بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
غاية في كلمة
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة السادسة
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
ISBN ٩٩٥٣ - ٤ - ٠١٦٦ - ٧
جميع الحقوق محفوظة ١٩٨٨ م. لا يسمح بإعادة هذا الكتاب أو جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إليكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. (٦)
مؤسسة الرسالة
للطباعة والنشر والتوزيع
وطى المصيطبة
شارع حبيب أبي شهلا
بناء المسكن
هاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢
فاكس: ٨١٨٢١٥ (٩٦١١)
ص. ب: ١١٧٤٦٠
بيروت - لبنان
resalah
publishers
Tel: ٣١٩٠٣٩ - ٨١٥١١٢
fax: (٩٦١١) ٨١٨٦١٥
Beirut - lebanon
Email:
resalah@resalah.com
web location:
Http://www.resalah.com
стр. 5
بسم الله الرحمن الرحم
سبحانك لا علم لنا إلّا ما علمتنا
إنك أنت العليم الحكيم
ربنا آتنا من لدنك رحمة،
وهيّء لنا من أمرنا رشداً
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه
وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه
اللَّهمَّ:
منك
ولك
стр. 6
نال المؤلف بهذه الرسالة درجة العالمية (الدكتوراه) بمرتبة الشرف الأولى، في أصول الفقه، من كلية الشريعة بجامعة الأزهر، بعد مناقشتها في الجلسة المنعقدة لذلك بقاعة الشيخ محمد عبده. يوم الاثنين ٢٥/ ١٠/ ١٩٧٦م. من قبل لجنة مؤلفة من فضيلة الشيخ عبد الغني عبد الخالق مشرفاً، وفضيلة الشيخ محمد أنيس عبادة عضواً وفضيلة الدكتور محمد السعيد عبد ربه عضواً.
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فاتِحَة القَول
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وصلوات الله وتسليمه على نبيه الأمين، الذي حمل وحيه، وأدّاه إلينا كاملاً، مبيناً، لا عوج فيه، فعلمنا به من الجهالة، وهدانا به من الضلالة، وجمعنا به بعد الفرقة، وجعل لنا في الدنيا والآخرة مكاناً لا تنكره الأمم.
وبعد، فإن نهر الشريعة الخالد ينبع أوّلاً من كتاب الله العظيم وحي الله المبارك، وكلمته إلى العالمين. ويستمد هذا النهر بعدُ من سنن النبيّ ﷺ .
منذ أن اختار اللُه نبيه محمداً ﷺ لحمل الرسالة، استشعر عظم المهمة التي ألقيت على عاتقه لهداية البشر، وتخوّف ثقل القول الذي كلّف به. لقد أهمّه أمر الجموع الزائغة من البشر، في الجزيرة وخارجها، من يهديها؟ وتلك الأجيال المتلاحقة عبر الزمان إلى أن تقوم الساعة، من يعلمها أحكام الله!
حتى وردت الطمأنينة له من السماء: ﴿ما ودّعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ الله معك، أما أنت فاستقم كما أمرت، ولا تحد عنه. لا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل، وحدّث الناس بما جاءك من الوحي، واعبد الله واتّقِه حق تقاته. فهذا الذي عليك. ولست عليهم بمسيطر.
إذن الأمر هيّن: تبليغ واستقامة، بيان بالقول، وضرب مثل بالفعل. أما الهداية والإضلال فهما بيد الله وحده.
стр. 8
فشرح الله صدره للأمر، ووضع عنه وزره الذي أنقض ظهره، ويسر له ما كان عليه عسيراً.
ولكن هل كانت المهمة يسيرة حقاً؟ لقد كان عليه ﷺ أن يقوم الليل إلا قليلاً، يتدبّر تلك الكلمات الإلهية، ويقوّم بقيلها فكره وقلبه، حتى إذا أصبح، بلّغها قومه، واستقام عليها ليُقْتَدَى به، ونفّذ ما علّمه الله، ليكون شاهداً عليهم، كما أرسل اللُه إلى فرعون رسولاً، فعصاه فأخذه الله أخذاً وبيلاً. فالأمر جدّ، وليس عبثاً.
لقد حرصت الأمة على تدوين ما صدر عنه ﷺ من أقواله وأفعاله، وحفظ الله الذّكر بتلك الجهود المضنية التي بذلتها الأمّة، في شتّى ميادين العلم، والتي تكاد تماثل ما بذلته من الجهود في الجهاد والتبليغ. فكان في كلا النوعين من الجهاد، رفع ذكر محمد ﷺ ، وذكر قومه في العالمين.
أفعال النبي ﷺ في حقيقة الأمر أكثر من أقواله أضعافاً مضاعفة.
وهذا ملاحظ في سائر البشر. فقلّما ينفكّ البشر عن فعل. ولكنه لا يتكلم إلاّ إذا بدا له ذلك.
والتقرير أكثر من ذلك كله، فإن ما رآه النبي ﷺ من أفعال الصحابة وتروكهم، وما رآه في بيئته من الأمور فلم يغيره، لا يحصى، والذي أنكره من ذلك قليل جداً.
لكن ما نقل إلينا في دواوين السنة من الأفعال والتقارير، أقلّ من الأقوال أو يساويه. وقد جمع السيوطي عامة السنن المروية في جامعه الكبير، فكانت الروايات الفعلية مساوياً تقريباً للروايات القولية.
ومع ذلك، فهل خدَمَ الأصوليون الأفعال التي نقلت كما خدموا الأقوال؟
إن كتب الأصول الشاملة تعرضت للأقوال، من جميع جوانبها تقريباً. فبحثت في الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والحقيقة والمجاز، وغيرها.
стр. 9
بل تعرضوا لألفاظٍ معينة ودلالتها، فتكلموا في من وإلى وعن وعلى وأمثالها.
وهناك المباحث التي تدخل فيها الأفعال مع الأقوال، كالحكم، والنسخ، والبيان والإجمال، وما سواها، كادت هذه المباحث أن تكون في كلام الأصوليين مقصورة على الأقوال، ولا يذكر الفعل فيها إلاّ لِماماً، كأنه ضيف زائر، أو حبيب معاتَب.
وكتب الباحثون المتخصصون قديماً وحديثاً في مباحث الأقوال، وأفردوا أكثرها بمؤلفات متخصصة. فكتبوا في الأمر والنهي، وفي الحقيقة والمجاز، وفي تفسير النصوص المجملة. وكتبوا في العموم والخصوص وغير ذلك.
وبالإضافة إلى ذلك كانت الدراسات اللغوية في النحو والبيان والمعاني تقوم بخدمة الأقوال، وبيان أدقّ الفروق في دلالاتها.
لقد حرمت الأفعال النبوية إلاّ من مجهودات ضئيلة، لقد مسّها الأصوليون مسّاً سريعاً في مؤلفاتهم الأصولية الشاملة.
فهل ذلك هو الوزن الحقيقيّ للأفعال؟ هل أعطيت الأفعال (كامل حقوقها وما ينبغي لها؟) إن استقراء مواقع الخلاف بين الفقهاء يظهر بجلاء، أن من أسباب الخلاف بينهم اختلافهم في الأحكام المستفادة من الأفعال، بل لعلّي لا أكون مبالِغاً إذا قلت: إنّ الخلاف في قواعد الأفعال هذه هو السبب الأكبر في الخلاف الفقهي.
ولم نجد، بعد طول البحث، أحداً خصّ الأفعال بمؤلّف خاص، ما عدا اثنين من فضلاء المتأخرين، أحدهما الشيخ أبو شامة المقدسي، من رجال القرن السابع. ورسالته في ستين ورقة تقريباً. والآخر من رجال القرن الثامن وهو الحافظ العلائيّ، ورسالته في نحو ثلاثين ورقة.
لم يُغَطِّ المؤلفان المذكورات جميع نواحي مباحث الأفعال، وكان بحثهما في المواضع التي طرقاها قاصراً من جهات.
стр. 10
لقد كان ذلك كله حافزاً لاختيار الأفعال النبوية موضوعاً لدراسة أصولية، أخدم بها السنة المطهرة.
وقد سرت في عملي بحماس شديد شاعراً بعظم المهمة، ناظراً إلى الفراغ الكبير الذي ينتظر السداد.
لقد كان السير في الطريق الممهّدة سيراً رفيقاً. أما الفراغ الذي لم يطرق من قبل فقد كان السير فيه عسيراً مضلِّلاً، لولا عون الله وتسديده وتوفيقه.
وحرصاً على الطريق الممهّدة، لم أشأ أن أبدأ السير قبل أن أطّلع على كتابات شاملة في الأفعال، فحرصت كل الحرص على الحصول على رسالتي الحافظ العلائي وأبي شامة.
أما الأولى فقد حصلت عليها بيسر، إذ وجدتها هنا بالقاهرة.
وأما الأخرى، فقد طال البحث عنها في مكتبات العالم العربي فلم توجد فيه. ثم يسّر الله الكريم العثور عليها صدفة في إحدى المكتبات النائية في أوروبا، ولعلها النسخة الوحيدة في العالم من المؤلف المذكور. فحصّلت صورتها بعد عناء شديد.
إلاّ أنه قد تبيّن أن كلاً من الرسالتين المذكورتين عجالة، تغني من جوع ولكنها لا تُسمِن، وتنقع الغلة دون أن تعطي الريّ أو تشفي الصدر.
واستعنت بالله.
ورأيت أن من الأفعال ما ليس في فعليّته خفاء، كالصلاة والصوم والجهاد والركوع والسجود والأكل والشرب والنوم.
وأنّ من الأفعال ما اختلف في أنه فعل أو ليس بفعل كالترك والكتابة والإشارة والسكوت والإقرار.
فخصصت النوع الأول بباب وسمّيته باب الأفعال الصريحة.
стр. 11
وخصصت النوع الثاني بباب وسمّيته باب الأفعال غير الصريحة.
وجعلت للتعارض بين الأفعال وما سواها من الدلائل باباً ثالثاً.
وقد مهّدت للرسالة بتعريف السنة لغة واصطلاحاً. وبيان حجية السنة إجمالاً ومنزلتها من القرآن. وفي تحرير المهمات النبوية وبيان دور الأفعال في أدائها على الوجه الأكمل.
وأما الباب الأول وهو باب الأفعال الصريحة فقد انتظم في تسعة فصول:
الفصل الأول تعرضت فيه للبيان بالأفعال في حالة انفرادها أو اجتماعها مختلفة أو متفقة. وفي حال اجتماعها مع الأقوال.
والفصل الثاني تعرضت فيه لأحكام أفعال النبي ﷺ . فأوضحت أن فعله قد يصدر عن النصوص القرآنية، أو عن اجتهاد، أو تفويض، وأنه قد يصدر على أساس مرتبة العفو، أي عدم الحكم.
وبينت في الفصل الثاني أن الأفعال التي تصدر عنه ﷺ ، إما أن تكون من قبيل الواجبات، أو المندوبات، أو المباحات، وتعرضت للعصمة عن المكروهات والمحرمات.
وذكرت الطرق التي يتعيّن بها حكم فعله ﷺ . فحصرت ذلك، وناقشت النظريات التي أُورِدَت في أماكن شتى من كلام الأصوليين حول ذلك.
وفي الفصل الثالث بيّنت أن الأفعال النبوية من حيث الجملة حجّة شرعية. وناقشت المخالفين في ذلك. وأوردت الأدلة المقنعة.
وفي الفصل الرابع قسّمت الأفعال النبوية الصريحة عشرة أقسام: الفعل الجبِلّيّ. والعاديّ. والدنيويّ. والخصائص. والمعجزات. والفعل البيانيّ. والامتثاليّ. والمتعدّي. والمفعول لانتظار الوحي. ثم الفعل المجرّد.
وخصصت كل واحد منها بمبحث خاص أوضحت ما يستدل به منها وما لا يستدل به، وكيفية ذلك.
стр. 12
غير أني خصصت الفعل المجرّد بفصل خاص هو الفصل الخامس، لمَّا أنه لبُّ باب الأفعال، وهو الذي يقع فيه الخلاف.
وفي الفصل السادس تحدثت عن الأحكام التي يصح استفادتها من الأفعال، ومن أين يؤخذ كل منها، سواء الأفعال التكليفية والوضعية.
وفي الفصل السابع تحدثت عن صفة الدلالة الفعليّة، وطبيعتها، وهل تنتمي إلى الدلالة المطابقيّة أو التضمنيّة أو الالتزامية. وذكرت أن الفعل قد يدل بالمفهوم. وبيّنت كيفية انسحاب حكم الفعل النبويّ على أفعال الأمة.
وتعرضت في الفصل الثامن لدلالة متعلّقات الفعل النبوي. فذكرت دلالة سبب الفعل، وفاعله، ومفعوله، ومكانه، وزمانه، وهيئته، وما يقارنه، وأدواته المادّية، وعدد الفعل ومقداره.
وفي الفصل التاسع ذكرت مباحث متنوّعة تتعلق بالأفعال، فعقدت مبحثاً بيّنْتُ فيه للمجتهد الطريق العمليَّ الذي يسلكه لاستفادة الحكم من الفعل النبويّ؛
ومبحثاً آخر للاعتراضات التي تورد على الاستدلال بالأفعال، وكيف الجواب عنها.
ومبحثاً ثالثاً لنقل الفعل النبوي، وما قد يقع من الخلل في أدوات النقل وعباراته، وما يحصل من الأوهام بسبب ذلك، ليحصل التنبه لها، والحذر من الوقوع فيها.
أما الباب الثاني: فقد عقدته للأفعال غير الصريحة وهي الكتابة والإشارة والأوجه الفعلية للقول، والترك، والسكوت، والتقرير، والهم بالفعل. وعقدت لكل منها فصلاً. ثم عقدت فصلًا لأمور تلحق بالأفعال النبوية.
أما الباب الثالث: فقد عقدته للتعارض بين الأفعال النبوية بعضها ببعض، والتعارض بينها وبين الأدلة الأخرى. وانتظم عندي في أربعة فصول. وألحقت به قطعة من رسالة الحافظ العلائيّ المسمّاة (تفصيل الإجمال في تعارض
стр. 13
الأقوال والأفعال) رأيت من الضروري أن تكون بين يدَيْ من يطّلع على هذا البحث.
وقد كان مما أخذته على نفسي في هذا البحث أن أزن الأمور بما تستحقه، فلا أستقلّ قولاً للجهالة بقائله، أو لأنه نُبِزَ بوصف غير لائق، ولا أغترّ بقول نسب إلى الجمهور أو الكثير، أو إلى فلان أو فلان من المشهورين.
وقد أوردت من الفروع الفقهية أمثلة تتّضح بها القواعد، ويبين بها المراد. وأخذت على نفسي ألاّ أستطرد وراء تلك الفروع نقاشاً واستدلالاً إلاّ بمقدار ما تتضح به القاعدة الأصولية ويبين به المراد منها. والذي يريد دراسة الفرع الفقهيّ ينبغي أن يأخذه من مظانّه من كتب الفقه.
وخرّجت ما ورد في هذه الرسالة من الآيات والأحاديث. وترجمت للأعلام المستغربة نوعاً ما، وتركت الترجمة للمشهورين اكتفاء بشهرتهم.
ولست أدّعي العصمة، ولا أزعم الإحاطة. وإنما أدّعي وأزعم أنني بذلت جهداً في جمع شمل نواحي هذا الموضوع الهام، وأنني حللت جزءاً من تلك المشكلات، وسلطت الأضواء على مواضع الإشكال الأخرى.
وليس ذلك بحولي ولا بقوّتي، وإنما بفضل الله وعونه وتيسيره لكل صعب، لمست ذلك عندما رأيت تفتّح المقفلات، وتيسير الشدائد، وتسهيل كل عسير.
وأتقدم بالشكر إلى أستاذي فضيلة الشيخ عبد الغني محمد عبد الخالق، الذي كان لتشجيعه وتوجيهه أثره الكبير في خروج هذه الرسالة على هذا الوضع، ولكل من أسدى في ذلك يداً.
"والحمد لله أولاً وآخراً"
القاهرة - مدينة نصر
يوم الخميس ١٧ من رجب الحرام ١٣٩٦ هـ
١٥ من يوليو ١٩٧٦ م
стр. 14
تمهيد
١ - السنة في اللغة وفي الاصطلاح.
٢ - حجية السنة إجمالاً، ومنزلتها من القرآن.
٣ - تحرير المهمات النبوية وبيان دور الأفعال في أدائها على الوجه الأكمل.
٤ - تعريف (الفعل) وانقسامه إلى صريح وغير صريح.
٥ - الأفعال النبوية في الدراسات الحديثية والأصولية.
стр. 15
المبحث الأول السنّة فى اللغة وفي الاصطلاح
السنة في اللغة الطريق: المسلوك حسياً كان أو معنوياً (١). قال صاحب اللسان: "السنة، وسُنن الطريق وسَنَنُهُ، نهجه. وقال شمر: السنة في الأصل سنة الطريق. وهو طريق سنّه أوائل الناس فصار مسلكاً لمن بعدهم".
وقال اللُه تعالى: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾ (٢) أي: "سن الله في الذين نافقوا الأنبياء وأرجفوا بهم أن يقتلوا أينما وجدوا" (٣). وقال أيضاً: فهل ينظرون إلا سنة الأولين ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلاً﴾ (٤)، أي: "إنما ينتظرون العذاب الذي نزل بالكفار الأولين. فقد أجرى الله العذاب على الكفار، وجعل ذلك سنة فيهم، فهو يعذِّب بمثله من استحقه. لا يقدر أحد أن يبدّل ذلك" (٥).
وسواء أكانت الطريقة حميدة أو ذميمة، فكلاهما في اللغة سنة، يدلّ للنوع الأول قول لبيد في معلقته:
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
стр. 16
ويدل للنوع الثاني قول خالد بن زهير:
ولا تَعْجَبَنّ من سيرةٍ أنتَ سرتَها (١) ... فأول راضٍ سُنّةً مَنْ يسيرها
بل ورد هذا الاستعمال في السنة، كما في حديث الصحيحين، أنه ﷺ قال: "من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". وقال ﷺ : "لتتبعُنّ سُنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه" (٢).
وبهذا يتبيّن ضعف قول الخطابي: "إن "السنة" في اللغة للطريقة المحمودة خاصة" (٣).
" السنة" في الاصطلاح:
السنة في اصطلاح الأصوليين ما صدر عن النبي ﷺ غير القرآن من الأقوال والأفعال.
وهي في اصطلاح المحدّثين لمعنى أوسع من ذلك، إذ هي عندهم: "ما أضيف إلى النبي ﷺ ، من قول، أو فعل، أو صفة خَلْقيّة، أو خُلُقيّة، وما يتصل بالرسالة من أحواله الشريفة قبل البعثة ونحو ذلك" (٤). وإنما جعلوها كذلك لأنهم أهل العناية برواية الأخبار.
وتطلق السنة على ما يقابل البدعة. وبذلك تصدق على كل الشريعة، من قرآن، وحديث ثابت، واجتهاد صحيح. ومن هنا استعمل الاصطلاح المشهور
стр. 17
"أهل السنة" تمييزاً لهم عن المبتدعة في الأعمال أو الاعتقادات، كالمعتزلة، والشيعة، والخوارج. ولهذا الاستعمال أصل في الحديث النبوي، قال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. تَمَسّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١). فقابل السنن بالبدع.
وفي الصدر الأول كانت السنّة تطلق على طريقة الخلفاء الراشدين، بالإضافة إلى طريقة النبي ﷺ . وقد روي ذلك من قول النبي ﷺ (سنة الخلفاء الراشدين) كما في الحديث الآنف الذكر. وقال علي بن أبي طالب ﵁: "جلَد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكلٌّ سنة" (٢). إلا أنه لما أخذ الفقهاء فيما بعد بالمبدأ القائل بأنه لا حجّة في قول أحد بعد النبي ﷺ ، قُصِرت دلالة لفظ "السنة" على أقوالِ وأفعالِ النبي ﷺ وحده. قال ابن فارس: "كره العلماء قول من قال: سنة أبي بكر وعمر، وإنما يقال سنة الله وسنة رسوله" (٣).
أما في اصطلاح الفقهاء فالسنة بمعنى النافلة والمندوب، أي ما يتقرب به إلى الله تعالى مما ليس بمتحتم على المسلم.
وبعضهم جعله لنوع خاص من القربة هي ما داوم عليه النبي ﷺ من التعبدات، كالوتر والرواتب وصوم الاثنين والخميس، دون ما لم يداوم عليه، كالنوافل المطلقة. واستعمل الفقهاء "السنة" في باب الطلاق خاصة للدلالة على الجواز الشرعي، فقالوا: طلاق السنة، وقابلوه بقولهم: طلاق البدعة، وهو غير المشروع، كالطلاق في الحيض، وطلاق الثلاث دفعة واحدة.
هذا ويلاحظ على تعريف الأصوليين للسنة، أنه يدخل فيه ما لم يكن من أقوال النبي ﷺ وأفعاله حجة، كأفعاله وأقواله في شؤون الدنيا الصرفة، لقوله:
стр. 18
"أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١). والأولى إخراج مثل هذا (٢)، ولعلّهم إنما تركوا التصريح به لظهوره، لأن من ترك العمل بما لا حجة فيه، لا يقال إنه تارك للسنة. ويشير إلى هذا قول عائشة: "نزول الأبطح ليس بسنّة، إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه" (٣). مع أن النبي ﷺ فعله.
ويلاحظ أيضاً أن أقواله وأفعاله ﷺ ، قبل النبوة، ليست بتشريع، وتخرج بقولهم في التعريف (ما صدر عن النبي) فإن ما صدر عنه ﷺ قبل النبوة لا يصدق عليه أنه (صادر عن النبي).
وملاحظة ثالثة، وهي أن قول المحدّثين (ما أضيف إلى النبي ﷺ ) أشمل مما قال الأصوليون، فالحديث عند المحدثين سنة بقطع النظر عن ثبوته. ولا يكون سنة عند الأصوليين إلاّ بقيد ثبوته عن النبي ﷺ ، ومن أجل ذلك عبّروا بقولهم (ما صدر عن النبي ﷺ ).
وملاحظة رابعة، وهي أن بعض الأصوليين قال في تعريف السنة: إنها ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، وبعضهم يضيف الترك، وبعضهم يضيف الهمّ والإشارة ونحو ذلك. والأولى ترك ذكر ما عدا الأقوال والأفعال، كما صنع البيضاوي في المنهاج، لأن كلّ ما ذكر مما سواهما فهو فعل على الراجح، كما سنذكره في مواضعه إن شاء الله.
وأما من ادّعى أن شيئاً مما ذكر ليس فعلاً، وأنه حجة، فيلزمه ذكره في التعريف.
стр. 19
المبحث الثاني حجية السنّة إجمالاً
الاحتجاج بالسنة الواردة عن النبي ﷺ ، واعتبارها أحد أصول الشريعة الإسلاميّة الدالة على الأحكام الشرعية، هو دأب المسلمين قديماً وحديثاً. والذين يعرضون عن اتخاذها كذلك، ولا يعتبرونها عليهم حجة، قوم زائغون منحرفون عن الحق. بل قال الشوكاني: "إن ثبوت حجيّتها، واستقلالها بتشريع الأحكام، ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلّا من لا حظّ له في دين الإسلام" (١).
القرآنيون:
وقد نبغ بين المسلمين قوم سمّوا أنفسهم "القرآنيين"، ادّعوا أن الشريعة لا تؤخذ إلّا من القرآن، وأن المسلمين ليسوا بحاجة إلى السنة. وصنعوا من فهمهم المجرد للقرآن تركيبة شرعيّة في الطهارات والصلاة والزكاة والحج وغيرها، يعلم المطّلع عليها يقيناً أنها مخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه. ولهؤلاء القوم المعاصرين المذكورين سلف فيمن مضى، لم يزالوا تذرّ نجومهم، فتطمسها شموس الحق من أئمة الهدى في كل زمان. وقد ألّف السيوطي رسالته المشهورة "مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة" للرد على من وجد من دعاة هذه الفكرة في زمانه من الرافضة. وذكر فيه أن أصحاب هذا الرأي من الزنادقة والرافضة، كانوا موجودين
стр. 20
بكثرة في زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم "وتصدى لهم الأئمة الأربعة، وأصحابهم، في دروسهم ومناظراتهم وتصانيفهم" (١).
وذكر الشاطبيّ (٢) طائفة شبيهاً حالها بحال هؤلاء، إلّا أنها كانت تقبل الحديث إذا وافق القرآن. ومع ذلك فقد قال الشاطبي عنهم: "أنهم قوم لا خلاق لهم". ولا شك أنهم أهل لهذا الحكم.
ومما تمسّك به هؤلاء ظواهر قرآنية، نحو ظاهر قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (٣) وقوله: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ (٤).
والجواب أن الآية الأولى ليس المراد بالكتاب فيها القرآن، بل اللوح المحفوظ، كما هو واضح من السياق. وكان القرآن تبياناً لكل شيء بما دل عليه من الأدلة الأخرى، وهي السنة والإجماع والقياس.
ومما تمسّكوا به أيضاً أحاديث ضعيفة مردودة، كما روي أن النبي ﷺ قال: "ما أتاكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا، وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله؟ ". قال عبد الرحمن بن مهدي: "الزنادقة وضعوا هذا الحديث" (٥). وقال الصَّغَاني: "هذا الحديث موضوع" (٦).
ومنه ما روي أن النبي ﷺ قال: "لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، فمن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه" (٧). وهو معارض بقوله ﷺ : "اكتبوا لأبي شاهٍ" (٨). وإذنه لعبد الله بن عمرو (٩) في كتابة ما يسمعه منه ﷺ .
стр. 21
الحديثيون:
ونحن وإن كنا ننعى على القوم الذين تقدّم ذكرهم أسلوبهم في فهم الدين، لا يسعنا إلّا أن نوجّه اللوم -منصفين- إلى قوم انتسبوا إلى الحديث الشريف انتساباً جعلهم يعرضون عن كتاب الله، ولا يتدبّرونه حقّ التدبر لاستفادة الأحكام منه. بل كل اعتمادهم على السنة وحدها. ولو سألت أحد (علمائهم) عن حكم شرعي ودليله، لما عَرّج على كلام ربه، ولا التفت إليه، بل يسارع إلى الاستشهاد بالحديث والاستدلال به، ولو كان الحكم في القرآن بيّناً واضحاً لا لبس فيه.
ولست أعني أنهم يعتقدون وجوب تقديم السنة على الكتاب، ولكن الذي أعنيه تصرفهم العمليّ في دراساتهم وتآليفهم وفتاواهم ونحو ذلك. وكان الواجب علهيم إنزال السنّة منزلتها الحقيقية، منزلة الخادم لكتاب الله، التابع له، الواقف حياله، يترجم عنه، ويوضّح ما غمض من معانيه.
وليس هناك -في ما نعلم- طائفة من المسلمين يعتقدون تنحية القرآن عن الاحتجاج به في الدين، ولا طائفة معينة يعتقدون تقديم السنة على القرآن، وإن نقل القول بذلك عن قوم لم يعينوا (١). بل المسلمون ما بين معتقد لمساواة القرآن للسنة في الاحتجاج، وبين معتقد لتقديمه عليها، وهو الراجح، كما في الحديث المشهور من إقرار النبي ﷺ لمعاذ إذ قال: "أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنّة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي ولا آلو" (٢). وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، قال في كتابه إلى شريح قاضيه على الكوفة: "إذا أتاك أمر فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سنّ فيه رسول الله ﷺ " (٣). وفي رواية: "إذا وجدت شيئاً في كتاب الله فاقض فيه ولا تلتفت إلى غيره".
стр. 22
هذا وقد ورد عن بعض أهل العلم أنه قال: "السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاضٍ على السنة" (١). ومعناه أن السنة تبين مجمل القرآن، وتخصص عامه، وتقيّد مطلقه. ولكن هذا القائل عبّر تعبيراً غير موفق، أوجد نوعاً من التصور الفاسد لتقديم السنة على القرآن، وفتح لأعداء الإسلام مطعناً، إذ ادّعوا أن تقييم المسلمين للسنة تطوّر صُعُداً، حتى قدموها على القرآن. وقد ذكر أن الإمام أحمد سمع مثل هذا القول، فكان تعليقه على ذلك أن قال: "لا أجسر أن أقوله، ولكن أقول: السنة تفسر القرآن وتبيّنه" (٢).
أدلة حجية السنة النبوية:
١ - من القرآن:
قوله تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ (٣). وقوله: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ (٤)، ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ (٥) وهو ﷺ أمَرنا باتباع سنته، والأخذ بها، فيلزم طاعته في ذلك، ليتحقق امتثال هذه الآيات المذكورة وأمثالها.
وهو ﷺ قد أمَرَنا أيضاً بأمور تفصيلية، ونهانا عن غيرها، فيلزمنا طاعته فيها عملاً بالآيات المذكورة أعلاه، وذلك هو الأخذ بالسنة.
وورد في كتاب الله تعالى أمره لنا باتباع نبيه ﷺ ، وتعليق فلاحنا على ذلك، وجعله مقتضى محبتنا الله، ومقتضياً لمحبة الله لنا.
فقد قال تعالى: ﴿الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأمّي الذي يجدونه مكتوباً
стр. 23
عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزِل معه أولئك هم المفلحون﴾ (١).
وقال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ (٢).
وإذا ثبتت مشروعية اتباعه ﷺ ، فإن الاتباع هو سلوك السبيل الذي سلكه المتبوع. وسبيل محمد ﷺ هي سنته، وهو المطلوب.
بل قد ورد في القرآن الكريم بيان أن تعليم السنة، بالإضافة إلى تعليم الكتاب، هو من مهمة محمد ﷺ . قال الله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميّين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيّهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (٣).
قال قتادة: "الحكمة السنّة وبيان الشرائع" (٤).
ولكن يحتمل أن يقال: إن المراد بالحكمة الفهم العميق، ومعرفة معالجة الأمور بما تستحقه، كما فسّرها آخرون. وعلى هذا الوجه لا تكون الآية حجة في هذه المسألة.
إلا أنه ورد في سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿يا نساء النبيّ لستنّ كأحد من النساء إن اتقيتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ... ﴾ إلى قوله: ﴿ ... واذكرن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة﴾ (٥) وهو يبيّن أن الحكمة شيء خاص متميّز كان ﴿يتلى﴾ أو يصنع به ما هو شبيه بالتلاوة (٦) من المذاكرة
стр. 24
والتحفظ والدراسة. وهذا يبيّن أن تفسير قتادة للحكمة هو الصواب، وتكون الآية دليلاً على حجية السنة كما تقدم (١). ومما يؤكد هذا المعنى أن الصحابة ﵃ كانوا (يتعلمون السنة كما يتعلمون القرآن) ففي صحيح مسلم: "جاء ناس إلى النبي ﷺ ، فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلموننا القرآن والسنة" (٢).
٢ - من السنة:
شهد المسلمون أن محمداً ﷺ هو رسول الله حقاً، بدلالة المعجزات التي أجراها الله على يديه، وهذا يقتضي الإيمان بعصمته من الكذب فيما يبلغنا إياه عن ربه ، وما جاء به من أمر الدين.
وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسَّكتم بهما، كتاب الله وسنة نبيه" (٣).
أخبر أن في التمسّك بالسنّة، كالكتاب، أماناً من الضلال. وهذا يقتضي أنها حق ودليل صحيح على الأحكام.
وقال رسول الله ﷺ : "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته، يُحَدَّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله".
стр. 25
وفي رواية عند أحمد، قال ﷺ : "ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا إني أُوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعاناً [كذا بالأصل] على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرّموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهليّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباع، ألا ولا لُقَطة من مال مُعَاهَد، إلا أن يستغني عنها صاحبها. ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوهم، فإن لم يَقْروهم فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم" (١).
ومعنى قوله ﷺ : "ألا وإني أُوتيت القرآن ومثله معه" أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن. وكمثال على ذلك نذكر أن الله آتى نبيه، تحريم الخبائث، فُصِّل بعضها في القرآن، كالميتة والدم ولحم الخنزير وبعضها بالسنة، كما ذكر في هذا الحديث، كلحوم الحمر الأهلية ولحوم السباع.
وقال: "العلم ثلاثة. وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنّة قائمة، أو فريضة عادلة" (٢).
لا يقال: أن هذا الاحتجاج للسنة بالسنة، فكيف يحتج بها قبل أن يثبت أنها حجة؟
لأن المراد أنه لما ثبت إخباره في هذه الأحاديث وأمثالها بكون سنته حقاً، ومثل القرآن في لزوم اتّباعها، فإما أن يكون خبره هذا كذباً، وهو مستحيل، لدلالة المعجزة على صدقه، ولما ثبت من عصمته عن الكذب في أمر الدين. فلا يبقى إلاّ أن قوله هذا حقّ. وهو المطلوب.
٣ - دلالة الإجماع:
إن المتتبع لتصرفات الصحابة ﵃ في تعرّفهم لأحكام الدين لأجل العمل به، يجد أنهم إذا وجدوا السنة عملوا بها، وجعلوها حجة في الدين، ولم يستجيزوا مخالفتها وإغفالها واطّراحها.
стр. 26
نجد ذلك في تصرفات أبي بكر مثلاً:
فعنه أنه قال: "يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسَكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم﴾ (١) وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه".
وطلبت فاطمة والعباس من أبي بكر ﵃ ميراثهما من النبي ﷺ ، فمنعهما أن يعطيهما شيئاً، وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نورث. ما تركنا صدقة" (٢).
وأمر أبو بكر عُمّاله على الصدقة أن يعملوا بما سنّه رسول الله ﷺ . وهذا نص مطلع كتابه: عن أنس بن مالك أن أبا بكر كتب لهم: "إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوق ذلك فلا يعط" (٣) ثم بين المقادير.
وعمر ﵁ لما جادل أبا بكر في قتال مانعي الزكاة، قال: "كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها. وحسابهم على الله". فقال أبو بكر: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة. فإن الزكاة حق المال" (٤).
وكان عمر يَقْصُر في السفر الآمن، ويقول: "سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (٥).
стр. 27
وعثمان ﵁ قال: في مملوكة ولدت من زنا: "أقضي بينكما بقضاء رسول الله ﷺ : الولد للفراش، وللعاهر الحجر" (١).
وذكّر الناس في يوم الفطر والنحر، وقال: "نهى رسول الله ﷺ عن صوم هذين اليومين" (٢).
وكان يعلّم الناس الوضوء بفعله، ويقول: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا" (٣).
وعليّ ﵁ جلد الشارب أربعين، واحتجّ بسنة النبي ﷺ . ورجم الزانية محتجّاً بأن ذلك سنة رسول الله".
في وقائع كثيرة، لا تنحصر كثرة، ثبتت عن الأربعة الراشدين، وغيرهم من الصحابة الأكرمين، مما لا يدع مجالاً للشك أنه كان متقرراً لديهم أن سنة رسول الله ﷺ حجة لله على عباده، وأن العمل بها عمل بدين الله وشرعه. فانعقد على ذلك إجماعهم، ولم يخالف فيه أحد منهم. واستمرّت الأمة الإسلامية على ذلك، "ولم يخالف فيه إلاّ من لا حظّ له في الإسلام"، كما قال الشوكاني.
أنواع الحديث النبوي من جهة دلالته على الأحكام:
ذكر وليّ الله الدهلوي أن مما روي عن النبي ﷺ ودُوِّن في كتب الحديث، على قسمين، قال: "الأول: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة" (٤)، وفيه قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٥).
ومن هذا القسم علوم المعاد وعجائب الملكوت. وهذا كلّه مستند إلى الوحي.
стр. 28
ومنه شرائع وضبط للعبادات والاتفاقات وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد واجتهاده ﷺ بمنزلة الوحي، لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرّر رأيه على الخطأ.
ومنه حكم مرسلة ومصالح مطلقة لم يوقّتها ولم يبيّن حدودها ...
والثاني: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله ﷺ : "إنما أنا بشر. إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر".
فمنه الطبّ، ومنه باب قوله ﷺ : "عليكم بالأدهم الأقرح" (١) ومستنده التجربة.
ومنه ما فعله ﷺ على سبيل العادة، وبحسب الاتفاق دون القصد ...
ومنه ما ذكره كما كان يذكره قومه كحديث أم زرع.
ومنه ما قصد به مصلحة جزئية يومئذ، وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة، وذلك مثل ما يأمر به الخليفة من تعبئة الجيوش، وتعيين الشعار ...
ومنه حكم وقضاء خاص. وإنما كان يتّبع فيه البينات والأيمان". اهـ.
وهو تقسيم جيد وتحديد واضح. وسوف نفصل القول في مثل ذلك في ما يتعلق بالأفعال النبوية في ما نستقبله من هذا البحث إن شاء الله.
منزلة السنة من القرآن:
يتبيّن مما تقدم أن في منزلة السنة في القرآن ثلاثة أقوال:
الأول: أن القرآن مقدّم في الرتبة على السنة، فلا يُنْسخ القرآن بالسنة. وقد
стр. 29
نسب ابن السمعاني (١) هذا القول إلى الشافعي في عامة كتبه، وإلى أبي حامد الإسفراييني، وابن سُريج. ومعنى ذلك أن السنة لا يمكن أن تأتي بما يعارض القرآن على وجه لا يمكن الجمع بينهما. فإن روي من ذلك شيء، فلا بدّ أن السنة منسوخة، أو في الاستدلال بها دخَل، أو تكون الآية منسوخة بآية أخرى. وإلّا فإنّ الرواية لا تكون ثابتة.
الثاني: أنهما متساويان. وعند التعارض يقدَّم المتأخر وروداً منهما. فإن لم يعلم يتوقّف في المسألة.
وأصحاب القول الثاني يجيزون نسخ القرآن بالسنة. وقد نسب ابن السمعاني (٢) هذا القول إلى الحنفية وعامة المتكلمين. وقال: قيل إنه اختيار ابن سريج.
الثالث: إن السنة مقدمة على الكتاب. فيطرح الكتاب عند التعارض. وهو قول مردود، لا ينسب إلى قائل معين.
ولا حاجة بنا إلى الخوض في ذكر أدلّة أصحاب القولين الأولين ومناقشاتها، بعد أن نعلم أنه لم يرد شيء من الأحاديث الصحيحة يتعين أنه ناسخ للكتاب، حتى نقل الغزالي عن بعضهم "إن ذلك لم يقع أصلاً" (٣).
وكل ما قيل فيه من الأحاديث إنه ناسخ للقرآن خمسة ليس غيرها فيما نعلم:
١ - حديث: "لا وصية لوارث" (٤). قيل إنه ناسخ لآية: ﴿الوصية للوالدين والأقربين﴾ (٥).
стр. 30
والصحيح أن النسخ إنما هو بآيات المواريث، ولكن لمّا احتمل أن آية المواريث تَضُمُّ للوالد والقريب حظّاً آخر، أو تبدل حظّاً من حظ، جاء الحديث مبيّناً أن المراد الاحتمال الثاني. فلولا هذا الحديث لأمكن الجمع للوارث بين الميراث والوصية. فكان الحديث مبيناً لا ناسخاً (١).
٢ - قول النبي ﷺ : "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: الثّيب بالثّيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٢). قال بعضهم: هو ناسخ لآية إمساك الزواني في البيوت حتى يتوفاهن الموت.
والصواب أن الحديث مبيّن للسبيل المذكور في الآية.
٣ - حديث قتال النبي ﷺ لأهل الطائف في ذي القعدة الحرام. قال بعض الفقهاء إن ذلك ناسخ لقوله تعالى (٣): ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتال فيه كبير﴾ ونحوها من الآيات الدالة على تحريم القتال في الأشهر الحرم.
والصواب أن تحريم القتال فيها غير منسوخ، بل هو باقٍ مؤبّد مؤكّد. وما كان من قتال النبي ﷺ لثقيف إنما كان من باب ردّ العدوان المذكور مع تحريم الأشهر الحرم في آية واحدة، هي قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٤)، وقد كانت ثقيف وسائر هوازن تجمعت بعد فتح النبي ﷺ لمكة، وسارت إليه، فقابلهم بحنين وهزمهم، فلجأ فلّهم إلى الطائف. فكان من تمام المعركة -بحسب المنطق العسكري الذي يدل عليه قول تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ - ملاحقة المنهزمين قبل أن يتمكنوا من إعادة الكرة، وفي الحديث عن جابر ما يدل على ذلك، حيث قال: "كان النبي ﷺ لا يغزو في الشهر الحرام إلاّ أن يُغْزَى، أو يغزو، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ" (٥).
стр. 31
٤ - ذكروا (١) أن آياتٍ نسخت بأحاديث، الصحيح فيها أنها مخصصة وليست ناسخة، منها: ﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه﴾ (٢) نسخت في حق ابن خَطَل حينما قال ﷺ : "اقتلوه" (٣). وقد كان متعلقاً بأستار الكعبة. والصواب أن هذا تخصيص وليس نسخاً.
٥ - ومنها آية: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرَّماً على طاعمٍ يطعمه إلّا أن يكون ميتة ... ﴾ (٤) الآية ذكروا نسخها بحديث النهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
وواضح أن هذا تخصيص أيضاً وليس بنسخ.
وممن نبّه إلى قلة جدوى الخوض في هذه المسألة الشاطبي، حيث قال: "البحث في هذه المسألة بحث في غير واقع أو في نادر الوقوع، ولا كبير جدوى فيه" (٥). وصرّح ابن تيمية بأنه يذهب إلى امتناع نسخ القرآن بالسنة وأن ذلك مقتضى حرمة القرآن (٦). وقال الشوكاني: "وبه جزم الصيرفي والخفاف، بل نقل بعضهم إجماع الشافعية عليه" (٧).
هذا بالنظر إلى ما يصدر عن النبي ﷺ . وإنما يقطع بذلك من يسمعها منه مباشرة، أو تنقل إليه نقلاً قطعياً. فإن نقلت نقلاً آحادياً انضم إلى المسألة عنصر جديد يؤيد عدم الأخذ بها فيما عارض القرآن، إذ إن احتمالات كذب الرواة ووهمِهم تدخل في البين، لتخفف من وزن الحديث في ميزان الترجيح. ويوافق في هذا المقام على مرجوحية السنة، كثير ممن عارض ذلك في المقام الأول. فقال الشوكاني: هذا رأي الجمهور. وذكر أن ابن السمعاني وسليماً الرازي نقلا الإجماع عليه (٨).
стр. 32
مجالات خدمة السنة الشريفة للقرآن العظيم:
يمكن حصر المجالات التي تخدم فيها السنة القرآن العظيم فيما يلي:
١ - تقرير مضمون الكتاب وتثبيت حقائقه بما يقطع احتمال المجاز، وذلك بأن تأمر بعين ما أمر به، وتنهى عن عين ما نهى عنه، وتخبر بعين ما أخبر به.
مثاله أن الله تعالى أمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإتمام الصوم، والحج، ونحوها من الفرائض، أعني الأمر بأصل الفعل. فجاءت السنة آمرة بذلك أيضاً. وفَعَلها النبي ﷺ . وكذلك جاء الكتاب ناهياً عن نكاح الربيبة، والجمع بين الأختين، فامتنع النبي ﷺ من ذلك وأكّد أنه حرام (١). وقد يسمى هذا النوع بيان التقرير. وهو لا يزيد عن أن يكون توكيداً لما في الكتاب.
٢ - تفسير ما في القرآن من مجمل. وذلك أن يَرِد القرآن بنص لا يُدرى المراد به أصلاً، ولا يتمكن المجتهد من استنباط التفاصيل، إذ إنها تُعلم من قبل القائل الأول. ومثاله أنه تعالى أمر بالصلاة، ولم يبين أوقاتها، ولا أعدادها، ولا عدد ركعاتها، ولا هيئاتها؛ فلا اللغة تبين ذلك من لفظ (الصلاة)، ولا أحيل في بيانها على شيء آخر. فلم يبق إلا أن يُبين ذلك من قبل الله تعالى. فكان ذلك بالسنّة. ويسمى هذا النوع بيان التفسير.
٣ - وقريب من هذا النوع بيان التخصيص للعام، وبيان التقييد للمطلق، وبيان إرادة خلاف الظاهر.
فالأول مثل أن الله أمر بقطع السارق، وهذا يعمّ سارق القليل والكثير، وجاء في الحديث إخراج صور معينة، لا قطع فيها، كمن سرق دون النصاب، أو سرق الثمر المعلّق وأكله في مكانه. فهذا بيان أنّ المراد بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (٢) ما عدا ما أُخرِج بالسنة.
стр. 33
ومن هذا النوع سائر ما بُيِّن من الشرائط لتنفيذ الأوامر الشرعية في العبادات
والحدود وغيرها.
والثاني، وهو تقييد المطلق، مثل قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿أو تحرير رقبة﴾ (١) قال النبي ﷺ لمن أراد عتق جارية بكماء، كفارةً عن ضربه لها: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٢) فقاسَ بعض الفقهاء على ذلك كفارة اليمين وأوجب فيها أن تكون مؤمنة.
وأما بيان إرادة خلاف الظاهر، فمثاله ما ورد أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن﴾ (٣) أهمَّ ذلك الصحابة، وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ فبيّن لهم ﷺ أنه تعالى يريد بالظلم الشرك خاصة.
٤ - تبديل ما في القرآن بأحكام أخرى. وهو النسخ. فهذا يثبتُه بعض الأصوليين، وينفيه آخرون. ونفيه هو الذي رجحّناه، كما تقدم.
٥ - هذا وقد تضيف السنة إلى الشريعة أحكاماً مستقلة ليست في القرآن. وهذا النوع قسمان (٤):
أ- قسم يمكن إرجاعه إلى القرآن بنوع من القياس، أو من العمل بالمقاصد العامة التي أرشد إليها القرآن. فمثال القياس أن الله تعالى قال: ﴿حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ... وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾ (٥) فذكر سبع محرمات بالنسب واثنتين بالرضاعة. فجاءت السنة تحرم سائر السبع من الرضاع، بحديث: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٦).
ومثال العمل بالمقاصد العامة: إباحة المسح على الخفين والعمامة والجبيرة، رخصة لدفع الحرج أو الضرر المشهود لهما في القرآن.
стр. 34
ب- وقسم يمكن إرجاعه إلى القرآن على معنى أنّ القرآن أرشد إلى العمل بالسنة. ومثاله ما ورد عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" (١). فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت كيت وكيت؟ فقال: "وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله ... ". قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (٢) ولو أنه ﵁ أجابها إذ أنكرت كون ذلك في القرآن، بأنه بيان لقوله تعالى عن الشيطان: ﴿ولآمرنهم فليغيّرنّ خلق الله﴾ (٣) لكان جواباً، ولكنه قطع عليها خط الرجعة، بما يدل على حجية السنة ولو كانت مستقلة عن القرآن في الدلالة على الأحكام.
ومن ذلك أن السنة نهت عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير (٤)، وليس ذلك في القرآن.
وحرمت على المحرم لبس الثياب المفصّلة المخيطة، وليس ذلك في القرآن.
وقد ذكر الشاطبي أن بعضهم رام أن يرجع ما في الأحاديث إلى النصوص القرآنية بالتفصيل بحيث يجد في القرآن دلالة تفصيلية، نصّاً أو إشارة، إلى ما دلّت عليه الأحاديث النبوية. قال: "ولكنه لا يفي بما ادّعاه، إلا أن يتكلف في ذلك مآخذ لا يقبلها كلام العرب، ولا يوافق على مثلها السلف الصالح، ولا العلماء الراسخون في العلم" وذكر أن: "هذا الرجل المشار إليه نصب نفسه لاستخراج معاني الأحاديث التي أخرجها مسلم في صحيحه، دون سواه" (٥).
وليت الشاطبي أشار إلى اسم هذا المؤلف، ليمكن العثور على ما صنعه، إذ أنه مبحث جدير بالاهتمام.
وسنعود إلى هذه المسألة بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من الباب الأول إن شاء الله.
стр. 35
المبحث الثالث تحديد المهمات النبويّة وبيان دور الأفعال النبوية في أدائها على الوجه الأكمل
تعرّضت آيات الكتاب العزيز، بالتفصيل، للغرض من البعثة النبوية الشريفة. فذكرت أن الله أرسل رسوله ﴿رحمة للعالمين﴾ (١) و ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ (٢) و ﴿لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين﴾ (٣) و ﴿ليُخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور﴾ (٤) و ﴿ليقوم الناس بالقسط﴾ (٥).
وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف السامية، أنزل الله تعالى كتابه العظيم، على رسوله الكريم.
تدبيران كل منهما بالغ الحكمة: أن جعل الله بين أيدي البشر كتاباً مشتملاً على ما يريد لهم أن يعلموه، وما يريد لهم أن يعملوا به.
وأن حَمَّل هذا الكتاب بشراً اختاره لكي يؤديه عن الله إلى عباد الله. وهما تدبيران متكاملان، يكوّنان تدبيراً واحداً، هدفه أن يعلم العباد ما يريد الله منهم، فتكون له عليهم الحجّة، فيؤمن به من شاء الله له أن يؤمن، فتتحقق له ﵀، ويحق القول على الكافرين، ولتنفذ شريعة الله في الأرض
стр. 36
فيقوم الناس بالقسط، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور. وبذلك تتحقق الأهداف المطلوبة من البعثة النبوية.
وفي سبيل ذلك حمّلت الكلمات الإلهية محمداً ﷺ مهمات جسيمة. وقد استقرأنا الآيات التي تعرضت لذلك، فتبين أن المهمات الرئيسية التي ذكرتها خمس هي كما يلي:
المهمة الأولى: التبليغ، والمراد به تبليغ القرآن، وتبليغ أحكام أخرى زائدة على ما يتضمنه القرآن العظيم. قال اللُه تعالى: ﴿إن عليك إلاّ البلاغ﴾ (١)، ﴿ما على الرسول إلاّ البلاغ﴾ (٢).
ومن البلاغ تلاوة القرآن، ليُسمع فيُعلم، وليُعرف كيف يُقرأ. قال الله تعالى: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً * رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات﴾ (٣).
المهمة الثانية: بيان القرآن، أي تفسير ما غمض من معانيه، وإيضاح ما أشكل منه، ورفع ما فيه من إجمال، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامّه، لكيما يفهم وينفذ على الوجه الذي أراده الله. قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكّرون﴾ (٤).
المهمة الثالثة: الدعوة إلى الله، بأن يطلب من الكفار الإيمان، وأن يدعو العصاة والمذنبين إلى الإقلاع عما يبعدهم عن رحمة الله. فكان ﷺ مكلفاً بأن يكون داعياً إلى الخلاص من الكفر والفسوق والعصيان في الدنيا، والخلاص كنتيجة لذلك من آثارها المدمرة في الآخرة. كما أنه كُلِّف أن يدعو إلى الأعمال الصالحة من العبادة وفعل الخير، ليكون ذلك موصلاً فاعله إلى جنة الله.
وفي سبيل ذلك كلف، ﷺ ، بمهمات أخرى معاونة لهذه المهمة، وهي مهمات: التذكير، والتبشير، والإنذار.
стр. 37
قال الله تعالى: ﴿فذكّر إنِما أنت مذكّر * لست عليهم بمسيطر﴾ (١) وقال: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾ (٢).
وأُمر ﷺ بالجهاد، تحقيقاً للدعوة، لإزالة كل ما يقف في طريقها من ظلم المتعسفين، الذين يحولون بقوتهم وسيطرتهم، بين الناس وبين أن يسمعوا كلام ربهم ويستجيبوا له.
المهمة الرابعة: تعليم الأمة القرآن، والسنن. فيعلّمهم تلاوة القرآن وحفظه، ويعوّدهم على تدبّره وتفهّمه واستنباط الأحكام منه، حتى يصبحوا به علماء من جميع الوجوه. وكذلك الشأن في السنن التي أراد لها أن تظهر وتصدر عن رسوله ﷺ . وقد روي في الحديث أن النبي ﷺ قال: "إنما بعثت معلماً" (٣)، وقال: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم" (٤)، وقال: "لكن الله بعثني معلماً ميسراً" (٥).
المهمة الخامسة: التزكية، وهي التربية، أي تنمية الغرائز والمَلَكَات والقدرات الصالحة في المؤمنين به، وتطهيرهم من خبائث الاعتقادات والأخلاق والعادات والأعمال والأقوال، حتى تكون الأمة أمّة قوية نافذة في أمورها، متحررة من جميع الانحرافات التي تزيغ بها عن الطريق، وبذلك يصبحون أهلاً للخلافة في الأرض، فيقوموا بحق الخلافة بقوة وصدق، ليستحقوا أن يكونوا هم الوارثين ﴿الذين يرثون الفردوس﴾ (٦).
هذا وإن المهمة الرابعة والمهمة الخامسة، تكادان أن تكونا مهمة واحدة، لشدة الترابط، ولأن أولاهما تؤدي إلى أخراهما، فمن تَعلّم الكتاب والسنة حقاً استقامت حاله في جميع النواحي التي ذكرناها.
وقد ذكر الله هاتين المهمتين، مع مهمة التبليغ، مجتمعة جميعاً، في أربعة
стр. 38
مواضع من كتابه الكريم. منها في سورة الجمعة ﴿هو الذي بعث في الأمّيّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (١).
ومن الملاحظ أن التبليغ والبيان والدعوة، تتمّ وتتأدَّى بالمرة الواحدة مع المبلّغ والمبين له والمدعوّ.
وأما التعليم والتزكية فأمرهما أشد من ذلك، إذ "إن التعلّم لا يقتصر على اكتساب الحقائق والمعارف والمعلومات، وإنما هو أوسع من ذلك. إذ يشمل اكتساب المهارات الحركية، والعادات السلوكية، والاتجاهات الاجتماعية، والقيم الخلقية، والدوافع الثانوية" (٢).
وهذا يستدعي من المعلّم الملاحقة والمواصلة لعملية التعليم يوماً بعد يوم بل وربما ساعة بعد ساعة. وأن ينتهز الفرص لإلقاء المعلومات، وتفسيرها. وتكرارها، والمناقشة فيها، وتصحيح أخطاء المتعلمين عند استذكارها وتطبيقها، والثناء عليهم إذا أحسنوا استيعابها والعمل بها، وأن لا يُخْليهم من ذلك كله إلاّ بعد أن يطمئن إلى أنّ ما حصّلوه رسخ لديهم على وجه مستقيم، وأصبحت لهم ملكة فيه قوية.
وهكذا كان شأنه ﷺ مع أصحابه ﵃.
دور الأفعال:
هذا وإن الأقوال كانت هي الوسيلة الرئيسية للنبي ﷺ في أداء هذه المهمات.
ولكن مع ذلك كانت الأفعال النبوية تؤدي دوراً بارزاً في تنفيذ المهمات المطلوبة منه، وخصوصاً مهمة البيان، ومهمة التعليم والتزكية.
стр. 39
طرائق التعليم:
كشفت الدراسات التربوية عن أن تأثر شخص ما بشخص آخر، في تحصيل أنواع من المعرفة والتعلم، واكتساب الاتجاهات والقيم والعادات، يمكن أن يتمّ بثلاث طرق: الاستماع للأقوال، والمشاهدة للأفعال والاقتداء بها، والممارسة من جانب المتعلم مع التصحيح من جانب المعلم.
وإن دراسة طبيعة هذه الطرق وخصائصها، يكشف لنا عن مدى حاجة البشر إلى رسول منهم، يؤدي المهمات المذكورة إليهم. وتتبين بها حكمة الله في ذلك، وعظيم منته التي ذكرها في سورة آل عمران في قوله: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾.
أولاً: طريقة الاستماع للقول:
إن القول أساسي في عملية التعليم. وبه تنتقل الأفكار والمعلومات من ذهن المعلم إلى ذهن المتعلم، عن طريق حاسة السمع، ويمكن بهذه الواسطة نقل معلومات وافرة في برهة قصيرة.
وتمتاز هذه الطريقة، بإمكان التحديد الدقيق للمعلومات، وربط الأسباب بالمسببات، وذكر الصيغ بدرجة العموم والخصوص المطلوبة، وذلك بما توفره أداة اللغة من إمكانيات لا تكاد تقف عند حد، يستطاع بواسطتها أداء الفكرة على درجة عالية من الكمال، بحسب تمكن المعلّم من الفصاحة والبلاغة، ووفرة محصوله من الألفاظ والتراكيب.
وتسمى هذه الطريقة في عالم التدريس بطريقة الإلقاء والمحاضرة.
ومن أجل الميزات المذكورة لهذه الطريقة، جعل الله أصل الشريعة الأصيل قولاً يتلى ويسمع، وسمّاه ﴿قرآناً مبيناً﴾، وجعله مشتملاً على المسائل الرئيسية في الشريعة، وأمر بتلاوته وتدبّره وتفهّمه، ووعد على ذلك الأجر الجزيل، وجعل لقراءته واستماعه مناسبات دينية تتكرّر بتكرر الساعات والأيام والشهور،
стр. 40
كالصلوات الخمس، والجمعات والأعياد، وكقيام الليل، وخاصة قيام شهر رمضان شهر القرآن.
وجعله مكتوباً محفوظاً ليبقى دون تحريف ولا تغيير، ينتقل بين أيدي البشر جيلاً بعد جيل، ليستمعوا كلام الله غضّاً كما أُنْزِل، فتحصل منه المنافع المشار إليها لكل من وفّقه الله لرفقة القرآن.
كما أن القسم الأكبر من السنة النبوية هو سنن قولية.
فكان النبي ﷺ يبلّغ بلفظه ما يوحى إليه من أحكام، ويبينّ بلفظه ما أشكل من معاني القرآن، ويجيب على الأسئلة والاستفسارات الموجّهة إليه من صحابته الكرام، ويدعو إلى الله تعالى الأفراد والجماعات، في لقاءات خاصة، أو اجتماعات عامة لأمور واقعة، أو لمناسبات تتكرر، كما في مجالس حديثه مع المؤمنين، في المسجد، والسوق، والمنزل، والسفر والإقامة، وكما في خطبه في الجمعات والأعياد والحج وغير ذلك. واتخذ المنبر ليسمع قوله أكبر عدد من الحاضرين، بأكبر قدر من الوضوح. واتخذ له أصحابه دكّةً من طين في المسجد يجلس عليها إذا أراد أن يكلّمهم ويعلّمهم.
وواضح أن طريقة الإلقاء والقول كانت هي الوسيلة الكبرى لأداء المهمّات النبوية الخمس التي أشرنا إليها.
الطريقة الثانية للتعلّم: مشاهدة الفعل لأجل الاقتداء به:
الراغب في تعلم مهنة ما، يدرس أولاً أسسها نظريّاً، ويتفهم قواعدها وأصولها من الأقوال المسموعة أو المدونة في دواوين تلك المهنة. فإذا انتهى من ذلك وخرج إلى الحياة العملية مزوَّداً بتلك المعلومات، وهو يظن أنه قد أتقن ما سمع وعلمه حق العلم، يجد أنه عند المباشرة لتطبيق المعلومات التي حصلها يخفى عليه شيء كثير من التفاصيل التي تجدّ عليه، والتي هي بحاجة إلى أن يستكشف أسرارها وطرق علاجها.
والمشاهدة لفعل نموذجيٍّ من معلم نموذجي، من أعلى المستويات في تلك المهنة ذي خبرة بدقائقها وأسرارها، يطبق المعلومات النظرية، هذه المشاهدة هي