← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 31471

أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام الشرعية

محمد سليمان الأشقر

Полный текст (761 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عندي، وهو قرير العين طيب النفس، فرجع وهو حزين النفس، فقلت له، فقال: إني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت، إني أخشى أن أكون أتعبت أمّتي من بعدي" (١). فإن عمل بما فيه شدة، وكان خاطئاً به، بيّن اختصاصه بذلك لئلا يقتدوا به فيه، كما فعل في الوصال في الصوم، إذ قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني ويسقيني" (٢). الأمر الثالث: أنه ﷺ كان في الأفعال الشرعية التي تتكرر يواظب غالباً على فعل الشيء على أكمل الوجوه وأتمها، وذلك ليتعلم منه من لا يعلم، وليصححوا أفعالهم حسب فعله ﷺ . ومن ذلك الوضوء، كان أكثر وضوئه ثلاثاً ثلاثاً، مع الإسباغ والمبالغة. وربما توضأ مرة مرة. أو مرتين مرتين، لبيان الجواز (٣). ومن ذلك الصلاة، يؤديها جماعة أمام الناس على أكمل الوجوه والهيئات، مع تخفيفها، لتتعلم منه كيفية الصلاة برؤيته وهو يصلي، بخلاف ما إذا صلى حيث لا يراه الناس، فقد كان يترخص فيصلي جالساً أحياناً، واتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه (٤). وقد قال ابن جماعة في مثل ذلك من آداب المعلم المقتدى به: "أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام، وظواهر الأحكام، ... ، ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها. فإن العلماء هم القدوة، وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله على العوّام، وقد يراقبهم من لا يعلمون" (٥). الأمر الرابع: عنايته ﷺ بأن لا يساء فهم دلالة الفعل عنه، بأن يفهم منه

стр. 72

النسخ لقول سابق وهو لا يريده، أو نحو ذلك. فيبيّن ما يفرق به رائي الفعل بين ما يجوز وما لا يجوز. من ذلك إنه بكى ﷺ عندما ظنّ أن سعد بن عبادة مات. وكان قد نهى عن النياحة، وقال: "إن الله لا يعذّب بدمع العين، ولا بحزن القلب. ولكن يعذّب بهذا أو يرحم" (١). وأشار إلى لسانه. ومن ذلك أنه غضب عندما علم أن علياً يريد أن يتزوج زوجة أخرى على فاطمة ﵄، ولم يأذن في ذلك، ثم قال: "وإني لست أُحرِّم حلالاً، ولا أُحل حراماً. ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً" (٢). فبيّن أن غضبه ليس لكون الأمر محرماً، بل هو على الحل، وإن كان يرفضه هو. ولم يتحلل من عمرته في حجة الوداع، فامتنع بعض الناس من التحلل، فبيّن لهم أن الذي معه من الحل أنه ساق الهدي، فلا يحل حتى ينحر. ومن ذلك أنه كان إذا فعل فعلًا بمقتضى الرخصة والعذر، ينبّه أحياناً على ذلك من لا يدري، لئلا يظن أن ذلك الفعل هو العزيمة. ومثاله أنه ﷺ لما صلى بأصحابه بمكة قصراً، وكان معهم في الصلاة مكيون، قال لهم: "يا أهل البلد صلوا أربعاً فإننا قوم سفر" (٣). الأمر الخامس: حرصه ﷺ على نقل أفعاله إلى الناس ليقتدوا بها ويتعلموا منها أحكام الشريعة، فكثيراً ما كان يعمل العمل في مكان بارز، ويستدعي التفات الناس إليه، كما فعل في يوم عرفة، إذ شرب وهو يخطب الناس، وهم ينظرون إليه (٤)، ليعلم الناس أن سنة الواقف بعرفة الفطر.

стр. 73

وكما صلّى يوماً على المنبر، ورجع وسجد بالأرض، وقال: "إنما صنعت هذا لتأتمّوا بي ولتعلّموا صلاتي" (١). وكان يضحّي بمصلى العيد (٢) أمام جمهور الناس. و"طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، على بعيره، ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه" (٣). ومن وسائله لنقل أفعاله إخباره بنفسه عن كثير مما يفعل ابتداء، أو جواباً على سؤال، أو إنكاراً على من فعل خلاف ذلك، أو ثناء على من فعل مثل فعله وإقراراً له. من ذلك قوله: "إني لا آكل متكئاً" (٤). وسأله سائل هل يغتسل إذا أتى أهله من غير إنزال، فقال: "إني لأفعل ذلك ثم اغتسل" (٥). وقال لرهط أرادوا التشديد على أنفسهم: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٦). وقال لجعفر بن أبي طالب: "أشبهت خلقي وخلقي" (٧). ومن وسائله أيضاً، أنه ﷺ كان يحاول تكثير مشاهديه، وانتقاءهم من أهل العلم والإيمان ليأخذوا عنه، كما قال في صفوف الصلاة: "ليلني منكم أولو الأحلام

стр. 74

والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (١)، وفي رواية: "ليلني منكم الذين يأخذون عني" (٢). ورأى في أصحابه (٣) تأخُّراً، فقال: "تقدّموا فأتموا بي وليأتمَّ بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخّرون حتى يؤخّرهم الله" (٤). ومن ذلك أيضاً ما قال السبكي في ترشيح التوشيح عن والده: "إن السر في نكاح النبي ﷺ أكثر من أربع نسوة، أن الله أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يُستحيا من ذكره وما لا يُستحيا. وكان رسول الله ﷺ أشد الناس حياء. فجعل الله له نسوة ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله، ويسمعنه من أقواله التي قد يستحيا من ذكرها بحضرة الرجال، فيتكمّل نقل الشريعة. وكثر عدد النساء كتكثير الناقلين لهذا النوع. ومنهن عرف غالب مسائل الغسل والحيض والعدّة وغيرها. وأيضاً فقد نقلن ما لم ينقله غيرهن مما رأينه في منامه وحالة خلوته، من الآيات البيّنات على نبوته" (٥) اهـ. ملاحظة الصحابة للأفعال النبوية من أجل الاقتداء: كان ما تقدم ذكره داعياً الصحابة ﵃ إلى ملاحظة الأفعال النبوية الشرعية وتعرف كيفياتها، لأجل الاقتداء بها. وتفصيل ذلك أن تأثُّر شخص ما بشخص آخر حتى يقلده في فعله وأحواله على درجات: الدرجة الأولى: إن أي شخصين تخالطا، ورأى أحدهما ما يفعل الآخر، فلا بد أن يتأثر به ولو قليلاً، ما لم يمنع ذلك مانع.

стр. 75

الدرجة الثانية: فإن كان لأحد الشخصين فضل على الآخر، ومزيد منصب ورياسةٍ كان تأثر المفضول والرؤوس بأفعال الفاضل والرئيس أظهر وأبين، حتى إنه كثيراً ما يقلده في هيئة لباسه، وعاداته في كلامه ومشيه وأكله وشربه ونحو ذلك. وقد تقدّم قول الشاطبي: "إن التأسّي في الأفعال والتروك، بالنسبة إلى من يعظّم في دين أو دنيا، كالمغروز في الجبلة، كما هو معلوم بالعيان". وإلى هذا المعنى يشير المثل القائل "الناس على دين ملوكهم" فهو يعبّر عن هذه الطبيعة البشرية تعبيراً صادقاً. وقد أشار ابن خلدون في المقدمة (ص ١٤٧) إلى تعليل ذلك، فليرجع إليه. الدرجة الثالثة: فإن كان لدى المتأثر مودة للآخر ومحبة وألفة، كان التأثر أعظم. وكلما كانت المحبة أعظم كان التأثر أعظم وأتمّ، حيث إن المحبة تدعو إلى الاتفاق بفعل ما يفعل المحبوب، ومحبة ما يحبه. وقد فصّل القول في ذلك المتكلمون في المحبة (١). وقد نهى الله تعالى عن تزويج المشركين والتزوّج إليهم، وعلّل ذلك بقوله: ﴿أولئك يدعون إلى النار واللُه يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه﴾ (٢) وقال النبي ﷺ : "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" (٣). وهذه الدرجات الثلاث موجودة في المؤمن بالنسبة إلى نبيه ﷺ وكانت في الصحابة ﵃ على أتمّ ما يكون، لكثرة مخالطتهم له، ورؤيتهم فضله عليهم بالفضائل التي حلاّه الله بها، ومنصب النبوة والإمامة الَّذَيْنَ أكرمه الله بهما، والمحبة العظيمة التي خالطت قلوبهم بما شاهدوه من رعاية الله له، وإكرام الله لهم بأن اختارهم لصحبته الكريمة، وللنقل عنه إلى العالمين. وانضمّ إلى ذلك عندهم بالنسبة إليه ﷺ درجتان أخريان، هما: الدرجة الرابعة: أن الله تعالى أثنى على ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ

стр. 76

الأميّ﴾ وجعل لذلك نصيباً في الحكم عليهم بقوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾ (١). الدرجة الخامسة: أن الله تعالى جعل من شأن المؤمن الذي يرجو الله واليوم الآخر أنه يتأسّى برسول الله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾ (٢)، وسيأتي القول في دلالة هذه الآية إن شاء الله، في الفصل الرابع من هذا الباب. أثّر ذلك كله في صحابته ﵃ حتى كانوا يراعون ما يفعل، وينظرون إليه كيف يفعل. ويتحينون الفرص لذلك لأجل أن يقتدوا به. فهذا زيد بن خالد يقول: "قلت لأرقبن الليلة صلاة رسول الله ﷺ ، فصلّى ركعتين خفيفتين، ثم صلّى ركعتين طويلتين طويلتين، ثم صلّى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما ... " (٣) الحديث. وعن الفضل بن عباس قال: "بتّ ليلة عند رسول الله ﷺ لأنظر كيف يصلي من الليل ... " (٤) الحديث. وكان أشدَّهم في هذه الناحية، وأدومهم عليها، وأحرصهم على التحري عن أفعاله ﷺ حتى في أدقّ التفاصيل، عبد الله بن عمر ﵄. وقد حفظت لنا الوثائق الحديثية نماذج كثيرة من ذلك تكشف لنا عن دوافع نفسية عميقة التأثر، بل يكاد يكون هذا المعنى هو مفتاح فقه ابن عمر، والسمة الرئيسية لما ينقل عنه من الآراء التشريعية. فمن ذلك أنه لما دخل النبي ﷺ الكعبة ثم خرج، يقول ابن عمر: "فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالاً فسألته: هل صلّى فيه رسول الله ﷺ قال: نعيم، بين العمودين اليمانيين". قال ابن عمر: "فذهب عني أن أسأله: كم صلّى" (٥).

стр. 77

وكان ابن عمر: "يبيت بذي طُوَى بين الثنيتين، ثم يدخل من الثنية التي بأعلى مكة. وكان إذا قدم حاجّاً أو معتمراً لم ينخ ناقته إلاّ عند باب المسجد، وكان يذكر أن النبي ﷺ (كان) يفعل ذلك" (١). وأحصى ابن عمر الأماكن التي صلّى فيها النبي ﷺ عند سفره لحجة الوداع من مكة إلى المدينة، وحدّد مواقعها بأوصاف دقيقة. وقد أورد البخاري حديثه في ذلك بتمامه، وهو حديث طريف طويل فليرجع إليه (٢). أثر اقتداء الأمة بأفعال نبيها في نشر دعوة الإسلام والاقتناع به: لقد كان اقتداء الأمة الإسلامية بنبيها ﷺ بعد عصر الصحابة، النابع من أحكام دينها، وتأثرها بشخصيته وأخلاقه الكريمة، دافعاً كبيراً لها إلى الاستقامة على أمر الدين على بصيرة من أمرها. ولم تزل سيرة نبيها ﷺ تمثِّل لها أنبل الصفات والأعمال والأخلاق. وتجسِّم المثل والمبادئ الإسلامية أمام أنظارها، فتعمل بدينها حق العمل، اقتداء بتلك السيرة العطرة. ولم تزل تلك السيرة تبدع في الأمّة أجيالاً من البطولات. تحقق القدوة بالنبي ﷺ بدرجة عالية، حتى كأنهم نسخ أخرى لتلك الشخصية الفذّة، في صبرها وبلائها ويقينها بالله، وفي تواضعها وزهدها وصدقها مع الله، وفي معاملة الناس، مع الصدق في العلم بدين الله وإيصال منافعه إلى البشر. وقد كان لتلك الشخصيات العظيمة الأثر البعيد في جذب الناس إلى الإسلام، واقتناعهم به، ورغبتهم في الدخول فيه والعمل به، ما لم تؤثره الخطب والمواعظ والأقوال البليغة. لأنهم يرون بأعينهم، ويلمسون بأيديهم، مدى الإخلاص والتفاني في حب الله، ومقدار النفع الحاصل بتلك الشموس المضيئة.

стр. 78

المبحث الأول البيان ماهية البيان: البيان اسم مصدر (بيّن) فهو بمعنى التبيين، كالسلام والكلام، بمعنى التسليم والتكليم. والتبيين في اللغة الكشف عما ليس بمعروف ولا معلوم. و (البيان) يستعمل عند الأصوليين استعمالين (١): الأول: بيان المبيّن للمعنى الذي في نفسه فيصدق على ما يسمى البيان (الابتدائي) وهو ما لم يرد بياناً للفظ سابق. ويصدق أيضاً على البيان بالاستعمال الثاني. فعلى هذا كل كلام فهو بيان. قال الله تعالى في وصف كتابه العظيم: ﴿هذا بيان للناس﴾ (٢)، ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ (٣) وقال عزّ من قائل: ﴿الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان علّمه البيان﴾ (٤) والاستعمال الثاني: وضّحه الصيرفي بقوله: "البيان إخراج الشيء من حيّز الإشكال إلى حيّز التجلي والوضوح" (٥). ومنه قول الله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر

стр. 79

لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (١) فهذا الاستعمال أخصّ من الأول. وهو الأغلب في كلام الأصوليين. وهو الذي سنجري عليه، ونخص ما خرج عنه، من الاستعمال الأول، باصطلاح (البيان الابتدائي). ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج إليه: ليس كل كلام بحاجة إلى بيان. بل إن أريد بالكلام ظاهره وحقيقته كان بيّناً لمن يعلم وضع القول. وذلك كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة * وآتوا الزكاة﴾ هو بيّن في إيجاب هاتين العبادتين. وقوله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (٢) بين في إيجاب أصل الصوم، وأن الوقت شهر رمضان. وكذا آية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، هي بيّنة في تحريم ما ذكر فيها (٣). فإن أراد المتكلم بالكلام غير ظاهره فلا بدّ من البيان. وكذا إن أراد غير حقيقته فهو يحتاج إلى القرينة المبيّنة للمراد. فمن الأول: العام إذا أريد به الخصوص. نحو ﴿اقتلوا المشركين﴾ (٤). أريد به ما عدا النساء والصبيان والرهبان ونحوهم، فهو محتاج إلى البيان. ومن الثاني: نحو قوله تعالى: ﴿حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (٥) بُيِّن بقوله: ﴿من الفجر﴾.

стр. 80

فإن لم يكن للكلام ظاهر، بأن كان محتملًا لأمور احتمالات متساوية فهو مجمل. والبيان له لا بد منه أيضاً كقوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾ (١) لم يعرف ذلك الحق ما هو، فلا بدّ من بيانه. ويقول الغزالي: "يحتاج إلى البيان كل ما يتطرق إليه احتمال، كالمجمل، والمجاز، والمنقول بتصرف الشرع، والعام المحتمل للخصوص، والظاهر المحتمل للتأويل، ونسخ الحكم بعد استقراره، ومعنى قول (افعل) أنه للندب أو الوجوب، أو أنه على الفور أو على التراخي، أو أنه للتكرار أو المرة الواحدة، والجمل المعطوفة إذا عقبت باستثناء، وما يجري مجراه مما يتعارض فيه الاحتمال، والفعل من جملة ذلك" (٢) اهـ. وواضح أن الكلام قد يكون بيّناً من وجه أو وجوه، ولكنه محتاج إلى البيان من وجه أو وجوه أخرى. كما في آية ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ ... فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ فهي بيّنة من حيث إيجاب أصل الصوم، ومن حيث إن وقته شهر رمضان. لكن تبقي الحاجة إلى بيان الصوم أفي الليل هو أم في النهار، ومتى يبدأ ومتى ينتهي. وأيضاً إذا خفي دخول الشهر أو خروجه بغيم أو نحوه وكل ذلك قد بيّن في آيات أخرى أو في السنة المطهرة. الإجمال في الفعل، ووجوهه: الفعل وإن صحّ البيان به على الراجح، قد يكون هو في ذاته مجملاً يحتاج إلى بيان. وقد ذكر الأصوليون من أنواع المجمل الفعل، فقد يكون الفعل دائراً بين احتمالين فأكثر. ويمثلون لذلك بقيام النبي ﷺ من الركعة الثانية دون جلوس: يحتمل أنه

стр. 81

تركه قصداً فيدل على عدم وجوبه، ويحتمل أنه تركه نسياناً فلا يدلّ على ذلك. وقد بُيّن هذا الإجمال بفعل آخر، وهو أن النبي ﷺ سجد للسهو في آخر صلاته. فدلّ على أن تركه كان عن نسيان. ويمكن حصر وجوه الإجمال في دلالة الفعل فيما يلي: أولاً: أنه قد يدور حكمه بين الاختصاص بفاعله، كما في الخصائص النبويّة، وبيّن أن يكون عامّاً له وللأمة. وكذا الاختصاص بالمكان والزمان والحال التي فعل فيها وبين سائر الأمكنة والأزمنة والأحوال. ثانياً: أنه قد يدور حكمه بين الوجوب والندب والإباحة كما سيأتي في الفصل التالي إن شاء الله. ثالثاً: أنه قد يدور بين أن يكون مقصوداً به التعبّد والتشريع، وبين أن يفعل على حد الإباحة العقلية. رابعاً: أنه حتى لو كان مقصوداً به التشريع، يدور بين أن يكون بياناً لمجمل معين أو لا يكون بياناً له. خامساً: أنه قد يدور بين الارتباط بسبب معين وبين عدم الارتباط به، كالخروج في صلاة العيد إلى المصلى في الصحراء، هل كان لعذر ضيق المسجد فلا يسنّ إلا عند الضيق، أو لم يكن لذلك فيسن مطلقاً. وظائف البيان: قسّم الأصوليون البيان من حيث الوظيفة التي يمكن أن يؤديها أربعة أقسام، التقرير، والتفسير، والتغيير، والتبديل (١).

стр. 82

النوع الأول: بيان التقرير، ومعناه تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز، إن كان المراد بالكلام المؤكَّد حقيقته، وبما يقطع احتمال الخصوص إن كان المؤكّد عاماً. فمن الأول قوله تعالى: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ (١) فقوله: ﴿بجناحيه﴾ بيان يقرر أن المراد بالطائر حقيقته، وهي الطائر المعروف كالحمام والعصافير مثلاً، لا مجازه كالبريد مثلاً. ومن الثاني: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ (٢) فقوله: ﴿كلهم أجمعون﴾ بيان يقرر ويؤكد أن المراد بلفظ: ﴿الملائكة﴾ عمومه، وأن الخصوص ليس هو المراد. النوع الثاني: بيان التفسير. وهو بيان ما كان غير واضح الدلالة، سواء أكان خفاء الدلالة فيه راجعاً إلى الجهل بأصل الوضع وهو الغريب، أو إلى تعدد الوضع وهو المشترك، أو إلى أمر عرض عند استعمال اللفظ وارتباطه بغيره من أجزاء الكلام، أو عند تطبيقه على بعض الصور. فمن بيان التفسير قوله تعالى: ﴿إن الإنسان خُلِق هلوعاً * إذا مسّه الشر جزوعاً * وإذا مسّه الخير منوعاً﴾ فإن الهلوع لفظ غريب، وقد فسرته الآيتان بعده. ومنه قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ فإن القرء دائر بين الطهر والحيضة، وقد بُيِّن بقول النبي ﷺ : "طلاق الأمة طلقتان، وعدتها حيضتان" (٣) فبيّن أن القرء الحيضة. ومنه قوله تعالى: ﴿إلاّ أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ فإن الموصول ﴿الذي﴾ يحتمل أن المراد به الزوج أو الولي. وورد في حديث الدارقطني: "وليّ عقدة النكاح الزوج" (٤).

стр. 83

ومما يخفى عند تطبيقه على بعض الصور نحو قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فإن دخول من أخذ مال غيره على سبيل العارية ثم جحده، في مفهوم (السارق)، أمر مشتبه بحاجة إلى بيان (١). فلما قطع النبي ﷺ امرأة كانت تستعير المتاع وتجحده، تبيّن دخوله. النوع الثالث: بيان التغيير. وهو البيان الذي فيه تغيير لموجب اللفظ من المعنى الظاهر إلى غيره. وذلك في المخصِّصات كالشرط والاستثناء ونحوها، وتقييد المطلق. نحو قول القائل لامرأته: "أنت طالق إن دخلت الدار" ونحو: "له علي ألف إلاّ مائة" وذلك أن آخر الكلام بَيّن أن المراد بأوله غير ما دلّ عليه. والشافعية يجعلون التخصيص من بيان التفسير. النوع الرابع: بيان التبديل، وهو النسخ، إذ هو بيان انتهاء مدة الحكم (٢) وفي اعتبار هذا النوع بياناً اختلاف، إذ ليس هناك لفظ خفي يبيّن بالنسخ. ما به يمكن البيان: نقل الشوكاني (٣) عن السمعاني أن البيان يقع بستة أشياء: أحدها: القول، وهو الأكبر. والثاني: الفعل. والثالث: الكتابة، كما بيّن النبي ﷺ أسنان الديات، ومقادير الزكاة بكتبه المشهورة. والرابع: الإشارة، كقوله: " الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا" (٤) والخامس: التنبيه، وهو المعاني والعلل التي نبّه بها على الأحكام. كقوله في بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " (٥) والسادس: الاجتهاد من العلماء.

стр. 84

قال الشوكاني: وزاد شارح اللُّمع وجهاً سابعاً وهو البيان بالترك، كما روي أنّ آخر الأمرين منه ﷺ كان ترك الوضوء مما مسّت النار. قلت: لم يذكروا التقرير في هذا الحصر، ولا بدّ من ذكره. فتتم بالتفصيل ثمانية. فالفعل أحد ما يقع به البيان. وسيأتي ذكر من خالف في ذلك إن شاء الله. حكم البيان: البيان لما يحتاج إلى البيان واجب، لقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون﴾ (١). وإنما يجب في حالين: الأول: أن يكون السائل عن المسألة جاهلاً بحكمها وهي منصوصة. دلّ على ذلك قول النبي ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار" (٢). الثانية: أن يأتي وقت العمل بالمجمل، ولا يتمكن المكلف من امتثاله، لجهله بالحكم أصلاً أو لخفائه عليه. كمن أسلم، وأتى عليه رمضان، وهو لا يعلم وجوب صومه، أو كيفيته، فيجب البيان له. فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. أما قبل الحاجة إلى التنفيذ، وقبل السؤال عن الحكم، فلا يجب البيان. ثم حيث وجب، فإن كان في الجهة أكثر من عالم واحد كان وجوب البيان كفائياً، وإن لم يكن إلا واحد تعيّن عليه.

стр. 85

وبالنسبة إلى النبي ﷺ خاصة كان بيان المجمل الذي لا يعلم إلاّ من جهة المجمِل، متعيَّناً عليه، ككيفية الصلاة، وأعداد ركعاتها وشروطها، لأنه ليس هناك أمارة يمكن أن يعلم بها الحكم غيره من العلماء، ﷺ . ومثله بيان التغيير، إنْ لم يكن على التغيير دلالة موجودة يمكن أن يُعلم من قبلها. ويتعيّن عليه أيضاً البيان الابتدائيُّ للأحكام الشرعية الموحى بها إليه مما لم يرد في القرآن. ويتعيّن عليه أيضاً سائر أنواع البيان حيث وجبت، إن كان لا يوجد غيره، ممن يمكن أن يدل على المطلوب. فإن وجد غيره كفى. كما فعل أبو بكر، إذ بينّ حكم السّلَب أنه يجب إعادته إلى القاتل. فأقر النبي ﷺ ما قال (١). هل يجب البيان لجميع الأحكام (٢): قد بيّنّا أن البيان يجب في حالين: أن يسأل العالم عن المسألة وهي منصوصة، وأن تقع الحادثة ويجهل حكمها. فأما في الأولى: وهي حالة السؤال عن المنصوص: فالبيان واجب لجميع الأحكام الخمسة واجبها ومندوبها ومباحها ومكروهها وحرامها. وأما في الثانية: وهي حالة الوقوع والمكلّف جاهل: فإنه إذا جاء وقت المأمور به الواجب، فتركه المكلف، وجب بيانه له. أو أراد المكلف فعل محرم، وجب بيان حرمته له. أما بيان المستحب فيستحب، وكذلك بيان المكروه، وذلك حرصاً من المبيِّن على حصول الأجر للفاعل بفعل المستحب وترك المكروه، فيصل

стр. 86

للمبيِّن أجر الدلالة على الخير. ولا يكون بيان المستحب والمكروه في هذه الحالة الثانية واجباً، وكذلك بيان المباحات. ولعلّ هذا هو معنى ما نقله الغزالي عن (قوم من القدرية) أنهم قالوا: "بيان الواجب واجب، وبيان المستحبّ مستحبّ" وهو قول حق، لكن بالقيود التي ذكرناها. وقد ألزمهم الغزالي أن يقولوا: وبيان الحرام حرام، وبيان المكروه مكروه. ويظهر أنه لم يفطن إلى مقصدهم. ويستثنى مما تقدم حالة واحدة يجب فيها بيان المستحب والمكروه، وهي أن يكون المكلف يعتقد في الفعل حكماً غير حكمه الشرعي، كمن يتنفل في الوقت المكروه، أو يتعبّد لله بمباح ليس موضوعاً للتعبّد، أو يكره سنة من السنن أو يحرِّمها. ففي هذه الحالة يجب البيان (١). ويمكن إعادة هذا الاستثناء إلى النوع الأول، وهو بيان الواجب، لأن اعتقاد الأحكام الصحيحة للأفعال واجب على المسلم. فإذا أخطأ في ذلك الاعتقاد فقد ترك الواجب، ووجب بيانه له. هذا حكم البيان في حق غير النبي ﷺ . أما بالنسبة إليه ﷺ فالبيان كله واجب ليخرج الحكم عن الإبهام المطلق إذ لا يعلم إلّا من جهته. فإن خرج، فحكمه ﷺ حكم غيره إلا في بيان المكروه. أما المكروه فيجب عليه بيانه لئلا يعتقد الفاعل والمشاهد إباحته كما يأتي في فصل التقرير من الباب الثاني إن شاء الله.

стр. 87

المبحث الثاني البَيَان الفِعلي ذكرنا في المبحث السابق أحكام البيان إجمالاً، ونخصص هذا المبحث بالبيان الفعلي: حكم البيان بالفعل: البيان بالفعل أحد أنواع البيان. فيمكن استعماله حيث أفاد المطلوب. وواضح عقلاً أن النبي ﷺ لما كان واسطة لتبليغ الشريعة وبيانها، فإنه يبين بالطريقة التي يختارها. فإما أن يبيِّنَ المشكل بأقواله أو بأفعاله. فلما صحّ البيان بالأقوال لكونها دليلاً على المطلوب فكذلك يصح البيان بالأفعال حيث تدل على المطلوب. فما أفاد فيه البيان بالأقوال والأفعال، أجزأ بكل منهما (١). ويكون ذلك واجباً مخيَّراً، أيَّ الخصلتين فعل فقد أدّى ما وجب عليه. وهذا مذهب أكثر العلماء. وقد قيّده عبد الجبار (٢) بأن لا يختص أحدهما في كونه مصلحة بما ليس في الآخر، وهو بمعنى ما ذكرناه أعلاه من اشتراط الإفادة. وقد منع بعض الأصوليين وقوع البيان بالأفعال. نُقِل ذلك عن أبي إسحاق

стр. 88

المروزي الشافعي، وعن أبي الحسن الكرخي الحنفي (١). ونقله السرخسي (٢) عن (بعض المتكلمين)، وقال: "إن هذا منهم بناء على أصلهم أن بيان المجمل لا يكون إلا متصلاً به. والفعل لا يكون إلا منفصلاً عن القول". ثم قال: "فأما عندنا: بيان المجمل قد يكون متصلاً به، وقد يكون منفصلاً عنه". وذكر البناني (٣) أن محل الخلاف إذ لم يعلّق البيان بالفعل قولاً. وإلاّ فلو قال: القصد بما كلفتم به من هذه الآية ما أفعله، ثم فعله، فلا خلاف أنه بيان، كما ذكره القاضي (الباقلاني) في تقريبه. أقول: فعلى هذا لا ينبغي أن يكون خلاف في أن ما فعله النبي ﷺ في حجة الوداع مثلاً، بيان لآية الأمر بالحج، لكونه ﷺ قال لهم: "خذوا مناسككم لعليّ لا أحجّ بعد حجتي هذه" (٤). وكذلك لما صلّى به جبريل لبيان أوقات الصلوات يومين متواليين، يصلي في اليوم الأول أول الوقت، وفي اليوم الثاني آخره، ثم قال: الوقت ما بين هذين. أقول: وينبغي أن يحصر الخلاف أيضاً في الأفعال التي تدل بالأسوة، لا فيما يستعمل بمعنى المخاطبة، كالإيماء، والإشارة، فإنها قائمة مقام القول. كما سئل النبي ﷺ يوم النحر: "ذبحت قبل أن أرمي" فأومأ بيده، قال: "لا حرج" (٥). وكما قال ﷺ : "إن في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه" (٦). وأشار بيده يقللها.

стр. 89

ومثل الإشارة: الكتابة والعقد، وسائر ما يؤدّي مؤدَّى القول (١). ووجهة من يمنع كون الفعل بياناً أن البيان بالقول ممكن، والبيان بالفعل أطول زمناً منه بالقول، فيتأخر البيان به مع إمكان تعجيله وتيسّره بالقول، وذلك عبث، والعبث ممتنع على الشارع. وقد أجاب الأولون عن ذلك بأجوبة (٢): الجواب الأول: عدم التسليم بكون البيان بالأطول عبثاً، فإن كون أحد الطريقين إلى الهدف أقصر من الآخر، لا يلزم منه وجوب سلوكه، وترك سلوك الطريق الأطول. فقد يكون الأطول أيسر كما هو معلوم. وقد يكون أوضح وأثبت في الذهن وقد يتبع سلوكه حصول فوائد أخرى (٣). وقد تقدم إيضاح ذلك في التعليم بالمشاهدة، فلا نكرره.

стр. 90

الجواب الثاني: عدم التسليم بكون الزمان الفعل أطول في كل حال. وخاصة في الفعل ذي الهيئات والكيفيات التي يصعب تحديدها بالقول، كالوضوء مثلًا، فإن تبيين كيفيته بالفعل أخصر منه بالقول. ولو ذهبنا نحدّد بالقول ما أوضحناه بالفعل لطال الأمر وتكرر، وصعب على الذهن مع ذلك ضبطه (١). الجواب الثالث: أن ذلك وقع في السنة، ومنه شربه ﷺ يوم عرفة وهو راكب على بعيره ليعلم الناس أنه مفطر. هل يشترط لاعتبار الفعل بياناً عدم وجود قول صالح للبيان: اشترط ابن فورك (٢) لصحة اعتبار الفعل بياناً أن لا يكون هناك قول صالح لأن يكون بياناً. ووجه ذلك عنده أن القول هو الأصل في البيان، وأن الفعل يكون بياناً بغيره، والقول يكون بياناً بنفسه، فإذا وجد ما هو الأصل في البيان امتنع العدول عنه إلى غيره. وسيأتي في مبحث اختلاف القول والفعل في البيان، ما يعلم به بطلان هذا الاشتراط.

стр. 91

هل يصلح الفعل وحده بياناً دون انضمام قول يدل على أنه بيان: يتبيّن مما تقدم أن الفعل يمكن أن يقع بياناً، بقرينة تدل على أنه بيان لكذا وكذا من الأقوال القرآنية أو النبويّة. ثم قد تكون تلك القرينة قولاً، كما في الحديث: "صلوا كما رأيتموني أصلي" و"خذوا مناسككم" وقد تكون غير ذلك (١). كيفية بيان كل من الأحكام الخمسة بالأفعال: تقدم لنا أن البيان بالفعل قد ينفرد عن القول. وقد يرد مع القول فيؤيده ويقويه، ويقطع عنه احتمالات شتى، ويدخل معنا هنا البيان الابتدائي بالفعل فيصدق عليه ما يصدق على بيان المجمل. والمراد هنا أن نوضح الطرق التي بها يكون الفعل بياناً للأحكام الواردة في الكتاب والسنة، بترتيب أحكامها. وقد اعتنى بذلك الشاطبي (٢). ونحن نذكر بإيجاز، مع العلم انها قواعد غالبية، ويكفي عنها البيان بالقول أحياناً. ١ - الواجب: بيانه بالفعل. مع المداومة عليه وعدم الترك، ولا يتسامح في الترك مطلقاً. ٢ - المحرّم: بيانه بالترك المطلق، ولا يتسامح في فعله ألبتة، سواء أكان كبيراً أو صغيراً، وسيأتي ذلك في مبحث العصمة النبويّة، في فصل لاحقٍ إن شاء الله. ٣ - المندوب: ينقسم قسمين، بحسب حال المبيّن له: أ- فإن كان جاهلًا بأصل الحكم، فالبيان له بالفعل ليقتدي به. ب- وإن كان المبين له مظنة أن يعتقد أن ذلك المندوب واجب، كما إذا حافظ عليه والتزمه التزام الواجبات، أو خيف عليه أن يعتقد ذلك، وجب أن

стр. 92

يفرّق له بينهما بترك التزامه من قبل المبيِّن. وفي حديث عائشة: "إن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم" (١)، "وكان يحب ما خفّ على الناس" (٢). وقصة إفطاره ﷺ يوم عرفة بمرأى من الناس تصلح شاهداً لهذا الأصل. وقام في رمضان ليلتين أو ثلاثاً، فقاموا خلفه حتى كثروا، فتركه بعد ذلك، حمله الخطابي (٣) على معنى الترك بياناً لئلا يظن وجوبه. ٤ - المكروه: بيانه ينقسم قسمين بحسب حال المبين له، كما تقدم في المندوب. أ- فإن كان المبيّن له جاهلًا بأصل الحكم، فالبيان له يكون بالامتناع من الفعل، وإظهار كراهته، لتعلم. والترك في المكروهات هو الأصل في حق النبي ﷺ لمقتضى العصمة، كما سيأتي في مبحث الفعل البياني. ب- وإن كان المكروه مظنّة اعتقاد لزوم الترك، كمن اعتقد المكروه محرماً أو خيف عليه أن يعتقد ذلك، فإن بيانه يكون بفعل المكروه. وسيأتي أن النبي ﷺ قد يفعل المكروه بياناً لعدم تحريمه. وهذا الغرض هو المقصود هنا. وعندما علم النبي ﷺ أن أناساً كرهوا (٤) أن يستقبلوا بفروجهم القبلة قال: "أوَ قد فعلوها؟ حوِّلوا مقعدتي إلى القبلة" (٥). ٥ - المباح: بيان إباحته بفعله أحياناً وتركه أحياناً. ويتأكد الفعل إذا كان المباح مظنّة اعتقاد التحريم أو الكراهة، ويتأكد الترك إن كان مظنّة اعتقاد الوجوب أو الندب. وقد قال ابن مسعود: "لا يجعلنّ أحدكم للشيطان من نفسه جزءاً، لا

стр. 93

يرى إلا أن حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه؛ أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله" (١). ما يمكن حصوله بالأفعال من أنواع البيان: قال السمعاني: "يحصل بالفعل جميع أنواع البيان" (٢). أولاً: البيان الابتدائي: سيأتي ذكر إمكانية كون الفعل النبوي بياناً ابتدائياً، والخلاف حول ذلك، في فصل الفعل المجرّد، من هذا الباب. ثانياً: بيان التقرير: وهذا واضح من دلالة الأفعال. فإن السنن العملية كثيراً ما تكون مقررة لحقائق ألفاظ الكتاب والسنة القولية، وظواهرها. فما فعله النبي ﷺ تنفيذاً لما في الكتاب، عُلِم به يقيناً أن المراد به حقيقة اللّفظ دون مجازه. ويمكن بهذه الطريق الرد على المؤوّلة من الفلاسفة والباطنية ودعاة الفاطميين وغيرهم من الملحدين والمبتدعين، فيما أوّلوه من الأحكام الشرعية. فلو تعسّفوا في تأويل الأقوال لم يمكنهم ذلك في الأفعال. ومن أجل ذلك يحصل التحقق دون ريب من كذبهم في دعاوى كثيرة (٣). هذا وإن فائدة الأفعال في هذا النوع من البيان واضحة أيضاً في قطع استبعاد الحقائق التي تتضمنها الأقوال. ومن ذلك ما قصّ الله علينا في كتابه: ﴿أو كالذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مِئَة عام ثم بعثه ... ﴾ إلى أن قال: ﴿ ... فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ (٤) وفي الآية التالية لها: ﴿وإذا قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي

стр. 94

الموتى قال أَوَلَمْ تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصُرْهُنَّ إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهنّ يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ فحصل بالفعل من طمأنينة القلب واليقين بالخبر ما لم يحصل بالقول، وإن لم يشك في صدقه، إذ هو قول رب العالمين. ثالثاً: بيان التفسير: وقوع هذا النوع من البيان، بالفعل، كثير. فقد بيّن ﷺ الوضوء فعلاً، وكذلك الصلاة، والحج، والطواف، والسعي، وغيرها. رابعاً: بيان التغيير: وهو بيان أن المراد باللفظ خلاف ظاهره، ومثاله نهيه ﷺ عن القود في الطرف قبل الاندمال (١) وروي أنه أقاد قبل الاندمال (٢)، فتبيّن بالفعل أنه أراد بالنهي الكراهة دون التحريم. ومن بيان التغيير التخصيص، وسنفرد لتخصيص الأدلّة الشرعية بالأفعال النبوية مبحثاً خاصاً في أوائل باب التعارض وهو الباب الثالث من هذه الرسالة. خامساً: بيان التبديل: وهو النسخ، وسيأتي ذكره أيضاً في باب التعارض. القوة والوضح بين البيان القوليّ والبيان الفعليّ: اختلفت أقوال الأصوليين أيهما أقوى دلالة: القول أم الفعل؟ فمن قائل: القول أدلّ من الفعل، ومن قائل: الفعل أدلّ منه (٣)، ومن قائل بالتفصيل في ذلك. المذهب الأول: احتج القائلون بأن القول أدلّ، بما يلي: أولاً: أن القول له صيغة، فيمكن أن يعلم المراد به من جميع الوجوه، والتعبير به عن كل ما في النفس، بما يكون نصّاً في المطلوب أو ظاهراً. حيث إن الألفاظ موضوعة لمعان معلومة يمكن تركيبها لتدل على المراد عيناً، وبدرجة العموم

стр. 95

والخصوص المطلوبة، وبما يدل على الحكم المراد. وقد قال الشاعر: القول ينفد ما لا ينفذ الإبَر أما الفعل فلا يقع إلاّ على صورة واحدة، ولا يتعدّى تلك الصورة بنفسه، فلا يفهم منه بنفسه درجة الحكم أهي الوجوب، أم الاستحباب، أم الإباحة، ولا يعلم قدر انسحابه على أشخاص آخرين غير الفاعل، وعلى أحوال أخرى غير الحالة التي وقع عليها (١). ثانياً: أن القول يمكن أن يُدَلَّ به على أنه بيان للمجمل، بخلاف الفعل، فإنه لا يدل بنفسه على ذلك، فلا يعلم ذلك إلا بدليل غير فعلي، إما بالقول، وإما بالعقل، وإما بأن يعلم ذلك بالضرورة من قصده. ثالثاً: إن الفعل لا يمكن الدلالة به على المعدوم والمعقول، بل على الموجود والمحسوس خاصة، بخلاف القول، إذ يمكن التعبير به عن كل ذلك (٢). رابعاً: إن الفعل البياني، قد يلازمه حركات وأوصاف غير مراد أن تكون بياناً، ويعرف ذلك بالاستقراء (٣). وهذا قد يجعل في كل جزء من أجزاء الفعل البياني احتمالاً أنه غير مراد. وهذه الاحتمالات لا يمكن إزالتها إلا بتكرار الفعل مع حذفها، أو بالقول، أو بغير ذلك من القرائن، كما وقف النبي ﷺ بعرفة في مكان معين، فلئلا يظن ظان أن ذلك المكان مقصود قال: "وقفت هنا وعرفة كلها موقف". وقال في مزدلفة مثل ذلك، وقال في النحر بمنى: "نحرت هنا ومنى كلها منحر" (٤). وفي رواية (٥): "وكل فجاج مكة طريق ومنحر" (٦).

стр. 96

والقول يمكن إخلاؤه عن مثل هذه الاحتمالات. ووجه خامس: نضيفه إلى ما ذكره الأصوليون، وهو أن القول تتبلور به الأحكام والصلاة بين الأمور. وكم من حقائق كانت موجودة بالفعل، ولكن لا يلتفت الناس إلى وجودها، ولا ينتبهون إلى أنها تمثل دوراً فيما يجري (بالفعل) أمام أبصارهم. فلما قُيِّض لها شخص ذو فطانة وذكاء، فلمحها وعبّر عنها بالقول، أصبحت شيئاً معلوماً يمكن لغيره من الناس فهمه وتطبيقه والاستفادة منه. ويؤكد ذلك حوادث استخراج قوانين الظواهر الطبيعية، كالكهرباء والجاذبية والمغناطيسية والحرارة والبرودة، وتأثيراتها المختلفة. وشبيه به ما نراه لعلماء الصحابة كعائشة ﵂، في فهمها للأحكام وأسبابها من أفعال النبي ﷺ ، في شؤون طهارته وصلاته بالليل والنهار وصيامه وغير ذلك، وما نراه لأئمة الأصوليين من استنباطهم لقوانين الأصول، مع أنها كانت جارية قبلهم (بالفعل) في نصوص الكتاب والسنة وكلام الناس، وهكذا الخليل مع قوانين العروض، وهكذا أيضاً قوانين كل علم وفن مما يوفق الله من شاء من أهل المواهب لاستخراجه والتعبير عنه. وبه تعالى التوفيق. المذهب الثاني: احتج القائلون بأن الفعل أبلغ في البيان، بأدلة، منها: أولاً: أن يتبيّن بالفعل من الهيئات والتفصيلات ما يصعب بيانه بالقول، حتى أن ما يتبيّن بالفعل ليتعذّر بيانه بالقول أحياناً (١)، خاصّةً وأن من الهيئات الفعلية ما لم يوضع له لفظ خاص. وثانياً: أن الفعل أفعل في النفس، بحيث تطمئن إليه أكثر، ويستمرّ في الذاكرة زمناً أطول (٢). وقد تقدم ذكر هذا في التعلّم بالمشاهدة، وأيضاً في البيان التقريري بالفعل. ومما ذكروه من هذا الباب ما وقع في الحديبية، حين أمرهم النبي ﷺ بالفسخ

стр. 97

فلم يمتثلوا، حتى اشتدّ حزن النبي ﷺ لذلك، فلما أشارت عليه أم سلمة بأن يحلق دون أن يكلمهم، فحلق، سارعوا إلى الامتثال (١). وثالثاً: أن القول يؤكد بالفعل، والتأكيد أقوى من المؤكَّد. وقد كان النبيّ ﷺ يؤكد قوله بفعله، كفسخ الحج، والطهارات. ولكن هذا الدليل لا يثبت، إذ ليس من المسلّم أن التوكيد لا يكون إلّا أقوى من المؤكَّد، بل قد يؤكّد الشيء بأضعف منه، إذ الحاصل بالاجتماع أقوى مما يحصل بالانفراد، وذلك هو المطلوب بالتأكيد. وسيأتي لهذا المعنى مزيد بيان في ما يأتي من هذا الفصل. ورابعاً: أن القول يدخله احتمال المجاز والنقل، وغير ذلك. والفعل يخلو عنها (٢). المذهب الثالث: القول بالتفصيل: الشاطبي في الموافقات (٣) نحا منحى آخر غير ما تقدم، فهو يرى أنه لا يصح إطلاق القول بالترجيح بين البيانين. وقسّم المسألة قسمين: القسم الأول: يستوي فيه البيانان وذلك أن يكون المأمور به فعلاً بسيطاً، أو وجد له نظير في المعتاد ولو كان مركباً، لكونه معلوماً، فينصرف إليه اللفظ. فالأول: كمسألة الغسل من التقاء الختانين مثلاً، فإنه لبسطاته وقلة

стр. 98

تفصيلاته، شيء واحد. ولكونه معتاداً، ينصرف إليه القول إذا سمِّي باسمه الخاص. فلو أريد تبيان الجنابة الموجبة للغسل بالقول مثلاً، كقوله ﷺ : "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" (١)، أو اغتسل فعلاً من التقاء الختانين، حصل بيان الجنابة بكل منهما على التساوي. والثاني: وهو ما له نظير في المعتاد، ولو كان مركباً. كما لو طلبْتَ من البنّاء أن يبني لك بيتاً على أن يكون مماثلاً لبيت معين مبنيّ فعلاً، وكان الاسم الموضوع لذلك النوع يطلق عليه بتفاصيل كثيرة إلا أنها معتادة ومتعارف عليها. فيكفي القول، ويقوم مقام الفعل، والفعل يقوم مقامه تماماً. القسم الثاني: الأفعال المركبة الكثيرة التفاصيل، من أركان وشروط ومستحسنات، وتلحقها مبطلات وعوارض، ولم تجربها عادة بين الناس تحدِّد المراد باللفظ تحديداً وافياً. فحينئذ يكون البيان لها بالفعل أبلغ "من جهة بيان الكيفيّات المعيّنة المخصوصة التي لا يبلغها البيان القولي. ولذلك بيّن النبي ﷺ الصلاة بفعله لأمته، والحج، والطهارة، وإن جاء فيها بيانٌ بالقول، فإنه إذا عرض نصُّ الطهارة في القرآن على عين ما تلقي بالفعل من الرسول ﷺ ، كان المدرك بالحسِّ من الفعل، فوق المدرك بالعقل من النّص، لا محالة. وهَبْه ﷺ زاد بالوحي الخاصّ أموراً لا تدرك من النصّ على الخصوص، فتلك الزيادات بعد البيان إذا عرضت على النص لم ينافها، بل يقبلها، كما في آية الوضوء". فالفعل من هذه الجهة أبلغ. أقول: ومثاله من الواقع ما لو أردت أن تبيّن صفة حيوان غريب لم يره السامعون من قبل، فوصفت تفاصيل خلقته وحجمه ولونه وطباعه، فمهما اطنبت في ذكر التفاصيل قولاً، فلن تتكون لدى السامعين الصورة المطابقة للحقيقة بتفاصيلها، فلو أريتهم الصورة الشمسية الملوّنة لذلك الحيوان، اتّضحت الفكرة عنه أكثر، فلو أريتهم تمثالاً مجسّماً للحيوان بنفس حجمه ولونه تعاظم وضوح الفكرة. ثم لو أريتهم الحيوان نفسه، فرأوه بأعينهم، ولمسوه بأيديهم، ورأوا أحواله وحركاته، وشاهدوا طباعه، فإنهم يعلمون من تفاصيل ذلك ما لم يعرفوه بسماع

стр. 99

القول، حتى لو حصلت مقارنة بين الصورة الذهنية التي تكوّنت بسماع القول أولًا، وبين الصورة التي تكوّنت برؤيته (فعلاً) لكانت الأخيرة مختلفة عن الأولى بنسبة كبيرة، هي بها أقرب إلى الحقيقة. ومثل ذلك في الشريعة أن الحجَّ تذكر صفته في كتب الحديث والفقه بالتفصيل، ومع ذلك فإنه لا يتبيّن تبيناً كاملًا حتى للمدرِّسين وسائر الفقهاء، إلاّ برؤية أفعال الحجاج وأماكن الحج وما يفعل في كل منها، فإذا رأى ذلك، وفَعَله، أصبحت معرفته ضرورية، على ما هو معلوم بالتجربة. ومن جهة أخرى يكون القول أبلغ، وذلك أن القول بيان للعموم والخصوص في الأحوال والأزمان والأشخاص، فإن القول ذو صيغ يمكن بها تبيين هذه الأمور ونحوها، أما الفعل فهو قاصر على فاعله، وزمانه، ومكانه، وحالته. قال الشاطبي: "لو تُرِكنا والفعلَ الذي فعله النبي ﷺ مثلاً، لم يحصل لنا منه غير العلم بأنه فعله، في هذا الوقت المعين، وعلى هذه الحالة المعينة. فيبقى علينا: هل ينسحب طلب هذا الفعل منه في كل حالة أو في هذه الحالة؟ أو يختصّ بهذا الزمان أو هو عامٌّ في جميع الأزمنة؟ أو يختص به وحده أو يكون حكم أمته حكمه؟ ثم بعد النظر في هذا، يتصدى نظر آخر في حكم هذا الفعل الذي فعله: من أيّ نوعٍ هو من الأحكام الشرعية". فهذان النوعان لا يمكن تبيينهما بالفعل، ولا بدّ من القول، أو وضوح القرائن، لبيان ذلك. ومن هنا احتاجت الأفعال النبوية إلى دليل خارج عنها يبين أنها دليل في حق الأمة. والحاصل: إن البيانين يستويان في الفعل البسيط، أو الفعل المركّب المعتاد الذي له لفظ يدل عليه بالتحديد. ويرجح البيان بالفعل من جهة بيان الفعل الكثير التفاصيل غير المعتاد، ومن جهة قوته في عمق التأثير النفسي، وقوة التشبث بالذهن.

стр. 100

ويرجح البيان بالقول من جهة العموم والخصوص، ومن جهة درجة حكم الفعل، ومن جهة تعليقه بما هو بيان له. أعلى أنواع البيان: نقل الزركشي أن بعضهم رتّب أنواع ما يقع به التبيين حسب قوتها، هكذا: القول، ثم الفعل، ثم الإشارة، ثم الكتابة ثم التنبيه على العلة (١). وأما الشاطبي (٢) فيرى أن اجتماع القول والفعل متطابقين هو الغاية في البيان، كما حصل بذلك تبيين الطهارة والصلاة والصَّوم والحجّ. ولا شك أن اجتماع البيانين المذكورين أقوى، وذلك من وجوه: الأوّل: إن كلا من القول والفعل، يسد ما في الآخر من النقص، برفع الاحتمالات التي مر ذكرها. الثاني: أنه يضيف إلى الآخر ما له من خصائص بيانية. الثالث: أنه أصلاً نوع من التكرار، والتكرار تأكيد وتقوية. ومن الملاحظ عمليّاً أن ما ورد فيه البيان بالقول والفعل من العبادات، كالصلوات الخمس مثلاً، هو أوضح كثيراً مما ورد فيه البيان بالقول خاصة، كصلاة الاستخارة، أو بالفعل خاصة، كصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وصلاة الخوف، وصلاة الاستسقاء. ولعله لذلك يجري فيها من الخلاف ما هو أكثر، نسبياً، من النوع الأول. وإن كان إثبات ذلك بحاجة إلى تتبع واستقراء. إلاّ أننا نرى اجتماع أنواع أخرى من البيان معهما، يكون به البيان أقوى. وأهمّ ذلك التقرير، فإنه يدل على رضا المبيِّن عن الصورة الذهنية التي حصلت لدى المبيَّن له. فإن البيان قد يكون وافياً، ولكن أفهام بعض السامعين تقصر أو تغفل. فإن عَمِل المبيّن له بما بُيِّن، فوافقه المبيِّن على فعله، وأقرّه، فذلك أقوى ما يكون البيان، كما تقدم في التعلّم بالممارسة.

стр. 101

رجوع البيان بالقول إلى البيان بالفعل: إن القول المبيِّن عن الفعل قد يرجع إلى الفعل. وذلك أن الفعل يسمى بألفاظ لغوية، فإن كانت مجملة فسرت بألفاظ أخرى تعبّر عن أفعال، فـ (الصلاة) مجمل يفسّر بأنها الأفعال المعلومة، من القيام والتكبير والقراءة والركوع والسجود والتسليم وغير ذلك. ومعاني هذه الألفاظ لم تُعلم إلّا بفعلها، أو رؤية من يفعلها، بحيث إن من لا يعلمها لو أريد تفسيرها له، لفعلنا أمامه الركوع مثلاً، ثم قلنا له: هذا الركوع، وهكذا السجود وغيره، فقد عاد البيان القولي عن الفعل إلى الفعل. وقد قال الشاطبي: "وإنما يقرِّب مثل هذا القول الذي معناه الفعلي بسيط وجد له نظير في المعتاد، وهو إذ ذاك إحالة على فعل المعتاد، فَبِه حصل البيان لا بالقول" (١). والألفاظ المعبِّرة عن أفعال مركبة أشدُّ حاجة إلى هذا النوع من البيان الفعلي. وهذا شأن الأسماء اللغوية غالباً، فإن فهمها، أو فهم ما فُسِّرت به من الألفاظ لا يتم من غير أن تكون لدى السامع (خبرات عمليّة سابقة)، إذا سمع اللفظ نزّله عليها ليفقه المراد به. ومن هنا يعلم أن ضيق الأفق، وقلة الخبرات العملية، وقلة التجارب في الحياة، ينشأ عنها ضيق فهم اللغة، وعسر تبيّن المراد بالألفاظ.

стр. 102

المبحث الثالث اجْتماع القول والفِعل في البَيان الكلام في هذه المسألة ينقسم قسمين، لأنه إن جاء بعد المجمل قول وفعل وكلاهما صالح لأن يكون بياناً، فإما أن يكونا متطابقين لا يزيد أحدهما على الآخر، وإمّا أن لا يكونا كذلك. ومعنى صلاحيتهما للبيان أن يفعل ما أمر به، وأن يصفه بذكر أجزائه وأعداده وهيئاته. أما إذا أحال بالقول على الفعل، كأن قال: "خذوا مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلِّي" (١). ونحو ذلك، فهذا القول ليس بياناً، وإنما هو قول معلِّق للبيان على الفعل، فيُعلم به كون الفعل بياناً (٢). فإن علم بالضرورة أو بالعقل، أن الفعل بيان، كان مثل هذا مؤكِّداً لذلك (٣). القسم الأول: حالة الاتفاق: وأمثلته أن النبي ﷺ بيّن بقوله عدد ما أمر به الله من الصلوات، فبيّن بالقول أنها خمس صلوات، وصلاها فعلاً كذلك، لم تزد ولم تنقص. وكذلك بينّ مقادير ما أمر الله به من الزكاة المفروضة في الذهب والفضة أنها ربع العشر، وأخذها كذلك.

стр. 103

والذي يعتبر بياناً منهما هو أولهما وروداً، سواء علم أو جهل. إذ به يحصل التبيين (١)، ويخرج الأمر عن الإبهام. ويكون الثاني منهما مؤكّداً له ومقويّاً، كما تقدم عند ذكر أعلى أنواع البيان. وهذا هو القول المعتمد. وقيل يكونان بمجموعهما بياناً. وقيل القول هو البيان، سواء تقدم أو تأخر، دون الفعل، لأنه أقوى من الفعل (٢). هذا وقد قرّر الآمدي (٣) وبعض الأصوليين أن المتأخّر منهما إنما يجوز اعتباره تأكيداً للأول في حال استوائهما في القوة، وحال كون الثاني منهما أقوى. أما إن كان الثاني أضعف فلا يكون مؤكِّداً، إذ إنه يخلو من الإفادة، فيكون المجيء به عبثاً. وبَنَى على ذلك أنه في حال العلم بأولهما وروداً يكون الثاني تأكيداً إنْ كان أقوى من الأول. وفي حال الجهل بذلك، فالأشبه أن الأول وروداً هو الأضعف منهما، لئلا يلزم المحذور الذي أشار إليه. وقد رفض السبكي هذه الطريقة، فرأى أن المتأخِّر يكون توكيداً ولو كان أضعف (٤). والذي نختاره هنا قول السبكي. ونزيد أن العرب لم تزل تؤكّد في كلامها الأقوى دلالة بالأضعف. كما في

стр. 104

الإتباع، كقولهم: جاؤوا أجمعون "أكتعون"، وحارٌّ "يارّ". إذ التابع هنا لا دلالة له أصلاً قبل اقترانه بالمتبوع، على ما هو المعتمد عند اللغويين. وأيضاً فإن دليل الآمدي ينتج امتناع التأكيد بالمساوي، وهو لا يقول به. وهذا نص عبارته "لو فرضنا تأخر المرجوح امتنع أن يكون مؤكِّداً للراجح، إذ الشيء لا يؤكّد بما هو دونه في الدلالة، والبيان حاصل دونه، فكان الإتيان به غير مفيد، ومنصب الشارع منزّه عن الإتيان بما لا يقيد". فقوله: "والبيان حاصل دونه" صادق على التأكيد بالمساوي، فيلزمه منعه. وذلك معلوم بطلانه حتى في التأكيد بالمفرد (١). وفي الطبيعة إذا نحن أضأنا غرفة بمصباح، ثم قَوَّينا النور بمصباح آخر أضعف من الأول، فلا شكّ أن له تأثيراً في تقوية الرؤية، ما لم يكن الأول كالشمس في قوة إضاءته، ومثل هذا بالنسبة إلى الألفاظ نادر جداً في الدلالة على المعاني المركبة كما تقدم. ولا ينبني على هذه المسألة شيء من الأحكام، إذ الفرض أن القول والفعل متفقان في المدلول. بل هي تذكر لمجرد استيفاء الأقسام. القسم الثاني: حال الاختلاف: بأن يدل أحدهما على أن المطلوب أكثر مما يدل عليه الآخر. ومحل الخلاف إذا لم يعلّق الفعل بالمجمل قولًا. فإن قال: ما أفعله هو البيان لآية كذا، أو حديث كذا، فالفعل بيان بلا شك. ويكون بدرجة القول. فلا يجري فيه الخلاف الآتي.

стр. 105

ومثال هذا القسم، ما روي (١) أن النبي ﷺ قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين. وروي عنه أنه قال بعد نزول آية الحج: "من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد، وسعي واحد عنهما، حتى يحلّ منهما جميعاً". وفي المسألة ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب الرازي وابن الحاجب أن القول هو البيان، سواء تقدم أو تأخر. وقال به أيضاً أبو الخطاب الحنبلي (٢) وغيرهم. ودليل هذا المذهب أن القول يدل بنفسه على أنه بيان، والفعل لا يدل إلاّ بالواسطة. وما يدل بنفسه أولى (٣). والقول هو الأصل في البيان، فينبغي أن يكون هو البيان. ويكون الفعل الزائد عن القول، على هذا المذهب، كالطواف الثاني في المثال، ندباً، أو خاصاً به ﷺ . وقد نقل الزركشي (٤) عن ابن فورك، أنه يبني على هذا القول اشتراطاً معيناً في جواز اعتبار القول بياناً. فرأى أن الفعل إنما يأتي بياناً إن لم يكن هناك قول صالح للبيان، وإلاّ لم يرجع إلى الفعل.

стр. 106

الثاني: مذهب أبي الحسين البصري، وهو أن المتقدم في نفس الأمر هو البيان حقيقة. قال: "لأن الخطاب المجمل، إذا تعقبه ما يجوز أن يكون بياناً له، كان بياناً له" (١). ثم إن علم المتقدم من القول والفعل فالحكم عنده كذلك. وإن جهل فالقول عنده هو البيان، لأن الفعل لا يكون بياناً للمجمل إلاّ بما يعلقه به من قول أو ضرورة، ولا ضرورة هنا مع وجود القول المبيّن للمجمل. وقد قدم في أول هذه المسألة، قبل تفصيلها وشرحها، أنه حيث قيل إن القول هو البيان، فالطواف الثاني في المثال المضروب ندب. وحيث قيل بأنه الفعل، فالطواف الثاني واجب. استدراك الآمدي على مذهب أبي الحسين: نقل الآمدي (٢) مذهب أبي الحسين البصري المتقدم ذكره، ووافقه في حال العلم بالتقدم على ما ذكر، غير أنه أضاف، أنه في حال تقدم الفعل، فإنه وإن دلّ على أن الطواف الثاني واجب، إلاّ أنه لا بدّ من تقديره منسوخاً بالقول، أو خاصاً بالنبي ﷺ . والخصوصية أرجح، لخلوّها من نسخٍ للفعل أو تعطيل للقول. وهذا عندي استدراك لا يخفى، وإنما الذي فعله أبو الحسين أنه نبّه إلى حكم الفعل الزائد عند وروده وقبل ورود القول عليه، ولم يذكر حكمه عند ورود القول بعده مخالفاً له. فمذهبهما في الحقيقة شيء واحد. وأما ترجيحه الخصوصيّة على النسخ فلا يوافق عليه، لأن الأصل تساوي الأحكام بين النبي ﷺ وأمته. وسيأتي إيضاح ذلك في مبحث الخصائص.

стр. 107

الموارنة بين المذهبين: إن المذهبين متفقان في حال العلم بتقدم القول، أو الجهل بالمتقدم، إن القول هو المقدم في الحالين. وإن ما اختلف فيه المذهبان حالة العلم بتقدم الفعل. فيرى أبو الحسين أنه لا يجوز إهماله، إذ هو نوع من أنواع البيان، وقد جاء في وقت الحاجة إليه، فوجب أن يكون بياناً. وأصحاب المذهب الأول نظروا إلى أرجحية القول من حيث البيان، ووضوح ارتباطه بالمبيّن. فقدموه. ونحن نرى أن مآل القولين واحد، فعندما ورد الفعل وهو صالح للبيان، فلا بد من اعتباره بياناً. ثم إذا جاء القول بعد ذلك، فلا بد من الأخذ به، لأنّ "القول بإهمال دلالة القول ممتنع" كما قال الآمدي. فهو يَرِد حينئذ على الفعل فيدل على أن ما زاد منه على القول ندب، أو يلغي دلالته على الحكم في حق الأمة دون نبيها فيكون مخصصاً، أو في حق الجميع فيكون ناسخاً. فالخلاف بينهم في المسألة إنما هو في مما قبل ورود القول المتأخر، فأمّا بعد وروده فالعمل يكون بالقول على كل حال بالنسبة للأمة، لأنه إما أن يكون هو البيان على القول الأول. أو يكون ناسخاً لحكم الفعل، على القول الثاني. والله أعلم. الثالث: وفي المسألة قول ثالث، وهو الوقف عند الجهل بالمتقدم، فلا يحكم بكون أحدهما هو البيان دون الآخر، بل البيان أحدهما لا بعينه. لأن كلاً منهما أقوى من الآخر من وجه، فلا يرجح عليه بلا مرجح. وقد رجح هذا القول ابن السمعاني (١). وقال العلائي في إبطال هذا الدليل: "إن البيان بالقول أكثر، وغاية الأمر

стр. 108

أنهما متساويان في البيان (أي في قوته ووضوحه) وتسلم بقية الأوجه (أي في ترجيح القول) وبهذا يظهر ترجيح القول تقدميه، فلا تعادل حينئذ. والله أعلم" (١) اهـ. كلامه. وعندي أن جعل دلالة القول أرجح هو الذي ينبغي اعتماده. وبذلك لا يكون القول بالوقف صواباً. والحاصل: أننا بعد النظر في هذه المسألة وتشعباتها عند الأصوليين، نرى أن المسألة تلتئم بأن يقال: إنه بالنظر إلى الواقع في نفس الأمر، وعند من يعلم ذلك الواقع، لا بدّ من اعتبار أول الواردين من قول أو فعل بعد المجمل، هو البيان له. وأما بالنسبة إلى العمل وبالنظر لمن لا يعلم الواقع، فيعمل بالقول، ويقال إنه هو البيان، حقيقة إذا تقدم، ومجازاً إذا تأخر. وما زاد من الفعل فهو إما ندب أو خاص أو منسوخ. وهذا التوفيق صادق على حالتي الاتفاق والاختلاف. وتكون القاعدة العامة "أنه إذا ورد بعد المجمل قول وفعل كلاهما صالح للبيان، فالبيان في الحقيقة المتقدم منهما، والعمل بالقول على كل حال". تنبيه: المثال الذي ذكر في هذه المسألة الفعل فيه أكثر من القول. فلو كان العكس، ونقص الفعل، بأن أمَرَ بطوافين، وفَعَل واحداً، فمقتضى القول الأول، وهو قول الرازي ومن معه، البيان القول، ونقْصُ الفعل تخفيف في حقه ﷺ ، تقدم القول أو تأخّر. ومقتضى قول أبي الحسين أن البيان المتقدم، فإن كان المتقدم الفعل، فما زاده القول بعده مطلوب بالقول، وإن كان المتقدم القول فالنقص تخفيف خاص في حقه ﷺ (٢).

стр. 109

المبحث الرابع إذا اختلف فعلان في البيان فأيهمَا البيان الأصوليون لم يذكروا هذه المسألة، وذكرها ابن دقيق العيد في شرح العمدة (١) وواضح أن أول الفعلين وروداً يكون هو البيان ما لم يدل على أن البيان هو آخر الفعلين. فإذا اعتبرنا الفعل الأول هو البيان، يبقى الزائد من الفعل الثاني فعلًا مجرداً لا يدل على وجوب، بل قد يدل عل الندب أو الإباحة كما يأتي في الأفعال المجردة. وهذا إن كان الفعل الثاني زائداً على الأول. أما إن نقص عنه فهو إما ناسخ للزائد في حق الجميع، وإما تخفيف في حق النبي ﷺ خاصة. والنسخ أولى كما تقدم. ولا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذّر الجمع. وقد يعلم أن الفعل المنقول إلينا متأخر، ويعلم أن قبله فعلاً هو البيان، لكن لم ينقل إلينا أول الفعلين، كبعض رواية أصاغر الصحابة ومتأخري الإسلام منهم إذا رووا بعض هيئات الصلاة، أو أعمالًا في الصوم أو غيره من الأمور المستمرة. فإن الظاهر تأخر مروياتهم، وهي لا شك قد سبقت ببيان، فلا تكون مروياتهم تلك بياناً. ولا يمتنع -إذا لم يدل على التغيير- الاستدلال بالفعل المتأخر، هذا على أن الفعل المتقدم مثله، لأن الأصل عدم التغير. والله أعلم.

стр. 110

الفصل الثاني أحكام النبي بالنسبة إليه ﷺ - ١ - ما يصدر عنه الفعل النبوي. أ- الوحي. ب- الاجتهاد. ج- مسألة التفويض. د- مسألة العفو. ٢ - أحكام الأفعال النبوية. أ- ما يكلف به النبي ﷺ من الأفعال. ب- أحكام ما صدر عنه من الأفعال. ج- العصمة عن المحرمات. د- العصمة عن المكروه. ٣ - كيف يعيّن حكم الفعل إذا صدر عنه ﷺ بالنسبة إليه خاصة.
следующие страницы →