← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فيقوم الناس بالقسط، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور. وبذلك تتحقق الأهداف المطلوبة من البعثة النبوية. وفي سبيل ذلك حمّلت الكلمات الإلهية محمداً ﷺ مهمات جسيمة. وقد استقرأنا الآيات التي تعرضت لذلك، فتبين أن المهمات الرئيسية التي ذكرتها خمس هي كما يلي: المهمة الأولى: التبليغ، والمراد به تبليغ القرآن، وتبليغ أحكام أخرى زائدة على ما يتضمنه القرآن العظيم. قال اللُه تعالى: ﴿إن عليك إلاّ البلاغ﴾ (١)، ﴿ما على الرسول إلاّ البلاغ﴾ (٢). ومن البلاغ تلاوة القرآن، ليُسمع فيُعلم، وليُعرف كيف يُقرأ. قال الله تعالى: ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً * رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات﴾ (٣). المهمة الثانية: بيان القرآن، أي تفسير ما غمض من معانيه، وإيضاح ما أشكل منه، ورفع ما فيه من إجمال، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامّه، لكيما يفهم وينفذ على الوجه الذي أراده الله. قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم ولعلهم يتفكّرون﴾ (٤). المهمة الثالثة: الدعوة إلى الله، بأن يطلب من الكفار الإيمان، وأن يدعو العصاة والمذنبين إلى الإقلاع عما يبعدهم عن رحمة الله. فكان ﷺ مكلفاً بأن يكون داعياً إلى الخلاص من الكفر والفسوق والعصيان في الدنيا، والخلاص كنتيجة لذلك من آثارها المدمرة في الآخرة. كما أنه كُلِّف أن يدعو إلى الأعمال الصالحة من العبادة وفعل الخير، ليكون ذلك موصلاً فاعله إلى جنة الله. وفي سبيل ذلك كلف، ﷺ ، بمهمات أخرى معاونة لهذه المهمة، وهي مهمات: التذكير، والتبشير، والإنذار.

стр. 37

قال الله تعالى: ﴿فذكّر إنِما أنت مذكّر * لست عليهم بمسيطر﴾ (١) وقال: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾ (٢). وأُمر ﷺ بالجهاد، تحقيقاً للدعوة، لإزالة كل ما يقف في طريقها من ظلم المتعسفين، الذين يحولون بقوتهم وسيطرتهم، بين الناس وبين أن يسمعوا كلام ربهم ويستجيبوا له. المهمة الرابعة: تعليم الأمة القرآن، والسنن. فيعلّمهم تلاوة القرآن وحفظه، ويعوّدهم على تدبّره وتفهّمه واستنباط الأحكام منه، حتى يصبحوا به علماء من جميع الوجوه. وكذلك الشأن في السنن التي أراد لها أن تظهر وتصدر عن رسوله ﷺ . وقد روي في الحديث أن النبي ﷺ قال: "إنما بعثت معلماً" (٣)، وقال: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم" (٤)، وقال: "لكن الله بعثني معلماً ميسراً" (٥). المهمة الخامسة: التزكية، وهي التربية، أي تنمية الغرائز والمَلَكَات والقدرات الصالحة في المؤمنين به، وتطهيرهم من خبائث الاعتقادات والأخلاق والعادات والأعمال والأقوال، حتى تكون الأمة أمّة قوية نافذة في أمورها، متحررة من جميع الانحرافات التي تزيغ بها عن الطريق، وبذلك يصبحون أهلاً للخلافة في الأرض، فيقوموا بحق الخلافة بقوة وصدق، ليستحقوا أن يكونوا هم الوارثين ﴿الذين يرثون الفردوس﴾ (٦). هذا وإن المهمة الرابعة والمهمة الخامسة، تكادان أن تكونا مهمة واحدة، لشدة الترابط، ولأن أولاهما تؤدي إلى أخراهما، فمن تَعلّم الكتاب والسنة حقاً استقامت حاله في جميع النواحي التي ذكرناها. وقد ذكر الله هاتين المهمتين، مع مهمة التبليغ، مجتمعة جميعاً، في أربعة

стр. 38

مواضع من كتابه الكريم. منها في سورة الجمعة ﴿هو الذي بعث في الأمّيّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (١). ومن الملاحظ أن التبليغ والبيان والدعوة، تتمّ وتتأدَّى بالمرة الواحدة مع المبلّغ والمبين له والمدعوّ. وأما التعليم والتزكية فأمرهما أشد من ذلك، إذ "إن التعلّم لا يقتصر على اكتساب الحقائق والمعارف والمعلومات، وإنما هو أوسع من ذلك. إذ يشمل اكتساب المهارات الحركية، والعادات السلوكية، والاتجاهات الاجتماعية، والقيم الخلقية، والدوافع الثانوية" (٢). وهذا يستدعي من المعلّم الملاحقة والمواصلة لعملية التعليم يوماً بعد يوم بل وربما ساعة بعد ساعة. وأن ينتهز الفرص لإلقاء المعلومات، وتفسيرها. وتكرارها، والمناقشة فيها، وتصحيح أخطاء المتعلمين عند استذكارها وتطبيقها، والثناء عليهم إذا أحسنوا استيعابها والعمل بها، وأن لا يُخْليهم من ذلك كله إلاّ بعد أن يطمئن إلى أنّ ما حصّلوه رسخ لديهم على وجه مستقيم، وأصبحت لهم ملكة فيه قوية. وهكذا كان شأنه ﷺ مع أصحابه ﵃. دور الأفعال: هذا وإن الأقوال كانت هي الوسيلة الرئيسية للنبي ﷺ في أداء هذه المهمات. ولكن مع ذلك كانت الأفعال النبوية تؤدي دوراً بارزاً في تنفيذ المهمات المطلوبة منه، وخصوصاً مهمة البيان، ومهمة التعليم والتزكية.

стр. 39

طرائق التعليم: كشفت الدراسات التربوية عن أن تأثر شخص ما بشخص آخر، في تحصيل أنواع من المعرفة والتعلم، واكتساب الاتجاهات والقيم والعادات، يمكن أن يتمّ بثلاث طرق: الاستماع للأقوال، والمشاهدة للأفعال والاقتداء بها، والممارسة من جانب المتعلم مع التصحيح من جانب المعلم. وإن دراسة طبيعة هذه الطرق وخصائصها، يكشف لنا عن مدى حاجة البشر إلى رسول منهم، يؤدي المهمات المذكورة إليهم. وتتبين بها حكمة الله في ذلك، وعظيم منته التي ذكرها في سورة آل عمران في قوله: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾. أولاً: طريقة الاستماع للقول: إن القول أساسي في عملية التعليم. وبه تنتقل الأفكار والمعلومات من ذهن المعلم إلى ذهن المتعلم، عن طريق حاسة السمع، ويمكن بهذه الواسطة نقل معلومات وافرة في برهة قصيرة. وتمتاز هذه الطريقة، بإمكان التحديد الدقيق للمعلومات، وربط الأسباب بالمسببات، وذكر الصيغ بدرجة العموم والخصوص المطلوبة، وذلك بما توفره أداة اللغة من إمكانيات لا تكاد تقف عند حد، يستطاع بواسطتها أداء الفكرة على درجة عالية من الكمال، بحسب تمكن المعلّم من الفصاحة والبلاغة، ووفرة محصوله من الألفاظ والتراكيب. وتسمى هذه الطريقة في عالم التدريس بطريقة الإلقاء والمحاضرة. ومن أجل الميزات المذكورة لهذه الطريقة، جعل الله أصل الشريعة الأصيل قولاً يتلى ويسمع، وسمّاه ﴿قرآناً مبيناً﴾، وجعله مشتملاً على المسائل الرئيسية في الشريعة، وأمر بتلاوته وتدبّره وتفهّمه، ووعد على ذلك الأجر الجزيل، وجعل لقراءته واستماعه مناسبات دينية تتكرّر بتكرر الساعات والأيام والشهور،

стр. 40

كالصلوات الخمس، والجمعات والأعياد، وكقيام الليل، وخاصة قيام شهر رمضان شهر القرآن. وجعله مكتوباً محفوظاً ليبقى دون تحريف ولا تغيير، ينتقل بين أيدي البشر جيلاً بعد جيل، ليستمعوا كلام الله غضّاً كما أُنْزِل، فتحصل منه المنافع المشار إليها لكل من وفّقه الله لرفقة القرآن. كما أن القسم الأكبر من السنة النبوية هو سنن قولية. فكان النبي ﷺ يبلّغ بلفظه ما يوحى إليه من أحكام، ويبينّ بلفظه ما أشكل من معاني القرآن، ويجيب على الأسئلة والاستفسارات الموجّهة إليه من صحابته الكرام، ويدعو إلى الله تعالى الأفراد والجماعات، في لقاءات خاصة، أو اجتماعات عامة لأمور واقعة، أو لمناسبات تتكرر، كما في مجالس حديثه مع المؤمنين، في المسجد، والسوق، والمنزل، والسفر والإقامة، وكما في خطبه في الجمعات والأعياد والحج وغير ذلك. واتخذ المنبر ليسمع قوله أكبر عدد من الحاضرين، بأكبر قدر من الوضوح. واتخذ له أصحابه دكّةً من طين في المسجد يجلس عليها إذا أراد أن يكلّمهم ويعلّمهم. وواضح أن طريقة الإلقاء والقول كانت هي الوسيلة الكبرى لأداء المهمّات النبوية الخمس التي أشرنا إليها. الطريقة الثانية للتعلّم: مشاهدة الفعل لأجل الاقتداء به: الراغب في تعلم مهنة ما، يدرس أولاً أسسها نظريّاً، ويتفهم قواعدها وأصولها من الأقوال المسموعة أو المدونة في دواوين تلك المهنة. فإذا انتهى من ذلك وخرج إلى الحياة العملية مزوَّداً بتلك المعلومات، وهو يظن أنه قد أتقن ما سمع وعلمه حق العلم، يجد أنه عند المباشرة لتطبيق المعلومات التي حصلها يخفى عليه شيء كثير من التفاصيل التي تجدّ عليه، والتي هي بحاجة إلى أن يستكشف أسرارها وطرق علاجها. والمشاهدة لفعل نموذجيٍّ من معلم نموذجي، من أعلى المستويات في تلك المهنة ذي خبرة بدقائقها وأسرارها، يطبق المعلومات النظرية، هذه المشاهدة هي

стр. 41

وسيلة حية، ومصدر مهمّ، يتعلم منه طالب العلم الشيء الكثير عن المادة التي يدرسها. وخاصة إذا كانت "مشاهدة قصدية، وموجهة توجيهاً صحيحاً، لنواحي مختلفة من عمل المدرس. وهي ضرورية مع الطلبة الصغار والكبار على السواء وينبغي ألا تتوقف طيلة مدة الدراسة. وهي طريقة ناجحة في تنمية اتجاهات محمودة نحو المهنة موضوع الدرس، وكذلك في تنمية مهارات كافية في تلك المهنة" (١). هذا وقد أصبح استخدام وسائل الإيضاح المشاهدة جزءاً أساسياً من عملية التعليم في العصر الحاضر، وأولتها المؤسسات التعليمية الاهتمام البالغ. إذ إنها تعطي للمعلومات مزيداً من الحيوية، وتجعل الطالب متشوّقاً إلى المادة العلمية، ومتمتعاً متلذذاً بما يصحله منها، بالإضافة إلى معاونتها للطالب على تحليل المادة الدراسية، وفهمها فهماً جيداً. فإن من طبيعة هذه الوسائل أن توضح ما غمض في المادة. وتفسّر ما يصعب التعبير عنه بالقول. كما أن هذه الوسائل من شأنها أن تجعل المعلومات المدروسة ذات قيمة تطبيقية عملية، يستطيع الطالب أن يستفيد منها في فعالياته المختلفة في حياته. وكل ذلك يعود إلى الميزة البارزة في وسائل الإيضاح، وهي ربطها للمعلومات الجديدة التي يقدمها المعلم إلى الطالب بالمعلومات القديمة، وبذلك تعين الوسائل الإيضاحية على تثبيت ما يعرضه المدرّس من المادة في ذهن الطالب. وبالإضافة إلى ذلك، تثير الوسائل الإيضاحية الملاحظة والتأمّل في الأشياء والحوادث والمواقف الجديدة، حتى تطلب النفس الجواب على ما يقع من المشكلات التي يشاهد الطالب وقوعها، وتتحدد أمامه مجسمة واضحة، فيقع الجواب عنها لديه موقعاً مستقراً. وواضح أن المعلومات تصل إلى ذهن الطالب، في طريقة المشاهدة، عن طريق حاسة البصر.

стр. 42

ويؤكِّد علماء النفس أن الإدراك الحسي لشيء ما، يقوى ويتعاظم لدى الفرد كلما اشترك في إدراكه من الحواس عدد أكبر. فإذا وصف المدرس للطلبة نهراً معيناً تحصَّل لديهم فكرة ما عن هذا النهر. ولكن إذا رسم المدرس النهر، أو أخذهم إليه، تتوسع فكرتهم عن هذا النهر، وترسخ معلوماتهم عنه حتى لا تكاد تَمّحي من أذهانهم، فيسهل تذكرهم له واستعادة صورته. فإذا سبحوا في مائه، وشربوا منه، وشعروا ببرده أو حرِّه، قويت معرفتهم وازدادت رسوخاً. وبذلك تخرج المعلومات بالمشاهدة من عالم العقل إلى عالم الواقع، ومن القول إلى الفعل، ومن التصور المجرد إلى الحقيقة الواقعة (١). الأفعال النبوية كوسيلة بيانية وتعليمية مشاهدة: إن الله وهو العالم بطبائع البشر، الخبير بما يصلح لهم ويصلحهم، لم يشأ أن تكون معرفتهم بالدين عن طريق كتاب يلقى إليهم دون بيان رسول وينتهي الأمر، أو عن طريق رسول يبلّغهم الكتاب وينتهي الأمر، ولكن، لكي تتم حجّة الله على العالمين، جعل هذا الرسول نموذجاً بشرياً لذلك الكتاب، حتى كأنّ ذلك الرسول قرآن متحرك. أو كأنّ المنهج القرآني تحول "إلى حقيقة واقعة، تتحرك بين الناس. تحوّل إلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره، مبادئ ذلك المنهج ومعانيه"، "ووضع الله في شخص ذلك الرسول الصورة الكاملة للمنهج الإسلامي، الصورة الحية الخالدة على مدار التاريخ" (٢). وقد سأل سعد بن هشام عائشة أم المؤمنين ﵂، عن خُلق رسول الله ﷺ ، فقالت: "ألستَ تقرأ القرآن؟ " قال: "بلى"، قالت: "فإن خلق

стр. 43

نبي الله ﷺ كان القرآن"، قال: "فهمت أن أقوم ولا أسأل عن شيء حتى أموت" (١). لقد تمثّلت في النبي ﷺ خصائص المنهج الرّبّاني في الحياة البشرية كما تمثّلت في حياته تفاصيل ذلك المنهج، فالذي شاهد حياته وأفعاله ﷺ فقد شاهد ذلك المنهج، ومن قبس منه، فقد قبس من النور الذي أرسله الله لهداية البشر. ومن هنا نعلم وجه وصفه بالسراج في الآية التي حددت مهماته ﷺ ، إذ قال الله : ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾ (٢). إن مشاهدة الناس للمبادئ القرآنية متمثّلة في الواقع الأرضي البشري، يعطي لهم دفعات من الثقة والتصديق بذلك المنهج، لأنهم يرونه بعيونهم متحققاً، فيُسارعون إلى تطبيق تلك المبادئ، اقتداءً بمن رأوها متمثلة فيه. ولو أن القرآن نزل مجرداً عن رسول حامل له ممثِّل لما فيه، لتعوّقت كثير من النفوس عن امتثاله، توهّماً أن ذلك أمر صعب المنال، أو لا يمكن تحقيقه في واقع الحياة. هذا وإن الذين شاهدوه ﷺ بأعينهم، تأثّروا به، وتعلّموا منه على أتم ما يمكن من أحوال هذه الطريقة. ولكن الذين لم يشاهدوه يتيسّر لهم الاطلاع على أفعاله وأحواله بما نقل إليهم عن طريق الذين شاهدوه، ويكون هذا الاطلاع وسيلة قريبة من المشاهدة، تؤدي إلى ثمارٍ قريب من ثمار المشاهدة. فهو قدوة متجددة حيثما ذكرت سيرته وأخباره وأحواله ﷺ . وقد تمثّلت فيه ﷺ صور متنوعة، كل منها يوضّح للبشر كيف يكون الملتزم بالمنهج الرباني في ناحية معينة من نواحي الحياة. فالعالم يرى في محمد ﷺ الصورة السامية المثاليّة للعالم، والعابد يرى فيه

стр. 44

صورة المثل الأعلى للعابد، وهكذا الداعية، ورجل السياسة، ورجل الحرب، والأب، والزوج، والقريب، والصاحب والصديق، حتى العدوّ يستطيع أن يتعلم منه كيف ينبغي أن يعامل عدوّه. و"كل هذه الصور كانت مجتمعة في محمد ﷺ على توافق وانسجام" (١) وتعادل، لا يطغى بعضها على بعض كما قد تطغى بعض الصفات في الأبطال على سائر الصفات. هل كان محمد ﷺ مثلاً أعلى: يقول جولد تسيهر: "لو أن الإسلام قد تمسّك بشهادة التاريخ الحق تمسكاً دقيقاً لوجد أنه لا يستطيع أن يُمدَّ المؤمنين به بفكرة مثاليّة للحياة الأخلاقية، وهي فكرة اتخاذ الرسول ﷺ مثلاً أعلى واحتذائه. لكن المؤمنين لم يتركوا أنفسهم يتأثرون بصورة محمد ﷺ كما رسمها التاريخ الصادق، بل حلّ محلها من أول الأمر، الصورة المثاليّة للنبي في رأيهم". ثم يقول: "إن علم الكلام في الإسلام، حقق هذا المطلب، بما رسم للنبيّ ﷺ من صورة تمثله بطلاً ونموذجاً لأعلى الفضائل، لا مجرد أداة للوحي الإلهي ونشره بين غير المؤمنين. على أنه يبدو أن هذا لم يرده محمد ﷺ نفسه، فقد قال إن الله أرسله ﴿شاهداً ومبشراً ونذيراً * وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾ أي إنه مرشد، لا نموذج ومثل أعلى، أو -على الأقل- إنه ليس كذلك ﴿أسوة حسنة﴾ إلاّ بفضل رجائه وذكره الله كثيراً (سورة الأحزاب: آية ٢١) ولقد كان على ما يبدو مدركاً بإخلاص ضعفه الإنساني، ومن ثَمَّ كان عمله أكثر من شخصه". اهـ (٢). هذا المعنى الذي ألح عليه المستشرق اليهودي، أشار إليه الآخر: يوسف شاخت، في مادة (أصول الفقه) في (دائرة المعارف الإسلامية) حيث ذكر أن

стр. 45

أقواله ﷺ لم تكن موضع شك منذ البداية، أما الأفعال فإنما اتّخذ فيها مثلاً أعلى رَغمْاً عن أن شريعته لا تدل على ذلك. ونحن سنثبت -إن شاء الله- حجية أفعال النبي ﷺ في الفصل الثالث من الباب الأول. ولن نرد على ما في كلامهما من الباطل الذي دعاهما إليه الكفر. ولكن يهمنا هنا إثبات أنه ﷺ جُعِل الصورة المقتدى بها في الدين، وأن بملاحظة أفعاله يحصل تعلم الدين، وأنه كان المثل الأعلى للبشر في حدود البشرية من جهة الدين، وأن ما أشار إليه جولد تسيهر وزاغ عنه، وهو قوله تعالى في الأخلاق والعبادة والمعاملة: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ دليل في ذلك. وسياق الآية في الثبات في الحرب، لا في مجرد العبادة. وحتى الآية التي كفر بها جولد تسيهر، فيها أن الله أرسل نبيه ﴿سراجاً منيراً﴾، والسراج يضيء من داخله. وقد جاء ثلاثة رهط إلى أبيات النبي ﷺ ، يسألون عن عبادته لربه، فأخبروا بها، فكأنهم تقالُّوها. فقالوا: وأين نحن من رسول الله ﷺ ، قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فالتزم بعضهم أن لا ينكح النساء، والآخر أن يصوم ولا يفطر، والثالث: أن يقوم فلا ينام. فأخبر النبي ﷺ بقولهم، فقال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر، وأقوم، وأنام، وأتزوّج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني" (١). فلم ينبّههم إلى الحق بذكر آية، أو تبليغ وحي، وإنما نبّههم إلى فعل نفسه، وإلى ما يلتزم به، وأن من ناقَضَ مقتضى الاقتداء به في ذلك، فليس على شريعته. وأمر آخر يدل على المطلوب دلالة واضحة، وهي أن الله تعالى قصّ علينا في كتابه قصص أنبيائه والصالحين من عباده. وإنما قصّهم ليكونوا عبراً ومُثُلاً تحتذى، كما في توبة آدم، ودعوة شعيب، والتزام إبراهيم، ووصية يعقوب لبنيه بالتوحيد، وعفة يوسف، واستغفار يونس، وطاعة إسماعيل، وقوة موسى، وعبادة مريم،

стр. 46

وعبودية عيسى، عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه. فكيف لا تكون أفعال أفضلهم وأكرمهم وأتقاهم لله، قدوة ومثالاً يحتذى، وهو خاتمهم الذي جعل للناس كافة رسولاً؟ وكان خاتماً للرسل، فهو نبي جميع العصور اللاحقة حتى تقوم الساعة. ومعلوم أن أفعاله يقتدى بها من حيث هي دليل على أحكام الله، لا لذاتها من حيث إنها أفعاله، وكونه (مثلاً أعلى) إنما هو في شدة تمسّكه بما أمره به ربه، وشدة متابعته للمنهج الذي رسمه له. وقد وضّح ﷺ هذا عندما قال لمن أبي الاقتداء به في حكم ديني، محتجاً بأن الله يحل لرسوله ما شاء: قال له: "لكني أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي" فأشار إلى أنه قدوة من حيث كونه أعلى الناس في تقوى الله، مع كونه أعلمهم بأحكام الله. وقال لبعض الصحابة: "أما لكم فيّ أسوة" (١) وكلام المستشرق الآنف الذكر يوهم أن المسلمين جعلوه ﷺ مثلاً أعلى تحتذى أفعاله لذاتها، على اعتبار أنه إن فعل شيئاً أصبح شرعاً، ولو لم يقصد به التشريع. وهذا لم يذهب إليه أحد من المسلمين، إلا بعضهم في أفعال محدودة سنبيّنها في موضعها إن شاء الله. بل أكثر كلام الأصوليين في باب الأفعال دائر حول تمييز ما هو دليل على الحكم الشرعي مما ليس بدليل. وقد حقّق الاقتداءُ به ﷺ مستويات عالية في الإيمان والإخلاص والجهاد والعلم والعبادة والدعوة، تمثّلت في أشخاص الصحابة الكرام، وفي المجاهدين المخلصين لله في كل عصر وجيل من أجيال أهل الإسلام. ولا تزال هذه القدوة العظيمة تنبت أبطالاً في كل عصر، يكونون شجىً في حلوق أعداء الله. وكأنّ الله يشير إلى هذا بقوله: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... ﴾ إلى قوله: ﴿ ... ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ (٢).

стр. 47

الطريقة الثالثة للتعليم: الممارسة للفعل تحت نظر المعلّم ليصحح للمتعلّم إن كان في فعله خطأ، ويقرّه عليه إن كان صواباً. ويقابلها في السنة النبوية (الإنكار والتقرير). "والممارسة والعمل منهل من مناهل التعلم. وقد نادى ولا يزال ينادي بهما مربو العصر الحاضر. والقول المأثور (التعلم بالعمل) يهيمن على فلسفة جميع المدارس الأمريكية، ويسيطر على تفكير جميع مدرسيها، حتى إن المتأخرين من المربّين والمشتغلين بالتعليم أخذوا يضعون الأهميّة العظمى على الناحية العملية. وما (المدارس التجريبيّة) إلا مؤسسات أعِدّت لتطبيق هذه الفكرة، إذ نجد الطلاب في مثل هذه المدارس في غرف مملوءة بالآلات البخارية أو الكهربائية، كأننا في معمل من المعامل، لا في مدرسة جاء إليها الطلاب ليتلقّوا فيها العلوم. ومن أجل هذا فالطلاب في مثل هذه المدارس، يتلذّذون بكل ما يعهد إليهم عمله، ويتعلمون أكثر مما يتعلمه الطلاب في المدارس التقليدية" (١). المدرسة النبوية قد طبّقت هذه الطريقة بمستوى رفيع: لقد حثّ القرآن طوائف الأمّة على النفير إلى رسول الله ﷺ ، والنفير معه، ليتعلّموا أثناء النفير، ويعملوا بأحكام دينهم تحت سمع النبي ﷺ وبصره. وكان النبي ﷺ يصحح لهم وينقد لهم أفعالهم إن كان فيها خطأ، ويقرّ ما هو صالح وصحيح من أفعالهم، ويثني على ما هو حسن، حتى يستقرّ في نفوسهم الميل إليه واستحسانه. وكان النبي ﷺ حيثما أقام أو سافر أو غزا، يلاحظ أفعال صحابته ولا يترك الخطأ (يمر)، بل ينبّه عليه، كما حدث في حديث المسيء في صلاته، وحديث أنهم كانوا يحلفون بآبائهم فنهاهم، وغير ذلك مما هو معروف في دواوين السنة. وكان يكل إلى أصحابه المهامّ الجسيمة في السرايا والبعوث والولايات والوفود في غيبته، بل يكل إليهم أحياناً الحكم والخطابة والمفاوضة في حضرته. فيتعلّمون بالعمل. وهو ﷺ يقرّ لهم الصواب فيعلمون أنه صواب، وينكر عليهم الخطأ فيجتنبونه.

стр. 48

المبحث الرابع تقسيم السّنن النَّبَويَّة إلى قوليَّة وفعليَّة صريحة وغير صريحة تنقسم السنن النبوية من حيث طبيعتها قسمين رئيسيين: الأول: الأقوال. والثاني: الأفعال. والزركشي في البحر المحيط توسّع في ذكر أقسام السنن بالتفصيل، فجعلها ثمانية: الأول: القول، الثاني: الفعل، الثالث: التقرير، الرابع: ما همّ به، الخامس: الإشارة، السادس: الكتابة، السابع: الترك، الثامن: التنبيه على العلة، نقله عن أبي منصور، والحارث المحاسبي (١). ونحن نرى أن الخمسة التي ذكرها بعد الفعل راجعة إلى قسم الأفعال، وإن كانت ذات صفات خاصة تميّزها عن سائر الأفعال. وأما الثامن، وهو التنبيه على العلة، فهو إما راجع إلى القول، إن كان الدليل قوليّاً، أو إلى الفعل إن كان الدليل فعليّاً. ومن أجل ذلك فإن تقسيم السنن إلى أقوال وأفعال هو تقسيم حاصر. ثم الأفعال تنقسم إلى أنواع. وسوف نسير في رسالتنا هذه على هذه الطريقة. فنقسم السنن إلى قسمين: قولية، وفعلية.

стр. 49

تعريف الفعل: الفعل هو حركة البدن أو النفس. وعرّفه صاحب اللسان بأنه: "كناية عن كل عمل متعدّ أو غير متعدّ". والفعل عند المنطقيين "تأثير من جرم مختار أو مطبوع في جرم آخر، فيحيله عن بعض كيفيّاته إلى كيفيّات أخرى، كفعل السكّين والحجر، والقاطع بهما، فإنهما يحيلان القطوع، كالتفاحة مثلاً، عن حال الاجتماع إلى حال الافتراق. وقد يكون الفعل مجرداً، كالقيام والتحرك والتفكر، وما أشبه ذلك" (١). وقال الجرجاني في التعريفات: "الفعل هو الهيئة العارضة للمؤثّر في غيره بسبب التأثير، كالهيئة الحاصلة للقاطع بسبب كونه قاطعاً ... ومنه الفعل العلاجي، وهو ما يحتاج حدوثه إلى تحريك عضو كالضرب والشتم" (٢). ثم ذكر ابن حزم أن الفعل ينقسم إلى ما يبقى أثره بعد انقضائه، كفعل الحرّاث والنجّار والزوّاق، وما لا يبقى أثره بعد انقضائه كفعل السابح والماشي والمتكلّم، وما أشبه ذلك (٣). هذا وليس كل ما يعبر عنه بالفعل الصرفيّ مراداً هنا، فنحو مات وعاش، واسودّ وابيضّ، وكان وصار، وحُرِمَ ورُحِمَ، هذه أفعال عند الصرفيين ولكنها ليست عند المناطقة والأصوليين أفعالاً، لأن من نسبت إليه لم يفعلها. والقول هو فعل من بعض الوجود. وسيأتي بيان ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني إن شاء الله. فعل غيره بأمره ﷺ : لو أمر النبي ﷺ أحد المسلمين أن يفعل شيئاً ففعله، فهل يكون ذلك فعلاً نبوياً حتى يستدلَّ به على طريقة الاستدلال بالأفعال، أم هو قول يفهم كغيره من الأوامر؟

стр. 50

يمثّل الأصوليون في باب الأفعال النبوية بأنه ﷺ (رَجَم) ماعزاً، و (قطع) سارق رداء صفوان. ومن المعلوم أنه ﷺ لم يباشر ذلك، ولكن فعل بأمره. وقد اعترض على التمثيل بذلك ابن الهمام في التحرير، ثم قال: "إلا أن يُجعل فعل المأمور كفعله ﷺ لمّا كان بأمره، وفيه ما فيه" (١) وأنا أقول: إن القول النبوي الذي بمعنى الإفتاء والإخبار بحكم الشرع هو (قول)، وما فعل بناء عليه يكون منسوباً إلى فاعله لا إلى الآمر به. وذلك كما نصلي ونصوم ونحج ولا ينسب فعلنا إلى النبي ﷺ . وأما الأمر التنفيذيّ الصادر عن النبي ﷺ ، بوصفه (إمام العامة) أو القائد أو الأمير، أو نحو ذلك، فإن ما يفعله المأمور تنفيذاً مطابقاً، فهو من جهةٍ فعل للمأمور، لأنه قام بالحركة، فتنسب إليه حقيقة. ويجوز نسبته إلى الآمر به، ﷺ . وأهل البيان يجعلون نسبة الفعل إلى الآمر به من المجاز العقليّ، لما كان الآمر هو السبب في وجود الفعل وليس هو الفاعل الحقيقي. إلا أن مرادنا هنا توضيح أن مثل ذلك الفعل هل ينسب إلى النبيّ ﷺ ، حتى يكون من باب الأفعال النبوية، ويستدل به كما يستدل بالأفعال، فيدل مثلاً إذا كان مجرداً على الاستحباب في ما هو من باب القرب، أو هو أمر فيستدل به على الوجوب؟ وهي مسألة مهمة تنبني عليها فروع كثيرة. إن الشخص الذي وُجّه إليه الأمر التنفيذي يلزمه الطاعة، لأنه (مأمور) والأمر يقتضي الوجوب. ولكن غيره ممن لم يؤمر به، يقتدي بالفعل، ويعتبره كسائر أفعاله ﷺ ، فيجري عليه قانون الاستدلال بالأفعال النبوية. ووجه ذلك أن المأمور في هذه الحال لا يزيد عن كونه كالآلة للآمر، وخاصّة وأنه ﷺ نبيّ ورسول، فتابعه المأمور ليس له الخيرة من أمره، ولا محيص له من التنفيذ، طاعة منه لأمر الله ورسوله، وثقةً بأن تقدير رسول الله ﷺ للحكم

стр. 51

وللظروف والأسباب والطريقة والنتائج، تقدير هو الصواب بعينه، وليس لأحد من البشر أن يعقّب على حكمه. وأهل اللغة عندما يسندون الأفعال إلى الآمر بها، المسؤول عن تقدير أسبابها وظروفها ونتائجها، إنما يصدرون في ذلك عن قناعة نفسية بأن الفعل يعتبر صادراً عن الأمر المسؤول كما يعتبر صادراً عن المأمور الذي لا يزيد عن كونه مجرد آلة (١)، بل أولى. وكمثال لا تقدم نضرب ما ذكره ابن حزم في مسألة حكم إشعار الهدي. فقد روى ابن حزم (٢) حديثاً من طريق النسائي أن النبي ﷺ أمر ببدنته فأشعَر في سنامها من الشق الأيمن، ثم سَلت الدَّم عنها وقلدها نعلين. ثم قال ابن حزم: "ليس في هذا الخبر أنه أمَر بالإشعار. ولو كان فيه، لقلنا بإيجابه مسارعين. وإنما فيه أنه (أمر ببدنته فأشعر في سنامها)، فمقتضاه أنه أمر بها، فأُدنِيَتْ إليه، فأشعر في سنامها، لأنه هو ﷺ تولّى بيده إشعارها. بذلك صح الأثر". اهـ. أي فيدل على الاستحباب. فليت شعري لو أن رسول الله ﷺ كان قد أمر أجيره، أو خادمه أو أحد

стр. 52

الحاضرين، أن يتولّى عنه ما تولاه هو بنفسه، أكان ينتقل الحكم في حق الأمّة من الندب إلى الوجوب؟ إن الأوْلى أن يقال: إن الذي وجِهَ بالأمر يتعيّن عليه التنفيذ، ولكن ذلك الفعل ينسب إلى النبي ﷺ كسائر أفعاله، ليجري على قانونها في حق الأمة. وبهذا يتبيّن أن تمثيل الأصوليين للأفعال النبوية برجم ماعز، وقطع يد السارق، وقتال أهل مكة، وغير ذلك، هو تمثيل صحيح. واعتراض ابن الهمام الذي تقدم ذكره غير وارد. والله أعلم. تقسيم الفعل إلى صريح وغير صريح: من الأفعال ما هو صريح في الفعلية، فلا يختلف في كونه فعلاً. وذلك كالضرب، والمشي، والحب. والمثال الأول وهو الضرب، هو للفعل المؤثّر لا غير فاعله، والثاني للمجرّد المشاهَد، والثالث للمجرّد النفسي. ومن الأفعال ما ليس صريحاً في الفعلية، فيدور الوهم فيه بين أن يكون فعلاً أو لا يكون. ومن ذلك الكتابة، والإشارة، والترك الإيجابي الذي يعبّر عنه بالكفّ أو الإمساك، والسكوت عن الجواب، والتقرير، والهمّ بالفعل، ونحو ذلك. فهناك من يدعي أن الكتابة قول، وأن الترك والسكوت والتقرير ونحوها ليست أفعالاً. والقول فعل غير صريح. فهو فعل من بعض الوجوه. كما سيأتي في موضعه في الفصل الثالث من الباب الثاني. ما يعبّر عنه بالفعل وهو قول: كثير من الأقوال يعبّر عنها بما يوهم الفعلية. ويجب أن لا يخدعنا ذلك عن حقيقة كونها أقوالاً، وذلك مثل: تشهّد، وكبّر، وسبّح، ولبّى، ومدح، وأثنى، ووبّخ فلاناً، ولعنه، ودعا عليه، وأمره، ونهَاه. ودليل كونها أقوالًا أنها تفسير بالقول. فـ (التشهّد) هو قول: أشهد أن لا إله

стр. 53

إلاّ الله، و (التسبيح) هو قول: سبحان الله، و (التلبية) هي قول: لبيك اللهم. وهكذا. ولكن لا يمنع ذلك أن تكون هذه الأقوال ذات أوجه فعلية، كما يأتي (١) كغيرها من الأقوال. انقسام السنن الفعلية إلى صريحة وغير صريحة: تبعاً لما تقدم إيضاحه من أنَّ ما يصدر عن الإنسان من الأفعال ينقسم إلى فعل صريح وفعل غير صريح، فإن السنن الفعلية الصادرة عن النبي ﷺ تنقسم إلى أفعال صريحة، وأفعال غير صريحة. وحجيّة الأفعال النبويّة الصريحة تثبت بمجرد إثبات حجيّة الأفعال النبويّة، إذ إنها لعدم الخفاء في فعليتها، تدخل في ما تثبت حجيّته من الأفعال دخولاً أوليّاً. وهذا بخلاف الأفعال النبوية غير الصريحة، كالترك والسكوت، إذ إنها، لخفاء فعليّتها بما يميّزها عن الصريح من الأفعال، بحاجة إلى مزيد من الأدلة والاحتجاج، يبين عدم خروجها عما ثبتت حجيّته من الأفعال. يوضح هذا أننا لما أثبتنا حجيّة السنة بصفتها الإجمالية، وكان دخول السنن القولية في نطاق "السنة" ظاهراً لا مرية فيه، بخلاف الأفعال، احتجنا لإثبات حجية الأفعال إلى مزيد من الأدلة. وشبيه هذا كله ما ذكره الأسنوي من أن: "إطلاق الأصوليين يقتضي أن الفرد النادر يدخل في العموم، وَصَرَّحَ بعضهم بعدم دخوله" (٢) وذكر لذلك فروعاً، منها: ١ - الأكساب النادرة كاللقطة والهبات ونحوها، هل تدخل في المهايأة، والصحيح دخولها.

стр. 54

٢ - ومنها أن المتمتع يجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج. فلو أراد تأخير التحلل الأول إلى ما بعد أيام التشريق، بأن يؤخّر الحلق والطواف، ويصومها في ذلك الوقت، لكونه زمن الحج، فإنه لا يجوز على الصحيح عند الرافعي، وعلّله بقوله: "لأنها صورة نادرة" فلا تكون مرادة من الآية، بل تحمل الآية على الغالب المعتاد. هذا ومن أنكر فعلية بعض ما سميناه (الأفعال غير الصريحة) -كالترك والسكوت مثلاً- فإن افتقاره إلى الاستدلال على حجيّتها افتقار حقيقي، وتكون الأدلة بالنسبة إليه تأسيسيّة. أما بالنسبة إلى من يرى فعليّتها -وهو ما نسير عليه- فإن الاستدلال على حجيّتها يكون للتأكيد على عدم خروجها عن حجيّة السنن الفعلية بصفتها الإجمالية. من أجل ذلك رأينا أن نقسم البحث إلى قسمين، نجعل لكل منهما باباً: الأول: للأفعال الصريحة. والثاني: للأفعال غير الصريحة. ونتبع ذلك بباب ثالث، خاص بالتعارض بين السنن الفعلية بعضها وبعض، وكذلك للتعارض بينها وبين الأقوال وغيرها من الأدلة. والله المستعان، وبه التوفيق. مرتبة مباحث الأفعال من علم الأصول: أصول الفقه هو العلم بأدلّة الفقه الإجمالية، وكيفيّة استفادة الأحكام الفقهية منها، وحال المستفيد. ويتعرض فيه الأصوليون لأربعة أمور أساسية، جعلها الغزالي في المستصفى (أقطاباً) أدار عليها مباحث هذا العلم، وذلك أنه جعل الحكم الشرعي كالثمرة التي يستثمرها المجتهد من الأدلة. القطب الأول: في الأحكام الشرعية وهي الثمرة. وكل ثمرة لها صفة وحقيقة في نفسها وأقسام. فيبحث في هذا القطب في حقيقة الحكم، وانقسامه إلى

стр. 55

واجب، ومحظور، ومندوب، ومكروه، ومباح، وقضاء، وأداء، ورخصة، وعزيمة، وصحة، وفساد، ويبيّن أن الحكم الشرعي لا يكون إلا من حاكم، هو الله وحده. ويبحث في أحوال المحكوم عليه. ومن يجوز تكليفه ومن لا يجوز. القطب الثاني: في الأدلة إجمالاً: الكتاب والسنة والإجماع وغيرها، وهي المثمِرة للأحكام. فيبيّن في هذا القطب حدّ الكتاب، وما هو منه وما ليس منه، وطريق إثباته، وما يجوز أن يشتمل عليه من حقيقة ومجاز، وعربيّة وعجميّة، ويبحث في السنة عن أنواعها، وطرق ثبوتها، وصفات رواتها. ثم يبحث في الإجماع وسائر ما يستدل به على الأحكام الشرعيّة. القطب الثالث: في طرق الاستثمار، وهي دلالات الألفاظ على المعاني بمنطوقها ومفهومها واقتضائها وما يعقل منها كالقياس. القطب الرابع: في المستثمر وهو المجتهد، يذكر فيه صفات المجتهد، والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد، دون الذي لا مجال للاجتهاد فيه، وسائر مسائل الاجتهاد والتقليد. ولغير الغزالي من الأصوليين ترتيبات أخرى لمسائل علم الأصول يراعون فيها جهات مختلفة. وعلى كل حال فإنه لما كانت الأفعال النبوية دليلاً على الحكم الشرعي ومفيدة له، كان موقع مباحثها ضمن مباحث الأدلّة. وذلك على ترتيب الغزالي في القطب الثاني، وهو المثمر. والأدلة: كتاب وسنة وإجماع وقياس، ويتبعها عند بعض الأصوليين أدلة أخرى. والسنة أقوال النبي ﷺ وأفعاله. ولما كانت الأقوال أدلّ على الأحكام، وهي الأصل في التبليغ والبيان، فإن مباحث الأفعال تؤخر في باب السنة، غالباً، عن مباحث الأقوال. وإثبات ورود الأحاديث بنوعيها، وهو ما يسمى باب (الأخبار) أو باب

стр. 56

(الإسناد) يؤخر عن باب الأفعال غالباً، كما فعله البيضاوي (١)، لأن الغرض منه إثبات ورود السنن بصفتها العامة، أي بشقيها القولي والفعلي. وقد يؤخر إلى ما بعد ذكر الدليل الثالث وهو الإجماع كما فعله الرازي في المحصول (٢). ولعل وجهه أن باب الأخبار الغرض منه إثبات ورود الدليل سواء كان كتاباً أو سنة أو إجماعاً. فكان باب الأخبار ملحقاً بالأدلة الثلاثة. غير أن الأفعال النبوية تذكر أيضاً في غير باب أدلّة الأحكام. فتذكر ضمن مباحث الإجمال والبيان ونحوها من مباحث الدلالة، لبيان كيفية البيان بها. وتذكر أيضاً في باب القياس بإيجاز شديد، لبيان كيفية استخراج عللها لأجل القياس عليها. ومن جهة أخرى قد تتعارض دلالة الأفعال بعضها مع بعض، أو مع الأقوال، أو مع غيرها من الأدلة، فيذكر ذلك ضمن مباحث التعارض والترجيح بين الأدلة. ولكن كثيراً من الأصوليين يبادرون بذكر التعارض الذي للفعل علاقة به، ضمن مباحث الأفعال من باب السنة، لتجتمع مباحث الأفعال في مكان واحد، كما فعله أبو الحسين البصري والشوكاني وغيرهما. مشتملات مباحث الأفعال: لن نتعرض في بحثنا في الأفعال لما يتعلق بروايتها وإثباتها، فذلك أمر تشترك فيه الأقوال والأفعال على حد سواء. أفرد له المحدثون علم (مصطلح الحديث) وتعرّض له الأصوليون في باب (الأخبار) من مباحث السنة. وهو لذلك متروك للباحثين في السنة بصفتها العامة، أو في الأخبار خاصة. وسيكون بحثنا في (الأفعال النبوية) بعد افتراض ثبوتها عن النبي ﷺ ووقوعها منه، وذلك فيما صحّ عند أهل الحديث، ثقة بأنهم أهل الاختصاص في ذلك.

стр. 57

غير أننا نستثني فنذكر مما يتعلق برواية الفعل أشياء يسيرة، لها علاقة باستفادة الأحكام من الأفعال، كتعبير الصحابي عن الفعل، وما يمكن أن يستفاد من ذلك من تعليل أو تعميم أو غيرهما. تصنيف الأفعال كقَسِيمٍ لسائر الأدلّة: الأدلة المعتمدة في الشريعة أغلبها أقوال، فالكتاب العظيم قول الله تعالى، والسنة النبوية منها أقوال ومنها أفعال، والإجماع منه قولي ومنه فعلي. ومذهب الصحابي عند من قال به، منه قول ومنه فعل. ولكن دليل القياس، وهو العلة، ليس قولاً ولا فعلاً، ولكن هي معنى اعتبره الشارع في الأصل. فالأدلة، إذن، إمّا أقوال. وإمّا أفعال. وإما غيرهما. ويقول ابن تيمية: "الأصل قول الله، وفعله، وتركه القول، وتركه الفعل، وقول رسول الله ﷺ وفعله، وتركه القول وتركه الفعل. وإن كانت جرت عادة الأصوليين أن يذكروا قول الله فقط، ومن جهة النبي ﷺ قوله وفعله وإقراره" (١). فهذا تقسيم للأدلة من وجه طبيعتها. وتقسيما إلى كتاب وسنة وإجماع وقياس وغير ذلك، هو تقسيم لها من وجه مصادرها. وهو التقسيم السهل المعتمد عند الأصوليين. وعلى التقسيم الأول ليس كل الأفعال داخلاً في بحثنا بصفة أساسية، لأن موضوعه (الأفعال النبوية). فلا تدخل فيه أفعال الله تعالى، ولا أفعال الصحابة ﵃. ولا أفعال أهل الإجماع. ولكننا سنلحق بأبحاث الأفعال النبوية بعض ما يشاكلها مما يتعلق بأفعال غير النبي ﷺ تتميماً للبحث، لأنها تشارك أفعال النبي ﷺ في طبيعتها (الفعلية) وفي الدلالة على أحكام عند من يقول بها.

стр. 58

المبحث الخامس الأفعال النَّبَويَّة في التآليف الحديثية والأصُوليّة مظان التعرّف على الأفعال النبوية: تذكر دواوين السنة أفعال النبي ﷺ مبثوثة بين أحاديثه القوليّة. ولم يفردها من المسندين أحد بالرواية فيما نعلم، كما لم يفرد الأقوال أحد عن الأفعال. ولما استقرت دواوين السنة المسندة، من الصحاح والسنن والمسانيد والموطآت والمستخرجات وغيرها، في القرن الخامس تقريباً، وبدأ عصر التجميع منها، جمع الشيخ ابن العاقولي، وهو محمد بن محمد بن عبد الله (٧٣٣ - ٧٩٧ هـ) أحد أساتذة الجامعة المستنصرية ببغداد، كتابه (الرصف لما روي عن النبي ﷺ من الفعل والوصف) اعتمد فيه ما ذكره ابن الأثير في جامع الأصول، وأضاف إليه ما ذكر في بعض المصادر الأخرى. وهو -أعني ابن العاقولي- أول من اعتنى بجمع الأفعال، وإفرادها عن الأقوال، فيما يظهر. وقد قال في مقدمته: "أما الأفعال فلم نر من اعتنى بجمعها مفصلة قبل كتابنا هذا، وإنما تذكر في أثناء الأقوال" (١) فأكّد لنا هذا المعنى، وهو إغفال المتقدمين من المحدثين لإفراد الأفعال (٢).

стр. 59

ولم يكن هدف ابن العاقولي من تجميع الأفعال التهيئة لاستفادة الأحكام الفقهية منها، وإنما كان يريد التعريف بالنبي ﷺ (١)، ولذلك أدمج أوصاف النبي ﷺ الخلقيّة، ونسبه الشريف، ونحو ذلك. وأورد في ضمن ذلك أقوالاً يسيرة. وجاء بعد ذلك السيوطي، فأفرد الأفعال عن الأقوال. ولم يكن الذي دعاه إلى هذا أمراً يتعلق بالاحتجاج بها، وإنما كان هدفاً فنيّاً صرفاً. وذلك أنه أراد تجميع الأحاديث النبويّة المأثورة بأسرها، من جميع دواوينها المسندة، في كتاب واحد، سمّاه (الجامع الكبير) (٢). واختار أن يرتبه ترتيباً يمهد الطريق للباحثين، للوصول إلى الحديث المطلوب بيسر وسهولة. فكان أن رتّبه ترتيباً هجائياً كَلِمِيّاً (٣)،

стр. 60

بحسب حروف كلمات اللفظ النبوي، الأول فالثاني فالثالث، كلمة كلمة. فاستقام له ذلك في الأحاديث القولية الصرفة. أما "الأحاديث الفعليّة، أو التي فيها قول وفعل، أو سبب أو مراجعة" (١) له أو نحو ذلك، فلم يمكن إدخالها في سلسلة هذا الترتيب. فاضطره ذلك إلى إفرادها. فجمعها جميعاً في قسم مستقل، رتّبه هجائياً بحسب أسماء الصحابة رواة الأحاديث. فثبت (الجامع الكبير) عنده على قسمين، أولهما للأقوال وثانيهما للأفعال. ثم اختصر كتابه (الجامع الصغير) من قسم الأقوال خاصة من (الجامع الكبير) إلاّ أنه أدخل في الجامع الصغير في آخر حرف الكاف منه، ما ورد من الأحاديث الفعليّة، مبدوءة روايته بلفظ (كان يفعل). وجاء بعده علي المتقي الهندي، فجمع القسمين من كتاب السيوطي مرة أخرى في ترتيب مخالف. وسمّى كتابه (كنز العمال من سنن الأقوال والأفعال) فقد رتّب كتابه لا على (الهجاء)، وإنما على (الأبواب الموضوعية) كالإيمان والصلاة والنكاح ونحو ذلك، مرتّباً بين عناوين تلك الأبواب بحسب حروفها. وأما الأحاديث في داخل كل باب فإنه يذكر أولاً ما كان قوليّاً، ثم يذكر ما كان فعليّاً. فقد بقيت الأقوال والأفعال في كتابه منفصلة بعضها عن بعض، ولكن داخل الأبواب. ولا نجد كتاباً أفردت فيه الأفعال عن الأقوال سوى ما ذكرنا. وعلى هذا فالأحاديث الفعليّة، التي هي موضوع بحثنا، يرجع إليها في دواوين السنة المسندة، أو التجميعات كجامع الأصول وغيره، أو في كتاب ابن العاقولي، أو القسم الثاني من الجامع الكبير أو باب (كان يفعل) في الجامع الصغير، أو كنز العمال. والله أعلم.

стр. 61

الأفعال النبوية في الدراسات الأصوليّة: يتعرّض الأصوليون في مؤلفاتهم الشاملة للأفعال النبويّة، ضمن مباحث السنّة، كما ذكرنا. وأكثرهم يفرد الأفعال بباب، أو فصل، أو مسألة. يتعرّضون للفروق في الدلالة بينها وبين الأقوال، ويردون ما يثار حول حجيتها من الشبهات. وقليل منها يذكر مباحث السنة بصفتها العامة ويغفل الأفعال، كما فعل ابن قدامة في (روضة الناظر)، اكتفاء بكلامه على حجيّة السنة ودلالتها، غير أننا نعتبر ذلك قصوراً ممن فعله. بل ينبغي إعطاء الأفعال من الدراسة حقها، ليفرق الفقيه بين القول والفعل، ويعلم كيف يستفيد الحكم من كل منهما على استقامة، وحسب ما تقتضيه (الأصول). ولم أجد أحداً أفرد أفعال النبي ﷺ بمؤلف خاص، ما عدا اثنين من المؤلفين الفضلاء: أحدهما: أبو شامة المقدسي، وهو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي، نزيل دمشق، والمقتول غيلة ببيته سنة ٦٦٥ هـ، وهو أحد تلامذة الأصولي الشهير سيف الدين الآمدي. وأبو شامة مؤرخ، أديب، فقيه، عالم بالقراءات، بالإضافة إلى تضلعه في علم الأصول، وله باع جيد في بيان حقيقة البدع وإنكارها كما يعلم من كتابه المشهور الذي سمّاه (الباعث على إنكار البدع والحوادث). وتأليفه في الأفعال سمّاه (المحقّق من علم الأصول في ما يتعلّق بأفعال الرسول ﷺ ) وهو كتاب جيد، يدل على بصر مؤلفه بعلم الأصول، ودقته في أبحاثه، مع ورع وأمانة. وقد نقل عنه الزركشي في (البحر المحيط) واعتمد ما نقل عنه. ونقل عنه أيضاً الشوكاني في (إرشاد الفحول) فأكثر، وخالفه في بعض ما نقل عنه. ونقل عنه ابن أبي شريف في حاشيته على جمع الجوامع (١) ونقل عنه غيرهم.

стр. 62

ثانيهما: الحافظ العلائي، وهو خليل بن كَيْكَلْدي بن عبد الله، الدمشقي الشافعي (٦٩٤ - ٧٦١ هـ) وهو محدّث فقيه أصولي. وكتابه في الأفعال ليس شاملاً لمباحثها، وإنما هو في باب خاص هو باب التعارض، كما يدل عليه اسمه (تفصيل الإجمال في تعارض الأفعال والأقوال) وقد بحث بالتفصيل مسألة التعارض بين الفعل والفعل، ثم مسألة التعارض بين الفعل والقول، وقسم هذه المسألة إلى ستين صورة، وبين حكم كل صورة منها وما تقتضيه مذاهب الأصوليين فيها، ومثل لأكثر تلك الصور. ويظهر أنه اطّلع على كتاب أبي شامة، الذي بحث مسألة التعارض بحثاً مجملاً، فأراد العلائي أن يخدم كتابه بتفصيل إجماله. وهو -أعني العلائي- لا يذكر كتاب أبي شامة، ولكنه يوافقه في كثير من عباراته بحروفها، وكذلك تقسيماته للبحت، والله أعلم (١).

стр. 63

الباب الأول الأفعال الصريحة ١ - البيان بالأفعال. ٢ - أحكام أفعال النبي ﷺ بالنسبة إليه. ٣ - حجيّة أفعال النبي ﷺ . ٤ - أقسام الأفعال النبوية الصريحة، ودلالتها على الأحكام. ٥ - الفعل المجرّد. ٦ - الأحكام المستفادة من الأفعال. ٧ - صفة الدلالة الفعليّة. ٨ - دلالة متعلقات الفعل النبوي. ٩ - مباحث متنوعة تتعلق بالأفعال. أ- الطريق العملي لاستفادة الحكم من الفعل. ب- الاعتراضات التي تورد على الاستدلال بالأفعال. ج- نقل الأفعال النبوية. د- نية التأسي.

стр. 64

قدمنا في التمهيد أننا نعني بالأفعال الصريحة كل أفعال النبي ﷺ ما عدا الترك والتقرير والسكوت والكتابة والإشارة والأوجه الفعليّة للقول، وأننا سنفرد هذه الأنواع من الأفعال بباب خاص (١). وأمثلة أفعاله الصريحة نحو صلاته ﷺ وصومه وزكاته وحجه وسائر أنواع عباداته، ونحو بيعه وشرائه، وقيامه وقعوده، ونومه، ومعاشرته لأزواجه وأقاربه وأصحابه وأعدائه من الكفار والمنافقين، وغير ذلك مما يساويه في الفعليّة دون غشاء يغطي وجه فعليته، أو يضعف رؤيتها. ونودّ هنا أن نوضّح أن كثيراً من مباحث هذا الباب الأول تنطبق على الأفعال غير الصريحة، فما يستوي فيه القسمان يذكر في هذا الباب. وإنما نفرد الأفعال غير الصريحة بباب خاص لنذكر فروقها، لئلا يظن الاستواء بينها وبين الأفعال الصريحة في جميع الأحكام.

стр. 65

الفَصْل الأول البيان بالأفعال تمهيد في القدوة، والاقتداء بالأفعال النبوية. ١ - البيان. ٢ - البيان الفعلي. ٣ - اختلاف القول والفعل في البيان. ٤ - اختلاف الفعلين في البيان.

стр. 66

تمهيد في القدوة والاقتداء بالأفعال النبويّة قد ذكرنا أن النبي ﷺ كان مكلّفاً بمهمات البيان، والتعليم، والتزكية. وأنه ﷺ قال: "إنما بعثت معلِّماً". وقد حمل النبي ﷺ الأمانة، وأدّى المهمة على أكمل وجه وأتّمه. فاستعمل جميع الوسائل الممكنة، لإبلاغ دين الله تعالى وتمكينه في الأرض، حتى كان بحقٍّ إماماً، بل كان إمام الأئمة، هَدَى بفعله ﷺ كما هَدَى بقوله، حتى كان فعله نموذجاً حياً للمسلم، يتعلم منه الدين، كما يتعلمه من أقواله ﷺ . درجة الإمامة في الدين: درجة الإمامة في الدين درجة عالية، ذكر الله تعالى الذين يعملون للوصول إليها بطيّب الذّكر، وجعلهم ممن ﴿يجزون الغرفة﴾ إذ قالوا: ﴿واجعلنا للمتقين إماماً﴾ (١). وامتنّ الله بها على خليله إبراهيم بقوله: ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾. و (الإمام) في اللغة المتّبَع الدالّ. يقال للطريق إمام، ولرئيس القوم إمام. وقوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (٢) قيل في تفسيره: بنبيّهم وشرعهم (٣). والإمام في الصلاة، كما في الحديث: "إنما جعل ليؤتمّ به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا رفع فارفعوا" (٤) يرشد بفعله، فيفعل المؤتمون به كما يفعل.

стр. 67

وقال ﷺ لأصحابه: "تقدموا فأْتموا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم" (١) .. وواضح من هذا أن الإمام من يتبع فعله كما يتبّع قوله. ميزة القدرة الملتزمة وأثرها في الاتباع: المقتدى به الذي هو عالم بالمبدأ الذي يدعو إليه، مؤمن به، حريص على نشره بين الناس، لا يكاد يتخلف عمله عن علمه. إذ إن ما يعلمه يصبح كالطبيعة المغروزة فيه، فيفعل ما يفعله بتأثير ذلك العلم الذي أصبح كالوصف الراسخ فيه. وذلك أنه إذا تعهّد نفسه، فلم يسمح أن يصدر عنه ما يخالف مقتضى ما يحمله من العلم، ودعاها إلى ممارسة كل ما يدعوه إليه العلم، فإنه يتعوّد أن يسير حسب المبدأ، وتتقوّى فيه تلك العادة بالتكرار والضبط، حتى تكاد أن تكون طبيعة أخرى. وحينئذٍ يكون ما فعله تصديقاً لأقواله ودعوته التي يدعو إليها، وترسيخاً لها في نفوس أتباعه، وتصح القدوة بفعله كما تصح بقوله. وعلى العكس من ذلك من خالف فعله قوله، يكون ذلك منه تكذيباً لقوله، وعائداً عليه بالإبطال في نفوس الأتباع، ويكون ذلك منفرّاً لهم عن دعوته، وعن استماع كلامه، والانتفاع به. قال الشاطبي (٢): "إن المفتي إذا أمر مثلاً بالصمت عما لا يعني، فإن كان صامتاً عما لا يعنيه ففتواه صادقة، وإن كان من الخائضين فيما لا يعني، فهي غير صادقة. وإذا دلّك على الزهد في الدنيا وهو زاهد فيها صدقت فتياه، وإن كان راغباً في الدنيا فهي كاذبة. وإن دلّك على الصلاة وكان محافظاً عليها، صدقت فتياه، وإلا فلا. وهكذا في سائر الأوامر".

стр. 68

"ومثلها النواهي: فإذا نهى عن النظر إلى الأجنبيات، وكان في نفسه منتهياً عنها، صدقت فتياه. أو نهى عن الكذب، وهو صادق اللسان، أو عن الزنا، وهو لا يزني، أو عن التفحّش وهو لا يتفحّش، وما أشبه ذلك، فهو الصادق الفتيا، والذي يقتدى بقوله وفعله، وإلا فلا، لأن علامة صدق القول مطابقة الفعل، بل هو الصدق في الحقيقة عند العلماء، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (١) فهكذا إذا أخبر العالم بأن هذا واجب أو محرم، فإنما يريد: على كل مكلف، وأما منهم". اهـ. وقال في موضع آخر: "إذا وقع القول بياناً فالفعل شاهد له ومصدق ... وبيان ذلك ... إن العالم إذا أخبر عن إيجاب العبادة الفلانية، أو الفعل الفلاني، ثم فعله هو ولم يخل به في مقتضى ما قال فيه، قوي اعتقاد إيجابه، وانتهض العمل به عند كل من سمعه يخبر عنه ورآه يفعله. وإذا أخبر عن تحريمه مثلاً ثم تركه، فلم يُرَ فاعلاً له، ولا دائراً حواليه، قوي عند متبعه ما أخبر به عنه، بخلاف ما إذا أخبر عن إيجابه ثم قعد عن فعله، أو أخبر عن تحريمه ثم فعله، فإن نفوس الأتباع لا تطمئن إلى ذلك القول منه، طمأنينتها إذا ائتمر وانتهى. بل يعود من الفعل إلى القول ما يقدح فيه على الجملة: إما من تطريق احتمال إلى القول، وإما من تطريق تكذيب إلى الناقل، أو استرابة في بعض مآخذ القول. مع أن التأسي في الأفعال والتروك بالنسبة إلى من يعظّم في دين أو دنيا كالمغروز في الجبلة، كما هو معلوم بالعيان. فيصير القول بالنسبة إلى القائل كالتبع للفعل. فعلى حسب ما يكون القائل في موافقة فعله لقوله يكون اتباعه والتأسي به، أو عدم ذلك" (٢) اهـ. والنبي ﷺ كان أصدق الناس، وأقومهم بحق الإمامة، وأسرعهم إلى تنفيذ ما أرسل به من شريعة الله، على نفسه أولاً، ثم أهل بيته، وأقاربه، وعلى غيره ممن ينفّذ أمره عليهم، وانظر قوله يوم حجة الوداع: "ألا إن ربا الجاهلية موضوع، ألاّ

стр. 69

وإن أول رباً أضع ربا عمي العباس بن عبد المطلب. ألاّ وإن دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب" (١). ما كان النبي ﷺ يلاحظه في أفعاله من حيث إنها قدوة: النبي ﷺ الذي أرسله الله إلى هذه الأمة كان هو إمامها في مسيرتها على شريعة الله. وهذه الدرجة تقتضي صاحبها أن يلاحظ أفعاله من حيث إنها قدوة ومتّبعة، ومتأسّىً بها، فلا يسترسل كما قد يسترسل غيره ممن لا يقتدى بهم. لقد قال النبي ﷺ : "من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، لا ينقص من أوزارهم شيء" (٢). وقال ﷺ : "من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله" (٣). كان النبي ﷺ يلحظ هذا كله، ويعلم أن أفعاله حجة، وأنه منظور إليه، ومؤتمٌ به ومتبع، وهذا دعاه إلى وزن أفعاله بميزان الشرع، بالإضافة إلى عناية خاصة تتبع مهمة التعليم اقتضت أموراً نفصلها كما يلي: الأمر الأول: أنه ﷺ كان يجتنب مواضع التهم، ولا يفعل شيئاً يتضمن نقص مروءة. ولا يفعل ما يستنكر ظاهراً وإن كان جائزاً باطناً. فإن وقع شيء من ذلك لحاجة أو نحوها أخبر بحكمه وعذره ومقصوده، كيلا ينفر عنه مشاهده، وليستفيد ذلك الحكم الجاهل به (٤). ولذلك قال النبي ﷺ للرجلين لما رأياه يتحدّث مع زوجته صفية في المسجد

стр. 70

ليلاً، فولّيا، قال: "على رسلكما، إنها صفية بنت حُيَيٍّ" (١) ثم قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخفت أن يقذف في قلوبكما شيئاً". وقد نبّه عبد الكريم زيدان (٢) إلى قيد جيد في هذه المسألة، وهو أن الفعل الذي يترك حذراً من الشبهة، ينبغي أن لا يكون من صميم الدعوة، فإن كان من صميم الدعوة فينبغي فعله، ولوكان فيه تنفير. فما ظُنَّ أن حكمه التحريم وليس بمحرم، فإنه يفعل لبيان الجواز، وإن قال الناس ما قالوا. فهذا من بيان الحق، كما تزوّج النبي ﷺ زينب مطلقة زيد الذي كان يدعى ابنه قبل أن ينزل القرآن بإبطال التبني. فكان زواجه بها بياناً (٣)، لم يمتنع من فعله خوف قالة الناس. الأمر الثاني: الحرص على خفة الفعل المظهر، فلا يكون فيه مشقة وعسر، لئلا يأخذ الاتباع أنفسهم بالشدة كما يأخذ بها نفسه. وقد أثنى الله تعالى على نبيه ﷺ بأنه كان يشقّ عليه ما يشقّ على الأمة، بقوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ (٤) وتقول عائشة ﵂: "إنْ كان رسول الله ﷺ لَيَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيشق عليهم" (٥). وتقول ﵂ في الركعتين اللتين بعد العصر: "والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله، وما لقي الله حتى ثقل عن الصلاة. وكان يصلّي كثيراً من صلاته قاعداً. وكان يصلّيهما، ولا يصلّيهما في المسجد، مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحبّ ما خفّف عنهم" (٦). وتروي ﵂ الحادثة التالية، قالت: "خرج رسول الله ﷺ من

стр. 71

عندي، وهو قرير العين طيب النفس، فرجع وهو حزين النفس، فقلت له، فقال: إني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت، إني أخشى أن أكون أتعبت أمّتي من بعدي" (١). فإن عمل بما فيه شدة، وكان خاطئاً به، بيّن اختصاصه بذلك لئلا يقتدوا به فيه، كما فعل في الوصال في الصوم، إذ قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني ويسقيني" (٢). الأمر الثالث: أنه ﷺ كان في الأفعال الشرعية التي تتكرر يواظب غالباً على فعل الشيء على أكمل الوجوه وأتمها، وذلك ليتعلم منه من لا يعلم، وليصححوا أفعالهم حسب فعله ﷺ . ومن ذلك الوضوء، كان أكثر وضوئه ثلاثاً ثلاثاً، مع الإسباغ والمبالغة. وربما توضأ مرة مرة. أو مرتين مرتين، لبيان الجواز (٣). ومن ذلك الصلاة، يؤديها جماعة أمام الناس على أكمل الوجوه والهيئات، مع تخفيفها، لتتعلم منه كيفية الصلاة برؤيته وهو يصلي، بخلاف ما إذا صلى حيث لا يراه الناس، فقد كان يترخص فيصلي جالساً أحياناً، واتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه (٤). وقد قال ابن جماعة في مثل ذلك من آداب المعلم المقتدى به: "أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام، وظواهر الأحكام، ... ، ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها. فإن العلماء هم القدوة، وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله على العوّام، وقد يراقبهم من لا يعلمون" (٥). الأمر الرابع: عنايته ﷺ بأن لا يساء فهم دلالة الفعل عنه، بأن يفهم منه

стр. 72

النسخ لقول سابق وهو لا يريده، أو نحو ذلك. فيبيّن ما يفرق به رائي الفعل بين ما يجوز وما لا يجوز. من ذلك إنه بكى ﷺ عندما ظنّ أن سعد بن عبادة مات. وكان قد نهى عن النياحة، وقال: "إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب. ولكن يعذّب بهذا أو يرحم" (١). وأشار إلى لسانه. ومن ذلك أنه غضب عندما علم أن علياً يريد أن يتزوج زوجة أخرى على فاطمة ﵄، ولم يأذن في ذلك، ثم قال: "وإني لست أُحرِّم حلالاً، ولا أُحل حراماً. ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً" (٢). فبيّن أن غضبه ليس لكون الأمر محرماً، بل هو على الحل، وإن كان يرفضه هو. ولم يتحلل من عمرته في حجة الوداع، فامتنع بعض الناس من التحلل، فبيّن لهم أن الذي معه من الحل أنه ساق الهدي، فلا يحل حتى ينحر. ومن ذلك أنه كان إذا فعل فعلًا بمقتضى الرخصة والعذر، ينبّه أحياناً على ذلك من لا يدري، لئلا يظن أن ذلك الفعل هو العزيمة. ومثاله أنه ﷺ لما صلى بأصحابه بمكة قصراً، وكان معهم في الصلاة مكيون، قال لهم: "يا أهل البلد صلوا أربعاً فإننا قوم سفر" (٣). الأمر الخامس: حرصه ﷺ على نقل أفعاله إلى الناس ليقتدوا بها ويتعلموا منها أحكام الشريعة، فكثيراً ما كان يعمل العمل في مكان بارز، ويستدعي التفات الناس إليه، كما فعل في يوم عرفة، إذ شرب وهو يخطب الناس، وهم ينظرون إليه (٤)، ليعلم الناس أن سنة الواقف بعرفة الفطر.

стр. 73

وكما صلّى يوماً على المنبر، ورجع وسجد بالأرض، وقال: "إنما صنعت هذا لتأتمّوا بي ولتعلّموا صلاتي" (١). وكان يضحّي بمصلى العيد (٢) أمام جمهور الناس. و"طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، على بعيره، ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه" (٣). ومن وسائله لنقل أفعاله إخباره بنفسه عن كثير مما يفعل ابتداء، أو جواباً على سؤال، أو إنكاراً على من فعل خلاف ذلك، أو ثناء على من فعل مثل فعله وإقراراً له. من ذلك قوله: "إني لا آكل متكئاً" (٤). وسأله سائل هل يغتسل إذا أتى أهله من غير إنزال، فقال: "إني لأفعل ذلك ثم اغتسل" (٥). وقال لرهط أرادوا التشديد على أنفسهم: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٦). وقال لجعفر بن أبي طالب: "أشبهت خلقي وخلقي" (٧). ومن وسائله أيضاً، أنه ﷺ كان يحاول تكثير مشاهديه، وانتقاءهم من أهل العلم والإيمان ليأخذوا عنه، كما قال في صفوف الصلاة: "ليلني منكم أولو الأحلام

стр. 74

والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١)، وفي رواية: "ليلني منكم الذين يأخذون عني" (٢). ورأى في أصحابه (٣) تأخُّراً، فقال: "تقدّموا فأتموا بي وليأتمَّ بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخّرون حتى يؤخّرهم الله" (٤). ومن ذلك أيضاً ما قال السبكي في ترشيح التوشيح عن والده: "إن السر في نكاح النبي ﷺ أكثر من أربع نسوة، أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يُستحيا من ذكره وما لا يُستحيا. وكان رسول الله ﷺ أشد الناس حياء. فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله التي قد يستحيا من ذكرها بحضرة الرجال، فيتكمّل نقل الشريعة. وكثر عدد النساء كتكثير الناقلين لهذا النوع. ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدّة وغيرها. وأيضاً فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته، من الآيات البيّنات على نبوته" (٥) اهـ. ملاحظة الصحابة للأفعال النبوية من أجل الاقتداء: كان ما تقدم ذكره داعياً الصحابة ﵃ إلى ملاحظة الأفعال النبوية الشرعية وتعرف كيفياتها، لأجل الاقتداء بها. وتفصيل ذلك أن تأثُّر شخص ما بشخص آخر حتى يقلده في فعله وأحواله على درجات: الدرجة الأولى: إن أي شخصين تخالطا، ورأى أحدهما ما يفعل الآخر، فلا بد أن يتأثر به ولو قليلاً، ما لم يمنع ذلك مانع.

стр. 75

الدرجة الثانية: فإن كان لأحد الشخصين فضل على الآخر، ومزيد منصب ورياسةٍ كان تأثر المفضول والرؤوس بأفعال الفاضل والرئيس أظهر وأبين، حتى إنه كثيراً ما يقلده في هيئة لباسه، وعاداته في كلامه ومشيه وأكله وشربه ونحو ذلك. وقد تقدّم قول الشاطبي: "إن التأسّي في الأفعال والتروك، بالنسبة إلى من يعظّم في دين أو دنيا، كالمغروز في الجبلة، كما هو معلوم بالعيان". وإلى هذا المعنى يشير المثل القائل "الناس على دين ملوكهم" فهو يعبّر عن هذه الطبيعة البشرية تعبيراً صادقاً. وقد أشار ابن خلدون في المقدمة (ص ١٤٧) إلى تعليل ذلك، فليرجع إليه. الدرجة الثالثة: فإن كان لدى المتأثر مودة للآخر ومحبة وألفة، كان التأثر أعظم. وكلما كانت المحبة أعظم كان التأثر أعظم وأتمّ، حيث إن المحبة تدعو إلى الاتفاق بفعل ما يفعل المحبوب، ومحبة ما يحبه. وقد فصّل القول في ذلك المتكلمون في المحبة (١). وقد نهى الله تعالى عن تزويج المشركين والتزوّج إليهم، وعلّل ذلك بقوله: ﴿أولئك يدعون إلى النار واللُه يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (٣). وهذه الدرجات الثلاث موجودة في المؤمن بالنسبة إلى نبيه ﷺ وكانت في الصحابة ﵃ على أتمّ ما يكون، لكثرة مخالطتهم له، ورؤيتهم فضله عليهم بالفضائل التي حلاّه الله بها، ومنصب النبوة والإمامة الَّذَيْنَ أكرمه الله بهما، والمحبة العظيمة التي خالطت قلوبهم بما شاهدوه من رعاية الله له، وإكرام الله لهم بأن اختارهم لصحبته الكريمة، وللنقل عنه إلى العالمين. وانضمّ إلى ذلك عندهم بالنسبة إليه ﷺ درجتان أخريان، هما: الدرجة الرابعة: أن الله تعالى أثنى على ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ
следующие страницы →