وكان عمر أخذ بيد رسول اللَّه ﷺ للبيعة وهو تحت الشجرة فبايعه المسلمون كلهم. لم يتخلف إلا الجد بن قيس.
وكان معقل بن يسار آخذا بغصنها يرفعه رسول اللَّه ﷺ . وكان أول من بايعه أبو سنان وهب بن محصن الأسدي وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات في أول الناس ووسطهم وآخرهم.
فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء في نفر خزاعة - وكانوا عيبة نصح لرسول اللَّه ﷺ من أهل تهامة - فقال إني تركت ابن لؤي وعامر بن لؤي: قد نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل. وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين. وإن قريشا نهكتهم الحرب وأضرت بهم. فإن شاءوا ماددتهم ويخلوا بيني وبين الناس. فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن اللَّه أمره.
قال بديل سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، فقال إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وسمعته يقول قولا. فإن شئتم عرضته عليكم.
فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا.
فقال عروة بن مسعود إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته. فقالوا: ائته. فأتاه. فجعل يكلمه. فقال له نحوا من قوله لبديل.
стр. 177
فقال عروة أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فواللَّه إني لأرى أوشابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك.
فقال أبو بكر: امصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه؟ .
قال عروة من ذا يا محمد؟ قال أبو بكر. قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي - لم أجزك بها - لأجبتك.
وجعل يكلم النبي ﷺ ويرمق أصحابه. فواللَّه ما انتخم النبي ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم. فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمر ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم. وما يجدون إليه النظر تعظيما له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم واللَّه لقد وفدت على الملوك - كسرى، وقيصر. والنجاشي - واللَّه إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدا. واللَّه ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده. ثم أخبرهم بجميع ما تقدم ثم قال وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
قال رجل من بني كنانة دعوني آته فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ قال هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن. فابعثوها له ففعلوا واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك. قال سبحان اللَّه! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فرجع إلى أصحابه فأخبرهم.
стр. 178
فبينا هم كذلك إذ جاء سهيل بن عمرو. فقال النبي ﷺ «قد سهل لكم من أمركم» .
فقال هات اكتب بيننا وبينك كتابا. فدعا الكاتب وهو علي بن أبي طالب - فقال «اكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم» فقال سهيل: أما الرحمن فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللَّهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون واللَّه لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم فقال ﷺ «اكتب باسمك اللَّهم» ثم قال «اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه» فقال سهيل واللَّه لو نعلم أنك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت ولكن اكتب محمد بن عبد اللَّه فقال «إني رسول اللَّه وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد اللَّه» ثم قال النبي ﷺ «على أن تخلوا بيننا وبين البيت. فنطوف به» فقال سهيل واللَّه لا تحدث العرب أننا أخذنا ضغطة ولكن ذاك من العام المقبل. فقال سهيل وعلى ألا يأتيك رجل منا، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا فقال المسلمون سبحان اللَّه! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ (١) .
فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل وقد خرج من أسفل مكة يرسف في قيوده حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي فقال النبي ﷺ «إنا لم نقض الكتاب بعد» فقال إذا واللَّه لا أصالحك على شيء أبدا. فقال النبي ﷺ «فأجزه لي» قال ما أنا بمجيزه لك. قال بلى «فافعل قال ما أنا بفاعل» . قال أبو جندل يا معشر المسلمين كيف أرد إلى المشركين
стр. 179
وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب في اللَّه عذابا شديدا - قال عمر بن الخطاب: واللَّه ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ. فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه ألست نبي اللَّه؟ قال. بلى. قلت: ألسنا على حق وعدونا على الباطل؟ قال بلى. قلت علام نعطي الدنية في ديننا؟ ونرجع ولما يحكم اللَّه بيننا وبين أعدائنا؟ فقال «إني رسول اللَّه وهو ناصري» . ولست أعصيه. قلت. أو لست تحدثنا: أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال فإنك آتيه ومطوف به. قال فأتيت أبا بكر. فقلت له مثلما قلت لرسول اللَّه ﷺ . ورد علي كما رد علي رسول اللَّه ﷺ سواء وزاد فاستمسك بغرزه حتى تموت.
فواللَّه إنه لعلى الحق. فعملت لذلك أعمالا. فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا. «ثم احلقوا قال فواللَّه ما قام منهم رجل حتى قالها ثلاث مرات» . فلما لم يقم منهم أحد قام ولم يكلم أحدا منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه.
فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا. وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما. ثم جاء نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]- حتى بلغ - ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] (١) فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك.
стр. 180
وفي مرجعه ﷺ أنزل اللَّه سورة الفتح ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]- الآية فقال عمر أو فتح هو يا رسول اللَّه؟ قال نعم. قال الصحابة هذا لك يا رسول اللَّه فما لنا؟ فأنزل اللَّه ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]- الآيتين إلى قوله - ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥] (١) .
ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير - رجل من قريش - مسلما، فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا: العهد الذي بيننا وبينك. فدفعه إلى الرجلين. فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة. فنزلوا يأكلون من تمر لهم.
فقال أبو بصير لأحدهما: إني أرى سيفك هذا جيدا. فقال أجل. واللَّه إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال أرني أنظر إليه. فأمكنه منه. فضربه حتى برد. وفر الآخر. حتى بلغ المدينة. فدخل المسجد. فقال رسول اللَّه ﷺ «لقد رأى هذا ذعرا» فلما انتهى إليه قال قتل واللَّه صاحبي، وإني لمقتول.
فجاء أبو بصير، فقال يا نبي اللَّه قد أوفى اللَّه ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني اللَّه منهم. فقال ﷺ «ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد» .
فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وتفلت منهم أبو جندل. فلحق بأبي بصير. فلا يخرج من قريش رجل - قد أسلم - إلا لحق به.
حتى اجتمعت منهم عصابة. فواللَّه ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقاتلوهم
стр. 181
وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده اللَّه والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن.
[غزوة خيبر]
غزوة خيبر ولما قدم رسول اللَّه ﷺ من الحديبية، مكث بالمدينة عشرين يوما، أو قريبا منها. ثم خرج إلى خيبر واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وقدم أبو هريرة حينئذ المدينة مسلما. فوافى سباعا في صلاة الصبح. فسمعه يقرأ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فقال - وهو في الصلاة -: ويل أبي فلان له مكيالان إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالناقص.
وقال سلمة بن الأكوع: خرجنا إلى خيبر فقال رجل لعامر بن الأكوع ألا تسمعنا من هنياتك؟ فنزل يحدو ويقول:
اللَّهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إنا إذا صيح بنا أتينا ... وبالصياح عولوا علينا
وإن أرادوا فتنة أبينا
فقال ﷺ من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع. قال ﵀ فقال رجل من القوم وجبت يا رسول اللَّه لولا متعتنا به؟ .
قال فأتينا خيبر. فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة. فلما تصافوا خرج مرحب يخطر بسيفه ويقول -
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
стр. 182
فنزل إليه عامر وهو يقول -
قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين. فوقع سيف مرحب في ترس عامر فعضه. فذهب عامر يسفل له - وكان سيفه قصيرا - فرجع إليه سيف فأصاب ركبته فمات.
قال سلمة فقلت للنبي ﷺ زعموا أن عامرا حبط عمله فقال «كذب من قال ذلك إن له أجرين - وجمع بين إصبعيه - إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله» . ولما دنا رسول اللَّه ﷺ من خيبر قال قفوا فوقف الجيش.
فقال «اللَّهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين. فإنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها. ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها، وشر ما فيها» . أقدموا باسم اللَّه (١) .
فحاصرهم رسول اللَّه ﷺ قريبا من عشرين ليلة. وكانت أرضا وخمة شديدة الحر. فجهد المسلمون جهدا شديدا. فقام النبي ﷺ فيهم. فوعظهم وحضهم على الجهاد.
وكان فيهم عبد أسود فقال يا رسول اللَّه إني رجل أسود اللون قبيح الوجه منتن الريح لا مال لي. فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال نعم فتقدم. فقاتل حتى قتل فقال النبي ﷺ لما رآه «لقد
стр. 183
حسن اللَّه وجهك، وطيب ريحك. وكثر مالك وقال لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تتنازعان جبة عليه. وتدخلان فيما بين جلده وجبته» .
فافتتح رسول اللَّه ﷺ بعضها، ثم تحول إلى الكتيبة، والوطيح، والسلالم. فإن خيبر كانت جانبين الأول الشق والنطاة، الذي افتتح أولا. والثاني: ما ذكرنا.
فحاصرهم حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه الصلح. ونزل إليه سلام بن أبي الحقيق فصالحهم على حقن الدماء وعلى الذرية ويخرجون من خيبر، ويخلون ما كان لهم من مال وأرض. وعلى الصفراء والبيضاء والحلقة إلا ثوبا على ظهر إنسان.
فلما أراد أن يجليهم قالوا: نحن أعلم بهذه الأرض منكم. فدعنا نكون فيها. فأعطاهم إياها، على شطر ما يخرج من ثمرها وزرعها.
ثم قسمها على ستة وثلاثين سهما، كل سهم مائة سهم. فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم. نصفها لرسول اللَّه ﷺ وما ينزل به من أمور المسلمين. والنصف الآخر قسمه بين المسلمين.
[قدوم جعفر بن أبي طالب وصحبه من الحبشة]
قدوم جعفر بن أبي طالب وصحبه من الحبشة وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه. ومعهم الأشعريون: أبو موسى، وأصحابه.
قال أبو موسى بلغنا مخرج رسول اللَّه ﷺ ونحن باليمن. فخرجنا مهاجرين إليه - أنا وأخوان لي - في بضع وخمسين رجلا من قومي. فركبنا سفينة. فألقتنا إلى النجاشي، فوافقنا جعفر وأصحابه عنده
стр. 184
فقال إن رسول اللَّه ﷺ بعثنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا. فأقمنا حتى قدمنا فتح خيبر. وكان ناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة. فدخلت أسماء بنت عميس على حفصة. فدخل عليها عمر وعندها أسماء. فقال من هذه؟ قالت أسماء. قال الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ قالت أسماء نعم قال سبقناكم بالهجرة. نحن أحق برسول اللَّه منكم. فغضبت وقالت كلا واللَّه لقد كنتم مع رسول اللَّه ﷺ يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم. وكنا في أرض البعداء البغضاء. وذلك في ذات اللَّه وفي رسوله وأيم اللَّه لا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول اللَّه ﷺ . فلما جاء النبي ﷺ ذكرت له ذلك. فقال ما قلت له؟ قالت قلت له كذا وكذا. قال ليس بأحق بي منكم له ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم - يا أهل السفينة - هجرتان.
فكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتونها أرسالا، يسألونها عن الحديث ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول اللَّه ﷺ .
[محاصرة رسول اللَّه ﷺ بعض اليهود بوادي القرى]
محاصرة رسول اللَّه ﷺ بعض اليهود بوادي القرى ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ من خيبر إلى وادي القرى وكان به جماعة من اليهود، وانضاف إليهم جماعة من العرب.
فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي وهم على غير تعبئة. فقتل مدعم - عبد لرسول اللَّه ﷺ . كان رفاعة بن زيد الجذامي وهبه لرسول اللَّه ﷺ فقال الناس هنيئا له الجنة. فقال رسول اللَّه ﷺ كلا، والذي نفسي بيده. إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها القسمة
стр. 185
لتشتعل عليه نارا فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين. فقال رسول اللَّه ﷺ «شراك من نار أو شراكان من نار» .
فعبأ رسول اللَّه ﷺ أصحابه للقتال وصفهم ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا. وبرز رجل منهم. فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله. ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله. حتى قتل منهم أحد عشر رجلا. فقاتلهم حتى أمسوا. ثم غدا عليهم. فلم ترتفع الشمس قدر رمح حتى افتتحها عنوة. وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا. فقسمه في أصحابه.
وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود وعاملهم عليها.
ولما رجع إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من النخيل.
قالت عائشة ﵂ لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر.
[بعث سرية إلى الحرقات]
بعث سرية إلى الحرقات ثم بعث رسول اللَّه ﷺ سرية إلى الحرقات من جهينة. فلما دنوا منهم بعث الأمير الطلائع. فلما رجعوا بخبرهم أقبل حتى دنا منهم ليلا، وقد هدءوا، ثم قام فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال أوصيكم بتقوى اللَّه وحده لا شريك له وأن تطيعوني ولا تعصوني، ولا تخالفوا أمري. فإنه لا رأي لمن لا يطاع. ثم رتبهم. فقال يا فلان أنت وفلان ويا فلان أنت وفلان لا يفارق كل منكم صاحبه وزميله وإياكم أن يرجع أحد منكم فأقول. أين صاحبك؟ فيقول لا أدري. فإذا كبرت فكبروا. وجردوا السيوف. ثم كبروا وحملوا حملة واحدة. وأحاطوا بالقوم وأخذتهم سيوف اللَّه.
стр. 186
[عمرة القضية]
عمرة القضية فلما كان في ذي القعدة من السنة السابعة خرج رسول اللَّه ﷺ معتمرا عمرة القضية. حتى إذا بلغ يأجج (١) وضع الأداة كلها، إلا الجحف والمجان والنبل والرماح. ودخلوا بسلاح الراكب - السيوف - وبعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث يخطبها. فجعلت أمرها إلى العباس. فزوجه إياها.
فلما قدم رسول اللَّه ﷺ أمر أصحابه أن يكشفوا عن المناكب ويسعوا في الطواف ليرى المشركون قوتهم - وكان يكايدهم بكل ما استطاع - فوقف أهل مكة - الرجال والنساء والصبيان - ينظرون إليه وإلى أصحابه وهم يطوفون بالبيت. وعبد اللَّه بن رواحة آخذ بخطام ناقة رسول اللَّه ﷺ يرتجز يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله
بأن خير القتل في سبيله ... يا رب إني مؤمن بقيله
إني رأيت الحق في قبوله ... اليوم نضربكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله ... ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله
فأقام بمكة ثلاثا. ثم أتاه سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى. فصاح حويطب نناشدك اللَّه والعقد لما خرجت من أرضنا. فقد مضت
стр. 187
الثلاث فأمر رسول اللَّه ﷺ أبا رافع فأذن بالرحيل.
[غزوة مؤتة]
ثم دخلت السنة الثامنة فكانت فيها غزوة مؤتة وسببها: أن رسول اللَّه ﷺ بعث الحارث بن عمير بكتاب إلى ملك الروم - أو بصرى - فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني. فقتله - ولم يقتل لرسول اللَّه ﷺ رسول غيره - فاشتد ذلك عليه فبعث البعوث. واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس وإن أصيب جعفر فعبد اللَّه بن رواحة فتجهزوا. وهم ثلاثة آلاف.
فلما حضر خروجهم. ودع الناس أمراء رسول اللَّه ﷺ وسلموا عليهم. فبكى عبد اللَّه بن رواحة. فقالوا ما يبكيك؟ فقال أما واللَّه ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقرأ آية من كتاب اللَّه يذكر فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١] (١) ولست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؟ فقال المسلمون صحبكم اللَّه ودفع عنكم. وردكم إلينا صالحين.
فقال ابن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ... يا أرشد اللَّه من غاز وقد رشدا.
стр. 188
ثم مضوا حتى نزلوا معان. فبلغهم أن هرقل بالبلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليه من لخم وجذام وبلي وغيرهم مائة ألف. فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم.
وقالوا: نكتب إلى رسول اللَّه فنخبره. فإما أن يمدنا، وإما أن يأمرنا بأمره فشجعهم عبد اللَّه بن رواحة، وقال واللَّه إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بقوة ولا كثرة وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللَّه به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظفر. وإما شهادة.
فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع. فانحاز المسلمون إلى مؤتة. ثم اقتتلوا عندها والراية في يد زيد. فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم. فأخذها جعفر فقاتل بها. حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها. ثم قاتل حتى قطعت يمينه. فأخذ الراية بيساره فقطعت يساره. فاحتضن الراية حتى قتل. وله ثلاث وثلاثون سنة. ﵃.
ثم أخذها عبد اللَّه بن رواحة. فتقدم بها، وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويقول:
أقسم باللَّه لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه
يا طالما قد كنت مطمئنه ... إن أجلب الناس وشدوا الرنه
مالي أراك تكرهين الجنه؟
ويقول أيضا:
стр. 189
يا نفس إن لم تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت ... إن تفعلي فعلهما هديت
ثم نزل. فأتاه فناداه ابن عم له بعرق من لحم. فقال: شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت. فأخذها فانتهس منها نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس. فقال: وأنت في الدنيا؟ فألقاها من يده وتقدم. فقاتل حتى قتل.
ثم أخذ الراية خالد بن الوليد. فدافع القوم وخاشى بهم (١) ثم انحازوا، وانصرف الناس.
وقال ابن عمر: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبه، وما أقبل منه تسعين جراحة.
وقال زيد بن أرقم: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة. فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله. فوالله أنه ليسير ذات ليلة، إذ سمعته وهو ينشد شعرا:
إذا أديتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحسام
فشأنك فانعمي , وخلاك ذم ... ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني ... بأرض الشام مستنهي (٢) الثواء
وردك كل ذي نسب قريب ... إلى الرحمن منقطع الإخاء
стр. 190
هنالك لا أبالي طلع بعل ... ولا نخل أسافلها ورائي
قال: فبكيت. فخفقني بالسوط، وقال: ما عليك يا لكع، أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل؟ .
[غزوة الفتح الأعظم]
غزوة الفتح الأعظم وكانت سنة ثمان في رمضان.
وسببها: أن بكرا عدت على خزاعة في مائهم " الوتير " فبيتوهم، وقتلوا منهم. وكان في صلح الحديبية: " أن من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش فعل " فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ . ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء، يقال له: الوتير، قريبا من مكة. وأعانت قريش بني بكر بالسلاح. وقاتل معهم بعضهم مستخفيا ليلا، حتى لجأت خزاعة إلى الحرم.
فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر لنوفل بن معاوية الديلي وكان يومئذ قائدهم: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة لا إله له اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم. فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم. أفلا تصيبون ثأركم فيه؟
فخرج عمرو بن سالم الخزاعي، حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة. فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني أصحابه، فقال:
يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتمو ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا
стр. 191
فانصر هداك الله نصرا أيدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله , قد تجردا ... أبيض مثل البدر , يسمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعا وسجدا
فقال رسول الله ﷺ : «نصرت يا عمرو بن سالم» . ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم. فقال رسول الله ﷺ للناس: «كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة. بعثته قريش. وقد رهبوا للذي صنعوا» .
ثم قدم أبو سفيان. فدخل على ابنته أم حبيبة. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه. فقال: يا بنية، ما أدري: أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت مشرك نجس. فقال: والله لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ . فكلمه فلم يرد عليه شيئا ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه في أن يكلم النبي ﷺ فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر فقال: أنا أشفع لكم؟ والله لو لم أجد إلا الذر، لجاهدتكم به. ثم دخل على علي، وعنده فاطمة - والحسن غلام يدب بين يديها - فقال: يا علي، إنك أمس
стр. 192
القوم بي رحما، وإني جئت في حاجة، فلا أرجعن خائبا. اشفع لي إلى محمد. فقال: قد عزم رسول الله ﷺ على أمر، ما نستطيع أن نكلمه فيه. فقال لفاطمة: هل لك أن تأمري ابنك هذا، فيجير بين الناس. فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: ما يبلغ ابني ذلك. وما يجير أحد على رسول الله ﷺ .
فقال: يا أبا الحسن، إني رأيت الأمور قد اشتدت علي، فانصحني.
قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم وأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك.
فقال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا، والله ما أظنه، ولكن ما أجد لك غير ذلك.
فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: يا أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره، وانصرف عائدا إلى مكة.
فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئا. ثم جئت ابن أبي قحافة. فلم أجد فيه خيرا. ثم جئت عمر بن الخطاب، فوجدته أدنى العدو - يعني: أعدى العدو - ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم. وقد أشار علي بكذا وكذا. ففعلت. قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويلك، والله إن زاد الرجل على أن لعب بك.
وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها» .
стр. 193
فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا، يخبرهم فيه بمسير رسول الله ﷺ . ودفعه إلى سارة - مولاة لبني عبد المطلب - فجعلته في رأسها. ثم فتلت عليه قرونها. وأتى الخبر رسول الله ﷺ من السماء. فأرسل رسول الله ﷺ عليا والزبير إلى المرأة، فأدركاها بروضة خاخ. فأنكرت. ففتشا رحلها، فلم يجدا فيه شيئا. فهدداها. فأخرجته من قرون رأسها. فأتيا به رسول الله ﷺ . فدعا حاطبا. فقال: «ما هذا يا حاطب» ؟ " فقال: لا تعجل علي يا رسول الله. والله إني لمؤمن بالله ورسوله. وما ارتددت ولا بدلت، ولكني كنت امرءا ملصقا في قريش، لست من أنفسهم. ولي فيهم أهل وعشيرة وولد. وليس لي فيهم قرابة يحمونهم. وكان من معك لهم قرابات يحمونهم. فأحببت أن أتخذ عندهم يدا. قد علمت أن الله مظهر رسوله، ومتم له أمره.
فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله. وقد نافق، فقال رسول الله ﷺ : «أنه قد شهد بدرا وما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم. فقد غفرت لكم» (١) .
فذرفت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
ثم مضى رسول الله ﷺ ، وعمى الله الأخبار عن قريش، لكنهم على وجل. فكان أبو سفيان يتجسس، هو وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء.
وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلما مهاجرا. فلقي رسول الله ﷺ بالجحفة. فلما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران نزل العشاء،
стр. 194
فأمر الجيش فأوقدوا النيران. فأوقد أكثر من عشرة آلاف نارا. فركب العباس بغلة رسول الله ﷺ . وخرج يلتمس، لعله يجد بعض الحطابة، أو أحدا يخبر قريشا، ليخرجوا يستأمنون رسول الله ﷺ قبل أن يدخلها عنوة.
قال: فوالله إني لأسير عليها، إذ سمعت كلام أبي سفيان، وبديل، يتراجعان، يقول أبو سفيان: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا.
قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة، حمشتها الحرب.
قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها.
فقلت: أبا حنظلة؟ فعرف صوتي، فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم. قال: ما لك، فداك أبي وأمي؟ قال: قلت: هذا رسول الله ﷺ في الناس واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ .
قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتيه بك، فأستأمنه لك. فركب خلفي. ورجع صاحباه. فجئت به. فكلما مررت بنار من نيران المسلمين، قالوا: من هذا؟ فإذا رأونا قالوا: عم رسول الله ﷺ على بغلته. حتى مررت بنار عمر، فقال: من هذا؟ وقام إلي. فلما رأى أبا سفيان قال: عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن الله منك بغير عقد ولا عهد.
ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ . وركضت البغلة فسبقته، واقتحمت عنها. فدخلت على رسول الله ﷺ ، ودخل عليه عمر. فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان، قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني أضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته.
стр. 195
فلما أكثر عمر، قلت: مهلا يا عمر. فوالله لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا. قال: مهلا يا عباس. فوالله لإسلامك كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم. وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فقال رسول الله ﷺ : «اذهب به يا عباس إلى رحلك. فإذا أصبحت فائتني به» .
ففعلت. ثم غدوت به إلى رسول الله ﷺ . فقال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن أن تعلم: ألا إله إلا الله» ؟ " قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! ! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم: أني رسول الله» ؟ " قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. أما هذه ففي النفس حتى الآن منها شيء.
فقال له العباس: ويحك. وأسلم قبل أن يضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق، فأسلم.
فقال العباس: إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا، قال: «نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن» .
فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : «يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل، حتى تمر به جنود الله فيراها» قال: فخرجت حتى حبسته. ومرت القبائل على راياتها. حتى مر به رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء - لكثرة الحديد وظهوره فيها - فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق. فقال: سبحان الله! يا عباس. من هؤلاء؟ قلت: هذا
стр. 196
رسول في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء طاقة.
وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان، قال: اليوم يوم الملحمة. اليوم تستحل الحرمة. اليوم أذل الله قريشا. فذكره أبو سفيان لرسول الله ﷺ . فقال «كذب سعد. ولكن هذا اليوم يوم تعظم فيه الكعبة، اليوم أعز الله قريشا» ثم نزع اللواء من سعد. ودفعه إلى قيس ابنه.
ومضى أبو سفيان. فلما جاء قريشا صرخ بأعلى صوته. هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا: قاتلك الله، وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. ومن دخل المسجد فهو آمن.
فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
وسار رسول الله ﷺ حتى دخل مكة من أعلاها، وأمر خالد بن الوليد فدخلها من أسفلها، وقال: «إن عرض لكم أحد من قريش فاحصدوهم حصدا، حتى توافوني على الصفا» . فما عرض لهم أحد إلا أناموه.
وتجمع سفهاء قريش عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، بالخندمة ليقاتلوا. وكان حماس بن قيس يعد سلاحا قبل مجيء رسول الله ﷺ . فقالت له امرأته: والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء فقال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فمالي علة ... هذا سلاح كامل وإله
وذو غرارين سريع السله
стр. 197
ثم شهد الخندمة. فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد، ناوشوهم شيئا من قتال، فأصيب من المشركين اثنا عشر، ثم انهزموا. فدخل حماس على امرأته، فقال: اغلقي علي بابي. فقالت: وأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمه ... إذ فر صفوان وفر عكرمه
وأبو يزيد قائم كالمؤتمه ... واستقبلتنا بالسيوف المسلمه
يقطن كل ساعد وجمجمه ... ضربا فلا يسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمه
وقال أبو هريرة: أقبل رسول الله ﷺ . فدخل مكة. فبعث الزبير على إحدى المجنبتين. وبعث خالدا على المجنبة الأخرى. وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر. فأخذوا بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبته. وقد وبشت قريش أوباشها، وقالوا: نقدم هؤلاء. فإذا كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا. فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة "، فقلت: لبيك يا رسول الله. قال: " اهتف لي بالأنصار. ولا يأتيني إلا أنصاري " فهتفت بهم، فجاءوا. فأطافوا برسول الله ﷺ . فقال: " أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ - ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى - احصدوهم حصدا، حتى توافوني على الصفا» قال أبو هريرة: فانطلقنا. فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء إلا قتل. وركزت راية رسول الله ﷺ بالحجون عند مسجد الفتح. ثم نهض والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد. فأقبل إلى الحجر فاستلمه. ثم طاف بالبيت. وفي يده قوس، وحول البيت وعليه، ثلاثمائة وستون صنما. فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] (١)
стр. 198
﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩] (١) والأصنام تتساقط على وجوهها.
وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرما يومئذ، فاقتصر على الطواف.
فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة. فأمر بها ففتحت. فدخلها. فرأى فيها الصور، ورأى صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام. فقال: «قاتلهم الله، والله إن استقسما بها قط» وأمر بالصور فمحيت. ثم أغلق عليه الباب، هو وأسامة وبلال. فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب. حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع وقف وصلى هناك. ثم دار في البيت، وكبر في نواحيه، ووحد الله. ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفا، ينظرون ماذا يصنع بهم؟ فأخذ بعضاتي الباب وهم تحته. فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له. صدق وعده. ونصر عبده. وأعز جنده. وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة، أو مال، أو دم، فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج. ألا وقتل الخطأ شبه العمد - السوط والعصا - ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب " ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] (٢) » .
стр. 199
ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذهبوا فأنتم الطلقاء» .
ثم جلس في المسجد، فقام إليه علي - ومفتاح الكعبة في يده - فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية. صلى الله عليك. فقال ﷺ : «أين عثمان بن طلحة "؟ فدعي له، فقال: " هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» .
وأمر بلالا أن يصعد على الكعبة فيؤذن - وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، وأشراف قريش جلوس بفناء الكعبة - فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصباء. فخرج عليهم النبي ﷺ . فقال: «قد علمت الذي قلتم» ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله. والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا. فنقول: أخبرك.
ثم دخل ﷺ دار أم هانئ فاغتسل. وصلى ثمان ركعات، صلاة الفتح. وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا بلدا صلوا هذه الصلاة.
ولما استقر الفتح: أمن رسول الله ﷺ الناس كلهم، إلا تسعة نفر. فأنه أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة: عبد الله بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزى بن خطل، والحارث بن نفيل، ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان لابن خطل، وسارة مولاة لبني عبد المطلب.
стр. 200
فأما ابن أبي سرح: فجاء فارا إلى عثمان. فاستأمن له رسول الله ﷺ . فقبل منه، بعد أن أمسك عنه، رجاء أن يقوم إليه بعض أصحابه فيقتله.
وأما عكرمة: فاستأمنت له امرأته بعد أن هرب، وعادت به، فأسلم وحسن إسلامه.
وأما ابن خطل، ومقيس، والحارث، وإحدى القينتين: فقتلوا.
وأما هبار: ففر ثم جاء فأسلم. وحسن إسلامه.
واستؤمن رسول الله ﷺ لسارة، ولإحدى القينتين. فأسلمتا.
فلما كان الغد من يوم الفتح: قام رسول الله ﷺ في الناس خطيبا. فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: «أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض. فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر: أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا له: إن الله أذن لرسوله. ولم يأذن لك. وإنما أحلت لي ساعة من نهار» .
«وهم فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أن يقتل رسول الله ﷺ ، وهو يطوف. فلما دنا منه، قال " أفضالة؟ " قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: " ماذا تحدث به نفسك؟ " قال: لا شيء. كنت أذكر الله، فضحك ﷺ . ثم قال: " استغفر الله " ثم وضع يده على صدره، فسكن قلبه» . وكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي. فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث. فقال: لا. وانبعث فضالة يقول:
стр. 201
قالت: هلم إلى الحديث. فقلت: لا ... يأبى الإله عليك والإسلام
لو قد رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام
وفر يومئذ صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل. فاستأمن عمير بن وهب رسول الله لصفوان، فلحقه. وهو يريد أن يركب البحر فرده.
واستأمنت أم حكيم بنت الحارث بن هشام لزوجها عكرمة، فلحقت به باليمن فردته.
ثم أمر رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم.
وبعث ﷺ سراياه إلى الأوثان التي حول مكة فكسرت كلها، منها اللات والعزى ومناة. ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر: فلا يدع في بيته صنما إلا كسره.
[هدم عمرو بن العاص صنم سواع]
هدم عمرو بن العاص صنم سواع وبعث عمرو بن العاص في شهر رمضان إلى سواع - وهو لهذيل - قال: فأتيته وعنده السادن، فقال: ما تريد؟ قلت: أهدمه قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لم؟ قال: تمنع. قلت: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك. وهل يسمع أو يبصر؟ فدنوت منه فكسرته. وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته. فلم نجد فيه شيئا. فقلت للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.
[بعث سعد بن زيد لهدم مناة]
بعث سعد بن زيد لهدم مناة ثم بعث سعد بن زيد بن مالك بن عبد بن كعب بن عبد الأشهل،
стр. 202
الأشهلي الأنصاري، في شهر رمضان إلى مناة. وكانت عند قديد بالمشلل، للأوس والخزرج وغسان وغيرهم.
فخرج في عشرين فارسا، حتى انتهى إليها. وعندها سادنها، فقال: ما تريد؟ قال: هدمها. قال: أنت وذاك. فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء، ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها.
فقال لها السادن: مناة، دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه. ولم يجدوا في خزانتها شيئا.
[غزوة حنين]
غزوة حنين قال ابن إسحاق: لما سمعت هوازن بالفتح، جمعها مالك بن عوف النصري مع هوازن ثقيف كلها.
فلما أجمع مالك السير إلى رسول الله ﷺ ، ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم. فلما نزل بأوطاس، اجتمعوا إليه. وفيهم دريد بن الصمة الجشمي، وهو شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه، وكان شجاعا مجربا.
فقال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل. لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير. ويعار الشاء؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم.
قال: أين مالك؟ فدعي له، فقال: إنك أصبحت رئيس قومك. وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام. فلم فعلت هذا؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله، ليقاتل عنهم. قال: راعي ضأن والله، وهل يرد
стр. 203
المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك: لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه. وإن كانت عليك: فضحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد. قال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم يغيبوا. ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب. فمن شهدها؟ قالوا عمرو بن عامر، وعوف بن عامر. قال: ذانك الجذعان من عامر، لا ينفعان ولا يضران. يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة - بيضة هوازن - إلى نحور الخيل شيئا. ارفعهم إلى ممتنع بلادهم، وعلياء قومهم. ثم الق الصبا على متون الجيل. فإن كانت لك: لحق بك من وراءك. وإن كانت عليك: ألفاك ذاك وقد أحرزت أهلك ومالك.
قال: والله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك. والله لتطيعنني يا معشر هوازن، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر، أو رأي.
قالوا: أطعناك. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده، ولم يفتني.
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع (١) ... كأنها شاة صدع
ثم قال مالك: إذا رأيتموهم، فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد.
ثم بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب
стр. 204
والهلع. فقال لهم: ويلكم، ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق. والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.
ولما سمع بهم رسول الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. وأمره أن يداخلهم حتى يعلم علمهم. فانطلق. فداخلهم حتى علم ما هم عليه. فأتى رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر.
فلما أراد المسير، ذكر له: أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا - وهو يومئذ مشرك - فقال له: «يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا، نلق فيه عدونا غدا» فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة، حتى نؤديها إليك» فأعطاه مائة درع بما يكفيها السلاح. فخرج ﷺ . ومعه ألفان من أهل مكة، وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة. فكانوا اثني عشر ألفا. واستعمل عتاب بن أسيد على مكة.
فلما استقبلوا وادي حنين، انحدروا في واد من أودية تهامة أجوف في عماية الصبح. قال جابر: وكانوا قد سبقونا إليه، فكمنوا في شعابه ومضايقه. قد تهيئوا. فوالله ما راعنا إلا الكتائب، قد شدوا علينا شدة رجل واحد، فانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين، ثم قال: «يا أيها الناس: هلموا إلي، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» .
وبقي معه نفر من المهاجرين، وأهل بيته، فاجتلد الناس. فوالله ما رجعت الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى عند رسول الله ﷺ .
وكانوا حين رأوا كثرتهم قالوا: " لن نغلب اليوم عن قلة " فوقع بهم ما
стр. 205
وقع ابتلاء من الله لقولهم ذلك.
قال ابن إسحاق: ولما وقعت الهزيمة: تكلم رجال من جفاة أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان، لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ جبلة بن الحنبل: ألا بطل السحر اليوم. فقال له أخوه صفوان بن أمية - وكان بعد مشركا - اسكت، فض الله فاك. فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
وذكر ابن إسحاق عن شيبة بن عثمان الحجبي. قال: لما كان يوم الفتح قلت: أسير مع قريش إلى هوازن، لعلي أصيب من محمد غرة. فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا تبعه، ما اتبعته أبدا. فلما اختلط الناس، اقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته وأصلت السيف، فدنوت أريد ما أريد، ورفعت سيفي حتى كدت أسوره. فرفع لي شواظ من نار كالبرق، كاد أن يمحشني فوضعت يدي على بصري خوفا عليه. فالتفت إلي رسول الله ﷺ . فناداني «يا شيب، ادن " فدنوت، فمسح صدري. ثم قال: " اللهم أعذه من الشيطان» فوالله لهو كان ساعتئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي. ثم قال: «ادن، فقاتل» فتقدمت أمامه أضرب بسيفي. الله يعلم أني أحب أن أقيه بنفسي. لو لقيت تلك الساعة أبي لأوقعت به السيف. فجعلت ألزمه فيمن لزمه، حتى تراجع الناس، وكروا كرة رجل واحد. وقربت بغلة رسول الله ﷺ . فاستوى عليها. وخرج رسول الله ﷺ في أثرهم حتى تفرقوا، في كل وجه. ورجع رسول الله ﷺ إلى معسكره، فدخل خباءه. فدخلت عليه، ما دخل عليه غيري، حبا لرؤية وجهه، وسرورا به. فقال: «يا شيب، الذي أراد الله لك، خير من الذي أردت لنفسك» .
стр. 206
قال العباس: إني لمع رسول الله ﷺ وكنت امرءا جسيما شديد الصوت - فقال رسول الله ﷺ حين رأى ما رأى من الناس - «إلي أيها الناس، أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب» فلم أر الناس يلوون على شيء. فقال: «أي عباس، اهتف بأصحاب السمرة» (١) " فناديت: يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة. فكان الرجل يريد أن يرد بعيره فلا يقدر. فيأخذ سلاحه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله. ويؤم الصوت، فأتوا من كل ناحية: لبيك، لبيك. حتى إذا اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مائة استقبلوا الناس، فاقتتلوا. فكانت الدعوة أولا: " يا للأنصار، يا للأنصار "، ثم خلصت الدعوة: " يا لبني الحارث بن الخزرج "، وكانوا صبرا عند الحرب.
وفي صحيح مسلم: «ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات. فرمى بها وجوه القوم. ثم قال: انهزموا، ورب محمد. فما هو إلا أن رماهم، فما زلت أرى حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا» .
ولما انهزم المشركون أتوا الطائف، ومعهم مالك بن عوف. وعسكر بعضهم بأوطاس. وبعث رسول الله ﷺ في أثر من توجه نحو أوطاس أبا عامر الأشعري، فأدرك بعضهم فناوشوه القتال، فهزمهم الله تعالى. وقتل أبو عامر. فأخذ الراية أبو موسى الأشعري. فلما بلغ الخبر رسول الله ﷺ قال: «اللهم اغفر لأبي عامر. واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك» .
وأمر رسول الله ﷺ بالسبي والغنائم أن يجمع. وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل: أربعة وعشرين ألفا، والغنم أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة.
стр. 207
فاستأنى بهم رسول الله ﷺ أن يقدموا موالين مسلمين، بضعة عشر ليلة. ثم بدأ بالأموال فقسمها: وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس فأعطى أبا سفيان مائة من الإبل. وأربعين أوقية. وأعطى ابنه يزيد مثل ذلك. وأعطى ابنه معاوية مثل ذلك. وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل. ثم سأله مائة أخرى فأعطاه.
وذكر ابن إسحاق أصحاب المائة وأصحاب الخمسين.
ثم أمر زيد ثابت بإحصاء الغنائم والناس، ثم فضها على الناس.
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لما أعطى رسول الله ﷺ من أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجدت الأنصار في أنفسهم. حتى كثرت منهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي والله رسول الله قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة، فذكر له ذلك. فقال: " فأين أنت من ذلك يا سعد؟ " قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي. قال: " فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة " فجاء رجال من المهاجرين. فتركهم فدخلوا. وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا، أتاه سعد فأخبره. فأتاهم رسول الله ﷺ فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: " يا معشر الأنصار، ما مقالة بلغتني عنكم؟ وجدة وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا. فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي» ؟ ".
قالوا الله ورسوله أمن وأفضل.
ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار» ؟ ".
стр. 208
قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ ولله ولرسوله المن والفضل.
قال: «أما والله، لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم علي يا معشر الأنصار في أنفسكم لعاعة (١) من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار: أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار. ولو سلك الناس شعبا وواديا، وسلكت الأنصار شعبا وواديا، لسلكت شعب الأنصار وواديها. الأنصار شعار. والناس دثار. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» .
قال: فبكى القوم، حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا.
وقدمت الشيماء بنت الحارث - أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة - فقالت: يا رسول الله، أنا أختك، فبسط لها رداءه. وأجلسها عليه. وقال: «إن أحببت فعندي مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك» فقالت: بل تمتعني، وتردني إلى قومي. ففعل وأسلمت. فأعطاها ثلاثة أعبد وجارية ونعماء وشاء.
[المن على سبي هوازن]
المن على سبي هوازن وقدم وفد هوازن على رسول الله ﷺ ، وهم أربعة عشر رجلا. فسألوه:
стр. 209
أن يمن عليهم بالسبي والأموال، فقال: «إن معي من ترون، وإن أحب الحديث إلي أصدقه. فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم، أم أموالكم؟» ، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا. فقال: «إذا صليت الغداة فقوموا، فقولوا: إنا نستشفع برسول الله ﷺ على المؤمنين، وبالمؤمنين على رسول الله أن يرد إلينا سبينا» .
فلما صلى رسول الله ﷺ الغداة قاموا، فقالوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ : «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب: فهو لكم، وسأسأل لكم الناس» .
فقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ .
وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقال العباس: وهنتموني.
فقال رسول الله ﷺ : «إن هؤلاء القوم قد جاءوا مسلمين. وقد استأنيت بسببهم، وقد خيرتهم، فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا. فمن كان عنده شيء فطابت نفسه بأن يرده، فسبيل ذلك. ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرده عليهم، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا» فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: «إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فردوا عليهم أبناءهم ونساءهم، وكسا النبي ﷺ السبي قبطية قبطية» .
стр. 210
[فتح مكة]
فصل لما أتم رسول الله ﷺ والمسلمون معه فتح مكة: اقتضت حكمة الله أن أمسك قلوب هوازن عن الإسلام، لتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح، وليظهر حزبه على الشوكة التي لم يلق المسلمون مثلها. فلا يقاومهم أحد بعد من العرب. وأذاق المسلمين أولا مرارة الكسرة، مع قوة شوكتهم، ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح، ولم تدخل حرمه كما دخله رسوله ﷺ واضعا رأسه، منحنيا على فرسه، حتى إن ذقنه ليكاد يمس قربوس سرجه تواضعا لربه. وليبين سبحانه - لمن قال: " لن نغلب اليوم عن قلة " - إن النصر إنما هو من عنده سبحانه، وأن من يخذله فلا ناصر له غيره. وأنه سبحانه الذي تولى نصر دينه، لا كثرتكم. فلما انكسرت قلوبهم، أرسل إليها خلع الجبر مع بريد النصر: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٢٦] (١) وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر إنما تفيض على أهل الانكسار: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] (٢) .
[غزوة الطائف]
غزوة الطائف ولما أراد المسير إلى الطائف - وكانت في شوال سنة ثمان - بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين - صنم عمرو بن حممة الدوسي - يهدمه، وأمره أن يستمد قومه يوافيه بالطائف - فخرج سريعا، فهدمه وجعل يحثو النار في وجهه ويقول: -
стр. 211
يا ذا الكفين , لست من عبادكا ... ميلادنا أكبر من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا. فوافوا النبي ﷺ بالطائف - بعد مقدمه بأربعة أيام - وقدم بدبابة ومنجنيق.
قال ابن سعد: لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم، وتهيئوا للقتال. وسار رسول الله ﷺ . فنزل قريبا من حصن الطائف. وعسكر هناك. فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا، كأنه رجل جراد، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة. وقتل منهم اثنا عشر رجلا. فارتفع ﷺ إلى موضع مسجد الطائف اليوم. فحاصرهم ثمانية عشر يوما. ونصب عليهم المنجنيق - وهو أول من رمى به في الإسلام - وأمر بقطع أعناب ثقيف. فوقع الناس فيها يقطعون، فسألوه: أن يدعها لله وللرحم. فقال رسول الله ﷺ : «فإني أدعها لله وللرحم» .
ونادى مناديه: " أيما عبد نزل من الحصن، وخرج إلينا. فهو حر " فخرج منهم بضعة عشر رجلا، فيهم أبو بكرة بن مسروج، فأعتقهم رسول الله ﷺ ، ودفع كل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه.
ولم يأذن في فتح الطائف. فأمر رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁، فأذن بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: نرحل، ولم يفتح علينا؟ فقال رسول الله ﷺ : «فاغدوا على القتال» فغدوا، فأصابهم جراحات. فقال النبي ﷺ : «إنا قافلون إن شاء الله» فسروا بذلك. وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك.
فلما ارتحلوا واستقلوا قال: «قولوا: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا
стр. 212
حامدون» وقيل: يا رسول الله، ادع الله على ثقيف، فقال: «اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» .
ثم خرج إلى الجعرانة. فدخل منها إلى مكة محرما بعمرة فقضاها. ثم رجع إلى المدينة.
стр. 213
[وفد ثقيف]
فصل قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ المدينة من تبوك في رمضان. وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف.
وكان من حديثهم: " أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم " اتبع أثره عروة بن مسعود، حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة. فأسلم، وسأله: أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ : «إن فيهم نخوة الامتناع» فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من أبكارهم. وكان فيهم كذلك محببا مطاعا.
فخرج يدعوهم إلى الإسلام، رجاء ألا يخالفوه، لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علية - وقد دعاهم إلى الإسلام - رموه بالنبل من كل وجه. فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك؟ فقال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي. فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم. فادفنوني معهم، فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه» .
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة شهرا. ثم ائتمروا بينهم. ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد أسلموا وبايعوا. فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ رجلا، كما أرسلوا عروة.
فكلموا عبد ياليل بن عمرو، وعرضوا عليه ذلك. فأبى، وخشي أن يصنع به كما صنع بعروة. فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا.
стр. 214
فأجمعوا أن يرسلوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك، منهم عثمان بن أبي العاص. فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة، ألفوا بها المغيرة بن شعبة. فاشتد ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم. فلقيه أبو بكر، فقال: أقسمت عليك بالله، لا تسبقني إلى رسول الله ﷺ ، حتى أكون أنا أحدثه، ففعل. ثم خرج المغيرة إلى أصحابه، فروح الظهر معهم. وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ . فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. فضرب عليهم قبة في ناحية المسجد.
وكان فيما سألوه: أن يدع لهم اللات لا يهدمها ثلاث سنوات، فأبى. فما برحوا يسألونه سنة، فيأبى. حتى سألوه شهرا واحدا. فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى. وإنما يريدون بذلك - فيما يظهرون - أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم، ويكرهون أن يروعوهم بهدمها، حتى يدخلهم الإسلام. فأبى إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها.
فلما أسلموا أمر عليهم عثمان بن أبي العاص - وكان من أحدثهم سنا - وذلك: أنه كان من أحرصهم على التفقه في الدين، وتعلم القرآن.
فلما توجهوا راجعين بعث معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة: أن يقدم أبا سفيان، فأبى، وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم. فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول. وقام دونه بنو مغيث، خشية أن يرمى، كما فعل بعروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها. فلما هدمها أخذ مالها وحليها وأرسل به إلى أبي سفيان.
стр. 215
[ما في غزوة الطائف من الفقه]
ما في غزوة الطائف من الفقه فيها من الفقه: جواز القتال في الأشهر الحرم. ونسخ تحريم ذلك.
وفيها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الطواغيت والشرك بعد القدرة عليها يوما واحدا. فإنها شعائر الكفر. وهي أعظم المنكرات. وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، وكذلك الأحجار والأشجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر لها وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، أو أعظم شركا عندها، وبها.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلف وترزق، وتميت وتحيي. وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم. وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، وغلبة التقاليد. وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير وهرم عليه الكبير. وطمست الأعلام. واشتدت غربة الإسلام.
ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
وفيها: صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد من عابديها. فيجب على الإمام أن يصرفها في الجهاد ومصالح المسلمين وكذلك أوقافها تصرف في مصالح المسلمين.