الآيات التي في آل عمران وبعدها وقعة بني النضير، وفيها الآيات التي في سورة الحشر، ثم وقعة الخندق، وبني قريظة، وفيها الآيات التي في سورة الأحزاب ثم وقعة الحديبية، وفتح خيبر. وأنزل الله فيها سورة الفتح. وفتح مكة. ووقعة حنين وأنزل الله فيها سورة النصر. وذكر حنين في سورة براءة. ثم غزوة تبوك وذكرها الله في سورة براءة.
ولما دانت له العرب، ودخلوا في دين الله أفواجا، وابتدأ في قتال العجم: اختار الله له ما عنده. فتُوُفي رسول الله ﷺ ، بعد ما أقام بالمدينة عشر سنين. وقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، فوقعت الردة المشهورة.
. . . . . . . . . . وذلك: أنه لما مات رسول الله ﷺ : ارتد غالب من أسلم، وحصلت فتنة عظيمة، ثبت الله فيها من أنعم عليهم بالثبات، بسبب أبي بكر الصديق ﵁. فإنه قام فيها قياما لم يدانِه فيها أحد من الصحابة، ذكّرهُمْ فيه ما نسوا. وعلمهم ما جهلوا. وشجعهم لما جبنوا. فثبت الله به دين الإسلام. جعلنا الله من أتباعه وأتباع ما حمله أصحابه.
قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية (١) قال الحسن: هم والله أبو بكر وأصحابه.
стр. 37
[قتال أهل الردة]
قتال أهل الردة وصورة الردة: أن العرب افترقت في ردتها. فطائفة رجعت إلى عبادة الأصنام. وقالوا: لو كان نبيا لما مات. وفرقة قالت: نؤمن بالله ولا نصلي. وطائفة أقروا بالإسلام وصلوا. ولكن منعوا الزكاة. وطائفة شهدوا أن لا إله إلا الله! وأن محمدا رسول الله. ولكن صدقوا مسيلمة أن النبي ﷺ أشركه معه في النبوة.
وذلك: أنه أقام شهودا شهدوا معه بذلك. وفيهم رجل من أصحابه معروف بالعلم والعبادة، يقال له: الرَّجال، فصدقوه لأجل ما عرفوا فيه من العلم والعبادة. ففيه يقول بعضهم ممن ثبت منهم:
يا سعاد الفؤاد بنت أثال ... طال ليلي بفتنة الرجال
فتن القوم بالشهادة والل ... هـ عزيز ذو قوة ومحال
وقوم من أهل اليمن، صدقوا الأسود العنسي في ادعائه النبوة.
وقوم صدقوا طُليحة الأسدي.
ولم يشك أحد من الصحابة في كفر من ذكرنا، ووجوب قتالهم، إلا مانع الزكاة ولما عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم قيل له: كيف نقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها» . قال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عِقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه (١) .
ثم زالت الشبهة عن الصحابة ﵃، وعرفوا وجوب قتالهم،
стр. 38
فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم. فقتلوا من قتلوا منهم، وسبوا نساءهم وعيالهم.
[أهم ما على المسلم معرفة التوحيد من الشرك]
فمن أهمِّ ما على المسلم اليوم تأمل هذه القصة التي جعلها الله من حججه على خلقه إلى يوم القيامة. فمن تأمل هذا تأملا جيدا - خصوصًا إذا عرف أن الله شهرها على ألسنة العامة، وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر في ذلك، وجعلوا من أكبر فضائله وعلمه: أنه لم يتوقف في قتالهم بل قاتلهم من أول وهلة. وعرفوا غزارة فهمه في استدلاله عليهم بالدليل الذي أشكل عليهم. فرد عليهم. بدليلهم بعينه، مع أن المسألة موضحة في القرآن والسنة.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (١) .
وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك: عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى» .
فهذا كتاب الله الصريح للعامي البليد. وهذا كلام رسول الله ﷺ . وهذا إجماع العلماء الذين ذكرتُ لك.
стр. 39
[من قال لا إله إلا الله وفعل ما يناقضها]
والذي يعرفك هذا جيدا: هو معرفة ضده، وهو أن العلماء في زماننا يقولون: من قال: " لا إله إلا الله " فهو المسلم، حرام المال والدم لا يُكَفّر ولا يقاتل، حتى إنهم يصرحون بذلك في شأن البدو الذين يكذبون بالبعث. وينكرون الشرائع. ويزعمون أن شرعهم الباطل هو حق الله، ولو طلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله لعدوه من أنكر المنكرات، بل من حيث الجملة: إنهم يكفرون بالقرآن من أوله إلى آخره. ويكفرون بدين الرسول كله، مع إقرارهم بذلك بألسنتهم، وإقرارهم: أن شرعهم أحدثه آباؤهم لهم كفرًا بشرع الله.
وعلماء الوقت يعترفون بهذا كله. ويقولون ما فيهم من الإسلام شعرة. وهذا القول تلقته العامة عن علمائهم، وأنكروا به ما بينه الله ورسوله. بل كَفّروا من صدق الله ورسوله في هذه المسألة، وقالوا: من كَفّر مسلما فقد كفر. والمسلم عندهم: الذي ليس معه من الإسلام شعرة، إلا أنه يقول بلسانه: " لا إله إلا الله " وهو أبعد الناس عن فهمها وتحقيق مطلوبها علما وعقيدة وعملا.
. . . . . . . . . . فاعلم - رحمك الله - أن هذه المسألة: أهم الأشياء كلها عليك. لأنها هي الكفر والإسلام. فإن صدقتهم فقد كفرت بما أنزل على رسوله ﷺ كما ذكرنا لك من القرآن الكريم والسنة والإجماع. وإن صدقت الله ورسوله عادوك وكفروك.
وهذا الكفر الصريح بالقرآن والرسول في هذه المسألة: قد اشتهر في الأرض مشرقها ومغربها. ولم يسلم منه إلا أقل القليل.
стр. 40
فإن رجوت الجنة، وخفت من النار: فاطلب هذه المسألة وادرسها من الكتاب والسنة، وحررها، ولا تقصر في طلبها، لأجل شدة الحاجة إليها، ولأنها الإسلام والكفر. وقل: اللهم ألهمني رشدي، وفهمني عنك، وعلمني منك، وأعذني من مضلات الفتن ما أحييتني.
وأكثر الدعاء بالدعاء الذي صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو به في الصلاة. وهو «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك. إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (١) .
. . . . . . . . . . ونزيد المسألة إيضاحا ودلائل لشدة الحاجة إليها، فنقول:
ليفطن العاقل لقصة واحدة منها. وهي أن بني حنيفة أشهر أهل الردة، وهم الذين يعرفهم العامة من أهل الردة. وهم عند الناس أقبح أهل الردة. وأعظمهم كفرا. وهم - مع هذا - يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويؤذنون ويصلون، ومع هذا فإن أكثرهم يظنون أن النبي ﷺ أمرهم بذلك، لأجل الشهود الذين شهدوا مع الرَّجال.
والذي يعرف هذا - ولا يشك فيه - يقول: من قال " لا إله إلا الله " فهو المسلم، ولو لم يكن معه من الإسلام شعرة، بل قد تركه واستهزأ به متعمدًا. فسبحان الله مقلب القلوب كيف يشاء!! كيف يجتمع في قلب من له عقل - ولو كان من أجهل الناس - أنه يعرف أن بني حنيفة كفروا،
стр. 41
مع أن حالهم ما ذكرنا. وأن البدو إسلام. ولو تركوا الإسلام كله، وأنكروه، واستهزءوا به على عمد. لأنهم يقولون: " لا إله إلا الله " لكن أشهد أن الله على كل شيء قدير. نسأله أن يثبت قلوبنا على دينه، ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة. إنه هو الوهاب.
стр. 42
الدليل الثاني
قصة أخرى وقعت في زمن الخلفاء الراشدين وهي أن بقايا من بني حنيفة، لما رجعوا إلى الإسلام وتبرءوا من مسيلمة، وأقروا بكذبه: كبر ذنبهم عند أنفسهم، وتحملوا بأهليهم إلى الثغر لأجل الجهاد في سبيل الله لعل ذلك يمحو عنهم آثار تلك الردة لأن الله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (١) ويقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] (٢) فنزلوا الكوفة. وصار لهم بها محلة معروفة، فيها مسجد يسمى مسجد بني حنيفة، فمر بعض المسلمين على مسجدهم بين المغرب والعشاء. فسمعوا منهم كلاما معناه: أن مسيلمة كان على حق وهم جماعة كثيرون، لكن الذي لم يقله لم ينكره على مَن قاله. فرفعوا أمرهم إلى عبد الله بن مسعود، فجمع مَن عنده من الصحابة واستشارهم: هل يقتلهم وإن تابوا، أو يستتيبهم؟ فأشار بعضهم بقتلهم من غير استتابة. وأشار بعضهم باستتابتهم، فاستتاب بعضهم، وقتل بعضهم، ولم يستتبه.
فتأمل - رحمك الله - إذا كانوا قد أظهروا من الأعمال الصالحة الشاقة ما أظهروا، لما تبرءوا من الكفر، وعادوا إلى الإسلام. ولم يظهر منهم إلا كلمة أخفوها في مدح مسيلمة، لكن سمعها بعض المسلمين. ومع هذا
стр. 43
لم يتوقف أحد في كفرهم كلهم - المتكلم والحاضر الذي لم ينكر - ولكن اختلفوا: هل تقبل توبتهم أو لا؟ والقصة في صحيح البخاري.
فأين هذا من كلام مَن يزعم أنه من العلماء ويقول: البدو ما معهم من الإسلام شعرة، إلا أنهم يقولون: " لا إله إلا الله " ومع ذلك يحكم بإسلامهم بذلك؟ أين هذا مما أجمع عليه الصحابة: فيمن قال تلك الكلمة، أو حضرها ولم ينكر؟
سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب
ربنا إني أعوذ بك أن أكون ممن قلت فيهم: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨] (١) ولا ممن قلت فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] (٢) .
стр. 44
الدليل الثالث
ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين قصة أصحاب علي بن أبي طالب - لما اعتقدوا فيه الإلهية التي تُعْتقَد اليوم في أناس من أكفر بني آدم وأفسقهم - فدعاهم إلى التوبة فأبوا. فخدَّ لهم الأخاديد وملأها حطبًا. وأضرم فيها النار. وقذفهم فيها وهم أحياء.
ومعلوم أن الكافر - مثل اليهودي والنصراني - إذا أمر الله بقتله لا يجوز إحراقه بالنار فعلم أنهم أغلظ كفرًا من اليهود والنصارى.
هذا، وهم يقومون الليل ويصومون النهار ويقرءون القرآن، آخذين له عن أصحاب رسول الله ﷺ . فلما غلوا في علي ذلك الغلو: أحرقهم في النار وهم أحياء. وأجمع الصحابة وأهل العلم كلهم على كفرهم. فأين هذا ممن يقول في البدو تلك المقالة، مع اعترافه بهذه القصة وأمثالها، واعترافه: أن البدو كفروا بالإسلام كله، إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله!
واعلم أن جناية هؤلاء إنما هي على الألوهية، وما علمنا فيهم جناية على النبوة، والذين قبلهم جنايتهم على النبوة، ما علمنا لهم جناية على الإلهية. وهذا مما يبين لك شيئا من معنى الشهادتين اللتين هما أصل الإسلام.
стр. 45
الدليل الرابع
ما وقع في زمن الصحابة أيضا وهي قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي. وهو رجل من التابعين، مصاهر لعبد الله بن عمر ﵁ وعن أبيه، مظهر للصلاح. فظهر في العراق يطلب بدم الحسين وأهل بيته، فقتل ابن زياد، ومال إليه من مال لطلبه دم أهل البيت ممن ظلمهم ابن زياد. فاستولى على العراق، وأظهر شرائع الإسلام، ونصب القضاة والأئمة من أصحاب ابن مسعود ﵁ وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة والجماعة، لكن في آخر أمره زعم أنه يوحى إليه. فسّير إليه عبد الله بن الزبير جيشا، فهزموا جيشه وقتلوه، وأمير الجيش مصعب بن الزبير، وتحته امرأة أبوها أحد الصحابة، فدعاها مصعب إلى تكفيره فأبت. فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها، فكتب إليه: إن لم تبرأ منه فاقتلها. فامتنعت، فقتلها مصعب.
وأجمع العلماء كلهم على كفر المختار - مع إقامته شعائر الإسلام - لما جنى على النبوة.
وإذا كان الصحابة قتلوا المرأة التي هي من بنات الصحابة لما امتنعت من تكفيره، فكيف بمن لم يكفر البدو مع إقراره بحالهم؟ فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام، ومن دعاهم إلى الإسلام هو الكافر؟ يا ربنا نسألك العفو والعافية.
стр. 46
الدليل الخامس
ما وقع في زمن التابعين وذلك قصة الجعد بن درهم، وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة. فلما جحد شيئا من صفات الله - مع كونها مقالة خفية عند الأكثر - ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى، فقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما. ثم نزل فذبحه، ولم يعلم أن أحدا من العلماء أنكر ذلك عليه. بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه، فقال:
شكر الضحية كل صاحب سنة ... لله درك من أخي قربان
فإذا كان رجل من أشهر الناس بالعلم والعبادة، أخذ العلم عن الصحابة، أجمعوا على استحسان قتله، فأين هذا من اعتقاد أعداء الله في البدو؟
стр. 47
الدليل السادس
قصة بني عبيد القداح فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة. فادعى عبيد الله أنه من آل علي بن أبي طالب من ذرية فاطمة، وتزيا بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله. فتبعه أقوام من البربر من أهل المغرب. وصار له دولة كبيرة في المغرب ولأولاده من بعده. ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام وإقامة الجمعة والجماعة. ونصبوا القضاة والمفتين. لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم. فأجمع أهل العلم: أنهم كفار، وأن دارهم دار حرب، مع إظهارهم شعائر الإسلام.
وفي مصر من العلماء والعباد أناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوا من الكفر. ومع ذلك أجمع العلماء على ما ذكرناه، حتى إن بعض أكابر أهل العلم المعروفين بالصلاح قال لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منها النصارى المحاربين. ورميت بالتسعة بني عبيد.
ولما كان زمان السلطان محمود بن زَنْكي أرسل إليهم جيشا عظيما بقيادة صلاح الدين. فأخذوا مصر من أيديهم. ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين.
فلما فتحها السلطان محمود فرح المسلمون بذلك أشد الفرح. وصنف ابن الجوزي في ذلك كتابا سماه " النصر على مصر ".
стр. 48
وأكثر علماء التصنيف والكلام في كفرهم مع ما ذكرنا من إظهارهم شرائع الإسلام الظاهرة.
فانظر ما بين هذا وبين ديننا الأول (١) أن البدو إسلام، مع معرفتنا بما هم عليه من البراءة من الإسلام كله، إلا قول " لا إله إلا الله " ولا تظن أن أحدا منهم لا يكفر إلا إن انتقل يهوديا أو نصرانيا.
فإن آمنت بما ذكر الله ورسوله، وبما أجمع عليه العلماء، وتبرأت من دين آبائك في هذه المسألة، وقلت: آمنت بالله وبما أنزل الله، وتبرأت مما خالفه باطنا وظاهرا، مخلصا لله الدين في ذلك. وعلم الله ذلك من قلبك، فأبشر. ولكن اسأل الله التثبيت. واعرف أنه مقلب القلوب.
стр. 49
الدليل السابع
قصة التتار وذلك أنهم بعد ما فعلوا بالمسلمين ما فعلوا، وسكنوا بلاد المسلمين، وعرفوا دين الإسلام: استحسنوه وأسلموا. لكن لم يعملوا بما يجب عليهم من شرائعه. وأظهروا أشياء من الخروج عن الشريعة، لكنهم كانوا يتلفظون بالشهادتين، ويصلون الصلوات الخمس والجمعة والجماعة. وليسوا كالبدو، ومع هذا كفرهم العلماء، وقاتلوهم وغزوهم. حتى أزالهم الله عن بلدان المسلمين.
وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله.
وأما من أراد الله فتنته: فلو تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك.
ولو ذكرنا ما جرى من السلاطين والقضاة، من قتل من أتى بأمور يكفر بها - ولو كان يظهر شعائر الإسلام - وقامت عليه البينة باستحقاقه للقتل، مع أن في هؤلاء المقتولين من كان من أعلم الناس وأزهدهم وأعبدهم في الظاهر، مثل الحلاج وأمثاله، ومن هو من الفقهاء المصنفين، كالفقيه عمارة.
فلو ذكرنا قصص هؤلاء لاحتمل مجلدات. ولا نعرف فيهم رجلا واحدا بلغ كفره كفر البدو الذين يقول عنهم - من يزعم إسلامهم -: إنه ليس معهم من الإسلام شعرة إلا قول: " لا إله إلا الله " ولكن من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
стр. 50
والعجب أن الكتب التي بأيديهم، والتي يزعمون أنهم يعرفونها ويعملون بها: فيها مسائل الردة.
وتمام العجب: أنهم يعرفون بعض ذلك ويقرون به، ويقولون: من أنكر البعث كفر. ومن شك فيه كفر. ومن سب الشرع كفر. ومن أنكر فرعا مجمعًا عليه كفر. كل هذا يقولونه بألسنتهم.
فإذا كان من أنكر الأكل باليمين، أو أنكر النهي عن إسبال الثياب، أو أنكر سنة الفجر أو الوتر: فهو كافر. ويصرحون أن من أنكر الإسلام كله وكَذّب به، واستهزأ بمن صدقه: فهو أخوك المسلم، حرام الدم والمال، ما دام يقول: " لا إله إلا الله " ثم يكفروننا، ويستحلون دماءنا وأموالنا، مع أنا نقول: " لا إله إلا الله " فإذا سئلوا عن ذلك قالوا: من كفر مسلما فقد كفر.
تم لم يكفهم ذلك حتى أفتوا لمن عاهدنا بعهد الله ورسوله أن ينقض العهد وله في ذلك ثواب عظيم، ويفتون مَنْ عنده أمانة لنا، أو مال يتيم: أنه يجوز له أكل أمانتنا. ولو كانت مال يتيم، بضاعة عنده أو وديعة، بل يرسلون الرسائل لِدَهام بن دَوَّاس وأمثاله: إذا حاربوا التوحيد ونصروا عبادة الأصنام، يقولون: أنت يا فلان قمت مقام الأنبياء. مع إقرارهم أن التوحيد - الذي ندعو إليه، وكفروا به وصدوا الناس عنه - هو دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن الشرك - الذي نهينا الناس عنه، ورغبوهم فيه، وأمروهم بالصبر على آلهتهم - أنه الشرك الذي نهى عنه الأنبياء. ولكن هذه من أكبر آيات الله، فمن لم يفهمها فليبك على نفسه. والله أعلم.
стр. 51
[نسب النبي ﷺ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. إلى هنا معلوم الصحة. وما فوق عدنان مختلف فيه. ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل. وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب. والقول بأنه إسحاق باطل.
ولا خلاف أنه ﷺ ولد بمكة عام الفيل. وكانت وقعة الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته، وإلا فأهل الفيل نصارى أهل كتاب، دينهم خير من دين أهل مكة. لأنهم عباد أوثان. فنصرهم الله نصرا لا صنع للبشر فيه، تقدمة للنبي الذي أخرجته قريش من مكة، وتعظيما للبلد الحرام.
[قصة الفيل]
قصة الفيل وكان سبب قصة أصحاب الفيل - على ما ذكر محمد بن إسحاق - أن أبرهة بن الصباح كان عاملا للنجاشي ملك الحبشة على اليمن، فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة - شرفها الله - فبنى كنيسة بصنعاء. وكتب إلى النجاشي " إني بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج العرب " فسمع به رجل من بني كنانة، فدخلها ليلا. فلطخ قبلتها بالعذرة. فقال أبرهة: من الذي اجترأ على هذا؟ قيل: رجل من أهل ذلك البيت، سمع بالذي قلت. فحلف أبرهة ليسيرن إلى الكعبة
стр. 52
حتى يهدمها. وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، فسأله أن يبعث إليه بفيله. وكان له فيل يقال له: محمود، لم يُرَ مثله عظما وجسما وقوة، فبعث به إليه. فخرج أبرهة سائرا إلى مكة. فسمعت العرب بذلك فأعظموه، ورأوا جهاده حقا عليهم.
فخرج ملك من ملوك اليمن، يقال له: ذو نفر. فقاتله. فهزمه أبرهة وأخذه أسيرا، فقال: أيها الملك استبقني خيرا لك، فاستبقاه وأوثقه.
وكان أبرهة رجلا حليما. فسار حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي، ومن اجتمع إليه من قبائل العرب. فقاتلوهم فهزمهم أبرهة. فأخذ نفيلا، فقال له: أيها الملك إنني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة. فاستبقني خيرا لك. فاستبقاه. وخرج معه يدله على الطريق.
فلما مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف. فقال له: أيها الملك، نحن عبيدك. ونحن نبعث معك من يدلك. فبعثوا معه بأبي رِغال مولى لهم. فخرج حتى إذا كان بالمُغَمّس مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره. وبعث أبرهة رجلا من الحبشة - يقال له: الأسود بن مفصود - على مقدمة خيله وأمر بالغارة على نَعَم الناس. فجمع الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير.
ثم بعث رجلا من حمير إلى أهل مكة، فقال: أبلغ شريفها أنني لم آت لقتال، بل جئت لأهدم البيت. فانطلق، فقال لعبد المطلب ذلك.
فقال عبد المطلب: ما لنا به يدان. سنخلي بينه وبين ما جاء له. فإن هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه. وإن يخل
стр. 53
بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به من قوة.
قال: فانطلق معي إلى الملك - وكان ذو نَفَر صديقا لعبد المطلب، فأتاه، فقال: يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال: ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، فإنه لي صديق، فأسأله أن يعظم خطرك عند الملك.
فأرسل إليه، فقال لأبرهة: إن هذا سيد قريش يستأذن عليك. وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف لأمرك، وأنا أحب أن تأذن له.
وكان عبد المطلب رجلا جسيما وسيما. فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه. وكره أن يجلس معه على سريره. وأن يجلس تحته. فهبط إلى البساط فدعاه فأجلسه معه. فطلب منه أن يرد عليه مائتي البعير التي أصابها من ماله.
فقال أبرهة لترجمانه، قل له: إنك كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت فيك. قال: لِمَ؟ قال: جئت إلى بيت - هو دينك ودين آبائك، وشرفكم وعصمتكم - لأهدمه. فلم تكلمني فيه، وتكلمني في مائتي بعير؟ قال: أنا رب الإبل. والبيت له رب يمنعه منك.
فقال: ما كان ليمنعه مني.
قال: فأنت وذاك. فأمر بإبله فردت عليه.
ثم خرج وأخبر قريشا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب، ويتحرزوا في رءوس الجبال، خوفا عليهم من مَعَرَّة الجيش.
ففعلوا. وأتى عبدُ المطلب البيتَ. فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول:
стр. 54
يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع منهمو حماكا
إن عدو البيت من عاداكا ... فامنعهمو أن يخربوا قراكا
وقال أيضا:
لا هُمَّ إن المرء يمنع رحله ... وحلاله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك
جرّوا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك
إن كنت تاركهم وكعب ... تنا فأمْرٌ ما بدا لك
ثم توجه في بعض تلك الوجوه مع قومه. وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول. وعبأ جيشه. وهيأ فيه. فأقبل نفيل إلى الفيل. فأخذ بأذنه. فقال: ابرك محمود. فإنك في بلد الله الحرام. فبرك الفيل، فبعثوه فأبى. فوجهوه إلى اليمن، فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق ففعل ذلك. فصرفوه إلى الحرم فبرك. وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل، فأرسل الله طيرا من قبل البحر مع كل طائر ثلاثة أحجار. حجرين في رجليه وحجرًا في منقاره. فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم. فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك. وليس كلَّ القوم أصابت. فخرج البقية هاربين يسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن. فماج بعضهم في بعض. يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل. وبعث الله على أبرهة داء في جسده. فجعلت تساقط أنامله حتى انتهى إلى صنعاء وهو مثل الفرخ. وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك.
. . . . . . . . . .
стр. 55
[وفاة عبد الله والد رسول الله ﷺ ]
رجعنا إلى سيرته ﷺ .
وفاة عبد الله والد رسول الله ﷺ قد اختلف في وفاة أبيه: هل توفي بعد ولادته أو قبلها؛ الأكثر: على أنه توفي وهو حمل. ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة بالأبواء، منصرفَها من المدينة من زيارة أخواله. ولم يستكمل إذ ذاك ست سنين.
فكفله جده عبد المطلب. ورق عليه رقة لم يرقها على أولاده. فكان لا يفارقه. وما كان أحد من ولده يجلس على فراشه - إجلالا له - إلا رسول الله ﷺ .
وقدم مكة قوم من بني مُدْلج من القافة. فلما نظروا إليه قالوا لجده: احتفظ به. فلم نجد قدمًا أشبه بالقدم الذي في المقام من قدمه. فقال لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، واحتفظ به.
وتوفي جده في السنة الثامنة من مولده. وأوصى به إلى أبي طالب. وقيل إنه قال له:
أوصيك يا عبد مناف بعدي ... بمفرد بعد أبيه فرد
وكنت كالأم له في الوجد ... تُدْنيه من أحشائها والكبد
فأنتَ من أرجى بَنيَّ عندي ... لرفع ضيم ولشد عضد
[عبد المطلب جد رسول الله ﷺ ]
عبد المطلب جد رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب من سادات قريش، محافظا على العهود. متخلقا بمكارم الأخلاق. يحب المساكين، ويقوم في خدمة
стр. 56
الحجيج، ويطعم في الأزمات. ويقمع الظالمين. وكان يطعم حتى الوحوش والطير في رءوس الجبال. وكان له أولاد أكبرهم الحارث، توفي في حياة أبيه. وأسلم من أولاد الحارث عُبَيدة - قتل ببدر - وربيعة، وأبو سفيان، وعبد الله.
ومنهم: الزبير بن عبد المطلب شقيق عبد الله. وكان رئيس بني هاشم وبني المطلب في حرب الفجار، شريفا شاعرا. ولم يدرك الإسلام. وأسلم من أولاده: عبد الله، واستشهد بأجنادين، وضُباعة، ومَجْل، وصفية، وعاتكة.
وأسلم منهم حمزة بن عبد المطلب، والعباس.
ومنهم: أبو لهب مات عقيب بدر. وله من الولد: عتيبة الذي دعا عليه النبي ﷺ فقتله السبع. وله عتبة، ومعتب. أسلما يوم الفتح. ومن بناته: أروى. تزوجها كرز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فولدت له عامرًا وأروى. فتزوج أروى عفان بن أبي العاص بن أمية. فولدت له عثمان، ثم خلف عليها عقبة بن أبي مُعَيْط، فولدت له الوليد بن عقبة، وعاشت إلى خلافة ابنها عثمان.
ومنهن: بَرَّة بنت عبد المطلب، أم أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
ومنهن: عاتكة أم عبد الله بن أبي أمية. وهي صاحبة المنام قبل يوم بدر. واختلف في إسلامها.
ومنهن: صفية أم الزبير بن العوام. أسلمت وهاجرت.
وأروى أم آل جحش: عبد الله، وأبي أحمد، وعبيد الله، وزينب، وحَمْنة.
стр. 57
وأم عبد المطلب: هي سلمى بنت زيد من بني النجار، تزوجها أبوه هاشم بن عبد مناف. فخرج إلى الشام - وهي عند أهلها، وقد حملت بعبد المطلب - فمات بغزة. فرجع أبو رُهْم بن عبد العزى وأصحابه إلى المدينة بتركته. وولدت امرأته سلمى: عبد المطلب. وسمته شيبة الحمد. فأقام في أخواله مكرمًا. فبينما هو يناضل الصبيان، فيقول: أنا ابن هاشم، سمعه رجل من قريش، فقال لعمه المطلب: إني مررت بدور بني قَيْلة. فرأيت غلامًا يعتزي إلى أخيك. وما ينبغي ترك مثله في الغربة. فرحل إلى المدينة في طلبه. فلما رآه فاضت عيناه، وضمه إليه. وأنشد شعرًا:
عرفت شيبة والنجار قد جعلت ... أبناءها حوله بالنبل تنتضل
عرفت إجلاده فينا وشيمته ... ففاض مني عليه وابل هطل
فأردفه على راحلته، فقال: يا عم، ذلك إلى الوالدة. فجاء إلى أمه. فسألها أن ترسل به معه، فامتنعت. فقال لها: إنما يمضي إلى ملك أبيه، وإلى حرم الله. فأذنت له. فقدم به مكة، فقال الناس: هذا عبد المطلب. فقال: ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم.
فأقام عنده حتى ترعرع. فسلم إليه ملك هاشم: من أمر البيت، والرفادة، والسقاية، وأمر الحجيج، وغير ذلك.
وكان المطلب شريفا مطاعا جوادا، وكانت قريش تسميه الفياض لسخائه. وهو الذي عقد الحلف بين قريش وبين النجاشي. وله من الولد: الحارث، ومخرمة، وعباد، وأنيس، وأبو عمر، وأبو رهم، وغيرهم.
стр. 58
ولما مات وثب نوفل بن عبد مناف على أركاح (١) شيبة. فغصبه إياها، فسأل رجالا من قريش النصرة على عمه. فقالوا: لا ندخل بينك وبين عمك. فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتًا، منها:
يا طول ليلي لأحزاني وأشغالي ... هل من رسول إلى النجار أخوالي؟
بني عدي ودينار ومازنها ... ومالك عصمة الحيران عن حالي
قد كنت فيهم وما أخشى ظلامة ذي ... ظلم عزيزًا منيعًا ناعم البال
حتى ارتحلت إلى قومي , وأزعجني ... لذاك مُطّلب عمي بترحالي
فغاب مطلب في قعر مظلمة ... ثم انبرى نوفل يعدو على مالي
لما رأى رجلا غابت عمومته ... وغاب أخواله عنه بلا والي
فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكمُ ... لا تخذلوه فما أنتم بخذالي
стр. 59
فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي بن النجار على كتابه بكى. وسار من المدينة في ثمانين راكبًا، حتى قدم مكة. فنزل بالأبطح فتلقاه عبد المطلب وقال: المنزل يا خال. فقال: لا والله حتى ألقى نوفلا. فقال: تركته بالحجر جالسا في مشايخ قومه. فأقبل أبو سعد حتى وقف عليهم. فقام نوفل قائمًا، فقال: يا أبا سعد، أنعم صباحًا. فقال: لا أنعم الله لك صباحًا، وسَلَّ سيفه. وقال: ورب هذا البيت، لَئِن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف. فقال: رددتها عليه. فأشهد عليه مشايخ قريش. ثم نزل على شيبة، فأقام عنده ثلاثًا. ثم اعتمر ورجع إلى المدينة. فقال عبد المطلب:
ويأبى مازن وأبو عدي ... ودينار بن تيم الله ضيمي
بهم رد الإله علي رُكْحي ... وكانوا في انتساب دون قومي
فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم، وحالفت بنو هاشم: خزاعة على بني عبد شمس ونوفل. فكان ذلك سببًا لفتح مكة. كما سيأتي.
فلما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب، قالوا: نحن ولدناه كما ولدتموه، فنحن أحق بنصره. وذلك أن أم عبد مناف منهم. فدخلوا دار الندوة وتحالفوا وكتبوا بينهم كتابا.
[عبد الله والد رسول الله ﷺ ]
عبد الله والد رسول الله ﷺ وأما عبد الله، والد النبي ﷺ : فهو الذبيح.
وسبب ذلك: أن عبد المطلب أُمر في المنام بحفر زمزم. ووُصِف له
стр. 60
موضعها. وكانت جُرْهم قد غلبت آلَ إسماعيل على مكة، وملكوها زمانًا طويلا. ثم أفسدوا في حرم الله. فوقع بينهم وبين خُزاعة حرب، وخزاعة من قبائل اليمن، من أهل سبأ. ولم يدخل بينهم بنو إسماعيل. فغلبتهم خزاعة. ونفت جرهما من مكة. وكانت جرهم قد دفنت الحجر الأسود، والمقام وبئر زمزم. وظهر بعد ذلك قصي بن كلاب على مكة. ورجع إليه ميراث قريش. فأنزل بعضهم داخل مكة - وهم قريش الأباطح - وبعضهم خارجها - وهم قريش الظواهر - فبقيت زمزم مدفونة إلى عصر عبد المطلب. فرأى في المنام موضعها. فقام يحفر. فوجد فيها سيوفا مدفونة وحليا، وغزالا من ذهب مُشَنّفًا بالدر. فعلقه عبد المطلب على الكعبة. وليس مع عبد المطلب إلا ولده الحارث. فنازعته قريش، وقالوا له: أشركنا، فقال: ما أنا بفاعل. هذا أمر خُصصت به. فاجعلوا بيني وبينكم مَن شئتم أحاكمكم إليه.
فنذر حينئذ عبد المطلب: لئن آتاه الله عشرة أولاد، وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة. فلما تموا عشرة. وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه. وكتب كل منهم اسمه في قدح. وأعطوها القِدَاح قَيّم هُبَل - وكان الذي يُجِيل القداح - فخرج القدح على عبد الله. وأخذ عبد المطلب المدية ليذبحه. فقامت إليه قريش من ناديها فمنعوه. فقال: كيف أصنع بنذري؟ فأشاروا عليه أن ينحر مكانه عشرا من الإبل. فأقرع بين عبد الله وبينها. فوقعت القرعة عليه. فاغتم عبد المطلب، ثم لم يزل يزيد عشرا عشرا، ولا تقع القرعة إلا عليه، إلى أن بلغ مائة، فوقعت القرعة على الإبل. فنحرت عنه. فجرت سنّة.
стр. 61
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا ابن الذبيحين» (١) .
يعني إسماعيل ﵇ وأباه عبد الله.
ثم ترك عبد المطلب الإبل لا يرد عنها إنسانا ولا سبعا. فجرت الدية في قريش والعرب مائة من الإبل. . وأقرها رسول الله ﷺ . وقالت صفية بنت عبد المطلب:
نحن حفرنا للحجيج زمزم ... سُقيا الخليل وابنه المكرم
جبريل الذي لم يذمم ... شفاء سُقْم وطعام مطعم
[أبو طالب عم رسول الله ﷺ ]
أبو طالب عم رسول الله ﷺ وأما أبو طالب: فهو الذي تولى تربية رسول الله ﷺ من بعد جده كما تقدم، ورق عليه رقة شديدة. وكان يقدمه على أولاده.
قال الواقدي: قام أبو طالب - من سنة ثمان من مولد رسول الله ﷺ إلى السنة العاشرة من النبوة أي ثلاثا وأربعين - يحوطه ويقوم بأمره، ويذب عنه. ويلطف به. وقال أبو محمد بن قدامة: كان يقر بنبوة النبي ﷺ . وله في ذلك أشعار، منها:
ألا أبلغا عني على ذاتِ بيننا ... لُؤَيا. وخُصَّا من لؤي بني كعب
بأنا وجدنا في الكتاب محمدا ... نبيا كموسى , خُطَّ في أول الكتب
стр. 62
وأن عليه في العباد محبة ... ولا خير ممن خصه الله بالحب
ومنها:
تَعَلّم خيارَ الناس أن محمدًا ... وزيرٌ لموسى والمسيح ابن مريم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا ... فإن طريق الحق ليس بمظلم
ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار. ولما حضرته الوفاة: «دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية - فقال: "يا عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل ﷺ يرددها عليه، وهما يرددان عليه حتى كان آخر كلمة قالها: "هو على ملة عبد المطلب " فقال رسول الله ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنْه عنك فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] (١) ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] » (٢) الآية (٣) .
قال ابن إسحاق: وقد رثاه ولده علي بأبيات، منها:
أرِقْتُ لطير آخر الليل غردا ... يذكرني شجوا عظيما مجددا
أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى ... جوادًا إذا ما أصدر الأمر أوردا
стр. 63
.. فأمست قريش يفرحون بموته
ولست أرى حيا يكون مخلدا ... أرادوا أمورا زيفتها حلومهم
ستوردهم يوما من الغي موردا ... يُرَجُّون تكذيب النبي وقتله
وأن يفترى قدمًا عليه ويجحدا ... كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم
صدور العوالي والحسام المهندا
خلّفَ أبو طالب أربعة ذكور وابنتين. فالذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، وبين كل واحد عشر سنين. فطالب أسنهم، ثم عقيل، ثم جعفر، ثم علي.
فأما طالب: فأخرجه المشركون يوم بدر كرها. فلما انهزم الكفار طُلِبَ، فلم يوجد في القتلى، ولا في الأسرى، ولا رجع إلى مكة، وليس له عقب.
وأما عقيل: فأُسر ذلك اليوم. ولم يكن له مال. ففداه عمه العباس.
ثم رجع إلى مكة. فأقام بها إلى السنة الثامنة. ثم هاجر إلى المدينة. فشهد مُؤتة مع أخيه جعفر. وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : «وهل ترك لنا عقيل من منزل؟» (١) .
واستمرت كفالة أبي طالب لرسول الله ﷺ كما ذكرنا - فلما بلغ اثنتي عشرة سنة - وقيل: تسعًا خرج به أبو طالب إلى الشام في تجارة، فرآه بَحيرى الراهب، وأمر عمه أن لا يقدم به إلى الشام؛ خوفا عليه من اليهود. فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة.
стр. 64
ووقع في الترمذي. " أنه بعث معه بلالا " وهو غلط واضح. فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا.
[خروجه إلى الشام وزواجه خديجة]
خروجه إلى الشام وزواجه خديجة فلما بلغ رسولُ الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة: خرج إلى الشام في تجارة لخديجة ﵂، ومعه ميسرة غلامها. فوصل بُصْرَى.
ثم رجع فتزوج عقب رجوعه خديجة بنت خويلد. وهي أول امرأة تزوجها، وأول امرأة ماتت من نسائه. ولم ينكح عليها غيرها. وأمره جبريل: " أن يقرأ ﵍ من ربها ويبشرها ببيت في الجنة من قصب ".
[تحنثه في غار حراء]
تحنثه في غار حراء ثم حبب إليه الخلاء، والتعبد لربه، فكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه (١) وبُغِّضت إليه الأوثان ودينُ قومه. فلم يكن شيء أبغضَ إليه من ذلك. وأنبته الله نباتا حسنا، حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خُلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا. وأحفظهم لأمانة. حتى سماه قومه " الأمين " لما جمع الله فيه من الأحوال الصالحة، والخصال الكريمة المرضية.
стр. 65
[بناء الكعبة]
بناء الكعبة ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة: قامت قريش في بناء الكعبة حين تضعضعت.
قال أهل السير: كان أمر البيت - بعد إسماعيل ﵇ إلى ولده، ثم غلبت جرهم عليه. فلم يزل في أيديهم حتى استحلوا حرمته. وأكلوا ما يهدى إليه. وظلموا من دخل مكة. ثم وَلِيَتْ خزاعة البيتَ بعدهم، إلا أنه كان إلى قبائل من مُضَر ثلاثُ خلال: -
الأولى: الإجازة بالناس من عرفة يوم الحج إلى مزدلفة، تجيزهم صُوفة.
والثانية: الإفاضة من جَمْعٍ، غداة النحر إلى منى. وكان ذلك إلى يزيد بن عدوان، وكان آخر من ولي ذلك منهم أبو سيارة.
والثالثة: إنساءُ الأشهر الحرم، وكان إلى رجل من بني كنانة يقال له حذيفة ثم صار إلى جُنادة بن عوف.
قال ابن إسحاق: ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وثلاثين سنة، جمعت قريش لبنيان الكعبة. وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها، ويهابون هدمها، وإنما كانت رَضْما فوق القامة. فأرادوا رفعها وتسقيفها. وذلك أن قومًا سرقوا كنز الكعبة. وكان في بئر في جوف الكعبة. وكان البحر قد رمى سفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم، فتحطمت. فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها.
وكان بمكة رجل قبطي نجار. فهيأ لهم بعض ما كان يصلحها. وكانت حَيّةٌ تخرج من بئر الكعبة التي كان يُطرح فيه ما يهدى لها كل يوم،
стр. 66
فتتَشَرَّقُ على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون. وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احْزَألّت وكَشّت وفتحت فاها. فبينما هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة، بعث الله إليها طائرا فاختطفها. فذهب بها. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب. وقد كفانا الله الحية.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها: قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ المخزومي فتناول من الكعبة حجرًا. فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مَهْر بَغِي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
ثم إن قريشا تجزأت الكعبة.
فكان شِق الباب: لبني عبد مناف وزهرة. وما بين الركن الأسود واليماني: لبني مخزوم، وقبائل من قريش انضافت إليهم. وكان ظهر الكعْبة: لبني جُمَح وبني سَهْم. وكان شق الحِجْر: لبني عبد الدار، ولبني أسد بن عبد العزى، ولبني عدي. وهو الحطيم.
ثم إن الناس هابوا هدمها، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول. ثم قام عليها. وهو يقول: اللهم لا تُرَعْ - أو: لم نَزِغ - اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين. فتربص الناس تلك الليلة. وقالوا: إن أصيب، لم نهدم منها شيئا. ورددناها كما كانت، وإلا فقد رضي الله ما صنعنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله. فهدم وهدم الناس معه.
حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس - أساس إبراهيم ﵇ -
стр. 67
أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة، أخذ بعضها بعضا. فأدخل بعضهم عَتَلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما. فلما تحرك الحجر: انتفضت مكة بأسرها. فانتهوا عند ذلك الأساس.
ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها، حتى بلغ البنيان موضع الحجَر الأسود. فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه، حتى تحاوروا وتحالفوا، وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جَفنة، مملوءة دمًا. تعاهدوا - هم وبنو عدي بن كعب - على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم. فسموا " لَعقَة الدم" فمكثت قريش على ذلك أربع ليال، أو خمسا.
ثم إنهم اجتمعوا في المسجد. فتشاوروا وتناصفوا.
فزعم بعض أهل الرواية: «أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي - وكان يومئذ أَسَنَّ قريش كلهم - قال: اجعلوا بينكم أولَ من يدخل من باب المسجد. ففعلوا، فكان أولَ من دخل: رسولُ الله ﷺ . فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين، رضينا به، هذا محمد " فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر. فقال ﷺ : هلم إلي ثوبًا " فأتي به. فأخذ الركن فوضعه فيه بيده. ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوا جميعا " ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه: وضعه هو بيده ﷺ . ثم بنى عليه.»
وكان رسول الله ﷺ ينقل معهم الحجارة. وكانوا يرفعون أُزرَهم على عواتقهم، ففعل ذلك رسول الله ﷺ فَلُبط به - أي طاح على وجهه - ونودي "استر عورتك" فما رئيت له عورة بعد ذلك.
стр. 68
فلما بلغوا خمسة عشر ذراعا سقفوه على ستة أعمدة.
وكان البيت يُكْسَى القباطي. تم كُسيَ البرود، وأول من كساه الديباج: الحجاج بن يوسف.
وأخرجت قريش الحِجْر لقلة نفقتهم. ورفعوا بابها عن الأرض، لئلا يدخلها إلا من أرادوا. وكانوا إذا أرادوا ألا يدخلها أحد لا يريدون دخوله تركوه حتى يبلغ الباب، ثم يرمونه.
فلما بلغ ﷺ أربعين سنة: بعثه الله بشيرًا ونذيرًا. وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.
[بعض ما كان عليه أهل الجاهلية]
بعض ما كان عليه أهل الجاهلية ونذكر قبل ذلك شيئا من أمور الجاهلية، وما كانت عليه قبل مبعث رسول الله ﷺ .
قال قتادة: ذُكر لنا: أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون. كلهم على الهدى، وعلى شريعة من الحق. ثم اختلفوا بعد ذلك. فبعث الله نوحًا ﵇. وكان أول رسول إلى أهل الأرض. قال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] (١) قال: على الإسلام كلهم. وكان أول ما كادهم به الشيطان: هو تعظيم الصالحين، وذكر اللهُ ذلك في كتابه في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (٢) قال ابن عباس: كان هؤلاء قومًا صالحين. فلما ماتوا في شهر: جزع عليهم أقاربهم، فصوروا صورهم.
стр. 69
وفي غير حديثه: " قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة" قال: فكان الرجل يأتي أخاه وابن عمه فيعظمه، حتى ذهب ذلك القرن. ثم جاء قرن آخر، فعظموهم أشد من الأول. ثم جاء القرن الثالث، فقالوا: ما عظم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوهم.
فلما بعث الله إليهم نوحًا - وغرق من غرق - أهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض، حتى قذفها إلى أرض جدة. فلما نضب الماء بقيت على الشط، فسفت الريح عليها التراب، حتى وارتها.
. . . . . . . . . .
[عمرو بن لحي أول من غير دين إبراهيم]
عمرو بن لحي أول من غير دين إبراهيم وكان عمرو بن لُحَي سيدُ خزاعة كاهنًا وله رِئي من الجن فأتاه. فقال: " عجل السير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة، ائتِ جُدَّة، تجد أصنامًا معدة، فأوردها تهامة ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب " فأتى جدة فاستثارها، ثم حملها حتى أوردها تهامة.
وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها. فأجابه عوف بن عذرة، فدفع إليه وَدًّا فحمله. فكان بوادي القُرَى بدومَةِ الْجَنْدل. وسمى ابنه: عبدَ وَد، فهو أول من سمى به. فلم يزل بنوه يسدنونه، حتى جاء الإسلام. فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد لهدمه. فحالت بينه وبينه بنو عُذْرة وبنو عامر، فقاتلهم فقتلهم. ثم هدمه وجعله جُذاذًا.
وأجابت عمرو بن لحي بن مضَرُ بن نزار. فدفع إلى رجل من هذيل سُواعًا، فكان بأرض يقال لها: وُهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من
стр. 70
مضر. وفي ذلك قيل:
تراهم حول قبلتهم عكوفًا ... كما عكفت هذيل على سواع
وأجابته مَذْحج. فدفع إلى نعيم بن عمر المرادي يغوث. وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن والاها.
وأجابته همدان فدفع إليهم يعوق. فكان بقرية يقال لها خِيوان. تعبده همدان ومن والاها من اليمن.
وأجابته حمير، فدفع إليهم نَسْرًا. فكان بموضع بسبأ، تعبده حمير ومن والاها. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله رسوله ﷺ فكسرها.
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قُصْبه في النار، فكان أول من سيّب السوائب» وفي لفظ: «وغير دين إبراهيم» وفي لفظ عن ابن إسحاق: «فكان أول من غير دين إبراهيم، ونصب الأوثان» .
وكان أهل الجاهلية على ذلك، فيهم بقايا من دين إبراهيم، مثل تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف بعرفة ومزدلفة، وإهداء البُدْن. وكانت نزار تقول في إهلالها: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك " فأنزل الله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨] (١) .
стр. 71
[صنم مناة]
صنم مناة ومن أقدم أصنامهم: منَاة. وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشَلّل بقديد، بين مكة والمدينة. وكانت العرب تعظمه قاطبة، ولم يكن أحد أشد تعظيمًا له من الأوس والخزرج، وبسبب ذلك أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (١) الآية فبعث رسول الله ﷺ عليا ﵁ فهدمها عام الفتح.
[صنم اللات]
صنم اللات ثم اتخذوا اللات في الطائف، قيل: إن أصل ذلك رجل كان يَلُت السويق للحاج، فمات. فعكفوا على قبره. وكانت صخرة مربعة، وكان سدنتها ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها بيتًا. فكان جميع العرب يعظمونها، وكانت العرب تسمي زيد اللات، وتيم اللات. وهي في موضع منارة مسجد الطائف.
فلما أسلمت ثقيف، بعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها، وحرقها بالنار.
[صنم العزى]
صنم العزى ثم اتخذوا العُزَّى. وهي أحدث من اللات. وكانت بوادي نخلة. فوق ذات عرق. وبثوا عليها بيتًا. وكانوا يسمعون منها الصوت. وكانت قريش تعظمها. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد فأتاها
стр. 72
فعضدها، وكانت ثلاث سمُرات. فلما عضد الثالثة: فإذا بحبشية نافشة شعرها، واضعة يدها على عاتقها، تضرب بأنيابها. وخلفها سادنها، فقال خالد:
يا عزُّ كُفرانك لا سُبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة. ثم قتل السادن.
[صنم هبل]
صنم هبل وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها. وأعظمها: هُبَل، وكان من عقيق أحمر على صورة الإنسان. وكانوا إذا اختصموا، أو أرادوا سفرًا: أتوه فاستقسموا بالقداح عنده. وهو الذي قال فيه أبو سفيان يوم أحد: " اعْلُ هبل " فقال رسول الله ﷺ «قولوا: الله أعلى وأجل» .
وكان لهم إساف ونائلة، قيل: أصلهما أن إسافا رجل من جرهم، ونائلة امرأة منهم، فدخلا البيت، ففجر بها فيه. فمسخهما الله فيه حجرين، فأخرجهما فوضعوهما ليتعظ بهما الناس، فلما طال الأمد وعبدت الأصنام: عبدا.
[ذو الخلصة]
ذو الخلصة وكان لخَثْعَم وبجِيلة صنم يقال له: ذو الخَلَصة، بين مكة والمدينة. فقال رسول الله ﷺ لجرير بن عبد الله البجلي: ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فسار إليه بأحمس. فقاتلته همدان، فظفر بهم وهدمه.
وكان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام.
وكان لأهل كل واد بمكة صنم، إذا أراد أحدهم سفرًا كان آخر ما
стр. 73
يصنع في منزله أن يتمسح به.
[صنم عم أنس]
صنم عم أنس قال ابن إسحاق: وكان لخولان صنم يقال له: عَمّ أنس، وفيهم أنزل الله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] (١) .
فلما بعث الله محمدًا ﷺ بالتوحيد، قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]
وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت. وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة.
ولما فتح رسول الله ﷺ مكة: وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا. فجعل يطعن في وجوهها وعيونها، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] وهي تتساقط على رءوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحُرِّقت.
[بدء الوحي]
رجعنا إلى سيرته ﷺ فنقول:
بدء الوحي في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: «أول ما بُدِئ برسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل
стр. 74
فَلَق، الصبح ثم حُبِّب إليه الخلاء. فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد. قبل أن يَنْزع إلى أهله. ويتزود لذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجَهْد. ثم أرسلني. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني الثالثة فغطّني الثالثة. ثم أرسلني، فقال لي في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣] (١) فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، حتى دخل على خديجة بنت خويلد. فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتُكْسِب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى - ابن عم خديجة - وكان قد تنصر في الجاهلية. وكان يكتب الكتاب العبراني. فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك؟ قال: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي. وإن يُدْرِكْني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.
стр. 75
ثم أنشد ورقة:
لججت , وكنت في الذكرى لجوجًا ... لهمّ طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي ... حديثَك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قُس ... من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمدًا سيسود قومًا ... ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... شهدت وكنت أولهم ولوجا
ولوجًا بالذي كرهت قريش ... ولو عَجّت بمكتها عجيجا
أرَجّي بالذي كرهوا جميعا ... إلى ذي العرش -إن سفلوا- عروجا
وهل أمر السفالة غير كفر ... بمن يختار من سَمَك البروجا
فإن يبقوا وأبقَ تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا
وإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة خروجا
فلم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي. حتى حزن رسول الله ﷺ حزنا شديدا. حتى كان يذهب إلى رءوس شواهق الجبال، يريد أن يلقي بنفسه منها، كلما أوفى بذروة جبل تَبَدَّى له جبريل ﵇، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا " فيسكن لذلك جأشه، وتَقَر نفسه،