← Сияса и кади

Сияса и кади · id 31485

الإسلام والدستور

توفيق بن عبد العزيز السديري

Полный текст (204 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٢ - الأسلوب غير العادي: ويسميه البعض الأسلوب الثوري يكون ذلك بإلغاء الدستور نتيجة لظروف غير عادية أدت إلى هذا الإلغاء أو إلى تعطيل الدستور. ويظهر هذا الأسلوب بوضوح في التاريخ الدستوري الفرنسي، فإن الذين يتسببون في هذا الإلغاء أو التعطيل يقصدون تحقيق أهداف مختلفة، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية، أم اجتماعية، أم غيرها، يكون سبيلهم إليها تسلم سلطات الحكم، ويؤدي ذلك إلى سقوط الدستور القائم إنشاء دستور جديد، وبغض النظر عن صحة هذا الأسلوب في تحقيق الأهداف، وهل له سند قانوني أو لا، مما هو مجال بحث وخلاف بين فقهاء القانون الدستوري، فإن ما يهدف إليه هذا المبحث هو معرفة الأثر المترتب على ذلك، وهو نهاية الدستور القائم وقيام بديل له. والفقهاء القانونيون متفقون على أن سقوط الدستور لا يسقط القوانين العادية التي صدرت بإجراء سليم في ظل الدستور السابق، ما لم ينص على ذلك صراحة أو ضمنا، وكذلك الأحكام الموجودة في الدستور وليست أحكاما دستورية، فإنها تأخذ الحكم نفسه الذي تأخذه القوانين العادية؛ لأن إلغاء الدستور يقصد به تعديل النظام السياسي للدولة، وهذه الأحكام ليست من الأحكام الأساسية، وإنما وضعت في الدستور صيانة لها من التعديل وإعطاءها حصانة شكلية اكتسبتها من وجودها ضمن مواد الدستور؛ فتبقى هذه الأحكام، وهنا تزول عنها الصفة الدستورية وتعامل مستقبلا معاملة القوانين العادية، ما لم تعد إلى الدستور الجديد بنص صريح (١) .

стр. 37

٣ - أسلوب العرف: وذلك أن العرف قد يجرى بعدم تطبيق الدستور؛ نظرا لظروف تقتضي عدم تطبيقه، فالدستور موجود ولم يلغ، ولم يطالب أحد بإلغائه، ولكن يستقر العرف بعدم تطبيق نصوصه، وذلك مثل العرف الذي جرى بعدم تطبيق الدستور الثاني للثورة الفرنسية الصادر سنة ١٧٩٣م، ويختلف الفقهاء في أثر العرف على الدستور القائم على رأيين: أحدهما يرى جوازه إذا توافرت أركان العرف المادية والمعنوية، والثاني يرى عدم الجواز، ويقولون: إن النصوص الدستورية لا تلغى بعدم التطبيق، وإنما بالطريقة نفسها التي وجدت بها (١) .

стр. 38

[المبحث الخامس مصادر الدستور] المبحث الخامس: مصادر الدستور: حدد فقهاء القانون أربعة مصادر للدستور يستمد منها أحكامه، وهي: الفقه والقضاء، والعرف، والتشريع، وفيما يلي استعراض موجز لهذه المصادر: ١ - الفقه القانوني: يعتبر الفقه في السابق مصدرا للقانون، أي أن القاعدة القانونية التي مصدرها الفقه تكتسب صفة الإلزام، ومع التطور الذي مر على القانون بفروعه المختلفة، أصبح الفقه مصدرا ماديا للقانون، أي أنه الطريق الذي تتكون به القاعدة القانونية وتستمد منه مادتها وموضوعها، فلم يعد يعتمد عليه في تفسير النصوص التي يسنها المشرع، لذلك يسميه بعض الفقهاء بالمصدر التفسيري (١) فالفقه يمثل الناحية العلمية أو النظرية للقانون، فهو لا يعدو أن يكون مجموعة من النظريات التي ليست لها صفة الإلزام، ويظهر أثر الفقه في مجال القانون الدستوري الإنجليزي أكثر منه في مجالات القوانين الأخرى؛ لأن النصوص الدستورية في إنجلترا قليلة جدا، فتبقى محتاجة إلى أن تدرس من جانب الفقهاء (٢) . ٢ - القضاء: القضاء مجموعة الأحكام الصادرة من المحاكم أثناء تطبيقها للقانون على المنازعات المعروضة، وهي على ضربين: - أحكام عادية هي مجرد تطبيق للقانون. - أحكام متضمنة لمبادئ غير منصوص عليها أو حاسمة لخلاف حول النص.

стр. 39

وكان القضاء مصدرا رسميا، وأصبح الآن مصدرا ماديا (١) ويبرز دوره في تفسير النصوص التشريعية كالفقه، ولكنه يختلف عن الفقه في أن الفقيه يفترض أمورا محتملة لم تقع، ويقترح لها حلولا مناسبة ويردها إلى الأصول والنظريات، فالفقه له طابع العمومية، واستباق الأحداث، ومسايرة التطور، أما القضاء فينظر فقط فيما يعرض عليه من قضايا ويسعى إلى الفصل فيها، على هدي الاعتبارات العملية التي تحتل المكان الأول في ساحته، فالفقه يمثل الناحية العلمية أو النظرية للقانون، والقضاء يمثل الناحية العملية أو التطبيقية، والأحكام الدستورية في بريطانيا تدين كثيرا للسوابق القضائية التي أنشأت أحكاما دستورية جديدة، إما بدعوى وتفسير أحكام دستورية غامضة، وإما لحسم خلاف حول نص دستوري أو بحكم في أمر لم ينص عليه (٢) . ٣ - العرف: اختلف الفقهاء القانونيين في كون العرف مصدرا رسميا للدستور على رأيين: - أحدهما، لا يسلم بغير التشريع مصدرا، وينكر كل قيمة للعرف إلا إذا أقره المشرع، أو اعترف به القضاء، إلا أن معتدلي هذا الاتجاه يسلمون بالعرف مصدرا على أساس أنه يمثل الإرادة المفترضة للمشروع. - أما الرأي الآخر: فيعتبر العرف مصدرا، ويلقى هذا الرأي تأييد معظم فقهاء الدستور (٣) .

стр. 40

ومعلوم أن فكرة الدولة ظهرت تدريجيا تحت تأثير مجموعة من العوامل التاريخية، وذلك على مراحل متدرجة، إلى أن اكتملت عناصر قيامها، حيث صاحب ذلك استقرار مجموعة من القواعد التي تبين كيفية تنظيم سلطاتها، ومصدر هذه القواعد هو العرف؛ لأنها قواعد نتجت عن التقاليد والعادات، ومن ثم كانت قواعد عرفية. ولكن مع التطور التاريخي، وظهور الدساتير المكتوبة وانتشارها في معظم دول العالم، لم يعد العرف مصدرا رئيسا لقواعد الدستور فيما عدا إنجلترا، فلا خلاف في أهمية العرف، ومكانته بالنسبة للدول التي ليس لها دساتير مكتوبة، ولكن يختلف الفقهاء حول دور العرف ومكانته واعتباره مصدرا للدستور بالنسبة للدول ذات الدساتير المكتوبة، وهم في ذلك على رأيين: - أحدهما: ينكر كل دور للعرف في الشؤون الدستورية. - والآخر: يقر للعرف هذه القواعد بالنسبة لنصوص وثيقة الدستور (١) . ٤ - التشريع: التشريع هو سن القواعد القانونية، وإكسابها قوتها الملزمة عن طريق سلطة مختصة وفقا لإجراءات معينة (٢) ولقد ازدادت أهمية التشريع باعتباره مصدرا رسميا للقانون بازدياد التطور التدريجي للمجتمعات، فبينما كان العرف مصدرا رئيسا للقواعد القانونية المنظمة للمجتمع في العصور القديمة أخذ دور العرف يقل تدريجيا، ويزداد دور التشريع،

стр. 41

وذلك لانتقال المجتمعات إلى مرحلة التنظيم السياسي وقيام الدولة، وكذلك لأنه أصلح المصادر الرسمية وأكثرها ملاءمة لحاجات الجماعة المتطورة، فالعرف وإن كان يصدر عن الجماعة إلا أنه بطيء في نشوئه وتطوره، فضلا عما قد يشوبه من غموض بجهل قواعده، في حين أن التشريع وسيلة ميسرة وسريعة في انتشار القواعد القانونية وتعديلها، ووضوحها، وانضباطها، فالتشريع هو المصدر الرسمي الرئيس للقانون بشكل عام وللدستور بشكل خاص (١) . ويحدد عادة في الدستور السلطة المختصة بالتشريع، وتسمى السلطة التشريعية، وكيفية ممارستها لواجباتها، وكيفية تكوينها، وقد يوجد في الدولة الواحدة أكثر من سلطة تشريعية، ففي الدول التي يكون دستورها غير مرن لا بد من وجود سلطة تأسيسية أو دستورية لإقرار وتعديل الدستور، غير السلطة التشريعية المختصة بالتشريع العادي، فيكون تدرج قوة التشريع تسلسليا من التشريع الدستوري إلى التشريع العادي إلى التشريع الفرعي، ولا يجوز لأي تشريع أن يخالف تشريعا أعلى منه درجة، وفي حالة وجود ذلك يكون التشريع المخالف غير شرعي، ولضبط عملية مشروعية التشريعات، وتنظيم رقابتها، وتقرير الجزاء المناسب بالنسبة للتشريع المخالف، نشأ ما يسمى برقابة مشروعية التشريع بفرعيها وهما: رقابة مشروعية التشريع العادي، الذي اصطلح عليه برقابة دستورية القوانين وهي من مباحث القانون الدستوري. والفرع الثاني رقابة مشروعية التشريع الفرعي، وهي من مباحث القانون الإداري.

стр. 42

[المبحث السادس مقومات الدستور الأساسية] المبحث السادس: مقومات الدستور الأساسية: يجب أن يحتوي كل دستور على مقومات رئيسة يتضمنها الدستور، وهي بشكل عام القواعد التي تبين شكل الدولة، ونوع نظام الحكم فيها وتحديد السلطات العامة، وعلاقتها ببعضها، وحقوق وواجبات الأفراد تجاه الدولة؛ فغالبا ما يحتوي الدستور على مقدمة هي عبارة عن ديباجة توضح الفكرة التي تقوم عليها الدولة، ثم يقسم الدستور إلى أبواب وفصول، يحوي كل باب أو فصل مواد متسلسلة، حول موضوع من المواضيع التي يعنى بها الدستور، ويحدد عنوان لكل فصل أو باب حسب كل موضوع من هذه المواضيع، وغالبا ما يكون ترتيب هذه الأبواب والفصول على النحو التالي: - تعريف بالدولة يحدد شعب الدولة، وأرضها، وسيادتها، وشكلها ومنهجها السياسي. - المقومات الأساسية للمجتمع. - السلطات العامة. - أحكام عامة. - تعديل الدستور. - أحكام انتقالية (١) . ولقد حدد بعض (٢) المفكرين المسائل التي يجيب عليها الدستور في تسع نقاط هي:

стр. 43

- لمن الحكم؟ - ما حدود تصرفات الدولة؟ - ما الحدود التي تعمل السلطات الثلاث في حيزها؟ - ما الغاية التي تقوم لأجلها الدولة؟ - كيف تؤلف الحكومة لتسير نظام الدولة؟ - ما الصفات التي يتحلى بها القائمون بأمر الحكومة؟ - ماذا يكون في الدستور من أسس المواطنة وبأي طريق يصبح الفرد عضوا في كيان الدولة؟ - ما الحقوق الرئيسة لمواطني الدولة؟ - ما حقوق الدولة على المواطنين؟

стр. 44

[الفصل الثالث الدولة] [المبحث الأول تعريف الدولة] الفصل الثالث: الدولة المبحث الأول: تعريف الدولة. المبحث الثاني: أركان الدولة. المبحث الثالث: مقومات الدولة القانونية وضمانات تحقيقها. المبحث الرابع: أنواع الدول.

стр. 45

المبحث الأول: تعريف الدولة: - التعريف اللغوي: الدولة في اللغة بتشديد الدال مع فتحها أو ضمها، العاقبة في المال والحرب، وقيل: بالضم في المال، وبالفتح بالحرب، وقيل: بالضم للآخرة وبالفتح للدنيا، وتجمع على دول بضم الدال وفتح الواو، ودول بكسر الدال وفتح الواو، والإدالة الغلبة، أديل لنا على أعدائنا أي نصرنا عليهم، وكانت الدولة لنا (١) . ومن هذا المعنى جاء مصطلح الدولة نتيجة لغلبتها، وإلا لما كانت دولة، وقد ورد لفظ الدولة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] الآية (٢) . - التعريف الاصطلاحي: تعرف الدولة بأنها، شعب مستقر على إقليم معين، وخاضع لسلطة سياسية معينة، وهذا التعريف يتفق عليه أكثر الفقهاء لأنه يحتوي العناصر الرئيسة التي لا بد لقيام أي دولة منها، وهي الشعب، والإقليم والسلطة وإن اختلفوا في صياغة التعريف، ومرد هذا الاختلاف إلى أن كل فقيه يصدر في تعريفه عن فكرته القانونية للدولة (٣) .

стр. 46

[المبحث الثاني أركان الدولة] المبحث الثاني: أركان الدولة: تقوم الدولة على ثلاثة أركان هي: ١ - الشعب: لا يتصور وجود دولة دون وجود مجموعة من البشر، ولا بد أن ينشأ لدى هذه المجموعة، إحساس بضرورة إشباع حاجات شتى، والتعاون على أداء المناشط المطلوبة لإشباع هذه الحاجات، ويتكون شعب أي دولة من وطنيين يتمتعون بجنسية الدولة، وتربطهم بها رابطة الولاء، وأجانب يوجدون على إقليم الدولة لا تربطهم بها سوى رابطة التوطن أو الإقامة حسب الأحوال (١) . ٢ - الإقليم: إذا وجد الشعب فلا بد له من الاستقرار على إقليم ما، يكون مستقرا للشعب ومصدرا رئيسا لثروة الدولة، وإقليم الدولة هو ذلك الجزء من الكرة الأرضية الذي تباشر الدولة عليه سلطانها، ولا يمارس عليه سلطان غير سلطانها. ويتكون إقليم الدولة من ثلاثة أجزاء، جزء أرضي، وهو الجزء اليابس الذي تعينه حدود الدولة، ويستعمل سطح الأرض وما دونه من طبقات إلى ما لا نهاية، وما فوق ذلك السطح من مرتفعات كالجبال والهضاب وجزء مائي، ويشمل المياه الموجودة داخل حدود الدولة من أنهار وبحيرات ونصيب من البحار العامة الملاصقة لإقليم الدولة، وتسمى المياه الإقليمية، وجزء هوائي ويشمل طبقات الهواء فوق الإقليمين الأرضي والمائي حسب ما هو

стр. 47

محدد في أحكام القانون الدولي العام (١) وقد يكون إقليم الدولة متصلا بشكل واحد وهو الغالب، أو منفصلا كالباكستان سابقا عندما كانت تنقسم إلى قسمين شرقي وغربي حتى انفصلت باكستان الشرقية وأصبحت دولة مستقلة تسمى بنجلادش فظل اسم باكستان يطلق على باكستان الغربية. ٣ - السلطة: لا يكفي لقيام الدولة وجود شعب معين على إقليم معين، فلا بد من قيام حكومة تباشر السلطات باسم الدولة، وركن الحكومة أو السلطة هو الذي يميز الدولة عن الأمة، فالأمة تتفق مع الدولة في ركني الشعب والإقليم، ولكنها تختلف عنهما في ركن السلطة السياسية، وإذا ما تيسر لأمة ما أن تقيم حكومة تخضع لسلطانها فإنها تصبح دولة (٢) . ويلحق بركن السلطة ركن آخر هو السيادة، وهو مثار لجدل بين فقهاء القانون حيث اختلفوا في ذلك على رأيين، الرأي الأول ويمثل النظرية الفرنسية، وتقول بوجوب وجود السيادة، وأنه لا يمكن قيام دولة ليست ذات سيادة، أي أن الجماعة لا تستحق وصف الدولة، إلا إذا كانت تتمتع بالسيادة أي بالسلطة غير المقيدة في الخارج والداخل. والرأي الثاني، ويمثل النظرية الألمانية، حيث لا تشترط لقيام الدولة أن توجد حكومة ذات سيادة، ومقتضى هذه النظرية، أن العبرة في قيام الدولة هي بوجود الحكومة التي تملك سلطة إصداره أوامر ملزمة في قدر معين من الشؤون المتصلة بالحكم، ولو لم تكن لها السيادة بالمعنى المطلق في تلك الشؤون كافة (٣) .

стр. 48

[المبحث الثالث مقومات الدولة القانونية وضمانات تحقيقها] المبحث الثالث: مقومات الدولة القانونية وضمانات تحقيقها: أولا: مقومات الدولة القانونية: الدولة القانونية هي تلك الدولة الخاضعة للقانون، سلطة وأفرادا (١) . ووجود هذه الدولة يلزم منه وجود مقوماتها، وهي: ١ - وجود الدستور: فلا بد أن يكون لهذه الدولة دستور يحدد سلطات الحكومة، وحقوقها وواجباتها، وحقوق الأفراد، وواجباتهم، والعلاقة بين السلطات وشكل الدولة، ونظام الحكم فيها، سواء أكان هذا الدستور مدونا أم غير مدون. ٢ - تدرج القواعد القانونية: ويقصد بتدرج القواعد القانونية أن تكون الدولة قائمة في نظامها القانوني على قواعد متسلسلة من حيث القيمة والقوة، فالقاعدة القانونية التي في مرتبة أدنى تستند إلى أعلى منها وهكذا، وتسلسلها كما يلي: - الدستور. - القوانين العادية. - اللوائح الإدارية. - القرارات الإدارية الصادرة من سلطة إدارية دنيا. ٣ - خضوع الإدارة للقانون: خضوع الإدارة للقانون يؤدي إلى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم،

стр. 49

ويؤدي هذا المبدأ إلى مبدأ آخر وهو سيادة القانون، ويقصد بالإدارة جميع أجهزة الدولة، وإذا خضعت الإدارة للقانون فإن ذلك يؤدي إلى حماية حقوق الأفراد وحرياتهم، وإذا لم تخضع الإدارة للقانون يقع بالأفراد الظلم وتصادر حرياتهم، فالدولة التي تخضع للقانون دولة قانونية وعكسها الدولة غير القانونية. ٤ - الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية: من أجل أن تكون الدولة قانونية لا بد من اعترافها بحقوق الأفراد وحرياتهم؛ لأن هدف الدولة القانونية هو حماية حقوق الأفراد وحرياتهم من سياسية، واقتصادية واجتماعية، وفكرية، ودينية. ثانيا: ضمانات تحقيق مقومات الدولة القانونية: لكي تتحقق مقومات الدولة القانونية حدد فقهاء القانون المعاصرين عدة ضمانات لا بد من وجودها لتحقيق تلك المقومات، وهذه الضمانات هي: ١ - الفصل بين السلطات: هذا المبدأ يشكل ضمانة لخضوع الدولة للقانون وهي ضمانة مهمة وفعالة ولكن عدم الأخذ به لا يعني عدم قيام الدولة القانونية؛ لأن مجرد احترام الهيئات الحاكمة لقواعد اختصاصها وعدم خروجها عن حدود سلطاتها يكفي لاعتبار الدولة خاضعة للقانون، إلا أنه من تتبع التجارب يتضح أن هذا المبدأ أسهم بشكل فعال في خضوع الدولة للقانون. ٢ - تنظيم رقابة قضائية: مقتضاه أن تخضع أعمال الهيئات العامة للقضاء المتخصص الذي يملك مناقشتها في تصرفاتها، وتعتبر هذه الضمانة أقوى الضمانات جميعا.

стр. 50

٣ - تطبيق النظام الديمقراطي: يذكر القانونيون هذا المبدأ باعتباره ضمانة من ضمانات الدولة القانونية، ومقتضى هذه الضمانة هو تنظيم الحكم بطريقة تجعل للمحكومين الحق في اختيار الحاكم، ومشاركته السلطة، ومراقبته، وعزله؛ مما يكون له الأثر الفعال في خضوع الحكام للقانون، ونزولهم على أحكامه (١) . وهذه الضمانة كغيرها من الضمانات السابقة، والحديث في هذا الباب كله إنما جاء من وجهة النظر القانونية، بصرف النظر عن اتفاقه مع وجهة النظر الإسلامية، أو اختلافه معها؛ إذ الحديث عن وجهة النظر الإسلامية في الدستور والدولة في الإسلام له مباحثه فيما بعد.

стр. 51

[المبحث الرابع أنواع الدول] المبحث الرابع: أنواع الدول: تقسم الدول إلى عدة تقسيمات، تختلف حسب الهدف من التقسيم، وأهم هذه التقسيمات في مباحث الدستور هو تقسيم الدول إلى بسيطة، ومركبة (١) . ١ - فالدولة البسيطة أو الموحدة: هي دولة تباشر سلطات الحكم فيها حكومة واحدة، مثل فرنسا، وبلجيكا، واليونان (٢) . ٢ - والدولة المركبة: هي الدولة المكونة من عدة دول تتنوع سلطات الحكم بينها، على نحو يختلف باختلاف نوع الاتحاد الرابط بينها (٣) ويقسم فقهاء القانون الاتحاد إلى أربعة أنواع هي: أ - الاتحاد الشخصي: هو أن تتحد دولتان في شخص رئيس الدولة فقط، وتعتبر كل دولة مستقلة بكيانها، وسلطاتها، ورموزها، تمام الاستقلال، ماعدا أن رئيس الدولتين واحد، وهو عندما يتصرف في أمر من الأمور لا ينفذ هذا التصرف إلا في حق الدولة التي يتعلق بها هذا الأمر فقط، في حدود ما حدده الدستور له من سلطة، ويوضح التاريخ أمثلة على الاتحاد الشخصي، مثل ما حدث في الاتحاد بين بريطانيا وهانوفر، حيث آل العرش إلى شخص واحد في الدولتين؛ نتيجة لقوانين الوراثة، وانقضى الاتحاد لزوال صفة الملك عن ذلك الشخص في إحدى الدولتين بحكم قوانين الوراثة نفسها، وذلك كان عام ١٧١٤م إلى عام ١٨٣٨م السنة التي

стр. 52

تولت الملكة فكتوريا عرش بريطانيا، حيث أن الدستور في هانوفر لا يسمح للنساء بتولي العرش (١) . ب - الاتحاد الحقيقي أو الفعلي: وهو أن تتحد الدولتان في شخص رئيس الدولة وفي الهيئة المشرفة على الشؤون الخارجية، وعلى هذا يكون هذا النوع من الاتحاد أقوى من سابقه؛ لأنه لا يقتصر على كون رئيس الدولتين واحد بل يتعداه إلى اتحاد الدولتين في مجال السياسة الخارجية، عن طريق هيئة مشتركة تباشر شؤونها، ويبقى السلطان الداخلي لكل دولة مستقلا كما هو الشأن في الاتحاد الشخصي، وينشأ هذا النوع إما عن طريق معاهدة بين دولتين، كما حدث بين السويد والنرويج سنة ١٨٨٥م، وإما عن طريق تشريع متماثل تصدره دولتان، كما حدث بالنسبة لاتحاد الدنمراك وأيسلندا في الفترة من ١٩١٨ - ١٩٤٤م (٢) . جـ - الاتحاد التعاهدي أو الاستقلالي: وهو أن تتحد عدة دول على نحو يبقى معه لكل دولة سلطانها في الخارج والداخل، وتقوم هيئة مشتركة بتصريف بعض شؤونها الخارجية نيابة عنها، ويكون ذلك بأن تبرم مجموعة من الدول معاهدة تقضي بإنشاء مؤتمر مهمته رسم السياسة المشتركة وعرضها على الدول الأعضاء في الاتحاد لتقرر رأيها فيها، ولا تعتبر سارية المفعول ما لم تجمع عليها الدول الأعضاء، فالمؤتمر إذن ليس سلطة فوق الدول الأعضاء، وإنما هو أداة تظهر من خلالها رغبة تلك الدول، والعمل على التوفيق بينها، وليس للمؤتمر سلطة على رعايا دول الاتحاد، وليس له ما يخوله بالاتصال بهم إلا عن طريق دولهم.

стр. 53

ومن تتبع بعض التجارب يتبين أن هذا النوع من الاتحاد لا يدوم، فهو إما أن ينتهي بالانفصال كما حدث لاتحاد جمهوريات أمريكا الوسطى سنة ١٨٩٨م، أو باشتداد الصلة بين الدول الأعضاء فيتحول بذلك إلى اتحاد مركزي، كما حدث بالنسبة للاتحاد الأمريكي سنة ١٧٨٧م، والاتحاد السويسري سنة ١٨٤٨م والاتحاد اليوناني سنة ١٨٦٦م (١) . د - الاتحاد المركزي: وهو أن تتحد عدة دول في شكل دولة واحدة هي دولة الاتحاد، تكون مهمتها تصريف جميع الشؤون الخارجية لجميع الدول، وبعض الشؤون الداخلية لكل دولة. والسند التشريعي لهذا الاتحاد ليس معاهدة، وإنما هو دستور تلتزم بأحكامه الحكومة المركزية، ودول الاتحاد فيما بينها، ولدولة الاتحاد بموجب الدستور سلطان مباشر على رعايا الدول الأعضاء، دون الرجوع إلى تلك الدول، ومثال ذلك اتحاد الولايات الأمريكية، حيث تحول الاتحاد التعاهدي الأمريكي إلى اتحاد مركزي سنة ١٧٨٧ (٢) .

стр. 54

[الباب الثاني الدستور في الإسلام] [الفصل الأول مسائل رئيسية في موضوع الدستور في الإسلام] [المبحث الأول تعريف الدستور في الإسلام وتدوينه وأساليب نشأته ونهايته] [تعريف الدستور في الإسلام] الباب الثاني الدستور في الإسلام الفصل الأول: مسائل رئيسية في موضوع الدستور في الإسلام الفصل الثاني: تطبيقات دستورية في التاريخ الإسلامي

стр. 55

كان الحديث في الباب الأول عن بعض المواضيع الرئيسة التي لا بد منها للتمهيد لموضوع البحث الرئيس، فكان الحديث في فصول ثلاثة عن القانون، والدستور، والدولة، وذلك وفق ما هو مقرر في القانون الوضعي المعاصر؛ وذلك من أجل تحديد مصطلحات البحث، ومقابلة تلك المصطلحات بما يوازيها في الفقه الدستوري الإسلامي الذي سيتناوله البحث في هذا الباب، حيث سيكون الكلام فيه عن الدستور في الإسلام، تعريفه، ومصادره، وخصائصه، ثم تطبيقات دستورية في العهود الإسلامية: المختلفة إلى عصرنا الحاضر. وليس الهدف الرئيس من هذا الكتاب الدراسة الموازنة، ولكنه عرض لمشكلة الدستور في البلاد الإسلامية في هذا العصر، لذلك فلن يتسم هذا الباب بالدراسة الموازنة البحتة، إلا بقدر ما يحتاجه البحث من موازنة تفيد في عرض موقف الإسلام في مجال الدستور.

стр. 56

الفصل الأول مسائل رئيسة في موضوع الدستور في الإسلام المبحث الأول: تعريف الدستور في الإسلام وحقيقته. المبحث الثاني: مصادر الدستور في الإسلام. المبحث الرابع: خصائص الدستور في الإسلام.

стр. 57

المبحث الأول: تعريف الدستور في الإسلام وتدوينه وأساليب نشأته ونهايته: أولا: تعريف الدستور في الإسلام: سبق تعريف الدستور لغة في المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الأول، وسيتم هنا عرض لتعريف الدستور في الإسلام من الناحية الاصطلاحية. ويمكن أن يعرف الدستور في الإسلام بتعريفين: أحدهما عام، والآخر خاص: أ - التعريف العام: الدستور في الإسلام هو مجموعة القواعد والأحكام العامة الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، التي تنظم المبادئ الرئيسة التي يقوم عليها الحكم في الإسلام. فالدستور الإسلامي بهذا التعريف العام ثابت على مدى الزمن، لا يمكن تعديله، أو تغييره، أو إلغاؤه بحال؛ لأنه وحي من الله وليس لبشر أن يغير في الوحي أو يبدل. ب - التعريف الخاص: الدستور في الإسلام هو مجموعة القواعد والأحكام الأساسية في الدولة المسلمة، التي تبين نظام الحكم وشكل الدولة، والسلطات العامة فيها، والأشخاص والهيئات التي تتولى هذه السلطات، وارتباطها ببعضها، وبيان حقوق الأفراد، وواجباتهم، صادرة في ذلك عن مبادئ الإسلام العامة، وتنظيماته في الشؤون الدستورية. وتعريف الدستور بهذا المعنى، يمكن أن يسمى (التعريف الفني أو القانوني) ، وهو الذي تعنى به هذه الدراسة، والدستور بهذا المعنى لا يعني

стр. 58

الأحكام الشرعية الثابتة، والمبادئ الأساسية لنظام الحكم في الإسلام، وإنما يعني الدستور في دولة إسلامية - مهما اختلف زمان وجودها ومكانها - الذي يبين التنظيمات الأساسية في تلك الدولة حسب ظروفها وأحوالها، وقد يختلف عن دستور دولة إسلامية عن أخرى، باختلاف مكانها أو زمانها. ومما يوضح التعريفين السابقين، أن الأحكام والقواعد الدستورية في النظام الإسلامي تنقسم إلى قسمين: ثابتة، وغير ثابتة، فالثابتة هي ما ورد صريحا من قواعد عامة في نصوص القرآن والسنة، وما كان محل إجماع علماء المسلمين منها، في الشؤون الدستورية كالشورى، والعدالة، والمساواة، والتعاون. وغير الثابتة هي الأحكام المستنبطة عن طريق الاجتهاد والرأي، مما يتعلق بالأساليب والأنظمة، والتفصيلات التي تختلف تبعا لاختلاف ظروف الزمان والمكان (١) . ووفقا لما عليه الفقه الدستوري المعاصر الذي قسم الدساتير إلى جامدة ومرنة يجد الباحث في المقابل أن قواعد الدستور في الإسلام تشمل النوعين الجامد والمرن، وهي ما يقصد بها هنا الثابتة وغير الثابتة، فالثابتة تقابل الجامدة وغير الثابتة تقابل المرنة، ومن الأمثلة على القضايا الدستورية الثابتة في الإسلام عدم جواز تغيير دين الدولة الإسلامية، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار.

стр. 59

ومن القضايا المرنة: ما صدر عن الرسول ﷺ بصفته السياسية، أي باعتباره إماما ورئيسا للدولة، مما هو مبني على المصلحة الموجودة في عصره ﷺ ، مثل طريقة إرسال الجيوش. للقتال، وتولية القضاة والولاة، وعقد المعاهدات وتدبير أمور الدولة المالية والإدارية، فهذه أحكام وتشريعات وقتية حسب المصلحة والظروف في ذلك الزمن، مثل ما صدر عنه ﷺ بصفته قاضيا؛ لأنه يحكم بناء على ما يسمع من حجة، فعن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض, وإنما أقضي لكم على نحو ما أسمع منكم فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة» (١) . [تدوين الدستور في الإسلام] ثانيا: تدوين الدستور في الإسلام: اتضح مما سبق أن الأحكام الدستورية الإسلامية قسمان، قسم ثابت وقسم غير ثابت، وعليه فإن الأحكام والقواعد الثابتة لا تتغير مدى الزمن، سواء دونت فيما يسمى بوثيقة الدستور أم لم تدون، بل لم يثبت تدوينها على مر التاريخ الإسلامي، إذ ليس هناك حاجة إلى تدوينها ما دامت ثابتة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع المسلمين والمفترض أن الدولة الإسلامية يتوفر فيها العلماء والفقهاء الذين يهدون مسيرتها الدستورية ويستندون إلى هذه المصادر.

стр. 60

وسواء دونت هذه الأحكام أم لا فإن لها السمو على جميع القوانين والأحكام دستوريها وغير دستوريها؛ لأنها وحي من الله لا يسمو فوق حكمه حكم. فالبحث في تدوين الدستور إنما هو لدولة إسلامية معينة بما يحتويه من أحكام غير ثابتة؛ لأنها تختلف من دولة لأخرى، ولأنها هي التي يجب أن يحتويها الدستور، أما الأحكام الثابتة فإن تدوينها في دستور دولة معينة أمر لا لزوم له كما سبقت الإشارة إليه؛ لأن هذه الأحكام ثابتة في آيات القرآن وتفسيرها والأحاديث وشروحها، ومباحث الفقه وأصوله؛ ولأن هذه الدولة الإسلامية يجب أن تلتزم في دستورها بأحكام الشرع وأن لا تخالفها، وبالتالي فلها أن تعد دستورها وفق ظروفها، موافقة في ذلك شرع الله، ويحتوي هذا الدستور الأحكام الخاصة بدستور هذه الدولة. وفي هذا المجال نجد بعض الباحثين (١) في شأن الدستور الإسلامي يرى أن هناك تدوينا للدستور في بعض العصور، ويمثل بالوثيقة التي كتبها رسول الله ﷺ عندما هاجر إلى المدينة، ويعتبرها دستورا للدولة في ذلك العصر، موافقا لظروف ومتطلبات الوقت الذي وضع فيه، والحقيقة أن هذه الوثيقة تحوي أحكاما دستورية تعالج بعض القضايا الدستورية في ذلك الوقت الذي وضعت فيه، ويمكن الاستئناس بها عند تدوين أي دستور لدولة إسلامية، ولكنها ليست دستورا كاملا بمعنى الدستور الفني أو الخاص بل هي وثيقة دستورية لها أهميتها في تاريخ الدولة الدستورية. ولم يثبت بعد هذه الوثيقة تدوين يشبهها لأحكام

стр. 61

دستورية في الدولة الإسلامية، بل استمر العمل بالرجوع إلى الأحكام الثابتة، واستنباط أحكام جديدة لما يستجد من وقائع، والتعارف على أعراف معينة غير مخالفة لأحكام الشريعة (١) تستقر لفترة من الزمن، حتى بدأت حركة تدوين الدساتير في الدول الإسلامية بإعلان الدستور التونسي عام ١٢٧٦هـ الموافق ١٨٦١م ثم الدستور العثماني عام ١٢٩٣هـ الموافق ١٨٧٦م. اللذين يمكن اعتبارهما أول دستورين إسلاميين بمعنى الدستور الخاص تم تدوينهما (٢) . ويستنتج من ذلك وفقا للمعنى الخاص للدستور أنه من الممكن أن توجد دساتير مدونة في بعض الدول الإسلامية وأخرى غير مدونة، أو توجد بعض قواعد الدستور مدونة وبعضها الآخر غير مدون، أي أنه ليس هناك إلزام بتدوين الدستور في النظام الإسلامي، ولا إلزام بعدم التدوين، وأن ذلك راجع لما تستقر عليه الآراء في الدولة الإسلامية وللظروف المتغيرة، بحيث قد يكون الأفضل في جهات متعددة التدوين صيانة لحقوق عامة للمسلمين واستئناسا بتوثيق التداين، ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٣) واستئناسا بتدوين السنة مع ورود نصوص تصرف عن ذلك وبالوثيقة النبوية التي كتبها الرسول ﷺ عندما هاجر إلى المدينة المنورة.

стр. 62

وقد لا يحتاج إلى التدوين في جهات وأزمان معينة إذا أمن جانب صيانة حقوق عامة المسلمين وترجحت مراعاتها، فليس المهم في النظام الإسلامي النظر إلى الشكل ولكن المهم هو المضمون، وهو وجود قواعد دستورية راسخة وصريحة متمشية مع حكم الله، تضمن للحاكم والمحكوم حقوقهما على حد سواء، وليس ضروريا بعد ذلك أن تكون هذه القواعد مدونة في وثيقة تسمى الدستور أو تكون غير مدونة. ثم إن الدستور بمعناه الخاص في الدولة الإسلامية قد يكون ثابتا أو مرنا حسب ظروف كل دولة، وما يستقر الرأي الدستوري فيها عليه من أمر بهذا الخصوص، ولا علاقة بين تدوين الدستور وثباته، فقد يكون الدستور مدونا ومرنا، وقد يكون ثابتا وهو غير مدون، والعكس كذلك، وهذا الثبات الذي أشير إليه هنا متعلق بالدستور بمعناه الفني أو القانوني، وبالتأكيد فإن الثبات هنا هو ثبات نسبي. وفي حالة تدوين دستور معين لدولة إسلامية، يجب النص على أن الحكم لله وحده، وأن السيادة المطلقة لله ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] (١) . وإن التشريع الملزم هو من عند الله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٢) . كما أنه لا يفضل وضع نص قرآني ضمن مواد الدستور؛ لأن مواد الدستور من طبيعتها التغير، وليس ذلك من طبيعة نصوص القرآن؛ ولأن النصوص القرآنية فوق النصوص الدستورية وبالتالي فإن وضعها مادة في الدستور إنقاص من شأنها، وإنما يستخلص الحكم الدستوري من الآية، ويذكر أن ذلك استنادا إلى الآية كذا، ومثال ذلك عندما يراد أن ينص على أن الشورى أساس من أسس الحكم، لا توضع آية: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]

стр. 63

(١) مادة كبقية المواد، وإنما يقال مثلا: " إن الشورى أساس من أسس الحكم "، ثم تفصل كيفية الشورى ونطاقها وفق ظروف الواقعة. والخلاصة: أن تدوين الدستور في الدولة الإسلامية ليس بضرورة، فالأمر فيه متروك للحاجة والمصلحة، ويتأكد التدوين عند قلة العلماء المجتهدين، وضعف الوازع الديني لدى المؤسسات الدستورية، والخوف على حقوق عامة المسلمين. وعدم تدوين الدستور في الدولة الإسلامية لا يعني عدم وجود المؤسسات الدستورية، فوجودها غير مرتبط بالتدوين أو عدمه؛ لأن وجودها مرتبط بوجود الدولة الإسلامية ذاتها. [أساليب نشأة الدساتير في الإسلام ونهايتها] ثالثا: أساليب نشأة الدساتير في الإسلام ونهايتها: ١ - أساليب نشأة الدساتير في الإسلام: سبق الكلام في الباب الأول حول أساليب نشأة الدساتير، حيث يحدد علماء الفقه الدستوري المعاصر عدة أساليب لنشأة الدساتير التي حصروها في: أ - أسلوب المنحة. ب - أسلوب التعاقد. جـ - أسلوب الجمعية الوطنية المنتخبة. د - أسلوب الاستفتاء التأسيس. وقد رجحت الرأي القائل بأن حصر أساليب نشأة الدستور أمر غير مسلّم وأن كل أسلوب من الأساليب المذكورة يمثل الأسلوب الذي اتبع في مرحله معينة لها ظروفها التي أدت إلى وجود هذا الأسلوب، وأنه قد

стр. 64

تستجد أساليب جديدة وفق ظروف معينة، إضافة إلى أن الأساليب المذكورة تمثل ما تم اتباعه في ظل الأنظمة الغربية التي هي نتيجة لثقافة وظروف وتاريخ تلك الأنظمة، وأنه قد تتبع أساليب أخرى بالنسبة للنظام الإسلامي؛ وذلك لاختلاف الظروف الحضارية والتاريخية لهذا النظام عن النظم الغربية المعاصرة. ومن الباحثين (١) في الفقه الدستوري الإسلامي من حدد أساليب أو أسلوبا معينا لنشوء الدستور في الدولة الإسلامية، كأسلوب المنحة وأسلوب التعاقد، أو أسلوب الجمعية الوطنية المنتخبة، وهذا أمر غير مسلم به كذلك؛ لأنه قد تستجد أساليب أخرى بتغير الظروف، ثم إن اختيار أسلوب من الأساليب المتبعة في الأنظمة الغربية، وتحديده أسلوبا لنشوء الدستور في النظام الإسلامي أمر غير مقبول؛ لأن النظام الإسلامي متميز عن ما سواه من الأنظمة الوضعية، وإن وافق في شيء من الجزئيات بعض هذه الأنظمة، فذلك لا يعني أن يصبغ النظام الإسلامي بصبغة هذه الأنظمة، فهو نظام له خصوصيته واستقلاليته. فالدستور في ظل النظام الإسلامي قد ينشأ بأسلوب مشابه شكلا لأحد الأساليب المستخدمة في الأنظمة الغربية، أو بأسلوب مختلف ومعايير لجميع تلك الأساليب، فالباحث في هذا المجال يجب أن يتحرر من إلزام نفسه باتباع المنهج الغربي التقليدي لتميز النظام الإسلامي في هذا المجال عن غيره من الأنظمة، فنشأة الدستور في النظام الإسلامي مرتبطة بالشرعية الإسلامية وأحكامها، فمن المعروف أن الأحكام الدستورية الثابتة ليست منحة من البشر، وليست كذلك مجالا للمناقشة

стр. 65

بقبولها أو رفضها سواء من الحكومات، أو من الشعوب فهي ملزمة للجميع، فمعروف أن السيادة في الإسلام لله وحده وليست للحكومة أو للشعب كما في بعض النظم، وبالتالي فالدولة تتقيد في سيادتها الداخلية والخارجية بالإسلام ولا تخرج على أحكامه، فأحكام الإسلام لها السيادة المطلقة، والأحكام الدستورية المتغيرة التي قد تدون فيما يسمى بوثيقة الدستور هي التي يكون المجال لنشوئها متروكا للأسلوب الذي يوافق ظروف الدولة الإسلامية وقت نشوء هذا الدستور الذي لا يخرج بحال عن أحكام الإسلام ولا يخالفها، وبالتالي فإن مسألة موافقة الحاكم أو الشعب على الدستور في ظل النظام الإسلامي مسألة نسبية، فالحكم المطلق والتشريع المطلق في الإسلام لله وحده، وإنما يكون اختيار الناس وموافقتهم فيما لم يرد فيه نص قاطع وما كان محلا للاجتهاد من أهل الاجتهاد (١) كل في تخصصه حسب الوقائع فلكل واقعة تتطلب الاجتهاد وأهلها؛ فينبغي التفريق هنا بين تحرير الواقعة التي يؤخذ فيهما رأي ذوي الخبرة من ساسة واقتصاديين ومهندسين وأطباء، أو عامة مستفيدين مما كان منفعته عامة، وبين ما كان اجتهادا في إظهار الحكم الشرعي وليس ذلك إلا لذوي العلم بالشريعة من أفراد تكمل بهم أداة الاجتهاد تفسيرا وحديثا وفقها وأصولا ولغة وبلاغة. إذن فنشأة الدستور في الدولة الإسلامية مرتبطة بالتزام المجتمع، والدولة بالإسلام عقيدة وشريعة، ثم إن بيعة الناس للحاكم ملزمة للطرفين بالتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وبالتالي فإن الدولة المسلمة ملزمة بالدستور الإسلامي، ولا يتصور وجود حاكم مسلم أو دولة مسلمة غير ملتزمة بهذا الدستور.

стр. 66

فنشأة الدستور بالمعنى المتعارف عليه لدى فقهاء القانون غير وارد في النظام الإسلامي؛ لأن الأحكام الدستورية الثابتة موجودة أصلا ولا داعي لإنشائها، أما الأحكام المتغيرة فمردها إلى المجتهدين من العلماء المسلمين، وإن كان هناك تشابه بين أسلوب نشوء - هذه الأحكام المتغيرة، وأحد الأساليب المتعارف عليها لدى الفقهاء القانونيين فهذه المشابهة شكلية فقط. ٢ - أساليب نهاية الدساتير في الإسلام: ذكر في الباب الأول الأساليب التي ينتهي بها الدستور عادة، وفقا للفقه الدستوري الوضعي وهي: أ - الأسلوب السلمي. ب - الأسلوب غير العادي. جـ - أسلوب العرف. والنظام الدستوري الإسلامي يختلف عن النظم الوضعية، ذلك لأن جزءا من أحكامه وحي، والوحي غير قابل للتعديل والإنهاء من البشر. أما الجزء الآخر من أحكامه والتي قد تقنن، بناء على الاجتهاد والمصلحة في الدولة الإسلامية، فهذا يرجع لما يتفق عليه أهل الرأي حول إنهاء الدستور أو بعض أحكامه، فقد تنهى عن طريق الأسلوب الذي وضعت به، أو أي أسلوب يضمن عدم انتهاك حقوق الأفراد. وهو ما يشبه إلى حد ما الأسلوب السلمي، أو قد تنهى بعض أحكام الدستور بسبب تقادمها وعدم إمكانية تطبيقها فتهمل، أو ينشأ حكم جديد يتعارف عليه يكون ملغيا لحكم غير مبني على حكم شرعي ثابت، بشرط أن لا يكون في إلغائه ضرر، وأن لا يكون الحكم الجديد مخالفا لأحكام الشرع.

стр. 67

أما ما اصطلح عليه في الفقه الوضعي بالأسلوب غير العادي أو الأسلوب الثوري ومقتضاه أن توجد ظروف وأوضاع تؤدي إلى إلغاء الدستور أو تعطيله فهذا لا يوجد نظيره في الإسلام فيما يتعلق بالدستور بمعناه الثابت أو العام؛ لأن المسلمين ملتزمون بدستورهم بحكم إيمانهم وعقيدتهم، وتطبيق الدستور دين ملتزمون به، أما فيما يتعلق بالدستور بمعناه الخاص أو الفني فالأمر فيه راجع لأهل الحل والعقد.

стр. 68

[المبحث الثاني مصادر الدستور في الإسلام] [القرآن الكريم هو المصدر الرئيسي للتشريع] المبحث الثاني: مصادر الدستور في الإسلام: اتضح معنا في الباب الأول، أن مصادر الدستور في الأنظمة الوضعية هي: الفقه والقضاء والتشريع والعرف، والكلام في هذا المبحث عن مصادر الدستور في النظام الإسلامي، وذلك لاختلافها عن مصادر الدستور في النظم الوضعية. فمصادر الأحكام في الشريعة الإسلامية تختلف عنها في القانون الوضعي، فمصدر الأحكام في الشريعة هو الوحي المتمثل في القرآن والسنة، وبقية المصادر تابعة للوحي، أما مصادر القانون الوضعي فهي بشرية ومرتكزة على نتاج الفكر البشري المجرد. وقد اختلف الباحثون المسلمون في مصادر الدستور في الإسلام على آراء ثلاثة هي: ١ - أن هذه المصادر هي مصادر الأحكام في الشريعة الإسلامية (١) . ٢ - أن هذه المصادر هي القرآن، ثم السنة "وفق شروط معينة، ثم التشريع الصادر من أولي الأمر في إطار الشريعة الإسلامية، دون غيرها من المصادر (٢) .

стр. 69

٣ - أن هذه المصادر هي مصادر الأحكام في الشريعة الإسلامية مضافا إليها المصادر المأخوذ بها في القانون الوضعي ولكن وفق الشريعة الإسلامية (١) . وسوف نتحدث هنا عن كل مصدر من هذه المصادر على حدة، ونبين رأي العلماء والرأي الراجح في كل مصدر. أولا: القرآن الكريم: يتفق علماء القانون الدستوري الذين تكلموا في مصادر الدستور في الإسلام على أن القرآن الكريم هو المصدر الرئيس والأول للدستور، وأنه جاء فيما يتعلق بالأمور الدستورية بأحكام كلية ومبادئ أساسية، فأغلب ما ورد في القرآن الكريم من أحكام إنما هو أحكام كلية وقواعد عامة تجب مراعاتها في القضاء والاعتماد عليها في الاجتهاد، فلم يتعرض القرآن للتفصيلات أو الجزئيات في الأحكام الشرعية المتصلة بالقوانين؛ لاختلافها باختلاف البيئات وتغيرها بتغير المصالح، تاركا التفصيل في الجزئيات إلى السنة النبوية، والاجتهاد وفق ما تستدعيه المصلحة (٢) . وهذه الأحكام والقواعد الكلية الواردة في القرآن الكريم هي أحكام وقواعد فوق أحكام وقواعد الدستور، وفق المعنى الفني للدستور، فهي قواعد وأحكام فوق دستورية تلتزم السلطة التأسيسية التي تضع الدستور

стр. 70

في كل دولة إسلامية باحترامها، فالدستور قابل للتعديل والتغيير وأحكام القرآن الكريم ليست كذلك (١) . - الآيات الدستورية في القرآن: قررت النصوص القرآنية مبادئ أساسية يقوم عليها كل نظام دستوري عادل وهي الشورى والعدل والمساواة (٢) (٣) وتطرقت بعض الآيات القرآنية لأحكام دستورية معينة، مما يعتبر من المسائل المهمة التي يرجع إليها عند وضع دستور إسلامي. ونذكر فيما يلي بعض هذه الآيات وما قررته في المجال الدستوري: ١ - الآيات المقررة لضرورة الشورى، مثل قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤) . ٢ - الآيات المقررة لمبدأ العدل، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] (٥) .

стр. 71

٣ - الآيات المقررة لمبدأ المساواة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] (١) . ٤ - الآيات المقررة لضرورة الحكم بما أنزل الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (٢) . ٥ - الآيات المقررة لنظام القضاء والتقاضي بين الناس، وأنهم سواء أمام ساحة القضاء، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (٣) . ٦ - الآيات المتضمنة أحكاما للسلم والحرب، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] (٤) وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] (٥) . ٧ - الآيات المتضمنة حقوق الأمة على الحاكم، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٦) . ٨ - الآيات المتضمنة لحقوق الحاكم على الأمة، مثل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (٧) . ٩ - الآيات المتضمنة لحق الحياة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] (٨) .

стр. 72

١٠ - الآيات المتضمنة للالتزام بالمعاهدات والوفاء بها، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] (١) . ١١ - الآيات المتضمنة حق إبداء الرأي، مثل قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٢) وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] ) الآية (٣) . ١٢ - الآيات المتضمنة لحق الملكية، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] (٤) . ١٣ - الآيات المقررة لحرمة المسكن، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] (٥) . ١٤ - الآيات المقررة لحق التكريم للإنسان، والذي تنفرد بذكره صراحة الشريعة الإسلامية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] (٦) . ١٥ - الآيات المقررة لصيانة الأموال العامة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] (٧) . ١٦ - الآيات المقررة لقاعدة الولاء والبراء في الإسلام، وهي ما تقابل في مصطلح الفقه المعاصر الخيانة العظمى مع الاختلاف في المنطلق

стр. 73

والأساس، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] (١) . ١٧ - الآيات المقررة لعدم المساس بأمن المحايدين، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] (٢) . ١٨ - الآيات المقررة لحسن الجوار، مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] (٣) . ١٩ - الآيات المقررة لرابطة الإنسانية وأنها فوق اعتبار الجنس والنوع، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٤) . مما تقدم يتضح أن القرآن قد تضمن مسائل دستورية مهمة، ولكن يجب أن يلاحظ أن الآيات السابق ذكرها ليس المراد من إيرادها الحصر بل التمثيل، وإلا فإن من الممكن استخراج مسائل دستورية أخرى من القرآن الكريم (٥) . أما فيما يتعلق بالأمور المنظمة للشورى، والمحققة للعدل والمساواة وغيرها من تفاصيل الأحكام الدستورية فمتروك لأولي الأمر؛ ليفرعوا

стр. 74

ويفصلوا حسب مقتضيات الحال ومصالح الناس دون أن يصطدموا بحكم تفصيلي شرعه القرآن، مراعين في ذلك تلك الأحكام الكلية، والنصوص الدالة على رفع الحرج، والدالة على إيجاب الوفاء بالعهد، والنصوص التي دلت على أن الأصل في الأشياء الإباحة (١) . [المصدر الثاني للتشريع السنة النبوية] ثانيا: السنة النبوية: تعتبر السنة مصدرا رئيسا من مصادر التشريع، وهي المصدر الثاني للتشريع بالاتفاق، وفي مجال الدستور فإن علماء القانون الدستوري المسلمين المعاصرين متفقون على أن السنة مصدر رئيس للتشريع الدستوري الإسلامي، كما اتفقوا في شأن القرآن، ولكن الاختلاف بينهم في شروط معينة يراها البعض، ويعترض عليها البعض الآخر. فبعض الباحثين (٢) في القانون الدستوري أن سنة الآحاد لا يجوز الأخذ بها في مجال الأحكام الدستورية للاعتبارات التالية: ١ - أهمية الأحكام الدستورية وخطورتها. ٢ - أن سنة الآحاد غير يقينية. ٣ - أنه ليس كل سنن الأحكام الدستورية تعد تشريعا عاما، بل إن هذه السنن بصفتها قاعدة عامة لا تعد تشريعا عاما. وقد رد على الاعتبار الأول، ونوقش (٣) بأن الأحكام الدستورية ليست إلا فرعا من فروع القانون العام، كبقية الفروع، وبالتالي لماذا يكون لها

стр. 75

هذا التخصيص، فما هي إلا جزء من الأحكام العملية التي اتفق الفقهاء على العمل بما فيها، وهي ما تقابل مباحث الإمامة، وأنها عند علماء أهل السنة من أحكام الفروع، ولا يرتفع بها إلى مرتبة الأصول سوى غلاة الشيعة (١) وبالتالي فلا مجال لعدم الأخذ بسنة الآحاد في المسائل الدستورية وأحكامها التي لا شك في أهميتها، ولكن الرسول ﷺ أعمل خبر الآحاد فيما لا يقل خطورة عن تلك الأحكام وذلك مثل إرسال مبعوثين ورسلا إلى الدول المجاورة، وهم آحاد مما قد يترتب عليه سلم أو حرب، بل إن الله تعالى أرسل رسله إلى الناس آحادا (٢) . أما فيما يتعلق بالاعتبار الثاني وهو عدم يقينيتها، فإن هذا الشرط لم يشترطه أحد من الفقهاء في أحكام الفروع، ثم إن عدم شهرة سنن الآحاد لا يعتبر دليلا على عدم صحتها، فلا علاقة بين الصحة والشهرة (٣) . وتقسيم العلماء للسنة إلى متواترة تفيد اليقين، وآحاد تفيد الظن الراجح اعتبار أصولي لا صلة له باعتبارها أساسا لابتناء الأحكام الشرعية (٤) . أما فيما يتعلق بالاعتبار الثالث، وهو أنه لا يمكن اعتبار سنن الأحكام الدستورية تشريعا عاما أو قاعدة عامة، فإنه كلام غير مسلم به على إطلاقه، فسنن الأحكام الدستورية تحتوي على تشريعات كلية وعامة وأخرى تفصيلية ووقتية، فالسنة النبوية تضمنت مبادئ دستورية شرعها الله على لسان نبيه ﷺ بماله من صفة النبوة والتبليغ، وهذا مما يعتبر تشريعا كليا.
следующие страницы →