← Сира

Сира · id 31465

مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (321 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[المقدمة] مختصر سيرة الرسول ﷺ تأليف الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة هذه الطبعة الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن من حكمة الله ورحمته أن أرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، واقتضت حكمته أن يكون الرسل أكمل الخلق في الصفات الخلقية والخلقية، كما اقتضت حكمته جل ثناؤه أن يكون آخر الرسل محمدًا ﷺ ، وأن يكون أعظمهم كمالاً وأوفاهم خصالاً. . . ولأن الله جعل محمدًا ﷺ قدوة وأسوة للبشرية فقد عنيت الأمة بحفظ سيرته حفظًا عجيبًا شمل كل دقائقها وتفاصيلها، فحفظت لنا كيف كانت صلته بربه ومناجاته له، وعلاقته بأصحابه وتربيته لهم، وكيف كان في بيته ومعايشته لأهله، وكيف كان يقود الجيوش ويبعث البعوث والسرايا. . فحفظت هذه السيرة حفظًا لا يدانيه ولا يماثله حفظ أي سيرة في الأولين والآخرين. . ولذلك كان من الأهمية بمكان العناية بهذه السيرة العطرة، وبثها في العالمين؛ لتكون أنموذجًا يحتذى، وقدوة يقتدى بها في كل مناحي الحياة. وبما أن كتاب (مختصر سيرة الرسول ﷺ تأليف العالم المجاهد والإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من خير ما كتب

стр. 3

في هذا الباب؛ لما اشتمل عليه من اهتمام بأمور العقيدة، وجزالة في الألفاظ، ووضوح في المعاني مع إيجاز غير مخل رأت الوزارة أن تطبعه وتوزعه. فالله نسأل أن يجزي عنا صاحب هذه السيرة خير ما جزى به نبيًا عن أمته، وأن يبلغنا شفاعته، وأن يحشرنا تحت لوائه إنه جواد كريم وبالإجابة جدير وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الحمد لله رب العالمين، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والذين اتبعوهم بإحسان، وسلم تسليمًا. أما بعد: فإن كتاب مختصر سيرة الرسول ﷺ للإمام المجدد والمصلح المجاهد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأسكنه فسيح جناته آمين لمن خير ما ألف في بابه، فإنه مختصر من كتاب السيرة النبوية لأبي محمد عبد الملك بن هشام المعافري المؤرخ المشهور، فإنه كتاب وجيز يعدّ خلاصة لسيرة الرسول ﷺ التاريخية، وقد ضمنه بعض الاستنباطات المفيدة مع ما أضاف إلى ذلك من المقدمة النافعة التي بَيّن بها واقع أهل الجاهلية اعتقادًا وسلوكًا، وما أشد حاجة المسلم وضرورته إلى معرفة هذا الواقع لما تثمره هذه المعرفة عند أولي البصائر من توقي شرور الجاهلية والاهتداء إلى محاسن الإسلام كما في الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁ "قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" كما بين ﵀ حقيقة التوحيد الذي بعث الله به محمدًا ﷺ وأنه ليس مجرّد التلفظ بلا إله إلا الله، بل قد يكون الإنسان كافرًا حلال الدم والمال وهو ينطق بكلمة التوحيد،

стр. 5

وقد استدل على ذلك بأمثلة تقرر هذا الأصل مما جرى في عهد الصحابة كقتالهم لبني حنيفة وكتحريقهم للغالية في عليّ ﵁، وما جرى ك ذلك بعد الصحابة كما أجمع التابعون على استحسان قتل الجعد بن درهم لما جحد صفات الرب مع تلفظه بالشهادة واشتهاره بالعلم والعبادة، وكما أجمع العلماء على تكفير العبيديين لما ظهر منهم ما يدل على شركهم ونفاقهم مع أنهم يظهرون شرائع الإسلام ويقيمون الجمعة والجماعة. ولا ريب أن الضرورة داعية إلى إيضاح هذا الأصل الذي خفي على كثير من الناس حتى المنتسبين إلى العلم منهم، لذلك اهتم الشيخ بتقرير هذا الأصل وإيضاحه، وليرد به على من خالفه من أهل زمانه. هذا ولقد عزمت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على إعادة طباعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بعد المقابلة بين ما وجد من النسخ الخطية والمطبوعة واختيار الأفضل منها، وقد عهدت أمانة أسبوع الشيخ إلينا بمقابلة هذا المختصر الذي نقدم له، وقد قمنا بمقابلة مطبوعتين بمخطوطتين: مطبوعة السنة المحمدية بتحقيق الأستاذ الشيخ محمد حامد فقي وهي المطبوعة الأولى، وقد ذكر أنه اعتمد في إخراجها على أصل قيم محقق للشيخ سليمان بن سحمان ﵀، ومطبوعة مؤسسة دار السلام - دمشق - بإشراف الأستاذ محمد زهير الشاويش وهي المطبوعة الثانية، وأما المخطوطتان فإحداهما بخط سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان بتاريخ ١٦ محرم عام ١٣٤١ هـ وهي موجودة في المكتبة السعودية بالرياض تحت رقم ٥١٨-٨٦ وعدد

стр. 6

صفحاتها ١٠١ صفحة وفيها سقط من ص٨٣ إلى ص٨٨. والمخطوطة الأخرى موجودة في المكتبة السعودية بالرياض تحت رقم ٤٩-٨٦، وعدد صفحاتها ٢٢٦ صفحة وقد كتب في آخرها "وقع الفراغ من هذه النسخة عصر يوم الثلاثاء ٢٦ من شوال عام ١٢٣٥هـ ولم يسمّ الكاتب نفسه. ومن الملاحظ خلو المخطوطتين من المقدمة التي سبق التنويه بذكرها وهي في المطبوعة الأولى ٣٣ صفحة من القطع المتوسط بحرف دقيق، وفي مطبوعة مؤسسة دار السلام ٤٥ صفحة من القطع المتوسط لكن بحرف كبير، كما يلاحظ أن المخطوطتين كثيرتا السقط والتحريف وإن كانت القديمة أسلم بخلاف المطبوعتين فإنهما في الجملة سليمتان مع اشتمالهما على المقدمة ومع ما بذل من الجهد في تحقيقهما. لذلك فقد رأينا أن يكون الاعتماد على في طباعة هذا الكتاب على المطبوعة الأولى التي بتحقيق الأستاذ محمد حامد فقي، لأنها هي الأصل، ولأنه اعتمد فيها على مخطوطة الشيخ سليمان بن سحمان وهو العالم الجليل المعروف بالعناية بكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة رحمهم الله تعالى، وقمنا أيضًا بترقيم الآيات في الهوامش وتسمية السور بدلا من ترقيمها في داخل الكتاب، كما خرجنا ما تيسر من الأحاديث مع بعض التعليقات، ورأينا أن تبقى تعليقات الشيخ محمد حامد فقي كما هي وجعلنا الرقم الدال عليها بين قوسين هكذا () .

стр. 7

ونسأل الله تعالى أن ينفعنا وعامة المسلمين بهذا الكتاب وسائر مؤلفات الشيخ وغيرها من كتب أهل العلم النافعة والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد الرحمن بن ناصر البراك عبد العزيز بن عبد الله الراجحي محمد العلي البراك

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اعلم رحمك الله: أن أفرض ما فرض الله عليك معرفة دينك. الذي معرفته والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار. [قصص الأولين والآخرين] [قصة آدم وإبليس] ومن أوضح ما يكون لذوي الفهم قصص الأولين والآخرين، قصص من أطاع الله وما فعل بهم، وقصص من عصاه وما فعل بهم. فمن لم يفهم ذلك ولم ينتفع به فلا حيلة فيه. كما قال تعالى ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق: ٣٦] (١) . وقال بعض السلف: " القصص جنود الله " يعني أن المعاند لا يقدر يردها. فأول ذلك: ما قص الله سبحانه عن آدم، وإبليس، إلى أن هبط آدم وزوجه إلى الأرض. ففيها من إيضاح المشكلات ما هو واضح لمن تأمله، وآخر القصة قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ - وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩] (٢) .

стр. 9

وفي الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤] إلى قوله ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] (١) . وهداه الذي وعدنا به: هو إرساله الرسل. وقد وفى بما وعد سبحانه، فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. فأولهم: نوح. وآخرهم: نبينا ﷺ . فاحرص يا عبد الله على معرفة هذا الحبل، الذي بين الله وبين عباده، الذي من استمسك به سلم، ومن ضيعه عطب. فاحرص على معرفة ما جرى لأبيك آدم، وعدوك إبليس، وما جرى لنوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وإبراهيم وقومه، ولوط وقومه، وموسى وقومه، وعيسى وقومه ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم وقومه. واعرف ما قصه أهل العلم من أخبار النبي ﷺ وقومه وما جرى له معهم في مكة، وما جرى له في المدينة. واعرف ما قص العلماء عن أصحابه وأحوالهم وأعمالهم. لعلك أن تعرف الإسلام والكفر. فإن الإسلام اليوم غريب وأكثر الناس لا يميز بينه وبين الكفر. وذلك هو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح. وأما قصة آدم، وإبليس: فلا زيادة على ما ذكر الله في كتابه. ولكن قصة ذريته.

стр. 10

فأول ذلك أن الله أخرجهم من صلبه أمثال الذر، وأخذ عليهم العهود: أن لا يشركوا به شيئا، كما قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] (١) (٢) ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج. ورأى فيهم رجلا من أنورهم. فسأله عنه؟ فأعلمه أنه داود. فقال: كم عمره؟ قال: ستون سنة. قال: وهبت له من عمري أربعين سنة، وكان عمر آدم ألف سنة. ورأى فيهم الأعمى والأبرص والمبتلى. قال: يا رب لم لا سويت بينهم؟ قال إني أحب أن أُشْكَر. فلما مضى من عمر آدم ألف سنة إلا أربعين أتاه ملك الموت. فقال: إنه بقي من عمري أربعون سنة. فقال: إنك وهبتها لابنك داود. فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته. فلما مات آدم بقي أولاده بعده عشرة قرون على دين أبيهم، دين الإسلام. ثم كفروا بعد ذلك. وسبب كفرهم الغلو في حب الصالحين. كما ذكر الله تعالى في قوله ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (٣) وذلك أن هؤلاء الخمسة قوم صالحون كانوا يأمرونهم وينهونهم. فماتوا في شهر. فخاف أصحابهم من نقص الدين بعدهم.

стр. 11

فصوروا صورة كل رجل في مجلسه لأجل التذكرة بأقوالهم وأعمالهم إذا رأوا صورهم، ولم يعبدوهم. ثم حدث قرن آخر فعظموهم أشد من تعظيم من قبلهم، ولم يعبدوهم. تم طال الزمان، ومات أهل العلم. فلما خلت الأرض من العلماء: ألقى الشيطان في قلوب الجهال: أن أولئك الصالحين ما صوروا صور مشايخهم إلا ليستشفعوا بهم إلى الله، فعبدوهم. فلما فعلوا ذلك: أرسل الله إليهم نوحًا ﵇، ليردهم إلى دين آدم وذريته الذين مضوا قبل التبديل، فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه، ثم عَمَرَ نوح وأهلُ السفينة الأرض، وبارك الله فيهم، وانتشروا في الأرض أممًا، وبقوا على الإسلام مدة لا ندري ما قدرها؟ ثم حدث الشرك. فأرسل الله الرسل. وما من أمة إلا وقد بعث الله فيها رسولا يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك. كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١) وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: ٤٤] الآية (٢) . ولما ذكر القصص في سورة الشعراء ختم كل قصة بقوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨] فقص الله سبحانه ما قص لأجلنا. كما قال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] الآية (٣) .

стр. 12

ولما أنكر الله على أناس من هذه الأمة - في زمن النبي ﷺ أشياء فعلوها (١) قال ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ [التوبة: ٧٠] (٢) . وكذلك كان رسول الله ﷺ يقص على أصحابه قصص من قبلهم، ليعتبروا بذلك. وكذلك أهل العلم في نقلهم سيرة رسول الله ﷺ ، وما جرى له مع قومه، وما قال لهم، وما قيل له. وكذلك نقلهم سيرة الصحابة، وما جرى لهم مع الكفار والمنافقين، وذكرهم أحوال العلماء بعدهم. كل ذلك لأجل معرفة الخير والشر. إذا فهمت ذلك: فاعلم أن كثيرا من الرسل وأممهم لا نعرفهم؛ لأن الله لم يخبرنا عنهم لكن أخبرنا عن عاد، التي لم يخلق مثلها في البلاد. فبعث الله إليهم هودا ﵇. فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه وبقي التوحيد في أصحاب هود إلى أن عُدم بعد مدة لا ندري كم هي؟ وبقي في أصحاب صالح. إلى أن عدم مدة لا ندري كم هي؟ [قصة إبراهيم ﵇ وأحواله] ثم بعث الله إبراهيم ﵇، وليس على وجه الأرض يومئذ مسلم. فجرى عليه من قومه ما جرى، وآمنت به امرأته سارة. ثم آمن له لوط ﵇، ومع هذا نصره الله، ورفع قدره، وجعله إماما للناس.

стр. 13

ومنذ ظهر إبراهيم ﵇ لم يعدم التوحيد في ذريته. كما قال تعالى ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] (١) . فإذا كان هو الإمام فنذكر شيئا من أحواله. لا يستغني مسلم عن معرفتها. فنقول: في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم النبي ﷺ قط إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وواحدة في شأن سارة. فإنه قدم أرض جبَّار ومعه سارة. وكانت أحسن الناس. فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي: يغلبني عليك، فإن سألك. فأخبريه: أنكِ أختي. فإنكِ أختي في الإسلام. فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه. فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا لك. فأرسل إليها، فأُتيَ بها. فقام إبراهيم إلى الصلاة. فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها. فَقُبِضَتْ يده قبضة شديدة. فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي، فلك الله: أن لا أضرك. ففعلت، فعاد: فَقُبِضَتْ يده أشد من القبضة الأولى. فقال لها مثل ذلك، فعاد فَقُبِضَتْ يده أشد من القبضتين الأولتين. فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي، ولك الله أن لا أضرك، ففعلت. فأطلقت يده. ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطاها هاجر. فأقبلت. فلما رآها إبراهيم. انصرف، فقال لها: مَهْيَم؟ قالت: خيرًا. كف الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا» .

стр. 14

قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء (١) (٢) . وللبخاري: «أن إبراهيم لما سئل عنها قال: هي أختي، ثم رجع إليها. فقال: لا تكذبي حديثي. فإني أخبرتهم أنك أختي. والله ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك. فأرسل بها إليه فقام إليها. فقامت تتوضأ وتصلي. فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط عليَّ يد الكافر، فغطَّ حتى ركض برجله الأرض. فقالت: اللهم إن يمت، يقال: هي قتلته. فأُرسِل. ثم قام إليها فقامت تتوضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط عليَّ هذا الكافر فغط حتى ركض برجله. فقالت: اللهم إن يمت يقال: هي قتلته. فأُرسِل في الثانية أو الثالثة. فقال: والله ما أرسلتم إليَّ إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر. فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: أشَعُرْتَ؟ إن الله كبت الكافر، وأخدم وليدة» . وكان ﵇ في أرض العراق. وبعد ما جرى عليه من قومه ما

стр. 15

جرى هاجر إلى الشام. واستوطنها، إلى أن مات فيها. وأعطته سارة الجارية التي أعطاها الجبار. فواقعها. فولدت له إسماعيل ﵇، فغارت سارة. فأمره الله بإبعادها عنها. فذهب بها وبابنها فأسكنها في مكة. ثم بعد ذلك وهب الله له ولسارة إسحاق ﵇، كما ذكر الله بشارة الملائكة له ولها بإسحاق. ومن وراء إسحاق يعقوب. وفي الصحيح عن ابن عباس قال: «لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان: خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعه شَنّة فيها ماء. فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فَيَدِرُّ لبنها على صبيها، حتى قدم مكة. فوضعها تحت دَوْحة فوق زمزم في أعلى المسجد - وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء - ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء. ثم قَفّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل. فلما بلغوا كداء (١) نادته من ورائه: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا - وفي لفظ: إلى من تَكِلنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيتُ - ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية، حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] (٢) . وجعلت أم إسماعيل ترضعه

стр. 16

وتشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها، حتى إذا نَفَدَ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها. وجعلت تنظر إليه يَتَلَوَّى - أو قال يَتَلَبَّطَ - فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إليه. فوجدت الصفا أقرب جبل إليها، فقامت واستقبلت الوادي تنظر: هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها. ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها. فنظرت: هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات - قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فذلك سعي الناس بينهما - ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ - تعني الصبي - فذهبت فنظرت. فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت (١) فلم تقر نفسها. فقالت: لو ذهبت لَعَلِّي أحس أحدًا؟ فذهبت فصعدت الصفا. فنظرت. فلم تحس أحدًا. حتى أتمت سبعًا. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ فإذا هي بصوت. فقالت: أغِثْ إن كان عندك خير. فإذا بجبريل. قال: فقال بعقبه على الأرض. فانبثق الماء فذهبت أم إسماعيل فجعلت تحفر، فقال أبو القاسم ﷺ : يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا معينًا - وفي حديثه: فجعلت تغرف الماء في سقائها - قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة. فإن ههنا بيتًا لله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، إن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية. تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وشماله. فكانت كذلك حتى مرَّت بهم رفقة من جُرهم مقبلين من طريق كَداء،

стр. 17

فرأوا طائرا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء. لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَريّا، أو جريين (١) . فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا، وقالوا لأم إسماعيل: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم - قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فألفَى ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحب الأنس - فنزلوا. وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم. حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشَبَّ الغلام. وتعلم العربية منهم. وأنْفَسَهم (٢) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل. وجاء إبراهيم - بعد ما تزوج إسماعيل - يطالع تَرِكَته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة. فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك اقرئي ﵇، وقولي له يُغَيِّر عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم جاءنا شيخ - كذا وكذا - فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته: أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غَيّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي. وقد أمرني أن أفارقك. الحقي بأهلك، فطلقها. وتزوج منهم امرأة أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، فقال لأهله: إني مُطّلع تركتي. فجاء، فقال لامرأته: أين إسماعيل؟ قالت:

стр. 18

ذهب يصيد. قالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ قال: وما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم - قال: فقال أبو القاسم ﷺ : بركة دعوة إبراهيم، فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال النبي ﷺ : ولم يكن لهم يومئذ حب. ولو كان لهم حب دعا لهم فيه - وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. قال: إذا جاء زوجك، فاقرئي ﵇ ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم. شيخ حسن الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنك؟ فأخبرته. فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنّا بخير. قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي. وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، فقال لأهله: إني مطلع تركتي، فجاء. فوافق إسماعيل يَبْري نَبْلًا له تحت دَوْحة قريبًا من زمزم. فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتًا - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت. فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني. حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له. فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] » هذا آخر حديث ابن عباس. [ولاية البيت ومكة لإسماعيل ثم لذريته من بعده] فصارت ولاية البيت ومكة لإسماعيل. ثم لذريته من بعده، وانتشرت

стр. 19

ذريته في الحجاز وكثروا. وكانوا على الإسلام دين إبراهيم وإسماعيل قرونا كثيرة. ولم يزالوا على ذلك حتى كان في آخر الدنيا: نشأ فيهم عمرو بن لُحَي. فابتدع الشرك، وغَيّر دين إبراهيم. وتأتي قصته إن شاء الله. وأما إسحاق ﵇: فإنه بالشام. وذريته: هم بنو إسرائيل والروم. أما بنو إسرائيل: فأبوهم يعقوب ﵇ ابن إسحاق، ويعقوب هو إسرائيل. وأما الروم: فأبوهم عيص بن إسحاق. ومما أكرم الله به إبراهيم ﵇: أن الله لم يبعث بعده نبيًا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] (١) . وكل الأنبياء والرسل من ذرية إسحاق. وأما إسماعيل: فلم يبعث من ذريته إلا نبينا محمد ﷺ ، بعثه الله إلى العالمين كافة، وكان مَنْ قبله من الأنبياء: كل نبي يبعث إلى قومه خاصة. وفضله الله على جميع الأنبياء بأشياء غير ذلك. [قصة عمرو بن لحي وتغييره دين إبراهيم] وأما قصة عمرو بن لُحَيٍّ، وتغييره دين إبراهيم: فإنه نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة، والحرص على أمور الدين. فأحبه الناس حبًا عظيمًا. ودانوا له لأجل ذلك. حتى مَلّكوه عليهم. وصار ملك مكة وولاية البيت بيده. وظنوا أنه من أكابر العلماء، وأفاضل الأولياء. ثم إنه سافر إلى الشام. فرآهم يعبدون الأوثان. فاستحسن ذلك وظنه حقًا. لأن الشام محل الرسل والكتب. فلهم الفضيلة بذلك على أهل الحجاز

стр. 20

وغيرهم. فرجع إلى مكة، وقدم معه بهُبَل. وجعله في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله. فأجابوه. وأهل الحجاز في دينهم تبع لأهل مكة. لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم. فتبعهم أهل الحجاز على ذلك ظنا أنه الحق. فلم يزالوا على ذلك حتى بعث الله محمدا ﷺ بدين إبراهيم ﵇ وإبطال ما أحدثه عمرو بن لحي. وكانت الجاهلية على ذلك، وفيهم بقايا من دين إبراهيم لم يتركوه كله. وأيضًا يظنون أن ما هم عليه، وأن ما أحدثه عمرو: بدعة حسنة. لا تغير دين إبراهيم. وكانت تلبية نزار: لبيك. لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨] (١) . [أقدم أصنام الجاهلية مناة واللات والعزى] ومن أقدم أصنامهم " مناة " وكان منصوبًا على ساحل البحر بقُدَيد. تعظمه العرب كلها، لكن الأوس والخزرج كانوا أشد تعظيما له من غيرهم. وبسبب ذلك أنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (٢) . ثم اتخذوا " اللات " في الطائف، وقيل: إن أصله رجل صالح كان يَلُتُّ السّويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره. ثم اتخذوا " العُزَّى " بوادي نخلة بين مكة والطائف.

стр. 21

فهذه الثلاث أكبر أوثانهم. ثم كثر الشرك. وكثرت الأوثان في كل بقعة من الحجاز. وكان لهم أيضا بيوت يعظمونها كتعظيم الكعبة. وكانوا كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] (١) . ولما دعاهم رسول الله إلى الله اشتد إنكار الناس له، علمائهم وعبادهم، وملوكهم وعامتهم، حتى إنه لما دعا رجلًا إلى الإسلام قال له: " من معك على هذا؟ قال: حر وعبد" ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ﵄. وأعظم الفائدة لك أيها الطالب، وأكبر العلم وأجل المحصول - إن فهمت ما صح عنه ﷺ أنه قال: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبا كما بدأ» (٢) . وقوله: «لتتبعن سنَن من كان قبلكم حَذْو القُذّة بالقُذّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضبّ لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (٣) .

стр. 22

وقوله: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (١) . فهذه المسألة أجل المسائل. فمن فهمها فهو الفقيه. ومن عمل بها فهو المسلم. فنسأل الله الكريم المنان أن يتفضل علينا وعليكم بفهمها والعمل بها. [انتقال ولاية البيت إلى جرهم] أما البيت المحرم: فإن إبراهيم وإسماعيل ﵉ لما بنياه، صارت ولايته في إسماعيل وذريته. ثم غلبهم عليه أخوالهم من جُرْهُم. ولم ينازعهم بنو إسماعيل، لقرابتهم وإعظامهم للحرمة، أن لا يكون بها قتال. ثم إن جرهم بغوا في مكة. وظلموا من دخلها، فَرَق أمرهم. فلما رأى ذلك بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة، وغبشان من خزاعة، أجمعوا على جرهم فاقتتلوا، فغلبهم بنو بكر وغبشان ونفوهم من مكة. وكانت مكة في الجاهلية لا يقر فيها ظلم، ولا يبغي فيها أحد إلا أُخرج، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك. [انتقال ولاية البيت إلى غبشان من خزاعة] ثم إن غبشان - من خزاعة - وليت البيت دون بني بكر. وقريش إذ ذاك حلول وصرم، وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة. فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك. حتى كان آخرهم حليل بن حبيشة. فتزوج قُصَي بن كلاب ابنته. فلما عظم شرف قصي، وكثر بنوه وماله: هلك حليل، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأَمْرِ مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشًا رءوس آل إسماعيل وصريحهم، فكلم رجالا من قريش وكنانة في إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه. وكان الغوث بن مرة بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة، وولده من بعده. لأن أمه كانت جرهمية لا تلد. فنذرت لله إن ولدت رجلا: أن تتصدق به على الكعبة يخدمها. فولدت الغوث فكان يقوم على الكعبة مع أخواله من جرهم. فولي الإجازة بالناس؛ لمكانه من الكعبة، فكان إذا رفع يقول: اللهم إني تابع تباعة ... إن كان إثمًا فعلى قضاعة وكانت " صوفة " تدفع بالناس من عرفة، وتجيزهم إذا نفروا من منًى. فإذا كان يومُ النّفْر أتوا رمي الجمار ورجل من صوفة يرمي لهم، لا يرمون حتى يرمي لهم. فكان المتعجلون يأتونه يقولون: ارم حتى نرمي. فيقول: لا والله حتى تميل الشمس. فإذا مالت الشمس رمى ورمى الناس معه. فإذا فرغوا من الرمي وأرادوا النفر من مِنًى أخذت صوفة بالجانبين. فلم يجز أحد حتى يمروا، ثم يخلون سبيل الناس. فلما انقرضوا ورثهم بنو سعد بن زيد مناة من بني تميم. وكانت الإفاضة من مزدلفة في " عدوان " يتوارثونها. حتى كان آخرهم كَرْبُ بن صفوان بن جناب: الذي قام عليه الإسلام. فلما كان ذلك العام، فعلت صوفة ما كانت تفعل، قد عرفت العرب ذلك لهم. هو دين لهم من عهد جرهم وولاية خزاعة. [ولاية قصي وجمعه لقومه] فأتاهم قصي بمن معه من قريش وقضاعة وكنانة عند العقبة، فقال: نحن

стр. 23

أولى بهذا منكم. فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدًا. ثم انهزمت صوفة. وغلبهم قصيّ على ما كان بأيديهم. وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي، وعرفوا أنه سيمنعهم، كما منع صوفة. ويحول بينهم وبين الكعبة وأمر مكة. فلما انحازوا بادَأهم وأجمع لحربهم. فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا. تم تداعوا إلى الصلح، فحكّموا يَعْمُر بن عوف، أحد بني بكر. فقضى بينهم بأن قصيًا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة. وكل دم أصابه قصي منهم موضوع شَدْخُه تحت قدميه، وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية، وأن يخلى بين قصيّ وبين الكعبة ومكة. فسمي يومئذ يعمر الشداخ. فوليها قصي. وجمع قومه من منازلهم إلى مكة. وتملك عليهم وملكوه. لأنه أقر للعرب ما كانوا عليه. لأنه يراه دينا لا يغير فأقر النّسَأَة وآل صفوان وعدوان، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه. حتى جاء الإسلام، فهدم ذلك كله. وفيه يقول الشاعر: قُصَي لعمري كان يُدْعَى مجمعًا ... به جمع الله القبائل من فِهْرِ فكان قصي بن لؤي أصاب ملكًا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، والسقاية والرفادة، والندوة، واللواء. وقَطّع مكة رباعًا بين قومه. فأنزل كل قوم منهم منازلهم. وقيل: إنهم هابوا قطع الشجر عن منازلهم. فقطعها بيده وأعوانه، فسمته قريش " مجمعًا" لما جمع من أمرهم، وتيمنت بأمره. فلا تُنكح امرأة

стр. 24

منهم ولا يتزوج رجل ولا يتشاورون فيما نزل بهم، ولا يعقدون لواء حرب إلا في داره يعقده لهم بعض ولده. فكان أمره في حياته - وبعد موته - عندهم كالدين المتبع، واتخذ لنفسه دار الندوة، فلما كبر قصي ورقّ عظمه - وكان عبد الدار بِكْره. وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وعبد العزى وعبد الدار. فقال قصي لعبد الدار: لألْحقَنّك بالقوم وإن شرفوا عليك. لا يدخل أحد منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له. ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت. ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك. ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعامًا إلا من طعامك. ولا تقطع قريش أمرًا من أمورها إلا في دارك. فأعطاه دار الندوة، والحجابة، واللواء، والسقاية والرفادة، وهي خَرْج تخرجه قريش في الموسم من أموالها إلى قصي، فيصنع به طعامًا للحاج، يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد. لأن قصيا فرضه على قريش. فقال لهم: إنكم جيران الله وأهل بيته. وإن الحاج ضيف الله، وهم أحق الضيف بالكرامة. فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحج حتى يصدروا عنكم. ففعلوا. وكان قصي لا يخالف، ولا يرد عليه شيء صنعه. فلما هلك أقام بنوه أمره لا نزاع بينهم. ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ما بيد عبد الدار، ورأوا أنهم أولى بذلك فتفرقت قريش: بعضهم معهم. وبعضهم مع عبد الدار. فكان صاحب أمر عبد مناف عبد شمس؛ لأنه أسنهم، وصاحب أمر بني

стр. 25

عبد الدار عامرُ بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. فعقد كل قوم حلفًا مؤكدًا. فأخرج بنو عبد مناف جَفْنة مملوءة طيبًا. فغمسوا أيديهم فيها، ومسحوا بها الكعبة. فسموا " المطيبين " وتعاقد بنو عبد الدار وحلفاؤهم فسموا " الأحلاف " ثم تداعوا إلى الصلح، على أن لعبد مناف السقاية والرفادة، وأن الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، فرضوا. وثبت كل قوم مع من حالفوا، حتى جاء الله بالإسلام. فقال ﷺ : «كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة» . [حلف الفضول] وأما حلف الفضول: فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه، وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة تعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها، أو ممن دخلها، إلا قاموا معه، حتى ترد إليه مظلمته، فقال الزبير بن عبد المطلب: إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... أن لا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه تحالفوا وتعاقدوا (١) ... فالجار والمعتر فيهم سالم فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف. لأن عبد شمس سَفّار، قلما يقيم بمكة. وكان مُقلا ذا ولد. وكان هاشم موسرًا، وهو أول من سن الرحلتين، رحلة الشتاء والصيف. وأول من أطعم الثريد بمكة، فقال بعضهم: (٢) .

стр. 26

عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف ولما مات هاشم ولي ذلك المطلب بن عبد مناف. فكان ذا شرف فيهم، يسمونه الفياض لسماحته. وكان هاشم قدم المدينة. فتزوج سلمى بنت عمرو، من بني النجار، فولدت له عبد المطلب. فلما ترعرع خرج إليه المطلب ليأتي به، فأبت أمه. فقال: إنه يلي مُلك أبيه. فأذنت له. فرحل به. وسلم إليه ملك أبيه. فولي عبد المطلب ما كان أبوه يلي. وأقام لقومه ما أقام آباؤه. وشَرف فيهم شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه. وأحبوه وعظُم خطره فيهم. . . . . . . . . . . ثم ذكر قصة حفر زمزم، وما فيها من العجائب. ثم ذكر قصة نذر عبد المطلب ذبح ولده، وما جرى فيها من العجائب. ثم ذكر الآيات التي لرسول الله ﷺ قبل ولادته، وبعدها. وما جرى له وقت رضاعه وبعد ذلك. ثم ذكر كفالة أمه له. ثم كفالة جده. ثم كفالة عمه أبي طالب. ثم ذكر قصة بحيرى الراهب وغيرها من الآيات. ثم ذكر تزوجه خديجة، وما ذكر لها غلامها مَيْسرة، وما ذكرته هي لورقة، وقول ورقة: لججتَ وكنت في الذكرى لجوجًا ... لَهِم طالما بعث النّشيجا إلى آخرها.

стр. 27

ثم ذكر حكمه ﷺ بين قريش في الحجر الأسود عند بنائهم الكعبة. وذكر قصة بنائها. [قصة الحمس] وذكر أمر الحُمْس - وقال: إن قريشًا ابتدعته رأيًا رأوه. فقالوا: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرم، وولاة البيت. فليس لأحد من العرب مثل حقنا. فلا تعظموا أشياء من الحل مثلما تعظمون الحرم، لئلا تستخف العرب بحرمتكم. فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها، مع معرفتهم أنها من المشاعر ومن دين إبراهيم. ويرون لسائر العرب أن يقفوا بها، ويفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم. فلا ينبغي لنا أن نخرج منه. نحن الحمس و"الحمس" (١) أهل الحرم. ثم جعلوا لمن وُلدوا من العرب من أهل الحرم: مثل ما لهم بولادتهم إياهم. أي يحل لهم ما يحل لهم. ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتدعوا في ذلك أمورًا، فقالوا: لا ينبغي للحُمْس أن يَقِطوا الأقطَ، ولا أن يَسْلوا السمن وهم حُرم، ولا يدخلوا بيتًا من شَعر، ولا يستظلوا إلا في بيوت الأدم ما داموا حُرُما. ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم، إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا - أولَ طوافهم - إلا في ثياب الحمس. فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا

стр. 28

بالبيت عراة فإن لم يجد القادم ثيابَ أحمس: طاف في ثيابه وألقاها إذا فرغ. ولم ينتفع بها ولا أحد غيره. فكانت العرب تسميها "اللّقَى" وحملوا على ذلك العرب. فدانت به. أما الرجال: فيطوفون عراة وأما النساء: فتضع المرأة ثيابها كلها إلا درعًا مفرجًا ثم نطوف فيه، فقالت امرأة وهي تطوف (١) . اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أُحِلُّه فلم يزالوا كذلك حتى جاء الله بالإسلام فأنزل الله ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] (٢) وأنزل فيما حرموا ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] إلى قوله ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] إلى قوله ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢] (٣) . [حدوث الرجوم وإنذار الكهان بخروج النبي ﷺ ] وذكر حدوث الرجوم، وإنذار الكهان به ﷺ ونزول سورة الجن وقصتهم. ثم ذكر إنذار اليهود، وأنه سبب إسلام الأنصار، وما نزل في ذلك من القرآن. وقصة ابن الهيبان وقوله: " يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ " وقوله: " إنما قدمت هذه البلدة أتوكّف خروج نبي قد أظَلَّ زمانه. وهذه البلدة مهاجره " إلى آخرها.

стр. 29

ثم ذكر قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁. ثم ذكر الأربعة المتفرقين عن الشرك في طلب الدين الحق: وهم ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل. ثم ذكر وصية عيسى ابن مريم ﵇ باتباع محمد ﷺ ، وما أخذ الله على الأنبياء من الإيمان به والنصر له، وأن يؤدوه إلى أممهم. فأدوا ذلك. وهو قول الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الآية (١) (٢) . [قصة بدء الوحي] ثم ذكر قصة بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ والقصة في الصحيحين - وفيها: أن أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] إلى قوله ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] (٣) . ثم أنزل عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ - وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ - وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ - وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ - وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧] (٤) .

стр. 30

فمن فهم أن هذه أول آية أرسله الله بها: عرف أنه سبحانه أمره أن ينذر الناس عن الشرك الذي يعتقدون أنه عبادة الأولياء ليقربوهم إلى الله قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات. وعرف أن قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] أمر بالتوحيد قبل الأمر بالصلاة وغيرها. وعرف قدر الشرك عند الله وقدر التوحيد. فلما أنذر ﷺ الناس، استجاب له القليل. وأما الأكثر: فلم يتبعوا ولم ينكروا، حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم وبيان نقائصه وعيب آلهتهم. فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه. وعذبوهم عذابًا شديدًا، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. فمن فهم هذا عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وعيب دينه، وإلا لو كان لأولئك المعذَّبين رخصة لفعلوا (١) . وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه. وقص الله سبحانه بعضه في كتابه. [قصة عمه أبي طالب] ومن أشهر ذلك: قصة عمه أبي طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته. وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة. وصبر عليها، ومع ذلك كان مصدقًا له، مادحا لدينه، محبا لمن اتبعه، معاديًا لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه. ولم يتبرأ من دين آبائه، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه. ولولا ذلك لاتبعه. ولما مات - وأراد النبي ﷺ الاستغفار له - أنزل الله عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] (٢) .

стр. 31

فيا لها من عبرة ما أبينها! ومن عظة ما أبلغها! ومن بيان ما أوضحه! لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق فيمن أحب الحق وأهله، من غير اتباع للحق، لأجل غرض من أغراض الدنيا. [قصته ﷺ مع قريش لما قرأ سورة النجم] ومما وقع أيضا: قصته ﷺ معهم - لما قرأ سورة النجم بحضرتهم - فلما وصل إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] (١) ألقى الشيطان في تلاوته: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وظنوا أن النبي ﷺ قاله، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، وتلقاها الصغير والكبير منهم، وقالوا كلاما معناه: هذا الذي نريد، نحن نقر أن الله هو الخالق الرازق، المدبر للأمور، ولكن نريد شفاعتها عنده. فإذا أقر بذلك فليس بيننا وبينه أي خلاف. واستمر رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه. وشاع الخبر: أنهم صافوه، حتى إن الخبر وصل إلى الصحابة الذين بالحبشة، فركبوا بالبحر راجعين لظنهم أن ذلك صِدْق. فلما ذُكِر ذلك لرسول الله ﷺ : خاف أن يكون قاله. فخاف من الله خوفا عظيما، حتى أنزل الله عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] إلى قوله ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] (٢) .

стр. 32

فمن عرف هذه القصة (١) وعرف ما عليه المشركون اليوم وما قاله ويقوله علماؤهم، ولم يميز بين الإسلام الذي أتى به النبي ﷺ ، وبين دين قريش الذي أرسل الله رسوله ينذرهم عنه، وهو الشرك الأكبر: فأبعده الله. فإن هذه القصة في غاية الوضوح، إلا من طبع الله على قلبه وسمعه. وجعل على بصره غشاوة، فذلك لا حيلة فيه، ولو كان من أفهم الناس، كما قال الله تعالى في أهل الفهم الذين لم يوفقوا: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] (٢) الآية. [إسلام الأنصار] ثم لما أراد الله إظهار دينه وإعزاز المسلمين: أسلم الأنصار - أهل المدينة - بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود، وذِكْرِهم لهم النبي وصفته، وأن هذا زمانه وقدر الله سبحانه أن أولئك العلماء الذين يتمنون ظهوره وينتظرونه ويتوعدونهم به - لمعرفتهم أن العز لمن اتبعه - يكفرون به ويعادونه. فهو قول الله سبحانه ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] (٣) .

стр. 33

فلما أسلم الأنصار: أمر رسول الله ﷺ من كان بمكة من المسلمين بالهجرة إلى المدينة. فهاجروا إليها. وأعزهم الله تعالى بعد تلك الذلة. فهو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] (١) الآية. [بعض فوائد الهجرة] وفوائد الهجرة والمسائل التي فيها كثيرة، لكن نذكر منها مسألة واحدة. وهي: أن ناسا من المسلمين لم يهاجروا، كراهة مفارقة الأهل والوطن والأقارب، فهو قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] (٢) . فلما خرجت قريش إلى بدر: خرجوا معهم كرها. فقتل بعضهم بالرمي، فلما علم الصحابة: أن فلانا قتل، وفلانا قتل، تأسفوا على ذلك وقالوا: قتلنا إخواننا. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] (٣) . فليتأمل الناصح لنفسه هذه القصة، وما أنزل الله فيها من الآيات. فإن أولئك لو تكلموا بكلام الكفر، وفعلوا كفرًا ظاهرًا يُرضون به قومهم: لم

стр. 34

يتأسف الصحابة على قتلهم. لأن الله بين لهم - وهم بمكة - لما عذبوا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (١) . فلو سمعوا عنهم كلاما أو فعلا يرضون به المشركين من غير إكراه، ما كانوا يقولون: " قتلنا إخواننا ". ويوضحه قوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] ولم يقولوا: كيف عقيدتكم؟ أو كيف فعلكم؟ بل قالوا: في أي الفريقين كنتم (٢) ؟ فاعتذروا بقولهم: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧] فلم تكذبهم الملائكة في قولهم هذا، بل قالوا لهم ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] ويوضحه قوله ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا - فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩] (٣) . فهذا في غاية الوضوح. فإذا كان هذا في السابقين الأولين من الصحابة فكيف بغيرهم؟ ولا يفهم هذا إلا من فهم أن أهل الدين اليوم لا يعدونه ذنبا. فإذا فهمت ما أنزل الله فهما جيدا. وفهمت ما عند من يدعي الدين اليوم، تبين لك أمور:

стр. 35

منها: أن الإنسان لا يستغني عن طلب العلم. فإن هذه وأمثالها: لا تعرف إلا بالتنبيه. فإذا كانت قد أشكلت على الصحابة قبل نزول الآية، فكيف بغيرهم؟ ومنها: أنك تعرف أن الإيمان ليس كما يظنه غالب الناس اليوم، بل كما قال الحسن البصري - فيما روى عنه البخاري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال. نسأل الله أن يرزقنا علما نافعا، ويعيذنا من علم لا ينفع. قال عمر بن عبد العزيز: يا بني ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن تعقل عن الله، ثم تطيعه. . . . . . . . . . . [مشروعية الجهاد في المدينة] ولما هاجر المسلمون إلى المدينة، واجتمع المهاجرون والأنصار: شرع الله لهم الجهاد. وقبل ذلك نهوا عنه، وقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] فأنزل الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (١) فبذلوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى، ﵃، فشكر الله لهم ذلك، ونصرهم على من عاداهم، مع قلتهم وضعفهم، وكثرة عدوهم وقوتهم. فمن الوقائع المشهورة، التي أنزل الله فيها القرآن: وقعة بدر، قد أنزل الله فيها سورة الأنفال، وبعدها وقعة قَينُقَاع، ثم وقعة أُحد بعد سنة، وفيها

стр. 36

الآيات التي في آل عمران وبعدها وقعة بني النضير، وفيها الآيات التي في سورة الحشر، ثم وقعة الخندق، وبني قريظة، وفيها الآيات التي في سورة الأحزاب ثم وقعة الحديبية، وفتح خيبر. وأنزل الله فيها سورة الفتح. وفتح مكة. ووقعة حنين وأنزل الله فيها سورة النصر. وذكر حنين في سورة براءة. ثم غزوة تبوك وذكرها الله في سورة براءة. ولما دانت له العرب، ودخلوا في دين الله أفواجا، وابتدأ في قتال العجم: اختار الله له ما عنده. فتُوُفي رسول الله ﷺ ، بعد ما أقام بالمدينة عشر سنين. وقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، فوقعت الردة المشهورة. . . . . . . . . . . وذلك: أنه لما مات رسول الله ﷺ : ارتد غالب من أسلم، وحصلت فتنة عظيمة، ثبت الله فيها من أنعم عليهم بالثبات، بسبب أبي بكر الصديق ﵁. فإنه قام فيها قياما لم يدانِه فيها أحد من الصحابة، ذكّرهُمْ فيه ما نسوا. وعلمهم ما جهلوا. وشجعهم لما جبنوا. فثبت الله به دين الإسلام. جعلنا الله من أتباعه وأتباع ما حمله أصحابه. قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية (١) قال الحسن: هم والله أبو بكر وأصحابه.

стр. 37

[قتال أهل الردة] قتال أهل الردة وصورة الردة: أن العرب افترقت في ردتها. فطائفة رجعت إلى عبادة الأصنام. وقالوا: لو كان نبيا لما مات. وفرقة قالت: نؤمن بالله ولا نصلي. وطائفة أقروا بالإسلام وصلوا. ولكن منعوا الزكاة. وطائفة شهدوا أن لا إله إلا الله! وأن محمدا رسول الله. ولكن صدقوا مسيلمة أن النبي ﷺ أشركه معه في النبوة. وذلك: أنه أقام شهودا شهدوا معه بذلك. وفيهم رجل من أصحابه معروف بالعلم والعبادة، يقال له: الرَّجال، فصدقوه لأجل ما عرفوا فيه من العلم والعبادة. ففيه يقول بعضهم ممن ثبت منهم: يا سعاد الفؤاد بنت أثال ... طال ليلي بفتنة الرجال فتن القوم بالشهادة والل ... هـ عزيز ذو قوة ومحال وقوم من أهل اليمن، صدقوا الأسود العنسي في ادعائه النبوة. وقوم صدقوا طُليحة الأسدي. ولم يشك أحد من الصحابة في كفر من ذكرنا، ووجوب قتالهم، إلا مانع الزكاة ولما عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم قيل له: كيف نقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها» . قال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عِقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه (١) . ثم زالت الشبهة عن الصحابة ﵃، وعرفوا وجوب قتالهم،

стр. 38

فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم. فقتلوا من قتلوا منهم، وسبوا نساءهم وعيالهم. [أهم ما على المسلم معرفة التوحيد من الشرك] فمن أهمِّ ما على المسلم اليوم تأمل هذه القصة التي جعلها الله من حججه على خلقه إلى يوم القيامة. فمن تأمل هذا تأملا جيدا - خصوصًا إذا عرف أن الله شهرها على ألسنة العامة، وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر في ذلك، وجعلوا من أكبر فضائله وعلمه: أنه لم يتوقف في قتالهم بل قاتلهم من أول وهلة. وعرفوا غزارة فهمه في استدلاله عليهم بالدليل الذي أشكل عليهم. فرد عليهم. بدليلهم بعينه، مع أن المسألة موضحة في القرآن والسنة. أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (١) . وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك: عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى» . فهذا كتاب الله الصريح للعامي البليد. وهذا كلام رسول الله ﷺ . وهذا إجماع العلماء الذين ذكرتُ لك.

стр. 39

[من قال لا إله إلا الله وفعل ما يناقضها] والذي يعرفك هذا جيدا: هو معرفة ضده، وهو أن العلماء في زماننا يقولون: من قال: " لا إله إلا الله " فهو المسلم، حرام المال والدم لا يُكَفّر ولا يقاتل، حتى إنهم يصرحون بذلك في شأن البدو الذين يكذبون بالبعث. وينكرون الشرائع. ويزعمون أن شرعهم الباطل هو حق الله، ولو طلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أنكر المنكرات، بل من حيث الجملة: إنهم يكفرون بالقرآن من أوله إلى آخره. ويكفرون بدين الرسول كله، مع إقرارهم بذلك بألسنتهم، وإقرارهم: أن شرعهم أحدثه آباؤهم لهم كفرًا بشرع الله. وعلماء الوقت يعترفون بهذا كله. ويقولون ما فيهم من الإسلام شعرة. وهذا القول تلقته العامة عن علمائهم، وأنكروا به ما بينه الله ورسوله. بل كَفّروا من صدق الله ورسوله في هذه المسألة، وقالوا: من كَفّر مسلما فقد كفر. والمسلم عندهم: الذي ليس معه من الإسلام شعرة، إلا أنه يقول بلسانه: " لا إله إلا الله " وهو أبعد الناس عن فهمها وتحقيق مطلوبها علما وعقيدة وعملا. . . . . . . . . . . فاعلم - رحمك الله - أن هذه المسألة: أهم الأشياء كلها عليك. لأنها هي الكفر والإسلام. فإن صدقتهم فقد كفرت بما أنزل على رسوله ﷺ كما ذكرنا لك من القرآن الكريم والسنة والإجماع. وإن صدقت الله ورسوله عادوك وكفروك. وهذا الكفر الصريح بالقرآن والرسول في هذه المسألة: قد اشتهر في الأرض مشرقها ومغربها. ولم يسلم منه إلا أقل القليل.

стр. 40

فإن رجوت الجنة، وخفت من النار: فاطلب هذه المسألة وادرسها من الكتاب والسنة، وحررها، ولا تقصر في طلبها، لأجل شدة الحاجة إليها، ولأنها الإسلام والكفر. وقل: اللهم ألهمني رشدي، وفهمني عنك، وعلمني منك، وأعذني من مضلات الفتن ما أحييتني. وأكثر الدعاء بالدعاء الذي صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو به في الصلاة. وهو «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك. إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١) . . . . . . . . . . . ونزيد المسألة إيضاحا ودلائل لشدة الحاجة إليها، فنقول: ليفطن العاقل لقصة واحدة منها. وهي أن بني حنيفة أشهر أهل الردة، وهم الذين يعرفهم العامة من أهل الردة. وهم عند الناس أقبح أهل الردة. وأعظمهم كفرا. وهم - مع هذا - يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويؤذنون ويصلون، ومع هذا فإن أكثرهم يظنون أن النبي ﷺ أمرهم بذلك، لأجل الشهود الذين شهدوا مع الرَّجال. والذي يعرف هذا - ولا يشك فيه - يقول: من قال " لا إله إلا الله " فهو المسلم، ولو لم يكن معه من الإسلام شعرة، بل قد تركه واستهزأ به متعمدًا. فسبحان الله مقلب القلوب كيف يشاء!! كيف يجتمع في قلب من له عقل - ولو كان من أجهل الناس - أنه يعرف أن بني حنيفة كفروا،
следующие страницы →