← Сира

Сира · id 31465

مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (321 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

سليم بلغتهم وفاة النبي ﷺ . فتشجع بعض بني سليم على أخذها والردة وأبى بعضهم من ذلك وقال إن كان محمد قد مات، فإن الله حي لا يموت. فانتهب الذين ارتدوا منهم اللطيمة. فلما ولي أبو بكر ﵁ كتب إلى معن بن حاجر فاستعمله على من أسلم من بني سليم. وكان قد قام في ذلك قياما حسنا، ذكر وفاة رسول الله ﷺ ، وذكر الناس ما قال الله لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (١) وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٢) مع آي من كتاب الله. فاجتمع إليه بشر من بني سليم. وانحاز أهل الردة منهم فجعلوا يغيرون على الناس. [قتل الفجاءة وتحريقه] قتل الفجاءة وتحريقه فلما بدا لأبي بكر أن يوجه خالدا، كتب إلى معن أن يلحق بخالد، ويستعمل على عمله أخاه طريفة بن حاجر ففعل. وأقام طريفة يكالب من ارتد بمن معه من المسلمين إذ قدم الفجاءة - واسمه إياس بن عبد الله بن عبد ياليل - على أبي بكر. فقال: إني مسلم وقد أردت جهاد من ارتد فاحملني، فلو كان عندي قوة لم أقدم عليك. فسر أبو بكر بمقدمه، وحمله على ثلاثين بعيرا. وأعطاه سلاحا. فخرج يستعرض المسلم والكافر يقتلهم ويأخذ أموالهم. ويصيب من امتنع منهم. ومعه رجل من بني الشريد. يقال له: نجبة بن أبي الميثاء مع قوم من أهل الردة. فلما بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجر:

стр. 282

" بسم الله الرحمن الرحيم. من أبي بكر إلى طريفة، سلام عليك. أما بعد فإن عدو الله الفجاءة أتاني. فزعم أنه مسلم وسألني: أن أقويه على قتال من ارتد عن الإسلام. فحملته وسلحته وقد انتهى إلي من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس المسلم والمرتد، يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم. فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأخذه. فتأتيني به ". فقرأ طريفة الكتاب على قومه. فحشدوا إلى الفجاءة. فقدم عليه ابن المثنى، فقتل نجبة وهرب منه إلى الفجاءة. ثم زحف طريفة إلى الفجاءة فتصادما. فلما رأى الفجاءة الخلل في أصحابه قال: يا طريفة والله ما كفرت. وإني لمسلم. وما أنت بأولى بأبي بكر مني، أنت أميره وأنا أميره. قال طريفة: إن كنت صادقا فألق السلاح، ثم انطلق إلى أبي بكر فأخبره خبرك، فوضع السلاح فأوثقه طريفة في جامعة، فقال: لا تفعل، فقال طريفة: هذا كتاب أبي بكر إلي، فقال الفجاءة: سمعا وطاعة، فبعث به في جامعته مع عشرة من بني سليم. فأرسل به أبو بكر إلى بني جشم فحرقته بالنار (١) . وقدم على أبي بكر ﵁ قبيصة - أحد بني الظربان - فذكر أنه مسلم. ولم يرتد فأمره أن يقاتل بمن معه من ارتد فرجع قبيصة. فاجتمع إليه ناس كثير. فخرج يتبع بهم أهل الردة، يقتلهم حيث وجدهم حتى مر ببيت حميضة بن الحكم الشريدي. فوجده غائبا يجمع أهل الردة. ووجد جارا له مرتدا. فقتله واستاق ماله.

стр. 283

فلما أتى حميضة أخبره أهله بخبر جاره. فخرج في طلبهم. فأدركهم. فقال قبيصة: قتلت جاري؟ فقال إن جارك ارتد عن الإسلام. فقال أمن بين من كفر تعدو على جار لجأ إلي لأمنعه؟ . فقال قبيصة: قد كان ذلك. فطعنه حميضة بالرمح. فوقع عن بعيره ثم قتله. وكان قبيصة قد فرق أصحابه قبل أن يلحقه حميضة. وكتب أبو بكر ﵁ إلى خالد: " إن أظفرك الله ببني حنيفة فأقل اللبث فيهم، حتى تنحدر إلى بني سليم، فتطأهم وطأة يعرفون بها ما منعوا. فإنه ليس بطن من العرب أنا أغيظ عليه مني عليهم، فإن أظفرك الله بهم فلا آلوك فيهم أن تحرقهم بالنار وهول فيهم القتل حتى يكون نكالا لهم " (١) . وسمعت بنو سليم بإقبال خالد. فاجتمع منهم بشر كثير. واستجلبوا من بقي من العرب، مرتدا وكان الذي جمعهم أبو شجرة بن عبد العزى فانتهى خالد إلى جمعهم مع الصبح. فصاح خالد في أصحابه وأمرهم بلبس السلاح. ثم صفهم. وصفت بنو سليم. وقد كل المسلمون وعجف كراعهم وخفهم. وجعل خالد يلي القتال بنفسه حتى أثخن فيهم القتل. ثم حمل عليهم حملة واحدة، فانهزموا. وأسر منهم بشر كثير. ثم حظر لهم الحظائر وحرقهم فيها. وجرح أبو شجرة يومئذ في المسلمين جراحات كثيرة. وقال في ذلك أبياتا، منها:

стр. 284

فرويت رمحي من كتيبة خالد وإني لأرجو بعدها أن أعمرا ثم أسلم، وجعل يعتذر. ويجحد أن يكون قال البيت المتقدم. فلما كان زمن عمر ﵁ قدم المدينة، وأناخ راحلته بصعيد بني قريظة ثم أتى عمر - وهو يقسم بين الفقراء - فقال يا أمير المؤمنين أعطني. فإني ذو حاجة. فقال من أنت؟ قال أنا أبو شجرة. قال يا عدو الله ألست الذي تقول: فرويت رمحي - البيت؟ عمر سوء. والله ما عشت لك يا خبيث. ثم جعل يعلوه بالدرة على رأسه حتى سبقه عدوا، وعمر في طلبه حتى أتى راحلته فارتحلها. ثم اشتد بها في حرة شوران فما استطاع أن يقرب عمر حتى توفي. وكان إسلامه لا بأس به. وكان إذا ذكر عمر ترحم عليه ويقول: ما رأيت أحدا أهيب من عمر ﵁. [ذكر ردة أهل البحرين] ذكر ردة أهل البحرين قال عيسى بن طلحة: لما ارتدت العرب - بعد وفاة رسول الله ﷺ قال كسرى: من يكفيني أمر العرب؟ فقد مات صاحبهم وهم الآن يختلفون بينهم إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعون على أفضلهم. قالوا: ندلك على أكمل الرجال مخارق بن النعمان ليس في الناس مثله. وهو من أهل بيت دانت لهم العرب، وهؤلاء جيرانك، بكر بن وائل. فأرسل إليهم. وأخذ منهم ستمائة الأشرف فالأشرف. وارتد أهل هجر عن الإسلام. فقام الجارود بن المعلى في قومه فقال:

стр. 285

ألستم تعلمون ما كنت عليه من النصرانية؟ وإني لم آتكم قط إلا بخير وإن الله تعالى بعث نبيه ونعى له نفسه فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] (١) وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]- الآية (٢) . وفي لفظ أنه قال: ما شهادتكم على موسى؟ قالوا: نشهد أنه رسول الله. قال: فما شهادتكم على عيسى؟ قالوا: نشهد أنه رسول الله قال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. عاش كما عاشوا، ومات كما ماتوا. وأتحمل شهادة من أبى أن يشهد على ذلك منكم. فلم يرتد من عبد القيس أحد. وكان رسول الله ﷺ قد استعمل أبان بن سعيد على البحرين. وعزل العلاء ابن الحضرمي. فقال: أبلغوني مأمني فأشهد أمر أصحاب رسول الله ﷺ ، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم. فقالوا: لا تفعل فأنت أعز الناس علينا، وهذا علينا وعليك فيه مقالة يقال: فر من القتال. فأبى. وانطلق في ثلاثمائة رجل يبلغونه المدينة. فقال له أبو بكر ﵁: ألا ثبت مع قوم لم يبدلوا ولم يرتدوا؟ . فقال: ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله ﷺ . فدعا أبو بكر العلاء بن الحضرمي. فبعثه إلى البحرين في ستة عشر راكبا، وقال امض فإن أمامك عبد القيس فسار. ومر بثمامة بن أثال فأمده برجال من قومه بني سحيم ثم لحق به. فنزل العلاء بحصن يقال له جواثا، وكان مخارق قد نزل بمن معه من بكر ابن وائل حصن المشقر - حصن عظيم لعبد القيس - فسار إليهم العلاء، فيمن اجتمع إليه. فقاتلهم قتالا شديدا، حتى كثر القتلى في

стр. 286

الفريقين والجارود بن المعلى بالخط (١) يبعث البعوث إلى العلاء. وبعث مخارق الحطم بن شريح (٢) - أحد بني قيس بن ثعلبة - مرزبان الخط يستمده فأمده بالأساورة. فنزل الحطم ردم القداح - وكان حلف أن لا يشرب الخمر حتى يرى هجرا - وأخذ المرزبان الجارود رهينة عنده. وسار الحطم وأبجر العجلي حتى حصروا العلاء بجواثا. فقال عبد الله بن حذف، وكان من صالحي المسلمين: ألا أبلغ أبا بكر رسولا ... وسكان المدينة أجمعينا فهل لكمو إلى نفر يسير ... قعود في جواثا محصرينا كأن دماءهم في كل فج ... شعاع الشمس يغشى الناظرينا توكلنا على الرحمن إنا ... وجدنا النصر للمتوكلينا فمكثوا على ذلك محصورين فسمع العلاء وأصحابه ذات ليلة لغطا في العسكر فقالوا: لو علمنا أمرهم؟ فقال عبد الله بن حذف: أنا أعلم لكم علمهم فدلوه بحبل. فأقبل حتى يدخل على أبجر العجلي - وأمه منهم - قال ما جاء بك؟ لا أنعم الله بك عينا. قال جاء بي الضر والجوع وأردت اللحاق بأهلي، فزودني. فقال أفعل على أني أظنك والله غير ذلك. بئس ابن الأخت أنت سائر الليلة. فزوده وأعطاه نعلين. وأخرجه من العسكر وخرج حتى برز. فمضى كأنه لا يريد الحصن حتى أبعد. ثم عطف. فأخذ بالحبل فصعد.

стр. 287

فقالوا: ما وراءك؟ قال: تركتهم سكارى، وقد نزل بهم تجار معهم خمر، فاشتروا منهم. فإن كان لكم بهم حاجة فالليلة. فنزلوا إليهم. فبيتوهم فقتلوهم. فلم يفلت منهم أحد. ووثب الحطم فوضع رجله في الركابات وجعل يقول: من يحملني؟ فسمعه عبد الله (١) بن حذف. فأقبل يقول: أبا ضبيعة؟ قال: نعم. قال: أنا أحملك، فلما دنا منه قتله. وقطعت رجل أبجر العجلي. فمات منها. وانهزم فلهم فاعتصموا بمفروق الشيباني. ثم سار العلاء إلى مدينة دارين فقاتلهم قتالا شديدا، وضيق عليهم. فلما رأى ذلك مخارق ومن معه قالوا: إن خلوا عنا رجعنا من حيث جئنا. فشاور العلاء أصحابه فأشاروا بتخليتهم. فخرجوا فلحقوا ببلادهم. وطلب أهل دارين الصلح. فصالحهم العلاء على ثلث ما في أيديهم من أموالهم وما كان خارجا منها فهو له. وطفقت بكر بن وائل تنادي: يا عبد القيس أتاكم مفروق في جماعة بكر بن وائل. فقال عبد الله بن حذف: لا توعدونا بمفروق وأسرته ... إن يأتنا يلق منا سنة الحطم فالنخل ظاهرها خيل وباطنها ... خيل تكدس بالفرسان في النعم وإن ذا الحي من بكر وإن كثروا ... لأمة داخلون النار في أمم

стр. 288

ثم سار العلاء إلى الخط، حتى نزل إلى الساحل فجاءه نصراني فقال ما لي إن دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين؟ قال وما تسألني؟ قال أهل بيت بدارين قال. هم لك. فخاض به. فظفر بهم عنوة وسبى أهلها. وقيل: حبس لهم البحر خاضوه وكانت تجري فيه السفن قبل. ثم جرت بعد. ويروى: أن العلاء وأصحابه جأروا إلى الله وتضرعوا إليه في حبس البحر فأجاب الله دعاءهم. وكان دعاؤهم " يا أرحم الراحمين. يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت يا ربنا " فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعا يمشون على مثل رملة. فقال عفيف بن المنذر في ذلك: ألم تر أن الله ذلل بحره ... وأنزل بالكفار إحدى الجلائل دعونا الذي شق البحار فجاءنا ... بأعظم من فلق البحار الأوائل ولما رأى ذلك أهل الردة من أهل البحرين، صالحوا على ما صالح عليه أهل هجر. ولما ظهر العلاء على أهل الردة والمجوس: بعث رجالا من عبد القيس إلى أبي بكر ﵁. فنزلوا على طلحة والزبير ﵄. وأخبروهما بقيامهم في أهل الردة. ثم دخلوا على أبي بكر وحضر طلحة والزبير. فقالوا: يا خليفة رسول الله، إنا قوم أهل إسلام. وليس شيء أحب إلينا من رضاك. ونحن نحب أن تعطينا أرضا من البحر وطواحين.

стр. 289

وكلمه في ذلك طلحة والزبير، فأجاب. وقالوا: اكتب لنا كتابا، فكتب. فانطلقوا بالكتاب إلى عمر ﵁. فلما قرأه: تفل في الكتاب ومحاه. ودخل طلحة والزبير فقالا: والله ما ندري، أنت الخليفة أم عمر؟ . فقال أبو بكر: وما ذاك؟ فأخبروه. فقال أبو بكر لئن كان عمر كره شيئا من ذلك، فإني لا أفعله. فبينما هم على ذلك إذ جاء عمر. فقال له أبو بكر ما كرهت من هذا؟ قال: كرهت أن تعطي الخاصة دون العامة. وأنت تقسم على الناس، فتأبى أن تفضل أهل السابقة وتعطي هؤلاء قيمة عشرين ألفا دون الناس. فقال أبو بكر: وفقك الله وجزاك خيرا هذا هو الحق. [ذكر ردة أهل دبار وأزد عمان] ذكر ردة أهل دبا (١) وأزد عمان وذلك: أنهم قدموا على رسول الله ﷺ مسلمين. فبعث إليهم مصدقا يقال له: حذيفة بن محصن البارقي ثم الأزدي. من أهل دبا. وأمره " أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم. ويردها على فقرائهم " ففعل ذلك حذيفة.

стр. 290

فلما توفي رسول الله ﷺ منعوا الصدقة وارتدوا. فدعاهم حذيفة إلى التوبة. فأبوا. وجعلوا يرتجزون: لقد أتانا خبر ردي ... أمست قريش كلها نبي ظلم لعمر الله عبقري فكتب حذيفة إلى أبي بكر بأمرهم. فاغتاظ غيظا شديدا، وقال " من لهؤلاء؟ ويل لهم ". ثم بعث إليهم عكرمة بن أبي جهل - وكان النبي ﷺ قد استعمله على سفلي بني عامر بن صعصعة مصدقا - فلما بلغته وفاة النبي ﷺ انحاز إلى تبالة في أناس من العرب، ثبتوا على الإسلام. وكان مقيما بتبالة في أرض كعب بن ربيعة. فجاءه كتاب أبي بكر: " سر فيمن قبلك من المسلمين إلى أهل دبا ". فسار عكرمة في نحو ألفين من المسلمين. وكان رأس أهل الردة: لقيط بن مالك الأزدي فلما بلغه مسير عكرمة، بعث ألف رجل من الأزد يلقونه. وبلغ عكرمة: أنهم جموع كثيرة. فبعث طليعة. وكان للعدو أيضا طليعة. فالتقت الطليعتان. فتناوشوا ساعة ثم انكشف أصحاب لقيط. وقتل منهم نحو مائة رجل. وبعث أصحاب عكرمة فارسا بخبره. فأسرع عكرمة حتى لحق طليعته. ثم زحفوا جميعا. وسار على تعبئة حتى أدرك القوم. فاقتتلوا ساعة. ثم هزمهم عكرمة، وأكثر فيهم القتل. ورجع فلهم إلى لقيط بن مالك، فأخبروه أن عكرمة مقبل.

стр. 291

فقوي جانب حذيفة ومن معه من المسلمين فناهضهم. وجاء عكرمة. فقاتل معهم. فانهزم العدو حتى دخلوا مدينة دبا. فحصرهم المسلمون شهرا. وشق عليهم الحصار إذ لم يكونوا قد أخذوا له أهبة. فأرسلوا إلى حذيفة. يسألونه الصلح. فقال: لا، إلا بين حرب مجلية أو سلم مخزية. قالوا: أما الحرب المجلية، فقد عرفناها، فما السلم المخزية؟ قال: تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وأن كل ما أخذناه منكم فهو لنا، وما أخذتموه فهو رد لنا. وأنا على حق وأنتم على باطل وكفر، ونحكم فيكم بما رأينا. فأقروا بذلك. فقال: اخرجوا عزلا، لا سلاح معكم ففعلوا. فدخل المسلمون حصنهم. فقال حذيفة: إني قد حكمت فيكم، أن أقتل أشرافكم وأسبي ذراريكم. فقتل من أشرافهم مائة رجل وسبى ذراريهم. وقدم حذيفة بسبيهم المدينة. وهم ثلاثمائة من المقاتلة وأربعمائة من الذرية والنساء. وأقام عكرمة بدبا عاملا عليها لأبي بكر. فلما قدم حذيفة بسبيهم أنزلهم أبو بكر ﵁ دار رملة بنت الحارث، وهو يريد أن يقتل من بقي من المقاتلة. والقوم يقولون: والله ما رجعنا عن الإسلام ولكن شححنا على أموالنا، فيأبى أبو بكر أن يدعهم بهذا القول. وكلمه فيهم عمر. وكان الرأي أن لا يسبوا. فلم يزالوا موقوفين في دار رملة حتى مات أبو بكر. فدعاهم عمر،

стр. 292

فقال: انطلقوا إلى أي بلاد شئتم. فأنتم قوم أحرار. فخرجوا حتى نزلوا البصرة. وكان فيهم أبو صفرة - والد الملهب - وهو غلام يومئذ. ولما قدم غزو أهل دبا أعطاهم أبو بكر خمسة دنانير خمسة دنانير.

стр. 293

[السنة الثانية عشرة] [مسير خالد إلى العراق] السنة الثانية عشرة مسير خالد إلى العراق ولما دخلت السنة الثانية من خلافة أبي بكر ﵁ وهي سنة اثني عشر من الهجرة كتب إلى خالد: " إذا فرغت من اليمامة فسر إلى العراق، فقد وليتك حرب فارس ". فسار إليه في بضعة وثلاثين ألفا. فصالح أهل السواد. ثم سار إلى الأبلة. وخرج كسرى في مائة وعشرين ألفا. فالتقى مع خالد فهزم الله المشركين من الفرس. وكتب خالد إلى كسرى: " أما بعد، فأسلموا تسلموا، وإلا فأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة " فصالحوه. وفيها حج أبو بكر ﵁ بالناس ثم رجع إلى المدينة. [حوادث السنة الثالثة عشرة] [موت الصديق ﵁] حوادث السنة الثالثة عشرة ثم دخلت سنة ثلاث عشرة. فبعث أبو بكر ﵁ الجنود إلى الشام. وأمر عليهم يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة عامر بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص. ونزلت الروم بأعلى فلسطين في سبعين ألفا. فكتبوا إلى أبي بكر يخبرونه ويستمدونه. فأمر خالدا - وهو بالحيرة - أن يمد أهل الشام بمن معه من أهل القوة ويستخلف على ضعفة الناس رجلا منهم.

стр. 294

فسار خالد بأهل القوة ورد الضعفة إلى المدينة. واستخلف على من أسلم بالعراق المثنى بن حارثة. وسار حتى وصل إلى الشام، ففتحوا بصرى. وهي أول مدينة فتحت. ثم اجتمع المشركون من الروم، فانحاز المسلمون إلى أجنادين، فكانت الوقعة المشهورة وكان النصر للمسلمين. موت الصديق ﵁ وفي هذه السنة مات الصديق، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة. وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر واثنتين وعشر ليال. واستخلف على الناس عمر بن الخطاب. وقال: " اللهم إني وليتهم خيرهم ولم أرد بذلك إلا إصلاحهم، ولم أرد محاباة عمر. فاخلفني فيهم. فهم عبادك، ونواصيهم بيدك، أصلح لهم واليهم واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدي نبيه ﷺ . وأصلح له رعيته ". ثم دعاه. فقال: " يا عمر، إن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار، وحقا في النهار لا يقبله في الليل. وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى فريضة. وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه غير الحق غدا أن يكون ثقيلا. فإذا حفظت وصيتي، لم يكن غائب أحب إليك من الموت. وهو نازل بك. وإن ضيعتها، فلا غائب أكره إليك منه ولست تعجزه ". وورث منه أبوه أبو قحافة السدس.

стр. 295

ولما ورد كتاب أبي بكر ﵁ إلى أمراء الأجناد باستخلاف عمر بايعوه. ثم ساروا إلى " فحل " بناحية الأردن. وقد اجتمع بها الروم. فكانت وقعة " فحل " المشهورة ونصر الله المسلمين. وانحاز المشركون إلى دمشق. [حوادث السنة الرابعة عشرة] حوادث السنة الرابعة عشرة ثم دخلت السنة الرابعة عشرة: وفيها: ساروا إلى دمشق وعليهم خالد. فأتى كتاب عمر ﵁ بعزل خالد وتأمير أبي عبيدة بن الجراح. وفيها: أمر عمر بصلاة التراويح جماعة وقدم جرير بن عبد الله في ركب من بجيلة، فأشار عليه عمر بالخروج إلى العراق، فسار بهم جرير إلى العراق. فلما قرب من المثنى بن حارثة كتب إليه: " أقبل فإنما أنت مدد لي ". فقال جرير: أنت أمير وأنا أمير. ثم اجتمعا. فكانت وقعة البويب المشهورة. ثم إن عمر أمر سعد بن أبي وقاص ﵁ على العراق، وكتب له وأوصاه فقال: " يا سعد بن وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله ﷺ وصاحبه. فإن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن. وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا بطاعته. فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء. الله ربهم وهم عباده. يتفاضلون بالعافية. ويدركون ما عند الله بالطاعة. فانظر الأمر الذي رأيت عليه

стр. 296

رسول الله ﷺ منذ بعث إلى أن فارقنا. فالزمه. فإنه الأمر " وكتب إلى المثنى وجرير: أن يجتمعا إليه، فسار سعد بمن معه. فنزل بشراف واجتمع إليه الناس. [حوادث السنة الخامسة عشرة] [فتح القادسية] حوادث السنة الخامسة عشرة ثم دخلت السنة الخامسة عشرة. فتح القادسية فلما انحسر الشتاء سار سعد إلى القادسية، وكتب إلى عمر يستمده. فبعث إليه المغيرة بن شعبة، في جيش من أهل المدينة. وكتب إلى أبي عبيدة أن يمده بألف. وسمع بذلك رستم بن الفرخزاد. فخرج بنفسه في مائة وعشرين ألفا، سوى التبع والرقيق حتى نزل القادسية. وبينه وبين المسلمين جسر القادسية، وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ومعهم ثلاثة وثلاثون فيلا. واجتمع المسلمون حتى صاروا ثلاثين ألفا. فكانت وقعة القادسية المشهورة التي نصر الله فيها المسلمين. وهزم المشركين. فلما هزم الله الفرس، كتب عمر إلى سعد " أن أعد للمسلمين دار هجرة. وإنه لا يصلح للعرب إلا حيث يصلح للبعير والشاه وفي منابت العشب. فانظر فلاة إلى جانب بحر ". فبعث سعد عثمان بن حنيف فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم فنزلها سعد بالناس. ثم كتب عمر إلى سعد " أن ابعث إلى أرض الهند - يريد البصرة - جندا فلينزلوها ".

стр. 297

فبعث إليها عتبة بن غزوان في ثلاثمائة رجل حتى نزلوها. وهو الذي بصر البصرة. وفي هذه السنة كانت وقعة اليرموك المشهورة بالشام. وخرج عمر إلى الشام، ونزل الجابية. فصالح نصارى بيت المقدس - وكانوا قد أبوا أن يجيبوا إلى الصلح مع أبي عبيدة، حتى يكون عمر يعقدون الصلح معه - فصالحهم. واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث. واجتمع إليه أمراء الأجناد. فلما رجع إلى المدينة وضع الديوان. فأعطى العطايا على مقدار السابقة. فبدأ بالعباس حرمة لرسول الله ﷺ . ثم بالأقرب فالأقرب. [حوادث السنة السادسة عشرة] حوادث السنة السادسة عشرة ثم دخلت السنة السادسة عشرة. فيها كتب عمر التاريخ. واستشار الصحابة في مبدئه. فمنهم من قال نبدأ من بدء النبوة. ومنهم من قال من الوفاة، ومنهم من قال من الهجرة. فجعله من الهجرة. [حوادث السنة السابعة عشرة] حوادث السنة السابعة عشرة ثم دخلت السنة السابعة عشرة: فكان فيها فتوح كثيرة شرقا وغربا. وفيها فتحت تستر، التي وجد فيها جسد دانيال ﵇. وكان المشركون يستسقون به.

стр. 298

وفيها: تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵃ طلبا لصهر رسول الله ﷺ . [حوادث السنة الثامنة عشرة] حوادث السنة الثامنة عشرة ثم دخلت السنة الثامنة عشرة: فيها: أصاب الناس مجاعة شديدة. وتسمى عام الرمادة لكثرة ما هلك فيها من الناس والبهائم جوعا. فاستسقى عمر بالناس. وسأل العباس أن يدعو الله ويؤمن عمر والناس على دعائه. فأزال الله القحط. وفيها وقع طاعون عمواس بالشام وقد هلك فيه خمسة وعشرون ألفا. ومات فيه أبو عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان ﵃. فلما بلغ عمر موتهم أمر على الشام معاوية بن أبي سفيان. [حوادث السنة التاسعة عشرة] حوادث السنة التاسعة عشرة ثم دخلت السنة التاسعة عشرة: فتح فيها فتوح كثيرة شرقا وغربا. [حوادث السنة العشرين] حوادث السنة العشرين ثم دخلت السنة العشرون: وفيها: فتحت مصر والإسكندرية. وفيها: أجلى عمر ﵁ اليهود من الحجاز إلى أذرعات وغيرها.

стр. 299

[حوادث السنة الحادية والعشرين] حوادث السنة الحادية والعشرين ثم دخلت السنة الحادية والعشرون: وفيها كان فتح نهاوند وأميرها النعمان بن مقرن، وقتل يومئذ. وفيها: مات خالد بن الوليد ﵁ بحمص. وفيها: مات عمرو بن معدي كرب، وطليحة بن خويلد الأسدي - الذي كان تنبأ. ثم أسلم وحسن إسلامه، وأبلى في قتال الفرس بلاء حسنا - قتلا مع النعمان بن مقرن بنهاوند. [حوادث السنة الثانية والعشرين] حوادث السنة الثانية والعشرين ثم دخلت السنة الثانية والعشرون: وفيها: دخل الأحنف بن قيس خراسان، وحارب يزدجرد آخر ملوك الفرس. فهزمه الله فيها. وفيها: اعتمر عمر. فتلقاه نافع بن الحارث - وكان عامله على مكة - فقال له عمر من خلفت؟ قال ابن أبزى، قال عمر: ومن ابن أبزى؟ قال مولى لنا. قال ومولى أيضا؟ قال: إنه قارئ للقرآن عالم بالفرائض. فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع به آخرين» . [حوادث السنة الثالثة والعشرين] حوادث السنة الثالثة والعشرين ثم دخلت السنة الثالثة والعشرون: وفيها: قتل عمر ﵁. في صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع

стр. 300

ليال بقين من ذي الحجة. ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين. ولما رجع من الحج في آخرها قام خطيبا. فقال: " إني رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرتين أو ثلاثا، ولا أرى في ذلك إلا حضور أجلي ". ثم خرج إلى السوق فلقيه أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة. وكان صانعا يعمل الأرحاء. فقال له: ألا تكلم مولاي يضع عني من خراجي؟ قال: وكم خراجك؟ قال: دينار قال إنك لعامل محسن، فقال: وسع الناس عدلك وضاق بي، وأضمر قتل عمر. فاصطنع له خنجرا ذا حدين وشحذه وسمه. ثم أتى به الهرمزان. فقال كيف ترى هذا؟ قال أرى أنك لا تضرب به أحدا إلا قتله. فلما كبر عمر ﵁ في صلاة الصبح طعنه ثلاث طعنات. وقصة مقتله في الصحيحين. وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال أو خمس، وبموته انفتح باب الفتنة إلى اليوم. وقال عبد الله بن سلام لعمر ﵄: إني أرى في التوراة: أنك باب من أبواب جهنم، قال: فسر لي قال: أنت باب من أبوابها مغلقا، لئلا يقتحمها الناس فإذا مت انفتح. وفتح الله على يديه من بلاد الكفار ألفا وستة وثلاثين مدينة، وخرب أربعة آلاف بيعة وكنيسة، وبنى أربعة آلاف مسجد، ودون الدواوين، ومصر الأمصار ووضع الخراج وأرخ التاريخ. وله الفضائل المشهورة والسوابق المأثورة. ﵀ ورضي عنه.

стр. 301

[حوادث سنة أربع وعشرين] حوادث سنة أربع وعشرين ثم دخلت السنة الرابعة والعشرون: فاستخلف فيها عثمان بن عفان ﵁. لغرة هلال المحرم - أو لثلاث من المحرم - بعد دفن عمر بثلاثة أيام. أسلم قديما. وكان من ذوي السابقة ومن ذوي الشرف والعلم. هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين، وزوجه رسول الله ﷺ الابنتين. ولم ينكح ابنتي نبي من آدم إلى قيام الساعة غيره. وكان رسول الله ﷺ يقدمه ويستحي منه، ويقول: «ما لي لا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء» . وفي هذه السنة توفي سراقة بن مالك، وأم الفضل زوجة العباس وأم أيمن بركة مولاة رسول الله ﷺ . ورضي الله عنهم. [حوادث سنة خمس وعشرين] حوادث سنة خمس وعشرين ثم دخلت السنة الخامسة والعشرون. فتوفي فيها عبد الله بن أم مكتوم المؤذن، وعمير بن وهب بن خلف الجمحي الذي حزر المسلمين يوم بدر. ثم تعاهد هو وصفوان بن خلف الجمحي على اغتيال رسول الله ﷺ . فذهب إلى المدينة بدعوى افتداء ابنه وهب الذي كان أسر يوم بدر. فلما دخل على رسول الله ﷺ قص عليه رسول الله ما تعاهد هو وصفوان عليه. فشهد شهادة الحق وأسلم. وفيها توفي عروة بن حزام العاشق.

стр. 302

[حوادث سنة ست وعشرين] حوادث سنة ست وعشرين ثم دخلت السنة السادسة والعشرون: وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ومعه العبادلة - عبد الله بن نافع بن قيس، وعبد الله بن نافع بن الحصين وعبد الله بن الزبير - فلقي جرجس ملك البربر في مائتي ألف. فقتل جرجس قتله عبد الله بن الزبير. وفتح الله على المسلمين. وفيها: مات خارجة بن زيد الأنصاري الذي تكلم بعد الموت. وكان من كلامه: خلت ليلتان. وبقيت أربع، بئر أريس وما بئر أريس؟ . وفيها اعتمر عثمان فكلمه أهل مكة أن يحول الساحل إلى جدة. وقالوا: هي أقرب إلى مكة وأوسع. وكانوا يرسون قبل ذلك في الشعيبة (١) . فخرج عثمان إلى جدة فرآها، وحول الساحل إليها. [حوادث سنة سبع وعشرين] حوادث سنة سبع وعشرين ثم دخلت السنة السابعة والعشرون. وفيها - على قول ابن جرير - كان فتح إفريقية والأندلس على يد عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وفيها: عزل عثمان ﵁ عمرو بن العاص عن مصر، وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وفيها: مات عبد الله بن كعب بن عمرو ﵁. وكان من أهل بدر.

стр. 303

[حوادث سنة ثمان وعشرين] حوادث سنة ثمان وعشرين ثم دخلت السنة الثامنة والعشرون. فيها غزا معاوية بن أبي سفيان البحر ومعه عبادة بن الصامت، وامرأته أم حرام بنت ملحان - أخت أم سليم - فسقطت عن دابة لها فهلكت. وهي التي نام رسول الله ﷺ في بيتها وقت قيلولة. فاستيقظ وهو يضحك فسألته؟ فقال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج البحر ملوكا على الأسرة - أو كالملوك على الأسرة - فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم. ثم نام. ثم استيقظ وهو يضحك فسألته؟ فقال مثل قوله. فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت من الأولين» . وفيها: غزا معاوية قبرس. فصالحه أهلها. [حوادث سنة تسع وعشرين] حوادث سنة تسع وعشرين ثم دخلت السنة التاسعة والعشرون. فيها: شكا الناس إلى عثمان ﵁ ضيق مسجد رسول الله ﷺ ، فأمر بتوسعته وبناه بالحجارة المنقوشة والقصة - وهي الجص - وفيها وسع المسجد الحرام كذلك. وفيها: مات سليمان بن ربيعة الباهلي ﵁. وكان عمر ﵁ ولاه قضاء المدائن، فمكث أربعين يوما لم يختصم إليه اثنان. [حوادث سنة ثلاثين] حوادث سنة ثلاثين ثم دخلت سنة ثلاثين.

стр. 304

وفيها وقع خاتم رسول الله من يد عثمان بن عفان ﵁ في بئر أريس فنزحت ولم يوجد. فحزن لذلك أشد الحزن. فوقع من الرعية الخلل على عثمان بعدها. وفيها: غزا سعيد بن العاص من الكوفة خراسان، ومعه حذيفة بن اليمان، والحسن، والحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير ﵃. وفيها: كان ما كان من أمر أبي ذر الغفاري ﵁ وشدة إنكاره على معاوية وأهل الشام في الاستمتاع بما أنعم الله عليهم والتوسع فيما أباح لهم وأفاء عليهم من الأموال. وأنه يرى: أن لا يبيت أحد من المسلمين وعنده درهم ولا دينار وإلا كان من الذين يكنزون الذهب والفضة. فكتب معاوية في شأنه إلى عثمان. فكتب عثمان بإشخاص أبي ذر إلى المدينة، ومحاولة بعض دعاة الفتنة الالتفاف حول أبي ذر. فهرب منهم إلى الربذة بإذن عثمان وفي طاعته. وأقام بها حتى مات ﵁. وفيها: زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء حين كثر الناس. فثبت الأمر على ذلك إلى اليوم. والزوراء دار كانت له بالمدينة. وفيها: مات أبي بن كعب: سيد القراء وأحد القراء الأربعة. [حوادث سنة إحدى وثلاثين] حوادث سنة إحدى وثلاثين ثم دخلت السنة الحادية والثلاثون.

стр. 305

وفيها: قتل يزدجرد آخر ملوك الفرس، وهو الذي مزق كتاب رسول الله ﷺ الذي دعاه فيه إلى الإسلام. فدعا عليه أن يمزق الله ملكه. وفيها: فتح حبيب بن مسلمة الفهري أرمينية. وقال الواقدي: كان في هذه السنة غزوة الصواري في البحر. وكان فيها: محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر. فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف أبا بكر وعمر. ويقولان دمه حلال. [حوادث سنة اثنتين وثلاثين] حوادث سنة اثنتين وثلاثين ثم دخلت السنة الثانية والثلاثون (١) . فيها: غزا معاوية بلاد الروم، حتى بلغ مضيق القسطنطينية. وفيها: مات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري - جندب بن جنادة - والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن حرب ﵃. [حوادث سنة ثلاث وثلاثين] حوادث سنة ثلاث وثلاثين ثم دخلت السنة الثالثة والثلاثون. وفيها: ذكر أهل العراق عثمان بالسوء وتكلموا فيه بكلام خبيث في مجلس سعيد بن عامر فكتب في أمرهم إلى عثمان. فكتب يأمره بإجلائهم إلى الشام. فلما قدموا على معاوية أكرمهم وتألفهم. ونصحهم. فأجابه متكلمهم بكلام فيه شناعة. ثم نصحهم فتمادوا في غيهم

стр. 306

وجهالتهم وشرهم. فنفاهم معاوية عن الشام، وكانوا عشرة: كميل بن زياد، والأشتر النخعي - مالك بن يزيد -، وعلقمة بن قيس النخعي، وثابت بن قيس النخعي، وجندب بن زهير العامري، وجندب بن كعب الأزدي، وعروة بن الجعد، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وصعصعة بن صوحان، وأخوه زيد بن صوحان، وابن الكواء. فأووا إلى الجزيرة. واستقروا بحمص حتى كانت الفتنة التي قادوها لقتل عثمان. وفيها: مات المقداد بن عمرو ﵁. [حوادث سنة أربع وثلاثين] حوادث سنة أربع وثلاثين ثم دخلت السنة الرابعة والثلاثون: فيها: تكاتب المنحرفون عن عثمان - وكان جمهورهم من أهل الكوفة - وتواعدوا أن يجتمعوا لمناظرته فيما نقموا عليه. فبعثوا إليه منهم من يناظره فيما فعل من تولية من ولى وعزل من عزل. حتى شق عليه ذلك جدا، فبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده. واستشارهم. فكل أشار برأي ثم انتهى الأمر بأن قرر عماله على ما كانوا عليه. وتألف قلوب هؤلاء، وأمر بهم أن يبعثوا إلى الغزو وإلى الثغور. فلم يمنعهم ذلك من التمادي في غيهم. وفيها: توفي أبو طلحة الأنصاري، وعبادة بن الصامت ﵄. [حوادث سنة خمس وثلاثين] حوادث سنة خمس وثلاثين ثم دخلت السنة الخامسة والثلاثون. وفيها: مات من الصحابة عمار بن ربيعة أسلم قديما وشهد بدرا ﵁.

стр. 307

وفيها: كان خروج جماعة من أهل مصر ومن وافقهم على عثمان. وأصل الفتنة ومنبعها: كان من عبد الله بن سبأ - رجل يهودي من أهل صنعاء، أظهر الإسلام ليخفي به حقده عليه وكفره به في زمن عثمان - وكان ينتقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم. فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة ثم الشام. فلم يقدر على ما يريد. فأخرجوه حتى أتى مصر فغمز على عثمان وقاد الفتنة. وأشعل نارها، محادة لله ولرسوله حتى كانت البلية الكبرى بمحاصرة عثمان ﵁ واغتياله وهو يتلو كتاب الله تعالى، وكان بيد أولئك المجرمين الخوارج في ذي الحجة من هذه السنة. ﵁. وبقتله وقعت الفتنة العظيمة التي أخبر بها رسول الله ﷺ ، والناس في بقايا من شرها إلى اليوم. ويروى: أن عثمان ﵁ صلى في الليلة التي حوصر فيها ونام، فأتاه آت في منامه فقال له: قم فاسأل أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالحي عباده. فقام فصلى، ودعاه. فاشتكى. فما خرج إلا جنازته. قال أهل السير: لما كان من أمر عثمان ما كان قعد علي بن أبي طالب في بيته فأتاه الناس وهم يقولون: علي أمير المؤمنين. فقال: ليس ذلك إليكم إنما هو إلى أهل بدر. فأتاه أهل بدر. فلما رأى ذلك علي خرج فبايعه الناس. ولم يدخل في طاعته معاوية وأهل الشام. فهم علي بالشخوص إليهم (١) .

стр. 308

[حوادث سنة ست وثلاثين] [موقعة الجمل] حوادث سنة ست وثلاثين وقعة الجمل وبلغ الخبر عائشة - وهي حاجة - ومعها طلحة، والزبير. فخرجوا إلى البصرة يريدون الإصلاح بين الناس واجتماع الكلمة. وأرسل علي عمار بن ياسر وابنه الحسن بن علي إلى الكوفة يستنفرون الناس ليكونوا مع علي فاستنفروهم. فنفروا. وخرج علي من المدينة في ستمائة رجل. فالتقى - هو والحسن - بذي قار ثم التقوا - هم وطلحة والزبير - قرب البصرة وكان في العسكرين ناس من الخوارج. فخافوا من تمالؤ العسكرين عليهم. فتحيلوا حتى أثاروا الحرب بينهما من غير رأي. فكانت وقعة الجمل المشهورة لأن عائشة كانت في هودج. على جمل. وعقر الجمل ذلك اليوم. فأمر علي بحمل الهودج فحمله محمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر. فأدخل محمد يده في الهودج فقالت من ذا الذي يتعرض لحرم رسول الله ﷺ ؟ أحرقه الله بالنار. فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا. فقالت: بنار الدنيا، فكان الأمر كذلك. وكانت وقعة الجمل في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين. ثم التقى علي وعائشة. فاعتذر كل منهما للآخر. ثم جهزها إلى

стр. 309

المدينة. وأمر لها بكل شيء ينبغي لها. وأرسل معها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات. وفي هذه السنة: مات حذيفة بن اليمان، وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ وقدامة بن مظعون ﵃. [حوادث سنة سبع وثلاثين] حوادث سنة سبع وثلاثين ثم دخلت السنة السابعة والثلاثون. فسار علي ﵁ والتقى هو وأهل الشام بصفين لسبع بقين من المحرم - وصفين اسم موضع بين الشام والعراق - فكانت به الوقعة المشهورة. فلما اشتد البلاء على الفريقين وطال أياما، وكثر القتلى بينهم رفع أهل الشام المصاحف على رؤوس الرماح ونادوا " ندعوكم إلى كتاب الله " فسر الناس وأنابوا إلى الحكومة. فحكم أهل الشام عمرو بن العاص. وحكم علي بن أبي طالب أبا موسى الأشعري ﵄. وكتبوا بينهم العهود بالرضى بما يحكم به الحكمان. فلما حل الموعد في رمضان توافوا بأذرح، بدومة الجندل. فلم يتفق الحكمان على شيء. وانصرف علي ﵁ إلى العراق، ومعاوية ﵁ إلى الشام. فلما وصل علي الكوفة خرجت عليه الخوارج ; وكفروه حيث رضي بالتحكيم. وقالوا: لا حكم إلا لله. واجتمعوا بحروراء - اسم موضع

стр. 310

بالعراق - فسموا الحرورية، فأرسل علي إليهم عبد الله بن عباس فأتاهم. قال: " فلم أر قوما أسمد اجتهادا منهم ولا أكثر عبادة " فقال ما تنقمون؟ قالوا: ثلاث. إحداهن: أنه حكم الرجال في أمر الله وقد قال الله تعالى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] (١) . والثانية: أنه قاتل ولم يسب ولم يغنم. فإن كانوا مؤمنين، فما حل لنا قتالهم، وإن كانوا كافرين فقد حلت لنا أموالهم وسبيهم. والثالثة: أنه محا نفسه من أمير المؤمنين. فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. فقال لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله الحكم، وحدثتكم من سنة نبيكم ما لا تنكرون أترجعون؟ قالوا: نعم. فقلت: أما قولكم: إنه حكم الرجال في دين الله، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]- إلى قوله - ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] (٢) وقال تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] (٣) أنشدكم الله أفتحكيم الرجال في إصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم وأموالهم أحق، أم في أرنب ثمنها ربع درهم أو بضع امرأة؟ فقالوا: اللهم بلى، في حقن دمائهم وإصلاح ذات بينهم. فقلت: أخرجت من هذه؟ فقالوا: اللهم نعم.

стр. 311

وأما قولكم: إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم وتستحلون منها ما تستحلونه من غيرها؟ فإن قلتم: نعم فقد كفرتم. وإن زعمتم أنها ليست لكم بأم فقد كفرتم؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١) فإن كنتم تترددون بين ضلالتين فاختاروا أيتهما شئتم. أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم. قال: وأما قولكم: إنه محا نفسه من " أمير المؤمنين " فإن النبي ﷺ يوم الحديبية - أراد أن يكتب بينه وبين قريش في الصلح. فقال لعلي " اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال امح يا علي. واكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله لا أمحوك أبدا. قال: فأرني موضعه فأراه ذلك. فمحاه رسول الله ﷺ بيده " فوالله لرسول الله ﷺ أفضل من علي. أخرجت من هذه؟ قالوا: اللهم نعم ". فرجع منهم أربعة آلاف، وخرج عليه باقيهم. فقاتلوه فقتل منهم مقتلة عظيمة. وأمر بالتماس المخدج ذي الثدية. فلما وجده سجد لله شكرا. وفي هذه السنة مات خباب بن الأرت، وخزيمة ذو الشهادتين وسفينة مولى رسول الله ﷺ وعبد الله بن سعد بن أبي السرح ﵃. [حوادث سنة ثمان وثلاثين] حوادث سنة ثمان وثلاثين ثم دخلت السنة الثامنة والثلاثون. فيها: قتل محمد بن أبي بكر وأحرق.

стр. 312

وفيها: مات سهل بن حنيف، وصهيب الرومي. [حوادث سنة أربعين] حوادث سنة أربعين (١) وفيها: كتب معاوية إلى علي: " أما إذا شئت فلك العراق. ولي الشام. ونكف السيف عن هذه الأمة. ولا نهريق دماء المسلمين " ففعل. وتراضيا ﵄ على ذلك. وفيها: قتل علي ﵁. قتله ابن ملجم - رجل من الخوارج - لما خرج لصلاة الصبح لثلاث عشرة ليلة بقيت من رمضان. فبايع الناس ابنه الحسن. فبقي خليفة نحو سبعة أشهر. ثم سار إلى معاوية. فلما التقى الجمعان علم الحسن أن لن تغلب إحدى الفئتين حتى يذهب أكثر الأخرى. فصالح معاوية. وترك الأمر له وبايعه على أشياء اشترطها. فأعطاه معاوية إياها وأضعافها. وجرى مصداق ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال في الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» . وصح عنه أنه قال في الخوارج: " يخرجون على حين فرقة بين الناس تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق ". وصح عنه ﷺ في أحاديث كثيرة أنه نهى عن القتال في الفتنة. وأخبر ﷺ بوقوعها. وحذر منها. فحصل بمجموع ما ذكرنا: أن الصواب مع سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وأكثر الصحابة الذين قعدوا واعتزلوا الطائفتين.

стр. 313

وأن علي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه. وأن الفريقين كلهم لم يخرجوا من الإيمان. وأن الذين خرجوا من الإيمان إنما هم أهل النهروان. وأن ما فعل الحسن بن علي ﵄: أحب إلى الله مما فعل أبوه علي لأن رسول الله ﷺ لا يمدحه على ترك واجب أو مستحب. وأجمع أهل السنة على السكوت عما شجر بين الصحابة ﵃. ولا يقال فيهم إلا الحسنى. فمن تكلم في معاوية أو غيره من الصحابة فقد خرج عن الإجماع. والله أعلم. وكان هذا العام يسمى عام الجماعة لاجتماع المسلمين فيه على إمام واحد بعد الفرقة. وهو عام إحدى وأربعين في ربيع الأول. فاجتمعوا على معاوية ﵁ ودعي من يومئذ أمير المؤمنين. ورجع الحسن بن علي ﵄ إلى المدينة. [حوادث سنة سنة اثنتين وأربعين] ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين فيها مات عمرو بن العاص ﵁ بمصر، وهو واليها. [حوادث سنة ثلاث وأربعين] ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين فيها مات عبد الله بن سلام ﵁. [حوادث سنة أربع وأربعين] ثم دخلت سنة أربع وأربعين فماتت فيها أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين ﵄. [حوادث سنة خمس وأربعين] ثم دخلت سنة خمس وأربعين

стр. 314

فماتت فيها حفصة بنت عمر أم المؤمنين، وزيد بن ثابت ﵄. [حوادث سنة ست وأربعين] ثم دخلت سنة ست وأربعين فمات فيها محمد بن مسلمة، ﵁. [حوادث سنة سبع وأربعين] ثم دخلت سنة سبع وأربعين فمات فيها قيس بن عاصم ﵁. [حوادث سنة تسع وأربعين] حوادث سنة تسع وأربعين ثم دخلت سنة تسع وأربعين. وفيها: كانت غزوة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الروم، حتى بلغ قسطنطينية. ومعه ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير. وأبو أيوب الأنصاري. وفيها: مات الحسن بن علي، وجويرية بنت الحارث أم المؤمنين، وصفية بنت حيي أم المؤمنين، وجبير بن مطعم، وحسان بن ثابت، ودحية بن خليفة الكلبي، وكعب بن مالك، وعمرو بن أمية الضمري، وعقيل بن أبي طالب، وعتبان بن مالك، والمغيرة بن شعبة. ﵃ أجمعين. [حوادث سنة إحدى وخمسين] ثم دخلت سنة إحدى وخمسين فمات فيها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وجرير بن عبد الله البجلي. ﵃.

стр. 315

[حوادث سنة اثنتين وخمسين] ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين فمات فيها أبو أيوب زيد بن خالد الأنصاري غازيا، ودفن عند سور القسطنطينية. وكان النصارى يستسقون بقبره ﵁. وبرأه الله من عقائد النصارى. ومات بها أبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين ﵄. [حوادث سنة ثلاث وخمسين] ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين فمات فيها صعصعة بن ناجية الصحابي الذي يقال إنه أحيا أربعمائة موءودة في الجاهلية، وزياد بن سمية ﵃. [حوادث سنة أربع وخمسين] ثم دخلت سنة أربع وخمسين فماتت فيها سودة بنت زمعة أم المؤمنين، وأبو قتادة الأنصاري، وحكيم بن حزام ﵃. [حوادث سنة خمس وخمسين] ثم دخلت سنة خمس وخمسين فمات فيها سعد بن مالك، والأرقم بن أبي الأرقم - الذي كان رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام مختبئا في داره -، وسحبان وائل البليغ الذي يضرب به المثل في الفصاحة. [حوادث سنة ست وخمسين] ثم دخلت سنة ست وخمسين فدعا فيها معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد. [حوادث سنة سبعة وخمسين] ثم دخلت سنة سبع وخمسين فمات فيها عثمان بن حنيف ﵁.

стр. 316

[حوادث سنة ثمان وخمسين] ثم دخلت سنة ثمان وخمسين فمات فيها سعيد بن العاص - أحد الأجواد السبعة - وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عباس - أحد الأجواد السبعة ﵃. [حوادث سنة ستين] حوادث سنة ستين ثم دخلت سنة ستين: فمات فيها معاوية بن أبي سفيان. وصح أن أبا هريرة مات قبلها بسنة وأنه كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين، وإمارة الصبيان ". واستخلف معاوية ابنه يزيد فجرت الفتنة الثانية. ولم تزل الفتنة قائمة سنين، حتى اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان. فأول ما جرى في أيام يزيد مقتل الحسين بن علي ﵄ وأهل بيته في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. ثم بعدها جرت وقعة الحرة العظيمة بالمدينة قتلوا أهلها. وأباحوها ثلاثة أيام. ثم بعد ذلك توجهوا إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير ﵄. فحاصروها، فلم يزالوا محاصريها حتى بلغهم موت يزيد. فلما مات يزيد افترق الناس افتراقا كثيرا. كما قيل: وتشعبوا شعبا بكل جزيرة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر وثبت مروان بالشام، وخرج المختار بن أبي عبيد الثقفي المبير المفسد بالعراق، ونجدة بن عويمر باليمامة. والمشهور بأمير المؤمنين في هذه السنين عبد الله بن الزبير بمكة. وبايع

стр. 317

له أكثر الناس. فلما مات مروان تولى بعده ابنه عبد الملك سنة خمس وستين. ولما تولى تصدى لحرب عبد الله بن الزبير. فجرى بينهما ما يطول ذكره، وآخره أنه وجه لقتال ابن الزبير جيشا عليهم الحجاج بن يوسف الثقفي، فحصره بمكة ثم قتله ﵁ سنة ثلاث وسبعين. فاجتمع الناس بعده على عبد الملك بن مروان. فلم يزل واليا كذلك إلى سنة ست وثمانين. فمات واستخلف ولده الوليد. فبقي في الخلافة سبع سنين وأشهرا. وفي أيامه مات أنس بن مالك ﵁، والحجاج بن يوسف. ثم ولي بعده أخوه سليمان بن عبد الملك. فبقي سنتين وأشهرا. واستخلف عمر بن عبد العزيز. فبايعه الناس سنة تسع وتسعين في صفر. فسار ﵀ سيرة الخلفاء الراشدين. وأحيا السنن وأمات البدع. وبقي في الخلافة رشيدا مهديا سنتين وأشهرا، ومات في رجب سنة إحدى ومائة. ومات في أيامه ابنه عبد الملك. وكان يشبه أباه رحمهما الله. ثم تولى بعده يزيد بن عبد الملك. فبقي أربع سنين وشهرا واحدا. وتوفي سنة خمس ومائة. ثم تولى بعده أخوه هشام بن عبد الملك. فبقي تسعة عشر سنة وأشهرا.

стр. 318

وفي خلافته ظهر الجعد بن درهم أول من قال بخلق القرآن. وأظهره في دمشق. فطلبه بنو أمية. فهرب منهم إلى الكوفة. فلما أظهر قوله هناك أخذه خالد بن عبد الله القسري. قتله يوم عيد الأضحى من سنة أربع وعشرين ومائة. خطب الناس، فقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم. فإني مضح بالجعد بن درهم. إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا. ولم يكلم موسى تكليما. تعالى الله عما قال الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر. وتوفي هشام بن عبد الملك سنة خمس وعشرين ومائة. ثم تولى بعده ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فبقي سنة أو أقل أو أكثر. ثم قتل سنة ست وعشرين ومائة. ثم تولى بعده ابن عمه يزيد بن الوليد بن عبد الملك. فبقي خمسة أشهر وتوفي في ذي القعدة - أو في أول ذي الحجة - من سنة ست وعشرين ومائة. وبعده انقضت الخلافة التامة. ولم تجتمع الأمة بعده على إمام واحد إلى اليوم، وهو آخر الخلفاء الاثني عشر الذين ذكرهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لا يزال أمر هذه الأمة عزيزا ينصرون على من ناوأهم إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش» . وفي لفظ لمسلم: «إن هذا الأمر لا ينقص حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» . وعند البزار: «لا يزال أمر أمتي قائما، حتى يمضي اثنا عشرة خليفة» .

стр. 319

وفي لفظ: «لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة» . وعند أبي داود: «قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال ثم يكون الهرج» . فلما مات يزيد طلب الأمر أخوه إبراهيم. فبايعه أخوه. ولم ينتظم له أمر. فطلب الأمر مروان بن محمد بن مروان - الذي يقال له مروان الحمار - فبايعه بعض الناس في صفر سنة سبع وعشرين ومائة. ولم يزل في حروب وتخبيط إلى آخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة - يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة - فقتل في كنيسة أبي صير. وكانت مدة خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام. وهو آخر من ولي الخلافة من بني أمية. [دولة بني العباس] دولة بني العباس ثم قامت دولة بني العباس. وفي هذه السنين وقعت الفتنة الثالثة التي لم يرقع الخرق بعدها إلى اليوم. فأول من قام من بني العباس السفاح واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فبقي نحو ست سنين ثم مات. وعهد إلى أخيه المعروف بالمنصور. فبقي فيها اثنتين وعشرين سنة ثم توفي. وعهد إلى ابنه المعروف بالمهدي فبقي نحو عشر سنين ثم مات. وقام بعده ابنه موسى، المسمى بالهادي. فبقي سنة وشهرا، ثم توفي.

стр. 320

وقام بعده أخوه هارون المسمى بالرشيد فبقي أكثر من عشرين سنة ثم مات. وقام بعده ابنه المسمى بالأمين - وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور - وبقي نحو ثلاث سنين. ثم قتله عسكر أخيه المأمون. وقام بعده المأمون. وهو الذي جر على المسلمين كثيرا من الفتن في العقائد. فترجم كتب اليونان في الفلسفة. وأظهر القول بخلق القرآن وألزم الناس القول به، وامتحن الإمام أحمد وغيره من الأئمة ﵏ في ذلك. [بدء تأليف الكتب] بدء تأليف الكتب في أيام عمر بن عبد العزيز: كتب إلى أبي بكر بن حزم بالمدينة: " انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاجمعه، فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء ". وفي أيام المنصور شرع العلماء في تصنيف كتب التفسير والحديث. فصنف ابن جريج بمكة ومالك بن أنس بالمدينة وأبو عمرو الأوزاعي بالشام وحماد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة. ومعمر بن المثنى باليمن. وصنف محمد بن إسحاق المغازي. وصنف أبو حنيفة النعمان بن ثابت الرأي. وقبل هذا: كان الأئمة يتكلمون من حفظهم ويرون العلم صحفا غير مرتبة. والله أعلم.
следующие страницы →