يستعمل اللفظ الْمَكْرُوهُ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. فمن الأول منعه أن يقال للمنافق: سيد، ومنعه أن يسمى العنب كرما، ومنعه من تَسْمِيَةَ أبي جهل بأبي الحكم، وَكَذَلِكَ تَغْيِيرُهُ لِاسْمِ أبي الحكم مِنَ الصَّحَابَةِ بأبي شريح، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ» ، ومنه نهيه المملوك أن يقول لسيده: ربي، وللسيد أن يقول لمملوكه: عبدي وأمتي. وقال لمن ادعى أنه طبيب: «أنت رَفِيقٌ، وَطَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا» . وَالْجَاهِلُونَ يُسَمُّونَ الْكَافِرَ الَّذِي لَهُ عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ: حَكِيمًا، ومنه قوله للذي قال: وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ» . ومنه قَوْلُهُ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فلان» ، وفي معناه قَوْلُ مَنْ لَا يَتَوَقَّى الشِّرْكَ: أَنَا بِاللَّهِ وَبِكَ، وَأَنَا فِي حَسْبِ اللَّهِ وَحَسْبِكَ، وَمَا لِي إِلَّا اللَّهُ وَأَنْتَ، وَأَنَا مُتَوَكِّلٌ عَلَى الله وعليك، وهذا من الله ومنك، ووالله وحياتك، وأمثال هذه الألفاظ التي يجعل قائلها المخلوق ندا لله، وَهِيَ أَشَدُّ مَنْعًا وَقُبْحًا مِنْ قَوْلِهِ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ. فَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَنَا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شئت - فلا بأس، كَمَا فِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ: «لَا بَلَاغَ لِيَ اليوم إلا بالله ثم بك» . وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تُطْلَقَ أَلْفَاظُ الذَّمِّ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، فَمِثْلُ نهيه عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الدهر» ، وفيه ثلاث مفاسد، أحدها: سب من ليس بأهل. الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه ما سبه إلا لظنه أنه يضر وينفع، وأنه ظالم، وأشعار هؤلاء فِي سَبِّهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَثِيرٌ مِنَ الْجُهَّالِ يصرح بلعنه. الثالثة: أن السب إنما يقع على فاعل هَذِهِ الْأَفْعَالَ الَّتِي لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ فِيهَا أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر، وأثنوا عليه. ومن هذا قوله: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حتى يكون مثل البيت ويقول: صرعته بقوتي، ولكن ليقل: باسم اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَتَصَاغَرُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ الشيطان يقول: إنك لتلعن ملعنا» . وهذا قول: أَخْزَى اللَّهُ الشَّيْطَانَ، وَقَبَّحَ اللَّهُ الشَّيْطَانَ. فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُفْرِحُهُ، وَيَقُولُ: عَلِمَ ابْنُ آدَمَ أني نلته بقوتي. وذلك ما يعينه على إغوائه، فَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ مَسَّهُ شَيْءٌ مِنَ الشَّيْطَانِ: أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ، وَيَذْكُرَ اسْمَهُ، وَيَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ
стр. 72
أنفع له، وأغيظ للشيطان. ومن ذلك نهيه أن يقول الرجل: خبثت نفسي، ولكن يقول: لَقِسَتْ نَفْسِي، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، أَيْ: غَثَّتْ نَفْسِي، وَسَاءَ خُلُقُهَا، فَكَرِهَ لَهُمْ لَفْظَ الْخُبْثِ؛ لِمَا فيه من القبح والشناعة. ومنه نهيه عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَمْرِ: لَوْ أني فعلت كذا وكذا، وقال: «إنها تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا هُوَ أنفع منها، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: «قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» (١) وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُ كذا لَمْ يَفُتْنِي مَا فَاتَنِي، أَوْ لَمْ أَقَعْ فِيمَا وَقَعْتُ فِيهِ - كَلَامٌ لَا يُجْدِي عَلَيْهِ فائدة، فإنه غير مستقبل لما استدبر، وغير مستقيل عثرته بـ " لو "، وفي ضمنها أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ كَمَا قَدَّرَهُ فِي نفسه لكان غير ما قضاه الله، ووقوع خلاف المقدر مُحَالٌ، فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ كَذِبًا وَجَهْلًا وَمُحَالًا، وَإِنْ سَلِمَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ، لَمْ يَسْلَمْ من معارضته بـ " لو ". فإن قيل: فتلك الأسباب التي تمناها من القدر أيضا، قِيلَ: هَذَا حَقٌّ، وَلَكِنَّ هَذَا يَنْفَعُ قَبْلَ وقوع القدر المكروه، فإذا وقع فلا سبيل إلى دفعه أو تخفيفه، بل وظيفته في هذه الحال أَنْ يَسْتَقْبِلَ فِعْلَهُ الَّذِي يَدْفَعُ بِهِ أَوْ يُخَفِّفَ أَثَرَ مَا وَقَعَ، وَلَا يَتَمَنَّى مَا لَا مَطْمَعَ فِي وُقُوعِهِ، فَإِنَّهُ عَجْزٌ مَحْضٌ، والله يلوم على العجز، ويحب الكيس، وهو مباشرة الأسباب، فهي تفتح عمل الخير، وأما العجز فيفتح عَمَلَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَمَّا يَنْفَعُهُ صار إلى الأماني الباطنة؛ وَلِهَذَا اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ من العجز والكسل، وَهُمَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، وَيَصْدُرُ عَنْهُمَا الْهَمُّ وَالْحَزَنُ، وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ، وَضَلَعُ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةُ الرِّجَالِ، فَمَصْدَرُهَا كُلُّهَا عَنِ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَعُنْوَانُهَا " لَوْ "؛ فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَإِنَّ " لَوْ " تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» . فَالْمُتَمَنِّي مِنْ أعجز الناس وأفلسهم، وَأَصْلُ الْمَعَاصِي كُلِّهَا الْعَجْزُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَعْجِزُ عن أسباب الطَّاعَاتِ، وَعَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُبْعِدُهُ عَنِ الْمَعَاصِي وتحول بينه وبينها، فجمع في هذا الحديث الشريف أصل الشر وفروعه، ومبادئه وغاياته، وموارده ومصادره، وهو مشتمل على ثمان خِصَالٍ، كُلُّ خَصْلَتَيْنِ مِنْهَا قَرِينَتَانِ، فَقَالَ: «أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ» وَهُمَا قَرِينَانِ، فَإِنَّ المكروه الوارد على القلب إما أن يكون سببه أمرا ماضيا،
стр. 73
فَهُوَ يُحْدِثُ الْحَزَنَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَوَقُّعُ مستقبل، فهو يورث الْهَمَّ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الْعَجْزِ، فَإِنَّ مَا مَضَى لَا يُدْفَعُ بِالْحُزْنِ، بَلْ بِالرِّضَى وَالْحَمْدِ، وَالصَّبْرِ، وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ. وَقَوْلِ الْعَبْدِ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شاء فعل، وما يستقبل لا يدفع بالهم، بل إما أن تكون لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، فَلَا يَعْجِزُ عَنْهُ، وإما أن لا يكون له حيلة في دفعه، فلا يجزع، ويلبس له لباسه من التوحيد والتوكل والرضى بالله ربا فيما يحب ويكره، والهم والحزن يُضْعِفَانِ الْعَزْمَ، وَيُوهِنَانِ الْقَلْبَ، وَيَحُولَانِ بَيْنَ الْعَبْدِ وبين الاجتهاد فيما ينفعه، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر. ومن حكمة العزيز الحكيم تسليط هذين الجنديين على القلوب المعرضة عنه ليردها عن كثير من معاصيها، ولا تزال هذه القلوب في هذا السجن حتى تخلص إلى فضاء التوحيد والإقبال على الله، ولا سبيل إلى خلاص القلب من ذلك إِلَّا بِذَلِكَ، وَلَا بَلَاغَ إِلَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يدل عليه إلا هو. وإذا أقام العبد في أي مقام كان، فبحمده وحكمته أقامه فيه، ولم يمنع العبد حقا هو له، بل منعه ليتوسل إليه بمحابه فيعطيه، وليرده إِلَيْهِ وَلِيُعِزَّهُ بِالتَّذَلُّلِ لَهُ، وَلِيُغْنِيَهُ بِالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وليجبره بالانكسار بين يديه، وليوليه بِعَزْلِهِ أَشْرَفَ الْوِلَايَاتِ، وَلِيُشْهِدَهُ حِكْمَتَهُ فِي قُدْرَتِهِ، ورحمته في عزته، وإن منعه عطاء، وعقوبته تأديب، وتسليط أعدائه عليه سائق يسوقه إليه، والله أعلم حيث يجعل مواقع عطائه، وأعلم حيث يجعل رسالته ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] (١) فهو سبحانه أعلم بمحال التخصيص، فمن رده المنع إليه، انقلب عطاء، ومن شغله عطاؤه عنه، انقلب منعا، وهو أراد منا الاستقامة، وَاتِّخَاذَ السَّبِيلِ إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ هَذَا الْمُرَادَ لَا يَقَعُ حَتَّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ إِعَانَتَنَا ومشيئتنا له، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٢٩] (٢) . فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ رُوحٌ أُخْرَى نسبتها إلى روحه كنسبة روحه إلى جسده يَسْتَدْعِي بِهَا إِرَادَةَ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ فَاعِلًا، وَإِلَّا فَمَحَلُّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْعَطَاءِ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنَاءٌ يُوضَعُ فِيهِ الْعَطَاءُ، فَمَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إناء رجع
стр. 74
بالحرمان، فلا يلومن إلا نفسه. والمقصود أنه ﷺ اسْتَعَاذَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَهُمَا قَرِينَانِ، وَمِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَهُمَا قرينان، فإن تخلف صلاح العبد وكماله عَنْهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فهو عجز، أو يكون قادرا لكن لا يريده، فَهُوَ كَسَلٌ، وَيَنْشَأُ عَنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ فَوَاتُ كُلِّ خَيْرٍ، وَحُصُولُ كُلِّ شَرٍّ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّرِّ تَعْطِيلُهُ عَنِ النَّفْعِ بِبَدَنِهِ وَهُوَ الْجُبْنُ، وَعَنِ النَّفْعِ بِمَالِهِ وَهُوَ الْبُخْلُ، ثُمَّ يَنْشَأُ له من ذلك غَلَبَتَانِ غَلَبَةٌ بِحَقٍّ وَهِيَ غَلَبَةُ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةٌ بباطل وهي غلبة الرجال، وكل هذه ثَمَرَةُ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الحديث الصحيح للذي قَضَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ونعم الوكيل» فهذا قالها بَعْدَ عَجْزِهِ عَنِ الْكَيْسِ الَّذِي لَوْ قَامَ بِهِ لَقُضِيَ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ، فَلَوْ فَعَلَ الأسباب ثم غلب فقالها، لوقعت مَوْقِعَهَا، كَمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ لَمَّا فَعَلَ الأسباب المأمور بها ولم يعجز بترك شيء منها، ثم غلبه العدو، وألقوه في النار قال: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ -فَوَقَعَتِ الْكَلِمَةُ مَوْقِعَهَا، فأثرت أثرها. وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ أُحُدٍ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فتجهزوا وخرجوا لهم، ثم قالوها، فأثرت أثرها؛ ولهذا قال الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] (١) وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] (٢) فالتوكل والحسب بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبا بنوع من التوكل، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، ولا عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الأسباب الَّتِي لَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ إِلَّا بِهَا كُلِّهَا. ومن هنا غلط طائفتان، إِحْدَاهُمَا: زَعَمَتْ أَنَّ التَّوَكُّلَ وَحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ، فعطلت الأسباب التي اقتضتها حكمة الله. الثانية: قامت بالأسباب وأعرضت عن التوكل، والمقصود أنه ﷺ أَرْشَدَ الْعَبْدَ إِلَى ما فيه غاية كماله، أن يحرص على ما ينفعه ويبذل
стр. 75
جهده، وحينئذ ينفعه التحسب، بخلاف من فرط ثُمَّ قَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَإِنَّ الله يلومه، ولا يكون في هذه الْحَالِ حَسْبَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ حَسْبُ مَنِ اتَّقَاهُ ثم توكل عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الذكر]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في الذكر كان أكمل الناس ذِكْرًا لِلَّهِ ، بَلْ كَانَ كَلَامُهُ كُلُّهُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَتَشْرِيعُهُ لِلْأُمَّةِ ذِكْرًا مِنْهُ لِلَّهِ، وَإِخْبَارُهُ عَنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ، وَأَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بآلائه وتمجيده وتسبيحه وتحميده ذكرا منه له، وسكوته ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ بِقَلْبِهِ، فَكَانَ ذَاكِرًا لِلَّهِ في كل أحيانه، وَكَانَ ذِكْرُهُ لِلَّهِ يَجْرِي مَعَ أَنْفَاسِهِ قَائِمًا وقاعدا، وعلى جنبه، وفي مشيه، وركوبه، وسيره، وَنُزُولِهِ، وَظَعْنِهِ، وَإِقَامَتِهِ. وَكَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وإليه النشور» (١) .
ثم ذكر أحاديث رويت فيما يقول إذا استيقظ، وإذا استفتح الصلاة، وإذا خرج من بيته، وإذا دخل المسجد، وما يقول في المساء والصباح، وعند لبس الثوب، ودخول المنزل، ودخول الخلاء، والوضوء والأذان، ورؤية الهلال، والأكل، والعطاس.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ عند دخوله مَنْزِلِهِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ عند دخوله منزله لم يكن لِيَفْجَأَ أَهْلَهُ بَغْتَةً يَتَخَوَّنُهُمْ، وَلَكِنْ كَانَ يَدْخُلُ على علم منهم، وكان يسلم عليهم، وإذا دخل بدأ بالسواك، وسأل عَنْهُمْ، وَرُبَّمَا قَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ؟» وَرُبَّمَا سَكَتَ حَتَّى يُحْضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا تيسر. وثبت عنه أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبُولُ، فَلَمْ يرد عليه، وأخبر «أن الله يمقت الحديث على الغائط» ، وكان لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بغائط، ولا بول، ونهى عن ذلك.
стр. 76
[فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الأذان]
فصل ثبت عنه أنه سن الأذان بترجيع وغير ترجيع، وشرع الإقامة مثنى وفرادى، ولكن كلمة الإقامة: " قد قامت الصلاة " لم يصح عنه إفرادها لبتة، وكذلك الذي صَحَّ عَنْهُ تَكْرَارُ لَفْظِ التَّكْبِيرِ فِي أَوَّلِ الأذان، ولم يصح عنه الاقتصار على مرتين، وشرع لأمته عند الأذان خمسة أنواع، أحدها: أن يقولوا مثل ما قال المؤذن إلا في الحيعلتين، فأبدلها بِـ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ "، ولم يجئ عنه الجمع بينهما، ولا الاقتصار على الحيعلة، وهذا مقتضى الحكمة، فإن كلمات الأذان ذكر، وكلمة الحيعلة دعاء إلى الصلاة، فَسُنَّ لِلسَّامِعِ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ بكلمة الإعانة. الثاني: أن يقول: «رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» ، وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: «غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» (١) . الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ إِجَابَةِ المؤذن، وأكملها ما علمه أمته، وَإِنْ تَحَذْلَقَ الْمُتَحَذْلِقُونَ. الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الصلاة عَلَيْهِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا محمودا» (٢) . الخامس: أن يدعو لنفسه بعد ذلك، وفي " السنن " عنه: «الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (٣) قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وكان يُكْثِرُ الدُّعَاءَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَأْمُرُ فِيهِ بِالْإِكْثَارِ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ، وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلله الا الله، الله أكبر الله أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ هَكَذَا، يَشْفَعُ التَّكْبِيرَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ ثَلَاثًا، فَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ جابر وابن عباس من فعلهما فقط، وكلاهما حسن. قال الشافعي: وإن زاد
стр. 77
فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا - كَانَ حَسَنًا.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في آداب الطعام]
فصل وكان إِذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ قَالَ: بِسْمِ الله (١) وأمر بذلك، ويقول: «إذا نسي فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ» (٢) . حَدِيثٌ صحيح. والصحيح وجوب التسمية عند الأكل، وتاركها شريكه الشيطان في طعامه وشرابه، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ، وَلَا مُعَارِضَ لها، ولا إجماع يسوغ مخالفتها. وهل تزول مشاركة الشيطان بتسمية أحد الجماعة؟ فنص الشافعي على إجزاء تسمية الواحد، وَقَدْ يُقَالُ: لَا تُرْفَعُ مُشَارَكَةُ الشَّيْطَانِ لِلْآكِلِ إلا بتسميته هو. وللترمذي وصححه عَنْ عائشة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا إِنَّهُ لو سمى لكفاكم» . ومعلوم أنه ﷺ هو وأصحابه سموا؛ ولهذا جاء في حديث حذيفة: حضرنا طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يدها، ثم جاء أعرابي، فأخذ بيده، فقال: «إن الشيطان يستحل الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ يَدَيْهِمَا، ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وأكل» . ولكن قد يجاب بأنه ﷺ لم يكن وضع يده، ولكن الجارية ابتدأت. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فَفِيهَا نظر، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ : «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَحَقٌّ عَلَى كل مسلم سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ» ، وَإِنْ سُلِّمَ الْحُكْمُ فِيهِمَا، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الشيطان إنما يتوصل إلى مشاركته الأكل، فإذا سمى غيره، قلت مشاركة الشيطان له، وتبقى المشاركة بينه وبين من لم يسم. ويذكر عنه أنه كان إذا شرب تنفس في الإناء
стр. 78
ثلاثة أنفاس يحمد اللَّهَ فِي كُلِّ نَفَسٍ، وَيَشْكُرُهُ فِي آخِرِهِنَّ. وما عاب طعاما قط، بل إن كَرِهَهُ تَرَكَهُ، وَسَكَتَ، وَرُبَّمَا قَالَ: أَجِدُنِي أَعَافُهُ، أي لَا أَشْتَهِيهِ. وَكَانَ يَمْدَحُ الطَّعَامَ أَحْيَانًا كَقَوْلِهِ: نعم الإدام الخل، لمن قال: ما عندنا إلا خل؛ تطييبا لِقَلْبِ مَنْ قَدَّمَهُ، لَا تَفْضِيلًا لَهُ عَلَى سائر الأنواع. وكان إذا قرب إليه الطعام وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، وَأَمَرَ مَنْ قدم إِلَيْهِ الطَّعَامُ وَهُوَ صَائِمٌ أَنْ يُصَلِّيَ، أَيْ: يَدْعُو لِمَنْ قَدَّمَهُ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَنْ يأكل منه. وإذا دعي إلى طعام، وتبعه أحد، أعلم به رب المنزل، فقال: إِنَّ هَذَا تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ، وَكَانَ يَتَحَدَّثُ عَلَى طعامه، كما قال لربيبه: «سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» ، وَرُبَّمَا كَانَ يُكَرِّرُ عَلَى أَضْيَافِهِ عَرْضَ الْأَكْلِ عَلَيْهِمْ مِرَارًا كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكَرَمِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أبي هريرة في اللبن. وَكَانَ إِذَا أَكَلَ عِنْدَ قَوْمٍ، لَمْ يَخْرُجْ حتى يدعو لهم. وذكر أبو داود عنه في قصة أبي الهيثم: فَأَكَلُوا فَلَمَّا فَرَغُوا. قَالَ: «أَثِيبُوا أَخَاكُمْ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ، فَأُكِلَ طَعَامُهُ، وَشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ، فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ» . وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لَيْلَةً، فَالْتَمَسَ طَعَامًا، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَاسْقِ من سقاني» . وَكَانَ يَدْعُو لِمَنْ يُضِيفُ الْمَسَاكِينَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ، وَكَانَ لَا يَأْنَفُ مِنْ مُؤَاكَلَةِ أَحَدٍ صَغِيرًا كان أو كبيرا، حرا أو عبدا، ويأمر بالأكل باليمنى، وينهى عن الشمال، وَيَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» . ومقتضاه تحريم الأكل بها، وهو الصحيح، وَأَمَرَ مَنْ شَكَوْا إِلَيْهِ أَنَّهُمْ لَا يَشْبَعُونَ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِهِمْ وَلَا يَتَفَرَّقُوا، وَأَنْ يذكروا اسم الله عليه. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا تَنَامُوا عَلَيْهِ فتقسوا قلوبكم» . وأحرى به أن يكون صحيحا، والتجربة تشهد بِهِ.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في السلام والاستئذان]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في السلام والاستئذان في " الصحيحين " عنه: «إن أفضل الإسلام أن تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» . وفيهما: «إن آدم لَمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ قَالَ
стр. 79
لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فسلم عليهم، واستمع مَا يُحَيُّونَكَ، فِإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكم وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ» (١) . وَفِيهِمَا: أَنَّهُ أمر بإفشاء السلام، وأنهم إذا أفشوا السلام تَحَابُّوا، وَأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، ولا يؤمنوا حَتَّى يَتَحَابُّوا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: قَالَ عمار: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالِمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ. وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ أُصُولَ الْخَيْرِ وَفُرُوعَهُ، فَإِنَّ الْإِنْصَافَ يُوجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءَ حقوق الله كاملة، وأداء حقوق الناس كذلك، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا إِنْصَافُهُ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَدَّعِي لَهَا مَا لَيْسَ لَهَا، وَلَا يخبثها بتدنيسه لها بمعاصي الله. والمقصود أن الإنصاف من نفسه يوجب عليه معرفة ربه، ومعرفة نفسه، ولا يزاحم بها مالكها، ولا يقسم مراده بين مراد سيده ومرادها، وَهِيَ قِسْمَةٌ ضِيزَى، مِثْلَ قِسْمَةِ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٣٦] (٢) . فَلْيَنْظُرِ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ نَفْسِهِ وَشُرَكَائِهِ وَبَيْنَ اللَّهِ، لِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ، وَإِلَّا لُبِّسَ عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يشعر، فإنه خلق ظلوما جهولا، وكيف يَطْلُبُ الْإِنْصَافَ مِمَّنْ وَصْفُهُ الظُّلْمُ وَالْجَهْلُ! وَكَيْفَ يُنْصِفُ الْخَلْقَ مَنْ لَمْ يُنْصِفِ الْخَالِقَ، كَمَا في الأثر: «ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي، خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وشرك إلي صاعد» . وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: «ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي، خَلَقْتُكَ وَتَعْبُدُ غَيْرِي، وَأَرْزُقُكَ وَتَشْكُرُ سِوَايَ» . ثُمَّ كَيْفَ يُنْصِفُ غَيْرَهُ مَنْ لَمْ يُنْصِفْ نَفْسَهُ بل قد ظلمها أقبح الظلم وهو يظن أنه يكرمها! وبذل السلام للعالم يتضمن التواضع، وأنه لا يتكبر على أحد، والإنفاق من الإقتار لا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وقوة يقين، وتوكل ورحمة، وزهد وسخاء نفس، وتكذيب بوعد من يعده الفقر، ويأمره بالفحشاء.
стр. 80
وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «مر بصبيان فسلم عليهم» . وذكر الترمذي «أنه مر بِجَمَاعَةِ نِسْوَةٍ، فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ» . وَقَالَ أبو داود عَنْ أسماء بنت يزيد: «مَرَّ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْنَا» . وَهِيَ رِوَايَةُ حَدِيثِ الترمذي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِنَّ بِيَدِهِ. وفي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ مِنَ الْجُمُعَةِ، فَيَمُرُّونَ عَلَى عَجُوزٍ فِي طَرِيقِهِمْ، فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهَا، فَتُقَدِّمُ لَهُمْ طَعَامًا مِنْ أُصُولِ السَّلْقِ وَالشَّعِيرِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَسْأَلَةِ السَّلَامِ عَلَى النِّسَاءِ؛ يُسَلِّمُ عَلَى الْعَجُوزِ وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ دُونَ غيرهن. وفي " صحيح البخاري ": «يسلم الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارِّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالرَّاكِبِ على الماشي، والقليل على الكثير» . وفي الترمذي: «يُسَلِّمُ الْمَاشِي عَلَى الْقَائِمِ» . وَفِي " مُسْنَدِ البزار " عنه: «وَالْمَاشِيَانِ أَيُّهُمَا بَدَأَ فَهُوَ أَفْضَلُ» . وَفِي " سُنَنِ أبي داود " عَنْهُ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ من بدأهم بالسلام» . وكان من هديه السَّلَامُ عِنْدَ الْمَجِيءِ إِلَى الْقَوْمِ، وَالسَّلَامُ عِنْدَ الِانْصِرَافِ عَنْهُمْ، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام، فليسلم، فليست الأولى بأحق مِنَ الْآخِرَةِ» (١) . وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ: «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا» . وَقَالَ أنس: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَمَاشَوْنَ، فَإِذَا لقيتهم شَجَرَةٌ أَوْ أَكَمَةٌ تَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، وَإِذَا الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا، سَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. ومن هديه أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين، ثم يجيء فيسلم، فَتَكُونُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ قَبْلَ تَحِيَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ تلك حق الله، والسلام عليهم حق لهم، وحق الله تعالى في مثل هذا أولى بِالتَّقْدِيمِ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، فَإِنَّ فِيهَا نِزَاعًا، والفرق بينهما حاجة الآدمي، وعدم اتساع المال لأداء الحقين. وَعَلَى هَذَا فَيُسَنُّ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ فيه جماعة ثلاث تحيات مرتبة. أحدها: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ والسلام على رسول الله، ثم يصلي تحية المسجد، ثم يسلم على القوم. وكان إذا دخل على أهله بالليل سلم تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ النَّائِمَ، وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ. ذَكَرَهُ مسلم، وذكر الترمذي عنه: «السلام قبل الكلام» ، ولأحمد عن ابن عمر
стр. 81
مرفوعا: «السلام قبل السؤال، فمن بدأ بِالسُّؤَالِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَلَا تُجِيبُوهُ» ، وَيُذْكَرُ عَنْهُ: «لا تأذنوا لمن لم يبدأ السلام» . وَكَانَ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الباب، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، فَيَقُولُ: السلام عليكم. وكان يسلم بنفسه على من يواجهه، ويتحمل السلام كما تحمله من الله لخديجة، وقال للصديقة الثانية: «هذا جبريل يقرأ عليك السلام» . وكان من هديه انتهاء السلام إلى: " وبركاته "، وكان من هديه أن يسلم ثلاثا كما في البخاري عن أنس، ولعله في الكثير الذي لا تبلغهم المرة، وإذا ظن أنه لم يحصل الإسماع بالأول والثاني. ومن تأمل هديه علم أن التكرير أمر عارض. وَكَانَ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا سَلَّمَ عليه أحد رد عليه مثلها أو أحسن على الفور، إلا لعذر مثل قضاء الحاجة، ولم يكن يرد بيده، ولا برأسه، ولا بإصبعه إلا في الصلاة، فإنه ثبت عنه الرد فيها بالإشارة. وكان هديه في الابتداء: السلام عليكم ورحمة الله. ويكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام. وكان يرد على المسلم: وعليكم السلام، بالواو، ولو حذف الراد الواو، فقالت طائفة: لا يسقط به فرض الرد؛ لأنه مخالف للسنة، ولأنه لا يعلم هل رد أو ابتدأ التحية. وذهبت طائفة إلى أنه صحيح، نص عليه الشافعي، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٢٥] (١) أَيْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا بُدَّ مِنْ هَذَا، وَلَكِنْ حَسُنَ الْحَذْفُ فِي الرَّدِّ لِأَجْلِ الحذف في الابتداء، واحتج له برد الملائكة على آدم المتقدم.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في السلام على أهل الكتاب]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ صَحَّ عَنْهُ: «لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ» ، لَكِنْ قَدْ قِيلَ: إنه في قضية خاصة لما سار إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ» ، فهل هو عام في أهل الذمة، أو يختص بمن كان حاله كأولئك؟ لكن في " صحيح مسلم ": «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى
стр. 82
أضيقه» . والظاهر أن هذا عام. واختلف في الرد عليهم، والصواب وجوبه، والفرق بينهم، وبين أهل البدع أنا مأمورون بهجرهم، وثبت عنه أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ المسلمين والمشركين، فسلم عليهم، وكتب إلى هرقل وغيره بـ: «السلام على من اتبع الهدى» ، ويذكر عنه: «تجزئ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» ، فَذَهَبَ إلى هذا من قال: الرد فرض كفاية، لَكِنْ مَا أَحْسَنَهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا! فَإِنَّ فيه سعيد بن خالد، قال أبو زرعة: ضعيف. وكذلك قال أبو حاتم. وكان من هديه إِذَا بَلَّغَهُ أَحَدٌ السَّلَامَ عَنْ غَيْرِهِ أَنْ يرد عليه وعلى المبلغ، ومن هَدْيِهِ تَرْكُ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا عَلَى مَنْ أحدث حدثا حتى يتوب.
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِي الاسْتِئْذَانِ]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في الاستئذان صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الاستئذان ثلاثا، فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلَّا فَارْجِعْ» (١) . وَصَحَّ عَنْهُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» (٢) . وَصَحَّ عنه أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَ الَّذِي نَظَرَ إليه من شق حُجْرَتِهِ، وَقَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البصر» وَصَحَّ عَنْهُ التَّسْلِيمُ قَبْلَ الِاسْتِئْذَانِ فِعْلًا وَتَعْلِيمًا، وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أَأَلِجُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: «اخْرُجْ إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل لَهُ: قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟» (٣) . فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فقال ذلك، فأذن له، فدخل. وفيه رد على من قال: يقدم الاستئذان، وعلى مَنْ قَالَ: إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى صَاحِبِ المنزل قبل دخوله بدأ بالسلام وإلا بالاستئذان. وكان من هديه أنه إذا استأذن ثلاثا ولم يؤذن، انْصَرَفَ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنْ ظن أنهم لم يسمعوه زاد على الثلاث، وعلى من قال: يعيده بلفظ آخر. ومن هَدْيِهِ أَنَّ الْمُسْتَأْذِنَ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَنْ أنت؟ فيقول: فلان ابن فلان، أو يذكر كنيته، ولا يقول: أنا. وروى أبو داود عنه: «أن رسول الرجل إلى الرجل إذن له» . وذكره
стр. 83
البخاري تعليقا، ثم ذكر ما يدل على اعتبار الاستئذان بعد الدعوة، وهو حديث دعاء أهل الصفة، وفيه: فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا. وقالت طائفة: إن الحديثين على حالين، فإن جاء المدعو على الفور، لم يحتج للاستئذان، وإن تراخى احتاج إليه. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ كَانَ عِنْدَ الدَّاعِي مَنْ قَدْ أَذِنَ لَهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَدْعُوِّ لَمْ يحتج للاستئذان وإلا استأذن.
وكان إِذَا دَخَلَ إِلَى مَكَانٍ يُحِبُّ الِانْفِرَادَ فِيهِ، أمر من يمسك الباب، فلا يدخل عليه أحد إلا بإذن. وَأَمَّا الِاسْتِئْذَانُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ الْمَمَالِيكَ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ فِي الْعَوْرَاتِ الثَّلَاثِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَوَقْتَ الظَّهِيرَةِ وَعِنْدَ النَّوْمِ، فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهِ، وَيَقُولُ: تَرَكَ النَّاسُ العمل به. وقالت طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، وَلَمْ تَأْتِ بِحُجَّةٍ، وَقَالَتْ طائفة: أمر ندب، وَلَيْسَ مَعَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى صَرْفِ الْأَمْرِ عن ظاهره، وقالت طائفة: المأمور به النساء خاصة، وهذا ظاهر البطلان، وقالت طائفة عكس هذا، نظروا إلى لفظ " الذين "، وَلَكِنْ سِيَاقُ الْآيَةِ يَأْبَاهُ، فَتَأَمَّلْهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كان الأمر لعلة وزال بزوالها وهي الحاجة، فَرَوَى أبو داود فِي " سُنَنِهِ " أَنَّ نَفَرًا قالوا لابن عَبَّاسٍ: كَيْفَ تَرَى هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ؟ فقال ابن عباس: إن الله حكيم رءوف بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السِّتْرَ، وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ، فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوِ الْوَلَدُ، أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ، فَجَاءَهُمُ الله تعالى بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بعد. وقد أنكر بعضهم ثبوته، وَطَعَنَ فِي عكرمة، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَطَعَنَ في عمرو بن أبي عمرو، وقد احتج به صاحبا الصحيح، فإنكاره تعنت لَا وَجْهَ لَهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ لا دافع لها. والصحيح أن الحكم معلل بعلة قد أشارت إليها الآية، فإن كَانَ هُنَاكَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ فَتْحِ بَابٍ فَتْحُهُ دَلِيلٌ عَلَى الدُّخُولِ، أَوْ رَفْعِ سِتْرٍ، أَوْ تَرَدُّدِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ وَنَحْوِهِ - أَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ما يقوم مقامه، فلا بد منه، فإذا وجدت العلة، وجد الحكم، وإذا انتفت انتفى.
стр. 84
فَصْلٌ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ» . ذَكَرَهُ البخاري. وفي " صحيحه " أيضا: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويصلح بالكم» . وفي " صَحِيحِ مسلم «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ، فشمتوه، وإن لم يحمد الله، فلا تشمتوه» . وفي " صحيحه ": «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ، فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وإذا مات فاتبعه، وإذا مرض فعده» . وللترمذي عن ابن عمر: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ العطاس أَنْ نَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» . وَذَكَرَ مالك عَنْ نافع عَنِ ابْنِ عُمَرَ: إذا عطس أحدكم، فقيل له: يرحمك الله. فليقل: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم. وظاهر الْحَدِيثِ الْمَبْدُوءِ بِهِ أَنَّ التَّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ. اختاره ابن أبي زيد، ولا دافع له. ولما كان العاطس قد حصل لَهُ بِالْعُطَاسِ نِعْمَةٌ وَمَنْفَعَةٌ بِخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ، شرع له ﷺ حَمْدُ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ مَعَ بَقَاءِ أعضائه على هيئتها بَعْدَ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الَّتِي هِيَ لِلْبَدَنِ كَزَلْزَلَةِ الأرض لها. وكان إِذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فيه، وخفض بها صوته، ويذكر عنه: «أن التثاؤب الرفيع، والعطسة الشديدة من الشيطان» . وَصَحَّ عَنْهُ إِنَّهُ «عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يرحمك الله، ثم عطس أخرى، فقال له: الرجل مزكوم» ، لفظ مسلم، ولفظ الترمذي أنه قال بعد العطسة الثالثة، وقال: حديث صحيح. ولأبي داود عن أبي هريرة موقوفا: شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ، فإن قيل: الذي فيه زكام أولى أن يدعى له! قيل: يدعى له كما يدعى للمريض، وَأَمَّا سُنَّةُ الْعُطَاسِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَهُوَ نعمة، فإنه إلى تمام الثلاث، وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:
стр. 85
«الرَّجُلُ مَزْكُومٌ» ، تَنْبِيهٌ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُ بِالْعَافِيَةِ، وَفِيهِ اعْتِذَارٌ مِنْ تَرْكِ تَشْمِيتِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ. وإذا حمد الله فسمعه بعضهم دون بعض، فالصواب أن يشمته من لم يسمعه إذا تحقق أنه حمد الله، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «فَإِنْ حمد الله فشمتوه» ، وإذا نسي الحمد، فقال ابن العربي: لا يذكره. وظاهر السنة يقوي هذا القول، والنبي ﷺ لم يذكره، وهو أولى بفعل السنة وتعليمها. وصح عنه «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَهُ يَرْجُونَ أَنْ يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.»
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في آداب السفر]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في آداب السفر صح عنه أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ ركعتين» . الحديث (١) فعوض أمته بهذا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ زَجْرِ الطَّيْرِ، وَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الَّذِي نَظِيرُهُ هَذِهِ الْقُرْعَةُ التي يَفْعَلُهَا إِخْوَانُ الْمُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ بِهَا عِلْمَ مَا قسم لهم في الغيب؛ ولهذا سمي استقساما، فعوضهم بهذا الدعاء الذي هو توحيد وتوكل، وسؤال للذي لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَصْرِفُ السيئات إلا هو -عن التطير والتنجيم واختيار المطالع ونحوه، فهذا الدعاء هو طالع أهل السعادة، لا طالع أهل الشرك ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦] (٢) . وتضمن الإقرار بصفات كماله، والإقرار بربوبيته، والتوكل عليه، واعتراف العبد بعجزه عن العلم بمصالح نفسه، وقدرته عليها، وإرادته لها. ولأحمد عن سعد مرفوعا: «إن من سعادة ابن آدم استخارة الله، والرضى بما قضى الله، وإن من شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ، وَسَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ» . فَتَأَمَّلْ كَيْفَ وَقَعَ الْمَقْدُورُ مُكْتَنِفًا بِأَمْرَيْنِ: التَّوَكُّلِ الَّذِي هُوَ مَضْمُونُ الِاسْتِخَارَةِ قبله، والرضى بما يقضي الله بعده. «وَكَانَ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كنا
стр. 86
لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ يقول: اللهم إني أسألك في سفري هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللهم هون علينا السفر، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سفرنا، واخلفنا في أهلنا. وكان إذا رجع قال: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» (١) . وَذَكَرَ أحمد عنه «أنه إذا دخل البلد قال: توبا، لربنا أوبا، لا يغادر حوبا.» «وَكَانَ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ لِرُكُوبِ دَابَّتِهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى ظهرها قال: الحمد لله، ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وما كنا له مقرنين.» وَكَانَ إِذَا وَدَّعَ أَصْحَابَهُ فِي السَّفَرِ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: «أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ» . «وقال له رجل: إني أريد سفرا. قال: أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ» . «وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا عَلَوُا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا، فَوُضِعَتِ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ.» وَقَالَ أنس: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا عَلَا شَرَفًا مِنَ الْأَرْضِ أَوْ نَشْزًا قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الشَّرَفُ عَلَى كُلِّ شرف، ولك الحمد على كل حال.» وَكَانَ يَقُولُ: «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ» (٢) . وَكَانَ يَكْرَهُ لِلْمُسَافِرِ وَحْدَهُ أن يسير بالليل، وقال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا سَارَ أَحَدٌ وَحْدَهُ بِلَيْلٍ» . بَلْ كَانَ يَكْرَهُ السفر للواحد، وأخبر أن «الواحد شيطان والاثنين شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . وَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ شيء حتى يرتحل منه» (٣) . وَكَانَ يَقُولُ: «إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الإبل حقها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة، فأسرعوا عليها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطرق، فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» . «وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ» ، «وَكَانَ يَنْهَى الْمَرْأَةَ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَلَوْ مَسَافَةَ بَرِيدٍ» (٤) «ويأمر الْمُسَافِرَ إِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ أَنْ يعجل الرجوع إلى
стр. 87
أهله» (١) «وينهى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا» (٢) إِذَا طَالَتْ غيبته عنهم، وإذا قدم من سفر تلقي بالولدان من أهل بيته، «وكان يعتنق القادم من السفر، ويقبله إذا كان من أهله» . قال الشعبي: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا، «وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَرَكَعَ فيه ركعتين» (٣) .
فصل ثبت عنه أنه علمهم خطبة الحاجة: «إن الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ من شرور أنفسنا» - وفي لفظ - «ومن سيئات أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شريك له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الثلاث الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (٤) الآية، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] (٥) الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٧٠ - ٧١] (٦) .» قَالَ شعبة: قُلْتُ لأبي إسحاق: هَذِهِ في خطبه النكاح أو في غيره؟ قال: في كل حاجة. وقال: «إذا قاد أَحَدُكُمُ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً، فَلْيَأْخُذْ بناصيتها، وليدع الله بالبركة، وليسم اللَّهَ ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ» (٧) . وَكَانَ يَقُولُ لِلْمُتَزَوِّجِ: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وجمع بينكما في خير» (٨) . وصح عنه أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ رَأَى مُبْتَلًى، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ كَائِنًا مَا كان» (٩) .
стр. 88
وذكر عنه أَنَّهُ ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدَّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَيْتَ مِنَ الطِّيَرَةِ مَا تَكْرَهُ، فَقُلِ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، ولا حول ولا قوة إلا بك» .
فصل وصح عنه: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا يَكْرَهُ مِنْهَا شيئا، فلينفث عن يساره، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ، ولا يخبر بها أحدا، فإن رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً، فَلْيَسْتَبْشِرْ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ» . وَأَمَرَ مَنْ رَأَى مَا يكره أن يتحول من جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَأَمَرَهُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَنْ يَنْفُثَ عَنْ يَسَارِهِ، وأن يستعيذ بالله من الشيطان، ولا يُخْبِرَ بِهَا أَحَدًا، وَأَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ الذي كان عليه، وأن يقوم يصلي، وَقَالَ: «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ، وَلَا يَقُصُّهَا إِلَّا على واد أو ذي رأي» . ويذكر عنه أنه كان يقول للرائي: «خيرا رأيت» . ثم يعبرها.
[فصل فيما يقوله ويفعله من بلي بالوساوس]
فصل
فيما يقوله ويفعله من بلي بالوساوس عن عبد الله بن مسعود يرفعه: «إن للملك بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمَّةً، وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةً، فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ بِالْخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، وَرَجَاءُ صَالِحِ ثواب، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَقُنُوطٌ مِنَ الْخَيْرِ، فَإِذَا وَجَدْتُمْ لَمَّةَ الْمَلَكِ، فَاحْمَدُوا الله، واسألوه مِنْ فَضْلِهِ، وَإِذَا وَجَدْتُمْ لَمَّةَ الشَّيْطَانِ، فَاسْتَعِيذُوا بالله واستغفروه» . وقال له عثمان بن أبي العاص: قد حال الشيطان بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي؟ قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزَبٌ (١) فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا» (٢) . «وَشَكَا إِلَيْهِ الصَّحَابَةُ أن أحدهم يجد في نفسه لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ
стр. 89
يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ.» «وَأَرْشَدَ مَنْ بُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ وَسْوَسَةِ التَّسَلْسُلِ فِي الْفَاعِلِينَ إِذَا قِيلَ لَهُ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ - أَنْ يَقْرَأَ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣] » (١) . وكذلك قال ابن عباس لأبي زميل وَقَدْ سَأَلَهُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أتكلم به، فقال: أشيء من شك؟ قلت: بلى، قال: مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] (٢) الآية، فَإِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا، فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ﴾ [الحديد: ٣] الآية. فأرشدهم بالآية إلى بطلان التسلسل بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ، وَأَنَّ سِلْسِلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي ابْتِدَائِهَا تَنْتَهِي إِلَى أَوَّلَ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، كَمَا تَنْتَهِي فِي آخِرِهَا إِلَى آخِرٍ لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، كَمَا أَنَّ ظُهُورَهُ: هُوَ الْعُلُوُّ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَبُطُونَهُ هُوَ: الْإِحَاطَةُ الَّتِي لَا يَكُونُ دُونَهُ فِيهَا شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ، لَكَانَ ذَلِكَ هو الرب الخلاق، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غني عن غيره، كل شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ، مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَوْجُودٌ بِهِ قَدِيمٌ، لَا أَوَّلَ لَهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَوُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمِهِ بَاقٍ بِذَاتِهِ، وَبَقَاءُ كل شيء به، وَقَالَ ﷺ : «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ من ذلك شيء، فليستعذ بالله، ولينته» . وقال تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦] (٣) الآية ولما كان الشيطان نوعين: نوعا يرى عيانا وهو الإنسي، ونوعا لا يرى وهو الجني - أمر الله تعالى نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَكْتَفِيَ من شر الإنسي بالإعراض والعفو والدفع بالتي هي أحسن، ومن شر الجني بالاستعاذة، وجمع بين نوعين في (سورة الأعراف) و (المؤمنون) و (فصلت) .
فَمَا هُوَ إِلَّا الِاسْتِعَاذَةُ ضَارِعًا ... أَوِ الدَّفْعُ بالحسنى هما خير مطلوب
стр. 90
فَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ مَا يُرَى ... وَذَاكَ دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ مَحْجُوبِ
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ فِيمَا يقوله عند الغضب]
فصل «وأمر ﷺ من اشتد غضبه أن يطفئ جَمْرَةَ الْغَضَبِ بِالْوُضُوءِ وَالْقُعُودِ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَالِاضْطِجَاعِ إِنْ كَانَ قَاعِدًا، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنَ الشيطان» . وَلَمَّا كَانَ الْغَضَبُ وَالشَّهْوَةُ جَمْرَتَيْنِ مِنْ نَارٍ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ أَمَرَ أَنْ يُطْفِئَهُمَا بما ذكر، كقوله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] (١) الآية، يحمل عليه شدة الشهوة، فأمرهم بما يطفئوا به جَمْرَتَهَا، وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَأَمَرَ تَعَالَى بالاستعاذة من الشيطان عند نزغه. وَلَمَّا كَانَتِ الْمَعَاصِي كُلُّهَا تَتَوَلَّدُ مِنَ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ، وَكَانَ نِهَايَةُ قُوَّةِ الْغَضَبِ الْقَتْلَ، وَنِهَايَةُ قوة الشهوة الزنا، قرن بينهما في سورة " الأنعام " و " الإسراء " و " الفرقان ". وَكَانَ ﷺ «إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ. وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الحمد لله على كل حال» . وكان يدعو لمن تقرب إليه بما يحب، فَلَمَّا وَضَعَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَضُوءَهُ قَالَ: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» . ودعا لأبي قتادة لما دعمه بالليل لما مال عن راحلته: «حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ» . وَقَالَ: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء» . وقال للذي أقرضه لما وفاه: «بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جزاء السلف الحمد والأداء» . وَكَانَ ﷺ إِذَا أُهْدِيَتْ له هدية كافأ بأكثر منها، وإن لم يردها اعتذر إلى مهديها، كقوله للصعب: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» . «وأمر أمته إذا سمعوا نهيق الحمار أن يستعيذوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَإِذَا سَمِعُوا صِيَاحَ الديك أن يسألوا الله من فضله» . «ويروى أنه أمرهم بالتكبير عند الحريق» ، فإنه يطفئه، وكره لأهل المجلس أن يخلو مَجْلِسَهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَقَالَ: «مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مضجعا لا يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ترة» . والترة: الحسرة. وقال: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحَانَكَ
стр. 91
اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ -إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ» . وَفِي سُنَنِ أبي داود أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ، فسئل عنه، فقال: «ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ» .
[فَصْلٌ فِي أَلْفَاظٍ كَانَ ﷺ يكره أن تقال]
فَصْلٌ
فِي أَلْفَاظٍ كَانَ ﷺ يكره أن تقال فمنها: خبثت نفسي، أو جاشت، ومنها أن يسمى العنب كرما، وقول الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، وَقَالَ: «إِذَا قَالَ ذَلِكَ، فهو أهلكهم» وفي معناه: فَسَدَ النَّاسُ، وَفَسَدَ الزَّمَانُ وَنَحْوُهُ. وَنَهَى أَنْ يقال: «مطرنا بنوء كذا وكذا» ، «وما شاء الله وشئت» (١) . ومنها أن يحلف بغير الله، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ فِي حَلِفِهِ: هُوَ يَهُودِيٌّ ونحوه إن فعل كذا، ومنها أن يقول للسلطان: ملك الملوك، ومنها قول السيد: عبدي وأمتي، ومنها سب الريح، ومنها سب الحمى، وسب الديك، والدعاء بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها، ومثله التعصب للمذهب والطريقة والمشايخ، وَمِنْهَا تَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ، تَسْمِيَةً غَالِبَةً يُهْجَرُ بها اسم العشاء. ومنها سِبَابِ الْمُسْلِمِ، وَأَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ، وَأَنْ تُخْبِرَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بِمَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى، ومنها قول: اللهم اغفر لي إن شئت، ومنها الإكثار من الحلف، وأن يقول: قوس قزح، وأن يسأل أحدا بوجه الله، وأن تسمى المدينة يثرب، وأن يُسْأَلَ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ إِلَّا إِذَا دعت الحاجة إليه، ومنها أن يقول: صمت رمضان كله، وقمت الليل كله. وَمِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَكْرُوهَةِ الْإِفْصَاحُ عَنِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ينبغي الكناية عنها، وأن يقال: أطال الله بقاءك، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ الصَّائِمُ: وَحَقِّ الذي خاتمه على فمي. فإنما يختم على فم الكافر، وأن يقول للمكوس حقوقا، ولما ينفقه في طاعة: خسرت كذا، وَأَنْ يَقُولَ: أَنْفَقْتُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَالًا كَثِيرًا، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ الْمُفْتِي: أَحَلَّ اللَّهُ كذا، وحرم كذا في مسائل الاجتهاد، ومنها أن تسمى أدلة القرآن والسنة
стр. 92
مجازات، وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَضَافَ إِلَى ذَلِكَ تَسْمِيَةَ شبه المتكلمين قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةً، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَمْ حصل بهاتين التسميتين من إفساد الدين والدنيا! ومنها أن يحدث الرجل بما يكون بينه وبين أهله كَمَا يَفْعَلُهُ السَّفَلَةُ. وَمِمَّا يُكْرَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ: زعموا، وذكروا وقالوا، ونحوه، وأن يقال للسلطان: خليفة الله؛ فإن الخليفة إنما يكون عن غائب، والله سبحانه خليفة الغائب في أهله. وليحذر كل الحذر من طغيان " أنا " و " لي " و " عندي " فإن هذه ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون فـ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢] لِإِبْلِيسَ، وَ ﴿لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١] لفرعون، و ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] لقارون، وأحسن مما وُضِعَتْ " أَنَا " فِي قَوْلِ الْعَبْدِ: أَنَا الْعَبْدُ المذنب المستغفر المعترف، ونحوه، و " لي " فِي قَوْلِهِ: لِيَ الذَّنْبُ، وَلِيَ الْجُرْمُ، وَلِيَ الفقر، والذل، و " عندي " فِي قَوْلِهِ: «اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلَّ ذَلِكَ عِنْدِي» .
[فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ ﷺ في الجهاد والغزوات]
فَصْلٌ
فِي هَدْيِهِ ﷺ في الجهاد والغزوات لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام، وَمَنَازِلُ أَهْلِهِ أَعْلَى الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ، كَمَا لهم الرفعة في الدنيا، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنْهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى أَنْوَاعِهِ كُلِّهَا، فَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ بِالْقَلْبِ وَالْجِنَانِ، وَالدَّعْوَةِ وَالْبَيَانِ، وَالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَكَانَتْ سَاعَاتُهُ موقوفة على الجهاد؛ ولهذا كان أعظم العالمين عند الله قدرا. وأمره تعالى بالجهاد من حين بعثه، فقال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢] (١) . فهذه سورة مكية أمره فيها بالجهاد بالبيان، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بالحجة وهو أَصْعَبُ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ جِهَادُ خَوَاصِّ الْأُمَّةِ، وَوَرَثَةِ الرُّسُلِ، وَالْقَائِمُونَ بِهِ أَفْرَادٌ فِي العالم، وَالْمُعَاوِنُونَ عَلَيْهِ -وَإِنْ كَانُوا هُمُ الْأَقَلِّينَ عَدَدًا- فهم الأعظمون قَدْرًا. وَلَمَّا كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ قَوْلُ الحق مع شدة المعارض مثل أن يتكلم به عند من يخاف سطوته، كان للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من ذلك الحظ الأوفر، وكان له ﷺ من
стр. 93
ذلك أكمله وَأَتَمُّهُ، وَلَمَّا كَانَ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللَّهِ فِي الخارج فرعا على جهاد النفس، كما قال ﷺ : «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسه في ذات الله» (١) كان جهادها مقدما. فَهَذَانِ عَدُوَّانِ قَدِ امْتُحِنَ الْعَبْدُ بِجِهَادِهِمَا، وَبَيْنَهُمَا عَدُوٌّ ثَالِثٌ لَا يُمْكِنُهُ جِهَادُهُمَا إِلَّا بِجِهَادِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَهُمَا يُثَبِّطُ الْعَبْدَ عَنْ جِهَادِهِمَا، وهو الشيطان، قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فَاطِرٍ: ٦] (٢) . وَالْأَمْرُ بِاِتِّخَاذِهِ عَدُوًّا تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِفْرَاغِ الوسع في محاربته، فهذه ثلاثة أعداء أمر العبد بمحاربتها، وسلطت عليه امتحانا من الله، وأعطي العبد مددا وقوة، وبلي أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْآخَرِ، وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً، ليبلو أخبارهم، فَأَعْطَى عِبَادَهُ الْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْعُقُولَ وَالْقُوَى، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وَأَمَدَّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ، وأمرهم بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعَوْنِ لَهُمْ عَلَى حرب عدوهم، وأخبرهم أنهم إن امتثلوه لَمْ يَزَالُوا مَنْصُورِينَ عَلَى عَدُوِّهِ وَعَدُوِّهِمْ، وَأَنَّهُ إِنْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ؛ فَلِتَرْكِهِمْ بَعْضَ مَا أُمِرُوا به، ثم لم يؤيسهم، بل أمرهم أن يداووا جراحهم، ويعودوا إلى مناهضة عدوهم بصبرهم، وأخبرهم أَنَّهُ مَعَ الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ، وَمَعَ الْمُحْسِنِينَ، وَمَعَ الصَّابِرِينَ، وَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَا يُدَافِعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، بَلْ بدفاعه عنهم انتصروا، ولولا ذلك لاجتاحهم عدوهم. وهذه المدافعة بحسب إيمانهم، فإن قوي إيمانهم قويت، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ. وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا فِيهِ حَقَّ جِهَادِهِ، كَمَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَكَمَا أَنَّ حَقَّ تُقَاتِهِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ - فَحَقُّ جِهَادِهِ أَنْ يجاهد نفسه؛ ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لِلَّهِ وَبِاللَّهِ، لَا لِنَفْسِهِ وَلَا بِنَفْسِهِ، وَيُجَاهِدُ شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره، فإنه يعد الأماني، ويمني الغرور، ويأمر بالفحشاء، وينهى عن الهدى وأخلاق الإيمان كلها، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وعدة، يجاهد بها أعداء الله بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَمَالِهِ؛ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العليا. واختلفت
стр. 94
عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي حَقِّ الْجِهَادِ، فَقَالَ ابْنُ عباس: هو استفراغ الطاقة فيه، وأن لا يخاف في الله لومة لائم. وقال ابن الْمُبَارَكِ: هُوَ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَالْهَوَى. وَلَمْ يُصِبْ من قال: إن الآيتين منسوختان؛ لظنه تضمنهما ما لَا يُطَاقُ، وَحَقُّ تُقَاتِهِ وَحَقُّ جِهَادِهِ: هُوَ مَا يُطِيقُهُ كُلُّ عَبْدٍ فِي نَفْسِهِ، وَذَلِكَ يختلف باختلاف أحوال المكلفين. وَتَأَمَّلْ كَيْفَ عَقَّبَ الْأَمْرَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (١) والحرج: الضيق. وقال ﷺ : «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» ، فَهِيَ حَنِيفِيَّةٌ فِي التَّوْحِيدِ، سَمْحَةٌ فِي الْعَمَلِ، وقد وسع الله سبحانه عَلَى عِبَادِهِ غَايَةَ التَّوْسِعَةِ فِي دِينِهِ وَرِزْقِهِ وعفوه ومغفرته، فبسط عَلَيْهِمُ التَّوْبَةَ مَا دَامَتِ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ، وجعل لكل سيئة كفارة، وجعل لكل ما حرم عوضا من الحلال، وَجَعَلَ لِكُلِّ عُسْرٍ يَمْتَحِنُهُمْ بِهِ يُسْرًا قَبْلَهُ ويسرا بعده، فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمْ مَا لَا يَسَعُهُمْ، فَضْلًا عَمَّا لا يطيقونه.
[فصل في أنواع الجهاد]
فصل إذا عرف هذا، فالجهاد على أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: جِهَادُ النَّفْسِ، وَجِهَادُ الشَّيْطَانِ، وَجِهَادُ الكفار، وجهاد المنافقين.
فجهاد النفس وهو أيضا أربع مراتب:
أحدها: أن يجاهدها على تعلم الهدى. الثانية: على العمل به بعد علمه. الثالثة: على الدعوة إليه، وَإِلَّا كَانَ مِنَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ الله. الرابعة: على الصبر على مشاق الدعوة، وَيَتَحَمَّلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْأَرْبَعَ صَارَ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ، فَإِنَّ السَّلَفَ مُجْمِعُونَ على أن العالم لا يكون رَبَّانِيًّا حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيُعَلِّمَهُ، ويدعو إليه. المرتبة الثانية: جهاد الشيطان، وهو مرتبتان: أحداهما: جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات. الثانية: على دفع ما يلقي من الشهوات، فالأول يَكُونُ بَعْدَهُ الْيَقِينُ، وَالثَّانِي يَكُونُ بَعْدَهُ الصَّبْرُ، قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (٢) . والمرتبة الثالثة: جهاد الكفار والمنافقين، وهو أربع مراتب، بالقلب واللسان والمال والنفس، وجهاد
стр. 95
الْكُفَّارِ أَخَصُّ بِالْيَدِ، وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ أَخَصُّ بِاللِّسَانِ. المرتبة الرابعة: جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع، وهو ثلاث مَرَاتِبَ: الْأُولَى بِالْيَدِ إِذَا قَدَرَ، فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إِلَى اللِّسَانِ، فَإِنْ عَجَزَ جَاهَدَ بِقَلْبِهِ. فهذه ثلاث عشرة مَرْتَبَةً مِنَ الْجِهَادِ، وَ «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شعبة من النفاق» . وَلَا يَتِمُّ الْجِهَادُ إِلَّا بِالْهِجْرَةِ، وَلَا الْهِجْرَةُ والجهاد إلا بالإيمان، والراجون لرحمة اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ قَامُوا بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢١٨] (١) . وَكَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَفَرْضٌ عَلَيْهِ هِجْرَتَانِ فِي كُلِّ وَقْتٍ: هجرة إلى الله بالإخلاص، وهجرة إلى رسوله بالمتابعة، وفرض عليه جهاد نفسه وشيطانه فَهَذَا كُلُّهُ فَرْضُ عَيْنٍ لَا يَنُوبُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. وَأَمَّا جِهَادُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، فقد يكتفى فيه ببعض الأمة.
وأكمل الخلق عند الله ، من أكمل مراتب الجهاد كلها؛ ولهذا كان أكمل الخلق عند الله وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه محمد، فإنه كمل مراتبه، وجاهد في الله حق جهاده، وشرع فيه من حين بعثه الله إلى أن توفاه، فإنه لما أنزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ١ - ٤] (٢) شَمَّرَ عَنْ سَاقِ الدَّعْوَةِ، وَقَامَ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ ليلا ونهارا، سرا وجهارا، ولما أنزل عليه ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] (٣) صدع بأمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، فدعا إلى الله الكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، وَالْجِنَّ وَالْإِنْسَ. وَلَمَّا صَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَصَرَّحَ لقومه بالدعوة، وبادأهم بِسَبِّ آلِهَتِهِمْ، وَعَيْبِ دِينِهِمْ، اشْتَدَّ أَذَاهُمْ لَهُ ولمن استجاب له، وَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣] (٤) . وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] (٥) وقال تعالى:
стр. 96
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] (١) . فعزى الله سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّ لَهُ أُسْوَةً بِمَنْ تقدمه، وَعَزَّى أَتْبَاعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] (٢) وَقَوْلِهِ: ﴿الم - أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]-إلى قوله -: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٠] (٣) . فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَبْدُ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْعِبَرِ وَكُنُوزِ الْحِكَمِ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا أُرْسِلَ إِلَيْهِمِ الرُّسُلُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن لا يقولوا ذلك، بل يستمر على السيئات، فمن قال: آمنا، فتنه ربه، والفتنة: الابتلاء والاختبار؛ ليبين الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ: آمَنَّا، فلا يحسب أنه يفوت الله ويسبقه، فمن آمن بالرسل، عاداه أعداؤهم، وآذوه، فابتلي بما يؤلمه، ومن لم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة. فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْأَلَمِ لِكُلِّ نَفْسٍ، لكن المؤمن يحصل له الألم ابْتِدَاءً، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا والآخرة، والمعرض تَحْصُلُ لَهُ اللَّذَّةُ ابْتِدَاءً، ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الْأَلَمِ الدَّائِمِ، وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَيُّمَا أَفْضَلُ لِلرَّجُلِ، أَنْ يُمَكَّنَ أَوْ يُبْتَلَى؟ فَقَالَ: لا يمكن حتى يبتلى. والله ابتلى أولي العزم من رسله، فَلَمَّا صَبَرُوا مَكَّنَهُمْ، فَلَا يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَخْلُصُ مِنَ الْأَلَمِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُ أَهْلُ الْآلَامِ فِي الْعُقُولِ، فَأَعْقَلُهُمْ مَنْ بَاعَ أَلَمًا عظيما مستمرا بألم منقطع يسير، وأسفههم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم المستمر العظيم. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَخْتَارُ الْعَاقِلُ هَذَا؟ قِيلَ: الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا النَّقْدُ وَالنَّسِيئَةُ، والنَّفْسُ موكلة بالعاجل ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ - وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢١] (٤) ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإنسان: ٢٧] (٥) . وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَعِيشَ مَعَ النَّاسِ، ولهم إرادات يطلبون منه موافقتهم عليها، فإن لم يفعل آذَوْهُ وَعَذَّبُوهُ، وَإِنْ وَافَقَهُمْ حَصَلَ لَهُ الْأَذَى وَالْعَذَابُ، تَارَةً مِنْهُمْ، وَتَارَةً مِنْ غَيْرِهِمْ، كَمَنْ عِنْدَهُ دِينٌ وَتُقًى حَلَّ بَيْنَ قَوْمٍ فُجَّارٍ ظلمة لا يتمكنون من
стр. 97
فجورهم وظلمهم إلا بموافقة لهم، أو سكوته عنهم، فإن فعل سَلِمَ مِنْ شَرِّهِمْ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِ بِالْإِهَانَةِ وَالْأَذَى أَضْعَافَ مَا كَانَ يَخَافُهُ ابتداء لو أنكر عليهم، وَإِنْ سَلِمَ مِنْهُمْ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُهَانَ على يد غيرهم. فالحزم كل الحزم: الأخذ بما قالته عائشة ﵂ لمعاوية: مَنْ أَرْضَى اللَّهَ بِسَخَطِ النَّاسِ، كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، لَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ، رَأَى هَذَا كَثِيرًا، فيمن يعين الرؤساء وأهل البدع هربا من عقوبتهم، فمن وقاه الله شر نفسه، امتنع من الموافقة على المحرم، وصبر على عداوتهم، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كما كانت للرسل لمن ابتلي من العلماء وغيرهم. ولما كان الألم لا مخلص مِنْهُ الْبَتَّةَ، عَزَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنِ اخْتَارَ الْأَلَمَ الْيَسِيرَ الْمُنْقَطِعَ عَلَى الْأَلَمِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَمِرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥] (١) . فضرب لهذا الألم المنقطع أجلا وهو يوم لقائه، فيلتذ العبد أعظم لذة بما تحمل من الألم لأجله، وأكد هذا العزاء برجاء اللقاء؛ ليحمل العبد اشتياقه إلى ربه على تحمل الألم العاجل، بل ربما غيبه الشوق عَنْ شُهُودِ الْأَلَمِ وَالْإِحْسَاسِ بِهِ؛ وَلِهَذَا سَأَلَ ﷺ رَبَّهُ الشَّوْقَ إِلَى لقائه، وشوقه من أعظم النعم، وَلَكِنْ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ أَقْوَالٌ وَأَعْمَالٌ هُمَا السَّبَبُ الَّذِي تُنَالُ بِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ سَمِيعٌ لِتِلْكَ الأقوال، عليم بتلك الأعمال، وهو عليم بمن يصلح لهذه النعمة، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] (٢) فإذا فاقت العبد نعمة، فَلْيَقْرَأْ عَلَى نَفْسِهِ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] (٣) . ثُمَّ عَزَّاهُمْ تَعَالَى بِعَزَاءٍ آخَرَ، وَهُوَ إنما جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، وأنه غني عن العالمين، فمصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا له سُبْحَانَهُ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُدْخِلُهُمْ بِجِهَادِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ فِي زُمْرَةِ الصَّالِحِينَ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الداخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه يجعل فتنة الناس - أي أذاهم له ونيلهم إياه بالألم الذي لا بد منه - كعذاب الله الذي فر منه
стр. 98
المؤمنون بالإيمان، فإذا جاء نصر الله لجنده، قال: إني معكم. والله أعلم بِمَا انْطَوَى عَلَيْهِ صَدْرُهُ مِنَ النِّفَاقِ. وَالْمَقْصُودُ أن الحكمة اقتضت أنه سبحانه لا بد أن يمتحن النفوس، فيظهر طيبها من خبيثها، إِذِ النَّفْسُ فِي الْأَصْلِ جَاهِلَةٌ ظَالِمَةٌ، وَقَدْ حصل لها بذلك من الخبث ما يحتاج خروجه إلى التصفية، فَإِنْ خَرَجَ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَإِلَّا فَفِي كير جهنم، فإذا نقي العبد أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ.
[فَصْلٌ في دعوة الرسول قومه إلى دينه]
فصل ولما دعا إلى الله، اسْتَجَابَ لَهُ عِبَادُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، فكان حائز قصب سبقهم صديق الأمة أبو بكر، فَآزَرَهُ فِي دِينِ اللَّهِ، وَدَعَا مَعَهُ إِلَى الله، فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد. وبادرت إلى الاستجابة صديقة النساء خديجة، وَقَامَتْ بِأَعْبَاءِ الصِّدِّيقِيِّةِ، وَقَالَ لَهَا: «لَقَدْ خَشِيتُ على نفسي» ، فقالت: أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا. ثُمَّ استدلت بما فيه من الصفات على أن من كان كذلك، لم يخزه الله أبدا، فعلمت بفطرتها وكمال عقلها، أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة تناسب كرامة الله وإحسانه، لا تناسب الخزي. وبهذا العقل استحقت أن يرسل إليها ربها السلام منه مع رسوليه جبريل ومحمد ﵉. وَبَادَرَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وهو ابن ثمان سنين، وقيل أكثر، وَكَانَ فِي كَفَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أخذه من عمه إِعَانَةً لَهُ فِي سَنَةِ مَحْلٍ. وَبَادَرَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وكان غلاما لخديجة، فوهبته له، وجاء أبوه وعمه في فدائه، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَهَلَّا غَيْرَ ذَلِكَ قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَدْعُوهُ فَأُخَيِّرُهُ، فَإِنِ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنِ اخْتَارَنِي، فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنِ اخْتَارَنِي أَحَدًا، قَالَا: قَدْ رَدَدْتَنَا عَلَى النصف وأحسنت. فدعاه، فخيره، فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا. قالا: وَيْحَكَ يَا زيد، أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وعلى أهل بيتك؟ قال: نعم؛ لقد رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا مَا أَنَا بِالَّذِي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أَحَدًا أَبَدًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَهُ إِلَى الْحِجْرِ، فَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ زيدا ابني، أرثه ويرثني، فلما رأى ذلك طابت أنفسهما
стр. 99
وانصرفا» . وَدُعِيَ زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بالإسلام، فنزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الْأَحْزَابِ: ٥] (١) فَدُعِيَ مِنْ يَوْمِئِذٍ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. قال معمر عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَا عَلِمْنَا أَحَدًا أَسْلَمَ قَبْلَ زيد. وأسلم ورقة بن نوفل، وَفِي " جَامِعِ الترمذي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فِي هيئة حسنة» . ودخل الناس في دين الله وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، وَقُرَيْشٌ لَا تُنْكِرُ ذَلِكَ حتى بادأهم بعيب دينهم، وسب آلهتهم، فَحِينَئِذٍ شَمَّرُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ عَنْ سَاقِ الْعَدَاوَةِ، فحمى الله رسوله بأبي طالب؛ لأنه كان شريفا معظما فيهم، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي تَبْدُو لِمَنْ تَأَمَّلَهَا. وَأَمَّا أَصْحَابُهُ، فَمَنْ كانت له عشيرة تحميه امتنع بهم، وسائرهم تصدوا له بالعذاب، ومنهم عمار وأمه وأهل بيته، فإنهم عُذِّبُوا فِي اللَّهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرَّ بِهِمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ يَقُولُ: «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ موعدكم الجنة» . ومنهم بلال، فإنه عذب في الله أشد العذاب، هان عليهم، وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللَّهِ، وَكَانَ كُلَّمَا اشتد به الْعَذَابُ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، فَيَمُرُّ بِهِ ورقة بن نوفل، فَيَقُولُ: إِي وَاللَّهِ يَا بلال أَحَدٌ أَحَدٌ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأَتَّخِذَنَّهُ حنانا. ولما اشتد أذاهم على المؤمنين، وفتن منهم من فتن، أذن الله سبحانه لهم في الهجرة الْأُولَى إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ هاجر إليها عثمان ومعه زوجته رقية بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وكانوا اثنى عشر رجلا وأربع نسوة، خرجوا مُتَسَلِّلِينَ سِرًّا، فَوَفَّقَ اللَّهُ لَهُمْ سَاعَةَ وُصُولِهِمْ إلى الساحل سفينتين، فحملوهم، وكان مخرجهم في رجب من السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنَ الْمَبْعَثِ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي آثارهم حتى جاءوا ساحل البحر، فلم يدركوهم، ثُمَّ بَلَغَهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا قَدْ كَفُّوا عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعُوا، فَلَمَّا كَانُوا دون مكة بساعة، بلغهم أنهم أشد ما كانوا عداوة، فدخل من دخل منهم بِجِوَارٍ. وَفِي تِلْكَ الْمَرَّةِ «دَخَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الصلاة، فلم يرد عليه» ، هذا هو الصواب، كذا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا
стр. 100
لَمَّا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا من مكة بلغهم أن ذلك كان باطلا، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا، وكان مِمَّنْ قَدِمَ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَشَهِدَ بَدْرًا - وَأُحُدًا، فَذَكَرَ مِنْهُمْ ابن مسعود. وحديث زيد بن أرقم أجيب عنه بجوابين: أحدهما: أن النهي ثَبَتَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ نهي عنه. الثاني: أن زيدا مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ، فلما بلغهم انتهوا. ثُمَّ اشْتَدَّ الْبَلَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى مَنْ قدم من الحبشة وغيرهم، وسطت بهم عشائرهم، فَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، فكان خروجهم الثاني أشق عليهم، ولقوا من قريش أذى شديدا، وَصَعُبَ عَلَيْهِمْ مَا بَلَغَهُمْ عَنِ النَّجَاشِيِّ مِنْ حسن جواره لهم. فكان عدة من هاجر فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا إِنْ كان عمار بن ياسر فيهم، وَمِنَ النِّسَاءِ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، قُلْتُ: قَدْ ذكر في هذه الثانية عثمان وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وهما، وإما أن تكون لَهُمْ قَدْمَةٌ أُخْرَى قَبْلَ بَدْرٍ، فَيَكُونُ لَهُمْ ثلاث قدمات؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابن سعد وَغَيْرُهُ: إِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا مُهَاجَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ ثمان، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةٌ، وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، فَلَمَّا كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوِّلِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الهجرة كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية، فأسلم، وقال: لو قدرت أن آتيه لأتيته، وكتب إليه أن يزوجه أم حبيبة، وكانت فيمن هاجر مَعَ زَوْجِهَا عبيد الله بن جحش، فَتَنَصَّرَ هناك، ومات نصرانيا، فَزَوَّجَهُ النَّجَاشِيُّ إِيَّاهَا، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ تَزْوِيجَهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ بقي عنده من أصحابه، ويحملهم، فحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بخيبر، فوجدوه قد فتحها. وَعَلَى هَذَا فَيَزُولُ الْإِشْكَالُ الَّذِي بَيْنَ حَدِيثِ ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم، ويكون تخريج الكلام بالمدينة، فإن قيل: فما أحسنه لولا أن ابن إسحاق قد قال ما حكيته عنه أن ابن مسعود أقام بمكة. قيل: قد ذكر
стр. 101
ابن سعد أنه أقام بمكة يسيرا، ثم رجع إلى الحبشة، وهذا هو الأظهر؛ لأنه لم يكن له بمكة من يحميه، فتضمن هذا زِيَادَةَ أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وابن إسحاق لم يذكر من حدثه، وابن سعد أسنده إِلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، فزال الإشكال ولله الحمد. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ أبا موسى الأشعري، وأنكر هذا عليه الواقدي وغيره، وقالوا: كيف يخفى هذا على من دونه فضلا عنه؟ قلت: ليس هذا مما يخفى علي من دونه فَضْلًا عَنْهُ، وَإِنَّمَا نَشَأَ الْوَهْمُ أَنَّ أبا موسى هاجر من اليمن إلى عند جعفر وأصحابه، ثم قدم معهم، فعد ابن إسحاق ذلك لأبي موسى هِجْرَةً، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّهُ هَاجَرَ من مكة لينكر عليه.
[فصل في الهجرة إلى الحبشة]
فصل وانحاز المسلمون إلى النجاشي آمنين، فبعثت قريش فِي أَثَرِهِمْ عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا للنجاشي ليردهم عليهم، وتشفعوا إليه بعظماء بطارقته، فأبى ذلك، فوشوا إليه أنهم يَقُولُونَ فِي عِيسَى قَوْلًا عَظِيمًا، يَقُولُونَ: إِنَّهُ عبد، فاستدعاهم وَمُقَدَّمُهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا الدُّخُولَ عَلَيْهِ، قَالَ جعفر: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ حِزْبُ الله، فقال للآذن: قل لهذا يعيد استئذانه، فأعاده. فلما دخلوا، قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى؟ فَتَلَا عَلَيْهِ جعفر صدرا من (كهيعص) ، فأخذ النجاشي عودا من الأرض، وقال: ما زاد عيسى على هذا، ولا مثل هذا العود، فتناخرت البطارقة حوله، قال: وإن نخرتم والله، قَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي، مَنْ سَبَّكُمْ غرم - والسيوم بلسانهم: الآمنون - وقال لِلرَّسُولَيْنِ: لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ - يَقُولُ: جَبَلًا مِنْ ذَهَبٍ - مَا أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْكُمَا، ثُمَّ أمر فردت عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحين. ثم أسلم حمزة وجماعة كثيرون، فلما رأت قريش أن أمر رسول الله ﷺ يَعْلُو وَالْأُمُورُ تَتَزَايَدُ، أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَتَعَاقَدُوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُكَلِّمُوهُمْ، وَلَا يُجَالِسُوهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً، وَعَلَّقُوهَا فِي سقف الكعبة، وكتبها بغيض بن عامر بن هاشم، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَشُلَّتْ يده،
стр. 102
فانحازوا مؤمنهم وكافرهم إلى الشعب، إلا أبا لهب، فإنه ظاهر قريشا عليهم، وذلك سنة سبع من البعثة، وبقوا محبوسين مضيقا عليهم جدا نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ، حَتَّى بَلَغَهُمُ الْجَهْدُ، وَسُمِعَ أَصْوَاتُ صِبْيَانِهِمْ بِالْبُكَاءِ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ. وَهُنَاكَ عمل أبو طالب قصيدته اللامية، وقريش بين راض وكاره، فسعى في نقضها بعض من كان كارها لها، وأطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم، وأنه سلط عليها الأرضة، فأكلت ما فيها من قطيعة وَظُلْمٍ إِلَّا ذِكْرَ اللَّهَ ، فَأَخْبَرَ بذلك عمه، فخرج إلى قريش وأخبرهم، وقال: إن كَانَ كَاذِبًا خَلَّيْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ صادقا رجعتم. قالوا: أنصفت. فأنزلوها، فلما رأوا الأمر كذلك، ازْدَادُوا كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الشعب، وَمَاتَ أبو طالب بَعْدَ ذَلِكَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَمَاتَتْ خديجة بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذلك، فَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من سفهاء قومه، فخرج إلى الطائف رجاء أن ينصروه عليهم، ودعا إلى الله، فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤْوِي، وَلَمْ يَرَ نَاصِرًا، وآذوه أشد الأذى، ونالوا منه ما لم ينل منه قومه، ومعه زيد بن حارثة، فَأَقَامَ بَيْنَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ لَا يَدَعُ أَحَدًا من أشرافهم إلا كلمه، فَقَالُوا: اخْرُجْ مِنْ بَلَدِنَا. وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ، فَوَقَفُوا لَهُ سِمَاطَيْنِ، وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى دميت قدماه، وزيد يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَصَابَهُ شِجَاجٌ فِي رَأْسِهِ، فانصرف إِلَى مَكَّةَ مَحْزُونًا. وَفِي مَرْجِعِهِ ذَلِكَ دَعَا بالدعاء الْمَشْهُورِ: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حيلتي، وهواني على الناس» . فَأَرْسَلَ رَبُّهُ ﵎ إِلَيْهِ مَلَكَ الْجِبَالِ يَسْتَأْمِرُهُ أَنْ يُطْبِقَ الْأَخْشَبَيْنِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وهما جبلاها اللذان هي بينهما، فقال: بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا. فلما نزل بنخلة في مرجعه، قام يصلي من الليل، فصرف الله إليه نفرا مِنَ الْجِنِّ، فَاسْتَمَعُوا قِرَاءَتَهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٢٩] (١) . وَأَقَامَ بِنَخْلَةَ أَيَّامًا، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ: كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَخْرَجُوكَ؟ يَعْنِي قُرَيْشًا. قال: يَا زيد، إِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ، وَمُظْهِرٌ نبيه. فلما انتهى إلى مكة، أرسل رجلا من
стр. 103
خُزَاعَةَ إِلَى مطعم بن عدي: أَدْخُلُ فِي جوارك "؟ فقال: نعم. فدعا بنيه وقومه، وقال: الْبِسُوا السِّلَاحَ، وَكُونُوا عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ، فَإِنِّي قَدْ أَجَرْتُ مُحَمَّدًا. فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحِرَامِ، فَقَامَ المطعم عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ مُحَمَّدًا، فَلَا يَهِجْهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ. فَانْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الرُّكْنِ، فَاسْتَلَمَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَانْصَرَفَ إِلَى بيته ومطعم وَوَلَدُهُ مُحْدِقُونَ بِهِ بِالسِّلَاحِ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ.
[فصل في الإسراء]
فَصْلٌ ثُمَّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجَسَدِهِ -عَلَى الصَّحِيحِ -مِنَ الْمَسْجِدِ الحرام إلى البيت المقدس راكبا على البراق صحبة جبرائيل، فَنَزَلَ هُنَاكَ، وَصَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ إِمَامًا، وَرَبَطَ الْبُرَاقَ بحلقة باب المسجد، وقيل: إنه نزل بيت لحم، ولا يصح عنه ذلك الْبَتَّةَ. ثُمَّ عُرِجَ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ لَهُ جبرائيل، ففتح لهما، فرأى هناك آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ﵇، وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، وَأَرَاهُ اللَّهُ أرواح السعداء من بنيه عَنْ يَمِينِهِ، وَأَرْوَاحَ الْأَشْقِيَاءِ عَنْ يَسَارِهِ. ثُمَّ عرج به إلى السماء الثانية، فرأى فيها يحيى وعيسى، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَرَأَى فيها يوسف، ثم إلى الرابعة، فرأى فيها إدريس، ثم إلى الخامسة، فلقي فيها هارون، ثم إلى السادسة، فرأى فيها موسى، فلما جاوزه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يدخلها من أمتى. ثم إلى السابعة، فلقي فيها إبراهيم، ثم رفعت له سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لَهُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ ﷻ ، فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى (١) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعَ حَتَّى مَرَّ على موسى فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: بِخَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: إِنَّ أمتك لا يطيقون ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف
стр. 104
لأمتك، فالتفت إلى جبريل يستشيره، فَأَشَارَ: أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَعَلَا بِهِ جبرائيل حَتَّى أَتَى بِهِ الْجَبَّارَ ﵎ وَهُوَ مكانه. هذا لفظ البخاري في " صحيحه ". وفي بعض الطرق: فوضع عنه عشرا، ثم نزل حَتَى مَرَّ بِمُوسَى، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ موسى وبين الله ﵎ حتى جعلها خمسا، فيأمره بالرجوع وسؤال التخفيف، قال: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ " فَلَمَّا بَعُدَ، نَادَى مُنَادٍ: قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي. وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ: هَلْ رَأَى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَمْ لَا؟ فَصَحَّ عَنِ ابن عباس أنه رآه، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، وَصَحَّ عَنْ عائشة وَابْنِ مَسْعُودٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَقَالَا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] إنما هو جبرائيل، وَصَحَّ عَنْ أبي ذر أَنَّهُ سَأَلَهُ: هَلْ رأيت ربك؟ قال: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ أَيْ: حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ رؤيته النور، كما في اللفظ الآخر: رأيت نورا. وحكى الدارمي اتفاق الصحابة أنه لم يره. قال شيخ الإسلام: وليس قول ابن عباس مُنَاقِضًا لِهَذَا، وَلَا قَوْلُهُ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ. وَقَدْ صح عنه: رأيت ربي ﵎ لكن هذا في المدينة فِي مَنَامِهِ. وَعَلَى هَذَا بَنَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فقال: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ ولا بد، ولم يقل: إنه رآه في يقظته، لكن مرة قال: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، وحكيت عنه رواية مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وَهَذِهِ نُصُوصُ أحمد مَوْجُودَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النِّجْمِ: ١١] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] والظاهر أنه مستنده، فصح عَنْهُ ﷺ أَنَّ هَذَا المرئي جبرائيل، رآه في صورته مرتين، وقول ابن عباس هذا هو مستند أحمد في قوله: رآه بفؤاده. وأما قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] فهذا غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء، فالذي في القرآن جبرائيل كَمَا قَالَتْ عائشة وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] إلى آخره. وأما " الدنو " و " التدلي " في الحديث، فهو صريح أنه دنو الرب ﵎ وتدليه (١) .
стр. 105
فلما أصبح ﷺ فِي قَوْمِهِ أَخْبَرَهُمْ، فاشتد تكذيبهم له، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجَلَّاهُ الله حتى عاينه، وطفق يخبرهم عنه، ولا يستطيعون أن يردوا عليه، وأخبرهم عن عيرهم، في مسراه ورجوعه، وعن وقت قدومها، وعن البعير الذي يقدمها، فكان الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا نفورا. ونقل ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عائشة ومعاوية أَنَّهُمَا قَالَا: إنما كان الإسراء بروحه، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ؛ فَإِنَّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ فِي الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ، فَيَرَى كَأَنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ ذُهِبَ به إلى مكة، وروحه لم تصعد، ولم يذهب، وَإِنَّمَا مَلَكُ الرُّؤْيَا ضَرَبَ لَهُ الْمِثَالَ، وَالَّذِينَ قالوا: بروحه، لم يريدوا أنه كان مناما، وإنما أرادوا أن الروح عرج بها حقيقة، وباشرت منه جنس ما تباشر بعد المفارقة، لَكِنْ لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَقَامِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ حَتَّى يشق بطنه وهو حي لا يتألم، عرج بذات روحه حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ إِمَاتَةٍ، وَمَنْ سِوَاهُ لَا تنال روحه ذلك إلا بعد الموت، فإن الأنبياء إنما استقرت أرواحهم في الرفيق الأعلى مع روحه، ومع هذا فلها إشراف على البدن بِحَيْثُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وبهذا التعلق رأى موسى يصلي في قبره، ورآه في السماء. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَجْ بِمُوسَى مِنْ قَبْرِهِ، ثم رد إليه، بل ذَلِكَ مَقَامُ رُوحِهِ وَاسْتِقْرَارِهَا، وَقَبْرُهُ مَقَامُ بَدَنِهِ وَاسْتِقْرَارُهُ إِلَى يَوْمِ مَعَادِ الْأَرْوَاحِ إِلَى أَجْسَادِهَا، ومن كثف إدراكه عن هَذَا، فَلْيُنْظَرْ إِلَى الشَّمْسِ فِي عُلُوِّ مَحِلِّهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَرْضِ وَحَيَاةِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ بِهَا، وشأن الروح فوق هذا.
فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ إِيَّاكِ أَنْ تَرَيْ ... سَنَا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا
قال ابن عبد البر: كَانَ بَيْنَ الْإِسْرَاءِ وَالْهِجْرَةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ. انْتَهَى. وكان الإسراء مرة، وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً يَقَظَةً، وَمَرَّةً مَنَامًا، وَأَرْبَابُ هذا كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ حَدِيثِ شريك وغيره؛ لقوله فيه: ثم استيقظت وأنا في المسجد، وقوله فيه: وذلك قبل أن يوحى إليه (١) .
стр. 106
ومنهم من قال: ثلاث مرات. وَكُلُّ هَذَا خَبْطٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ من أرباب النقل، والصواب الذي عليه أئمة أهل النقل أن الإسراء كان مرة واحدة، ويا عجبا لهؤلاء كَيْفَ سَاغَ لَهُمْ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُ فِي كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين. وَقَدْ غَلَّطَ الْحُفُّاظُ شريكا فِي أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، ومسلم أَوْرَدَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ. وَلَمْ يَسْرُدِ الحديث، وأجاد ﵀.
[فَصْلٌ فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بها بين أوليائه وأعدائه]
فَصْلٌ
فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بها بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَجَعَلَهَا مَبْدَأً لِإِعْزَازِ دِينِهِ ونصرة رسوله قال الترمذي: حَدَّثَنِي محمد بن صالح، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عمران بْنِ قَتَادَةَ، ويزيد بن رومان، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوِّلِ نُبُوَّتِهِ مُسْتَخْفِيًا، ثُمَّ أَعْلَنَ فِي الرَّابِعَةِ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَشْرَ سِنِينَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ يَتَّبِعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ وَذِي الْمَجَازِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُجِيبُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلُ عَنِ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً، وَيَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهُ، تفلحوا وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وإذا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنَّةِ» . وأبو لهب وَرَاءَهُ يَقُولُ: لَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ صَابِئٌ كَذَّابٌ. فَيَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: عشيرتك أَعْلَمُ بِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا» . قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ يُسَمَّى لَنَا من القبائل الذين عرض نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَمُحَارِبُ بن خصفة، وَفَزَارَةُ، وَغَسَّانُ، وَمُرَّةُ، وَحَنِيفَةُ، وَسُلَيْمٌ، وَعَبْسٌ، وَبَنُو نضر، وَبَنُو الْبَكَّاءِ، وَكِنْدَةُ، وَكَلْبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد. وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنَّ الْأَوْسَ والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة أن نبيا سيخرج
стр. 107
في هذا الزمان، فَنَتَّبِعُهُ، وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّهُ دون اليهود، فلما رأوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو الناس إلى الله، وَتَأَمَّلُوا أَحْوَالَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ يَا قَوْمِ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ اليهود، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ. وَكَانَ سويد بن الصامت مِنَ الْأَوْسِ قَدْ قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يُبْعِدْ، وَلَمْ يُجِبْ، حَتَّى قَدِمَ أنس بن رافع في فتية مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَطْلُبُونَ الْحِلْفَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ إياس بن معاذ وَكَانَ شابا: يَا قَوْمِ، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْنَا له، فضربه أنس وَانْتَهَرَهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الْحِلْفُ فانصرفوا إلى المدينة. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ فِي الْمَوْسِمِ سِتَّةَ نفر في الأنصار، كلهم من الخزرج: أسعد بن زرارة، وجابر بن عبد الله بن رئاب، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، فدعاهم إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فدعوا الناس إلى الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، جَاءَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا؛ السِّتَّةُ الْأُوَلُ خَلَا جَابِرِ، ومعهم معاذ بن الحارث أخو عوف، وذكوان بن عبد قيس، وقد أقام بمكة حتى هاجر، فهو مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، ويزيد بن ثعلبة، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وعويمر بن مالك، قال أبو الزبير عَنْ جابر: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لبث عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الموسم ومجنة وعكاظ: «من يؤويني ومن يَنْصُرُنِي حَتَى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» . فلا يجد أحدا، حتى إن الرجل ليرحل من مصر أَوِ الْيَمَنِ إِلَى ذِي رَحِمِهِ، فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فيقولون: احذر غلام قريش. ويمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيهِ الرُّجُلُ مِنَّا، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، فاجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله يطرد في جبال مكة! فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه بيعة العقبة، فقال له العباس: ما أدري ما هؤلاء القوم، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعا عَنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، فَلَمَّا نَظَرَ العباس فِي وُجُوهِنَا قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ نبايعك؟
стр. 108
قال: «عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم فيه لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ» . فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أسعد بن زرارة وهو أصغرهم، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ العرب كافة، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً، فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ لكم عند الله. قالوا: أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا. فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، فأخذ علينا يُعْطِينَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابن أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمان الناس القرآن، ويدعوان إلى الله، فنزلا على أسعد بن زرارة، وكان مصعب يؤمهم، وجمع بهم لما بلغو أَرْبَعِينَ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِمَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ أسيد بن حضير، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِمَا يَوْمَئِذٍ جَمِيعُ بني عبد الأشهل، إلا الأصيرم، تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم حينئذ، وقاتل حتى قتل ولم يسجد لله سجدة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عمل قليل، وأجر كثير» . وكثر الإسلام في المدينة وَظَهَرَ. ثُمَّ رَجَعَ مصعب إِلَى مَكَّةَ، وَوَافَى الموسم ذاك الْعَامَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ والمشركين، وزعيم القوم البراء بن معرور، فكانت بيعة العقبة، وكان أول من بايعه الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ، إذ أكد العقد وبادر إليه، وَاخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ منهم تلك الليلة اثنى عشر نقيبا، فلما تمت البيعة استأذنوه على أَنْ يَمِيلُوا عَلَى أَهْلِ الْعَقَبَةِ بِأَسْيَافِهِمْ، فَلَمْ يأذن لهم، وصرخ الشيطان على العقبة بأبعد صَوْتٍ سُمِعَ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ هَلْ لَكُمْ في محمد وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا أزب العقبة، أَمَا وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ» . ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَنْفَضُّوا إِلَى رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أصبحوا غدت عليهم أشراف قريش، فقالوا: بَلَغَنَا أَنَّكُمْ لَقِيتُمْ صَاحِبَنَا الْبَارِحَةَ وَوَاعَدْتُمُوهُ أَنْ تُبَايِعُوهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا حَيٌّ من العرب أبغض إلينا من أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم. فانبعث من هناك من المشركين يحلفون
стр. 109
بالله: ما كان هذا. وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل، وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هَذَا، لَوْ كُنْتُ بِيَثْرِبَ مَا صَنَعَ قَوْمِي هذا حتى يؤامروني. فرجعت قريش، ورحل البراء إِلَى بَطْنِ يَأْجَجَ، وَتَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وطلبتهم قريش، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يضربونه حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ، فَجَاءَ مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية، فخلصاه منهم، وَتَشَاوَرَتِ الْأَنْصَارُ حِينَ فَقَدُوهُ أَنْ يَكِرُّوا إِلَيْهِ، فإذا هو قد طلع عليهم، فرحلوا جميعا. وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للمسلمين في الهجرة إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَادَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَكَانَ أول من خرج إليها أبو سلمة وامرأته، ولكنها احتبست عنه سنة وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد بِوَلَدِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَيَّعَهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طلحة. ثم خرج الناس أرسالا، ولم يبق بمكة إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر وعلي -أَقَامَا بِأَمْرِهِ لَهُمَا - وَإِلَّا من احتبسه المشركون كرها، وأعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِهَازَهُ ينتظر متى يؤمر، وأعد أبو بكر جهازه. فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قد خرجوا وساقوا الذراري والأموال إلى المدينة، وأنها دار منعة وأهلها أهل بأس، خافوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إليهم، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ، فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وحضرهم إبليس في صورة شيخ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، مُشْتَمِلٌ الصَّمَّاءَ فِي كِسَائِهِ، فأشار كل واحد برأي، والشيخ لا يرضاه، حتى قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة غلاما جلدا، ثم نعطيه سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فلا تدري بنو عبد مناف ما تصنع بعد ذلك، ونسوق إليهم ديته. فقال الشيخ: هذا والله الرأي. فتفرقوا عليه، فجاءه جبريل فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنَامَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أبي بكر نِصْفَ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ فِيهَا مُتَقَنِّعًا، فَقَالَ لَهُ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ» ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ» . فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «نعم» . قال: فَخُذْ بِأَبِي وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيْ هَاتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بِالثَّمَنِ» . وَأَمَرَ عليا أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ الليلة، واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير
стр. 110
الباب يريدون بَيَاتَهُ، وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَكُونُ أَشْقَاهَا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَجَعَلَ يَذُرُّهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ وَهُوَ يَتْلُو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] (١) . ومضى إِلَى بَيْتِ أبي بكر، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ فيه ليلا، وجاء رجل فرأى الْقَوْمَ بِبَابِهِ. فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا: مُحَمًّدًا. قَالَ: خِبْتُمْ وَخَسِرْتُمْ، قَدْ وَاللَّهِ مَرَّ بِكُمْ، وذر على رءوسكم التراب. فقاموا ينفضون عن رءوسهم، فلما أصبحوا قام علي من الفراش، فسألوه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا عِلْمَ لي به. ثم مضى وأبو بكر إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، فَدَخَلَاهُ، وَضَرَبَ العنكبوت بيتا على بابه، وكانا قد استأجرا ابن أريقط الليثي، وكان هاديا ماهرا بالطريق وهو على دين قومه، وَأَمِنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ الغار بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَجَدَّتْ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِهِمَا، وَأَخَذُوا مَعَهُمُ الْقَافَةَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الْغَارِ فوقفوا عليه، وَكَانَ عامر بن فهيرة يَرْعَى عَلَيْهِمَا غَنَمًا لأبي بكر، ومكثا فيه ثلاثا حتى خمدت عنهما نار الطلب، ثم جاءهما ابن أريقط بِالرَّاحِلَتَيْنِ فَارْتَحَلَا، وَأَرْدَفَ أبو بكر عامر بن فهيرة، وَسَارَ الدَّلِيلُ أَمَامَهُمَا، وَعَيْنُ اللَّهِ تصحبهما، وإسعاده ينزلهما ويرحلهما. ولما أيس المشركون منهما جَعَلُوا لِمَنْ جَاءَ بِهِمَا دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَجَدَّ النَّاسُ فِي الطَّلَبِ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَلَمَّا مَرُّوا بِحَيِّ بَنِي مُدْلِجٍ مُصْعِدِينَ مِنْ قُدَيْدٍ، بَصُرَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَ الحي، فقال لهم: لقد رأيت بِالسَّاحِلِ أَسْوِدَةً مَا أُرَاهَا إِلَّا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. ففطن سراقة، فأراد أن يكون له الظفر خَاصَّةً، وَقَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ الظَّفَرِ مَا لم يكن في حسابه، فقال: بل هما فُلَانٌ وَفُلَانٌ، خَرَجَا فِي طَلَبِ حَاجَةٍ لَهُمَا، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ خِبَاءَهُ، وقال لخادمه: اخرجي بِالْفَرَسِ مِنْ وَرَاءِ الْخِبَاءِ، وَمَوْعِدُكَ وَرَاءَ الْأَكَمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ رُمْحَهُ وَخَفَضَ عَالِيَهُ يَخُطُّ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى رَكِبَ فَرَسَهُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ، وسمع قراءة النبي ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، قال أبو بكر: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا سراقة قَدْ رَهَقَنَا. فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَاخَتْ يَدَا فَرَسِهِ فِي الأرض، فقال: قد علمت أن الذي