها، فعلى نفسه، وكل مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله على الإسلام وحقوقه، ثم ذكر ظن الأعراب، وأنه من جهلهم به سبحانه، ثم أخبر برضاه عن المؤمنين بالبيعة، وأنه علم ما في قلوبهم من صدق الطاعة، فأنزل الله السكينة عليهم وأثابهم الفتح والمغانم الكثيرة، وَكَانَ أَوَّلُ الْفَتْحِ وَالْمَغَانِمِ فَتْحَ خَيْبَرَ وَمَغَانِمَهَا، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى الأبد، وكف الأيدي عنهم، قيل: أهل مكة، وقيل: اليهود حين همُّوا أن يغتالوا من بالمدينة بعد خروج الصحابة، وقيل: أهل
стр. 158
خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان، والصحيح تناولها لِلْجَمِيعِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٠] (١) قِيلَ: كف الأيدي، وقيل: فتح خيبر، ثم جمع لهم مع ذلك كله الهداية.
ثم وعدهم مغانم كثيرة وفتوحا أخر لم يقدروا ذلك الوقت عليها، قيل: مكة، وقيل: فارس والروم، وقيل: ما بعد خيبر من المشرق والمغرب.
ثم أخبر أنه لو قاتلهم الذين كفروا لولوا الأدبار، وأنها سنته، فإن قيل: فيوم أُحد، قيل: هو وعد معلق بشرط، وهو الصبر والتقوى، ففات يوم أُحد بالفشل المنافي للصبر، والمعصية المنافية للتقوى، ثم ذكر كف الأيدي لأجل الرجال والنساء المذكورين، فدفع العذاب عنهم بهؤلاء، كما دفعه برسوله لما كان بين أظهرهم.
ثم أخبر عما جعله الكفار في قلوبهم من الحميّة التي مصدرها الجهل والظلم، وأخبر بإنزاله في قلوب أوليائه من السكينة ما يقابل الحميّة، وإلزامهم كلمة التقوى، وهي جنس تعم كل كلمة يتقى بها وجه الله وأعلاه كلمة الإخلاص. ثم أخبر أنه أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، فقد تكفل لِهَذَا الْأَمْرِ بِالتَّمَامِ وَالْإِظْهَارِ عَلَى جَمِيعِ أَدْيَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَفِي هَذَا تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وَبِشَارَةٌ لَهُمْ وَتَثْبِيتٌ، وَأَنْ يَكُونُوا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ هَذَا الْوَعْدِ الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يُنْجِزَهُ، فَلَا تَظُنُّوا أَنَّ مَا وَقَعَ مِنَ الْإِغْمَاضِ وَالْقَهْرِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ نُصْرَةً لِعَدُوِّهِ، وَلَا تَخَلِّيًا عَنْ رَسُولِهِ وَدِينِهِ، كَيْفَ وَقَدْ أَرْسَلَهُ بِدِينِهِ الْحَقِّ، وَوَعَدَهُ أَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى كُلِّ دِينٍ سواه.
[فصل في غزوة خيبر]
فَصْلٌ
فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ قَالَ موسى بن عقبة: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، مَكَثَ بِهَا عِشْرِينَ ليلة أو قريبا منها، ثم خرج إلى خيبر، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سباع بن عرفطة، وَقَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَئِذٍ الْمَدِينَةَ فَوَافَى سباع بن عرفطة فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ فِي الأولى (كهيعص) ، وفي الثانية
стр. 159
(ويل للمطففين) فقال في صلاته: " ويل لأبي فلان، له مكيلان إذا كال كال بالناقص، وإذا اكتال اكتال بالوافي "، ثم زودوا سباعا، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم، ولما قدمها رسول الله ﷺ صلى الصبح، ثم ركب الْمُسْلِمُونَ فَخَرَجَ أَهْلُ خَيْبَرَ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، وَلَا يَشْعُرُونَ بَلْ خَرَجُوا لِأَرْضِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا الْجَيْشَ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، ثُمَّ رَجَعُوا هاربين إلى مدينتهم، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قوم، فساء صباح المنذرين» .
ثم ذكر حديث إعطائه عَلِيًّا الراية، ومبارزته مرحبا، وذكر قصة عامر بن الأكوع، ثم حصرهم، فجهد المسلمون، فذبحوا الحمر فنهاهم، ثم صالحوه عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ ركابهم، وله الصفراء والبيضاء، واشترط أن من كتم أو غيب، فلا ذمة له وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لحيي بن أخطب كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خيبر، ثم ذكر الحديث، فلما أراد إجلاءهم قالوا: دعنا فيها، فأعطاهم إياها على شطر ما يخرج منها ما بدا له أن يقرهم، ولم يقتل بعد الصلح إلا ابن أبي الحقيق الناكث.
وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفية، وكانت تحت ابن أبي الحقيق، وعرض عليها الإسلام، فأسلمت فأعتقها، وجعل عتقها صَداقها.
وقسم خيبر على ستة وثلاثين سهما، كل سهم مائة سهم، فكان له وللمسلمين النصف، والنصف الآخر لِنَوَائِبِهِ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، قال البيهقي: وهذه خَيْبَرَ فُتِحَ شَطْرُهَا عَنْوَةً وَشَطْرُهَا صُلْحًا، فَقَسَمَ ما فتح عنوة بين أهل الخميس وَالْغَانِمِينَ، وَعَزَلَ مَا فُتِحَ صُلْحًا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يحتاج إليه من أمور المسلمين، وهذا بناء منه على أصل مذهب الشافعي أنه يجب قسم الأرض المفتتحة عنوة.
ومن تأمل تبين أنها كلها عنوة، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، والإمام مخير في الأرض بين قسمها ووقفها، وقسم بعضها ووقف بعض، وقد فعل النبي ﷺ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ، فَقَسَمَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، وَلَمْ يَقْسِمْ مَكَّةَ، وَقَسَمَ شَطْرَ خيبر، وترك شطرها، ولم يغب من أهل الحديبية إلا جابر فقسم له، وقدم عليه جعفر وأصحابه، ومعهم
стр. 160
الأشعريون، وسمته امرأة من اليهود في ذراع شاةٍ أهدته له، فلم يعاقبها، وقيل: قتلها بعدما مات بشر بن البراء، وكان بين قريش تراهن، منهم من يقول: يظهر محمد وأصحابه، ومنهم من يَقُولُ: يَظْهَرُ الْحَلِيفَانِ وَيَهُودُ خَيْبَرَ، وَكَانَ الحجاج بن علاط السلمي قد أسلم، وشهدها، ثم ذكر قصته.
وفيها من الفقه القتال في الأشهر الحرم؛ لأنه خرج إليها في المحرم، ومنها قسم المغانم للفارس ثلاثة، وللراجل سهم، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِآحَادِ الْجَيْشِ إِذَا وَجَدَ طعاما أن يأكله، ولا يخمسه لأخذ ابن المغفل جراب الشحم الذي ولى يوم خيبر، ومنها أن المدد إذا لحق بعد الحرب لا يُسهم له إلا بإذن الجيش؛ لأنه كلم أصحابه في أهل السفينة.
ومنها تحريم لحوم الحمر الإنسية، وعلل بأنها رجس، وهذا مقدم على من علل بغير ذلك، كقول من قال: إنها لم تخمس، أو إنها تأكل العذرة.
وَمِنْهَا جَوَازُ عَقْدِ الْمُهَادَنَةِ عَقْدًا جَائِزًا لِلْإِمَامِ، فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، وَمِنْهَا جَوَازُ تَعْلِيقِ عَقْدِ الصلح والأمان بالشرط، وتقرير أرباب التهم بالعقوبة.
ومنها الأخذ بالقرائن لقوله. " المال كثير، والعهد قريب "، وأن مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ على كذبه، لم يلتفت إلى قوله.
وَمِنْهَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إِذَا خَالَفُوا شَيْئًا مما شُرِط عليهم لم تبق لهم ذمة، وأن من أخذ من الغنيمة قبل القسمة لم يملكه وإن كان دون حقه، لقوله: «شراك من نار» .
ومنها جواز التفاؤل، بل استحبابه كَمَا تَفَاءَلَ النَّبِيُّ ﷺ برؤية بالمساحي وَالْفُؤُوسِ وَالْمَكَاتِلِ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فأل في خرابها، وأن النقض يسري في حق النساء والذرية إذا كان الناقضون طائفة لهم شوكة، أما إذا كان وَاحِدًا مِنْ طَائِفَةٍ لَمْ يُوَافِقْهُ بَقِيَّتُهُمْ فَهَذَا لَا يَسْرِي النَّقْضُ إِلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، كَمَا أن من أهدر دماءهم ممن يسبه لم يسر إلى نسائهم وذريتهم، فهذا هديه في هذا وهذا.
وَمِنْهَا جَوَازُ عِتْقِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَجَعْلِ عِتْقِهَا صداقها وَيَجْعَلُهَا زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَلَا شُهُودٍ، وَلَا ولي، ولا لفظ تزويج، وكذب الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان متوصلا به إلى حقه كما فعل الحجاج، ومنها قبول هدية الكافر.
ثم انصرف إِلَى وَادِي القُرى وَكَانَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ يهود، «فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي، فقُتِل مدعم عَبْدُ رَسُولِ
стр. 161
الله ﷺ ، فقالوا: هنيئا له الجنة، فقال: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المقاسم لتشتعل عليه نارا.»
ثم عبأ أصحابه ودعا أهل الوادي إلى الإسلام، فبرز رجل منهم، فبرز إليه الزبير فقتله، ثم برز رجل آخر، فبرز إليه علي فَقَتَلَهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، كُلَّمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ دَعَا مَنْ بَقِيَ إلى الإسلام، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَمْسَوْا وَغَدَا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ تَرْتَفِعِ الشمس قدر رُمْحٍ حَتَّى أَعْطَوْا مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وعامل اليهود على الأرض والنخل، فلما بلغ يهود تيجاء ما وطئ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أهل خيبر وفدك ووادي القرى صالحوه على الجزية، وأقاموا بأيديهم أموالهم، وما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، ومن وراء ذلك من الشام، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطريق عرس، وقال لبلال: «اكلأ لنا الفجر» وذكر الحديث. وروي أنها في مرجعه من الحديبية، وقيل: مرجعه من تبوك.
ففيه أَنَّ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها والرواتب تقضى، وأن الفائتة يؤذَّن لها ويُقام، وقضاء الفائتة جماعة، وأن القضاء على الفور لقوله: «فليصلها إذا ذكرها» وتأخيرها عن المعرس؛ لأنه مكان الشيطان، فارتحل إِلَى مَكَانٍ خَيْرٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ لَا يُفَوِّتُ المبادرة، فإنهم في شغل الصلاة وفي شأنها.
وفيه تَنْبِيهٌ عَلَى اجْتِنَابِ الصَّلَاةِ فِي أَمْكِنَةِ الشَّيْطَانِ كالحمام بطريق الأولى.
ولما رجعوا رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، وأقام بالمدينة إلى شوال يبعث السرايا، «منها سرية ابن حذافة الذي أمر أصحابه بدخول النار، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ في المعروف» . فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ دَخَلُوهَا دَخَلُوهَا طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فِي ظَنِّهِمْ، فَكَانُوا مُتَأَوِّلِينَ مُخْطِئِينَ، فَكَيْفَ يخلدون فيها؟ قيل: لما هموا بالمبادرة من غير اجتهاد منهم مع علمهم أن الله نهاهم عن قتل أنفسهم لم يعذروا. وإذا كان هذا فيمن عذب نفسه طاعة لولي الأمر المأمور بطاعته، فكيف بمن عَذَّبَ مُسْلِمًا لَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ طَاعَةً لِوَلِيِّ الأمر؟ وإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها ما خَرَجُوا مِنْهَا مَعَ قَصْدِهِمْ طَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِذَلِكَ الدُّخُولِ، فَكَيْفَ بِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى مَا لا يجوز
стр. 162
من الطاعة الرغبة والرهبة الدنيوية؟ وكيف بمن دخلها من إخوان الشيطان، وأوهموا الجهال أنه من ميراث إبراهيم الخليل ﵇؟! .
[فصل في غزوة الفتح العظيم]
فصل
في غزوة الفتح العظيم الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ دِينَهُ وَرَسُولَهُ وَجُنْدَهُ وحرمه الأمين، وَهُوَ الْفَتْحُ الَّذِي اسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَضَرَبَتْ أَطْنَابُ عِزِّهِ عَلَى مَنَاكِبِ الْجَوْزَاءِ، وَدَخَلَ الناس به في دين الله أفواجا. خرج له ﷺ سنة ثمان لعشر مضين من رمضان. ثم ذكر القصة.
ثم قال: وفيها من الفقه أَنَّ أَهْلَ الْعَهْدِ إِذَا حَارَبُوا مَنْ هُمْ في ذمة الإمام صاروا حربا له بذلك، فَلَهُ أَنْ يُبَيَّتَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، وَلَا يَحْتَاجُ أن يعلمهم على سواء، وإنما يكون ذلك إذا خاف منهم الخيانة، فإذا تحققها فلا.
وفيها انتقاض عهد الجميع بذلك إذا رضوا به، كما أنهم يدخلون في العهد تبعا.
وفيها جواز الصلح عشر سنين، والصواب أنه يجوز فوق ذلك للحاجة والمصلحة، وأن الإمام إِذَا سُئل مَا لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ أَوْ لا تجب فسكت لم يكن سكوته بذلا؛ لأن أبا سفيان سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، ولم يكن بهذا السكوت معاهدا له.
وفيه أن الرسول لا يقتل؛ لأن أبا سفيان ممن نقض، وقتل الجاسوس المسلم، وتجريد المرأة كلها للحاجة، وأن الرجل إذا نسب المسلم بكفر أو نفاق متأولا غضبا لله لا لهواه لم يأثم، وأن الكبيرة العظيمة قد تكفر بالحسنة الكبيرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (١) وبالعكس كقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] (٢) وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] (٣) .
ثم قرر قصة حاطب، وقصة ذي الخويصرة وأمثاله، ثم قال: وَمَنْ لَهُ لُبٌّ وَعَقْلٌ يَعْلَمُ قَدْرَ هَذِهِ المسألة، وشدة الحاجة إليها، ويطلع منها على باب عظيم من معرفة الله وحكمته، وَفِيهَا جَوَازُ دُخُولِ مَكَّةَ لِلْقِتَالِ الْمُبَاحِ بِغَيْرِ إحرام، ولا خلاف أنه لا يدخل من
стр. 163
أراد النسك إلا بإحرام، وما عدا ذلك فَلَا وَاجِبَ إِلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وفيه البيان الصريح أن مكة فتحت عنوة، وقتل سابه ﷺ ، وقوله: «إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس» ، وهذا التحريم قدري شرعي سبق به قدره يوم خلق الْعَالَمَ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهِ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إبراهيم، قوله: «لا يُسفك بها دم» هذا التحريم لسفك الدم المختص بها هو الَّذِي يُبَاحُ فِي غَيْرِهَا، وَيَحْرُمُ فِيهَا لِكَوْنِهَا حرما كتحريم عضد الشجر، وقوله: «ولا يعضد بها شجر» ، وفي لفظ: «لا يعضد شوكها» ، وهو ظَاهِرٌ جِدًّا فِي تَحْرِيمِ قَطْعِ الشَّوْكِ وَالْعَوْسَجِ، لكن جوزوا قطع اليابس لأنه بمنزلة الميتة، وفي لفظ: «ولا يخبط شوكها» صريح في تحريم قطع الورق.
وقوله: «لا يختلى خلاها» لا خلاف أن المراد ما نبت بنفسه وأن الخلا: الحشيش الرطب، والاستثناء في الإذخر دليل على العموم، ولا تدخل الكمأة فيه، وما غيب في الأرض، لأنه كالثمر.
وقوله: «وَلَا يُنَفَّرُ صيدُها» صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ التَّسَبُّبِ إِلَى قَتْلِ الصَّيْدِ، وَاصْطِيَادِهِ بِكُلِّ سَبَبٍ حَتَّى إِنَّهُ لَا يُنَفِّرُهُ عَنْ مَكَانِهِ، لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُحْتَرَمٌ فِي هَذَا الْمَكَانِ قَدْ سَبَقَ إِلَى مَكَانٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، فَفِي هَذَا أَنَّ الحيوان المحترم إذا سبق إلى مكانه لم يزعج عنه.
وقوله: «لا يلتقط ساقطتها إلا لمن عرفها» ، وفي لفظ: «لا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لُقَطَةَ الْحَرَمِ لَا تُمْلَكُ بِحَالٍ، وَأَنَّهَا لا تلتقط إلا للتعريف، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وقال في الرواية الأخرى، والشافعي في قول: لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِلتَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِحِفْظِهَا لِصَاحِبِهَا، فَإِنِ الْتَقَطَهَا عَرَّفَهَا أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ صاحبها، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالْمُنْشِدُ: الْمُعَرِّفُ، وَالنَّاشِدُ: الطَّالِبُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: " إِصَاخَةُ النَّاشِدِ للمنشد "، وفي القصة أنه ﷺ لم يدخل البيت حتى محيت الصور، ففيه دليل كراهة الصلاة في المكان الذي فيه الصور، وهو أحق بها من الحمام، لأنه إما لكونه مظنة النجاسة وإما بيت الشيطان، وأما الصور فمظنة الشرك، وغالب شرك الأمم من جهة الصور والقبور.
وفي القصة جواز أمان المرأة لِلرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ كَمَا أَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ أمان أم هانئ، وقتل المرتد تغلظت ردته من غير استتابة لقصة ابن أبي سرح.
стр. 164
[فصل في غزوة حنين]
فصل
في غزوة حنين قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن بالفتح جمع مالك بن عوف هوازن، واجتمعت إليه ثقيف وجشم، وفيهم دريد بن الصمة شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ إلا رأيه، ثم ذكر القصة. ثم قال: وعد الله رسوله أَنَّهُ إِذَا فَتَحَ مَكَّةَ دَخَلَ النَّاسُ فِي دين الله أفواجا، فاقتضت الحكمة أن أمسك الله قُلُوبَ هَوَازِنَ وَمَنْ تَبِعَهَا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يجتمعوا وَيَتَأَلَّبُوا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ لِيَظْهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَتَمَامُ إِعْزَازِهِ لرسوله لتكون غنائم شكرا لِأَهْلِ الْفَتْحِ، وَلِيُظْهِرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ وَقَهْرَهُ لِهَذِهِ الشَّوْكَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَمْ يَلْقَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهَا، فَلَا يُقَاوِمُهُمْ بَعْدُ أَحَدٌ مِنَ العرب.
وأذاقهم أولا مرارة الهزيمة مع قوتهم ليطامن رؤساء رُفِعَتْ بِالْفَتْحِ، وَلَمْ تَدْخُلْ بَلَدَهُ وَحَرَمَهُ كَمَا دخل رسوله ﷺ منحنيا على فرسه حتى إن ذقنه يكاد أن تمس قربوس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته وليبين لمن قال: لن نغلب اليوم من قلة أن النصر من عنده، فلما انكسرت قلوبهم أرسل إِلَيْهَا خِلَعُ الْجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النَّصْرِ ثُمَّ أَنْزَلَ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر إِنَّمَا تَفِيضُ عَلَى أَهْلِ الِانْكِسَارِ ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ - وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦] (١) . وافتتح غزو العرب ببدر، وختمه بحنين، وقاتلت الملائكة فيهما، ورمى رسول الله ﷺ بالحصباء فيهما، وبهما طفئت جمرة العرب، فبدر خوفتهم، وكسرت حدتهم، وهذه استفرغت قواهم.
وفيها جواز استعارة سلاح المشرك، وأن من تمام التوكل استعمال الأسباب، وأن ضمان الله له العصمة لا ينافي تعاطي الأسباب، كما أن إخباره أنه مظهر دينه لا يناقض أنواع الجهاد.
وشرطه ضمان العارية هل هو إخبار عن شرعه في العارية أو إخبار عن ضمانها بالأداء بعينها؟ اختلف فيه، وفيها عقر مركوب العدو إذا أعان على قتله ; وليس هنا من تعذيب الحيوان المنهي عنه، وعفوه ﷺ
стр. 165
عمن هَمَّ بقتله، ومسحه صدره ودعاؤه له، وجواز الانتظار بالقسمة إسلام الكفار، فيرد عليهم ما أُخذ منهم، وفي هذا دليل على إِنَّ الْغَنِيمَةَ إِنَّمَا تُمْلَكُ بِالْقِسْمَةِ لَا بِمُجَرَّدِ الاستيلاء عليها، فلو مات أحد قبلها أو إحرازها بدار الإسلام رد نصيبه إلى بقية الغانمين، وهذا مذهب أبي حنيفة، ونص أحمد أن النفل يكون من أربعة الأخماس، وهذا الإعطاء منه، فهو أولى من تنفل الثلث بعد الخمس والربع بعده.
ولما عميت أبصار ذي الخويصرة وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة قال قائلهم: اعدل.
والإمام نائب عن المسلمين يتصرف بمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين لِلدَّفْعِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ، وَاسْتِجْلَابِ أعداء الإسلام إليه، ليأمن شرهم ساغ ذلك بل تعين، ومبنى الشريعة باحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل مبنى مصالح الدنيا والدين على هذين.
وفيها جَوَازِ بَيْعِ الرَّقِيقِ، بَلِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نسيئة ومتفاضلا، وأن الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِذَا جَعَلَا بَيْنَهُمَا أَجَلًا غَيْرَ مَحْدُودٍ جاز إذا اتفقا عليه، هو الراجح إذ لا محذور فيه ولا غرر.
وقوله: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سلبه» اختلف هل هو مستحق بالشرع أو الشرط؟ على قولين هما روايتان عن أحمد، ومأخذ النزاع هل قاله بمنصب الرسالة فيكون شرعا عاما كقوله: «من زرع أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزرع شيء، وله نفقته» ، أو بمنصب الفتيا كقوله لهند بنت عتبة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» ، أو بمنصب الإمامة فتكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت، فيلزم من بعده مراعاة ذلك بحسب المصلحة.
ومن هاهنا اختلفوا في كثير من المواضع كقوله: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ، وفيها الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهد من غير يمين، وأنه لا يشترط التلفظ بأشهد، وفيها أن السلب لا يخمس، وأنه من أصل الغنيمة، وأنه يستحقه من لا يُسهم له من امرأة وصبي، وأنه يستحق سلب جميع من قتل وإن كثر.
[فصل في غزوة الطائف]
فصل
في غزوة الطائف لما انهزمت ثقيف دخلوا حصنهم، وتهيئوا للقتال وسار رسول الله
стр. 166
، فنزل قريبا من حصنهم، فرموا المسلمين بالنبال رَمْيًا شَدِيدًا كَأَنَّهُ رِجْلُ جَرَادٍ، حَتَّى أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحَةٍ وَقُتِلَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رجلا، فارتفع ﷺ إِلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِ الطائف اليوم، فحاصرهم ثمانية عشر يوما أو بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ وَهُوَ أول من رمى به في الإسلام، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ، فَوَقَعَ النَّاسُ فِيهَا يَقْطَعُونَ.
قَالَ ابن سعد: فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدَعَهَا لِلَّهِ وللرحم، فقال ﷺ : «فَإِنِّي أَدَعُهَا لِلَّهِ وللرحم فنادى مناديه: أيما عبد نزل إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ بَضْعَةَ عَشَرَ رجلا فيهم أبو بكرة، فدفع كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف، ولم يؤذن له في فتحها، فأمر ﷺ فأذن بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: ولم تفتح الطائف؟ فقال: اغدوا على القتال فغدوا، فأصابهم جراحات، فقال: إنا قافلون إن شاء الله فسروا بذلك، وَجَعَلُوا يَرْحَلُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يضحك، فلما استقلوا قَالَ: قُولُوا: آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ عَلَى ثَقِيفٍ. فقال: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» .
ثم خرج إلى الجعرانة، ودخل منها مكة محرما بعمرة، ثم رجع إلى المدينة، ولما قدم المدينة من تبوك في رمضان وفد عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ، وَكَانَ من حديثهم أنه لما انصرف عنهم اتبعه عروة بن مسعود، فأدركه قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ وَسَأَلَهُ أَنْ يرجع إلى قومه بالإسلام، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَمَا يَتَحَدَّثُ قَوْمُكَ أَنَّهُمْ قَاتِلُوكَ» ، وَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ فِيهِمْ نَخْوَةَ الِامْتِنَاعِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ، فَقَالَ عروة: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أبصارهم، وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبَّبًا مُطَاعًا، فَخَرَجَ يَدْعُو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يُخَالِفُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى علية له ودعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل من كل وجه، فقيل له: ما ترى في دمك؟ فقال: شهادة أكرمني الله بها، فَلَيْسَ فِيَّ إِلَّا مَا فِي الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، وادفنوني معهم فدفن مَعَهُمْ، فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِيهِ: «إِنَّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ» ثُمَّ أقامت ثقيف بعد قتله أشهرا، ثم رأوا أنهم لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ العرب، فأجمعوا على أَنْ يُرْسِلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا
стр. 167
كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل، فأبى وخشي أن يصنع به كما صنعوا بعروة فَقَالَ: لَسْتُ بِفَاعِلٍ حَتَّى تُرْسِلُوا مَعِيَ رجالا، فبعثوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنَ الْأَحْلَافِ، وَثَلَاثَةً مِنْ بَنِي مالك منهم عثمان بن عفان بن أبي العاص، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قَنَاةً لَقُوا بِهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَاشْتَدَّ لِيُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فلقيه أبو بكر فقال: أقسم عليك لا تسبقني فَفَعَلَ، فَدَخَلَ أبو بكر عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فأخبره ثم خرج المغيرة إليهم، فروح الظهر معهم، فضرب عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قبة في ناحية المسجد، وكان خالد بن سعيد الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وكان فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إن يدع لهم اللات لا يهدمها ثلاث سنين ليسلموا بتركها من سفهائهم فأبى، فما برحوا يسألونه فأبى حتى سألوه شهرا فأبى أن يدعها شيئا مسمى، وكان فيما سألوا أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أوثانهم بأيديهم، فقال: «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم عنه، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صلاة فيه» ، فلما أسلموا أَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ من أحدثهم سنا إلا أنه كان أحرصهم على التفقه في الدين.
فلما توجهوا إلى بلادهم بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ معهم أبا سفيان والمغيرة لهدم الطاغية، فلما دخل المغيرة علاها بالمعول، وقام دونه بنو مغيث خشية أن يرمى أو يصاب كعروة، وخرجت نساء ثقيف حسرًا يبكين عليها، ولما هدمها أخذ مالها وكان ابن عروة وقارب بن الأسود قَدِمَا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ قبل الوفد حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف فأسلما، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «توليا من شئتما قالا: لا نتولى إلا الله ورسوله. قال: وَخَالَكُمَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، فَقَالَا: وَخَالَنَا أبا سفيان، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ سَأَلَ ابن عروة رسول الله ﷺ إن يقضي دين أبيه من مال الطاغية، فقال: نعم، فقال قارب: وَعَنِ الأسود يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِهِ، وعروة والأسود أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّ الْأَسْوَدَ مَاتَ مُشْرِكًا فَقَالَ قارب بن الأسود: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَكِنْ تَصِلُ مُسْلِمًا ذَا قَرَابَةٍ - يَعْنِي نَفْسَهُ - وَإِنَّمَا الدَّيْنُ عليَّ، فقضى دين عروة والأسود من مالها» .
وفيه مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فإنه ﷺ خرج إلى مكة في آخر
стр. 168
رمضان، وأقام بمكة تسع عشر ليلة، ثم خرج إلى هوازن وقاتلهم وفرغ منه، ثم خرج إلى الطائف فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة أو ثمان عشر في قول ابن سعد، فإذا تأملت ذلك عرفت أَنَّ بَعْضَ مُدَّةِ الْحِصَارِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ولا بد، لكن قَدْ يُقَالُ: لَمْ يَبْتَدِئِ الْقِتَالَ إِلَّا فِي شوال، ويجاب بأنه لا فرق بين الابتداء والاستدامة.
ومنها جواز غزو الرجل وأهله معه؛ لأن مَعَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أم سلمة وزينب، وَمِنْهَا جَوَازُ نَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ عَلَى الْكُفَّارِ وَرَمْيِهِمْ بِهِ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى قَتْلِ مَنْ لَمْ يقاتل من النساء والذرية، ومنها قطع شجرهم إذا كان يضعفهم ويغيظهم.
ومنها أن العبد إذا أبق وألحق بالمسلمين صار حرا، حكاه ابن المنذر إجماعا، ومنها أن الإمام إذا حاصر حصنا، ورأى المصلحة في الرحيل فعل، ومنها أنه أحرم من الجعرانة بالعمرة، وهي السنة لمن دخلها من الطائف، وأما الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْجِعِرَّانَةِ لِيُحْرِمَ مِنْهَا بعمرة فلم يستحبه أحد من أهل العلم.
ومنها كمال رأفته ورحمته ﷺ في دعائه لثقيف بالهدى، وقد حاربوه وقتلوا جماعة من أصحابه، وقتلوا رسوله إليهم، ومنها كمال محبة الصديق له، ومحبة التقرب إليه بكل ممكن، وهذا يدل على جواز سؤال الرجل أَخَاهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِقُرْبَةٍ مِنَ الْقُرَبِ، وَأَنَّهُ يجوز له ذلك، وقول من قال: لا يجوز لا يصح، وقد آثرت عائشة عمر بدفنه في بيتها، وسألها ذَلِكَ فَلَمْ تَكْرَهْ لَهُ السُّؤَالَ، وَلَا لَهَا البذل.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِبْقَاءُ مَوَاضِعِ الشِّرْكِ بعد القدرة على إبطالها يوما واحدا فإنها شعائر الكفر، وهي أعظم المنكرات، وَهَذَا حُكْمُ الْمَشَاهِدِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى الْقُبُورِ التي اتخذت أوثانا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَالْأَحْجَارُ الَّتِي تُقْصَدُ لِلتَّعْظِيمِ، وَالتَّبَرُّكِ وَالنَّذْرِ وَالتَّقْبِيلِ لَا يَجُوزُ إِبْقَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الأخرى، وأعظم شركا عندها وبها وبالله الْمُسْتَعَانُ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ هَذِهِ الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق أو تحيي أو تميت، وَإِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ عِنْدَهَا وَبِهَا مَا يَفْعَلُهُ إخوانهم من المشركين عند طواغيتهم اليوم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم حَذو الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، وَأَخَذُوا مَأْخَذَهُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَغَلَبَ الشِّرْكُ عَلَى أَكْثَرِ النُّفُوسِ لظهور الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف
стр. 169
مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا، وَالسُّنَّةُ بِدْعَةً وَالْبِدْعَةُ سُنَّةً، وَنَشَأَ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرُ، وَهَرِمَ عَلَيْهِ الْكَبِيرُ، وَطُمِسَتِ الْأَعْلَامُ، وَاشْتَدَّتْ غَرْبَةُ الْإِسْلَامِ، وَقَلَّ الْعُلَمَاءُ، وَغَلَبَ السَّفَهَاءُ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَاشْتَدَّ الْبَأْسُ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، وَلَكِنْ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعِصَابَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِالْحَقِّ قَائِمِينَ، وَلِأَهْلِ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ مُجَاهِدِينَ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
ومنها جواز صرف الإمام أموال المشاهد في الجهاد والمصالح، وأن يعطيها للمقاتلة، ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين، وكذا الحكم في وقفها، وَهَذَا مِمَّا لَا يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أئمة الإسلام.
[فصل في غزوة تبوك]
فَصْلٌ وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَدَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ، بَعَثَ المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب، فبعث عيينة إلى بني تميم وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ إِلَى طَيِّئٍ وَبَنِي أَسَدٍ، وَبَعَثَ مالك بن نويرة عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَفَرَّقَ صَدَقَاتِ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ، فَبَعَثَ الزبرقان بن بدر عَلَى نَاحِيَةٍ، وقيس بن عاصم عَلَى نَاحِيَةٍ، وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بن الحضرمي على البحرين، وبعث عليا إلى نجران.
وفيها كانت غزوة تبوك، وكانت في رجب فِي زَمَنِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَجِدْبٍ مِنَ البلاد حين طابت الثمار، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَلَّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إِلَّا كَنَّى عَنْهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِبُعْدِ السفر وشدة الزمان، «فقال ذات يوم للجد بن قيس: هل لك فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أوتأذن لي ولا تفتني؟ فما من رجل أشد عَجَبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نساءهم أَنْ لَا أَصْبِرَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ» ، فَفِيهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٩] (١) وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] (٢) فأمر الله رسوله ﷺ بالجهاد، وحض أهل الغنى على النفقة، فأنفق عثمان ثلاثماثة بعير بعدتها
стр. 170
وألف دينار، وجاء البكاؤون وَهُمْ سَبْعَةٌ، يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢] وَأَرْسَلَ أبا موسى أَصْحَابُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِيَحْمِلَهُمْ فَوَافَاهُ غَضْبَانَ، فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» ، ثُمَّ أَتَاهُ إِبِلٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فقال: «مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الذي هو خير» ، وقام رجل فصلى من الليل وبكى، ثم قال: اللهم إنك أمرت بالجهاد، وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِكَ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ، وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلِمَةٍ أَصَابَنِي فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أو عرض، ثم أصبح فقال ﷺ : «أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ الليلة؟ فلم يقم أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ؟ فَلْيَقُمْ، فَقَامَ إليه الرجل فأخبره فقال: أبشر والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ، وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ فلم يعذرهم» .
وكان ابن أُبي قَدْ عَسْكَرَ عَلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ فِي حُلَفَائِهِ من اليهود والمنافقين، فيقال: ليس عسكره بأقل العسكرين، واستخلف ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بن مسلمة، فلما سار تخلف ابن أُبيّ ومن كان معه، «واستخلف علي بن أبي طالب على أهله، فقال: تُخَلِّفُنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غير أنه لا نبي بعدي» .
وَتَخَلَّفَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة وأبو ذر، ثُمَّ لَحِقَهُ أبو خيثمة وأبو ذر، ووافاها رسول الله ﷺ في ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ النَّاسِ، وَالْخَيْلُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ، وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وهرقل يومئذ بحمص، ورجع أبو خيثمة إلى أهله بعد مَسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أياما، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ لَهُمَا فِي حائط، قَدْ رَشَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ له فيه مَاءً، وَهَيَّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا، فَلَمَّا دَخَلَ قام على باب العريش فنظر إلى المرأتين وَمَا صَنَعَتَا لَهُ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الضِّحِّ وَالرِّيحِ وَالْحَرِّ، وأبو خيثمة فِي ظِلٍّ بَارِدٍ، وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ، وامرأة حسناء، ما هذا بالنصف؟ وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا، حَتَّى ألحق
стр. 171
برسول الله ﷺ ، ثُمَّ قَدَّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ.
وَقَدْ كَانَ أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب فِي الطَّرِيقِ يَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَتَرَافَقَا حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ تبوك قال له أبو خيثمة: إِنَّ لِي ذَنْبًا فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَتَخَلَّفَ عَنِّي حَتَّى آتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَعَلَ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «قال الناس: هذا راكب على الطريق مضل، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْ أبا خيثمة قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هو والله أبو خيثمة. فلما أناح أَقْبَلَ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وأخبره خبره، فقال له خيرا، ودعا له» .
«وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ مرَّ بِالْحِجْرِ بِدِيَارِ ثَمُودَ قَالَ: لَا تشربوا من مائها، ولا تتوضئوا منها، وما كان من عجين فأعلفوه الإبل، وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ له، ففعلوا إِلَّا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ، وَخَرَجَ الْآخَرُ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ، فخنق الذي خرج لحاجته على مذهبه، وحملت الريح طالب البعير حتى ألقته في جبلي طيئ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ألم أنهكم؟ ثم دعا للذي خنق فشفي، وأهدت الآخر طَيِّئٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حين قدم المدينة» .
قال الزهري: لما مر بِالْحِجْرِ سَجَّى ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَاسْتَحَثَّ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ خَوْفًا أَنْ يُصِيبَكُمْ ما أصابهم» وفي " الصحيح «أنه أمر بإهراق الماء، وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة» .
قال ابن إسحاق: وأصبح الناس لا مَاءَ مَعَهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فأرسل الله إليه سحابة، فأمطرت حتى ارتووا واحتملوا حاجتهم من الماء، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُونَ: تَخَلَّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فسيلحقُه اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ» ، وَتَلَوَّمَ عَلَى أبي ذر بعيره فأخذ متاعه على ظهره، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بعض منازله «قال رجل: يا رسول الله هذا رجل يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنْ أبا ذر، فلما تأملوا قالوا: يا رسول الله أبو ذر، فقال: رَحِمَ اللَّهُ أبا ذر، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وحده، ويبعث وحده» ، وفي " صحيح ابن حبان " أن
стр. 172
أبا ذر لما حضرته الوفاة بكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: تَمُوتُ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يسعك كفنا أكفنك فيه، ولا يدان لي في تغسيلك، فقال: لا تَبْكِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ من المسلمين» ، وليس من أولئك أحد إلا مات في قرية، فأنا الرجل، والله ما كذبتُ، ولا كُذبتُ فأبصري الطريق. قالت: فكنت أشتد إِلَى الْكَثِيبِ أَتَبَصَّرُ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأُمَرِّضُهُ، فَبَيْنَا نحن كذلك إذا أَنَا بِرِجَالٍ عَلَى رِحَالِهِمْ كَأَنَّهُمُ الرَّخم تَخُبُّ بهم رواحلهم، قالت: فأشرت إليهم فأسرعوا حَتَّى وَقَفُوا عَلَيَّ فَقَالُوا: يَا أَمَةَ اللَّهِ، مَا لَكِ؟ قُلْتُ: امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ تكفنونه قالوا: من هُوَ؟ قُلْتُ: أبو ذر، قَالُوا: صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وحدثهم الحديث. . . ثم قال: أما إِنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا لِي أَوْ لِامْرَأَتِي لَمْ أُكفَّن إِلَّا فِي ثوب هو لي أو لها، وإني أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَنْ لَا يُكَفِّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ عَرِيفًا أَوْ بَرِيدًا أَوْ نَقِيبًا، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ قَارَفَ بَعْضَ مَا قَالَ إِلَّا فَتًى من الأنصار قال: يا عم أنا أكفنك في ردائي هذا أو في ثوبين في عيبتي من غزل أمي. قال: أنت تكفنني. فَكَفَّنَهُ الْأَنْصَارِيُّ وَقَامُوا عَلَيْهِ، وَدَفَنُوهُ فِي نَفَرٍ كلهم يمان.
وفي " صحيح مسلم " عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال قبل وصوله إلى تبوك: «إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي، فجئناها وقد سبقنا إِلَيْهَا رَجُلَانِ، وَالْعَيْنُ مِثْلَ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ مسستم مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ قَالَا: نَعَمْ، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من العين حتى اجتمع في شيء قال: وَغَسَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قال: يُوشِكُ يَا معاذ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تَرَى مَا هَاهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا» .
ولما انتهى إِلَى تَبُوكَ أَتَاهُ صَاحِبُ أَيْلَةَ، فَصَالَحَهُ وَأَعْطَاهُ
стр. 173
الجزية، وأتاه أهل جربا وأذرح، فصالحهم على الجزية، وَكَتَبَ لِصَاحِبِ أَيْلَةَ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا أمنة من الله ومن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليحنة بن رؤبة، وأهل أيلة لسفنهم وَسَيَّارَتِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ، وذمة النَّبِيِّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا يريدونه من بر أو بحر» .
ثم بعث خالد بن الوليد ﵁ إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل وقال: «إنك ستجده يصيد البقر» ، فمضى خالد حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ العين في ليلة مقمرة أقام، وجاءت بقر الوحش حتى حكت بقرونها باب القصر، فخرج إليهم أكيدر في جماعة من خاصته، فتلقتهم خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فأخذوا أكيدر، وقتلوا أخاه حسان، فحقن رسول الله ﷺ دمه وصالحه على الجزية، وكان نصرانيا، وقال ابن سعد: أجاره خالد من القتل، وكان مع خالد أربعمائة وعشرون فارسا عَلَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ، فَفَعَلَ وَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ بَعِيرٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رمح ودرع، فعزل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صفية خالصا، ثم قسم الغنيمة فأخرج الخمس، ثم قسم ما بقي على أصحابه فكان لكل واحد منهم خمس فرائض، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة، ثم قفل.
«وعن ابن مسعود ﵁ قال: قمت من جوف الليل وأنا في غزوة تبوك، فرأيت شعلة نار في ناحية العسكر، فأتيتها فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر وعمر، وَإِذَا عبد الله ذو البجادين قَدْ مَاتَ، وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حفرته، وأبو بكر وعمر يدليان إليه وهو يقول: أدليا إِلَيَّ أَخَاكُمَا فَدَلَّيَاهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا هَيَّأَهُ لِشِقِّهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِيًا عَنْهُ، فارض عنه، قال ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة» .
وعن أبي أُمامة الباهلي ﵁ قال: «أتى رسول الله ﷺ جبريل وهو بتبوك، فقال: يا محمد أشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ونزل جبريل في سبعين ألفا من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت، ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت، حتى نظر إلى مكة والمدينة
стр. 174
، فصلى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجبريل والملائكة ﵈، فلما فرغ قال: " يا جبريل بم بلغ معاوية هذه المنزلة "؟ قال: بقراءة قل هو الله أحد قائما وقاعدا، وراكبا وماشيا» رواه ابن السني والبيهقي.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ حَبَسَهُمُ العذر» .
وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى إذا كان ببعض الطريق مكر به بعض المنافقين، فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغها أرادوا سلوكها معه، فأخبر خبرهم، فقال للناس: «من شاء أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم» ، وأخذ العقبة وأخذ الناس بطن الوادي إلا أولئك النَّفَرُ الَّذِينَ هَمُّوا بِالْمَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سَمِعُوا بِذَلِكَ اسْتَعَدُّوا وتلثموا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَمَشَيَا مَعَهُ، وَأَمَرَ عمارا أَنْ يَأْخُذَ بِزِمَامِ النَّاقَةِ وأمر حذيفة أن يسوقها، فبينا هم يسوقون إِذْ سَمِعُوا وَكْزَةَ الْقَوْمِ مِنْ وَرَائِهِمْ قَدْ غَشَوْهُ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فأمر حذيفة أن يردهم فأبصر حذيفة غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فرجع ومعه محجن، فضرب به وجوه رواحلهم، وأبصرهم متلثمين، ولا يشعر إلا أنه فعل المسافر، فأرعبهم الله حِينَ أَبْصَرُوا حذيفة، وَظَنُّوا أَنَّ مَكْرَهُمْ قَدْ ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لحذيفة: «هل عرفت منهم أحدا "؟ قال: عرفت راحلة فلان وفلان، وكانت ظلمة، فقال: " هل علمت شأنهم "؟ قال: لا. قَالَ: " فَإِنَّهُمْ مَكَرُوا لِيَسِيرُوا مَعِي، حَتَّى إِذَا طلعت في العقبة طرحوني " فقال له حذيفة: ألا تضرب أعناقهم؟ قال: " أكره أن يتحدث الناس إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَضَعَ يَدَهُ فِي أَصْحَابِهِ، فسماهم لهما، وقال: اكتماهم» .
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى نَزَلَ بِذِي أَوَانَ وَبَيْنَهَا وبين المدينة ساعة، وكان أهل مَسْجِدِ الضِّرَارِ أَتَوْهُ وَهُوَ يَتَجَهَّزُ إِلَى تَبُوكَ، فقالوا: إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والليلة المطيرة، ونحب أن نصلي فيه قال: «إني على جناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله أتيناكم» ، فجاء خَبَرُ الْمَسْجِدِ مِنَ السَّمَاءِ، فَدَعَا مالك
стр. 175
بن الدخشم ومعن بن عدي فَقَالَ: «انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه وحرقاه بالنار» ، فخرجا مسرعين، حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرق عنه أهله، فأنزل الله سبحانه فِيهِ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] (١) فلما دنا مِنَ الْمَدِينَةِ خَرَجَ النَّاسُ لِتَلَقِّيهِ، وَخَرَجَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْوَلَائِدُ يَقُلْنَ:
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا لله داع
وبعضهم يروي هذا عند مقدمه مهاجرا وهو وَهْم (٢) ؛ لأن ثنيات الوداع من ناحية الشَّامِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: «هَذِهِ طابة» ، وقال «هذا أُحد جبل يحبنا ونحبه» فلما دخل بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، وكانت تلك عادته ﷺ ، ثم جلس للناس، فجاءه المخلفون يعتذرون إليه، ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى خالقهم، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤] (٣) الآية وما بعدها.
[فصل في الإشارة إلى ما تضمنته هذه القصة من الفوائد]
فصل
في الإشارة إلى ما تضمنته هذه القصة من الفوائد فَمِنْهَا جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِنْ كَانَ خُرُوجُهُ فِي رَجَبٍ مَحْفُوظًا عَلَى مَا قاله ابن إسحاق، ومنها إعلام الإمام القوم بالأمر الذي يضرهم إخفاؤه، وستره عنهم لِلْمَصْلَحَةِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا اسْتَنْفَرَ الْجَيْشَ لزم لهم النَّفِيرُ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، ولا يشترط في الوجوب تعيين كل واحد منهم بعينه، وهذا أحد المواضع الثلاثة التي يصير الجهاد فيها فرض عين، والثاني: إذا حاصر الْعَدُوُّ الْبَلَدَ، وَالثَّالِثُ: إِذَا حَضَرَ بَيْنَ الصَّفين.
وَمِنْهَا وُجُوبُ الْجِهَادِ بِالْمَالِ كَمَا يَجِبُ بِالنَّفْسِ، وهذا هو الصواب الذي لا ريب
стр. 176
فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقين: الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ بِالنَّفْسِ فِي الْقُرْآنِ وَقَرِينُهُ، بَلْ جَاءَ مُقَدَّمًا عَلَى الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إِلَّا مَوْضِعًا وَاحِدًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أنه آكد من الجهاد بالنفس، وَإِذَا وَجَبَ الْحَجُّ بِالْمَالِ عَلَى الْعَاجِزِ بِالْبَدَنِ، فوجوب الجهاد بالمال أولى.
ومنها ما برز به عثمان من النفقة العظيمة، وَمِنْهَا أَنَّ الْعَاجِزَ بِمَالِهِ لَا يُعذر حَتَّى يبذل جهده، فإنه سبحانه إنما نفى الحرج عن العاجزين بعد أن أتوا رسوله ليحملهم، ثم رجعوا باكين.
وَمِنْهَا اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ إِذَا سَافَرَ رَجُلًا مِنَ الرعية، ويكون مِنَ الْمُجَاهِدِينَ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ لَهُمْ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي بِآبَارِ ثَمُودَ لَا يجوز شربه، ولا الطهارة به، ولا الطبخ به ولا العجين بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْقَى الْبَهَائِمَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ بِئْرِ النَّاقَةِ، وَكَانَتْ مَعْلُومَةً بَاقِيَةً إِلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ عِلْمُ النَّاسِ بِهَا قَرْنًا بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا ترد الركبان بئرا غيرها.
وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ مَرَّ بِدِيَارِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والمعذبين لا ينبغي لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا بَلْ يُسْرِعُ السَّيْرَ، وَيَتَقَنَّعُ بِثَوْبِهِ حَتَّى يُجَاوِزَهَا، وَلَا يدخل عليهم إلا أن يكون باكيا معتبرا.
ومنها أنه ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، وَقَدْ جَاءَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ في هذه القصة في حديث معاذ، وذكرنا علته، ولم يجئ عنه جمع التقديم فِي سَفَرٍ إِلَّا هَذَا، وَصَحَّ عَنْهُ جَمْعُ التقديم بعرفة قبل دخوله عرفة.
ومنها جواز التيمم بالرمل، فإنه ﷺ وأصحابه قطعوا تلك الرمال، ولم يحملوا معهم ترابا، وتلك مفاوز معطشة، وشكوا فِيهَا الْعَطَشَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ومنها أنه أقام بتبوك بضعة عشر يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يَقُلْ لِلْأُمَّةِ: لَا يقصر رجل إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن انقضت إِقَامَتُهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَهَذِهِ الْإِقَامَةُ فِي حَالِ السَّفَرِ لَا تَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ سَوَاءٌ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع، قال ابن المنذر: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سنون.
وَمِنْهَا جَوَازُ بَلِ اسْتِحْبَابُ حِنْثِ الْحَالِفِ فِي يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها، وإن شاء قدّم الكفارة، وإن شاء أخرها.
وَمِنْهَا انْعِقَادُ الْيَمِينِ فِي حَالِ الْغَضَبِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ بِصَاحِبِهِ إِلَى حَدٍّ لَا يَعْلَمُ مَعَهُ مَا يَقُولُ، وَكَذَلِكَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ، وَتَصِحُّ عُقُودُهُ، فَلَوْ بَلَغَ
стр. 177
بِهِ الْغَضَبُ إِلَى حَدِّ الْإِغْلَاقِ لَمْ تَنْعَقِدْ يمينه، ولا طلاقه.
ومنها قوله: «مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكُمْ» قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَبْرِيُّ، وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِهِ، وإنما هو مِثْلُ قَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا، وَلَا أَمْنَعُ، وَإِنَّمَا أَنَا قاسمٌ أضعُ حَيْثُ أُمرت» ، فَإِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِالْأَمْرِ، فَإِذَا أَمَرَهُ رَبُّهُ بِشَيْءٍ نَفَّذَهُ، فَاللَّهُ هُوَ الْمُعْطِي وَالْمَانِعُ وَالْحَامِلُ، وَالرَّسُولُ مُنَفِّذٌ لِمَا أمر به.
ومنها أن أهل العهد إذا أحدث أحدهم حدثا فيه ضرر على الإسلام وأهله، انتقض عهده في ماله ونفسه، وإذا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فَدَمُهُ وَمَالُهُ هَدْرٌ، وهو لمن أخذه كما في صلح أهل أيلة.
وَمِنْهَا جَوَازُ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ كَمَا دَفَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذا البجادين إذا كان لضرورة أو مصلحة راجحة.
وَمِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمَتْ غَنِيمَةً أَوْ أَسَرَتْ أَسِيرًا أَوْ فَتَحَتْ حِصْنًا، كَانَ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ الخمس، فإنه ﷺ قسم غنيمة دومة الجندل بين السرية بخلاف ما إذا خرجت السرية من الجيش في حال الغزو، وأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابوه يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَمِيعِ بَعْدَ الْخَمْسِ وَالنَّفْلِ، وَهَذَا كَانَ هَدْيَهُ ﷺ .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ» فَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ هِيَ بقلوبهم وهممهم، وَهَذَا مِنَ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ، وَهُوَ أَحَدُ مَرَاتِبِهِ الأربع، وهي القلب والسان والمال والبدن.
ومنها تحريق أمكنة المعصية كما حرق مسجد الضرار، وكل مكان مثله فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم أو تحريق، وَإِمَّا بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَمَّا وُضع لَهُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَمَشَاهِدُ الشرك أحق وأوجب، وكذا بيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر قَرْيَةً بِكَمَالِهَا يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَحَرَقَ حَانُوتَ رويشد الثقفي وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا، وَحَرَقَ قَصْرَ سعد لما احتجب فيه عن الرعية، وهمَّ ﷺ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِ تَارِكِي الجمعة والجماعة، وإنما منعه من فيها ممن لا تجب عليهم.
ومنها أن الوقوف لا يصح على غير قربة، وعلى هذا فيُهدم المسجد الذي بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ كَمَا يُنْبَشُ الْمَيِّتُ إِذَا دفن في المسجد، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مَسْجِدٌ وَقَبْرٌ، بَلْ أَيُّهُمَا طَرَأَ عَلَى الْآخَرِ مَنَعَ مِنْهُ، وَكَانَ الْحُكْمُ لِلسَّابِقِ، فَلَوْ وُضِعَا مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ وَلَا يَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ
стр. 178
فِي هَذَا الْمَسْجِدِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَلَعْنِهِ مَنِ اتخذ القبر مسجدا، فَهَذَا دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رسوله، وَغُرْبَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ كَمَا تَرَى.
[فصل في حديث الثلاثة الذين خُلِّفُوا]
فصل
في حديث الثلاثة الذين خُلِّفُوا (١) قال بعض الشارحين: أول أسمائهم مكة، وآخر أسمائهم عكة.
روينا في " الصحيحين " واللفظ للبخاري رحمه الله تعالى عن كعب بن مالك ﵁ قال: «لم أتخلف عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يريد عير قريش، حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري حين تخلفت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة.
وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، وعدوا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان -. قال كعب ﵁: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى ما لم ينزل فيه وحي الله تعالى، وغزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، وتجهز رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْمُسْلِمُونَ معه، فطفقت أعدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجِدّ.
فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غاديا، والمسلمون معه، ولم أقضِ من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، ولم أقض شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل
стр. 179
فأدركهم، فليتني فعلت، فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بَعْدَ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب بن مالك "؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرده والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل ﵁: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ما علمنا عليه إلا خيرا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب، فأقول: بم أخرج من سخطه غدا، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: أن رسول الله ﷺ قد أظل قادما راح عني الباطل حتى عرفت أني لم أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه.
وأصبح رسول الله ﷺ قادما، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ علانيتهم، واستغفر لهم، ووكّل سرائرهم إلى الله تعالى، فجئته، فلما سلّمت عليه تبسَّمَ تبسُّم المغضب ثم قال: " تعال " فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: " مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظهرك " فقلت: بلى إني والله يا رسول الله لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لرأيت أني أَخْرُجَ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، ولكني والله إني لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عليَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فيه عفو الله تعالى، لا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذر، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَمَّا هَذَا، فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ "، فَقُمْتُ، وَثَارَ رجال من بني سلمة، فاتبعوني فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون، فقد
стр. 180
كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ استغفارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لك. فوالله ما زالوا يؤنبونني حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قلت: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالحين قد شهدا بدرا ﵄ ففيهما أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِيَ في نفسي الأرض فما هي التي أَعْرِفُ.
فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أنا فكنت أشبَّ القوم، وأجلدهم، وكنت أَخْرُجُ فأشهدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وأُسَلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بردِّ السَّلَامِ عليَّ أَمْ لَا، ثُمَّ أُصلي قَرِيبًا مِنْهُ، فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ إلى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتَّى تسورتُ جِدَارَ حَائِطِ أبي قتادة ﵁، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا ردَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ له: يَا أبا قتادة: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ؟ فسكت، فعدت فناشدته، فقال ﵁: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تسورتُ الجدار، فبينما أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ نبط أهل الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهِ:
أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك جفاك، ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلتُ لما قرأته: وهذا أيضا من البلايا فتيمّمتُ بها التنور، فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي، إِذَا رسولُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يأتيني فيقول: أن رسول الله ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطلقها أَمْ ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها، ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك،