← Сира

Сира · id 31465

مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبد الوهاب

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (321 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[صنم مناة] صنم مناة ومن أقدم أصنامهم: منَاة. وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشَلّل بقديد، بين مكة والمدينة. وكانت العرب تعظمه قاطبة، ولم يكن أحد أشد تعظيمًا له من الأوس والخزرج، وبسبب ذلك أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] (١) الآية فبعث رسول الله ﷺ عليا ﵁ فهدمها عام الفتح. [صنم اللات] صنم اللات ثم اتخذوا اللات في الطائف، قيل: إن أصل ذلك رجل كان يَلُت السويق للحاج، فمات. فعكفوا على قبره. وكانت صخرة مربعة، وكان سدنتها ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها بيتًا. فكان جميع العرب يعظمونها، وكانت العرب تسمي زيد اللات، وتيم اللات. وهي في موضع منارة مسجد الطائف. فلما أسلمت ثقيف، بعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها، وحرقها بالنار. [صنم العزى] صنم العزى ثم اتخذوا العُزَّى. وهي أحدث من اللات. وكانت بوادي نخلة. فوق ذات عرق. وبثوا عليها بيتًا. وكانوا يسمعون منها الصوت. وكانت قريش تعظمها. فلما فتح رسول الله ﷺ مكة، بعث خالد بن الوليد فأتاها

стр. 72

فعضدها، وكانت ثلاث سمُرات. فلما عضد الثالثة: فإذا بحبشية نافشة شعرها، واضعة يدها على عاتقها، تضرب بأنيابها. وخلفها سادنها، فقال خالد: يا عزُّ كُفرانك لا سُبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة. ثم قتل السادن. [صنم هبل] صنم هبل وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها. وأعظمها: هُبَل، وكان من عقيق أحمر على صورة الإنسان. وكانوا إذا اختصموا، أو أرادوا سفرًا: أتوه فاستقسموا بالقداح عنده. وهو الذي قال فيه أبو سفيان يوم أحد: " اعْلُ هبل " فقال رسول الله ﷺ «قولوا: الله أعلى وأجل» . وكان لهم إساف ونائلة، قيل: أصلهما أن إسافا رجل من جرهم، ونائلة امرأة منهم، فدخلا البيت، ففجر بها فيه. فمسخهما الله فيه حجرين، فأخرجهما فوضعوهما ليتعظ بهما الناس، فلما طال الأمد وعبدت الأصنام: عبدا. [ذو الخلصة] ذو الخلصة وكان لخَثْعَم وبجِيلة صنم يقال له: ذو الخَلَصة، بين مكة والمدينة. فقال رسول الله ﷺ لجرير بن عبد الله البجلي: ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فسار إليه بأحمس. فقاتلته همدان، فظفر بهم وهدمه. وكان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام. وكان لأهل كل واد بمكة صنم، إذا أراد أحدهم سفرًا كان آخر ما

стр. 73

يصنع في منزله أن يتمسح به. [صنم عم أنس] صنم عم أنس قال ابن إسحاق: وكان لخولان صنم يقال له: عَمّ أنس، وفيهم أنزل الله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] (١) . فلما بعث الله محمدًا ﷺ بالتوحيد، قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت. وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة. ولما فتح رسول الله ﷺ مكة: وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا. فجعل يطعن في وجوهها وعيونها، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] وهي تتساقط على رءوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحُرِّقت. [بدء الوحي] رجعنا إلى سيرته ﷺ فنقول: بدء الوحي في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: «أول ما بُدِئ برسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل

стр. 74

فَلَق، الصبح ثم حُبِّب إليه الخلاء. فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد. قبل أن يَنْزع إلى أهله. ويتزود لذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجَهْد. ثم أرسلني. فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني الثالثة فغطّني الثالثة. ثم أرسلني، فقال لي في الثالثة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١ - ٣] (١) فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، حتى دخل على خديجة بنت خويلد. فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله، ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتُكْسِب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى - ابن عم خديجة - وكان قد تنصر في الجاهلية. وكان يكتب الكتاب العبراني. فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك؟ قال: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي. وإن يُدْرِكْني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.

стр. 75

ثم أنشد ورقة: لججت , وكنت في الذكرى لجوجًا ... لهمّ طالما بعث النشيجا ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي ... حديثَك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قُس ... من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدًا سيسود قومًا ... ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... شهدت وكنت أولهم ولوجا ولوجًا بالذي كرهت قريش ... ولو عَجّت بمكتها عجيجا أرَجّي بالذي كرهوا جميعا ... إلى ذي العرش -إن سفلوا- عروجا وهل أمر السفالة غير كفر ... بمن يختار من سَمَك البروجا فإن يبقوا وأبقَ تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة خروجا فلم يلبث ورقة أن توفي، وفتر الوحي. حتى حزن رسول الله ﷺ حزنا شديدا. حتى كان يذهب إلى رءوس شواهق الجبال، يريد أن يلقي بنفسه منها، كلما أوفى بذروة جبل تَبَدَّى له جبريل ﵇، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا " فيسكن لذلك جأشه، وتَقَر نفسه،

стр. 76

فيرجع، فإذا طال عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل، فيقول له ذلك. فبينما هو يوما يمشي إذ سمع صوتا من السماء. قال: فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرُعبت منه، فرجعت إلى أهلي، فقلت: دثروني. دثروني. فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] (١) فحمي الوحي وتتابع.» [أنواع الوحي] أنواع الوحي وكان الوحي الذي يأتيه ﷺ أنواعا: أحدها: الرؤيا. قال عبيد بن عمر: " رؤيا الأنبياء وحي " ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (٢) . الثاني: ما كان الملك يلقيه في رُوعه - أي قلبه - من غير أن يراه، كما قال ﷺ : «إن روح القدس نَفَث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله. فإن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته» . الثالث: أن الملك يتمثل له رجلا فيخاطبه. وفي هذه المرتبة: كان يراه الصحابة أحيانا. الرابع: أنه كان يأتيه مثل صلصلة الجرس، وهو أشد عليه. فيلتبس به الملك. حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد. وحتى إن

стр. 77

راحلته لتبرك به إلى الأرض. وجاءه مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فكادت تُرَض. الخامس: أن يأتيه الملك في الصورة التي خلق عليها. فيوحي إليه ما شاء الله. وهذا وقع مرتين، كما ذكر الله سبحانه في سورة النجم. السادس: ما أوحاه الله له فوق السموات ليلة المعراج، من فرض الصلاة وغيرها. قال ابن القيم ﵀: أول ما أوحى إليه ربه: أن يقرأ باسم ربه الذي خلق. وذلك أول نبوته ﷺ . فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره بالتبليغ. ثم أنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] (١) فنبأه باقرأ، وأرسله ب: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ثم أمره: أن ينذر عشيرته الأقربين. ثم أنذر قومه. ثم أنذر من حولهم من العرب. ثم أنذر العرب قاطبة. ثم أنذر العالمين. فأقام بضع عشرة سنة ينذر بالدعوة من غير قتال ولا جزية. ويأمره الله بالكف والصبر. ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن لم يقاتله. ثم أمره بقتال المشركين، حتى يكون الدين كله لله. [أول من آمن] أول من آمن ولما دعا إلى الله: استجاب له عباد من كل قبيلة. فكان حائز السبق: صديق الأمة أبا بكر ﵁. فوازره في دين الله. ودعا معه إلى الله. فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد ﵃.

стр. 78

وبادر إلى استجابته أيضًا صديقة النساء خديجة ﵂. وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب ﵁. وكان ابن ثمان سنين، وقيل: أكثر. إذ كان في كفالة رسول الله ﷺ ، أخذه من عمه. [شأن زيد بن حارثة] شأن زيد بن حارثة وبادر زيد بن حارثة ﵁، حِب رسول الله ﷺ ، وكان غلاما لخديجة، فوهبته لرسول الله ﷺ لمّا تزوجها. «وقدم أبوه حارثة وعمه في فدائه، فقالا للنبي ﷺ : يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تَفُكُّون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ابننا عبدِك. فأحسن لنا في فدائه. فقال ﷺ : فهل غير ذلك؟ فقالوا: وما هو؟ قال: أدعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو لكم. وإن اختارني: فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني" قالوا: قد زدتنا على النّصَف، وأحسنت. فدعاه. فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم أبي وعمي. قال: فأنا من قد علمت. وقد رأيت صحبتي لك. فاخترني، أو اخترهما. فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا. أنت مني مكان أبي وعمي. فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية. وعلى أبيك وعمك، وأهل بيتك؟ قال: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك خرج إلى الحِجْر. فقال: أشهدكم أن زيدا ابني، أرثه ويرثني فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما. فانصرفا. ودُعِيَ: زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام فنزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] (١) » قال الزهري: ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد.

стр. 79

وأسلم ورقة بن نوفل. وفي جامع الترمذي: " أن النبي ﷺ «رآه في المنام في هيئة حسنة» . ودخل الناس في دين الله واحدا بعد واحد. وقريش لا تنكر ذلك، حتى بادأهم بعيب دينهم وسب آلهتهم (١) وأنها لا تضر ولا تنفع. فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة. فحمى الله رسوله بعمه أبي طالب. لأنه كان شريفا معظما. وكان من حكمة أحكم الحاكمين: بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها. وأما أصحابه: فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب. منهم: عمار بن ياسر، وأمه سُمَيّة، وأهل بيته. عُذِّبوا في الله. وكان رسول الله ﷺ إذا مرّ بهم - وهم يعذبون - يقول: «صبرا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة» . [سمية أول شهيدة] سمية أول شهيدة ومرَّ أبو جهل بسُمَيّة - أم عمار ﵄ وهي تعذب، وزوجها وابنها. فطعنها بحربة في فرجها فقتلها.

стр. 80

وكان الصديق إذا مرَّ بأحد من العبيد يعذب اشتراه وأعتقه. منهم بلال. فإنه عذب في الله أشد العذاب. ومنهم عامر بن فُهَيرة، وجارية لبني عدي، كان عمر يعذبها على الإسلام. فقال أبو قحافة - عثمان بن عامر - لابنه أبي بكر: يا بني، أراك تعتق رقابا ضعافا. فلو أعتقت قومًا جلدًا يمنعونك؟ فقال: إني أريد ما أريد. وكان بلال كلما اشتد به العذاب يقول: أحد، أحد. [ابتداء الدعوة] ابتداء الدعوة وقال الزهري: لما ظهر الإسلام، أتى جماعة من كفار قريش إلى من آمن من عشائرهم، فعذبوهم وسجنوهم، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. قال الترمذي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمرو بن قتادة ويزيد بن رومان وغيرهم. قالوا: «قام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث سنين مستخفيا. تم أعلن في الرابعة. فدعا الناس عشر سنين، يوافي المواسم كل عام، يتبع الناس في منازلهم. وفي المواسم بعكاظ، ومِجَنّة، وذي المجاز: يدعوهم أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه. ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره ويحميه. حتى ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة، فيقول: "أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم. فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة" وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه. فإنه صابئ كذاب، فيردون على رسول الله ﷺ أقبح الرد. ويؤذونه، ويقولون: عشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك. وهو يقول: اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا ولما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صعد الصفا فنادى: واصباحاه. فلما

стр. 81

اجتمعوا إليه قال: لو أخبرتكم أن خيلا تريد أن تخرج عليكم من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢] » (١) . قال ابن القيم ﵀: دعا رسول الله ﷺ إلى الله مستخفيًا ثلاث سنين، ثم نزل عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] (٢) . [أول دم أهريق] أول دم أهريق وفي السنة الرابعة: ضرب سعد بن أبي وقاص رجلًا من المشركين فشَجّه. وذلك: أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجتمعون في الشعاب، فيصلون فيها. فرآهم رجل من الكفار، ومعه جماعة من قريش، فسبوهم. وضرب سعد بن أبي وقاص رجلًا منهم، فسال دمه. فكان أول دم أهريق في الإسلام. [استهزاء المشركين] استهزاء المشركين وكان النبي ﷺ إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه - مثل عمار بن ياسر، وخَبّاب بن الأرَتِّ، وصُهيب الرومي، وبلال، وأشباههم - فإذا مرت بهم قريش استهزءوا بهم، وقالوا: أهؤلاء - جلساؤه - قد من الله عليهم من بيننا؟ فأنزل الله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] (٣) وفيهم نزل:

стр. 82

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١] (١) وقال أبو جهل: والله لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأنَّ على رقبته. فبلغه أن رسول الله يصلي، فأتاه. فقال: ألم أَنْهَك عن الصلاة؟ فانتهره رسول الله ﷺ . فقال: أَتَنْتَهِرني، وأنا أعز أهل البطحاء؟ فنزل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى - عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] (٢) وفي بعض الروايات، أنه قال: ألم أَنهك؟ فوالله ما في مكة أعز من ناديَّ. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: «قال أبو جهل: يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته لأطأن على رقبته. فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، وزعم لَيَطأَنَّ رقبته، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، وقال: بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا" فأنزل الله تعالى: - لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه - ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى - أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] » (٣) . [الهجرة الأولى إلى الحبشة] الهجرة الأولى إلى الحبشة وفي السنة الخامسة: «أمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لما اشتد عليهم العذاب والأذى. وقال: إن فيها رجلا لا يُظلم الناس عنده» . وكانت الحبشة متجر قريش. وكان أهل هذه الهجرة الأولى: اثني عشر

стр. 83

رجلا وأربع نسوة. وكان أول من هاجر إليها: عثمان بن عفان ﵁ ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ . وستر قوم إسلامهم. وممن خرج: الزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو سلمة وامرأته ﵃. خرجوا متسللين سرا، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار. فحملوهم إلى الحبشة، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر. فلم يدركوا منهم أحدًا. وكان خروجهم في رجب. فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان. ثم رجعوا إلى مكة في شوال، لما بلغهم: أن قريشا صافوا رسول الله ﷺ وكَفُّوا عنه. وكان سبب ذلك: أن رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم. فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى - وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] (١) ألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى" فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، وقد علمنا أن الله يخلق ويرزق ويحيي ويميت ولكن آلهتنا تشفع عنده. فلما بلغ السجدة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون كلهم. إلا شيخًا من قريش. رفع إلى جبهته كفا من حصى فسجد عليه. وقال: يكفيني هذا (٢) . فحزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا،

стр. 84

وخاف من الله خوفا عظيما، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الآيات (١) (٢) . ولما استمر النبي ﷺ على سب آلهتهم، عادوا إلى شر مما كانوا عليه، وازدادوا شدة على من أسلم. [الهجرة الثانية إلى الحبشة] الهجرة الثانية إلى الحبشة فلما قرب مهاجرة الحبشة من مكة، وبلغهم أمرهم، توقفوا عن الدخول. ثم دخل كل رجل في جوار رجل من قريش. ثم اشتد عليهم البلاء والعذاب من قريش وسطت بهم عشائرهم، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره. فأذن لهم رسول الله ﷺ في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية. فخرجوا. وكان عدة من خرج في المرة الثانية: ثلاثة وثمانين رجلا - إن كان فيهم عمار بن ياسر - ومن النساء تسع عشر امرأة. فلما سمعوا بمهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، ومن النساء ثمان. ومات منهم رجلان بمكة. وحبس سبعة. وشهد بدرًا منهم أربعة وعشرون رجلا.

стр. 85

[كتاب رسول الله ﷺ إلى النجاشي يزوجه أم حبيبة] كتاب رسول الله ﷺ إلى النجاشي يزوجه أم حبيبة فلما كان شهر ربيع سنة سبع من الهجرة. كتب رسول الله ﷺ كتابا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام. وكتب إليه: أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان. وكانت مهاجرة مع زوجها عبد الله بن جحش. فتنصر هناك ومات نصرانيا. وكتب إليه أيضًا: أن يبعث إليه من بقي من أصحابه. فلما قرأ الكتاب أسلم. وقال: لو قدرت أن آتيه لأتيته. وزوجه أم حبيبة، وأصدقها عنه أربعمائة دينار. وحمل بقية أصحابه في سفينتين. فقدموا على رسول الله ﷺ بخيبر، وقد فتحها. [بعث قريش إلى النجاشي تطلب إرجاع المسلمين] بعث قريش إلى النجاشي تطلب إرجاع المسلمين ولما كان بعد بدر: اجتمعت قريش في دار الندوة. وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي ثأرًا. فاجمعوا مالا، وأهدوه إلى النجاشي، لعله يدفع إليكم من عنده ولْنَنْتَدِبْ لذلك رجلين من أهل رأيكم. فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد (١) مع الهدية. فركبا البحر. فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وسلما عليه. وقالا: قومنا لك ناصحون، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك لأنهم قوم اتبعوا رجلا كذابًا. خرج فينا يزعم أنه رسول الله، ولم يتبعه إلا السفهاء فضيقنا عليهم، وألجأناهم إلى شعب بأرضنا، لا يخرج منهم أحد ولا يدخل عليهم أحد. فقتلهم الجوع والعطش. فلما اشتد عليهم الأمر، بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك. فاحذرهم. وادفعهم إلينا لنكفيكهم، وآية ذلك: أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك، ولا

стр. 86

يحيونك بالتحية التي تحيَّى بها، رغبة عن دينك. فدعاهم النجاشي. فلما حضروا صاح جعفر بن أبي طالب بالباب "يستأذن عليك حزب الله" فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه. ففعل. قال: نعم. فليدخلوا بإذن الله وذمته. فدخلوا ولم يسجدوا له. فقال: ما منعكم أن تسجدوا لي؟ قالوا: إنما نسجد لله الذي خلقك وملكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان. فبعث الله فينا نبيا صادقًا. وأمرنا بالتحية التي رضيها الله. وهي " السلام " تحية أهل الجنة. فعرف النجاشي أن ذلك حق، وأنه في التوراة والإنجيل. فقال: أيكم الهاتف يستأذن؟ فقال جعفر: أنا. قال: فتكلم. قال: إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم. وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي. فأمُرْ هذين الرجلين فليتكلم أحدهما، فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلم. فقال جعفر للنجاشي: سله، أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدًا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم. فقال عمرو: بل أحرار كرام. فقال: هل أهرقنا دمًا بغير حق فيقتص منا؟ قال عمرو: ولا قطرة. فقال: هل أخذنا أموال الناس بغير حق، فعلينا قضاؤها؟ فقال عمرو: ولا قيراطًا. فقال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال: كنا نحن وهم على أمر واحد،

стр. 87

على دين آبائنا. فتركوا ذلك واتبعوا غيره. فقال النجاشي: ما هذا الذي كنتم عليه، وما الذي اتبعتموه؟ قل واصْدُقني. فقال جعفر: أما الذي كنا عليه فتركناه وهو دين الشيطان: كنا نكفر بالله، ونعبد الحجارة. وأما الذي تحولنا إليه: فدين الله الإسلامُ، جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقًا له. فقال: تكلمت بأمر عظيم. فعلى رِسْلك. ثم أمر بضرب الناقوس، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب. فقال لهم: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا؟ قالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى، وقال: مَن آمن به فقد آمن بي، ومن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر ﵁: ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ . فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمرنا بالمعروف، وينهانا عن المنكر. ويأمرنا بحسن الجوار، وصلة الرحم، وبر اليتيم. ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ مما يقرأ عليكم. فقرأ سورتي العنكبوت والروم. ففاضت عينا النجاشي من الدمع. فقال: زدنا من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. فأراد عمرو أن يُغْضِب النجاشي. فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه.

стр. 88

فقال: ما تقولون في عيسى وأُمه؟ فقرأ عليهم سورة مريم. فلما أتى على ذكر عيسى وأمه: رفع النجاشي بقَشّةٍ من سواكه قدر ما يقذِي العين. فقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون نقيرًا. وفيه نزل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ - وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣ - ٨٤] الآيات (١) . فأقبل النجاشي على جعفر. ثم قال: اذهبوا فأنتم سُيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سَبّكم غرم. فلا هوادة (٢) اليوم على حزب إبراهيم. [موت النجاشي] موت النجاشي «ولما مات النجاشي، خرج رسول الله ﷺ فصلى عليه كما يصلي على الجنائز. فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة. فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية» (٣) . وقيل: إن إرسال قريش في طلبهم كان قبل الهجرة إلى المدينة. وفي سنة خمس من النبوة استتر رسول الله ﷺ في دار الأرقم بن أبي الأرقم.

стр. 89

[إسلام حمزة بن عبد المطلب] إسلام حمزة بن عبد المطلب وفي السنة السادسة، أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر. قال ابن إسحاق: مر أبو جهل برسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه ونال منه، ورسول الله ﷺ ساكت. فقام رسول الله ﷺ ودخل المسجد. وكانت مولاة لعبد الله بن جعدان في مسكن لها على الصفا، تسمع ما يقول أبو جهل. وأقبل حمزة من القَنص متوشحًا قوسه. وكان يسمى: أَعَزَّ قريش. فأخبرته مولاة ابن جدعان بما سمعت من أبي جهل. فغضب. ودخل المسجد - وأبو جهل جالس في نادي قومه - فقال له حمزة: يا مُصَفّر استه. تشتم ابن أخي وأنا على دينه؟ ثم ضربه بالقوس فشَجّه مُوضِحة. فثار رجال من بني مخزوم. وثار بنو هاشم. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة. فإني سببت ابن أخيه سبا قبيحًا. فعلمت قريش أن رسول الله ﷺ قد عَزَّ. فكفوا عنه بعض ما كانوا ينالون منه. [إسلام عمر ﵁] إسلام عمر ﵁ وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: إما عمر بن الخطاب، أو أبي جهل بن هشام " فكان أحبهما إلى الله: عمر ﵁» (١) . وروي عن ابن عباس ﵄: أنه قال لعمر ﵁: «لم سميت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام. ثم شرح الله

стр. 90

صدري للإسلام. وأول شيء سمعته من القرآن وَوَقَر في صدري: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] (١) فما في الأرض نسمة أحب إليَّ من نسمة رسول الله ﷺ . فسألت عنه؟ فقيل لي: هو في دار الأرقم. فأتيت الدار - وحمزة في أصحابه جلوسًا في الدار، ورسول الله ﷺ في البيت - فضربت الباب، فاستجمع القوم. فقال لهم حمزة: ما لكم؟ فقالوا: عمر، فخرج رسول الله ﷺ . فأخذ بمجامع ثيابي. ثم نترني نترة لم أتمالك أن وقعت على ركبتي. فقال: ما أنت بمنته يا عمر؟ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد. فقلت: يا رسول الله، ألسنا على الحق، إن متنا أو حيينا؟ قال: بلى. فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن، فخرجنا في صفين. حمزة في صف، وأنا في صف - له كديد ككديد الطحن - حتى دخلنا المسجد. فلما نظرت إلينا قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها قط. فسماني رسول الله ﷺ : الفاروق» . وقال صهيب: لما أسلم عمر ﵁ جلسنا حول البيت حِلقًا، فطفنا واستنصفنا مما غلظ علينا. [حماية أبي طالب لرسول الله ﷺ ] حماية أبي طالب لرسول الله ﷺ ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ يتزايد أمره ويقوى، ورأوا ما صنع أبو طالب به. مشوا إليه بعمارة بن الوليد. فقالوا: يا أبا طالب، هذا أنهد فتى في قريش وأجمله. فخذه وادفع إلينا هذا الذي خالف دينك ودين آبائك فنقتله، فإنما هو رجل برجل. فقال: بئسما تسومونني، تعطوني

стр. 91

ابنكم أربيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه؟ فقال المطعم بن عدي بن نوفل: يا أبا طالب، قد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص منك بكل طريق. قال: والله ما أنصفتموني، ولكنك أجمعت على خذلاني، فاصنع ما بدا لك. وقال أشراف مكة لأبي طالب: إما أن تُخلي بيننا وبينه فنكفيكه. فإنك على مثل ما نحن عليه أو أجمع لحربنا. فإنا لسنا بتاركي ابن أخيك على هذا، حتى نهلكه أو يكف عنا، فقد طلبنا التخلص من حربك بكل ما نظن أنه يخلص. فبعث أبو طالب إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: يابن أخي، إن قومك جاءوني، وقالوا كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني ما لا أطيق أنا ولا أنت. فاكْفُفْ عن قومك ما يكرهون من قولك. فقال ﷺ : «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يُظهره الله، أو أهلك في طلبه" فقال: امض على أمرك، فوالله لا أسلمك أبدًا» . ودعا أبو طالب أقاربه إلى نصرته فأجابه بنو هاشم وبنو المطلب، غير أبي لهب، وقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر وقَرَّ بذاك منك عيونا ودعوتني , وعرفتُ أنك ناصحي ... ولقد صَدَقْتَ , وكنتَ ثمَّ أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا

стр. 92

لولا الملامة أو حِذار مسبة ... لوجدتني سمحًا بذاك مبينا [حصار بني هاشم في الشعب] حصار بني هاشم في الشعب ولما اجتمعوا - مؤمنهم وكافرهم - على منع رسول الله ﷺ : اجتمعت قريش. فأجمعوا أمرهم على ألّا يجالسوهم، ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم. حتى يُسلِموا رسول الله ﷺ للقتل. وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق " ألّا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل " فأمرهم أبو طالب أن يدخلوا شعبه فلبثوا فيه ثلاث سنين. واشتد عليهم البلاء وقطعوا عنهم الأسواق. فلا يتركون طعامًا يدخل مكة، ولا بيعًا إلا بادروا فاشتروه. ومنعوه أن يصل شيء منه إلى بني هاشم. حتى كان يسمع أصوات نسائهم يتضاغون من وراء الشِّعْب من الجوع. واشتدوا على من أسلم ممن لم يدخل الشعب، فأوثقهم. وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدًا، وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم. أمر رسول الله ﷺ أن يضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد اغتياله. فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ . وأمره أن يأتي أحد فُرُشهم. وفي ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة التي قال فيها: ولما رأيت القوم لا وُدَّ فيهمو ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول

стр. 93

وأحضرت عند البيت رهطي وأسرتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمغيظة ... ومن ملحق في الدين ما لم يحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق ليرقى في حراء ونازل وبالبيت - حق البيت - من بطن مكة ... وباللَّه إن اللَّه ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه ... إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل وأشواط بين المروتين إلى الصفا ... وما فيهما من صورة وتماثل وبالمشعر الأقصى , إذا عمدوا له ... إلالٍ إلى مفضي الشراج القوابل ومن حج بيت اللَّه من كل راكب ... ومن كل ذي نذر ومن كل راجل وليلة جمع والمنازل من منى ... وهل فوقها من حرمة ومنازل؟ فهل بعد هذا من معاذ لعائذ؟ ... وهل من معيذ يتقي اللَّه عادل؟ كذبتم وبيت اللَّه نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم في بلابل

стр. 94

كذبتم وبيت اللَّه نبزي محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن آبائنا والحلائل وينهض قوم في الحديد إليكمو ... نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل وإنا لعمر اللَّه إن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع ... أخي ثقة حامي الحقيقة باسل وما ترك قوم - لا أبا لك - سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في حرمة وفواضل فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح ... حسود كذوب مبغض ذي دغائل ومر أبو سفيان عني معرضا ... كما مر قيل من عظام المقاول تفر إلى نجد وبرد مياهه ... وتزعم أني لست عنك بغافل أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ... ولا معظم عند الأمور الجلائل

стр. 95

أمطعم إن القوم ساموك خطة ... وإني متى أوكل فلست بآكلي جزى اللَّه عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل فعبد مناف أنتمو خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل وكنتم حديثا حطب قدر فأنتمو ال ... آن حطاب أقدر ومراجل فكل صديق وابن أخت نعده ... لعمري وجدنا غبه غير طائل سوى أن رهطا من كلاب بن مرة ... براء إلينا من معقة خاذل ونعم ابن أخت القوم غير مكذب ... زهيرا حساما مفردا من حمائل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد ... وإخوته دأب المحب المواصل فمن مثله في الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل؟ حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل فواللَّه لولا أن أجيء بسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدا , غير قول التهازل لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا , ولا يعنى بقول الأباطل حدبت بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل

стр. 96

[نقض الصحيفة] نقض الصحيفة ثم بعد ذلك مشى هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي. وكان يصل بني هاشم في الشعب خفية بالليل بالطعام - مشى إلى زهير بن أبي أمية المخزومي - وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب - وقال يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب وأخوالك بحيث تعلم؟ فقال ويحك، فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أما واللَّه لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها. قال أنا. قال أبغنا ثالثا. قال أبو البختري بن هشام. قال أبغنا رابعا. قال زمعة بن الأسود. قال أبغنا خامسا. قال المطعم بن عدي. قال فاجتمعوا عند الحجون، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة. فقال زهير أنا أبدأ بها. فجاءوا إلى الكعبة - وقريش محدقة بها - فنادى زهير يا أهل مكة، إنا نأكل الطعام. ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى. واللَّه لا أقعد حتى تشق الصحيفة القاطعة الظالمة. فقال أبو جهل كذبت. واللَّه لا تشق. فقال زمعة أنت واللَّه أكذب. ما رضينا كتابتها حين كتبت. وقال أبو البختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقار عليه. فقال المطعم بن عدي. وكذب من قال غير ذلك. نبرأ إلى اللَّه منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحو ذلك. فقال أبو جهل هذا أمر قد قضي بليل تشوور فيه بغير هذا المكان.

стр. 97

وبعث اللَّه على صحيفتهم الأرضة فلم تترك اسما للَّه إلا لحسته وبقي ما فيها من شرك وظلم وقطيعة وأطلع اللَّه رسوله على الذي صنع بصحيفتهم. فذكر ذلك لعمه. فقال لا، والثواقب ما كذبتني. فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب، حتى أتى المسجد وهو حافل في قريش. فلما رأوهم ظنوا أنهم خرجوا من شدة الحصار وأتوا ليعطوهم رسول اللَّه ﷺ فتكلم أبو طالب. فقال قد حدث أمر. لعله أن يكون بيننا وبينكم صلحا. فأتوا بصحيفتكم - وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها، فلا يأتون بها - فأتوا بها معجبين. لا يشكون أن رسول اللَّه ﷺ مدفوع إليهم قالوا: قد آن لكم أن تفيئوا وترجعوا خطرا لهلكة قومكم. فقال أبو طالب: لأعطينكم أمرا فيه نصف، إن ابني أخبرني - ولم يكذبني - أن اللَّه بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم وأنه محا كل اسم له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم. فإن كان ما قال حقا، فواللَّه لا نسلمه إليكم حتى نموت عن آخرنا. وإن كان الذي يقول باطلا، دفعناه إليكم فقتلتموه. أو استحييتموه. قالوا: قد رضينا. ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر. فقالوا: هذا سحر من صاحبكم فارتكسوا وعادوا إلى شر ما هم عليه. فتكلم عند ذلك النفر الذين تعاقدوا - كما تقدم - وقال أبو طالب شعرا يمدح النفر الذين تعاقدوا على نقض الصحيفة. ويمدح النجاشي، منه: جزى اللَّه رهطا بالحجون تتابعوا ... على ملأ يهدى بحزم ويرشد أعان عليها كل صقر كأنه ... إذا ما مشى في رفرف الدرع أجرد

стр. 98

قعودا لدى جنب الحجون كأنهم ... مقاولة بل هم أعز وأمجد. وأسلم هشام بن عمرو يوم الفتح. وخرج بنو هاشم من شعبهم وخالطوا الناس. وكان خروجهم في سنة عشر من النبوة. ومات أبو طالب بعدها بستة أشهر. [موت خديجة وأبي طالب] موت خديجة وأبي طالب وماتت خديجة أم المؤمنين ﵂ بعد موت أبي طالب بأيام. فاشتد البلاء على رسول اللَّه ﷺ من قومه بعد موت خديجة وعمه وتجرءوا عليه وكاشفوه بالأذى. وأرادوا قتله. فمنعهم الذي من ذلك. قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ " حضرتهم. وقد اجتمع أشرافهم في الحجر. فذكروا رسول اللَّه ﷺ . فقالوا: ما رأينا مثل صبرنا عليه سفه أحلامنا. وشتم آباءنا. وفرق جماعتنا، فبينما هم في ذلك. إذ أقبل. فاستلم الركن. فلما مر بهم غمزوه ". وفي حديث أنه قال لهم في الثانية «لقد جئتكم بالذبح» وأنهم قالوا له يا أبا القاسم ما كنت جهولا. فانصرف راشدا (١) . فلما كان من الغد اجتمعوا فقالوا: ذكرتم ما بلغ منكم حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم كذلك. إذ طلع عليهم فقالوا: قوموا إليه وثبة رجل واحد. فلقد رأيت عقبة بن أبي معيط آخذا بمجامع ردائه وقام أبو بكر دونه وهو يبكي، يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللَّه؟ .

стр. 99

وفي حديث أسماء فأتى الصريخ إلى أبي بكر. فقالوا: أدرك صاحبك فخرج من عندنا وله غدائر أربع فخرج وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي اللَّه؟ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر. فرجع إلينا لا يمس شيئا من غدائر إلا رجع معه. ومرة كان يصلي عند البيت، ورهط من أشرافهم يرونه فأتى أحدهم بسلا جزور. فرماه على ظهره. وكانوا يعلمون صدقه وأمانته. وأن ما جاء به هو الحق. لكنهم كما قال اللَّه تعالى ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] (١) . وذكر الزهري: أن أبا جهل. وجماعة معه وفيهم الأخنس بن شريق، استمعوا قراءة رسول اللَّه ﷺ في الليل فقال الأخنس لأبي جهل يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا. وحملوا فحملنا. وأعطوا فأعطينا. حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان. قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء! فمتى ندرك هذا؟ واللَّه لا نسمع له أبدا. ولا نصدقه أبدا ". وفي رواية " إني لأعلم أن ما يقول حق ولكن بني قصي قالوا: فينا الندوة فقلنا: نعم. قالوا: وفينا الحجابة فقلنا: نعم. قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم. وذكر نحوه ". [سؤالهم عن الروح وأهل الكهف] سؤالهم عن الروح وأهل الكهف وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمره؟ .

стр. 100

قال ابن إسحاق عن ابن عباس: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، إلى أحبار اليهود بالمدينة فقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته. فإنهم أهل الكتاب. وعنده ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألاهم عنه؟ ووصفا لهم أمره. فقالت لهما أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث. فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإلا فهو رجل منقول. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها. فما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فأقبلا، حتى قدما مكة. فقالوا: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد. قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها. فجاءوا رسول اللَّه ﷺ فسألوه عما أخبرهم أحبار يهود. فجاءه جبريل بسورة الكهف فيها خبر ما سألوه عنه. من الفتية والرجل الطواف. وجاءه بقوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]- الآية (١) . قال ابن إسحاق: فافتتح السورة بحمده وذكر نبوة رسوله لما أنكروا عليه من ذلك. فقال ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] (٢) يعني أنك رسول مني، أي تحقيق ما سألوه عنه من نبوتك ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] أي أنزله معتدلا. لا خلاف فيه - وذكر تفسير السورة - إلى أن قال ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] (٣)

стр. 101

أي ما رأوا من قدرتي في أمر الخلائق وفيما وضعت على العباد من حججي ما هو أعظم من ذلك وأعجب. وعن ابن عباس: الذي آتيتك من الكتاب والسنة أعظم من شأن أصحاب الكهف. قال ابن عباس والأمر على ما ذكروا فإن مكثهم نياما ثلاثمائة سنة آية دالة على قدرة اللَّه ومشيئته. وهي آية دالة على معاد الأبدان كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: ٢١] (١) وكان الناس قد تنازعوا في زمانهم هل تعاد الأرواح وحدها؟ أم الأرواح والأبدان؟ فجعلهم اللَّه آية دالة على معاد الأبدان وأخبر النبي ﷺ بقصتهم. من غير أن يعلمه بشر. آية دالة على نبوته. فكانت قصتهم آية دالة على الأصول الثلاثة الإيمان باللَّه ورسوله واليوم الآخر. ومع هذا: فمن آيات اللَّه ما هو أعجب من ذلك. وقد ذكر اللَّه سؤالهم عن هذه الآيات التي سألوه عنها ليعلموا: هل هو نبي صادق. أو كاذب؟ فقال ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٨٣] (٢) إلى قوله - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] وقوله ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]- إلى قوله - ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] (٣) . والقرآن مملوء من إخباره بالغيب الماضي. الذي لا يعلمه أحد من

стр. 102

البشر. إلا من جهة الأنبياء. لا من جهة الأولياء ولا من جهة غيرها. وقد عرفوا أنه ﷺ لا يتعلم هذا من بشر. ففيه آية وبرهان قاطع على صدقه ونبوته. [قول الوليد بن المغيرة في القرآن سحر] قول الوليد بن المغيرة في القرآن " سحر " وعن ابن عباس قال «إن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقال اقرأ علي. فقرأ عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]- الآية (١) فقال أعد. فأعاد. فقال واللَّه إن له لحلاوة. وإن عليه لطلاوة. وإن أعلاه لمثمر. وإن أسفله لمغدق. وإنه ليعلو ولا يعلى عليه. وإنه ليحطم ما تحته. وما يقول هذا بشر» . وفي رواية " وبلغ ذلك أبا جهل فأتاه. فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال ولم؟ قال آتيت محمدا لتعوض مما قبله. قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال فقل فيه قولا يبلغ قومك: إنك منكر له. قال ماذا أقول؟ فواللَّه ما فيكم أعلم بالأشعار مني إلخ ". وفي رواية أن الوليد بن المغيرة قال لهم - وقد حضر الموسم - " ستقدم عليكم وفود العرب من كل جانب وقد سمعوا بأمر صاحبكم. فأجمعوا فيه رأيا، ولا تختلفوا، فيكذب بعضكم بعضا. فقالوا: فأنت فقل. فقال بل قولوا وأنا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال ما هو بزمرة الكهان ولا سجعهم. قالوا نقول مجنون قال ما هو بمجنون. لقد رأينا الجنون وعرفناه. فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخالجه. قالوا: نقول شاعر. قال

стр. 103

ما هو بشاعر. لقد عرفنا الشعر رجزه وهزجه وقريضه. ومقبوضه ومبسوطه قالوا: نقول ساحر قال ما هو بساحر. لقد رأينا السحرة وسحرهم فما هو بعقدهم ولا نفثهم قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال ما نقول من شيء من هذا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول أن تقولوا: ساحر يفرق بين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك. فجعلوا يجلسون للناس لا يمر بهم أحد إلا حذروه رسول اللَّه ﷺ . فأنزل اللَّه في الوليد بن المغيرة ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]- إلى قوله - ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦] (١) . ونزل في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في رسول اللَّه ﷺ وفيما جاء به من عند اللَّه ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] (٢) أي أصنافا. وكانوا يسألون رسول اللَّه ﷺ الآيات فمنها ما يأتيهم اللَّه به لحكمة أرادها اللَّه سبحانه. [انشقاق القمر] انشقاق القمر فمن ذلك أنهم سألوه أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. وأنزل قوله ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]- الآيات - إلى قوله ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] (٣) فقالوا: سحركم انظروا إلى السفار فإن كانوا رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق. فقدموا من كل وجه. فقالوا: رأينا.

стр. 104

وكان رسول اللَّه ﷺ ربما طلب من الآيات - التي يقترحون - رغبة منه في إيمانهم فيجاب بأنها: لا تستلزم الهدى. بل توجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها. [سؤالهم الآيات] سؤالهم الآيات واللَّه سبحانه قد يظهر الآيات الكثيرة. مع طبعه على قلب الكافر كفرعون قال تعالى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩]- إلى قوله - ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١] (١) وقال تعالى ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]- الآية (٢) . بين : أنه إنما منعه أن يرسل بها إلا أن كذب بها الأولون فإذ كذب هؤلاء كذلك استحقوا عذاب الاستئصال. وروى أهل التفسير وأهل الحديث عن ابن عباس. قال «سأله أهل مكة أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا. فقيل له إن شئت نستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا، كما هلك من قبلهم. فقال بل أستأني بهم فأنزل اللَّه ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] » - الآية. وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية. قال رحمة لكم أيها الأمة إنا لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها: أصابكم ما أصاب من قبلكم. وكانت الآيات تأتيهم آية بعد آية. فلا يؤمنون بها قال تعالى ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس: ٤٦]- الآيات (٣) .

стр. 105

أخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم فيعرضون عنها، وأنهم سيرون صدق ما جاءت به الرسل كما أهلك اللَّه من كان قبلهم بالذنوب التي هي تكذيب الرسل فإن اللَّه يقول ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]- الآية (١) وأخبر بشدة كفرهم بأنهم لو أنزل عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لكذبوا به وبين سبحانه أنه لو جعل الرسول ملكا لجعله على صورة الرجل. إذ كانوا لا يستطيعون أن يروا الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها. وحينئذ يقع اللبس عليهم لظنهم الرسول بشرا لا ملكا. وقال تعالى ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]- الآيات (٢) . وهذه الآيات لو أجيبوا إليها، ثم لم يؤمنوا: لأتاهم عذاب الاستئصال وهي لا توجب الإيمان بل إقامة للحجة والحجة قائمة بغيرها. وهي أيضا مما لا يصلح فإن قولهم ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] يقتضي تفجيرها بمكة فيصير واديا ذا زرع واللَّه قضى بسابق حكمته أن جعل بيته بواد غير ذي زرع لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه من الدنيا. فيكون حجهم للدنيا. وإذا كان له جنة من نخيل وعنب كان في هذا من التوسع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته.

стр. 106

وكذلك إذا كان له قصر من زخرف. وهو الذهب. أما إسقاط السماء كسفا: فهذا لا يكون إلا يوم القيامة. وأما الإتيان باللَّه والملائكة قبيلا،: فهذا لما سأل قوم موسى موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة. وقال تعالى ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣]- الآيات (١) . بين سبحانه أن المشركين وأهل الكتاب سألوه إنزال كتاب من السماء وبين أن الطائفتين لا يؤمنون إذا جاءهم ذلك وأنهم إنما سألوه تعنتا، فقال عن المشركين ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: ٧]- الآية (٢) . وقال عن أهل الكتاب ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]- إلى قوله - ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤] (٣) فهم - مع هذا - نقضوا الميثاق وكفروا بآيات اللَّه وقتلوا النبيين. فكان فيه من الاعتبار أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة لم يكن في مجيئها منفعة لهم بل فيها وجوب عقوبة عذاب الاستئصال إذا لم يؤمنوا، وتغليظ الأمر عليهم. كما قال تعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] الآية (٤) . ولما طلب الحواريون من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا، لم يعذب اللَّه به أحدا من العالمين. وكان قبل نزول التوراة يهلك اللَّه المكذبين بالرسل بعذاب الاستئصال عاجلا. وأظهر آيات كثيرة

стр. 107

لما أرسل موسى ليبقى ذكرها في الأرض. إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال. كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣] (١) بل كان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون - من الكفر والمعاصي - يعذب اللَّه بعضهم ويبقي بعضهم إذ كانوا لا يتفقون على الكفر ولم يزل في الأرض منهم أمة باقية على الصلاح. قال تعالى ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]- الآية (٢) وقال ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]- الآيتين (٣) . وكان من حكمته تعالى ورحمته - لما أرسل محمدا ﷺ خاتم المرسلين - ألا يهلك قومه بعذاب الاستئصال بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كالمستهزئين الذين قال اللَّه فيهم ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]- الآيات (٤) . والذي دعا عليه النبي ﷺ أن يسلط عليه كلبا من كلابه فافترسه الأسد كما قال تعالى ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [التوبة: ٥٢]- الآية (٥) . فأخبر سبحانه أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود وتارة بغير ذلك. فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم كما جرى لقريش

стр. 108

وغيرهم. فإنه لو أهلكهم لبادوا، وانقطعت المنفعة بهم ولم يبق لهم ذرية تؤمن بخلاف ما عذبهم به من الإذلال والقهر فإن في ذلك ما يوجب عجزهم والنفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها، فلا تكاد تنصرف عنها. بخلاف عجزها عنها. فإنه يدعوها إلى التوبة كما قيل من العصمة ألا تقدر ولهذا آمن عامتهم. وقد ذكر اللَّه في التوراة لموسى: " إني أقسي قلب فرعون. فلا يؤمن بك لتظهر آياتي وعجائبي ". بين أن في ذلك من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض إذ كان موسى أخبر بتكليم اللَّه له وبكتابة التوراة له فأظهر له من الآيات ما يبقى ذكره في الأرض. وكان في ضمن ذلك من تقسية قلب فرعون ما أوجب هلاكه وهلاك قومه. وفرعون كان جاحدا للصانع. فلذلك أوتي موسى من الآيات ما يناسب حاله. وأما بنو إسرائيل - مع المسيح - فكانوا مقرين بالكتاب الأول. فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه موسى. ولم يكن محتاجا إلى جنس تقرير النبوة إذ كانت الرسل قبله جاءت بما يثبت ذلك. وإنما الحاجة إلى تثبيت نبوته. ومع هذا فقد أظهر اللَّه على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم ومع هذا لم يأت بآيات الاستئصال. بل بين اللَّه في القرآن أنها لا تنفعهم بل تضرهم. لأنه علم أن قلوبهم كقلوب الأولين. كما قال تعالى ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ - أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣]- الآية (١)

стр. 109

وقال تعالى ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]- الآية (١) وقال تعالى ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] (٢) ؟ - الآية وسورة اقتربت التي ذكر فيها انشقاق القمر وإعراضهم عن الآيات وقولهم ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] (٣) وقال فيها ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر: ٤] (٤) . أي يزجرهم عن الكفر زجرا شديدا، إذ كان في تلك الأنباء صدق الرسل والإنذار بالعذاب الذي وقع بالمتقدمين. ولهذا يقول عقيب كل قصة ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] أي عذابي لمن كذب رسلي، وإنذاري لهم بذلك قبل مجيئه. ثم قال ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] أيتها الأمة ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] الذين كذبوا الرسل من قبلكم ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ - أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٣ - ٤٤] (٥) وذلك أن كونكم تعذبون مثلهم. إما لكونكم لا تستحقون ما استحقوا، أو لكون اللَّه أخبر أنه لا يعذبكم فهذا بالنظر إلى فعل اللَّه. وأما بالنظر إلى قوة الرسول ﷺ وأتباعه. فيقولون ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤] فإنهم أكثر وأقوى، كما قالوا ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]- إلى قوله - ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] (٦)

стр. 110

أي أموالا ومنظرا. فقال تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] (١) . أخبر رسوله ﷺ بهزيمتهم وهو بمكة في قلة الأتباع وضعف منهم. ولا يظن أحد - قبل أن يهاجر - بالعادة المعروفة أن أمره يعلو، ويقاتلهم. فكان كما أخبر. وذلك ببدر وتلك سنة اللَّه. كما قال تعالى ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣] الآية (٢) -. وحيث يظهر الكفار ويغلبون فإنما يكون ذلك لذنوب المؤمنين التي أوجبت نقص إيمانهم فإذا تابوا نصرهم اللَّه كما قال تعالى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] (٣) فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة ألا يهلكهم بالاستئصال كالذين من قبلهم قال تعالى ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٤٣] (٤) كان لا يأتي بموجب ذلك مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة أكمل في الحكمة والرحمة إذ كان ما أتى به حصل به كمال الهدى والحجة وما امتنع منه دفع من عذاب الاستئصال ما أوجب بقاء جمهور الأمة حتى يهتدوا ويؤمنوا. وكان في إرسال خاتم الرسل ﷺ من الحكمة البالغة والمنن السابغة ما لم يكن في رسالة غيره. صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.
следующие страницы →