يا ذا الكفين , لست من عبادكا ... ميلادنا أكبر من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا. فوافوا النبي ﷺ بالطائف - بعد مقدمه بأربعة أيام - وقدم بدبابة ومنجنيق.
قال ابن سعد: لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم، وتهيئوا للقتال. وسار رسول الله ﷺ . فنزل قريبا من حصن الطائف. وعسكر هناك. فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة. وقتل منهم اثنا عشر رجلا. فارتفع ﷺ إلى موضع مسجد الطائف اليوم. فحاصرهم ثمانية عشر يوما. ونصب عليهم المنجنيق - وهو أول من رمى به في الإسلام - وأمر بقطع أعناب ثقيف. فوقع الناس فيها يقطعون، فسألوه: أن يدعها لله وللرحم. فقال رسول الله ﷺ : «فإني أدعها لله وللرحم» .
ونادى مناديه: " أيما عبد نزل من الحصن، وخرج إلينا. فهو حر " فخرج منهم بضعة عشر رجلا، فيهم أبو بكرة بن مسروج، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، ودفع كل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه.
ولم يأذن في فتح الطائف. فأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁، فأذن بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: نرحل، ولم يفتح علينا؟ فقال رسول الله ﷺ : «فاغدوا على القتال» فغدوا، فأصابهم جراحات. فقال النبي ﷺ : «إنا قافلون إن شاء الله» فسروا بذلك. وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك.
فلما ارتحلوا واستقلوا قال: «قولوا: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا
стр. 212
حامدون» وقيل: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» .
ثم خرج إلى الجعرانة. فدخل منها إلى مكة محرما بعمرة فقضاها. ثم رجع إلى المدينة.
стр. 213
[وفد ثقيف]
فصل قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان. وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف.
وكان من حديثهم: " أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم " اتبع أثره عروة بن مسعود، حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة. فأسلم، وسأله: أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ : «إن فيهم نخوة الامتناع» فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم. وكان فيهم كذلك محببا مطاعا.
فخرج يدعوهم إلى الإسلام، رجاء ألا يخالفوه، لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علية - وقد دعاهم إلى الإسلام - رموه بالنبل من كل وجه. فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك؟ فقال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي. فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم. فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه» .
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة شهرا. ثم ائتمروا بينهم. ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد أسلموا وبايعوا. فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا، كما أرسلوا عروة.
فكلموا عبد ياليل بن عمرو، وعرضوا عليه ذلك. فأبى، وخشي أن يصنع به كما صنع بعروة. فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا.
стр. 214
فأجمعوا أن يرسلوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، منهم عثمان بن أبي العاص. فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، ألفوا بها المغيرة بن شعبة. فاشتد ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم. فلقيه أبو بكر، فقال: أقسمت عليك بالله، لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ ، حتى أكون أنا أحدثه، ففعل. ثم خرج المغيرة إلى أصحابه، فروح الظهر معهم. وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ . فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. فضرب عليهم قبة في ناحية المسجد.
وكان فيما سألوه: أن يدع لهم اللات لا يهدمها ثلاث سنوات، فأبى. فما برحوا يسألونه سنة، فيأبى. حتى سألوه شهرا واحدا. فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى. وإنما يريدون بذلك - فيما يظهرون - أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم، ويكرهون أن يروعوهم بهدمها، حتى يدخلهم الإسلام. فأبى إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها.
فلما أسلموا أمر عليهم عثمان بن أبي العاص - وكان من أحدثهم سنا - وذلك: أنه كان من أحرصهم على التفقه في الدين، وتعلم القرآن.
فلما توجهوا راجعين بعث معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة: أن يقدم أبا سفيان، فأبى، وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم. فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول. وقام دونه بنو مغيث، خشية أن يرمى، كما فعل بعروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها. فلما هدمها أخذ مالها وحليها وأرسل به إلى أبي سفيان.
стр. 215
[ما في غزوة الطائف من الفقه]
ما في غزوة الطائف من الفقه فيها من الفقه: جواز القتال في الأشهر الحرم. ونسخ تحريم ذلك.
وفيها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الطواغيت والشرك بعد القدرة عليها يوما واحدا. فإنها شعائر الكفر. وهي أعظم المنكرات. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، وكذلك الأحجار والأشجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر لها وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، أو أعظم شركا عندها، وبها.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلف وترزق، وتميت وتحيي. وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم. وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، وغلبة التقاليد. وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير. وطمست الأعلام. واشتدت غربة الإسلام.
ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
وفيها: صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد من عابديها. فيجب على الإمام أن يصرفها في الجهاد ومصالح المسلمين وكذلك أوقافها تصرف في مصالح المسلمين.
стр. 216
[حوادث سنة تسع]
فصل
حوادث سنة تسع ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ودخلت سنة تسع، بعث المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب.
وفيها: بعث عليا ﵁ إلى صنم طيئ ليهدمه. فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر. فهدموه. وملئوا أيديهم من السبي والنعم والشاء. وفي السبي سفانة أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي إلى الشام. ووجدوا في خزانته ثلاثة أسياف، وثلاثة أدرع. وقسم علي الغنائم في الطريق، ولم يقسم السبي من آل حاتم حتى قدم بهم المدينة.
قال عدي: ما كان رجل من العرب أشد كراهة لرسول الله ﷺ مني، حين سمعت به. وكنت رجلا شريفا نصرانيا. وكنت أسير في قومي بالمرباع. وكنت في نفسي على دين. فقلت لغلام لي راع لإبلي: اعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا. فإذا سمعت بجيش محمد قد وطئ هذه البلاد فآذني. فأتاني ذات غداة، فقال: ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنع الآن. فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها؟ فقالوا: هذه جيوش محمد. قلت: قرب لي أجمالي. فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، وخلفت بنتا لحاتم في الحاضرة. فلما قدمت الشام أقمت بها، وتخالفني خيل رسول الله ﷺ ، فتصيب ابنة حاتم، فقدم بها على رسول الله ﷺ في سبايا من طيئ.
وقد بلغ رسول الله ﷺ هربي إلى الشام. فمر بها. فقالت: «يا رسول
стр. 217
الله، غاب الوافد، وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمن علي. من الله عليك. فقال: " من وافدك؟ . قالت: عدي بن حاتم، قال: " الذي فر من الله ورسوله؟ " - وكررت عليه القول ثلاثة أيام - قالت: فمن علي، وسألته الحملان، فأمر لها به وكساها وحملها وأعطاها نفقة» .
فأتتني. فقالت: لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها. ائته راغبا أو راهبا، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته، وهو جالس في المسجد. فقال القوم: هذا عدي بن حاتم - وجئت بغير أمان ولا كتاب - فأخذ بيدي - وكان قبل ذلك قال: " إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي " - فقام إلي، فلقيت امرأة ومعها صبي. فقالا: إن لنا إليك حاجة. فقام معهما حتى قضى حاجتهما. ثم أخذ بيدي حتى أتى داره. فألقت له الوليدة وسادة. فجلس عليها، وجلست بين يديه. فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: «ما يفرك؟ أيفرك (١) أن يقال: " لا إله إلا الله؟ " فهل تعلم من إله سوى الله؟ " فقلت: لا. فتكلم ساعة. ثم قال: " أيفرك أن يقال: الله أكبر؟ وهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ " قلت: لا، قال: " فإن اليهود مغضوب عليهم. والنصارى ضالون "، فقلت: فإني حنيف مسلم. فرأيت وجهه ينبسط فرحا» .
ثم أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار. وجعلت آتيه طرفي النهار. فبينا أنا عنده، إذ جاءه قوم في ثياب من صوف من هذه الثمار، فصلى ثم قام. فحث بالصدقة عليهم، وقال: «أيها الناس، ارضخوا من الفضل ولو بصاع، ولو بنصف صاع، ولو بقبضة، ولو ببعض قبضة، يقي أحدكم
стр. 218
وجهه حر جهنم - أو النار - ولو بتمرة، ولو بشق تمرة. فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة. فإن أحدكم لاق الله، فقائل له أقول لكم: ألم أجعل لك مالا وولدا؟ فيقول: بلى، فيقول: أين ما قدمت لنفسك؟ فلينظر قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله. فلا يجد شيئا يقي به وجهه حر جهنم، ليق أحدكم وجهه النار، ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فكلمة طيبة. فإني لا أخاف عليكم الفاقة. فإن الله ناصركم ومعطيكم، حتى تسير الظعينة ما بين يثرب والحيرة، ما تخاف على مطيتها السرق» .
فجعلت أقول: فأين لصوص طيئ؟ (١) .
[قصة كعب بن زهير]
قصة كعب بن زهير قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب: يخبره أن رسول الله ﷺ قد قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش - ابن الزبعرى، وهبيرة بن أبي وهب - قد هربوا في كل وجه. فإن كان لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ . فأنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائبك. وكان قد قال: -
ألا بلغا عني بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت؛ ويحك هل لكا؟
فبين لنا , إن كنت لست بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا؟
стр. 219
على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه. ولم تلق عليه أخا لكا
فإن أنت لم تفعل. فلست بآسف ... ولا قائل , إما عثرت: لعالكا (١)
سقاك بها المأمون كأسا روية ... وأنهلك المأمون منها وعلكا
فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «سقاك بها المأمون، صدق والله. وأنه لكذوب، أنا المأمون " ولما سمع " على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه " قال: " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه» .
ثم قال بجير بن زهير: -
من مبلغ كعبا , فهل لك في التي ... تلوم عليها باطلا , وهي أحزم؟
إلى الله - لا العزى ولا اللات - وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو , وليس بمفلت ... من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير - وهو لا شيء - دينه ... ودين أبي سلمى علي محرم
стр. 220
فلما بلغ كعبا ضاقت عليه الأرض. وأشفق على نفسه، فلما لم يجد من شيء بدا، قال قصيدته التي مدح فيها رسول الله ﷺ ، ثم خرج حتى قدم المدينة. فنزل على رجل كان بينه وبينه معرفة. فغدا به إلى رسول الله ﷺ . فذكر لي أنه قام فجلس إليه - وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه - فقال: «يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه، إن أنا جئتك به؟ قال: " نعم ": قال: أنا كعب بن زهير.»
فحدثني عاصم بن عمرو: «أنه وثب عليه رجل من الأنصار. فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه. فقال: " دعه عنك، فقد جاء تائبا نازعا عما كان عليه» فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. فقال قصيدته التي أولها: -
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول
ومنها:
أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل
إلى أن قال:
تسعى الغواة جنابيها , وقولهمو: ... إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
وقال
كل صديق كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكمو ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
стр. 221
مهلا , هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة. ولم ... أذنب , وإن كثرت في الأقاويل
إلى أن قال:
إن الرسول لنور يستضاء به ... وصارم من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة - لما أسلموا - زولوا
زالوا. فما زال إنكاس ولا كشف ... عند اللقاء , ولا ميل معازيل
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ... ضرب إذا عرد السود التنابيل
شم العرانين , أبطال لبوسهمو ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهمو ... قوما , وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهمو ... وما لهم عن حياض الموت تهليل
قال عاصم بن عمرو: فلما قال: إذا عرد السود التنابيل، وإنما عنانا معشر الأنصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار: -
стр. 222
من سره كرم الحياة فلا يزل ... في مقنب من صالح الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر ... إن الخيار همو بني الأخيار
الذائدين الناس عن أديانهم ... بالمشرفي وبالقنا الخطار
والبائعين نفوسهم لنبيهم ... يوم الهياج وفتنة الكفار
والناظرين بأعين محمرة ... كالجمر غير كليلة الإبصار
والباذلين نفوسهم لنبيهم ... للموت يوم تعانق وكرار
يتطهرون , يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار
قوم إذا خوت النجوم فإنهم ... للطارقين النازلين مقاري
стр. 223
[غزوة تبوك]
فصل
في غزوة تبوك قال ابن إسحاق: كانت في زمان عسرة من الناس، وجدب من البلاد، حين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم. وكان ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا ورى بغيرها، إلا ما كان منها، فإنه جلاها للناس لبعد الشقة، وشدة الزمان.
فقال ذات يوم - وهو في جهازه - للجد بن قيس «هل لك في جلاد بني الأصفر؟ " فقال: يا رسول الله، أوتأذن لي ولا تفتني؛ فقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر، ألا أصبر، فقال: " قد أذنت لك» ففيه نزلت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ [التوبة: ٤٩] الآية (١) .
وقال قوم من المنافقين، بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، فنزل: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] الآية (٢) .
ثم إن رسول الله ﷺ حض أهل الغنى على النفقة. فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا. وأنفق عثمان ثلاثمائة بعير بأحلاسها، وأقتابها وعدتها، وألف دينار عينا.
وجاء البكاءون - وهم سبعة - يستحملون رسول الله ﷺ . فقال: «لا
стр. 224
أجد ما أحملكم عليه» تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون.
وقام علبة بن يزيد، فصلى من الليل وبكى. ثم قال: «اللهم إنك أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها: من مال، أو جسد أو عرض، ثم أصبح مع الناس. فقال النبي ﷺ أين المتصدق هذه الليلة؟ فلم يقم أحد، ثم قال: أين المتصدق؟ فلم يقم. فقام إليه فأخبره، فقال ﷺ : أبشر، فوالذي نفس محمد بيده، لقد كتبت في الزكاة المتقبلة» ".
وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، فلم يعذرهم.
واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري. فلما سار رسول الله ﷺ ، تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب، منهم الثلاثة - كعب بن مالك. وهلال بن أمية. ومرارة بن الربيع - وأبو خيثمة السالمي، وأبو ذر. . . ثم لحقاه. وشهدها رسول الله ﷺ في ثلاثين ألفا من الناس، والخيل عشرة آلاف فرس. وأقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة، وهرقل يومئذ بحمص.
قال ابن إسحاق: «ولما خرج رسول الله ﷺ خلف عليا على أهله. فقال المنافقون: ما خلفه إلا استثقالا له، وتخففا منه، فأخذ سلاحه ولحق به بالجرف، فقال: يا نبي الله: زعم المنافقون: أنك ما خلفتني إلا استثقالا، فقال: " كذبوا، ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أولا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي
стр. 225
بعدي» فرجع.
ودخل أبو خيثمة إلى أهله في يوم حار، بعد ما سار رسول الله ﷺ أياما، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له ماء، وهيأت له طعاما. فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا. فقال: رسول الله في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء؟ ما هذا بالنصف. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ . فهيئا لي زادا، ففعلتا. ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج حتى أدرك رسول الله ﷺ حين نزل تبوك.
وقد كان عمير بن وهب الجمحي أدرك أبا خيثمة، في الطريق فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة له: إن لي ذنبا. فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله ﷺ ، ففعل. حتى إذا دنا من رسول الله ﷺ ، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ : «كن أبا خيثمة " قالوا: يا رسول الله، هو والله، هو والله أبو خيثمة. فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله ﷺ . فقال له: " أولى لك يا أبا خيثمة " فأخبره الخبر، فقال له خيرا، ودعا له.»
وقد كان رسول الله ﷺ ، لما مر بالحجر - من ديار ثمود - قال: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم مثل ما أصابهم» وقال: «لا تشربوا من مائها شيئا، ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا، وأمرهم أن يهرقوا الماء، وأن يستقوا من
стр. 226
البئر التي كانت تردها الناقة» .
وفي صحيح مسلم عن أبي حميد الساعدي قال: «انطلقنا حتى قدمنا تبوك. فقال رسول الله ﷺ : ستهب عليكم الليلة ريح شديدة. فلا يقم أحد منكم. فمن كان له بعير فليشد عقاله. فهبت ريح شديدة، فقام رجل. فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيئ» .
قال ابن إسحاق: وأصبح الناس ولا ماء معهم. فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فدعا الله. فأرسل الله سحابة. فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء.
ثم سار حتى إذا كان ببعض الطريق جعلوا يقولون: تخلف فلان، فيقول: «دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه ".» .
وتلوم على أبي ذر بعيره. فلما أبطأ عليه أخذ متاعه على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا.
ونزل رسول الله ﷺ في بعض منازله. فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق. فقال رسول الله ﷺ : «كن أبا ذر " فلما تأملوه. قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر. فقال: " رحم الله أبا ذر. يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» .
وفي صحيح ابن حبان عن أم ذر قالت " لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: وما لي لا أبكي، وأنت تموت بفلاة من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفنا، ولا يدان لي في تغيبك؟ فقال: أبشري ولا تبكي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر - وأنا فيهم -: «ليموتن
стр. 227
رجل منكم بفلاة من الأرض، يشهده عصابة من المسلمين. وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة» ، فأنا ذلك الرجل، فوالله ما كذبت ولا كذبت. فأبصري الطريق. فكنت أشتد إلى الكثيب أتبصر، ثم أرجع فأمرضه. فبينا أنا وهو كذلك، إذا أنا برجال على رحالهم، كأنهم الرخم، تخب بهم رواحلهم، قالت: فأشرت إليهم. فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي. فقالوا: يا أمة الله، ما لك؟ قلت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه. قالوا: من هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه. فقال لهم: أبشروا، فإني سمعت رسول الله ﷺ وذكر الحديث - ثم قال: وإنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي ولامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي، أو لها. فإني أنشدكم الله ألا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا، أو بريدا أو نقيبا. وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار، قال: يا عم، أنا أكفنك في ردائي هذا. وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي، قال: فأنت تكفنني، فكفنه الأنصاري، وأقاموا عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان ".
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك، أتاه صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جربا وأذرح، فأعطوه الجزية، وكتب لهم كتابا. فهو عندهم.
ثم بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، وقال لخالد: «إنك تجده يصيد البقر» فخرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة - وهو على سطح له - فبانت البقر تحك بقرونها باب القصر. فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مثل
стр. 228
هذه؟ قال: لا أحد. ثم نزل فأمر بفرسه فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته. فلما خرجوا، تلقتهم خيل رسول الله ﷺ ، فأخذته وقتلوا أخاه. وقدم به خالد على رسول الله ﷺ ، فحقن له دمه. وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله. فرجع إلى قريته.
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة. ثم انصرف إلى المدينة. قال: وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي: أن ابن مسعود كان يحدث، قال: " قمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها. فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر. وإذا عبد الله ذو البجادين - والبجاد الكساء الأسود - المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله ﷺ في حفرته، وأبو بكر وعمر، يدليانه إليه. وهو يقول: أدليا إلي أخاكما. فأدلياه إليه. فلما هيأه لشقه، قال: اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه، فارض عنه " قال: يقول عبد الله بن مسعود: " يا ليتني كنت صاحب الحفرة ".
وأقبل رسول الله ﷺ من تبوك، حتى كان بينه وبين المدينة ساعة. وكان أصحاب مسجد الضرار أتوه - وهو يتجهز إلى تبوك - فقالوا: «يا رسول الله، إنا بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة. وإنا نحب أن تصلي فيه. فقال: " إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله لأتيناكم ".
فلما نزل بذي أوان، جاءه خبر المسجد من السماء فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي. فقال: " انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله،
стр. 229
فاهدماه، وحرقاه " فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف - وهم رهط مالك بن الدخشم - فقال لمعن أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه، وفيه أهله، فحرقاه وهدماه» ، وأنزل الله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧] إلى قوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٠] (١) .
قال ابن عباس في الآية: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا، فقال لهم أبو عامر الفاسق: ابنوا مسجدكم، واستعدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح. فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآت بجند من الروم، فأخرج محمدا وأصحابه. فلما فرغوا من بنائه: أتوا النبي ﷺ . فقالوا: إنا قد فرغنا من بناء مسجدنا. ونحب أن تصلي فيه، وتدعو بالبركة. فأنزل الله : ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] إلى قوله: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠] يعني الشك ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] يعني بالموت.
ولما دنا رسول الله ﷺ من المدينة، خرج الناس لتلقيه، والنساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه. وأنزل الله فيها سورة براءة.
стр. 230
وكانت تسمى في زمان النبي ﷺ وبعده " المبعثرة " لما كشفت من سرائر المنافقين وخبايا قلوبهم.
وفي غزوة تبوك: كانت قصة تخلف كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي. ممن شهدوا بدرا. ولم يكن لهم عذر في التخلف عن رسول الله ﷺ . فلما عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة، جاء المعذرون من الأعراب من المنافقين، يحلفون أنهم كانوا معذورين. فقبل منهم رسول الله ﷺ ، وأرجأ كعب بن مالك وصاحبيه حتى أنزل الله في شأنهم وفي توبتهم - وكانوا من خيار المؤمنين -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ - وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٨] الآيتين (١) . خلفهم الله وأخر توبتهم ليمحصهم ويطهرهم من ذنب تأخرهم. لأنهم كانوا من الصادقين.
[وفود العرب إلى رسول الله]
[وفد بني تميم]
وفود العرب إلى رسول الله ولما فرغ رسول الله ﷺ من تبوك، وأسلمت ثقيف. ضربت إليه أكباد الإبل، تحمل وفود العرب من كل وجه، في سنة تسع. وكانت تسمى: سنة الوفود.
قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله ﷺ .
وذلك: أن قريشا كانوا إمام الناس وهداتهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل ﵇، وقادة العرب لا ينكرون ذلك. وكانت
стр. 231
قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ . فلما افتتحت مكة، ودانت له قريش. عرفت العرب: ألا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ . ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجا. كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] (١) .
وفد بني تميم فقدم عليه عطارد بن حاجب التميمي، في أشراف من بني تميم، جاءوا في أسرى بني تميم، الذين أخذتهم سرية عيينة بن حصن الفزاري في المحرم من هذه السنة. وكان عيينة قد أخذ أحد عشر رجلا، وإحدى وعشرين امرأة، وثلاثين صبيا. وساقهم إلى المدينة. فقدم رؤساء بني تميم فيهم. فلما دخلوا المسجد، نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات - وهو في بيته - أن اخرج إلينا. فآذى ذلك رسول الله ﷺ . فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤ - ٥] (٢) .
فلما خرج إليهم قالوا: جئنا لنفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " أذنت لخطيبكم " فقام عطارد. فخطب. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس: " قم، فأجب الرجل " فقام ثابت فخطب وأجابه. وقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام , فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصب البيع
стр. 232
وكم قسرنا من الأجياد كلهمو ... عند النهاب , وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس القزع (١) .
إلى أن قال: -
إنا أبينا , ولا يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع
في أبيات ذكرها. فقال رسول الله ﷺ لحسان: " قم، فأجب الرجل " فقام، فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سننا للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله , وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهمو ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية , تلك منهم غير , محدثة ... إن الخلائق - فاعلم - شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهمو ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
стр. 233
إلى أن قال: -
لا يبخلون على جار بفضلهمو ... ولا يمسهمو من مطمع طبع
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
إلى أن قال: -
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب , ووازره ... فيما أحب: لسان حائك صنع
وقال الزبرقان أيضا: -
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا ... إذا احتفلوا عند احتضار المواسم
فإنا ملوك الناس في كل موطن ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم (١)
وإنا نذود المعلمين إذا انتخوا ... ونضرب رأس الأغيد المتفاخم
وأن لنا المرباع (٢) في كل غارة ... تغير بنجد , أو بأرض الأعاجم
стр. 234
فأجابه حسان بن ثابت ﵁: -
هل المجد إلا السؤدد العود والندى ... وجاه الملوك , واحتمال العظائم؟
نصرنا وآوينا النبي محمدا ... على أنف راض من معد وراغم
إلى أن قال: -
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا ... على دينه بالمرهفات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها ... ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم , لا تفخروا. إن فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم , علينا تفخرون؟ وأنتم ... لنا خول. ما بين ظئر وخادم
فإن كنتمو جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم: أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا. وأسلموا ... ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
فلما فرغ حسان، قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى.
стр. 235
لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم.
[وفد طيئ]
وفد طيئ - وقدم على رسول الله ﷺ وفد طيئ، فيهم زيد الخيل - وهو سيدهم - فعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم.
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ كما حدثني من لا أتهم من رجال طيئ - «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني، إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل. فأنه لم يبلغ كل ما فيه» .
ثم سماه رسول الله ﷺ " زيد الخير " وأقطعه " فيدا " وأرضين معه، وكتب له بذلك كتابا. فخرج من عنده راجعا إلى قومه، فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد - يقال له " فردة " - أصابته الحمى بها فمات. فعمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب التي أقطع له بها رسول الله ﷺ ، فحرقتها بالنار.
[وفد عبد القيس]
وفد عبد القيس وقدم على رسول الله ﷺ ، الجارود العبدي في وفد عبد القيس، وكان نصرانيا، فقال: يا رسول الله، إني على ديني. وإني تارك ديني لدينك، فتضمن لي بما فيه؟ قال: " نعم. أنا ضامن لذلك، إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه " فأسلم وأسلم أصحابه. فكان حسن الإسلام صلبا في دينه، حتى هلك، وقد أدرك الردة. وكان في الوفد " الأشج " الذي قال له رسول الله ﷺ : «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم
стр. 236
والأناة ".» .
وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرمي - قبل فتح مكة - إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم وحسن إسلامه. ثم هلك بعد رسول الله ﷺ ، وفي ردة أهل البحرين. والعلاء عنده أمير الرسول ﷺ على البحرين.
[وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة]
وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة الكذاب، فأتوه وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يحفظها لنا. فأمر له بمثل ما أمر به للقوم، وقال: «أما أنه ليس بشركم مكانا» يعني لحفظه ضيعة أصحابه. ثم انصرفوا فلما انتهوا إلى اليمامة، ارتد عدو الله وتنبأ، وقال: إني أشركت في الأمر معه. وقال للوفد: ألم يقل لكم: " أما أنه ليس بشركم مكانا؟ " ما ذاك إلا لما كان يعلم أني أشركت في الأمر معه. ثم جعل يسجع لهم السجعات، مضاهاة للقرآن، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ بالنبوة.
وكتب لرسول الله ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد. فإني أشركت في الأمر معك. وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم لا يعدلون.
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ".
стр. 237
وقال للرجلين اللذين أتيا بكتابه: ما تقولان أنتما؟ فقالا: نقول كما قال. فقال: " أما والله، لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت رقابكما» وذلك في آخر سنة عشر.
[حجة أبي بكر بالناس]
حجة أبي بكر بالناس ثم أقام رسول الله ﷺ بعد رجوعه من تبوك - بقية رمضان وشوالا وذا القعدة - ثم بعث أبا بكر ﵁ أميرا على الحج ليقيم للناس حجهم. وأهل الشرك على دينهم ومنازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر في ثلاثمائة من المدينة. وبعث معه رسول الله ﷺ بعشرين بدنة. قلدها وأشعرها بيده. ثم نزلت سورة براءة في نقض ما بين رسول الله ﷺ وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه. فأرسل بها علي بن أبي طالب على ناقته العضباء، ليقرأ براءة على الناس. وينبذ إلى كل ذي عهد عهده. فلما لقي أبا بكر قال له: " أمير أو مأمور؟ فقال علي: بل مأمور " فلما كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب. فقال: " يا أيها الناس، لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته " (١) .
стр. 238
[حجة الوداع]
حجة الوداع فلما دخل ذو القعدة، تجهز رسول الله ﷺ للحج، وأمر الناس بالجهاز له. وأمرهم أن يلقوه. فخرج معه من كان حول المدينة وقريبا منها. وخرج المسلمون من القبائل القريبة والبعيدة حتى لقوه في الطريق، وفي مكة، وفي منى وعرفات، وجاء علي من اليمن مع أهل اليمن. وهي حجة الوداع.
فخرج لها لخمس بقين من ذي القعدة في آخر سنة عشر. فمضى رسول الله ﷺ ، وساق معه الهدي. فأرى الناس مناسكهم، وعلمهم سنن حجهم. وهو ﷺ يقول لهم ويكرر عليهم «أيها الناس خذوا عني مناسككم. فلعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا» .
ولما كان بمنى خطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين: " فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: «أيها الناس: اسمعوا قولي: فإني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم. وكل ربا موضوع. وأول ربا أضعه: ربا العباس بن عبد المطلب. فأنه موضوع كله. وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه: دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وإني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لم تضلوا - كتاب الله -، وأنتم مسئولون عني. فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت. فجعل يرفع إصبعه إلى السماء، وينكبها إليهم، ويقول اللهم اشهد - ثلاث مرات» .
стр. 239
وكانت هذه الحجة تسمى " حجة الوداع " لأنه ﷺ لم يحج بعدها (١) .
فلما انقضى حجه، رجع إلى المدينة. فأقام ﷺ بقية ذي الحجة والمحرم وصفر.
ثم ابتدأ برسول الله ﷺ وجعه الذي مات فيه في آخر صفر.
[بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء]
بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء ولما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة. أمر رسول الله ﷺ الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد. وأمره أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة، وأن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين. فتجهز الناس، وأوعب مع أسامة المهاجرون والأنصار.
ثم استبطأ رسول الله ﷺ الناس في بعث أسامة - وهو في وجعه - فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، وكان المنافقون قد قالوا في إمارة أسامة: أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار. فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا. وخرج عاصبا رأسه - وكان قد بدأ به الوجع - فصعد المنبر " فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلئن طعنتم في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه. وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة. وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لمن أحب الناس إلي. وإن هذا لمن أحب الناس إلي من بعده " ثم نزل.
стр. 240
وانكمش الناس في جهازهم. فاشتد برسول الله ﷺ وجعه. وخرج أسامة بجيشه، فعسكر بالجرف، وتتام إليه الناس. فأقاموا لينظروا ما الله ﵎ قاض في رسوله ﷺ .
[مرض رسول الله ﷺ ]
مرض رسول الله ﷺ قال ابن إسحاق: حدثت عن «أسامة قال: " لما ثقل برسول الله ﷺ ، هبطت وهبط الناس معي إلى المدينة، فدخلت على رسول الله ﷺ ، وقد أصمت، فلا يتكلم. وجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي. أعرف أنه يدعو لي» .
قال ابن إسحاق: وحدثت عن «أبي مويهبة مولى رسول الله ﷺ قال: " بعثني رسول الله ﷺ من جوف الليل. فقال: يا أبا مويهبة، قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلق معي. فانطلقت معه. فلما وقف عليهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهن لكم ما أصبحتم فما أصبح الناس فيه. أقبلت الفتن مثل قطع الليل المظلم، يتبع أخراها أولاها، الآخرة شر من الأولى. ثم أقبل علي، فقال: إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها. فخيرت فيها بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة. فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا وتخلد فيها، ثم الجنة. قال: لا والله يا أبا مويهبة. قد اخترت لقاء ربي والجنة. ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف» .
فبدأ به وجعه. فلما استعز به، دعا نساءه فاستأذنهن: أن يمرض في بيت عائشة ﵂، فأذن له.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خطب رسول الله ﷺ ،
стр. 241
فقال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. فبكى أبو بكر، فتعجبنا لبكائه: أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خير! فكان رسول الله ﷺ هو المخير. وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله ﷺ : إن من أمن الناس علي في صحبته وماله: أبو بكر. ولو كنت متخذا خليلا - غير ربي - لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر» .
وفي الصحيح: «أن ابن عباس وأبا بكر مرا بمجلس للأنصار، وهم يبكون. فقالا: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله ﷺ منا. فدخل على النبي ﷺ . فأخبره بذلك. فخرج، وقد عصب على رأسه بحاشية برد. فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار خيرا. فإنهم كرشي وعيبتي. وقد قضوا الذي عليهم. وبقي الذي لهم. فاقبلوا من محسنهم. وتجاوزوا عن مسيئهم» .
وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال: «اشتد مرض رسول الله ﷺ ، فقال: مروا أبا بكر، فليصل بالناس، قالت عائشة: يا رسول الله، أنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فعادت. فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف. فأتاه الرسول. فصلى بالناس في حياة النبي ﷺ . قالت: ووالله ما أقول إلا أني أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر، وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا، وأن الناس سيتشاءمون به في كل حدث كان. فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر» .
стр. 242
[موت رسول الله ﷺ ]
موت رسول الله ﷺ قال الزهري: حدثني أنس، قال: «كان يوم الاثنين الذي قبض فيه رسول الله ﷺ ، خرج إلى الناس، وهم يصلون الصبح فرفع الستر وفتح الباب. فخرج رسول الله ﷺ . فقام على باب عائشة. فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم - فرحا به، حين رأوه، وتفرجوا عنه - فأشار إليهم: أن اثبتوا على صلاتكم، قال: وتبسم رسول الله ﷺ سرورا، ولما رأى من هيئتهم في صلاتهم. وما رؤي أحسن منه هيئة تلك الساعة. قال: ثم رجع، وانصرف الناس، وهم يرون أنه قد أفرق من وجعه. وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح. فتوفي رسول الله ﷺ حين اشتد الضحى من ذلك اليوم» .
قال ابن إسحاق: قال الزهري حدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: «لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر. فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ قد توفي، وإن رسول الله ﷺ والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران. فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل مات. ووالله ليرجعن رسول الله ﷺ بعد حين، كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات. قال: وأقبل أبو بكر، حتى نزل على باب المسجد. حين بلغه الخبر - وعمر يكلم الناس - فلم يلتفت إلى شيء، حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة، ورسول الله ﷺ مسجى في ناحية البيت، عليه برد حبرة. فأقبل حتى كشف عن وجهه. ثم أقبل عليه فقبله ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله عليك: فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. ثم رد البرد على وجهه. وخرج
стр. 243
- وعمر يكلم الناس - فقال: على رسلك يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلم. فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس. فلما سمع الناس كلام أبي بكر أقبلوا عليه، وتركوا عمر. فحمد الله تعالى، وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس، أنه من كان يعبد محمدا. فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله تعالى، فإن الله حي لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية؛ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] » الآية (١) .
قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت، حتى تلاها أبو بكر يومئذ، قال: وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم. قال أبو هريرة فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها. فعثرت حتى وقعت إلى الأرض، ما تحملني رجلاي، فاحتملني رجلان، وعرفت أن رسول الله قد مات ".
[حديث السقيفة]
حديث السقيفة فلما قبض رسول الله ﷺ : انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة. واعتزل علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة. وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر وعمر، ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل. فأتى آت إلى أبي بكر وعمر، فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه. فإن كان لكم بأمر الناس من حاجة،
стр. 244
فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم، ورسول الله ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره، قد أغلق دونه الباب أهله. فقال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، حتى ننظر ما هم عليه.
قال ابن إسحاق: وكان من حديث السقيفة: أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن محمد بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: أخبرني عبد الرحمن بن عوف - وكنت في منزله بمنى أنتظره، وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر - قال: فرجع عبد الرحمن من عند عمر، فوجدني في منزله بمنى أنتظره، وكنت أقرئه القرآن. فقال لي: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال: هل لك في فلان؟ يقول: والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا. والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت. فغضب عمر، وقال: إني - إن شاء الله - لقائم العشية في الناس، فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم، قال عبد الرحمن: فقلت لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم، وإنهم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس. وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها أولئك عنك كل مطير، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها. فأمهل، حتى تقدم المدينة. فإنها دار السنة، وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا، فيعي أهل الفقه مقالتك، ويضعوها على مواضعها. فقال عمر: أما والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة. فلما كان يوم الجمعة، عجلت الرواح حين زالت الشمس. فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حذوه، تمس ركبتاه ركبتيه،
стр. 245
فلم أنشب أن خرج عمر.
فقلت لسعيد: ليقولن الساعة على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف. فأنكر علي سعيد ذلك. وقال: ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله؟ فجلس على المنبر.
فلما سكت المؤذن، قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها. ولا أدري: لعلها بين يدي أجلي؟ فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته. ومن خشي ألا يعيها، فلا أحل لأحد أن يكذب علي. إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه: آية الرجم، فقرأناها ووعيناها. وعقلناها. ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى - إن طال بالناس زمان - أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من الكتاب: " لا ترغبوا عن آبائكم، فأنه كفر بكم - أو كفر لكم - أن ترغبوا عن آبائكم " إلا أن رسول الله ﷺ قال: «لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم. فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» ثم أنه قد بلغني أن فلانا قال: لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا. فلا يغترن امرؤ يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت - ألا وإنها والله قد كانت كذلك، إلا أن الله وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر. فمن بايع رجلا عن غير مشورة المسلمين. فأنه لا بيعة له هو، ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا. أنه كان من خبرنا - حين توفى الله نبيه محمدا ﷺ : أن الأنصار خالفونا،
стр. 246
فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة. وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما. واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر. فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار. فانطلقنا نؤمهم، حتى لقينا منهم رجلان صالحان (١) . فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم. وقالا لنا: أين تريدون يا معاشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم، ألا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال: قلت: والله لنأتينهم.
فانطلقنا، حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة. فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة. قلت: ما له؟ قالوا: وجع. فلما جلسنا، نشهد خطيبهم. فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين، رهط منا. وقد دفت دافة من قومكم. قال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا، ويغتصبونا الأمر.
فلما سكت أردت أن أتكلم - وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر. وكنت أداري منه بعض الحد.
فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أعصيه. فتكلم - وهو كان أعلم مني وأحكم وأحلم وأوقر - فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من
стр. 247
تزويري إلا قالها في بديهته، أو أفضل. حتى سكت.
فقال: أما بعد، فما ذكرتم فيكم من خير: فأنتم له أهل. ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش. هم أوسط العرب نسبا ودارا. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين. فبايعوا الآن أيهما شئتم. فأخذ بيدي، وبيد أبي عبيدة عامر بن الجراح - وهو جالس بيننا - فلم أكره شيئا مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر.
قال: فقال قائل من الأنصار (١) أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير، يا معشر قريش.
قال: فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى خشينا الاختلاف.
فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر. فبسطها، فبايعته. ثم بايعه المهاجرون. ثم بايعه الأنصار. ونزونا على سعد بن عبادة.
فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة.
[بيعة العامة لأبي بكر]
بيعة العامة لأبي بكر ولما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر. فقام عمر قبل أبي بكر فتكلم فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس. إني قد قلت لكم بالأمس مقالة، ما كانت وما وجدتها في كتاب الله. ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله ﷺ . ولكني قد كنت
стр. 248
أرى أن رسول الله ﷺ سيدبر أمرنا - يقول: يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله ﷺ . فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هدى له رسوله. إن الله قد جمعكم على خيركم - صاحب رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين إذ هما في الغار - فقوموا فبايعوه. فبايع الناس أبا بكر البيعة العامة، بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلم أبو بكر ﵁. فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو أهله. ثم قال: " أما بعد، أيها الناس، فإني قد وليت عليكم. ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني. وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف، حتى آخذ الحق منه، إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم ".
[فضيلة أبي بكر الصديق وخلافته الراشدة]
فضيلة أبي بكر الصديق وخلافته الراشدة وعن ربيعة - أحد الصحابة ﵃ قال: قلت لأبي بكر ﵁: " ما حملك على أن تلي أمر الناس، وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين؟ قال: لم أجد من ذلك بدا، خشيت على أمة محمد الفرقة وفي رواية: تخوفت أن تكون فتنة، تكون بعدها ردة ".
وعن عائشة ﵂، قالت: " لما توفي رسول الله ﷺ اشرأب النفاق، وارتدت العرب، وانحازت الأنصار، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها. فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفضلها ".
стр. 249
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: والذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف، ما عبد الله - ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة - فقيل له: مه، يا أبا هريرة. فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام. فلما نزل بذي خشب (١) قبض رسول الله، وارتدت العرب. واجتمع إليه الصحابة. فقالوا: رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله إلا هو، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ، ما رددت جيشا وجهه رسول الله ﷺ ، ولا حللت لواء عقده. فوجه أسامة. فجعل لا يمر بقبائل يريدون الارتداد، إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة، ما خرج مثل هؤلاء من عندهم. ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم. فلقوا الروم، فهزموهم. ورجعوا سالمين. فثبتوا على الإسلام - ولله الحمد.
[قصة الردة]
قصة الردة. أعاذنا الله منها قد تقدم من رسول الله ﷺ إخباره بالفتن الكائنة بعده، وإنذاره عنها، وإخباره خاصة عن الردة.
من ذلك: ما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب. فكرهتهما. فنفختهما. فطارا فأولتهما كذابين يخرجان» .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من نجا منهن فقد نجا: من موتي، ومن قتل خليفة مصطبر بالحق معطيه، ومن الدجال» .
стр. 250
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: " لما توفي رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها» فقال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها. والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. قال عمر: والله لرجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعا في قتال أهل الردة ".
وذكر يعقوب بن سعيد بن عبيد، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن جماعة قالوا: " كان أبو بكر أمير الشاكرين: الذين ثبتوا على دينهم وأمير الصابرين: الذين صبروا على جهاد عدوهم - وهم أهل الردة - وذلك: أن العرب افترقت في ردتها. فقالت فرقة: لو كان نبيا ما مات وقالت فرقة: انقضت النبوة بموته. فلا نطيع أحدا بعده. وفي ذلك يقول قائلهم:
أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا لعباد الله , ما لأبي بكر؟
أيورثها بكرا إذا مات بعده ... فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
وقالت فرقة: نؤمن بالله. وقال بعضهم: نؤمن بالله ونشهد أن محمدا رسول الله، ولكن لا نعطيكم أموالنا.
فجادل الصحابة أبا بكر ﵃، وقالوا: احبس جيش أسامة، فيكون أمانا بالمدينة، وارفق بالعرب حتى يتفرج هذا الأمر. فلو أن طائفة