وعلى إقامة عبودية الحي فيما يعامل به الميت، فكان من هديه عبودية الرب تعالى على أكمل الأحوال، وتجهيز الميت إلى الله تعالى على أحسن الأحوال، ووقوفه وأصحابه صفوفا يحمدون الله، ويستغفرون له، ثم يمشي بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى أَنْ يُودِعُوهُ حُفْرَتَهُ ثُمَّ يقوم هو وأصحابه على قبره سائلين له الثبات، ثم يتعاهده بالزيارة إلى قبره، والسلام عليه، والدعاء له.
فأول ذلك تعاهده في موضعه، وَتَذْكِيرُهُ الْآخِرَةَ، وَأَمْرُهُ بِالْوَصِيَّةِ وَالتَّوْبَةِ، وَأَمْرُ مَنْ حَضَرَهُ بِتَلْقِينِهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، لتكون آخر كلامه، ثم نهى عَنْ عَادَةِ الْأُمَمِ الَّتِي لَا تُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ من لطم الخدود، وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ وَالنِّيَاحَةِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ.
وَسَنَّ الخشوع للموت، وَالْبُكَاءَ الَّذِي لَا صَوْتَ مَعَهُ، وَحُزْنَ الْقَلْبِ، وكان يفعله وَيَقُولُ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ» وَسَنَّ لِأُمَّتِهِ الْحَمْدَ والاسترجاع والرضا عن الله.
وكان من هديه الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إِلَى اللَّهِ، وَتَطْهِيرُهُ وَتَنْظِيفُهُ وتطييبه، وتكفينه في ثياب البياض، ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ إِلَيْهِ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ بَعْدَ أن كان يدعي له عِنْدَ احْتِضَارِهِ، فَيُقِيمُ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْضِيَ، ثُمَّ يحضر تجهيزه، ويصلي عليه، ويشيعه إلى قبره، ثم رأى أصحابه أن ذلك يشق عليه، فكانوا يجهزون ميتهم، ثم يحملونه إليه، فيصلي عليه خارج المسجد، وربما كان يصلي أحيانا عليه فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا صَلَّى عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بيضاء وأخيه فيه.
وكان من هديه تغطية وجه الميت إذا مات وبدنه، وتغميض عينيه وَكَانَ رُبَّمَا يُقَبِّلُ الْمَيِّتَ، كَمَا قَبَّلَ عُثْمَانَ بن مظعون وبكى.
وَكَانَ يَأْمُرُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْغَاسِلُ، وَيَأْمُرُ بِالْكَافُورِ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ.
وَكَانَ لَا يُغَسِّلُ الشهيد قتيل المعركة، وَكَانَ يَنْزِعُ عَنْهُمُ الْجُلُودَ وَالْحَدِيدَ، وَيَدْفِنُهُمْ فِي ثيابهم، ولم يصل عليهم، وأمر أن يغسل المحرم بماء وسدر. ويكفن في ثوبي إحرامه، ونهى عَنْ تَطْيِيبِهِ، وَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ مَنْ وَلِيَ الْمَيِّتَ أَنْ يُحْسِنَ كَفَنَهُ، وَيُكَفِّنَهُ فِي البياض، وينهى عن المغالاة في الكفن، وإذا قَصُرَ الْكَفَنُ عَنْ سَتْرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ غَطَّى رأسه، وجعل على رجليه شيئا من العشب.
وكان إذا قدم إليه ميت سأل: هل عليه دين؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وأمر أصحابه أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ شَفَاعَةٌ،
стр. 37
وشفاعته موجبة، والعبد مرتهن بدينه لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْمَدِينِ، وَيَتَحَمَّلُ دَيْنَهُ، وَيَدَعُ مَالَهُ لِوَرَثَتِهِ.
فَإِذَا أَخَذَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، كَبَّرَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ. وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ، فَقَرَأَ بَعْدَ التكبيرة الأولى بالفاتحة، وجهر بها، وقال: لتعلموا أنها سنة.
قال شيخنا: لا تجب قراءتها، بَلْ هِيَ سُنَّةٌ. وَذَكَرَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الصَّلَاةَ عَلَى النبي ﷺ فيها.
وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ سَأَلَ عُبَادَةَ بن الصامت عن صلاة الْجِنَازَةِ، فَقَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُخْبِرُكَ، تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ، ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ فُلَانًا كَانَ لَا يُشْرِكُ بِكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ولا تضلنا بعده» .
ومقصود الصلاة عليه الدعاء، ولذلك حفظ عنه، ونقل من الدعاء مَا لَمْ يُنْقَلْ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَالصَّلَاةِ على النبي ﷺ ، وحفظ من دعائه: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أَهْلُ الْوَفَاءِ، وَالْحَقِّ، فَاغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَحُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ أَيْضًا: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ رَزَقْتَهَا، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، تعلم سِرَّهَا وَعَلَانِيَتَهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهَا وَكَانَ يَأْمُرُ بِإِخْلَاصِ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ.
وَكَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَبَّرَ خَمْسًا، وَكَانَ الصحابة يكبرون أربعا وخمسا وستا. قَالَ علقمة: قُلْتُ لعبد الله: إِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ معاذ قَدِمُوا مِنَ الشَّامِ، فَكَبَّرُوا على ميت لهم خمسا، فقال: لَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي التَّكْبِيرِ وَقْتٌ، كَبِّرْ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ، فَإِذَا انْصَرَفَ الْإِمَامُ فَانْصَرِفْ.
قيل للإمام أحمد: أتعرف عن أحد من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمتين على الجنازة قَالَ: لَا، وَلَكِنْ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً خَفِيفَةً عَنْ يَمِينِهِ، فَذَكَرَ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هريرة.
وَأَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُرْفَعُ لِلْأَثَرِ، والقياس على السنة في الصلاة، ويريد بالأثر ما روي عن ابن عمر
стр. 38
وأنس أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا كُلَّمَا كَبَّرَا عَلَى الجنازة.
وكان إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ، فَصَلَّى مَرَّةً عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ لَيْلَةٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ شَهْرٍ، وَلَمْ يوقت في ذلك وقتا، ومنع منها مالك إلا للولي إذا كان غائبا. وكان يقوم عند رأس الرجل، ووسط المرأة، وكان يصلي على الطفل، وكان لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَا عَلَى مَنْ غَلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ في الصلاة على المقتول حدًا كالزاني.
فصح عنه «أنه صلى على الجهنية التي رجمها» ، واختلف في ماعز، فإما أَنْ يُقَالَ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ أَلْفَاظِهِ، فَإِنَّ الصلاة فيه هي الدعاء، وترك الصلاة عليه تركها عَلَى جِنَازَتِهِ تَأْدِيبًا وَتَحْذِيرًا. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إذا تعارضت ألفاظه عدل عنها إلى الحديث الآخر.
وكان إذا صلى عليه تبعه إلى المقابر ماشيا أمامه، وسن للراكب أن يكون وراءها، وإن كان ماشيا يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهَا، إِمَّا خَلْفَهَا، أَوْ أَمَامَهَا، أَوْ عَنْ يَمِينِهَا، أَوْ عَنْ شِمَالِهَا. وَكَانَ يَأْمُرُ بِالْإِسْرَاعِ بِهَا حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيَرْمُلُونَ بها رملا، وكان يمشي إذا تبعها، وَيَقُولُ: «لَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَالْمَلَائِكَةُ يَمْشُونَ» فَإِذَا انصرف فربما ركب.
وكان لا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ، وَقَالَ: «إِذَا تَبِعْتُمُ الْجِنَازَةَ فلا تجلسوا حتى توضع»
ولم يكن من هديه الصلاة على كل ميت غائب، «وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ صَلَاتَهُ على الميت» ، وتركه سنة، كما أن فعله سنه، فإن كان الغائب مَاتَ بِبَلَدٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِيهِ، صُلِّيَ عليه، فإن النجاشي مات بين الكفار.
«وصح عنه أنه أمر بالقيام للجنازة لما مرت به» ، «وصح عنه أنه قعد» ، فقيل: القيام منسوخ. وقيل: الْأَمْرَانِ جَائِزَانِ، وَفِعْلُهُ بَيَانٌ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَتَرْكُهُ بَيَانٌ للجواز. وهذا أولى.
وكان من هديه أن لا يَدْفِنَ الْمَيِّتَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا عِنْدَ غروبها، ولا حين قيامها.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ اللَّحْدُ، وَتَعْمِيقُ الْقَبْرِ، وَتَوْسِيعُهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ وَرِجْلَيْهِ، وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ»
وَيُذْكَرُ عَنْهُ أنه كان يحثو على الْمَيِّتِ إِذَا دُفِنَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا، وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ، قَامَ عَلَى قَبْرِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَسَأَلَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وأمرهم بذلك.
ولم يكن يجلس يقرأ على القبر ولا يلقن
стр. 39
الميت، ولم يكن من هديه تعلية القبور، ولا بناؤها، ولا تطيينها، ولا بناء القباب عليها، وقد بعث علي بن أبي طالب «أن لا يَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسَهُ. وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلا سواه» (١) فسنت تَسْوِيَةُ هَذِهِ الْقُبُورِ الْمُشْرِفَةِ كُلِّهَا.
وَنَهَى أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُكْتَبَ عليه، وكان يعلم من أراد - أن يعرف قبره بصخرة، ونهى عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَإِيقَادِ السُّرُجِ عَلَيْهَا، ولعن فاعله، (ونهى عن الصلاة إليها، «ونهى أن يتخذ قبره عيدا» (٢) .
وَكَانَ هَدْيُهُ أَنْ لَا تُهَانَ الْقُبُورُ وَتُوطَأَ، ويجلس عَلَيْهَا، وَيُتَّكَأَ عَلَيْهَا، وَلَا تُعَظَّمَ بِحَيْثُ تُتَّخَذُ مساجد وأعيادا وأوثانا.
وكان يزور قبور أصحابه للدعاء لهم، وَالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَهَذِهِ هِيَ الزِّيَارَةُ الَّتِي سَنَّهَا رسول الله ﷺ وأمرهم إذا زاروها أن يقولوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ الله لنا ولكم العافية» (٣) .
وكان يَقُولَ وَيَفْعَلَ عِنْدَ زِيَارَتِهَا مِنْ جِنْسِ مَا يقوله عند الصلاة عليه، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ إِلَّا دُعَاءَ الْمَيِّتِ وَالْإِشْرَاكَ بِهِ، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، والتوجه إليه عكس هَدْيِهِ ﷺ فَإِنَّهُ هَدْيُ توحيد وإحسان إلى الميت.
وكان من هديه تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أن يجتمع ويقرأ له القرآن، لا عند القبر، ولا غيره.
وكان من هديه أَنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ لَا يَتَكَلَّفُونَ الطَّعَامَ لِلنَّاسِ، بَلْ أَمَرَ أَنْ يَصْنَعَ النَّاسُ لَهُمْ طَعَامًا، وكان من هديه تَرْكُ نَعْيِ الْمَيِّتِ، بَلْ كَانَ يَنْهَى عَنْهُ، ويقول: هو من عمل أهل الجاهلية
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في صلاة الخوف]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في صلاة الخوف أباح الله له قَصْرَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَعَدَدِهَا إِذَا اجْتَمَعَ الْخَوْفُ والسفر، وقصر العدد وحده إذا كان سفرا لَا خَوْفَ مَعَهُ، وَقَصْرُ الْأَرْكَانِ وَحْدَهَا إِذَا كان خوفا لا سفر معه، وبهذا تعلم الحكمة في تقييد القصر في الآيات
стр. 40
بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالْخَوْفِ.
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ بَيْنَهُ وبين القبلة أن يصف المسلمين خلفه صفين، فيكبر ويكبرون جميعا، ثم يركعون ويرفعون جميعا، ثم يسجد أول الصف الَّذِي يَلِيهِ خَاصَّةً، وَيَقُومُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ مُوَاجِهَ العدو، فإذا نهض للثانية سجد الصف المؤخر سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامُوا فَتَقَدَّمُوا إِلَى مَكَانِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ مَكَانَهُمْ، لِتَحْصُلَ فَضِيلَةُ الصف الأول للطائفتين، وليدرك الصف الثاني معه السجدتين في الثانية، وهذا غَايَةُ الْعَدْلِ، فَإِذَا رَكَعَ صَنَعَ الطَّائِفَتَانِ كَمَا صَنَعُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ سَجَدَ الصف المؤخر سجدتين، ولحقوه في التشهد، فسلم بِهِمْ جَمِيعًا.
وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جهة القبلة فإنه تَارَةً يَجْعَلُهُمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَفِرْقَةً تُصَلِّي مَعَهُ، فَتُصَلِّي مَعَهُ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ رَكْعَةً، ثُمَّ تَنْصَرِفُ فِي صَلَاتِهَا إِلَى مَكَانِ الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى، وَتَجِيءُ الْأُخْرَى إِلَى مَكَانِ هَذِهِ، فَتُصَلِّي معه الركعة الثانية، ثم يسلم، وتقف كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وتارة يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَتَقْضِي هِيَ رَكْعَةً وَهُوَ وَاقِفٌ، وَتُسَلِّمُ قَبْلَ رُكُوعِهِ، وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَتُصَلِّي مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ، قَامَتْ، فَقَضَتْ رَكْعَةً وَهُوَ يَنْتَظِرُهَا فِي التَّشَهُّدِ، فَإِذَا تشهدت، سلم بِهِمْ.
وَتَارَةً كَانَ يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ويسلم بهم ; وتأتي الأخرى فيصل بهم ركعتين ويسلم بهم، وَتَارَةً كَانَ يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، ثُمَّ يذهب وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، وَتَجِيءُ الْأُخْرَى، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، فَيَكُونُ لَهُ رَكْعَتَانِ، وَلَهُمْ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ كُلُّهَا تَجُوزُ الصلاة بها.
قال أحمد: سِتَّةُ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٌ تُرْوَى فِيهَا كُلُّهَا جائزة. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَوَّزَ أَنْ تُصَلِّيَ كُلُّ طائفة معه ركعة، ولا تقضي شيئا، وهذا مذهب جابر، وابن عباس وطاوس ومجاهد والحسن وقتادة، والحكم، وإسحاق.
وقد روي فيها صفات أخر ترجع كلها إلى هذه، وقد ذكرها بعضهم عشرا، وذكرها ابن حزم نحو خمسة عشر صفة، والصحيح ما ذكرنا، وَهَؤُلَاءِ كُلَّمَا رَأَوُا اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي قِصَّةٍ، جَعَلُوا ذَلِكَ وُجُوهًا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 41
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الزكاة]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في الزكاة كان هديه ﷺ أَكْمَلُ هَدْيٍ فِي وَقْتِهَا وَقَدْرِهَا وَنِصَابِهَا، وَمَنْ تجب عليه، ومصرفها، قد رَاعَى فِيهَا مَصْلَحَةَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَمَصْلَحَةَ الْمَسَاكِينِ، وَجَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلْمَالِ وَلِصَاحِبِهِ، وَقَيَّدَ النِّعْمَةَ بِهَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَمَا زَالَتِ النعمة بالمال عن مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ، بَلْ يَحْفَظُهُ عَلَيْهِ وَيُنَمِّيهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ جَعَلَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ المال وهي أكثر الأموال دورا بين الخلق، وحاجتهم إليها ضرورية. الأول: الزرع والثمار. والثاني: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ، الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ. الثَّالِثُ: الْجَوْهَرَانِ اللَّذَانِ بِهِمَا قِوَامُ الْعَالَمِ، وَهُمَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ. الرَّابِعُ: أَمْوَالُ التِّجَارَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا. ثُمَّ إنه أوجبها في كل عام، وجعل حول الثمار والزرع عند كمالهما واستوائهما، وَهَذَا أَعْدَلُ مَا يَكُونُ، إِذْ وُجُوبُهَا كُلَّ شهر أو جمعة مما يُضِرُّ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَوُجُوبُهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً مما يضر بالمساكين.
ثُمَّ إِنَّهُ فَاوَتَ بَيْنَ مَقَادِيرِ الْوَاجِبِ بِحَسَبِ السعي في التحصيل، فَأَوْجَبَ الْخُمُسَ فِيمَا صَادَفَهُ الْإِنْسَانُ مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا وهو الركاز، ولم يعتبر له حولا، وأوجب نصفه وهو العشر فيما كان مشقة تحصيله فَوْقَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي يباشر حرثها، ويتولى الله سقيها بلا كلفة من العبد، وأوجب نصف العشر فيما يتولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح ونحوهما، وَأَوْجَبَ نِصْفَ ذَلِكَ وَهُوَ رُبُعُ الْعُشْرِ فِيمَا كَانَ النَّمَاءُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَلٍ مُتَّصِلٍ من رب المال، متتابع بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ تَارَةً، وَبِالْإِدَارَةِ تَارَةً، وَبِالتَّرَبُّصِ تارة ثم إنه لما كان لا يحتمل كل مال المواساة، جَعَلَ لِلْمَالِ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ الْمُوَاسَاةُ نُصُبًا مُقَدَّرَةً الْمُوَاسَاةُ فِيهَا، لَا تُجْحِفُ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَتَقَعُ مَوْقِعَهَا مِنَ الْمَسَاكِينِ، فَجَعَلَ لِلْوَرِقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلِلذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَلِلْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ مِنْ أَحْمَالِ إِبِلِ الْعَرَبِ، وللغنم أربعين شاة، وللبقر ثلاثين، وللإبل خمسة، لَكِنْ لَمَّا كَانَ نِصَابُهَا لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ من جنسه، أوجب فيه شَاةً.
فَإِذَا تَكَرَّرَتِ الْخَمْسُ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَصَارَتْ خمسا وعشرين، احتمل نصابها
стр. 42
واحدا منها، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ سِنَّ هَذَا الْوَاجِبِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْإِبِلِ وَقِلَّتِهَا مِنَ ابْنِ مَخَاضٍ وَبِنْتِ مَخَاضٍ، وَفَوْقَهُ ابْنُ لَبُونٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ، وَفَوْقَهُ الْحِقُّ وَالْحِقَّةُ، وَفَوْقَهُ الْجَذَعُ وَالْجَذَعَةُ، وَكُلَّمَا كَثُرَتِ الْإِبِلُ زَادَ السِّنُّ إِلَى أَنْ يَصِلَ السِّنُّ إِلَى مُنْتَهَاهُ، فَحِينَئِذٍ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادات عَدَدِ الْمَالِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ جَعَلَ فِي الْأَمْوَالِ قَدْرًا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، وَلَا يُجْحِفُ بِهَا، ويكفي المساكين، فوقع الظلم من الطائفتين ; الغني بمنعه ما أوجب عليه، والآخذ بأخذه مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَتَوَلَّدَ مِنْ بَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ ضرر عظيم على المساكين.
والله سبحانه تولى قسمة الصَّدَقَةِ بِنَفْسِهِ، وَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ يَجْمَعُهَا صِنْفَانِ.
أَحَدُهُمَا: مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَةٍ، فَيَأْخُذُ بِحَسَبِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ وَضَعْفِهَا، وَكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وفي الرقاب، وابن السبيل. الثاني: مَنْ يَأْخُذُ لِمَنْفَعَتِهِ وَهُمُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَالْغَارِمُونَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْآخِذُ مُحْتَاجًا، ولا منفعة فيه لِلْمُسْلِمِينَ ; فَلَا سَهْمَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ.
[فَصْلٌ في من يعطى الصدقة]
فصل وكان إذا علم من الرجل أنه من أهلها أعطاه، وإن سأله منها من لا يَعْرِفْ حَالَهُ أَعْطَاهُ بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ.
وكان من هديه تفريقها على المستحقين فِي بَلَدِ الْمَالِ، وَمَا فَضَلَ عَنْهُمْ مِنْهَا حمل إليه ففرقه، وكذلك كَانَ يَبْعَثُ سُعَاتَهُ إِلَى الْبَوَادِي، وَلَمْ يَكُنْ يبعثهم إلى القرى، بل أمر معاذا أن يأخذها من أهل اليمن ويعطيها فقراءهم.
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَنْ يَبْعَثَ سُعَاتَهُ إِلَّا إِلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ مِنَ الْمَوَاشِي والزرع والثمار، وكان يبعث الخارص يخرص على أهل النخل تمر نخيلهم، وعلى أهل الكروم كرومهم، وَيَنْظُرُ كَمْ يَجِيءُ مِنْهُ وَسْقًا، فَيَحْسِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ بِقَدْرِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ الْخَارِصَ أَنْ يَدَعَ لَهُمُ الثُّلُثَ أَوِ الرُّبُعَ، فَلَا يَخْرُصُهُ لِمَا يَعْرُو النَّخِيلَ مِنَ النَّوَائِبِ.
وَكَانَ هَذَا الْخَرْصُ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثمار، وتفرق، وَلِيَتَصَرَّفَ فِيهَا أَرْبَابُهَا بِمَا شَاءُوا، وَيَضْمَنُوا قَدْرَ الزكاة.
ولم يكن من هديه أخذها من الخيل، ولا الرقيق، وَلَا الْبِغَالِ، وَلَا الْحَمِيرِ، وَلَا الْخَضْرَاوَاتِ، وَلَا المباطخ، ولا المقاثي والفواكه التي
стр. 43
لا تكال، ولا تدخر، إلا العنب الرطب، فلم يفرق بين رطبه ويابسه، وكان إذا جاء الرَّجُلُ بِالزَّكَاةِ دَعَا لَهُ، فَتَارَةً يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَفِي إِبِلِهِ» وَتَارَةً يَقُولُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ»
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَخْذُ كرائم الأموال بل وسطه، وكان يَنْهَى الْمُتَصَدِّقَ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ، وَكَانَ يُبِيحُ للغني أن يأكل منها إذا أهداها إليه الفقير، وَكَانَ أَحْيَانًا يَسْتَدِينُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّدَقَةِ، وكان يسم إبل الصدقة بيده، وإذا عَرَاهُ أَمْرٌ، اسْتَسْلَفَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَرْبَابِهَا، كَمَا استسلف من العباس صَدَقَةَ عَامَيْنِ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في زكاة الفطر]
وفرض زكاة الفطر عليه وعلى من يمونه من صغير وكبير صاعا من تمر أو شعير أو أقط أو زبيب، وروي عنه: «صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ» وَرُوِيَ عَنْهُ: «نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ» مَكَانَ الصَّاعِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، ذَكَرَهُ أبو داود، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ معاوية هو الذي قوم ذلك.
وكان من هديه إخراجها قبل صلاة العيد، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصلاة» .
وفي " السنن " عنه: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصدقات» وَمُقْتَضَى هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَأَنَّهَا تَفُوتُ بِالْفَرَاغِ مِنَ الصلاة، وهذا هو الصواب، وَنَظِيرُهُ تَرْتِيبُ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَا على وقتها، وأن من ذبح قبلها، فهي شاة لحم.
وكان من هديه تخصيص المساكين بها، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا مَنْ بعدهم.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في صدقة التطوع]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ كَانَ أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، ولا يستكثر شيئا أعطاه لله، ولا يستقله، وكان لا يسأل أَحَدٌ شَيْئًا عِنْدَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أو كثيرا، وَكَانَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ بِمَا يُعْطِيهِ أَعْظَمَ مِنْ سرور الآخذ بما أخذه، وَكَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ مُحْتَاجٌ، آثَرَهُ عَلَى نفسه، تارة بطعامه، وتارة بلباسه.
وكان يتنوع في أصناف إعطائه وصدقته، فتارة بالهدية، وتارة بالصدقة، وتارة بالهبة، وتارة بشراء الشيء، ثم يعطي البائع السلعة والثمن، وتارة يقترض
стр. 44
الشيء، فيرد أكثر منه، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها بأكثر منها، تلطفا وتنوعا في ضروب الإحسان بكل ممكن، وكان إحسانه بِمَا يَمْلِكُهُ وَبِحَالِهِ وَبِقَوْلِهِ، فَيُخْرِجُ مَا عِنْدَهُ، ويأمر بالصدقة، ويحض عليها، فإذا رآه البخيل، دعاه حاله إلى البذل.
وكان من خالطه لا يملك نفسه عن السماحة، ولذلك كان أشرح الخلق صدرا، وأطيبهم نفسا، فإن للصدقة والمعروف تأثرا عجيبا في شرح الصدر، فانضاف ذَلِكَ إِلَى مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ شرح صدره بالرسالة وَخَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا، وَشَرْحِ صَدْرِهِ حِسًّا، وَإِخْرَاجِ حَظِّ الشيطان منه.
وأعظم أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ التَّوْحِيدُ، وَعَلَى حَسَبِ كَمَالِهِ وَقُوَّتِهِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ انْشِرَاحُ صَدْرِ صَاحِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] (١) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] (٢) .
ومنها النور الذي يقذفه الله في القلب، وهو نور الإيمان، وفي الترمذي مرفوعا «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» الحديث.
ومنها العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسعه، وليس هذا لكل علم، بل للموروث عن الرسول ﷺ .
ومنها الإنابة إلى الله، ومحبته بكل القلب، والمحبة تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، وَطِيبِ النَّفْسِ، وكلما كانت المحبة أقوى، كان الصدر أشرح، ولا يضيق إلا عند روية البطالين.
ومنها دوام الذكر، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر.
وَمِنْهَا الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ، وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ، وَالنَّفْعِ بِالْبَدَنِ، وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ.
ومنها الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر.
وأما سرور الروح ولذتها، فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ جَبَانٍ، كَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ بَخِيلٍ، وَعَلَى كُلِّ مُعْرِضٍ عَنِ الله، غافل عن ذكره، جاهل به وبدينه، متعلق القلب بغيره، وَلَا عِبْرَةَ بِانْشِرَاحِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، وَلَا بِضِيقِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضٍ، فَإِنَّ الْعَوَارِضَ تَزُولُ بِزَوَالِ أَسْبَابِهَا، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَامَتْ بِالْقَلْبِ تُوجِبُ انْشِرَاحَهُ وَحَبْسَهُ، فَهِيَ الْمِيزَانُ.
ومنها بل من أعظمها
стр. 45
إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة، ومنه ترك فضول النظر والكلام، والاستماع والخلطة، والأكل والنوم.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الصيام]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الصِّيَامِ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ حبس النفس عن الشهوات، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو بِهِ مِمَّا فِيهِ حَيَاتُهَا الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضييق مَجَارِي الشَّيْطَانِ مِنَ الْعَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجَارِي الطَّعَامِ والشراب، فَهُوَ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ، وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ المقربين، وهو لرب العالمين من بين الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ الصَّائِمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يترك شهوته، فهو ترك المحبوبات لمحبة الله، وهو سر بين العبد وربه، إذ العباد قد يطلعون عَلَى تَرْكِ الْمُفْطِرَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ تَرَكَ ذلك، لأجل معبوده، فأمر لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ، وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ.
وله تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، وَالْقُوَى الباطنة عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، وَاسْتِفْرَاغِ الْمَوَادِّ الرَّدِيئَةِ الْمَانِعَةِ لَهَا مِنْ صِحَّتِهَا، فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى، كَمَا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] (١) .
وأمر ﷺ من اشتدت شهوته للنكاح، وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، وَجَعَلَهُ وِجَاءَ هذه الشهوة (٢) .
وكان هديه ﷺ فيه أكمل هدي، وأعظمه تحصيلا لِلْمَقْصُودِ، وَأَسْهَلَهُ عَلَى النُّفُوسِ، وَلَمَّا كَانَ فَطْمُ النفوس عن شهواتها ومألوفاتها من أشق الأمور، تأخر فرضه إلى ما بعد الهجرة، وَفُرِضَ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أن يطعم كل يوم مسكينا، ثم حتم الصَّوْمِ، وَجُعِلَ الْإِطْعَامُ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ إِذَا لم يطيقا، ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا، ويقضيا، والحامل والمرضع إذا خافتا على
стр. 46
أنفسهما كذلك، وإن خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا زَادَتَا مَعَ الْقَضَاءِ إِطْعَامَ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ، فَإِنَّ فِطْرَهُمَا لَمْ يَكُنْ لِخَوْفِ مَرَضٍ، وَإِنَّمَا كَانَ مَعَ الصِّحَّةِ، فَجُبِرَ بإطعام مسكين، كفطر الصحيح في أول الإسلام.
وكان مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فِي شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادة، وكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان يُكْثِرُ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، والصلاة، والذكر، والاعتكاف. وكان يخصه من العبادات بما لا يخص به غيره، حتى أنه لَيُوَاصِلُ فِيهِ أَحْيَانًا لِيُوَفِّرَ سَاعَاتِ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ.
وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْوِصَالِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ فَيَقُولُ: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» نهى عنه رحمة للأمة، وأذن فيه إلى السحر.
فصل وكان من هديه أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إِلَّا برؤية محققة، أو بشهادة شاهد، فإن لم يكن رُؤْيَةٌ وَلَا شَهَادَةٌ، أَكْمَلَ عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، وَكَانَ إِذَا حَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ دُونَ مَنْظَرِهِ سحاب أكمل شعبان ثلاثين، وَلَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الْإِغْمَامِ، وَلَا أَمَرَ به، بل أمر بإكمال عدة شعبان وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فاقدروا له» فإن القدر: هو الحساب المقدور، والمراد به الإكمال.
وكان من هديه الخروج منه بشهادة اثنين، وإذا شهد شاهدان برؤيته بعد خروج وقت العيد، أفطر، وأمرهم بالفطر، وصلى الْعِيدَ مِنَ الْغَدِ فِي وَقْتِهَا.
وَكَانَ يُعَجِّلُ الفطر، ويحث عليه، ويتسحر ويحث عليه ويؤخره ويرغب في تأخيره، وكان يحض على الفطر على التمر، فإن لم يجده، فعلى الماء.
وَنَهَى الصَّائِمَ عَنِ الرَّفَثِ وَالصَّخَبِ وَالسِّبَابِ، وَجَوَابِ السباب، وأمره أن يقول لمن سابه: إني صائم (١) .
وسافر في رمضان، فصام، وأفطر، وخير أصحابه بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالْفِطْرِ إِذَا دَنَوْا من العدو، ولم يكن من هديه تَقْدِيرُ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الصَّائِمُ بِحَدٍّ،
стр. 47
وَكَانَ الصَّحَابَةُ حِينَ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ يُفْطِرُونَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ، وَيُخْبِرُونَ أَنَّ ذَلِكَ هديه وسنته ﷺ .
«وكان يُدْرِكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَيَغْتَسِلُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيَصُومُ» ، «وَكَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ» ، وَشَبَّهَ قُبْلَةَ الصَّائِمِ بالمضمضة بالماء، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ ﷺ التفريق بين الشاب والشيخ.
وكان من هديه إسقاط القضاء عمن أكل أو شرب ناسيا، وأن الله هو الذي أطعمه وسقاه، والذي صح عنه تفطير الصائم به: هو الأكل والشرب، والحجامة والقيء، والقرآن دل على الجماع، ولم يَصِحُّ عَنْهُ فِي الْكُحْلِ شَيْءٌ.
وَصَحَّ عَنْهُ أنه يستاك وهو صائم، وذكر أحمد عنه «أنه كان يصب على رأسه الماء وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَهُوَ صَائِمٌ، ومنع الصائم من المبالغة في الاستنشاق» ، «ولم يصح عنه أنه احتجم وهو صائم.
» قال أحمد: وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْإِثْمِدِ: لِيَتَّقِهِ الصائم ولا يصح، قال ابن معين حديث منكر.
فصل وكان يَصُومُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يُفْطِرُ. وَيُفْطِرُ حَتَّى يُقَالَ: لَا يَصُومُ. وَمَا اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ غَيْرَ رَمَضَانَ، وَمَا كَانَ يَصُومُ فِي شَهْرٍ أكثر مما كان يَصُومُ فِي شَعْبَانَ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ عَنْهُ شهر حتى يصوم منه، وكان يتحرى صيام الاثنين والخميس (١) .
وقال ابن عباس: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ فِي حضر ولا سفر.» ذكره النسائي (٢) . وكان يحض على صيامها.
وَأَمَّا صِيَامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ عنه فيه، وَأَمَّا صِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، فَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «صِيَامُهَا مَعَ رَمَضَانَ يَعْدِلُ صيام الدهر» وأما يَوْمِ عَاشُورَاءَ، «فَإِنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ تَصُومُهُ وَتُعَظِّمُهُ، فَقَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ: مَنْ شَاءَ صَامَهُ ومن شاء تركه»
وكان من هديه إفطار يوم عرفة بعرفة ثبت
стр. 48
عَنْهُ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ» رَوَاهُ أَهْلُ " السُّنَنِ " وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّ صِيَامَهُ يُكَفِّرُ السنة الماضية والباقية ذكره مسلم ولم يكن من هديه صيام الدَّهْرِ، بَلْ قَدْ قَالَ: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ لا صام ولا أفطر.
» «وكان يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ فَإِنْ قَالُوا: لَا قَالَ: إِنِّي إِذًا صَائِمٌ» وَكَانَ أَحْيَانًا يَنْوِي صَوْمَ التَّطَوُّعِ، ثُمَّ يُفْطِرُ.
وأما حديث عائشة أنه قال لها ولحفصة اقضيا يوما مكانه فهو حديث معلول، وكان إذا نزل على قوم وهو صائم أتم صيامه، كما فعل لما دخل على أم سليم ولكن أم سليم عنده بمنزلة أهل بيته.
وفي الصحيح عنه أنه قال: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ، فليقل: إني صائم وكان من هديه كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم» .
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الِاعْتِكَافِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الِاعْتِكَافِ لَمَّا كَانَ صَلَاحُ القلب، واستقامته في طريق ومسيره إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مُتَوَقِّفًا عَلَى جَمْعِيِّتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلَمِّ شَعَثِهِ بِإِقْبَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ شَعَثَ الْقَلْبِ لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ على الله، وكانت فضول الشراب والطعام، وفضول مخالطة الأنام، وفضول المنام، وفضول الكلام مِمَّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتِّتُهُ فِي كُلِّ وَادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، ويضعفه، أو يعوقه ويوقفه، اقتضت حكمة الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الصَّوْمِ مَا يُذْهِبُ فُضُولَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَسْتَفْرِغُ مِنَ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ الشَّهَوَاتِ الْمُعَوِّقَةِ لَهُ عَنْ سيره إلى الله، وَشَرْعِهِ بِقَدْرِ الْمَصْلَحَةِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهِ الْعَبْدُ في دنياه وأخراه، ولا يضره، وَشَرَعَ لَهُمُ الِاعْتِكَافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ القلب على الله، والانقطاع عن الخلق، والاشتغال به وحده، فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاللَّهِ بَدَلًا عَنْ أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ، فَيَعُدُّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ فِي القبر.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَقْصُودُ إِنَّمَا يَتِمُّ مَعَ الصَّوْمِ، شُرِعَ الِاعْتِكَافُ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الصَّوْمِ وهو العشر الأخير من رمضان، وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الِاعْتِكَافَ إِلَّا مَعَ الصَّوْمِ، وَلَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلا مع الصوم.
وَأَمَّا الْكَلَامُ، فَإِنَّهُ شُرِعَ
стр. 49
لِلْأُمَّةِ حَبْسُ اللِّسَانِ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فُضُولُ الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لَهُمْ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا هُوَ مِنْ أَفْضَلِ السَّهَرِ وَأَحْمَدِهِ عَاقِبَةً، وَهُوَ السَّهَرُ الْمُتَوَسِّطُ الَّذِي يَنْفَعُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ، وَلَا يَعُوقُ العبد عن مصلحته، وَمَدَارُ رِيَاضَةِ أَرْبَابِ الرِّيَاضَاتِ وَالسُّلُوكِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَسْعَدُهُمْ بِهَا مَنْ سَلَكَ فِيهَا المنهاج المحمدي، فلم يَنْحَرِفِ انْحِرَافَ الْغَالِينَ، وَلَا قَصَّرَ تَقْصِيرَ الْمُفَرِّطِينَ، وقد ذكرنا هديه فِي صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ وَكَلَامِهِ، فَلْنَذْكُرْ هَدْيَهُ فِي اعْتِكَافِهِ.
«كَانَ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ» (١) حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، وَتَرَكَهُ مَرَّةً فَقَضَاهُ فِي شَوَّالٍ، وَاعْتَكَفَ مَرَّةً فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الْأَوْسَطِ، ثم العشر الأواخر يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا في العشر الأواخر، فداوم على الاعتكاف حَتَّى لَحِقَ بِرَبِّهِ ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِخِبَاءٍ، فَيُضْرَبُ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ يَخْلُو فِيهِ لربه ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الِاعْتِكَافَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَهُ، فَأَمَرَ بِهِ مَرَّةً، فَضُرِبَ له، فَأَمَرَ أَزْوَاجُهُ بِأَخْبِيَتِهِنَّ فَضُرِبَتْ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ، نظر فرأى تلك الأخبية، فأمر بخبائه ففوض، وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ سنة عشرة أيام، «فلما كان الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا» (٢) وَكَانَ يُعَارِضُهُ جِبْرِيلُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ عَارَضَهُ بِهِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ أَيْضًا فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ تِلْكَ السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ إِذَا اعْتَكَفَ دَخَلَ قُبَّتَهُ وَحْدَهُ، وَكَانَ لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان، ويخرج رأسه إلى بيت عائشة فترجله وهي حائض، وكان بَعْضُ أَزْوَاجِهِ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَإِذَا قَامَتْ تَذْهَبُ، قَامَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، ولم يكن يُبَاشِرِ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ لَا بِقُبْلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَكَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ له فراشه وسريره فِي مُعْتَكَفِهِ.
وَكَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، مَرَّ بالمريض وهو في طريقه، فلا يعرج عليه إلا أن يَسْأَلْ عَنْهُ، وَاعْتَكَفَ مَرَّةً فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، وجعل على سدتها حصيرا، كل هذا تحصيل لمقصود
стр. 50
الاعتكاف عَكْسُ مَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّالُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمُعْتَكَفِ موضع عشرة، ومجلبة للزائرين، فهذا لون، والاعتكاف المحمدي لون.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في حجه وعمرته]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في حجه وعمرته اعْتَمَرَ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنُّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
الْأُولَى: عمرة الحديبية سَنَةَ سِتٍّ، فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ وحلق حيث صد هو وأصحابه وحلوا. الثانية: عمرة القضية في العام المقبل دخلها، فأقام بها ثلاثا، ثم خرج. الثالثة: عمرته التي قرنها مع حجته. الرابعة: عمرته من الجعرانة، وَلَمْ يَكُنْ فِي عُمَرِهِ عُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ خَارِجًا من مكة، كما يفعله كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُمَرُهُ كُلُّهَا دَاخِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ أَقَامَ بَعْدَ الوحي بمكة ثلاث عشر سَنَةً لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ اعْتَمَرَ خَارِجًا من مكة، ولم يفعله أحد على عهده قط إلا عائشة، لأنها أهلت بالعمرة، فحاضت فأمرها فقرنت، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحبها بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّيْنِ، فَإِنَّهُنَّ كُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ، وَلَمْ يَحِضْنَ، وَلَمْ يَقْرِنَّ، وَتَرْجِعُ هِيَ بِعُمْرَةٍ فِي ضِمْنِ حَجَّتِهَا، فَأَمَرَ أَخَاهَا أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنَ التنعيم تطييبا لقلبها، وكانت عمره كلها في أشهر الحج مخالفا لهدي المشركين فإنهم يكرهون العمرة فيها، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي رَجَبٍ بِلَا شَكٍّ، وأما في رمضان، فموضع نظر، وقد صح عنه «أن عمرة في رمضان تعدل حجة» (١) وقد يقال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْتَغِلُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ بِمَا هُوَ أهم من العمرة مَعَ مَا فِي تَرْكِ ذَلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لأمته، فإنه لو فعل لبادرت الأمة إلى ذلك، فكان يشق عليها الجمع بين العمرة والصوم، وكان يَتْرُكُ كَثِيرًا مِنَ الْعَمَلِ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يعمله خشية المشقة عليهم. ولم يحفظ عنه أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ ﷺ لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة سنة عشر، ولما نزل فرض الحج، بادر إليه رسول
стр. 51
اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ تأخير، فإن فرضه تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (١) فإنها وإن نزلت سنة ست، فليس فيها فريضة الْحَجِّ وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ وَإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ، بعد الشروع فيهما.
ولما عزم ﷺ عَلَى الْحَجِّ أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ حَاجٌّ، فَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ مَعَهُ، وَسَمِعَ بذلك مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَقَدِمُوا يُرِيدُونَ الْحَجَّ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَوَافَاهُ في الطريق خلائق لا يحصون، وكانوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مَدَّ الْبَصَرِ، وَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ نَهَارًا بَعْدَ الظُّهْرِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ بِهَا أَرْبَعًا، وَخَطَبَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ خُطْبَةً عَلَّمَهُمْ فِيهَا الْإِحْرَامَ، وواجباته وسننه، فصلى الظهر، ثُمَّ تَرَجَّلَ، وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، وَخَرَجَ فَنَزَلَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ.
[فصل في إحرامه]
فصل ثُمَّ بَاتَ بِهَا، وَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، والصبح والظهر، وَكَانَ نِسَاؤُهُ كُلُّهُنَّ مَعَهُ، وَطَافَ عَلَيْهِنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أَرَادَ الْإِحْرَامَ، اغْتَسَلَ غُسْلًا ثَانِيًا لإحرامه، ثُمَّ طَيَّبَتْهُ عائشة بِيَدِهَا بِذَرِيرَةٍ وَطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ فِي بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ حَتَّى كَانَ وَبِيصُ الْمِسْكِ يُرَى فِي مَفَارِقِهِ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ اسْتَدَامَهُ، ولم يغسله، ثم لبس إزاره ورداؤه، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ والعمرة في مصلاه. ولم ينقل أنه صلى للإحرام ركعتين.
وَقَلَّدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بُدُنَهُ نَعْلَيْنِ، وَأَشْعَرَهَا فِي جَانِبِهَا الْأَيْمَنِ، فَشَقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا، وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ أَحْرَمَ قَارِنًا. لِبَضْعَةٍ وعشرين حديثا صريحة صحيحة في ذلك، وَلَبَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ بالغسل وهو بالمعجمة: وَهُوَ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيِّ وَنَحْوِهِ يُلَبَّدُ بِهِ الشَّعْرُ حَتَّى لَا يَنْتَشِرَ، وأهل في مصلاه، ثم ركب ناقته، فأهل أيضا ثم أهل أيضا لما استقلت به على الْبَيْدَاءِ، وَكَانَ يُهِلُّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ تَارَةً، وَبِالْحَجِّ تَارَةً، لِأَنَّ الْعُمْرَةَ جُزْءٌ مِنْهُ، فَمِنْ ثَمَّ قيل: قرن. وقيل: تمتع. وقيل: أفرد. وقول ابن حزم إن
стр. 52
ذلك قبل الظهر بيسير. وَهْمٌ مِنْهُ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَهَلَّ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ: إِنَّ إِحْرَامَهُ كان قبل الظهر. فلا أدري من أين له هذا.
ثُمَّ لَبَّى، فَقَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِهَذِهِ التَّلْبِيَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَصْحَابُهُ، وَأَمَرَهُمْ بِأَمْرِ الله له أن يرفعوا أصواتهم بها وكان حجه على رحل لا محمل وَزَامِلَتُهُ تَحْتَهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ رُكُوبِ المحرم في المحمل والعمارية ونحوهما.
وخيرهم ﷺ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بَيْنَ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ عِنْدَ دُنُوِّهِمْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى فَسْخِ الْحَجِّ وَالْقِرَانِ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، ثُمَّ حَتَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْمَرْوَةِ.
وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأمرها أن تغتسل، وتستثفر بثوب وتحرم وتهل.
ففية جواز غسل المحرم، وأن الحائض تغتسل، وأن الْإِحْرَامَ يَصِحُّ مِنَ الْحَائِضِ.
ثُمَّ سَارَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسم وَهُوَ يُلَبِّي بِتَلْبِيَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَالنَّاسُ مَعَهُ يَزِيدُونَ فيها وينقصون، وهو يقرهم.
فلما كان بالروحاء، رأى حمار وحش عقيرا قال: «دَعُوهُ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ فَجَاءَ صاحبه، فقال: شأنكم به فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق،» ففيه جواز أكل المحرم صيد الحلال إذا لم يصد لأجله، ويدل على أن الصيد يملك بالإثبات.
ثم مضى حتى إذا كان بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ فِيهِ سَهْمٌ، فَأَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقِفَ عنده لا يريبه أحد، والفرق بينه وبين الحمار أنه لم يعلم أن الذي صاده حلال.
ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِالْعَرْجِ، وَكَانَتْ زاملته وزاملة أبي بكر واحدة مع غلام لأبي بكر، فطلع الغلام وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ قال: أضللته البارحة. فقال أبو بكر: بعيرا واحدا وتضله! فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يبتسم، وَيَقُولُ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ»
- ٩١ - ثم مضى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْأَبْوَاءِ، أَهْدَى لَهُ الصعب بن جثامة عجز حمار وحش، فرده، وقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» فَلَمَّا مَرَّ بِوَادِي عُسْفَانَ قَالَ: «يَا أبا بكر أَيَّ وَادٍ هَذَا؟ قَالَ: وَادِي عُسْفَانَ. قَالَ: لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وَصَالِحٌ عَلَى بكرين أحمرين خطمهما الليف، وأزرهما العباء، وأرديتهما النمار يلبون يحجون البيت العتيق» ذكره
стр. 53
أحمد.
فلما كان بسرف حاضت عائشة وقال لأصحابه بسرف: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا» وَهَذِهِ رُتْبَةٌ أُخْرَى فَوْقَ رُتْبَةِ التَّخْيِيرِ عِنْدَ الْمِيقَاتِ، فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ، أَمَرَ أَمْرًا حَتْمًا مَنْ لَا هَدْيَ مَعَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَيَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَلَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ شَيْءٌ الْبَتَّةَ، بَلْ «سَأَلَهُ سراقة بن مالك عَنْ هَذِهِ الْعُمْرَةِ الَّتِي أَمَرَهُمْ بِالْفَسْخِ إِلَيْهَا: هَلْ هِيَ لِعَامِهِمْ ذَلِكَ أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَقَالَ بل للأبد» قال: ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أن نزل بذي طوى وهي المعروفة بِآبَارِ الزَّاهِرِ، فَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ مِنْ يَوْمِهِ، وَنَهَضَ إِلَى مَكَّةَ، فَدَخَلَهَا نَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي تُشْرِفُ عَلَى الْحَجُونِ، وَكَانَ فِي الْعُمْرَةِ يدخلها مِنْ أَسْفَلِهَا، ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وذلك ضحى.
وذكر الطبري أنه دخل من باب بني عبد مناف الذي يسمى باب بني شيبة، وذكر أَحْمَدُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ مَكَانًا مِنْ دار يعلى استقبل البيت، ودعا، وذكر الطبري أَنَّهُ كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ قَالَ: «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً»
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيُكَبِّرُ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا، وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وبرا» وهو مرسل.
فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، عَمَدَ إِلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ يَرْكَعْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الطواف، فلما حاذى الحجر، اسْتَلَمَهُ، وَلَمْ يُزَاحِمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَنْهُ إِلَى جِهَةِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ: نَوَيْتُ بِطَوَافِي هَذَا الْأُسْبُوعَ كَذَا وكذا. ولا افتتحه بالتكبير، ولا حاذى الحجر بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ عَنْهُ وَجَعَلَهُ عَلَى شقه الأيمن، بل استقبله واستلمه، ثم أخذ على يمينه، ولم يدع عند الباب، وَلَا تَحْتَ الْمِيزَابِ، وَلَا عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وأركانها، ولا وقت للطواف ذكرا معينة، بَلْ حُفِظَ عَنْهُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]
ورمل فيطوافه هذه الثلاثة الأشواط، وقارب بين خطاه، واضطبع بردائه، فجعله على أحد كتفيه، وأبدى
стр. 54
كتفه الآخر وَمَنْكِبَهُ، وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَشَارَ إِلَيْهِ، واستلمه بمحجنه وقبل المحجن، وهو عصا محنية الرأس.
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ استلم الركن اليماني، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَبَّلَهُ، وَلَا قَبَّلَ يَدَهُ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ، وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبَّلَهَا، وَثَبَتَ عنه أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات وذكر الطبراني بإسناد جيد أنه إذا استلم الركن قال: «بسم الله والله أكبر» وكلما أَتَى عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ» وَلَمْ يَسْتَلِمْ ﷺ ، وَلَمْ يمس من الأركان إلا اليمانيين فقط.
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ جَاءَ إِلَى خَلْفِ الْمَقَامِ، فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] (١) فركع رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَرَأَ فِيهِمَا بعد الفاتحة بـ " سورتي الإخلاص " وقراءته الآية بيان منه المراد منها لله بفعله، فلما فرغ من صلاته أقبل على الحجر، فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الذي يقابله، فلما دني مِنْهُ قَرَأَ « ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به» وللنسائي: «ابدءوا» على الْأَمْرِ.
ثُمَّ رَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ يَمْشِي فَلَمَّا انْصَبَّتْ قدماه سَعَى حَتَّى إِذَا جَاوَزَ الْوَادِيَ وَأَصْعَدَ، مَشَى، وذلك قبل الميلين الأخضرين في أول المسعى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَادِيَ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ وَضْعِهِ.
فكان ﷺ إذا وصل الْمَرْوَةِ رَقِيَ عَلَيْهَا ; وَاسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ وَوَحَّدَهُ، وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، فَلَمَّا أَكْمَلَ سَعْيَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، أَمَرَ كُلَّ مَنْ لا هدي معه أن يحل حتما، وأمرهم أن يحلوا الحل كله، وَأَنْ يَبْقَوْا كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَلَمْ يحل مِنْ أَجْلِ هَدْيِهِ، وَهُنَاكَ قَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، ولجعلتها عمرة» وَهُنَاكَ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ثَلَاثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.
وأما نساؤه فَأَحْلَلْنَ، وَكُنَّ قَارِنَاتٍ إِلَّا عائشة، فَإِنَّهَا لَمْ تحل من أجل تعذر الحل بالحيض، وأمر من أهل كإهلاله أن يقيم على
غير ممنوع من الماء والسدر. السَّابِعُ: أَنَّ الْكَفَنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ وَعَلَى الدين، لأنه ﷺ أَمَرَ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ وَارِثِهِ وَلَا عن دين عليه. الثَّامِنُ: جَوَازُ الِاقْتِصَارِ فِي الْكَفَنِ عَلَى ثَوْبَيْنِ. التاسع: أن المحرم ممنوع من الطيب. الْعَاشِرُ: أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ. الْحَادِيَ عَشَرَ: مَنْعُ الْمُحْرِمِ مِنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ وبإباحته قال ستة من الصحابة، واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء، وأجابوا عن قوله: «لا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ» بِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ. الثاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت. فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَحْكَمَ غُرُوبُهَا بِحَيْثُ ذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ، أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ، وَأَفَاضَ بِالسَّكِينَةِ وَضَمَّ إِلَيْهِ زِمَامَ ناقته حتى إن رأسها ليضرب طرف رجليه، وهو يقول: «أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع» أي: بِالْإِسْرَاعِ.
وَأَفَاضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ، وَدَخَلَ عَرَفَةَ مِنْ طَرِيقِ ضَبٍّ، وَهَكَذَا كَانَتْ عَادَتُهُ صَلَوَاتُ الله وسلامه عليه في الأعياد أن يخالف بين الطريق، ثُمَّ جَعَلَ يَسِيرُ الْعَنَقَ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ المسير لَيْسَ بِالسَّرِيعِ وَلَا الْبَطِيءِ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً - وَهُوَ الْمُتَّسَعُ - نَصَّ سَيْرَهُ، أَيْ: رَفَعَهُ فَوْقَ ذلك، وكلما أتى ربوة من الرُّبَى أَرْخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ.
وكان يلبي في مسيره ذلك لا يَقْطَعِ التَّلْبِيَةَ، فَلَمَّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ نزل، فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، فَقَالَ لَهُ أسامة: الصلاة يا رسول الله. قال: «المصلى أمامك» ثم سار حتى أتى مزدلفة فَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْأَذَانِ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ، وَتَبْرِيكِ الْجِمَالِ، فَلَمَّا حَطُّوا رِحَالَهُمْ أَمَرَ، فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء بِإِقَامَةٍ بِلَا أَذَانٍ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثم نام حتى أصبح.
ولم يحيي تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَلَا صَحَّ عَنْهُ فِي إِحْيَاءِ ليلتي العيدين شيء، وأمر في تلك الليلة بضعفة أَهْلِهِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الفجر، وكان عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الْقَمَرِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الجمرة حتى تطلع الشمس، وأما الحديث الذي فيه أن أم سلمة رمت قبل الفجر، فحديث منكر أنكره أحمد وغيره، ثم ذكر حديث سودة وأحاديث غيره، ثم قال:
ثُمَّ تَأَمَّلْنَا فَإِذَا أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، فَإِنَّهُ أَمَرَ الصِّبْيَانَ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهُ
стр. 58
لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَقْدِيمِ الرَّمْيِ، أَمَّا مَنْ قَدَّمَهُ مِنَ النِّسَاءِ: فَرَمَيْنَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس للعذر، والخوف عليهن من المزاحمة، وَهَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ: جَوَازُ الرَّمْيِ قبل طلوع الشمس لعذر من مرض أو كبر، وَأَمَّا الْقَادِرُ الصَّحِيحُ "، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ. وَالَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ إِنَّمَا هُوَ التَّعْجِيلُ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الْقَمَرِ لَا نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلَيْسَ مع من حده بالنصف دليل.
فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ - لا قبله قطعا - بأذان وإقامة، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى مَوْقِفَهُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَأَخَذَ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا، ووقف ﷺ فِي مَوْقِفِهِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّ مُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ، ثُمَّ سَارَ مردفا للفضل وهو يلبي في مسيره، وانطلق أسامة عَلَى رِجْلَيْهِ فِي سُبَّاقِ قُرَيْشٍ.
وَفِي طَرِيقِهِ ذَلِكَ أَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يَلْقُطَ لَهُ حَصَى الْجِمَارِ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَلَمْ يَكْسِرْهَا مِنَ الجبل تلك الليلة، كما يفعله مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، وَلَا الْتَقَطَهَا بِاللَّيْلِ، فالتقط له سبعا من حصى الحذف، فجعل ينفضهن في كفه، ويقول: «أمثال هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» فَلَمَا أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ نَاقَتَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتَهُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي نزل بها بأس الله بأعدائه، فإن هناك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله، ولذلك سمي وَادِيَ مُحَسِّرٍ، لِأَنَّ الْفِيلَ حُسِرَ فِيهِ، أَيْ: أعيا وَانْقَطَعَ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ.
وَكَذَلِكَ فَعَلَ في سلوكه الحجر. ومحسر: برزخ بين منى ومزدلفة، والمشعر الحرام لا من هذه، ولا من هذه، وعرفة: برزخ بين عرفة والمشعر الحرام لَيْسَ مِنْهُمَا، فَمِنًى مِنَ الْحَرَمِ وَهِيَ مَشْعَرٌ، وَمُحَسِّرٌ مِنَ الْحَرَمِ، وَلَيْسَ بِمَشْعَرٍ، وَمُزْدَلِفَةُ: حَرَمٌ ومشعر، وعرفة لَيْسَتْ مَشْعَرًا، وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ، وَعَرَفَةُ حِلٌّ ومشعر.
وسلك الطَّرِيقَ الْوُسْطَى بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى مِنًى، فَأَتَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَوَقَفَ فِي أَسْفَلِ الْوَادِي، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْجَمْرَةَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَرَمَاهَا رَاكِبًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ يُكَبِّرُ مَعَ كل حصاة وحينئذ قطع التلبية وبلال
стр. 59
وَأُسَامَةُ مَعَهُ أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ يظلله بثوبه من الحر، وفيه جواز استظلال الحرم بالمحمل ونحوه.
فصل ثم رجع إلى منى، فخطب خُطْبَةً بَلِيغَةً أَعْلَمَهُمْ فِيهَا بِحُرْمَةِ يَوْمِ النَّحْرِ وتحريمه وفضله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ قَادَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِأَخْذِ مَنَاسِكِهِمْ عَنْهُ، وَقَالَ: «لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ عَامِي هَذَا» وَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَنْزَلَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ مَنَازِلَهُمْ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ لَا يَرْجِعُوا بَعْدَهُ كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَأَمَرَ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ» وَأَنْزَلَ الْمُهَاجِرِينَ عَنْ يَمِينِ الْقِبْلَةِ، وَالْأَنْصَارَ عَنْ يَسَارِهَا، وَالنَّاسُ حَوْلَهُمْ، وَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ أَسْمَاعَ النَّاسِ حَتَّى سمعه أَهْلُ مِنًى فِي مَنَازِلِهِمْ، وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ تِلْكَ: «اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» وَوَدَّعَ حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع.
ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ بِمِنًى، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ وَكَانَ يَنْحَرُهَا قَائِمَةً مَعْقُولَةً يدها اليسرى، وكان عددها عَدَدَ سِنِي عُمْرِهِ، ثُمَّ أَمْسَكَ، وَأَمَرَ عليا أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدق بجلالها وجلودها ولحومها فِي الْمَسَاكِينِ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْجَزَّارَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا، وَقَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا وَقَالَ: مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» فَإِنْ قيل ففي " الصحيحين " عن أنس في حجته: «ونحر ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قياما» قيل: يخرج على أحد وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه لم ينحر بيده أكثر من سبع، وأنه أمر من نحر إِلَى تَمَامِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، ثُمَّ زَالَ عَنْ ذلك المكان وأمر عليا، فَنَحَرَ مَا بَقِيَ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أنس لم يشاهد إلا السبع، وشاهد جابر تمام النحر. الثالث: أنه نحر بيده منفردا سبعا، ثُمَّ أَخَذَ هُوَ وعلي الْحَرْبَةَ مَعًا فَنَحَرَا كَذَلِكَ تَمَامَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ كَمَا قَالَ غرفة بن الحارث الكندي أَنَّهُ شَاهَدَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَئِذٍ قَدْ أَخَذَ بِأَعْلَى الْحَرْبَةِ، وَأَمَرَ عليا فَأَخَذَ بِأَسْفَلِهَا، وَنَحَرَا بِهَا الْبُدْنَ. ثُمَّ انْفَرَدَ
стр. 60
علي بِنَحْرِ الْبَاقِي مِنَ الْمِائَةِ كَمَا قَالَ جابر، والله أعلم.
ولم ينقل أحد أنه ﷺ ، وَلَا أَصْحَابَهُ جَمَعُوا بَيْنَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَةِ، بَلْ كَانَ هَدْيُهُمْ هُوَ ضحاياهم، فَهُوَ هَدْيٌ بِمِنًى، وَأُضْحِيَةٌ بِغَيْرِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ عائشة: «ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ،» فَهُوَ هَدْيٌ أطلق عليه اسم الأضحية، فإنهن كن متمتعات، وعليهن الهدي، وهو الذي نحره عنهن، لكن فِي قِصَّةِ نَحْرِ الْبَقَرَةِ عَنْهُنَّ وَهُنَّ تِسْعٌ إِشْكَالٌ وَهُوَ: إِجْزَاءُ الْبَقَرَةِ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سبعة، وهذا الحديث جاء بثلاثة ألفاظ.
أحدها: بقرة واحدة بينهن. الثاني: أنه ضحى عنهن يومئذ بالبقر. الثالث: دَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي عَدَدِ مَنْ تُجْزِئُ عَنْهُمُ الْبَدَنَةُ وَالْبَقَرَةُ، فقيل: سبعة، وقيل: عشرة. وهو قول إسحاق، ثم ذكر أحاديث، ثم قال: وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُخَرَّجُ عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ إِمَّا أَنْ يُقَالَ ; أَحَادِيثُ السَّبْعَةِ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: عَدْلُ الْبَعِيرِ بِعَشَرَةٍ مِنَ الغنم في الغنائم، لأجل تعديل القسمة، وأما في الهدايا والضحايا، فهو تقدير شرعي، وإما أن يقال: ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل والله أعلم.
ونحر ﷺ بِمَنْحَرِهِ بِمِنًى وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ «مِنًى كُلَّهَا مَنْحَرٌ» وَأَنَّ «فِجَاجَ مَكَّةَ طريق ومنحر» وفيه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّحْرَ لَا يَخْتَصُّ بِمِنًى، بَلْ حَيْثُ نَحَرَ مِنْ فِجَاجِ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ، لقوله: «وقفت ههنا وعرفة كلها موقف» وسئل أن يبنى له بمنى مظلة مِنَ الْحَرِّ، فَقَالَ: «لَا مِنًى مُنَاخُ مَنْ سبق» وفيه دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاكِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، وَأَنَّ مَنْ سبق إلى مكان، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يَرْتَحِلَ عَنْهُ، وَلَا يملك بذلك.
فلما أكمل نحره، استدعى بالحلاق، فحلق رأسه، وقال: «يا معمر أمكنك رسول الله مِنْ شَحْمَةِ أُذُنِهِ، وَفِي يَدِكَ الْمُوسَى، فَقَالَ: أما والله يا رسول الله إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيَّ وَمَنِّهِ قال: أجل» ذكره أحمد وقال له: " خذ " وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم قسمه بين من يليه، ثم أشار إليه، فحلق الأيسر، ثم قال: " ههنا أبو طلحة؟ " فدفعه إليه.
ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة، وهو دليل على أن الحلق نسك ليس بإطلاق من محصور.
стр. 61
فصل ثم أفاض إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ الظُّهْرِ رَاكِبًا، فَطَافَ طَوَافَ الإفاضة، وَلَمْ يَطُفْ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَسْعَ مَعَهُ، هَذَا هو الصواب، ولم يرمل فيه، وَلَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَإِنَّمَا رَمَلَ فِي طواف القدوم.
ثم أتى زمزم وَهُمْ يَسْقُونَ، فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ لَنَزَلْتُ فَسَقَيْتُ مَعَكُمْ» ثُمَّ نَاوَلُوهُ الدَّلْوَ، فَشَرِبَ وهو قائم، قيل: لأن النهي عن الشرب قائما على وجه الاختيار، وقيل: للحاجة وهو أظهر، وفي " الصحيح " عن ابن عباس «طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حجة الوداع على بعيره يستلم الركن بمحجنه،» وفيه مثله من حديث جابر، وفيه: لِأَنْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ، وَلِيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غشوه. وهذا ليس بطواف الوداع، فإنه طافه ليلا، ولا طواف القدوم، فإنه رمل فيه، ولم يقل أحد: رملت به راحلته. ثم رجع إلى منى.
واختلف هل صلى الظهر بها أو بمكة؟ وطافت عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ طَوَافًا وَاحِدًا، وَسَعَتْ سَعْيًا وَاحِدًا أَجْزَأَهَا عَنْ حَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا، وَطَافَتْ صفية ذلك اليوم، ثم حاضت فأجزأها ذلك عن طواف الوداع، فاستقرت سنته ﷺ إذا حاضت المرأة قبل الطواف أَنْ تَقْرِنَ وَتَكْتَفِيَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ، وَسَعْيٍ وَاحِدٍ، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة أجزأها عن طواف الوداع.
ثم رجع إِلَى مِنًى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ انْتَظَرَ زَوَالَ الشَّمْسِ، فَلَمَّا زَالَتْ مشى إلى الجمرة وَلَمْ يَرْكَبْ فَبَدَأَ - ١٠٥ - بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي تَلِيَ مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ يَقُولُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثم تقدم عن الْجَمْرَةِ أَمَامَهَا حَتَّى أَسْهَلَ فَقَامَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا دُعَاءً طَوِيلًا بِقَدْرِ سورة البقرة، ثم أتى الْوُسْطَى، فَرَمَاهَا كَذَلِكَ.
ثُمَّ انْحَدَرَ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِي، فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو قَرِيبًا مِنْ وُقُوفِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ أتى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي وجعل البيت عن يساره، فرماها بسبع حصيات كذلك، ثم رجع، ولم يبق عندها، فقيل: لضيق المكان. وَقِيلَ - وَهُوَ أَصَحُّ -: إِنَّ دُعَاءَهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ، قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمَّا رَمَى جمرة العقبة،
стр. 62
فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة أفضل. وَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي هَلْ كَانَ يَرْمِي قبل الصلاة أَوْ بَعْدَهَا، وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قبلها، لِأَنَّ جابرا وَغَيْرَهُ قَالُوا: كَانَ يَرْمِي إِذَا زالت الشمس.
[فصل قد تَضَمَّنَتْ حَجَّتُهُ ﷺ سِتَّ وقفات للدعاء]
فَصْلٌ فَقَدْ تَضَمَّنَتْ حَجَّتُهُ ﷺ ست وقفات للدعاء: على الصفا، وعلى المروة، وبعرفة، وبمزدلفة، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثانية.
وخطب بمنى خطبتين، يوم النحر وتقدمت، والثانية في أوسط أيام التشريق، واستأذنه العباس أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَاسْتَأْذَنَهُ رِعَاءُ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجَ مِنًى عِنْدَ الْإِبِلِ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يومين بعده يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا. قَالَ مالك: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: رَخَّصَ لِلرُّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا، فَيَجُوزُ لِلطَّائِفَتَيْنِ بِالسُّنَّةِ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى، وَأَمَّا الرَّمْيُ، فَإِنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ، بَلْ لَهُمْ أن يؤخروه إلى الليل، وَلَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ.
ومن لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ، أَوْ مَرِيضٌ يَخَافُ مِنْ تَخَلُّفِهِ عَنْهُ، أَوْ كَانَ مَرِيضًا لَا يمكنه الْبَيْتُوتَةُ، سَقَطَتْ عَنْهُ بِتَنْبِيهِ النَّصِّ عَلَى هَؤُلَاءِ، ولم يتعجل في يومين، بل تأخر حتى أكمل الرمي في الأيام الثَّلَاثَةِ، وَأَفَاضَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ بَعْدَ الظُّهْرِ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَهُوَ خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ ; فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هُنَاكَ، وَكَانَ عَلَى ثِقْلِهِ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فصلى بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّةَ، فَطَافَ لِلْوَدَاعِ لَيْلًا سحرا.
وَرَغِبَتْ إِلَيْهِ عائشة تَلِكَ اللَّيْلَةَ أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فَأَخْبَرَهَا أَنَّ طَوَافَهَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا والمروة قد أجزأها عَنْ حَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا، فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ تَعْتَمِرَ عمرة مفردة، فأمر أخاها أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، فَفَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا ليلا، ثم وافت المحصب مع أخيها في جوف الليل، فقال: فرغتما؟ قالت: نعم فنادى بالرحيل، فارتحل الناس.
وفي حديث الأسود في " الصحيح " عنها: «فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ
стр. 63
مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أنا مصعدة وهو منهبط منها» . ففيه أنهما تلاقيا، وفي الأول أنه انتظرها في منزله، فإن كان حديث الأسود محفوظا، فصوابه: لقيني وَأَنَا مُصْعِدَةٌ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ إِلَيْهَا. فإنها قضت عمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته وقد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع، وله وجه غير هذا. واختلف فِي التَّحْصِيبِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ مَنْزِلُ اتفاق؟ على قولين.
فصل وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ؛ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ أَنَّهُ لم يدخله في حجة ولا في عمرة، وإنما دخله عام الفتح، وكذلك الوقوف في الملتزم الذي روي عنه أنه فعله يوم الفتح، وأما ما رواه أبو داود مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جده، أنه وضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ-فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتِ الْوَدَاعِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهِ، وَلَكِنْ قال مجاهد وغيره: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ طَوَافِ الوداع. وكان ابن عباس يلتزم ما بين الركن والباب. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أم سلمة طافت بالبيت وهي شاكية، وأرادت الخروج، فقال لها: «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ والناس يصلون» . ففعلته، ولم تصل حتى خرجت، وهذا محال أَنْ يَكُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَهُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بِلَا رَيْبٍ، فَظَهَرَ أَنَّهُ صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ بمكة، وسمعته أم سلمة يقرأ بـ " الطور "، ثم ارتحل رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، «فَلَمَّا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ، لَقِيَ رَكْبًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، قَالُوا: فَمَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فرفعت إليه امرأة صبيا لها من محفة، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» . فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، بَاتَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَى الْمَدِينَةَ، كَبَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» . ثُمَّ
стр. 64
دَخَلَهَا نَهَارًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَخَرَجَ مِنْ طريق الشجرة.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي " سُورَةِ الأنعام "، وهذا مأخوذ من القرآن من أربع آيات: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] (١) الثانية: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] (٢) الثالثة: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] (٣) الآية، والتي تليها الرابعة قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] (٤) . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَبْلُغُ الْكَعْبَةَ مِنَ الْهَدْيِ هُوَ هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّمَانِيَةُ، وَهَذَا اسْتِنْبَاطُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁. والذبائح التي هي عبادة ثلاث: الهدي، والأضحية، والعقيقة، فأهدى ﷺ الْغَنَمَ، وَأَهْدَى الْإِبِلَ، وأهدى عن نسائه البقر والهدي في مقامه، وفي حجته، وفي عمرته، وكانت سنته تقليد الغنم دون إشعارها، وإذا بعث بهديه وهو مقيم، لم يحرم منه شيئا كان منه حلالا، وإذا أَهْدَى الْإِبِلَ، قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا، فَيَشُقُّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الأيمن يسيرا حتى يسيل الدم، وإذا بعث بهدي أَمَرَ رَسُولَهُ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى عَطَبٍ شَيْءٌ منه أن ينحر، ثُمَّ يَصْبُغَ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ يَجْعَلَهُ على صفحته، ولا يأكل منه ولا أحد من رُفْقَتِهِ، ثُمَّ يَقْسِمُ لَحْمَهُ، وَمَنَعَهُ مِنْ هَذَا الأكل سدا للذريعة؛ لئلا يقصر فِي حِفْظِهِ. وَشَرَّكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي الْهَدْيِ، البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وَأَبَاحَ لِسَائِقِ الْهَدْيِ رُكُوبَهُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا احْتَاجَ حتى يجد غيره، وقال علي: يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا. وكان هديه ينحر الإبل قياما معقولة يدها اليسرى، وَكَانَ يُسَمِّي اللَّهَ عِنْدَ نَحْرِهِ وَيُكَبِّرُ، وَكَانَ يَذْبَحُ نُسُكَهُ بِيَدِهِ، وَرُبَّمَا وَكَّلَ فِي بَعْضِهِ، وكان إذا ذبح الغنم وضع قدميه على صفاحها، ثم سمى وكبر ونحر، وأباح لِأُمَّتِهِ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ هَدَايَاهُمْ وَضَحَايَاهُمْ، وَيَتَزَوَّدُوا منها، ونهاهم أَنْ يَدَّخِرُوا مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لِدَافَّةٍ دَفَّتْ عليهم ذلك العام. وربما
стр. 65
قسم لحم الهدي، وربما قال: «من شاء اقتطع» ، واستدل به عَلَى جَوَازِ النُّهْبَةِ فِي النِّثَارِ فِي الْعُرْسِ ونحوه، وفرق بينهما بما لا يتبين، وكان هديه ذَبْحُ هَدْيِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَهَدْيِ الْقِرَانِ بمنى، ولم ينحر هديه قَطُّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ حَلَّ، وَلَمْ يَنْحَرْهُ أَيْضًا إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ الرَّمْيِ، فهذه أَرْبَعَةُ أُمُورٍ مُرَتَّبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ، أَوَّلُهَا: الرَّمْيُ، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي النَّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ البتة.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الأضاحي]
فَصْلٌ وَأَمَّا هَدْيُهُ ﷺ في الأضاحي، فإنه لَمْ يَكُنْ يَدَعُ الْأُضْحِيَّةَ، وَكَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ ينحرهما بعد الصلاة، وأخبر أن من ذبح قبلها، فَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لحم قدمه لأهله هذا الذي ندين لله به، لا الاعتبار بوقت الصلاة، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيَّ مما سواه، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذبح» ، ولكنه منقطع، وهو مذهب عطاء والحسن والشافعي، واختاره ابن المنذر. وكان من هديه اخْتِيَارُ الْأُضْحِيَّةِ، وَاسْتِحْسَانُهَا، وَسَلَامَتُهَا مِنَ الْعُيُوبِ، وَنَهَى عن أن يضحى بعضباء الأذن والقرن، أي مقطوع الأذن ومكسور الْقَرْنِ -النِّصْفُ فَمَا زَادَ - ذَكَرَهُ أبو داود. وَأَمَرَ أَنْ تُسْتَشْرَفَ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ، أَيْ يُنْظَرُ إلى سلامتها. ولا يُضَحَّى بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شرقاء، ولا خرقاء. والمقابلة: الَّتِي قُطِعَ مُقَدَّمُ أُذُنِهَا، وَالْمُدَابَرَةُ: الَّتِي قُطِعَ مُؤَخَّرُ أُذُنِهَا، وَالشَّرْقَاءُ: الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا، وَالْخَرْقَاءُ: التي خرقت أذنها، ذكره أبو داود.
وكان من هديه أن يضحي بالمصلى، وذكر أبو داود عن جابر أَنَّهُ ذَبَحَ يَوْمَ النَّحْرِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فطر السماوات وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ، ثُمَّ ذَبَحَ، وَأَمَرَ الناس إذا ذبحوا أن يحسنوا الذبحة، وَإِذَا قَتَلُوا أَنْ يُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» . ومن هديه أَنَّ الشَّاةَ تُجْزِئُ عَنِ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بيته.
стр. 66
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في العقيقة]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في العقيقة في " الموطأ " أنه سئل عنها، فَقَالَ: «لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ» ، كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ، وصح عنه من حديث عائشة: «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة» ، «كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السابع، ويحلق رأسه ويسمى» (١) . والرهن في اللغة: الحبس، قيل: محبوسا عن الشفاعة لأبويه، والظاهر أنه مرتهن في نفسه محبوس من خير يراد به، ولا يلزم منه أن يعاقب في الآخرة. وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ، كترك التسمية عند الجماع، وذكر أبو داود فِي " الْمَرَاسِيلِ " عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ في عقيقة الحسن والحسين «أن يبعثوا إِلَى بَيْتِ الْقَابِلَةِ بِرِجْلٍ، وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا، وَلَا تكسروا منها عظما» . قال الميموني: تذاكرنا لكم يسمى الصبي؟ فقال أبو عبد الله: يُرْوَى عَنْ أنس أَنَّهُ يسمى لثلاثة، وأما سمرة فقال: يسمى اليوم السابع.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الأسماء والكنى]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله» (٢) . وثبت عنه: «إن أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ» . وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، ولا نجيحا، ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو؟ فلا يكون، فيقول: لَا» . وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ، وَقَالَ أَنْتِ جَمِيلَةٌ، وَكَانَ اسْمُ جويرية: بَرَّةً، فغيره بِاسْمِ جويرية، وَقَالَتْ زينب بنت أم سلمة: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أن يسمى بهذا الاسم، وَقَالَ: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمُ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ البر منكم» ، وَغَيَّرَ اسْمَ أَبِي الْحَكَمِ بِأَبِي شُرَيْحٍ، وَغَيَّرَ اسم أصرم بزرعة، وغير اسم
стр. 67
حزن جد ابن المسيب بسهل، فأبى، وقال: السهل يوطأ ويمتهن. وقال أبو داود: وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الْعَاصِ، وَعَزِيزٍ، وَعَتَلَةَ، وَشَيْطَانٍ، وَالْحَكَمِ، وَغُرَابٍ، وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ، فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا سلما، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضا عَفْرَةً سَمَّاهَا خَضِرَةً، وَشَعْبَ الضَّلَالَةِ سَمَّاهُ شَعْبَ الهداية، وبنو مغوية سماهم بني رشدة. ولما كانت الأسماء قوالب للمعاني دالة عَلَيْهَا، اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا ارْتِبَاطٌ وَتَنَاسُبٌ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْنَى مَعَهَا بمنزلة الأجنبي المحض، فإن الحكمة تَأْبَى ذَلِكَ، وَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ بِخِلَافِهِ، بَلْ لِلْأَسْمَاءِ تَأْثِيرٌ فِي الْمُسَمَّيَاتِ، وَلِلْمُسَمَّيَاتِ تَأَثُّرٌ عَنْ أَسْمَائِهَا فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ، وَاللَّطَافَةِ وَالْكَثَافَةِ، كما قيل:
وقل أن أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ ... إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِنْ فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهْ
وَكَانَ ﷺ يحب الِاسْمَ الْحَسَنِ، وَأَمَرَ إِذَا أَبْرَدُوا إِلَيْهِ بَرِيدًا أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الِاسْمِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، وَكَانَ يَأْخُذُ الْمَعَانِيَ مِنْ أَسْمَائِهَا فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ، كما رأى أنه هو وَأَصْحَابَهُ فِي دَارِ عقبة بن رافع، فَأُتُوا برطب من رطب ابن طاب، فأوله أن العاقبة لهم في الدنيا، والرفعة في الآخرة، وأن الدين الذي اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُمْ قَدْ أَرْطَبَ وَطَابَ. وَتَأَوَّلَ سهولة الأمر يوم الحديبية من مجيء سهيل، وَنَدَبَ جَمَاعَةً إِلَى حَلْبِ شَاةٍ، فَقَامَ رَجُلٌ يَحْلُبُهَا، فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ "؟ قَالَ: مرة. فَقَالَ: " اجْلِسْ " فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ "؟ قَالَ- أظنه-: حرب. قال: " اجْلِسْ " فَقَامَ آخَرُ، فَقَالَ: " مَا اسْمُكَ "؟ قَالَ: يعيش، قال: " احْلُبْهَا» . وَكَانَ يَكْرَهُ الْأَمْكِنَةَ الْمُنْكَرَةَ الْأَسْمَاءِ، وَيَكْرَهُ العبور فيها، كما مر بين جبلين، فسأل عن اسمهما، فقالوا: فاضح ومخزي. فعدل عنهما. وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمَّيَاتِ مِنَ الِارْتِبَاطِ وَالتَّنَاسُبِ وَالْقَرَابَةِ مَا بَيْنَ قَوَالِبِ الْأَشْيَاءِ وَحَقَائِقِهَا، وَمَا بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ، عَبَرَ الْعَقْلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ، كَمَا كَانَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ يَرَى الشَّخْصَ، فَيَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَلَا يَكَادُ يخطئ، وضد هذا العبور من اسمه إلى مسماه، كما سأل عمر رَجُلًا عَنِ اسْمِهِ، فَقَالَ: جمرة. فَقَالَ: وَاسْمُ أبيك؟ فقال: شهاب. قَالَ: فَمَنْزِلُكَ؟ قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ. قَالَ: فَأَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظَى. قَالَ: اذْهَبْ فَقَدِ
стр. 68
احترق مسكنك، قال: فذهب فوجد الأمر كذلك. كَمَا عَبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عن اسم سهيل إلى سهولة أمرهم، وأمر أُمَّتَهُ بِتَحْسِينِ أَسْمَائِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ يَوْمَ القيامة بها، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ اشْتُقَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَصْفِهِ اسْمَانِ مُطَابِقَانِ لِمَعْنَاهُ وَهُمَا أَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ، فَهُوَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الصفات المحمودة وشرفها وفضلها على صفات غيره أحمد، وكذلك تكنيته لأبي الحكم بأبي جهل، وَكَذَلِكَ تَكْنِيَةُ اللَّهِ لعبد العزى بأبي لهب لما كان مصيره إلى ذات لهب، وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدينة، واسمها يثرب، سماها طيبة لما زال عنها من معنى التثريب. ولما كان الاسم الحسن يقتضي مسماه قال ﷺ لبعض العرب: «يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أحسن اسْمَكُمْ وَاسْمَ أَبِيكُمْ» . فَانْظُرْ كَيْفَ دَعَاهُمْ إِلَى عبودية الله بذلك. وتأمل أيضا الستة المتبارزين يوم بدر، فالوليد لَهُ بِدَايَةُ الضَّعْفِ، وشيبة لَهُ نِهَايَةُ، وعتبة من العتب، وأقرانهم علي وأبو عبيدة والحارث، العلو والعبودية والسعي الذي هو الحرث؛ ولذلك كَانَ أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ مَا اقْتَضَى أحب الأوصاف إليه، فإضافة العبودية إلى اسمه " الله " و " الرحمن " أحب إليه من إضافتها إلى " القادر " و " القاهر " وغيرها، وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وربه إنما هو العبودية المحضة، والتعلق بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ الْمَحْضَةِ، فَبِرَحْمَتِهِ كان وجوده وكماله، والغاية التي أوجده لأجلها أن يتألهه وحده محبة وخوفا ورجاء. ولما والهم مبدأ الإرادة، وترتب على إرادته حرثه وكسبه، كان أصدق الأسماء اسم همام وحارث. ولما كان الملك الحق لله وحده، كان أخنع اسم عِنْدَ اللَّهِ وَأَغْضَبَهُ لَهُ اسْمُ " شَاهَانْ شَاهْ " أَيْ مَلِكُ الْمُلُوكِ، وَسُلْطَانُ السَّلَاطِينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ ليس لأحد غير الله ، فتسمية غيره بهذا باطل، والله لا يحب الباطل. وقد ألحق بعضهم بهذا قاضي القضاة، ويليه في القبح سيد الناس؛ لأن ذلك ليس لأحد إِلَّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ولما كان مسمى الحرب والمرارة أكره شيء للنفوس، كان أقبح الأشياء حربا ومرة. وعلى قياسه حنظلة وحزن، وما أشبههما، ولما كانت أخلاق الأنبياء أشرف الأخلاق، كانت في أسمائهم أحسن الْأَسْمَاءِ، فَنَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى التَّسَمِّي بِأَسْمَائِهِمْ، كَمَا فِي سُنَنِ أبي داود وَالنَّسَائِيِّ عَنْهُ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ» ، ولو لم يكن فيه
стр. 69
إِلَّا أَنَّ الِاسْمَ يُذْكَرُ بِمُسَمَّاهُ، وَيَقْتَضِي التَّعَلُّقَ بمعناه، لكفى به مصلحة. وأما النهي عن تسمية الغلام بيسار ونحوه، فهو لمعنى آخر أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «فَإِنَّكَ تقول: أثم هو؟» ، إلى آخره، والله أعلم هل هي من تمام الحديث أو مدرجة، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَمَّا كَانَتْ قَدْ تُوجِبُ تطيرا، وقد تقطع الطيرة على المتطيرين، فاقتضت حكمة الرءوف بأمته أن يمنعهم من أسباب توجب سماع المكروه أو وقوعه، هذا إلى مَا يَنْضَافُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعْلِيقِ ضِدِّ الِاسْمِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَمَّى يَسَارًا مَنْ هُوَ مِنْ أَعْسَرِ النَّاسِ، وَنَجِيحًا مَنْ لَا نَجَاحَ معه، وَرَبَاحًا مَنْ هُوَ مِنَ الْخَاسِرِينَ، فَيَكُونُ قَدْ وَقَعَ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى اللَّهِ. وَأَمْرٌ آخر وهو أن يطالب بمقتضى اسمه، فلا يوجد، فيجعل ذلك سببا لسبه، كَمَا قِيلَ:
سَمَّوْكَ مِنْ جَهْلِهِمْ سَدِيدًا ... وَاللَّهِ ما فيك من سداد
وَهَذَا كَمَا أَنَّ مِنَ الْمَدْحِ مَا يَكُونُ ذما موجبا لسقوط الْمَمْدُوحِ عِنْدَ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُمْدَحُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَتُطَالِبُهُ النُّفُوسُ بِمَا مُدِحَ بِهِ، وَتَظُنُّهُ عنده، فلا تجده كذلك فينقلب ذما، ولو ترك لغير مدح لم تحصل تلك المفسدة، وأمر آخر وهو اعتقاد المسمى أنه كذلك، فيقع في تزكية نفسه كما نهى أن تسمى برة، فعلى هذا تكره التسمية بالرشيد والمطيع والطائع وأمثال ذلك. وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْكُفَّارِ بِذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ التَّمْكِينُ منه ولا دعاؤهم بشيء من ذلك. وأما الكنية، فهي نوع تكريم، وَكَنَّى النَّبِيُّ ﷺ صهيبا بأبي يحيى، وعليا بأبي تراب، وكنى أخا أنس وهو صغير بأبي عمير، وكان هديه تَكْنِيَةُ مَنْ لَهُ وَلَدٌ، وَمَنْ لَا وَلَدَ لَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كنية إلا الكنية بأبي القاسم، فاختلف فيه، فقيل: لا يجوز مطلقا، وقيل: لا يجوز الجمع بينها وبين اسمه، وفيه حديث صححه الترمذي، وقيل: يجوز الجمع بينهما؛ لحديث علي: «إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال: " نعم» ، صححه الترمذي. وقيل: المنع منه مختص بحياته. والصواب أن التكني بِكُنْيَتِهِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَالْمَنْعُ فِي حَيَاتِهِ أَشَدُّ، والجمع بينهما ممنوع منه، وحديث علي فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِيهِ نَوْعُ تَسَاهُلٍ فِي التَّصْحِيحِ. وَقَدْ قَالَ علي: إِنَّهَا رُخْصَةٌ لَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْمَنْعِ لِمَنْ
стр. 70
سواه. وحديث عائشة: «ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي» -غريب، لا يعارض بمثله الحديث الصحيح. وكره قوم من السلف الكنية بأبي عيسى، وأجازه آخَرُونَ، فَرَوَى أبو داود عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلم أن عمر ضرب ابنا له تكنى بأبي عيسى، وكني المغيرة بأبي عيسى فقال عمر: أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ تُكْنَى بأبي عبد الله؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كناني بذلك، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قد غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وإنا لفي جلجلتنا (١) . فَلَمْ يَزَلْ يُكَنَّى بأبي عبد الله حَتَّى هلك. ونهى عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا، وَقَالَ: «الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» (٢) وَهَذَا لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَدُلُّ عَلَى كثرة الخير والمنافع، وقال: «لا يغلبنكم الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا وَإِنَّهَا الْعِشَاءُ، وإنهم يسمونها العتمة» . وقال: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا ولو حبوا» . والصواب أنه لم ينه عن إطلاق هذا الاسم بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ أَنْ يُهْجَرَ اسْمُ العشاء، وهذا محافظة منه على الاسم الذي سمى به الْعِبَادَاتِ، فَلَا تُهْجَرُ وَيُؤَثِّرُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، كَمَا فَعَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هِجْرَانِ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ، وَإِيثَارِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْحَادِثَةِ عَلَيْهَا، وَنَشَأَ بِسَبَبِ هَذَا مِنَ الْجَهْلِ وَالْفَسَادِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، وَهَذَا لمحافظته على تقديم ما قدمه الله. وبدأ في العيد بالصلاة ثم نحر، وَبَدَأَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالْوَجْهِ، ثُمَّ الْيَدَيْنِ، ثم الرأس، ثم الرجلين، وقدم زكاة الفطر على صلاة العيد؛ لقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الْأَعْلَى: ١٤ - ١٥] (٣) وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حِفْظِ الْمَنْطِقِ وَاخْتِيَارِ الْأَلْفَاظِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي حِفْظِ الْمَنْطِقِ وَاخْتِيَارِ الْأَلْفَاظِ كَانَ يَتَخَيَّرُ فِي خِطَابِهِ، وَيَخْتَارُ لِأُمَّتِهِ أَحْسَنَ الْأَلْفَاظِ وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء وَالْفُحْشِ، فَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا صَخَّابًا وَلَا فَظًّا. وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظِ الشَّرِيفِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأن
стр. 71
يستعمل اللفظ الْمَكْرُوهُ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. فمن الأول منعه أن يقال للمنافق: سيد، ومنعه أن يسمى العنب كرما، ومنعه من تَسْمِيَةَ أبي جهل بأبي الحكم، وَكَذَلِكَ تَغْيِيرُهُ لِاسْمِ أبي الحكم مِنَ الصَّحَابَةِ بأبي شريح، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ» ، ومنه نهيه المملوك أن يقول لسيده: ربي، وللسيد أن يقول لمملوكه: عبدي وأمتي. وقال لمن ادعى أنه طبيب: «أنت رَفِيقٌ، وَطَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا» . وَالْجَاهِلُونَ يُسَمُّونَ الْكَافِرَ الَّذِي لَهُ عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ: حَكِيمًا، ومنه قوله للذي قال: وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ» . ومنه قَوْلُهُ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فلان» ، وفي معناه قَوْلُ مَنْ لَا يَتَوَقَّى الشِّرْكَ: أَنَا بِاللَّهِ وَبِكَ، وَأَنَا فِي حَسْبِ اللَّهِ وَحَسْبِكَ، وَمَا لِي إِلَّا اللَّهُ وَأَنْتَ، وَأَنَا مُتَوَكِّلٌ عَلَى الله وعليك، وهذا من الله ومنك، ووالله وحياتك، وأمثال هذه الألفاظ التي يجعل قائلها المخلوق ندا لله، وَهِيَ أَشَدُّ مَنْعًا وَقُبْحًا مِنْ قَوْلِهِ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. فَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَنَا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شئت - فلا بأس، كَمَا فِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ: «لَا بَلَاغَ لِيَ اليوم إلا بالله ثم بك» . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تُطْلَقَ أَلْفَاظُ الذَّمِّ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، فَمِثْلُ نهيه عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الدهر» ، وفيه ثلاث مفاسد، أحدها: سب من ليس بأهل. الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه ما سبه إلا لظنه أنه يضر وينفع، وأنه ظالم، وأشعار هؤلاء فِي سَبِّهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ يصرح بلعنه. الثالثة: أن السب إنما يقع على فاعل هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ فِيهَا أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر، وأثنوا عليه. ومن هذا قوله: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حتى يكون مثل البيت ويقول: صرعته بقوتي، ولكن ليقل: باسم اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَتَصَاغَرُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ الشيطان يقول: إنك لتلعن ملعنا» . وهذا قول: أَخْزَى اللَّهُ الشَّيْطَانَ، وَقَبَّحَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ. فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُفْرِحُهُ، وَيَقُولُ: عَلِمَ ابْنُ آدَمَ أني نلته بقوتي. وذلك ما يعينه على إغوائه، فَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ مَسَّهُ شَيْءٌ مِنَ الشَّيْطَانِ: أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ، وَيَذْكُرَ اسْمَهُ، وَيَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ
стр. 72
أنفع له، وأغيظ للشيطان. ومن ذلك نهيه أن يقول الرجل: خبثت نفسي، ولكن يقول: لَقِسَتْ نَفْسِي، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، أَيْ: غَثَّتْ نَفْسِي، وَسَاءَ خُلُقُهَا، فَكَرِهَ لَهُمْ لَفْظَ الْخُبْثِ؛ لِمَا فيه من القبح والشناعة. ومنه نهيه عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَمْرِ: لَوْ أني فعلت كذا وكذا، وقال: «إنها تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا هُوَ أنفع منها، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: «قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» (١) وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُ كذا لَمْ يَفُتْنِي مَا فَاتَنِي، أَوْ لَمْ أَقَعْ فِيمَا وَقَعْتُ فِيهِ - كَلَامٌ لَا يُجْدِي عَلَيْهِ فائدة، فإنه غير مستقبل لما استدبر، وغير مستقيل عثرته بـ " لو "، وفي ضمنها أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ كَمَا قَدَّرَهُ فِي نفسه لكان غير ما قضاه الله، ووقوع خلاف المقدر مُحَالٌ، فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ كَذِبًا وَجَهْلًا وَمُحَالًا، وَإِنْ سَلِمَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ، لَمْ يَسْلَمْ من معارضته بـ " لو ". فإن قيل: فتلك الأسباب التي تمناها من القدر أيضا، قِيلَ: هَذَا حَقٌّ، وَلَكِنَّ هَذَا يَنْفَعُ قَبْلَ وقوع القدر المكروه، فإذا وقع فلا سبيل إلى دفعه أو تخفيفه، بل وظيفته في هذه الحال أَنْ يَسْتَقْبِلَ فِعْلَهُ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ أَوْ يُخَفِّفَ أَثَرَ مَا وَقَعَ، وَلَا يَتَمَنَّى مَا لَا مَطْمَعَ فِي وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ عَجْزٌ مَحْضٌ، والله يلوم على العجز، ويحب الكيس، وهو مباشرة الأسباب، فهي تفتح عمل الخير، وأما العجز فيفتح عَمَلَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَمَّا يَنْفَعُهُ صار إلى الأماني الباطنة؛ وَلِهَذَا اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ من العجز والكسل، وَهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، وَيَصْدُرُ عَنْهُمَا الْهَمُّ وَالْحَزَنُ، وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ، وَضَلَعُ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةُ الرِّجَالِ، فَمَصْدَرُهَا كُلُّهَا عَنِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَعُنْوَانُهَا " لَوْ "؛ فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَإِنَّ " لَوْ " تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» . فَالْمُتَمَنِّي مِنْ أعجز الناس وأفلسهم، وَأَصْلُ الْمَعَاصِي كُلِّهَا الْعَجْزُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَعْجِزُ عن أسباب الطَّاعَاتِ، وَعَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُبْعِدُهُ عَنِ الْمَعَاصِي وتحول بينه وبينها، فجمع في هذا الحديث الشريف أصل الشر وفروعه، ومبادئه وغاياته، وموارده ومصادره، وهو مشتمل على ثمان خِصَالٍ، كُلُّ خَصْلَتَيْنِ مِنْهَا قَرِينَتَانِ، فَقَالَ: «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ» وَهُمَا قَرِينَانِ، فَإِنَّ المكروه الوارد على القلب إما أن يكون سببه أمرا ماضيا،
стр. 73
فَهُوَ يُحْدِثُ الْحَزَنَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَوَقُّعُ مستقبل، فهو يورث الْهَمَّ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْعَجْزِ، فَإِنَّ مَا مَضَى لَا يُدْفَعُ بِالْحُزْنِ، بَلْ بِالرِّضَى وَالْحَمْدِ، وَالصَّبْرِ، وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ. وَقَوْلِ الْعَبْدِ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شاء فعل، وما يستقبل لا يدفع بالهم، بل إما أن تكون لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، فَلَا يَعْجِزُ عَنْهُ، وإما أن لا يكون له حيلة في دفعه، فلا يجزع، ويلبس له لباسه من التوحيد والتوكل والرضى بالله ربا فيما يحب ويكره، والهم والحزن يُضْعِفَانِ الْعَزْمَ، وَيُوهِنَانِ الْقَلْبَ، وَيَحُولَانِ بَيْنَ الْعَبْدِ وبين الاجتهاد فيما ينفعه، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر. ومن حكمة العزيز الحكيم تسليط هذين الجنديين على القلوب المعرضة عنه ليردها عن كثير من معاصيها، ولا تزال هذه القلوب في هذا السجن حتى تخلص إلى فضاء التوحيد والإقبال على الله، ولا سبيل إلى خلاص القلب من ذلك إِلَّا بِذَلِكَ، وَلَا بَلَاغَ إِلَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يدل عليه إلا هو. وإذا أقام العبد في أي مقام كان، فبحمده وحكمته أقامه فيه، ولم يمنع العبد حقا هو له، بل منعه ليتوسل إليه بمحابه فيعطيه، وليرده إِلَيْهِ وَلِيُعِزَّهُ بِالتَّذَلُّلِ لَهُ، وَلِيُغْنِيَهُ بِالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وليجبره بالانكسار بين يديه، وليوليه بِعَزْلِهِ أَشْرَفَ الْوِلَايَاتِ، وَلِيُشْهِدَهُ حِكْمَتَهُ فِي قُدْرَتِهِ، ورحمته في عزته، وإن منعه عطاء، وعقوبته تأديب، وتسليط أعدائه عليه سائق يسوقه إليه، والله أعلم حيث يجعل مواقع عطائه، وأعلم حيث يجعل رسالته ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] (١) فهو سبحانه أعلم بمحال التخصيص، فمن رده المنع إليه، انقلب عطاء، ومن شغله عطاؤه عنه، انقلب منعا، وهو أراد منا الاستقامة، وَاتِّخَاذَ السَّبِيلِ إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ هَذَا الْمُرَادَ لَا يَقَعُ حَتَّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ إِعَانَتَنَا ومشيئتنا له، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٩] (٢) . فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ رُوحٌ أُخْرَى نسبتها إلى روحه كنسبة روحه إلى جسده يَسْتَدْعِي بِهَا إِرَادَةَ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ فَاعِلًا، وَإِلَّا فَمَحَلُّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْعَطَاءِ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنَاءٌ يُوضَعُ فِيهِ الْعَطَاءُ، فَمَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إناء رجع
стр. 74
بالحرمان، فلا يلومن إلا نفسه. والمقصود أنه ﷺ اسْتَعَاذَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَهُمَا قَرِينَانِ، وَمِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَهُمَا قرينان، فإن تخلف صلاح العبد وكماله عَنْهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فهو عجز، أو يكون قادرا لكن لا يريده، فَهُوَ كَسَلٌ، وَيَنْشَأُ عَنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فَوَاتُ كُلِّ خَيْرٍ، وَحُصُولُ كُلِّ شَرٍّ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّرِّ تَعْطِيلُهُ عَنِ النَّفْعِ بِبَدَنِهِ وَهُوَ الْجُبْنُ، وَعَنِ النَّفْعِ بِمَالِهِ وَهُوَ الْبُخْلُ، ثُمَّ يَنْشَأُ له من ذلك غَلَبَتَانِ غَلَبَةٌ بِحَقٍّ وَهِيَ غَلَبَةُ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةٌ بباطل وهي غلبة الرجال، وكل هذه ثَمَرَةُ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الحديث الصحيح للذي قَضَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ونعم الوكيل» فهذا قالها بَعْدَ عَجْزِهِ عَنِ الْكَيْسِ الَّذِي لَوْ قَامَ بِهِ لَقُضِيَ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ، فَلَوْ فَعَلَ الأسباب ثم غلب فقالها، لوقعت مَوْقِعَهَا، كَمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ لَمَّا فَعَلَ الأسباب المأمور بها ولم يعجز بترك شيء منها، ثم غلبه العدو، وألقوه في النار قال: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ -فَوَقَعَتِ الْكَلِمَةُ مَوْقِعَهَا، فأثرت أثرها. وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ أُحُدٍ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فتجهزوا وخرجوا لهم، ثم قالوها، فأثرت أثرها؛ ولهذا قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] (١) وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] (٢) فالتوكل والحسب بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبا بنوع من التوكل، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، ولا عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الأسباب الَّتِي لَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ إِلَّا بِهَا كُلِّهَا. ومن هنا غلط طائفتان، إِحْدَاهُمَا: زَعَمَتْ أَنَّ التَّوَكُّلَ وَحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ، فعطلت الأسباب التي اقتضتها حكمة الله. الثانية: قامت بالأسباب وأعرضت عن التوكل، والمقصود أنه ﷺ أَرْشَدَ الْعَبْدَ إِلَى ما فيه غاية كماله، أن يحرص على ما ينفعه ويبذل
стр. 75
جهده، وحينئذ ينفعه التحسب، بخلاف من فرط ثُمَّ قَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَإِنَّ الله يلومه، ولا يكون في هذه الْحَالِ حَسْبَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ حَسْبُ مَنِ اتَّقَاهُ ثم توكل عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الذكر]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في الذكر كان أكمل الناس ذِكْرًا لِلَّهِ ، بَلْ كَانَ كَلَامُهُ كُلُّهُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَتَشْرِيعُهُ لِلْأُمَّةِ ذِكْرًا مِنْهُ لِلَّهِ، وَإِخْبَارُهُ عَنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ، وَأَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بآلائه وتمجيده وتسبيحه وتحميده ذكرا منه له، وسكوته ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ بِقَلْبِهِ، فَكَانَ ذَاكِرًا لِلَّهِ في كل أحيانه، وَكَانَ ذِكْرُهُ لِلَّهِ يَجْرِي مَعَ أَنْفَاسِهِ قَائِمًا وقاعدا، وعلى جنبه، وفي مشيه، وركوبه، وسيره، وَنُزُولِهِ، وَظَعْنِهِ، وَإِقَامَتِهِ. وَكَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وإليه النشور» (١) .
ثم ذكر أحاديث رويت فيما يقول إذا استيقظ، وإذا استفتح الصلاة، وإذا خرج من بيته، وإذا دخل المسجد، وما يقول في المساء والصباح، وعند لبس الثوب، ودخول المنزل، ودخول الخلاء، والوضوء والأذان، ورؤية الهلال، والأكل، والعطاس.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ عند دخوله مَنْزِلِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ عند دخوله منزله لم يكن لِيَفْجَأَ أَهْلَهُ بَغْتَةً يَتَخَوَّنُهُمْ، وَلَكِنْ كَانَ يَدْخُلُ على علم منهم، وكان يسلم عليهم، وإذا دخل بدأ بالسواك، وسأل عَنْهُمْ، وَرُبَّمَا قَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ؟» وَرُبَّمَا سَكَتَ حَتَّى يُحْضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا تيسر. وثبت عنه أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبُولُ، فَلَمْ يرد عليه، وأخبر «أن الله يمقت الحديث على الغائط» ، وكان لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بغائط، ولا بول، ونهى عن ذلك.