← Сияса и кади

Сияса и кади · id 31485

الإسلام والدستور

توفيق بن عبد العزيز السديري

Полный текст (204 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[مقدمة الكتاب] الإسلام والدستور مقدمة الكتاب إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن الدستور أو القانون الدستوري فرع من فروع القانون العام، والدستور لأي دولة كانت يعبر عن فكر تلك الدولة واتجاهها الديني والاجتماعي؛ لأن الدستور هو القانون المهيمن، والموجه لقوانين تلك الدولة ونظمها. وهذه الأهمية للدستور أحد الأسباب التي دفعتني لهذا البحث، وبخاصة معالجته من الناحية الإسلامية ومحاولة توضيح أسس الأحكام الدستورية في الشريعة الإسلامية، ومن ثم دراسة لبعض تطبيقاتها منذ قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ إلى عصرنا الحاضر. وما من شك في أن بحث موضوع كهذا من هذه الزاوية من الأهمية بمكان، لأهمية الأحكام الدستورية بين الأحكام والنظم الأخرى، ولأهمية دراسة الدستور في الإسلام وذلك بتحديد قواعده، مما يسهم في إثراء البحث العلمي في الشريعة الإسلامية في العصر الراهن، سواء من ناحية تبيين ما عليه الشريعة الإسلامية في هذا المجال، أم من ناحية الدراسات المقارنة.

стр. 2

ولذلك كان اختيار موضوع " الإسلام والدستور " (١) الذي حاولت فيه تبيين وجهة النظر القانونية البحتة للدستور، ثم تبيين وجهة النظر في الإسلام، بحيث يجمع البحث بين الدراسة القانونية والشرعية، واستعراض الواقع الدستوري للدولة الإسلامية على مر عصورها من خلال دراسة بعض الوقائع الدستورية في التاريخ الإسلامي. والحقيقة أن البحث في الأحكام الدستورية الإسلامية ليس جديدا ومستحدثا، فالفقهاء المسلمون القدامى بحثوا هذا الموضوع وبينوا تلك الأحكام في مختلف أبواب الفقه وكتب السياسة الشرعية. وقد تقدمت الدراسات الدستورية والقانونية في هذا الوقت وأصبحت لها أبحاث ودراسات مستقلة مما يتطلب من الباحثين والمفكرين المسلمين المعاصرين أن يؤصلوا الدراسات الدستورية، ويبينوا وجهة النظر الإسلامية ويستنبطوا الأحكام للوقائع المستجدة، وإذا نظر الباحث إلى الدراسات الدستورية المعاصرة، يجد أن الذين تعرضوا لهذا الموضوع، منهم من يغلب عليه الطابع القانوني البحت، ومنهم من يعرض الموضوع بشكل عام دون تفصيل، ومنهم من يبحث جزئيات من الموضوع عند دراسة النظام السياسي الإسلامي، مما يجعل سير الباحث في هذا الطريق صعبا وشاقا. إن أهم مصادر هذا البحث تتركز في كتب السياسة الشرعية، والكتب والدراسات الدستورية والقانونية الوضعية، والكتب المعاصرة التي تبحث

стр. 3

في النظام السياسي، بالإضافة إلى الوثائق والنصوص المشتملة على بعض القوانين والنظم المطبقة في بعض البلدان. ومن أهم الصعوبات التي واجهتها في هذا البحث، قلة المراجع الحديثة التي تخدم موضوع البحث، وبخاصة الدراسات التي تبحث في النظام الدستوري الإسلامي بحثا مقارنا مع النظم الوضعية، أو تلك التي تؤصل للنظام الدستوري الإسلامي وتبين أحكامه وقواعده من مصادره ومظانه الأصلية من الكتاب والسنة وما سطره علماء المسلمين الأوائل في هذا المجال. كما أن حساسية البحث في الموضوع تشكل عائقا أمام الباحث في هذا المجال؛ نظرا لخطورة الموضوعات والمباحث التي تتعلق بهذا الجانب ودقتها. ولقد حاولت أن أقدم هذا الموضوع بشكل متكامل، جامعا فيه خلاصة ما اطلعت عليه مما كتبه الآخرون، محللا لبعض آرائهم، ولا أزعم أنني أعطيت الموضوع حقه كاملا، ولعل عذري في ذلك أن الموضوع لا يزال بكرا، ولم يحظ بدراسات علمية شاملة وعميقة، ولكنني حاولت وبجهد المقل أن يكون البحث شاملا، بقدر الاستطاعة وكم تمنيت أني قد توصلت إلى نتائج أكبر مما كان. والمجال متسع للباحثين فيما بعد لاستكمال البحث في هذا الموضوع، والتوسع فيه، والعناية به بشكل أكبر. ولقد ابتعدت قدر الإمكان عن العاطفة الشخصية والآراء المسبقة ما استطعت إلى ذلك سبيلا، واستخدمت عدة مناهج علمية حسب ما اقتضته طبيعة البحث، فاستخدمت المنهج التاريخي فيما كان له الطابع

стр. 4

التاريخي من البحث، أو نسق من أقوال العلماء، ثم التحليل على أساس تلك القاعدة، أو ذلك النسق، واستخدمت المنهج المقارن عند الحاجة لمقارنة الآراء والحجج مع بعضها. ولقد تم عزو الآيات القرآنية إلى سورها وتخريج الأحاديث النبوية التي تم الاستشهاد بها في هذا البحث، كما أرجعت الاقتباسات والنقول إلى مراجعها في كل مكان يتم فيه الاقتباس أو النقل، وأثبت أهم المراجع في فهرس مستقل في آخر الكتاب. وبعد: حسبي أني قدمت ما استطعت من جهد ووقت لإخراج هذا البحث، سائلا الله جل وعلا أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصا لوجهه، وأحمد الله وأشكره وأثني عليه بما أنعم به من إكمال هذا البحث. وفي الختام أرجو الله القبول والتوفيق والسداد. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، كتبه توفيق بن عبد العزيز السديري

стр. 5

[الباب الأول تعريفات ضرورية] [الفصل الأول القانون] [المبحث الأول تعريف القانون] الباب الأول تعريفات ضرورية الفصل الأول: القانون الفصل الثاني: الدستور الفصل الثالث: الدولة

стр. 6

سيكون الحديث في الباب الأول عن بعض المواضيع الرئيسة التي لا بد منها للتمهيد لموضوع البحث الرئيس، وذلك في ثلاثة فصول، الفصل الأول منها عن القانون، تعريفه وضرورة وجوده، وتقسيماته وفروعه، ثم يتحدث الفصل الثاني عن فرع من فروع القانون وهو المتعلق بموضوع البحث الرئيس وهو الدستور، حيث سيتناول البحث تعريفه، وأنواع الدساتير وأساليب نشأتها ونهايتها، ومصادرها، ومقومات الدستور الأساسية، ثم يتحدث الفصل الثالث عن الدولة وذلك لارتباطها الوثيق جدا بموضوع البحث حيث سيتم تعريف الدولة وأركانها، ومقومات الدولة والقانون وضمانات تحقيقها وأنواع الدول. وما يذكر في هذا الباب من مسائل إنما يوضح ما استقر عليه الفقه القانوني الوضعي المعاصر في هذه المسائل، التي يدخل أغلبها في باب الوسائل؛ ليكون تمهيدا للباب الثاني وهو الباب الذي يبحث الدستور في الإسلام.

стр. 7

الفصل الأول: القانون المبحث الأول: تعريف القانون المبحث الثاني: ضرورة وجود القانون المبحث: تقسيمات القانون المبحث الرابع: فروع القانون

стр. 8

المبحث الأول: تعريف القانون: التعريف اللغوي: القانون كلمة يونانية الأصل، تلفظ كما هي kanun وانتقلت من اليونانية إلى اللغات الأخرى وهى تعني العصا المستقيمة، فانتقلت إلى الفارسية بنفس اللفظ (كانون) بمعنى أصل كل شيء وقياسه، ثم عربت عن الفارسية بمعنى الأصل، ودرج استخدامها بمعنى أصل الشيء الذي يسير عليه، أو المنهج الذي يسير بحسبه، أو النظام الذي على أساسه تنتظم مفردات الشيء، وتكون متكررة على وتيرة واحدة بحيث تصبح خاضعة لنظام ثابت، فيقال في معرض الأبحاث الطبيعية قانون الجاذبية، ويقال في معرض الأبحاث الاقتصادية قانون العرض والطلب (١) . وهكذا.

стр. 9

التعريف الاصطلاحي: لتعريف القانون اصطلاحا ثلاثة تعريفات: ١ - تعريف اصطلاحي عام: وهو القواعد التي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع تنظيما ملزما، ومن يخالفها يعاقب، وذلك كفالة لاحترامها. ٢ - تعريف اصطلاحي باعتبار المكان: وهو مجموعة القواعد القانونية النافذة في بلد ما، فيقال القانون الفرنسي والقانون المصري مثلا. . . ٣ - تعريف اصطلاحي باعتبار الموضوع: وهو مجموعة القواعد المنظمة لأمر معين وضعت عن طريق السلطة التشريعية فيقال: قانون الملكية العقارية، وقانون المحاماة، وقانون الجامعات (١) .

стр. 10

[المبحث الثاني ضرورة وجود القانون] المبحث الثاني: ضرورة وجود القانون: الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدني بالطبع، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم (١) . فالإنسان بدافع من طبعه لا يستطيع أن يعيش بمفرده ويسعى إلى المحافظة على وجوده من خلال مجتمع من الأفراد يعيش بينهم؛ لأن الله خلق الإنسان وجعل طبيعته لا تمكنه من العيش بمعزل عن الناس، ولا يمكن أن يقوم وحده بسد حاجاته، بل هو مضطر إلى أن يعيش في جماعة يتفاعل معها وتتفاعل معه، فيتبادل مع هذه الجماعة المنافع، وبهذا تنشأ بين أفراد هذه الجماعة علائق متعددة، اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وثقافية، وغيرها وهذه العلائق لا يمكن أن تقوم بحال إلا وفق ضوابط تحكمها، حتى لا يختل توازن هذه الجماعة، وهذه الضوابط هي النظم والقوانين، فبدون القانون تصبح الأمور فوضى تسير وفق الأهواء والرغبات الفردية، وحالة عدم وجود القانون حالة لا يمكن أن يتصور دوامها لأن مجرى السنة الكونية يحتم وجود قانون، ولو افترض وجود حالة الفوضى فلا بد أن يكون الحكم للقوة، فيتحكم الأقوياء بالضعفاء، وفق ما يريدون ويشتهون فيكون هناك قانون القوة أو الغابة، بغض النظر عن كون هذا القانون سليما وموافقا للحق أو بعكس ذلك. ومن هنا يتبين أن القانون ضرورة اجتماعية لا بد منه؛ ليحكم نشاط الأفراد، وينظم علاقاتهم.

стр. 11

[المبحث الثالث تقسيمات القانون] المبحث الثالث: تقسيمات القانون: يقسم الفقهاء القانون تقسيمات عدة، نذكرها فيما يلي: ١ - علي أساس طبيعة القواعد القانونية: وحسب هذا الأساس ينقسم القانون إلى قسمين هما: أ - قانون موضوعي، وهو الذي تتضمن قواعده أحكاما موضوعية تبين الحقوق والواجبات المختلفة، فيقال مثلا: القانون المدني، والقانون التجاري وغيرهما. . حسب الموضوع الذي تتضمنه أحكام كل قانون. ب - قانون شكلي أو إجرائي: وهو الذي تتضمن قواعده أحكاما إجرائية تبين الأوضاع والإجراءات، التي تتبع لاقتضاء الحقوق التي يقررها القانون الموضوعي، كقانون المرافعات المدنية، وقانون الإجراءات الجنائية مثلا (١) . ٢ - على أساس القوة الملزمة للقاعدة القانونية: وحسب هذا الأساس ينقسم القانون إلى قسمين هما: أ - قواعد آمرة أو ناهية: وهي تشمل مجموعة القواعد التي تحمي المصالح الأساسية في الدولة، ولا يجوز للمتعاقدين الخروج عليها وإلا كان اتفاقهم باطلا. ب - قواعد قانونية مفسرة أو مكملة أو مقررة: وهي مجموعة القواعد التي لا تتصل بالنظام الأساسي في المجتمع، ويجوز

стр. 12

الاتفاق على عكسها؛ لأنها وضعت لتفسير وتكملة إرادة المتعاقدين (١) . ويمكن التفريق بين القواعد الآمرة والقواعد المفسرة من عبارة النص نفسه؛ إذا لم يكن ذلك واضحا من العبارة يعرف من موضوع القاعدة القانونية؛ فالقواعد المتصلة بالنظام العام والآداب تعتبر قواعد آمرة أو ناهية، وماعداها يعتبر قواعد مكملة. ٣ - من حيث التدوين وعدمه: وينقسم القانون من حيث المصدر الذي توجد فيه القاعدة القانونية إلى قسمين هما: أ - قانون مكتوب، وهو مجموعة القواعد القانونية الواردة في نصوص مكتوبة كالتشريع. ب - قانون غير مكتوب: وهو مجموعة القواعد القانونية التي لم تصدر في نصوص مكتوبة كما هو الحال بالنسبة لقواعد العرف. ٤ - على أساس النطاق الإقليمي: ويبنى هذا التقسيم على أساس الرابطة التي ينظمها؛ فيقال: قانون داخلي، وقانون خارجي، وذلك تبعا للرابطة الاجتماعية التي ينظمها، هل هي داخل الجماعة أو خارجها (٢) . ٥ - على أساس الرابطة التي تحكمها قواعده: وهذا التقسيم هو التقسيم الرئيس الذي يسير عليه أكثر كتاب القانون، وهو تقسيم تقليدي لا يزال مستقرا ومسلما به في الفقه القانوني

стр. 13

الوضعي الحديث، وهذا التقسيم أهم أنواع تقسيمات القانون، وهو الذي درج عليه معظم فقهاء القانون منذ عهد الرومان إلى عصرنا هذا، بالرغم من المحاولات للعدول عنه (١) . وينقسم القانون من حيث طبيعة الرابطة التي تحكمها قواعده إلى قسمين هما: أ - القانون العام: وهو مجموعة من القواعد تنظم الارتباط بين طرفين أحدهما أو كلاهما ممن يملكون السيادة، أو السلطات العامة، ويتصرفون بهذه الصفة (الدولة أو أحد فروعها) ولهذا وصف بأنه قانون إخضاع (٢) . ب - القانون الخاص: وهو مجموعة من القواعد تنظم الروابط بين طرفين لا يعمل أيهما بوصفه صاحب سيادة أو سلطة على الآخر، كالأفراد والأشخاص المعنوية الخاصة أو الدولة - أو أحد فروعها - حين تمارس نشاطا يماثل نشاط الأفراد (٣) كالقواعد التي تنظم ما يعرف بالأحوال الشخصية وكذلك أحكام المعاملات والعقود وغيرها أو كأن تبيع الدولة أرضا تملكها، أو تستأجر منزلا.

стр. 14

[المبحث الرابع فروع القانون] [فروع القانون العام] المبحث الرابع: فروع القانون: ينقسم القانون حسب التقسيم الرئيس السابق إلى: قانون عام، وقانون خاص، ويتفرع من كل قسم منهما عدة فروع نذكرها فيما يلي: أولا: فروع القانون العام: يتفرع القانون العام إلى فرعين رئيسين يسمى أحدهما القانون الدولي العام، وهو الذي تكون الدولة طرفا فيه، باعتبارها صاحبة السلطان، ويكون الطرف الآخر فيه دولة أو دول أخرى، أو هيئات دولية. والفرع الثاني: هو القانون الداخلي، وهو الذي ينظم الروابط الداخلية العامة التي تكون الدولة طرفا فيها باعتبار سلطتها، وهذا الأخير ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي: القانون الدستوري، والقانون الإداري والمالي، والقانون الجنائي. وعلى هذا تكون فروع القانون العام أربعة هي: أ - القانون الدولي العام: وهو مجموعة الأحكام التي تنظم ارتباط الدولة بالدول الأخرى في أوقات السلم والحرب (١) فالمحتكمون إلى هذا القانون الدول وليس الأفراد، ومن التعريف يتضح أن القانون الدولي العام ينقسم إلى قانون سلم وقانون حرب، ولكل واحد منهما موضوعاته الخاصة. فقانون السلم يبحث في المواضيع التالية:

стр. 15

- أشخاص القانون الدولي. - ممثلو الأشخاص في الجماعات الدولية. - الأعمال القانونية الدولية، وأهمها المعاهدات، فيعين أركان انعقادها وشروط صحتها وآثارها وأسباب انقضائها. - المسؤولية الدولية في قيامها وآثارها. - المنظمات الدولية. - حقوق الدول وواجباتها وفض المنازعات الدولية سلميا (١) . ويبحث قانون الحرب في الموضوعات التالية: - العلاقة بين الدول المتحاربة وواجبات كل دولة إزاء جيش الأخرى، ورعاياها، والأسرى، ويبين القواعد الخاصة ببدء حالة الحرب ووقفها وانتهائها. - علاقة الدولة المحاربة بالدول المحايدة (٢) . ب - القانون الدستوري: وهو مجموعة الأحكام التي تحكم شكل الدولة، ونظام الحكم فيها، وسلطاتها، وطريقة توزيع السلطات، وبيان اختصاصاتها، ومدى ارتباطها ببعضها، ومن حيث التعاون أو الرقابة، وكذلك بيان حقوق المواطنين وواجباتهم تجاه الدولة وسلطاتها العامة (٣) . ومن هذا يتبين لنا أن القانون الدستوري يبحث في الموضوعات التالية:

стр. 16

- شكل الدولة، هل هي بسيطة أو مركبة، ملكية أو جمهورية. - السلطات العامة في الدولة: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. - الأشخاص أو الهيئات التي تتولى السلطات العامة. - علاقة هذه السلطات ببعضها، نوع هذه العلاقة، وهل هناك فصل مطلق بينهما أو مرن. - الحريات الفردية وضماناتها، وهي الحريات الشخصية، والتملك، والمسكن، والرأي، والتعليم، والمساواة أمام القضاء، والوظائف العامة، والتكاليف العامة (١) . جـ - القانون الإداري والمالي: يفصل بعض الكتاب (٢) القانون الإداري عن القانون المالي، ولكن أصلهما واحد؛ لأن القانون المالي منبثق أصلا عن القانون الإداري، لذا نجد أكثر الكتاب يعدونهما قسما واحدا، لتقارب النواحي الإدارية والمالية للدولة من بعض. ويعرف القانون الإداري بأنه مجموعة القواعد التي تبين كيفية أداء السلطة التنفيذية لوظائفها (٣) . ويبحث القانون الإداري في المواضيع التالية: - تحديد أجهزة الدولة الإدارية المختلفة، وطرق تكوين كل منها، وعلاقة بعضها ببعض، وعلاقتها بالسلطات العامة الأخرى.

стр. 17

- كيفية ممارسة الإدارة لنشاطها، والأساليب المتبعة في ذلك. - صور النشاط الإداري المختلفة، وأسس اختلافها عن صور النشاط العام الأخرى للدولة. - صلة الإدارة بالعاملين فيها، والقواعد التي تنظم اختيارهم، وتحدد حقوقهم وواجباتهم، والمزايا الممنوحة لهم، والضمانات التي توفر لهم الحماية. - تبيين الأموال العامة، والنظام القانوني لها، وكيفية إدارتها والانتفاع بها، والتفريق بينها وبين المال الخاص. - تنظيم القضاء الإداري بترتيب المحاكم الإدارية، وتحديد اختصاصاتها وقواعد الطعن أمامها بالقرارات والأعمال الإدارية المخالفة للقانون (١) . ويعرف القانون المالي، بأنه مجموعة الأحكام التي تنظم حصول الدولة على دخلها وطرق إنفاقها لهذا الدخل (٢) . ويبحث القانون المالي في المواضيع التالية: - النفقات العامة للدولة، وذلك بتحديد أوجه إنفاق المال العام. - الإيرادات العامة للدولة من رسوم وضرائب وغيرها. - القروض العامة وكيفية تحصيلها. - القواعد التي تتبع في تحديد الميزانية السنوية للدولة، وفي تنفيذها والرقابة على هذا التنفيذ.

стр. 18

د - القانون الجنائي: وهو مجموعة الأحكام التي تحدد الجرائم، والعقوبات المقررة عليها، والإجراءات التي تتبع في تعقب المتهم ومحاكمته، وتوقيع العقاب عليه (١) . ويتضح أن القانون الجنائي يشتمل على طائفتين من الأحكام: أحكام موضوعية، وهي التي تبين الجرائم وتحديد العقوبة لكل جريمة، وأحكام إجرائية وهي التي تبين الإجراءات التي يجب اتباعها منذ وقوع الجريمة إلى حين توقيع العقاب على الجاني. وعلى ذلك فالقانون الجنائي ينقسم إلى فرعين كل منهما مستقل عن الآخر، أحدهما: قانون العقوبات، والثاني: قانون الإجراءات الجنائية. - فقانون العقوبات: هو مجموعة الأحكام التي تحدد الجرائم والعقوبات (٢) وينقسم إلى قسمين، هما: قسم عام: يشمل القواعد التي تحدد الأحكام العامة للجريمة والعقوبة، فيبين أنواع الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات، وأركان الجريمة، والأحكام التي تحدد العقوبات من حيث أنواعها، وحالات تعددها، ومتى تخفف، ومتى تسقط، ومتى يعفى منها. قسم خاص: يشمل الأحكام الخاصة بكل جريمة على حدة، ويبين أركانها، وصورها المختلفة، والعقوبات التي توقع على مرتكبيها (٣) . - وقانون الإجراءات الجنائية: هو مجموعة الأحكام التي تبين الإجراءات التي يجب اتباعها، منذ أن تحدث الجريمة إلى أن يوقع العقاب على مرتكبها، من حيث ضبط المتهم، والقبض عليه، والتحقيق معه، ومحاكمته، وتنفيذ العقوبة المحكوم عليه بها (٤) .

стр. 19

[فروع القانون الخاص] ثانيا: فروع القانون الخاص: يعتبر القانون المدني أصلا للقانون الخاص، وبالانفصال عنه نشأت فروع أخرى للقانون الخاص، وهذه الفروع إما أن تحكم قواعد موضوعية كالقانون التجاري والبحري والجوي والعمل، أو قواعد إجرائية كقانون أصول المحاكمات المدنية، وقانون المرافعات التجارية والمدنية، وإلى جانب هذه الفروع ظهر فرع آخر وهو: القانون الدولي الخاص؛ حيث تنفرد أحكامه بوظيفة معينة فيما يتعلق بالأمور ذات العنصر الأجنبي؛ وعلى هذا فتكون فروع القانون الخاص خمسة، هي: أ - القانون المدني: وهو مجموعة الأحكام التي تنظم الروابط الخاصة بين الأشخاص في المجتمع، إلا ما يتكفل بتنظيمه فرع آخر من فروع القانون الخاص (١) وهذا يعني أن القانون المدني يعتبر الأصل في علاقات القانون الخاص، وذلك لأن القانون المدني هو أصل الفروع الأخرى للقانون الخاص، ويعني: - أنه ينظم ارتباط الأفراد بغض النظر عن طبيعتهم ومهنتهم التي يمتهنونها، وبخلاف الفروع الأخرى من القانون الخاص، التي تعنى بطوائف ومهن معينة، أو حالات وأوضاع معينة. - أن قواعده يرجع إليها في كل مسألة مسكوت عنها في الفروع الأخرى من فروع القانون الخاص، عدا القانون الدولي الخاص، وهذا الفرع ينظم نوعين من الروابط، هما: الأحوال الشخصية، والأمور المالية (٢) .

стр. 20

ب - القانون التجاري: وهو مجموعة الأحكام التي تنظم نشاط التجار في ممارستهم لمهنتهم (١) والمعاملات التجارية لا تعدو أن تكون معاملات مالية تشبه ما ينظمه القانون المدني منها، وهي ما كانت في البداية محكومة بقواعد هذا القانون، إلا أنه تبين بعدئذ قصور هذه القواعد عن سد حاجات التعامل التجاري إلى السرعة والأمان؛ فبدأت النظم الخاصة بالتجارة تظهر تدريجيا، وكمل تنظيمها حتى استوت على سوقها، فشكلت فرعا مستقلا عن القانون المدني، هو القانون التجاري، ويلحق بالقانون التجاري: القانون البحري، والقانون الجوي. فالقانون البحري هو مجموعة الأحكام التي تنظم النشاط التجاري البحري، فهو جزء من القانون التجاري، ولكن نظرا لازدياد عدد قواعده استقل حتى أنه من الممكن أن يعتبر فرعا مستقلا من فروع القانون الخاص. والقانون الجوي، أحدث فروع القانون الخاص، وهو مجموعة الأحكام التي تنظم المسائل المتعلقة بالملاحة الجوية، على غرار تنظيم القانون البحري لمسائل الملاحة البحرية، وقد بدأت قواعده بعد استعمال الطائرات وسائل نقل، ونظرا لحداثته لا تزال القواعد المكونة له متبعثرة في عدة تشريعات ولم تقنن بعد (٢) . جـ - قانون العمل: وهو مجموعة الأحكام التي تنظم الارتباط بين العمال وأصحاب العمل (٣) وهذا الفرع حديث المنشأ نسبيا، فقد كانت العلاقة بين العامل

стр. 21

ورب العمل تخضع للقانون المدني، وكان نشوء هذا الفرع رد فعل من جانب العمال الذين تكونت منهم طبقة اجتماعية جديدة لها وزنها وقوتها، بعد قيام النهضة الصناعية الحديثة؛ للاختلال الحاصل في عقد العمل، الواضح في جور الشروط والقيود التي يفرضها أرباب العمل. د - قانون المرافعات: قانون أصول المرافعات المدنية والتجارية كما يسميه فقهاء القانون المصري أو قانون أصول المحاكمات المدنية، كما يسميه فقهاء القانون اللبناني، هو مجموعة الأحكام التي تنظم السلطة القضائية، وتبين الإجراءات الواجب اتباعها لتطبيق الأحكام الموضوعية في القانون المدني والقانون التجاري (١) . فهو قانون إجرائي يتكفل بأمرين هما: ١ - تنظيم السلطة القضائية، وذلك بتنظيم مجموعتين من القواعد هما: - قواعد النظام القضائي، وهي التي تبين أنواع المحاكم وتشكيلها، وشروط تنصيب القضاة، وحقوقهم، وواجباتهم. - قواعد الاختصاص، وهي التي تتعلق بتوزيع ولاية القضاء على المحاكم بطبقاتها المختلفة. ٢ - بيان الإجراءات التي تتبع لحماية الحقوق واقتضائها (٢) . هـ - القانون الدولي الخاص: وهو مجموعة الأحكام التي تعنى بصفة أساسية، ببيان المحكمة المختصة، وتحديد القانون الواجب التطبيق فيما يتعلق بالعلاقات

стр. 22

القانونية الخاصة والتي يدخل العنصر الأجنبي طرفا فيها (١) . أي تلك العلاقات التي تدخل ضمن نطاق القانون الخاص، ويكون أحد عناصرها متصلا بدولة أجنبية، فيوضح هذا القانون المحكمة المختصة والقانون الواجب تطبيقه في واقعة ما. ويضم في نطاق موضوعات القانون الدولي الخاص، موضوعات ثلاثة أخرى وذلك باعتبارها مسائل أولية، قد تسهم في تعيين الاختصاص القضائي أو التشريعي، وهذه الموضوعات هي: - الجنسية وهي علاقة تبعية الفرد للدولة. - الوطن، وهو علاقة الفرد بالدولة نتيجة إقامته فيها. - مركز الأجانب، وهو ما يمكن أن يتمتع به الأجانب من حقوق، أو يتحملوه من تكاليف وواجبات في الدولة التي يوجدون على أرضها (٢) . ويلاحظ أنه على الرغم من وجود كلمة " دولي " في هذا القانون، إلا أنه في الواقع قانون وطني، فلكل دولة قواعد تطبق في محاكمها في هذا الخصوص، كما تطبق أي قانون داخلي، وقد تختلف من دولة لأخرى، بخلاف القانون الدولي العام، الذي تعتبر قواعده واحدة واجبة الاحترام من جميع الدول على حد سواء (٣) . وفي الصفحة التالية شكل يوضح أقسام القانون وفروعه.

стр. 23

- أقسام القانون وفروعه التي تم ذكرها في هذا المبحث: القانون: * القانون العام القانون الخاص القانون الدولي العام ـ[قانون سلم ـ قانون حرب] القانون المدني القانون الدستوري بحري ـ جوي ـ القانون التجاري القانون الإداري والمالي قانون العمل القانون الجنائي قانون العقوبات [قسم خاص ـ قسم عام] قانون الإجراءات الجنائية قانون المرافعات القانون الدولي الخاص

стр. 24

[الفصل الثاني الدستور] [المبحث الأول تعريف الدستور] الفصل الثاني: الدستور المبحث الأول: تعريف الدستور. المبحث الثاني: أنواع الدساتير. المبحث الثالث: أساليب نشأة الدستور وتطوره في العصر الحديث. المبحث الرابع: أساليب نهاية الدستور. المبحث الخامس: مصادر الدستور. المبحث السادس: مقومات الدستور الأساسية.

стр. 25

المبحث الأول: الدستور: - التعريف اللغوي: الدستور كلمة فارسية تعني الدفتر الذي تكتب فيه أسماء الجند، والذي تجمع فيه قوانين الملك، وتطلق أيضا على الوزير، وهي مركبة من كلمة " دست " بمعنى قاعدة، وكلمة " ور" أي صاحب، وانتقلت إلى العربية من التركية بمعنى (قانون، وإذن) ثم تطور استعمالها حتى أصبحت تطلق الآن على القانون الأساسي في الدولة (١) . - التعريف الاصطلاحي: يعرف الدستور اصطلاحا بأنه مجموعة الأحكام التي تبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها، وسلطاتها، وطريقة توزيع هذه السلطات، وبيان اختصاصاتها، وبيان حقوق المواطنين وواجباتهم (٢) . وينطبق تعريف الدستور هذا على تعريف القانون الدستوري؛ لأن القانون الدستوري هو الأحكام الدستورية المطبقة في بلد ما، والدستور المطبق في بلد ما هو مجموعة الأحكام الدستورية الخاصة بهذا البلد. ويعتبر الدستور أهم القوانين السارية في الدولة، بل أساس هذه القوانين، ويجب ألا تخالف القوانين حكما أو أحكاما دستورية. ويجرى وضع الدستور عادة عن طريق سلطة أعلى من السلطة

стр. 26

التشريعية، وتسمى السلطة التأسيسية، وتتم إجراءات تعديل أحكام الدستور بطريقة أشد تعقيدا من الإجراءات المتبعة لتعديل الأحكام القانونية الأخرى. وتطلق كلمة الدستور أحيانا فتنصرف إلى الوثيقة التي تحمل هذه التسمية، أو ما يراد ضمنها، مثل القانون الأساسي للدولة، وهذا هو المعنى الشكلي للدستور، إلا أن هذا التعريف يخرج ما قد يكون دستوريا بطبعه إذا لم يرد في تلك الوثيقة، كالأمور الدستورية التي يكون العرف مصدرها. وظهور المعنى الشكلي للدستور، كان نتيجة لانتشار حركة تدوين الدساتير في العصر الحديث، تلك الحركة التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية ومنها إلى فرنسا، ثم إلى بقية الدول، حيث كانت دساتير الولايات المتحدة الأمريكية ثم دستورها سنة ١٧٧٨م أول الدساتير المكتوبة في التاريخ الحديث، تلاه الدستور الأول للثورة الفرنسية سنة ١٩٧١م، وانتشرت بعد ذلك حركة تدوين الدساتير فعمت بلاد العالم (١) .

стр. 27

[المبحث الثاني أنواع الدساتير] المبحث الثاني: أنواع الدساتير: يتم تحديد نوع الدستور وفقا للمعيار الذي يرجع إليه عند التحديد، وهناك معياران لتحديد نوع الدستور هما: التدوين، وكيفية التعديل. من حيث التدوين وعدمه، يكون للدستور نوعان، دستور مدون، ودستور غير مدون. ومن حيث كيفية التعديل، يكون للدستور نوعان أيضا هما: الدستور المرن، والدستور الجامد، وفيما يلي توضيح ذلك. أولا: من حيث التدوين وعدمه: تنقسم الدساتير من حيث المصدر إلى نوعين، وهما الدساتير المدونة والدساتير غير المدونة أو العرفية، ويرى البعض (١) . أن استخدام مصطلح غير المدون أدق، لأنه يشمل المصادر غير التشريعية، سواء تمثلت في العرف أو القضاء. ومناط هذا التقسيم هو التدوين، والمقصود بالتدوين ليس فقط تسجيل الحكم في وثيقة مكتوبة، وإنما المقصود به التسجيل في وثيقة رسمية من سلطة مختصة بسنها وهو ما يسمى بالتدوين الفني أو الرسمي (٢) . ويعتبر الدستور مدونا إذا كان صادرا في أغلبه في وثيقة أو عدة وثائق رسمية عن طريق المشرع الدستوري، ويعتبر غير مدون إذا كان

стр. 28

مستمدا في أغلبه عن طريق العرف أو القضاء، وليس عن طريق التشريع (١) . والحقيقة أن تقسيم الدساتير إلى مدونة وغير مدونة، هو تقسيم نسبي فلا يوجد دستور في العالم إلا ويشمل أحكاما صدرت عن طريق التشريع، وأخرى صدرت عن المصادر الأخرى المتمثلة في العرف والقضاء، ومثال ذلك دستور إنجلترا حيث يعتبر المثال التقليدي للدستور غير المدون، وبالرغم من ذلك فهو يشمل وثائق رسمية لها أهميتها كالعهد الأعظم MAGNA CHARTA سنة ١٢١٥ م، وملتمس الحقوق سنة ١٦٢٨م POTITION OF RIGHT وقانون الحقوق BILL OF RIGHTS وقانون توارث العرش ACT OF SETTLEMENT ACT سنة ١٧٠١ م وقانون البرلمان - PARLIA MENT ACT سنة ١٩١١م (٢) . وتؤكد التجارب الدستورية في الدول ذات الدساتير المدونة أنه مهما يكن الدستور المدون للدولة مفصلا، فلا بد أن ينشأ عقب صدوره ظروف وتطورات، تؤدي إلى نشؤ أحكام جديدة تفسره، أو تكمله، أو تعدله، يكون مصدرها العرف أو القضاء. وأغلب دول العالم لها اليوم دساتير مدونة ماعدا بريطانيا، حيث انتشرت حركة تدوين الدساتير بعد استقلال الولايات المتحدة الأمريكية ووضعها لدساتيرها المدونة. ثانيا: من حيث كيفية التعديل: تنقسم الدساتير حسب هذا المعيار إلى دساتير مرنة، وأخرى جامدة، فالدساتير المرنة هي التي يمكن تعديلها بالإجراءات نفسها التي تعدل بها

стр. 29

القوانين العادية، والدساتير الجامدة هي التي يتطلب تعديلها إجراءات أشد من الإجراءات التي يعدل بها القانون العادي. والهدف من جعل الدستور جامدا، هو كفالة نوع من الثبات لأحكامه عن طريق تنظيم يجعل تعديله عسيرا (١) . وكون الدستور جامدا يحمي مواده من العبث والتغيير المستمر، لسبب ولغير سبب. وتنقسم الدساتير الجامدة إلى دساتير تحظر التعديل، ودساتير تجيزه بشروط خاصة: ١ - فالدساتير التي تحظر التعديل لا ينص على الحظر فيها صراحة، وإنما يتم اللجوء إلى الحظر الزمني، أو الحظر الموضوعي، ويقصد بالحظر الزمني، حماية الدستور فترة من الزمن - لضمان نفاذ أحكام الدستور كلها أو جزء - تكفي لتثبيتها قبل أن يسمح باقتراح تعديلها، مثال ذلك دستور الاتحاد الأمريكي الصادر سنة ١٧٨٩م، فقد حظر تعديل بعض أحكامه قبل سنة ١٨٠٨م. أما الحظر الموضوعي فيقصد به، حماية أحكام معينة، بحيث لا يمكن تعديلها، ويكون هذا عادة للأحكام الجوهرية في الدستور، ولا سيما ما يتعلق منها بنظام الحكم المقرر، ومثاله الدستور الفرنسي لسنة ١٨٧٥م، حيث نصت المادة الثامنة منه، وفقا للفقرة المضافة إليها في ١٤ أغسطس ١٨٨٤م، بأنه لا يجوز أن يكون شكل الحكومة الجمهوري محلا للتعديل (٢) .

стр. 30

٢ - أما الدساتير التي تجيز التعديل بشروط خاصة: فتختلف هذه الدساتير في كيفية تعديلها، والشروط المعتبرة لذلك، ويرجع هذا الاختلاف لاعتبارين: أحدهما سياسي، والآخر فني، أما الاعتبار السياسي فيتمثل في أن التنظيم المقرر لتعديل الدستور لا بد وأن يرعى جانب السلطات التي يقوم عليها نظام الحكم، وأما الاعتبار الفني، فيتمثل في أسلوب الصياغة المأخوذ بها عند وضع الدستور، ويظهر جليا أثر هذه الأساليب في ناحيتين هما: - شرط التماثل في الأوضاع القانونية بين نشأة الدستور وتعديله، مما يؤدي إلى التشدد في إجراء التعديل. - الاقتصار على تنظيم الأسس الجوهرية في الدستور، مما يؤدي إلى التشدد في إجراءات تعديله، بينما إيراد التفصيلات في الدستور ينتج عنه التيسير في تعديله (١) . وتحسن الإشارة - قبل ختم هذا المبحث - إلى أن بعض الباحثين القانونيين (٢) يخلط بين تقسيم الدساتير إلى مدونة وغير مدونة، وتقسيمها إلى مرنة وجامدة، معتبرا أن كل دستور مدون جامدا، وكل دستور غير مدون مرنا، وهذا الخلط غير صحيح، لاختلاف هذين التقسيمين من حيث المعيار الذي على أساسه تم التقسيم، فهذا مرتبط بالمصدر، وذاك مرتبط بكيفية التعديل، ومن خلال تتبع بعض التجارب الدستورية المختلفة، نجد أنه قد يكون الدستور مدونا ومرنا في الوقت نفسه، كما في دستور فرنسا لسنة ١٨١٤م، وسنة ١٨٣٠م، ودستور إيطاليا

стр. 31

لسنة ١٨٤٨م، ودستور الاتحاد السوفيتي لسنة ١٩١٨م، ودستور إيرلندا الحرة لسنة ١٩٢٢م. وقد يكون الدستور غير مدون ومستندا إلى العرف، وهو في الوقت نفسه جامد، ففي المدن اليونانية القديمة وجدت تفرقة بين القوانين العادية وقوانين أخرى، مثل القوانين الدائمة وقوانين المدينة، وكان يشترط لتعديل الأخيرة شروط خاصة وإجراءات أكثر أهمية، مما يضفي عليها صفة الجمود، وكذا في العهد الملكي في فرنسا وجدت القوانين الأساسية التي لم يكن يكفي لتعديلها موافقة السلطة التشريعية العادية وإنما يلزم لذلك موافقة الهيئة النيابية (١) . ولعل سبب هذا الخلط هو أن دساتير العالم اليوم أصبحت في الغالب مدونة، فيما عدا الدستور الإنجليزي، وأنها في الوقت نفسه جامدة فارتبطت لدى القائلين بذلك فكرة التدوين بالجمود، وفي المقابل فكرة عدم التدوين بالمرونة.

стр. 32

[المبحث الثالث أساليب نشأة الدستور وتطوره في العصر الحديث] المبحث الثالث: أساليب نشأة الدستور وتطوره في العصر الحديث: يرى بعض (١) فقهاء القانون الدستوري أن نشأة الدساتير تنحصر في طرق ثلاثة، هي: ١ - طريق المنحة، كالدستور الفرنسي لسنة ١٨١٤م حينما منح لويس الثامن عشر ذلك الدستور للأمة الفرنسية عقب سقوط نابليون، والدستور الروسي الصادر سنة ١٩٠٦م، والدستور الياباني الصادر سنة ١٨٨٩ م. ٢ - طريق جمعية وطنية منتخبة من الشعب، تصدر الدستور كما هو الحال في الدستور البلجيكي سنة ١٨٧٥م، ودستور الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٧٨٧م، والدستور الألماني سنة ١٩١٩م. ٣ - طريق وسط بين الطريقين السابقين، بحيث يكون الدستور نتيجة تعاقد بين الملك وشعبه، كما حدث (٢) في إنجلترا عند صدور العهد الكبير سنة ١٢١٥م، وإعلان الحقوق سنة ١٦٨٨م (٣) . ويرى آخرون أن نشأة الدساتير محصورة في طريقتين، هما: ١ - الأساليب الملكية، وتنقسم إلى أسلوبي المنحة والتعاقد. ٢ - الأساليب الديمقراطية، وتنقسم إلى أسلوبين، هما الجمعية التأسيسية، والاستفتاء التأسيسي.

стр. 33

وقد تضمنت هاتان الطريقتان أربعة أساليب، يضيف إليها البعض (١) أسلوبا خامسا، وهو الاستفتاء السياسي. والحقيقة أن حصر طرق نشأة الدساتير في أساليب معينة أمر غير مسلم به لأنه يمكن أن تتنوع هذه الطرق تبعا لتنوع أنظمة الحكم وأن تتطور بتطورها؛ وأن هذه الطرق التي حددها الفقهاء القانونيون، والتي عرفت حتى الآن، إنما تعكس في نشأتها المراحل الرئيسية التي مرت بها أنظمة الحكم، وهذا ما يرجحه بعض (٢) فقهاء القانون، وعليه فإنه يمكن تحديد المراحل التي مر بها هذا التطور، وحصرها في ثلاث مراحل، هي: المرحلة الأولى: اتسمت بوجود تيارات في الدول الأوربية تطالب بوجود الدستور، فوجد الدستور عن طريق المنحة من قبل ملوك الدول الأوربية إلى شعوبهم. المرحلة الثانية: تميزت بازدياد قوة تلك التيارات بحيث وجدت الدساتير عن طريق مشاركة الشعب في السلطة التأسيسية، وهي الطريقة التي تسمى طريقة التعاقد. المرحلة الثالثة: تميزت بتغلب تلك التيارات، وذلك بصدور الدساتير عن طريق سلطة تأسيسية منتخبة من الشعب، وأول ما نشأ من ذلك، أسلوب الجمعية التأسيسية في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك عند استقلالها عن إنجلترا سنة ١٧٧٦م، والدستور الاتحادي الذي وضعه مؤتمر فلادلفيا

стр. 34

سنة ١٧٨٧م، ثم أخذ هذا الأسلوب في الانتشار حيث لقي إقبالا كبيرا في فرنسا، إلا أنه ساعد على إقرار الفكرة التي كانت قائمة وقتها في فرنسا والمتضمنة التفريق بين القوانين الدستورية والعادية، عن طريق وجود سلطتين، إحداهما تأسيسية، والأخرى تشريعية، وبعد انتشار مبدأ الديمقراطية لجأ كثير من الدول لهذا الأسلوب في وضع دساتيرها، وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كما في دستور ألبانيا لسنة ١٩٤٦م، ويوغسلافيا لسنة ١٩٤٦م، وإيطاليا لسنة ١٩٤٧م (١) . ومما تقدم يتبين أن أساليب نشأة الدساتير تتنوع تبعا للظروف التي يوجد فيها كل دستور، ولا ينبغي للباحث أن يعالج هذه الأساليب بصورة توحي بأنها قابلة للحصر، وإنما يجدر به أن يردها إلى اتجاهات رئيسة تبرز السلطة التي تولت إنشاء الدساتير على النحو الذي سبق، لأنه يمكن أن تنشأ أساليب أخرى غير هذه الأساليب التي يحددها رجال القانون، وفق ظروف وبيئات معينة تكون لها سمات فكرية وحضارية تختلف كثيرا أو قليلا عن تلك الملامح الفكرية والحضارية والتاريخية لهذه الدول التي نشأت فيها الأساليب التي يحددها فقهاء القانون الدستوري، وبالتالي فإنه لن يكون هناك أي حرج على الباحث، في اعتبار هذه الأساليب من أساليب نشأة الدساتير وبالعكس في حالة الالتزام بطرائق معينة لنشأة الدساتير، فإن الباحث يلزم نفسه بإقحام الأساليب غير المحصورة، بالأساليب المحصورة، بشكل أو بآخر، وينتج عن ذلك خلط في المفاهيم والأساليب، وعدم اعتبار للظروف التي صاحبت وجود أسلوب أو أساليب معينة، علما بأن هذه الظروف والمتغيرات هي الأساس الذي ينبغي أن يركز عليه الباحث، باعتبارها متغيرات رئيسة لإقرار الفكرة التي يهدف إليها في بحثه.

стр. 35

[المبحث الرابع أساليب نهاية الدستور] المبحث الرابع: أساليب نهاية الدستور: يقصد بنهاية الدستور، إلغاؤه كليا، أو تعديله تعديلا شاملا. ومن تتبع بعض التجارب الدستورية المختلفة، وجد أنه وإن اختلفت الدساتير من حيث كيفية نهايتها، إلا أنه بشكل عام، يمكن أن ترجع هذه الكيفية إلى أساليب ثلاثة، هي: ١ - الأسلوب العادي: في ظل الدساتير المرنة، هناك سلطة واحدة تملك تعديل القوانين جميعا بالإجراءات نفسها، أما في حالة الدساتير الجامدة، فإن تعديلها يتطلب إجراءات أشد من الإجراءات المتبعة لتعديل القانون العادي، ومعظم الدساتير الجامدة لا تنظم سوى الكيفية التي تعدل بها تعديلا جزئيا، بحيث تجيز للسلطة المختصة بإنشاء الدستور تعديل بعض أحكامه ولا تجيز لها إلغاءه، أو تعديله تعديلا شاملا. والقاعدة المتبعة في القانون الوضعي، أن الأمة بوصفها صاحبة السلطة التأسيسية الأصلية هي صاحبة الحق فقط في إلغاء دستورها في أي وقت تشاء وأن تضع دستورا جديدا عن طريق جمعية تأسيسية تنتخبها، أو استفتاء تأسيسي أو عن أي طريق دستوري آخر تراه ملائما لتحقيق هذا الغرض. وعلى هذا يكون إنهاء الدستور بالأسلوب العادي، أو ما يمكن أن يسمى بالأسلوب السلمي، يختلف حسب نوعية الدستور في كل دولة، هل هو جامد أو مرن، وهل ينص على كيفية التعديل والإلغاء في بنوده أولا ينص (١) .

стр. 36

٢ - الأسلوب غير العادي: ويسميه البعض الأسلوب الثوري يكون ذلك بإلغاء الدستور نتيجة لظروف غير عادية أدت إلى هذا الإلغاء أو إلى تعطيل الدستور. ويظهر هذا الأسلوب بوضوح في التاريخ الدستوري الفرنسي، فإن الذين يتسببون في هذا الإلغاء أو التعطيل يقصدون تحقيق أهداف مختلفة، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية، أم اجتماعية، أم غيرها، يكون سبيلهم إليها تسلم سلطات الحكم، ويؤدي ذلك إلى سقوط الدستور القائم إنشاء دستور جديد، وبغض النظر عن صحة هذا الأسلوب في تحقيق الأهداف، وهل له سند قانوني أو لا، مما هو مجال بحث وخلاف بين فقهاء القانون الدستوري، فإن ما يهدف إليه هذا المبحث هو معرفة الأثر المترتب على ذلك، وهو نهاية الدستور القائم وقيام بديل له. والفقهاء القانونيون متفقون على أن سقوط الدستور لا يسقط القوانين العادية التي صدرت بإجراء سليم في ظل الدستور السابق، ما لم ينص على ذلك صراحة أو ضمنا، وكذلك الأحكام الموجودة في الدستور وليست أحكاما دستورية، فإنها تأخذ الحكم نفسه الذي تأخذه القوانين العادية؛ لأن إلغاء الدستور يقصد به تعديل النظام السياسي للدولة، وهذه الأحكام ليست من الأحكام الأساسية، وإنما وضعت في الدستور صيانة لها من التعديل وإعطاءها حصانة شكلية اكتسبتها من وجودها ضمن مواد الدستور؛ فتبقى هذه الأحكام، وهنا تزول عنها الصفة الدستورية وتعامل مستقبلا معاملة القوانين العادية، ما لم تعد إلى الدستور الجديد بنص صريح (١) .

стр. 37

٣ - أسلوب العرف: وذلك أن العرف قد يجرى بعدم تطبيق الدستور؛ نظرا لظروف تقتضي عدم تطبيقه، فالدستور موجود ولم يلغ، ولم يطالب أحد بإلغائه، ولكن يستقر العرف بعدم تطبيق نصوصه، وذلك مثل العرف الذي جرى بعدم تطبيق الدستور الثاني للثورة الفرنسية الصادر سنة ١٧٩٣م، ويختلف الفقهاء في أثر العرف على الدستور القائم على رأيين: أحدهما يرى جوازه إذا توافرت أركان العرف المادية والمعنوية، والثاني يرى عدم الجواز، ويقولون: إن النصوص الدستورية لا تلغى بعدم التطبيق، وإنما بالطريقة نفسها التي وجدت بها (١) .

стр. 38

[المبحث الخامس مصادر الدستور] المبحث الخامس: مصادر الدستور: حدد فقهاء القانون أربعة مصادر للدستور يستمد منها أحكامه، وهي: الفقه والقضاء، والعرف، والتشريع، وفيما يلي استعراض موجز لهذه المصادر: ١ - الفقه القانوني: يعتبر الفقه في السابق مصدرا للقانون، أي أن القاعدة القانونية التي مصدرها الفقه تكتسب صفة الإلزام، ومع التطور الذي مر على القانون بفروعه المختلفة، أصبح الفقه مصدرا ماديا للقانون، أي أنه الطريق الذي تتكون به القاعدة القانونية وتستمد منه مادتها وموضوعها، فلم يعد يعتمد عليه في تفسير النصوص التي يسنها المشرع، لذلك يسميه بعض الفقهاء بالمصدر التفسيري (١) فالفقه يمثل الناحية العلمية أو النظرية للقانون، فهو لا يعدو أن يكون مجموعة من النظريات التي ليست لها صفة الإلزام، ويظهر أثر الفقه في مجال القانون الدستوري الإنجليزي أكثر منه في مجالات القوانين الأخرى؛ لأن النصوص الدستورية في إنجلترا قليلة جدا، فتبقى محتاجة إلى أن تدرس من جانب الفقهاء (٢) . ٢ - القضاء: القضاء مجموعة الأحكام الصادرة من المحاكم أثناء تطبيقها للقانون على المنازعات المعروضة، وهي على ضربين: - أحكام عادية هي مجرد تطبيق للقانون. - أحكام متضمنة لمبادئ غير منصوص عليها أو حاسمة لخلاف حول النص.

стр. 39

وكان القضاء مصدرا رسميا، وأصبح الآن مصدرا ماديا (١) ويبرز دوره في تفسير النصوص التشريعية كالفقه، ولكنه يختلف عن الفقه في أن الفقيه يفترض أمورا محتملة لم تقع، ويقترح لها حلولا مناسبة ويردها إلى الأصول والنظريات، فالفقه له طابع العمومية، واستباق الأحداث، ومسايرة التطور، أما القضاء فينظر فقط فيما يعرض عليه من قضايا ويسعى إلى الفصل فيها، على هدي الاعتبارات العملية التي تحتل المكان الأول في ساحته، فالفقه يمثل الناحية العلمية أو النظرية للقانون، والقضاء يمثل الناحية العملية أو التطبيقية، والأحكام الدستورية في بريطانيا تدين كثيرا للسوابق القضائية التي أنشأت أحكاما دستورية جديدة، إما بدعوى وتفسير أحكام دستورية غامضة، وإما لحسم خلاف حول نص دستوري أو بحكم في أمر لم ينص عليه (٢) . ٣ - العرف: اختلف الفقهاء القانونيين في كون العرف مصدرا رسميا للدستور على رأيين: - أحدهما، لا يسلم بغير التشريع مصدرا، وينكر كل قيمة للعرف إلا إذا أقره المشرع، أو اعترف به القضاء، إلا أن معتدلي هذا الاتجاه يسلمون بالعرف مصدرا على أساس أنه يمثل الإرادة المفترضة للمشروع. - أما الرأي الآخر: فيعتبر العرف مصدرا، ويلقى هذا الرأي تأييد معظم فقهاء الدستور (٣) .

стр. 40

ومعلوم أن فكرة الدولة ظهرت تدريجيا تحت تأثير مجموعة من العوامل التاريخية، وذلك على مراحل متدرجة، إلى أن اكتملت عناصر قيامها، حيث صاحب ذلك استقرار مجموعة من القواعد التي تبين كيفية تنظيم سلطاتها، ومصدر هذه القواعد هو العرف؛ لأنها قواعد نتجت عن التقاليد والعادات، ومن ثم كانت قواعد عرفية. ولكن مع التطور التاريخي، وظهور الدساتير المكتوبة وانتشارها في معظم دول العالم، لم يعد العرف مصدرا رئيسا لقواعد الدستور فيما عدا إنجلترا، فلا خلاف في أهمية العرف، ومكانته بالنسبة للدول التي ليس لها دساتير مكتوبة، ولكن يختلف الفقهاء حول دور العرف ومكانته واعتباره مصدرا للدستور بالنسبة للدول ذات الدساتير المكتوبة، وهم في ذلك على رأيين: - أحدهما: ينكر كل دور للعرف في الشؤون الدستورية. - والآخر: يقر للعرف هذه القواعد بالنسبة لنصوص وثيقة الدستور (١) . ٤ - التشريع: التشريع هو سن القواعد القانونية، وإكسابها قوتها الملزمة عن طريق سلطة مختصة وفقا لإجراءات معينة (٢) ولقد ازدادت أهمية التشريع باعتباره مصدرا رسميا للقانون بازدياد التطور التدريجي للمجتمعات، فبينما كان العرف مصدرا رئيسا للقواعد القانونية المنظمة للمجتمع في العصور القديمة أخذ دور العرف يقل تدريجيا، ويزداد دور التشريع،
следующие страницы →