الصحيحة، وقد احتج بها الفقهاء وبنو عليها الأحكام، كما أن بعضها ورد في مسند أحمد، وسنن أبي داود وابن ماجه والترمذي بطرق مستقلة عن الطرق التي وردت منها الوثيقة (١) ومن ذلك ما يلي:
«عن علي ﵁ لما سئل هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء بعد القرآن، قال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه الله رجلا في القرآن، أو ما في الصحيفة، فقلت: وما في الصحيفة، قال: العقل، وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر» (٢) قال على ﵁: «ما عهد إلي رسول الله ﷺ شيئا خاصة دون الناس، إلا شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي، قال: فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة قال: فإذا فيها من أحدث حدثا أو أوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، قال: وإذا فيها إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة حرام ما بين حريتها، وحماها كله، لا يختلي خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، إلا لمن أشار بها، ولا تقطع منها شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال، قال: وإذا فيها المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» (٣) .
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار، أن يعقلوا معاقلهم وأن يقدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين» (٤) .
стр. 107
وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله، ثم إنه كتب أنه لا يحل أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه، قال روح: يتولى» (١) .
وقال رافع بن خديج ﵁ قال: «إن مكة إن تكن حرما فإن المدينة حرمها رسول الله ﷺ ، وهو مكتوب عندنا في أديم خولاني» (٢) .
عن أنس بن مالك ﵁ قال: «. . . ثم نظر إلى المدينة قال اللهم إني أحرم ما بين لابتيها بمثل ما حرم إبراهيم مكة. .» (٣) .
وعن علي ﵁ قال: «ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فقال فيها الجراحات، وأسنان الإبل، والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا أو أوي محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك، وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك» (٤) .
وعن علي ﵁ قال: « (من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه) فقد كذب، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها قال النبي صلى الله عليه
стр. 108
وسلم: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا) » (١) .
وعن كعب بن مالك ﵁ في قصة قتل كعب بن الأشرف، وقال في آخر الحديث: «. . . ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابا، ينتهون إلى ما فيه، فكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة» (٢) وعن عاصم بن سليمان الأحول قال: قلت لأنس: «أبلغك أن رسول الله ﷺ قال: لا حلف في الإسلام؟ فقال: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في دارى» (٣) .
وفي رواية قال: (سمعت أنس بن مالك يقول: «حالف رسول الله ﷺ في دارنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : لا حلف في الإسلام؟ فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، مرتين أو ثلاثا» (٤) .
وذكر ابن القيم ﵀: «أن الرسول ﷺ صالح اليهود وكتب بينهم وبينه كتاب آمن» (٥) وقال ابن حجر: وذكر ابن إسحاق
стр. 109
أن النبي ﷺ «وادع اليهود لما قدم المدينة، وامتنعوا من اتباعه، فكتب بينهم كتابا» (١) .
وقال ابن القيم ﵀ في أحكام أهل الذمة: «. . . إن النبي ﷺ لما قدم المدينة وادع جميع اليهود، الذين كانوا بها موادعة مطلقة، ولم يضرب عليهم جزية» ، وهذا مشهور عند أهل العلم بمنزلة التواتر بينهم، قال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن الرسول ﷺ لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وهو كما قال الشافعي رحمه الله تعالى، وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكانوا (بنو قينقاع وبنو النضير) حلفاء الخزرج، وكانوا (قريظة) حلفاء الأوس، فلما قدم النبي ﷺ هادنهم ووادعهم مع إقراره لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه حتى أنه عاهد اليهود أن يعينوه إذا حارب، ثم نقض العهد بنو قينقاع، ثم النضير، ثم قريظة.
قال محمد بن إسحاق: وكتب رسول الله ﷺ يعني أول ما قدم المدينة كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليه وشرط لهم. قال بن إسحاق حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال: (أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقرونا بكتاب الصدقة الذي كتب للعمال) (٢) ثم ذكر نحو نص الوثيقة التي نحن بصددها الآن، ثم قال:
стр. 110
(وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم) (١) ثم استشهد بحديث جابر بن عبد الله الذي رواه مسلم «أن رسول الله ﷺ كتب على كل بطن عقولة» والذي ذكرناه سابقا.
ثم قال: " فكل من أقام بالمدينة ومخالفيها غير محارب من يهود دخل في هذا، ثم بين أن ليهود كل بطن من الأنصار ذمة من المؤمنين، ولم يكن أحد من اليهود إلا وله حلف إما مع الأوس أو مع بطون الخزرج، وكان بنو قينقاع وهم المجاورون للمدينة رهط عبد الله بن سلام حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط البطن الذي بدئ بهم في هذه الصحيفة " (٢) .
وبذلك يتبين أن القول بأن الوثيقة موضوعة مجازفة وذلك للأسباب الآتية:
١ - ثبوت المحالفة بين المهاجرين والأنصار، وكتاب الرسول ﷺ في ذلك.
٢ - ثبوت موادعة اليهود، وكتاب الرسول ﷺ في ذلك.
٣ - أن الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة.
٤ - أن الزهري علم كبير من أعلام الرواد الأوائل في كتابة السيرة النبوية.
٥ - أن أسلوب الوثيقة يدل على أصالتها، فنصوصها مكونة من جمل قصيرة وغير معقدة، وفيها كلمات وتعابير كانت مألوفة في العهد النبوي.
стр. 111
٦ - أنه ليس في الوثيقة نصوص تمدح أو تقدح فردا، أو جماعة، أو أي قرينة يمكن القول معها بأنها مزورة.
٧ - التشابه الكبير بين أسلوبها، وأساليب كتب النبي ﷺ الأخرى يعطيها توثيقا آخر.
٨ - أن الأحكام المستنتجة من الوثيقة يمكن استنتاجها من عموميات النصوص الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد التي ذكرنا طرفا منها (١) .
جـ - أهم ما احتوته الوثيقة من أمور دستورية: وقد احتوت هذه الوثيقة على عدة أحكام دستورية أهمها ما يلي:
١ - الإعلان عن قيام الدولة الإسلامية، وأن شعبها يتكون من: مهاجري مكة وأنصار المدينة، مضافا إليهم كل من أبدى استعدادا للتبعية لهذه الوحدة، وخضع لقيادة دولتها من الأقليات الأخرى القاطنة المدينة كما في الفقرة (١) ، والفقرة (٢) .
٢ - نصت الوثيقة على مبدأ الانضمام إلى المعاهدة بعد توقيعها، وهو مبدأ دستوري مهم، ومازال العمل يجري به إلى يومنا هذا، ولعلها أول وثيقة في التاريخ تقر هذا المبدأ (٢) كما في الفقرة (١) والفقرة (١٧) .
٣ - نصت الوثيقة على مواد في التكافل الاجتماعي بين أفراد الدولة، كما في الفقرات من (٣) إلى (١٣) .
٤ - نصت الوثيقة على إقامة العدل، وتنظيم القضاء، ونقله من الأفراد والعشيرة إلى الدولة دون محاباة، ودون السماح لأحد بالتدخل وتعطيل القانون، كما في الفقرة (١٤) .
стр. 112
٥ - قررت الوثيقة مبدأ شخصية العقاب كما في الفقرة (٤٦) والفقرة (٥٦) .
٦ - أوردت الوثيقة نصوصا في بيان مركز الأقليات الدينية، كما في الفقرات (٧١) ، (٢٦) ، (٢٧) ، (٤٣) ، (٤٤) ، (٥٣) .
٧ - أوردت الوثيقة نصوصا في بيان الحقوق، كحق الحياة، كما في الفقرة (٢٣) ، وحق الملكية، كما في الفقرة (٥٨) وحق الأمن والمسكن، والتنقل، كما في الفقرتين (٤٧) ، (٥٨) .
٨ - أوردت الوثيقة نصوصا في بيان الحريات والحقوق كحق احترام عقيدة الآخرين، وعدم الإكراه في الدين، كما في الفقرة (٢٧) ، وبالتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في الفقرة (٤٥) .
٩ - حددت الوثيقة أساس المواطنة في الدولة الناشئة، وهو الإسلام، فأحلت الرابطة الدينية بدلا من الرابطة القبلية، حيث نصت الفقرة (٢) ، من الوثيقة على أن المسلمين أمة من دون الناس، وليس معنى ذلك حصر المواطنة في المسلمين وحدهم، بل نصت الوثيقة على اعتبار اليهود المقيمين في المدينة من مواطني الدولة، وأوضحت حقوقه وواجباتهم (١) كما في الفقرات من (٢٧) إلى (٤١) .
١٠ - عينت الوثيقة أن المرجع عند الاختلاف رئيس الدولة، كمما في الفقرة (٢٥) ، والفقرة (٣٩) والفقرة (٥٠) بمعنى أن الوثيقة حددت سلطة تفسير النصوص.
١١ - قررت الوثيقة مبدأ المساواة كما في الفقرات (١٦) ، (١٨) ، (٢٠) ، (٥٣) ، (٥٤) ، فالناس سواء في الحقوق والواجبات.
стр. 113
١٢ - نصت الوثيقة على عدم جواز إبرام الصلح المنفرد مع أعداء الأمة، كما في الفقرة رقم (١٨) .
١٣ - نصت الوثيقة على مبادئ غير سياسية أو غير دستورية أصلا، وذلك لإعطائها أهمية ومكانة، ولإلزام أطراف هذه الوثيقة بالنزول على حكمها، وذلك لإعطائها سمو ومكانة ليست لأحكام القانون العادي، ولمنحها شيئا من الثبات، وذلك لأهميتها حين وضع الوثيقة، كما في الفقرات (٢٣) ، (٢٤) ، (٤٦) ، (٢٦) ، فهذا أمر متعارف عليه حاليا في الدساتير الحديثة.
١٤ - أبقت الوثيقة على بعض الأعراف القديمة، التي كان العرب متعارفين عليها قبل الإسلام كما في الفقرات (٣) وما بعدها فنشؤ الدولة الإسلامية لم يؤد إلى الإلغاء لوظائف القبيلة الاجتماعية، ذلك أنها لم تكن شرا كلها (١) .
والحقيقة أن هذه الوثيقة جاءت واضحة في نصوصها على غير مثال سبقها، وشملت نصوصها أغلب ما احتاجته الدولة الناشئة في تنظيم شؤونها السياسية، وتتضح دقة صياغة هذه الوثيقة، من خلال النظر في نصوص المعاهدات الدولية، والدساتير في العصر الحديث، وما تثيره نصوصها من خلاف في المعنى والتطبيق (٢) .
[المكاتبات والعهود مع القبائل العربية حتى صلح الحديبية]
٣ - المكاتبات والعهود مع القبائل العربية حتى صلح الحديبية: تعتبر المعاهدات بين دولتين أو أكثر أو بين دولة وطرف آخر من الأمور الدستورية، كما هو مستقر في القانون الدستوري المعاصر.
стр. 114
ففي الدولة الإسلامية الأولى، سعى رسول الله ﷺ خلال العام الأول للهجرة إلى إقرار الأمن والنظام في المدينة، وبعد أن نجح في ذلك توجه نظره خارج المدينة، حيث قريش عدو الإسلام الأول، فكان أن بدأ بإعلان قريش عدوا لدولة المدينة وحرم أي تعامل معها، حيث بدأ بإرسال سلسلة من الحملات العسكرية غرضها قطع الطريق، على قوافل مكة وهي في طريقها من الشام، وبالإضافة إلى ذلك سعى إلى عزل قريش سياسيا، وذلك بعقد معاهدات دفاعية مع القبائل المحيطة بالمدينة، والتي تخترق قوافل قريش أراضيها، فكسبت الدولة الإسلامية إلى جانبها في السنوات الأولى من الهجرة، عددا من القبائل (١) وهي بني ضمرة (٢) وجهينة (٣) وخزاعة (٤) وغفار (٥) وأسلم (٦) وتضمنت هذه المعاهدات نصوصا بعدم الاعتداء من أي طرف على آخر، والأمن على الأنفس والأموال.
ومن تلك المعاهدات، معاهدة بني ضمرة، وذلك أن رسول الله ﷺ سار في أول غزواته حتى بلغ ودان (٧) وهي غزوة الأبواء (٨) يريد قريشا وبني ضمرة، فوادعته قبيلة بني ضمرة، وكان الذي عاهده منهم سيدهم مخشى بن عمرو الضمري (٩) وكتبت هذه المعاهدة
стр. 115
على شكل كتاب جاء فيه (بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم وأن لهم النصر على من دهمهم بظلم وعليهم نصر النبي، ما بل بحر صوفه (١) إلا أن يحاربوا في دين الله، وأن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله ولهم النصر على من بر منهم واتقى) (٢) .
هذا الكتاب يقر أمورا دستورية هي: الأمن على الأموال، والأنفس، والنصر في مواجهة العدو، ونصر هؤلاء الحلفاء في حالة الاعتداء عليهم وهو ما يسمى اليوم بمعاهدة الدفاع المشترك، أو الحلف الدفاعي.
ومن المعاهدات المهمة في عهد الرسول ﷺ صلح الحديبية، الذي حدث بين الرسول ﷺ وقريش، وذلك حين قدم من المدينة معتمرا، لا يريد حربا، وساق معه الهدي، لكن قريشا ذعرت من هذا الزحف المباغت من المسلمين، وفكرت بجد في منع المسلمين من دخول مكة مهما كلف الأمر؛ لأنها رأت أن دخول المسلمين مكة واعتمارهم بعد كل ما وقع بينهم من حروب ودماء سيؤدي إلى نزع مهابتها من قلوب الناس، وفي الوقت نفسه عرفت قريش أن قتالها للمسلمين لردهم عن البيت ليس لها فيه حجة أمام نفسها وأمام أحلافها، لا سيما وأن المسلمين لا يريدون حربا؛ لذلك سيرت قريش الوسطاء يفاوضون الرسول ﷺ لعلهم ينتهون معه إلى مخلص من هذه الورطة (٣) إلى أن انتهى الأمر بأن بعثت قريش سهيل بن عمرو (٤)
стр. 116
حيث تكلم مع الرسول ﷺ وأطال الكلام وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح، وتم بعد ذلك تدوين المعاهدة بين المسلمين وقريش، يمثل الدولة الإسلامية قائدها رسول الله ﷺ ويمثل قريش سهيل بن عمرو وكانت صيغة المعاهدة المتفق عليها ما يلي:
(هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه: وأن بيننا عيبة مكفوله (١) وأنه لا إسلال ولا إغلال (٢) وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وإنك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب، والسيوف في القرب لا تدخلها بغيرها (٣) .
يستنتج من هذه المعاهدة وضوح الرؤية السياسية لدى الرسول ﷺ فقد أتى أمرا قد يرى في ظاهره مخالفة للتوجه الديني، والدليل أن بعض الصحابة قد دهش لملاينة الرسول ﷺ لأعدائه وكان الأولى القسوة، ثم إنه لم يستشر أصحابه في شأن المعاهدة، ولكن بعد نظر الرسول ﷺ وترجيحه للمصلحة الأكبر وامتثاله لأمر ربه، حيث أوحى الله إليه بفعل ذلك، كل
стр. 117
ذلك جعله يدرك أن هناك مصلحة، وإن لم تدرك في الحال، كما يستفاد من الحادثة أن الحاكم المسلم إذا رأى في أمر معين ترجيحا للمصلحة ودرءا للمفسدة، فإن عليه أن يتخذ قرارا بما يوافق المصلحة، ومما لا شك فيه أنه ليس هناك إصابة لعين المصلحة أو المفسدة لغير رسول الله ﷺ وإنما يكون الحكم على غلبة الظن.
[المكاتبات والعهود مع الملوك خارج جزيرة العرب]
٤ - المكاتبات والعهود مع الملوك خارج جزيرة العرب: تختلف هذه المعاهدات عن سابقتها بأنها على مستوى الدول حيث إن الرسول ﷺ كاتب دولا أخرى أجنبية، أما المعاهدات السابقة فكانت مع أطراف خارج الدولة الإسلامية لا يمكن اعتبارها دولا؛ لعدم توافر أركان الدولة في أي منها، هي القبائل العربية، وليس الهدف من المكاتبات والمعاهدات في عهد رسول الله ﷺ هو التوسع السياسي، بل الهدف الرئيس هو تبليغ الدعوة وإيصال هذا الدين إلى الناس كافة.
كاتب رسول الله ﷺ ملوك وأمراء الدول الأجنبية يطالبهم وشعوبهم بالدخول في الإسلام، فكتب إلى هرقل، والنجاشي، والمقوقس، وكسرى، وملك البحرين، وأمير الغساسنة، وملك اليمن، وحاكم اليمامة، فمنهم من أسلم، ومنهم من اعترف بالدولة الإسلامية، ومنهم من مزق الكتاب، ومنهم من قتل مبعوث الرسول ﷺ ، والمكاتبة بين رئيسي دولتين من الأمور الدستورية، واعتراف الدول الأخرى بدولة ما يعطي هذه الدولة مكانة دستورية أكبر.
وذكر ابن سعد (١) أن الرسول ﷺ لما رجع من الحديبية أرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتبا، وأشار
стр. 118
عليه بعض أصحابه ببعض الأمور التي تتخذ لتكون العلاقة رسمية بين الدولتين مثل ختم الكتاب، وذلك أن الملوك لا يقرؤون كتابا إلا مختوما، فاتخذ رسول الله ﷺ يومئذ خاتما من فضة، فصه منه، نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، وختم به الكتب، فخرج ستة نفر من هؤلاء الرسل في يوم واحد، كل رسول يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم.
ومن أمثلة ذلك ما كتبه رسول الله ﷺ إلى هرقل ملك الروم، وجاء فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد: عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (١) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (٢)(٣) .
[الاتفاقيات مع اليهود والنصارى]
٥ - الاتفاقيات مع اليهود والنصارى: وضع الرسول ﷺ عدة اتفاقيات مع أهل الكتاب، وتعتبر هذه الاتفاقيات من الوقائع الدستورية في العصر النبوي، وذلك حسب المستقر في نظريات الفقه الدستوري، ومن الأمثلة على تلك الوقائع تلك الاتفاقية بين رسول الله ﷺ وأهل أيلة (٤)
стр. 119
والتي منح فيها أهل أيلة ومن معهم من أهل الشام واليمن وأهل البحر الأمان الكامل، حيث كانت أيلة نقطة استراتيجية على البحر يجتمع فيها الناس من كل مكان، كما أن الاتفاقية تنظم الأمن الداخلي لتلك المدينة، حيث نصت على أن من أحدث من هؤلاء المذكورين حدثا أي أرتكب جرما يحل دمه وماله.
ومن الوقائع كذلك اتفاقية مقنا (١) والموجهة في شكل خطاب من الرسول ﷺ إلى أهل مقنا وبني جبنة (٢) الذين قبلوا مواد هذه الاتفاقية (٣) .
[وقائع الشورى]
٦ - وقائع الشورى: تعتبر الشورى مبدأ مهما من مبادئ نظام الحكم في الإسلام، وتهدف الشورى إلى تحري المصلحة العامة، ومشاركة الأمة للقائد في اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون الحكم، حيث تظهر أفضل الحلول للمسائل محل الشورى من خلال مقابلة الآراء بعضها ببعض ونقدها وتمحيصها، وتبين أسباب الخلاف، وإيجابيات كل رأي وسلبياته، وتبرز ضرورة الشورى في أنها تساعد على ترابط واتحاد المجتمع المسلم، لإحساس أفراده بقيمتهم في اتخاذ القرار، وتساعد كذلك على التزام المسلمين بطاعة أولي الأمر منهم، الذين أتاحوا لهم فرصة تداول الرأي في الأمور العامة، وكانت الشورى إحدى دعائم الحكم في العهد النبوي، حيث أمر الله رسوله بمشاورة المسلمين بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٤)
стр. 120
وقوله ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨] (١) وقد طبق رسول الله ﷺ مبدأ الشورى في مواقف كثيرة، وسأتعرض فيما يلي لبعض وقائع الشورى وتطبيقاتها في العهد النبوي:
أ - ما حدث في غزوة بدر حين نزل الرسول ﷺ بجيش المسلمين عند أول ماء وجده، فقام إليه أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر ﵁ وقال له: يا رسول الله، هذا المنزل الذي نزلته، منزل أنزلك الله إياه، فليس لنا أن نجاوزه أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: بل منزل نزلته للحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، ليس بمنزل، ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب ونسقي الحياض، فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فقال له الرسول ﷺ : لقد أشرت بالرأي وسار بالجيش إلى المكان المشار به (٢) .
ب - مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه في شأن أسرى بدر، حيث أشار عليه أبو بكر الصديق ﵁ باستبقائهم واستتابتهم أو فك أسرهم وافتدائهم بالمال، وأشار عمر ﵁ بضرب أعناقهم، فأخذ الرسول ﷺ برأي أبي بكر، ولكن الله عاتب نبيه على ذلك (٣) .
جـ - وتبرز صورة الشورى في أروع معانيها في مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه في أمر الخروج لملاقاة الأعداء في غزوة أحد،
стр. 121
حيث نزل الرسول ﷺ على رأي الأغلبية، وهو الخروج لملاقاة العدو، وعدم البقاء في المدينة، بينما كان رأي الرسول ﷺ الشخصي هو البقاء في المدينة للدفاع عنها بدلا من الخروج، فلما رأى البعض أنهم قد أكرهوا الرسول على الخروج، وأرادوا التراجع عن رأيهم، رفض الرسول ﷺ ذلك؛ لأن الأمر قد قطع بالشورى وقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» (١) .
د - ومن وقائع الشورى في العهد النبوي حفر الخندق في غزوة الأحزاب حيث كان من نتيجة مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه أن اقترح سلمان الفارسي ﵁ حفر الخندق، فأخذ رسول الله ﷺ بهذا الرأي.
هذه نماذج من تطبيقات الشورى في عهد رسول الله ﷺ في أمور عامة ذات صبغة سياسية وعسكرية مهمة مما هو من صميم الموضوعات الدستورية.
[إعلان الحرب]
٧ - إعلان الحرب: يعتبر إعلان الحرب من الأمور التي لها شأن في أي دولة من الدول، ويعد من الأمور الدستورية، وقد وقعت عدة وقائع لهذا الأمر في العهد النبوي، وتمهيدا لخوض الحروب في سبيل تبليغ دين الله إلى الناس كافة عمد رسول الله ﷺ إلى إعداد قواته المسلحة إعدادا قويا في ثلاثة ميادين هي:
стр. 122
أ - القوة البشرية حيث جعل المسلمين كلهم جيشا للدولة الإسلامية.
ب - الإعداد المعنوي، ويبنى على أركان ثلاثة هي:
- إيمان الجيش بقضيته التي يقاتل من أجلها.
- تحقيق كرامة المواطن في دولة الإسلام.
- التربية الخلقية، بهجر الفواحش والإقبال على الله.
جـ - إعداد السلاح والعتاد الحربي، حيث شجع رسول الله ﷺ على اقتناء الخيل وتربيتها، وعلى الرماية وإجادتها والتمرن عليها، كما عمل على إعداد وتصنيع السلاح محليا، وأرسل بعض أصحابه لتعلم صناعة الأسلحة في جرش (١) .
وأرسل الرسول ﷺ بعض السرايا (٢) بقيادة بعض أصحابه، كسرية حمزة إلى شاطئ البحر (٣) وسرية سعد بن أبي وقاص لاعتراض عير قريش (٤) وقاد بعض الغزوات ﷺ بنفسه كودان (٥) وبواط (٦) والعشيرة (٧) وبدر الأولى (٨) حيث كان الهدف منها إرباك العدو باعتراض قوافله، وعقد موادعة مع بعض قبائل
стр. 123
العرب، ليسهل مواجهة بقية الأعداء؛ إلى أن كانت غزوة بدر الكبرى بين الجيش الإسلامي وقريش، ثم أحد كذلك، ثم بقية الغزوات والمعارك التي خطط لها وأعلنها رسول الله ﷺ على أعداء الدولة الإسلامية، الذين وقفوا أمام تبليغ دين الله وعادوه وذلك بصفته رئيسا أعلى للدولة الإسلامية.
[وقائع دستورية متفرقة]
٨ - وقائع دستورية متفرقة: بالإضافة إلى ما ذكر من وقائع وتطبيقات دستورية فإن العهد النبوي مليء بالتطبيقات الدستورية التي يضيق المجال عن حصرها، ونشير إلى أمثلة منها حدثت في العهد النبوي، نتيجة لاكتمال بناء الدولة الإسلامية ومباشرتها لمهامها الدستورية في مختلف شؤونها، ومن هذه الأمور:
أ - تنفيذ حدود الله.
ب - تنظيم القضاء، وإرسال القضاة إلى الأقاليم.
جـ - تعيين الولاة.
د - تنظيم الموارد المالية للدولة، عن طريق جباية الزكاة والجزية والغنائم.
هـ - استقبال الوفود الرسمية من خارج الدول الإسلامية الراغبين في الموادعة أو الراغبين الدخول في الإسلام، وكانت هذه الوفود رمزا لقبائلهم أو دولهم.
و إنفاذ السفارات إلى العالم الخارجي، حيث تم بذلك وضع أساس للعلاقات الدولية عندما تكون الدولة الإسلامية طرفا فيها.
ز - عمومية التعليم لجميع رعايا الدولة، والحرص على نشره، وإرسال المعلمين إلى الأقاليم (١) .
стр. 124
[المبحث الثاني تطبيقات دستورية في عهد الخلفاء الراشدين]
[عدم تدوين السنة]
المبحث الثاني: تطبيقات دستورية في عهد الخلفاء الراشدين: لم يلحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى إلا بعد أن ربى أصحابه تربية كاملة، تؤهلهم لمواصلة المسيرة؛ لنشر دين الله في الأرض، تحت ظل الدولة الإسلامية التي أنشأها الرسول ﷺ فسار الصحابة من بعده على المنهج الذي اختطه لهم ﷺ فكانوا بذلك أفضل الأمة من بعده ﷺ ؛ لتربيتهم على يده وحرصهم الشديد على اقتفاء أثره ﷺ في كل شؤونهم، فكان عصر الخلافة الراشدة الذي توالى فيه أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي ﵃ أجمعين استمرارا لعهد الرسول ﷺ ، فقد سار الخلفاء الأربعة على منهاج النبوة واتخذوا ما كان عليه العمل في عهد رسول الله ﷺ قاعدة لهم، واجتهدوا فيما استجد من وقائع ضمن إطار من الكتاب والسنة، واستمروا في نشر دين الله في الأرض، فتوسعت الدولة الإسلامية، وواجهوا أوضاعا ووقائع لم تكن موجودة في عهده ﷺ فاجتهدوا فيها على هدى من كتاب الله وسنة رسوله ومشاورة لأصحابه ﵃.
ويختص هذا المبحث بذكر بعض الوقائع الدستورية في عهد الخلفاء الراشدين الذي يعتبر بعد عهد النبوة الأساس العملي الثاني في بناء النظام السياسي الإسلامي، حيث تكونت من قواعد وتطبيقات العهد النبوي واجتهادات وتطبيقات هذا العهد سوابق دستورية، تعد معيارا للحكم على ما تلا ذلك من العهود من تطبيقات عملية، وأساسا لكافة الآراء المتعلقة بالجانب السياسي والدستوري من حياة المسلمين، فهذه السوابق الدستورية - فيما يتعلق بالثوابت منها - تعتبر ملزمة للمسلمين
стр. 125
في كل وقت، وما كان من المتغيرات فلا إلزام فيه؛ لأن الحكم فيما يتعلق بالمتغيرات يختلف حسب الظروف والمصلحة، وهذا متسق مع طبيعة التشريعات الإسلامية كلها، في اتسامها بالمرونة والصلاحية للتطبيق، عن طريق البناء على أسسها، والتخريج على أحكامها في كل العصور، ونعرض في هذا المبحث بعض الوقائع التطبيقية الدستورية في عهد الخلفاء الراشدين ﵃.
١ - عدم تدوين الدستور: استقر العرف الدستوري في عهد الخلفاء الراشدين، على عدم وجود دستور مدون في شكل وثيقة واحدة، تحوي كافة الأحكام الدستورية، وذلك أن العمل الدستوري استمر في هذا العهد بناء على قواعد دستورية ثابتة في الكتاب والسنة، وبناء على الاجتهاد فيما يستجد من حوادث في إطار الكتاب والسنة، فأبو بكر ﵁ لم يدون دستورا للدولة الإسلامية في عهده، واكتفى بالميراث النبوي وبالاجتهاد والشورى فيما يستجد من وقائع، وكذلك عمر اكتفى بالميراث السابق لعهده، وهكذا عثمان وعلي ﵃ جميعا.
ولا يمكن اعتبار أحكام الدستور هذه أحكاما عرفية، أو أن يكون الدستور عرفيا لعدم التدوين؛ لأن الأساس والمرجع لهذا الدستور هو شرع الله، وما كان فيه من بعض الجزئيات فإنما تكون من باب الوسائل، فإنه قد يستقر العرف على حكم أو أحكام منها ويجرى العمل به.
ولكن هذا لا يجعل الدستور في النظام الإسلامي دستورا عرفيا كما يرى البعض (١) .
стр. 126
فالدستور العرفي هو الذي يكون العرف مصدرا له، والدستور في النظام الإسلامي مصدره الوحي وما انبثق عنه من مصادر، وبالتالي فلا يمكن اعتباره دستورا عرفيا، كما قد يتبادر إلى الذهن لكونه غير مدون فقط، والذين نحوا هذا المنحى استخدموا المصطلحات الدستورية الغربية دون تمحيص، إذ أنه وفق هذه المصطلحات الغربية إذا لم يكن الدستور مدونا عد دستورا عرفيا، كما في بريطانيا مثلا، فاستخدام المصطلحات الغربية على عواهنها غير مسلم به، فالظروف والمتغيرات الحضارية والسياسية تختلف في النظام الإسلامي عنها في النظم الغربية، ففي النظام الإسلامي هناك الشريعة الإسلامية التي يحتكم إليها الجميع، وهي الأساس لكافة الأحكام الدستورية منها وغيرها، أما في النظم الغربية فأساس التشريع هم البشر، سواء عن طريق التشريع العادي، أو العرفي، أو القضائي، أو الفقهي، وبالتالي فلا يعتبر الدستور في الإسلام بأي حال دستورا عرفيا بالمصطلح الغربي.
وتدوين الدستور وعدمه أمر يرجع لظروف كل دولة، ففي عصر الخلفاء الراشدين لم يكن هناك ضرورة لتدوين الدستور؛ لقرب الناس من العهد النبوي ولالتزام الجميع التزاما ذاتيا بأحكام الشرع، وهذا بحد ذاته يعتبر ميزة دستورية لهذا العصر، وليس معنى عدم وجود الدستور المدون أن الدولة غير قانونية؛ لأن المقصود بوجود الدستور - مقوما للدولة القانونية - هو وجود القواعد الدستورية أو الأساسية التي تحكم أمور الدولة الرئيسة، وما يتعلق بالسلطات وحقوق الأفراد سواء أدونت هذه القواعد في وثيقة واحدة، أم لم تدون في هذه الوثيقة، كما يجب أن نفرق هنا بين مصطلحي الدستور العرفي والعرف الدستوري، فالدستور العرفي يخص الدول التي لم تدون القواعد الدستورية فيها في وثيقة مكتوبة تجمعها ويعد العرف هو المصدر الرئيس للقواعد الدستورية فيها، أما
стр. 127
العرف الدستوري فينصرف إلى مجموعة القواعد الدستورية التي تتولد عن العادات والسوابق في ظل دستور دولة معينة (١) والعرف الدستوري قد يوجد في ظل النظام الدستوري الإسلامي فقد تتكون عادات وسوابق دستورية في ظل دستور هذه الدولة الإسلامية، سواء أكان دستورها مدونا أم غير مدون.
[الخلافة والبيعة]
٢ - الخلافة والبيعة: لعل من أهم الوقائع الدستورية في عهد الخلفاء الراشدين ﵃ أمر الخلافة والبيعة، حيث لم يحدد الرسول ﷺ الطريقة التي تتبع في اختيار الحاكم، وإنما اكتفى بإيضاح القواعد العامة التي يجب أن تراعى، وبين بسنته القولية والعملية المثل العليا التي يجب على الحاكم والمحكومين الالتزام بها، دون ذكر تفاصيل نظام الحكم، إذ أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية وغيرها متغيرة ومتبدلة من زمن لآخر، وهي بلا شك مؤثرة في النظام السياسي.
وبناء عليه فإن على المسلمين في كل عصر تحديد ما يصلح لذلك العصر في إطار القواعد الرئيسة، والمثل العليا، والمبادئ التي جاء بها الإسلام، فالصحابة رضوان الله عليهم واجهوا بعد وفاة الرسول ﷺ أمر الخلافة بحزم وعزيمة، حتى استقروا على رأي واحد، حتى أنهم - خوفا من أن ينفلت زمام الأمر قدموا البحث فيه على دفن الرسول ﷺ وتجهيزه؛ مراعاة للمصلحة وتقديما للأهم قبل المهم.
لقد بادر الأنصار إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعدة لبحث أمر رئاسة الدولة بعد وفاة الرسول ﷺ فعلم بذلك
стр. 128
المهاجرون، وأسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيد ﵃ للقاء إخوانهم من الأنصار للمشاركة في اتخاذ القرار، فكان النقاش بينهم الذي يمكن بلورته في آراء ثلاثة هي:
أ - رأي الأنصار بأحقيتهم في الخلافة.
ب - رأي المهاجرين، وعبر عنه أبو بكر، وهو الاعتراف بفضل الأنصار، ولكن هذا الفضل لا يلزم أن تكون الخلافة فيهم، ثم ذكر فضل المهاجرين إلى أن قال: " إن العرب لن تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا " (١) أي أن الأمر لا بد أن يكون في قريش.
جـ - الرأي الثالث هو رأي الحباب بن المنذر - وهو من الأنصار - يرى بأن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير.
ودار النقاش بين المجتمعين في أروع صورة للشورى، حيث تكلم كل فريق بما يراه وما يسند رأيه من حجج، وبصراحة تامة لا لبس فيها، بحيث لا يبقى مجال لبس عند اتخاذ القرار، ولم يكن ما حدث في الحقيقة نزاعا من أجل السلطة، أو انتصارا للرأي الشخصي المجرد، بل على العكس من ذلك فهي الشورى بعينها التي حض عليها الإسلام ومدح الله المسلمين بها.
ويشبه بعض الباحثين (٢) اجتماع السقيفة بجمعية تأسيسية قامت بوضع مستقبل الأمة السياسي.
وبعد مداولة الرأي استقر رأي المجتمع على اختيار أبي بكر الصديق ﵁ خليفة للمسلمين، وتمت البيعة له ممن حضر الاجتماع،
стр. 129
وهي البيعة الخاصة، وفي اليوم التالي تمت البيعة العامة في المسجد النبوي لأبي بكر من قبل المسلمين في المدينة.
واستمر بعد ذلك نظام رئاسة الدولة مع اختلاف صورة اختيار الخليفة، أو الإمام أو الملك أو الأمير، وكان اختيار رئيس الدولة يتم عن طريق البيعة التي تتم بإحدى طرق أربع (١) هي:
أ - الاختيار، كاختيار أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب ﵄.
ب - الاستخلاف، كاختيار عمر ﵁.
جـ - الاختيار بين معينين، كاختيار عثمان ﵁.
د - ولاية العهد، كما في الدولة الأموية والعباسية.
ويمكن تلخيص النقاط التي تستنتج من وقائع اختيار الخليفة والبيعة في عهد الخلفاء الراشدين في النقاط التالية:
أ - تأكيد أن أمر اختيار الخليفة أو رئيس الدولة الإسلامية متروك للمسلمين، يقررون فيه ما يلائم مصالحهم.
ب - تكريس تطبيق مبدأ الشورى دون تحديد طريقة معينة بذاتها، ويتضح هذا من خلال اختيار الخلفاء الراشدين ومبايعتهم.
جـ - تحديد تسمية الخلافة، لتكون هذه التسمية في ذلك الوقت علما على هذا النظام المتميز بالاقتداء برسول الله ﷺ ، وقد حدد الفقهاء مدلول الخلافة: بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا (٢) .
стр. 130
د - الشعور بأهمية القيادة السياسية فإن اختيار أبي بكر ﵁ تم بأسرع وقت، بل وحتى قبل دفن الرسول ﷺ ، حيث كره أصحاب رسول الله أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة، فكان هذا الوعي السياسي في اجتماع كلمة المسلمين وتجنب الفتن والخلاف.
بالإضافة إلى أن وجود القيادة السياسية يكفل استمرار مسيرة الدعوة الإسلامية التي بدأها الرسول ﷺ ويجعل الدولة (سندا للدين) (١) .
[الخطابات والعهود]
٣ - الخطابات والعهود: من تلك الوقائع التي تعتبر دستورية في طبيعتها بعض الخطابات الموجهة من الحكام لأفراد الأمة، والتي تعتبر ميثاقا يبين منهج الحاكم السياسي وكذلك العهود والمواثيق الموجهة من الحكام إلى الولاة إلى الدول الأجنبية، ونجد عصر الراشدين مليء بالأمثلة على هذا الضرب من الوقائع الدستورية، ومن أمثلة ذلك الخطبة التي ألقاها أبو بكر الصديق ﵁ غداة مبايعته خليفة للمسلمين، حيث قال: " أما بعد، أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة: والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه (٢) إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله (٣) .
стр. 131
هذا الميثاق الذي أعلنه أبو بكر ﵁ غداة تسلمه مهام منصبه خليفة للمسلمين، يعتبر وثيقة دستورية هامة في تاريخ الدولة الإسلامية فهو على قصره من جوامع الكلم، أوضح فيه أبو بكر طريقته التي سيسير عليها في الحكم، ومنهجه السياسي الذي اختطه لنفسه بعد مبايعته إماما للمسلمين، ويمكن أن يستنتج من هذا الميثاق بعض الأمور الدستورية منها ما يلي:
أ - من حق الحاكم على الرعية إعانته عند سيره سيرا صحيحا.
ب - من حقه أيضا النصح له وبيان ما عليه من أخطاء عندما يسيء استخدام سلطته كأي فرد من المسلمين، وهذا المبدأ فيه إقرار لحقوق الرعية.
ب - الحض على بعض الأمور الأخلاقية من الصدق وعدم الكذب وعدم انتشار الفواحش، هذه الأخلاقيات التي تشكل سياجا لبناء الأمة وأساسا لبقائها.
د - المساواة بين الرعية والعدل بينهم في الحقوق والواجبات.
هـ - الحث على الجهاد الذي هو أساس عزة الأمة وكرامتها.
و إعلانه أن حقه في طاعتهم له مرتبط بالتزامه بطاعة الله، فإن عصى الله سقط هذا الحق عنهم، وهذا تكريس لقاعدة دستورية إسلامية عظيمة وهي أن طاعة الرعية للراعي مقيدة بطاعة الله وليست مطلقة وذلك يؤدي إلى صيانة حقوق الرعية من الاستبداد والتسلط والظلم وهو ما تدعو إليه النظم الدستورية المعاصرة، حيث نلحظ سبق النظام الدستوري الإسلامي لهذه النظم.
ومن الوقائع الدستورية كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري عندما ولاه القضاء في البصرة، والمشهور بكتاب سياسة القضاء
стр. 132
وتدبير الحكم (١) الذي يشرح له فيه سياسة القضاء والفصل بين الناس والقواعد المتبعة في هذا الشأن، وقد عده العلماء قاعدة وأساسا في تنظيم السلطة القضائية.
من هذا الضرب أيضا المعاهدات التي تمت بين الدولة الإسلامية والأقليات الأخرى من أهل البلاد المفتوحة، مثل معاهدة أهل أصبهان في عهد بن الخطاب ﵁ التي تنص على ما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب من عبد الله للفاذ وسنان وأهل أصبهان وحواليها إنكم آمنون ما أديتم الجزية بقدر طاقتكم في كل سنة، تؤدونها إلى الذي يلي بلادكم عن كل حالم (٢) ودلالة المسلم، وإصلاح طريقه، وقراره يوما وليلة، وحملان الراجل إلى مرحلة (٣) لا تسلطوا على مسلم، وللمسلمين نصحكم، وأداء ما عليكم، ولكم الأمان ما فعلتم، فإذا غيرتم شيئا أو غيره منكم ولم تسلموه فلا أمان لكم، ومن سب مسلما بلغ منه (٤) فإن ضريه قتلناه (٥) .
هذا العهد أو المعاهدة وأمثالها من الأمور الدستورية بطبعها وذلك لأهميتها، وتوضح هذه المعاهدة في فقراتها الحقوق والواجبات لكل طرف من أطراف المعاهدة.
стр. 133
[التجديدات الإدارية]
٤ - التجديدات الإدارية: توسعت الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، نتيجة للفتوحات التي حدثت في سبيل تبليغ الإسلام، وواجه المسلمون حضارات أخرى قائمة ومتكاملة بنظمها السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والعقدية وغيرها بما تحتويه هذه النظم من قوانين ومراسم وهيئات وأوضاع معينة.
ولقد واجه المسلمون هذه الحضارات بما يملكونه من مبادئ إسلامية، وعقيدة ربانية، هي أس الحضارة ومعينها الأصيل، فأثروا فيها وأثروها، بما جعل إنجازاتها المادية وسيلة لمرضاة الله وأحدث ذلك تناسقا بين الكون، ومسيرة الحياة الإنسانية بارتباطها بقانون الله خالق الكون وخالق الإنسان.
ودولة الإسلام الأولى ليست دولة بدائية أو بدوية أو صحراوية، بل هي دولة قامت على أساس الحضارة ومنطلقها، وتستند إلى الإسلام بعقيدته وشريعته التي شرعها الله لتكون هادية، ومصلحة للبشر في حياتهم وتعاملهم مع أنفسهم ومع الكون بآياته وخزائنه، والدليل على إقامة هذه الدولة لحضارة الإسلام الصافية أنها حينما واجهت تلك الحضارات القائمة استوعبتها وأخذت منها ما يمكن أن تستفيد منه، دون المساس بجوهر الإسلام، بغض النظر عن مصدرها، بل خدم فيها أصحاب هذه الحضارات - بعد إسلامهم - وأخلصوا لها وأصبحوا من المبرزين في شتى مجالاتها ومن حملة لوائها في تبليغ دعوة الله مثلهم تماما مثل العرب أهل هذه الحضارة الأوائل، فهي دولة عادلة ليس لها هدف سوى تبليغ دعوة الله إلى خلقه، فلو كانت دولة بدائية لانصهرت في هذه الحضارات، كما حدث للرومان عندما تغلبوا على اليونانيين ولم يكن
стр. 134
معهم أي مقوم للحضارة سوى القوة فقط، فما لبثوا أن ذابوا في الحضارة اليونانية وتغلبت على عقلياتهم، وانصبغوا بصبغتها.
وعلى العكس من ذلك، فالدول الاستعمارية في العصر الحديث - حيث كان هدفها هو مصلحتها الذاتية فقط - امتصت خيرات الشعوب واستعبدتهم لخدمة مصالحها وأغراضها، وأورثت لهم التخلف والفقر والجهل والمرض، غير آبهة بأهل تلك البلاد وبكرامتهم، ولا بأدنى مستوى للكرامة الإنسانية.
ونتيجة لتوسع الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين، ونتيجة للاتصال بحضارات أخرى أحدثت بعض التجديدات الإدارية في الدولة الإسلامية، لمواجهة متطلبات التوسع وامتداد أقاليم الدولة، واستفادت مما توصل إليه الآخرون من وسائل لا تمس جوهر الإسلام.
والذي يذكر في هذا المجال أن المنهج الإداري الذي سلكه أبو بكر الصديق ﵁ كان مقاربا لما كان عليه العمل في العهد النبوي؛ وذلك لعدم تغير الظروف والأوضاع تغيرا كبيرا يتطلب تغيير تلك النظم، ولانصراف أبي بكر إلى تثبيت قواعد الحكم الإسلامي في الجزيرة العربية، وإخماد فتن المرتدين، فيمكن اعتبار العهد النبوي عهد تأسيس الدولة ويعتبر عهد أبي بكر عهد تثبيت قواعد الدولة. ونشر سلطانها السياسي (١) .
ومن أهم التطبيقات الإدارية في عهد أبي بكر توليته القضاء لعمر، وبيت المال لأبي عبيدة، وتقسيمه شبه الجزيرة إلى ولايات، حيث وضع في كل ولاية أميرا يؤمهم في الصلاة، ويقضي بينهم، ويقيم فيهم الحدود (٢) .
стр. 135
وتميز عصر عمر بن الخطاب ﵁ بوضع الأنظمة الإدارية للدولة، وتطوير طرق الحكم فيها، وتطوير وسائله وأساليبه، ومن ذلك ما يلي:
أ - محاسبة الولاة على ما في حوزتهم من المال فإذا زاد ما في يد الوالي عما كان عليه قبل الولاية زيادة فاحشة، قدر مرتباته وحقه في الغنائم وأخذ الفائض إلى بيت المال، وهو ما يمكن أن يطلق عليه نظام (من أين لك هذا؟!) .
ب - جعل عمر ﵁ القاضي غير الوالي في بعض الولايات؛ لظروف وأحوال معينة، فكان أول من دفعه من الوالي إلى غيره وفوضه فيه، فولى أبا الدرداء معه بالمدينة قاضيا، وولى شريحا وقيل: كعب بن سورة قضاء البصرة، وكان واليها أبا موسى الأشعري، وولى أبا موسى الأشعري وقيل: شريحا قضاء الكوفة، وكان واليها المغيرة بن شعبة، وكانت أحكام هؤلاء القضاة ملزمة ونهائية، وواجبة التنفيذ من قبل الولاة، مما يؤكد استقلالية القضاء في تلك البلدان، ولم يكن الفصل للسلطة القضائية شاملا لجميع الولايات؛ لأن فصل السلطة القضائية عن التنفيذية لم يكن معروفا بعد لعدم بروز الحاجة إليه، وعندما رأى عمر ﵁ الحاجة في بعض الولايات لذلك جعل القاضي غير الوالي، ويعتبر ذلك بداية لفصل السلطة القضائية عن التنفيذية في الدولة الإسلامية (١) .
ب - أنشأ عمر الدواوين، كديوان العطاء، والجند، والاستيفاء، وهذه الدواوين تعتبر نواة للجهاز الإداري في الدولة الإسلامية، وفكرة الدواوين ارتبطت ارتباطا مباشرا بالفتوح الإسلامية؛ وذلك لبروز
стр. 136
مشكلات جديدة أمام الدولة نظرا لاتساعها، ولالتقاء المسلمين بحضارات جديدة أستفيد مما فيها مع المحافظة على الأصول والمقومات الإسلامية دون تعال على أهل البلاد المفتوحة، فلم تغمض الدولة الإسلامية عينيها عن نظمهم وتقاليدهم، بل تفاعلت معها، وتعاونت أينما وجدت ذلك مناسبا، ومن هنا شهدت الحضارة الإسلامية تطورا وصقلا سريعين وحين بدأ عمر في التنظيم الإداري لم يبدأ من فراغ بل اقتدى بالسوابق والشواهد والآثار (١) .
هذه بعض التجديدات الإدارية في عصر الخلفاء الراشدين التي تعتبر من الوقائع الدستورية المهمة في هذا العهد، واعتبرت هذه التجديدات من الوقائع الدستورية؛ لارتباطها بشكل الدولة، وتنظيمها، وسلطاتها، وهي التي تعد من صميم المواضيع الدستورية.
[التنظيمات العسكرية]
٥ - التنظيمات العسكرية: من الوقائع الدستورية في عصر الخلفاء الراشدين تنظيم الجيوش وتيسير القوات الفاتحة المبلغة لدين الله في شتى بقاع الأرض، وتشمل هذه الوقائع أمورا كثيرة منها.
١ - طريقة تعيين أمراء الأجناد.
٢ - تنظيم الجيوش وتعبئتها ماديا وبشريا وروحيا.
٣ - الاتصال الدائم بين أمير الجند، والخليفة لوصف المعارك، وحالة الجيش حتى أن عمر ﵁ كان يوصي سعد بن أبي وقاص ﵁ في القادسية بأن يكتب إليه باستمرار، ويصف كل حركة وسكنة من تحركات الجيش الإسلامي ومواقع نزولهم، ويقول له: صف لي ما أنتم عليه وما هم عليه حتى كأني أراه رأى العين.
стр. 137
٤ - الرفق بأفراد الجيش الإسلامي، حتى أن عمر سن في ذلك نظاما، حيث أمر سعد بن أبي وقاص أن ينزل بالمسلمين كل أسبوع يوما وليلة، ليرتاحوا من تعب المسير ويضعوا عنهم السلاح والمتاع، وترتاح دوابهم.
٥ - الاستمرار في تخيير أهل البلدان المفتوحة قبل المعركة بين الإسلام أو الجزية أو المعركة، وعدم إكراههم على الدين أو القتال أو الجزية، وهذا من الأمور الدستورية الثابتة في النظام الإسلامي؛ لأن هدف الفتوحات الإسلامية ليس التوسع الجغرافي والسياسي، أو الكسب المادي، إنما هو تبليغ دين الله، وإزالة ما يعترض وصوله إلى الناس.
هذه النماذج وغيرها من الوقائع الدستورية في الناحية العسكرية في عهد الخلفاء الراشدين تمت ممارستها واقعيا، ابتداءا من إنفاذ جيش أسامة بن زيد ﵁ في عهد أبي بكر ﵁، ثم حروب المرتدين، وبقية الفتوحات في عهد الصديق ﵁، ثم في عهد عمر ﵁ الذي شهد أكبر توسع للدولة الإسلامية في ذلك الوقت، ثم في عهد عثمان ﵁ الذي استكمل الفتوحات العمرية، وسير أول أسطول بحري للدولة الإسلامية.
[لقب رئيس الدولة]
٦ - لقب رئيس الدولة: من الأمور الدستورية الشكلية لقب (رئيس الدولة) باعتباره رمزا يعكس الفكرة التي يقوم عليها نظام الحكم فيها، فكان اللقب السائد هو لقب (الخليفة) أو (أمير المؤمنين) ، وكان أول من لقب بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (١) حيث كان لقب (الخليفة) هو اللقب
стр. 138
السائد في عهد أبي بكر وأول عهد عمر، إلى أن لقب عمر بأمير المؤمنين واستمر هذا اللقب طيلة عهد الراشدين، وامتد كذلك إلى ما بعده من العهود، مع اقترانه أحيانا بلقب آخر، كالخليفة، والإمام، والسلطان، والملك.
- والخلاصة أن هذه التطبيقات، والوقائع الدستورية في عهد الخلفاء الراشدين ﵃، وهي:
١ - عدم تدوين الدستور.
٢ - الخلافة والبيعة.
٣ - الخطابات والعهود.
٤ - التجديدات الإدارية.
٥ - التنظيمات العسكرية.
٦ - لقب رئيس الدولة.
تعتبر سوابق دستورية لما جاء بعد هذا العهد من عهود وزادت الفقه الدستوري الإسلامي ثراء، حيث أضيفت هذه السوابق، إلى التطبيقات الدستورية في العهد النبوي، فكانت مجتمعة تمثل نبراسا للمسلمين في شؤونهم الدستورية، يرجعون إليها عندما توجد وقائع مشابهة لها، فينهجون نهجها.
стр. 139
[المبحث الثالث وقائع دستورية في العهود الإسلامية الأخرى]
[رئاسة الدولة]
المبحث الثالث: وقائع دستورية في العهود الإسلامية الأخرى: في هذا المبحث سنتطرق إلى بعض الوقائع الدستورية في العهود الإسلامية فيما بعد عصر الخلافة الراشدة إلى العصر الحديث، وفيما يلي نذكر نماذج من هذه الوقائع:
أولا: رئاسة الدولة: جدت أمور لها أهميتها الدستورية في رئاسة الدولة الإسلامية، حيث غلب تسلسل الحكم في أسر عريقة ينقاد الناس إليها، كالأمويين، والعباسيين، والعثمانيين، وغيرهم ممن حكم في الدول الإسلامية التي قامت في الشرق أو الغرب، ولكن نظام البيعة للحاكم ظل مستمرا، ومما جد البيعة لولي عهد الخليفة أو الأمير أو الملك، على أن تتم البيعة له بالحكم بعد توليه مباشرة.
وهذه الطريقة، وإن كان فيها اختلاف عما كان عليه الأمر في عهد الراشدين، إلا أن الإسلام لم يحدد طريقة معينة لتولية الحاكم، كما لم يحدد أسلوبا خاصا للشورى، فبأي كيفية تتم الشورى، ويرضى الناس حاكما يبايعونه على كتاب الله وسنة رسول ﷺ يكون الحاكم شرعيا.
[نظام الوزارة]
ثانيا: نظام الوزارة: لفظ الوزارة معروف عند العرب قبل الإسلام، وقد ورد في القرآن الكريم في موضعين، هما قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] (١)
стр. 140
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥] (١) .
كما أنه ورد في عدة مواضع من السنة النبوية مثل قوله ﷺ : «إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسى ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك، جعل له وزير سوء، إن نسى لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه» (٢) .
وفي أقوال صحابة رسول الله ﷺ ، مثل قول أبي بكر الصديق ﵁ في السقيفة، في كلامه للأنصار ﵃ حيث قال: (نحن الأمراء وأنتم الوزراء) (٣) .
ولكن الوزارة لم تعرف بشكلها الذي يعني معاونة الخليفة في تصريف وشؤون الدولة إلا في العصر الأموي، الذي كانت الدولة الإسلامية فيه تشكل رقعة كبيرة من العالم، حيث تحدها الصين شرقا، وجبال البرانس " شمال أسبانيا " غربا، فكان من البديهي أن يكون إلى جانب الخليفة من يساعده في تصريف شؤون الدولة، إذ ليس من المعقول أن يشرف الخليفة بنفسه على كل كبيرة وصغيرة، إلا أن هذا المنصب لم يوجد في هذا العصر بشكله المنظم الذي عرف فيما تلاه من العصور، وحتى المصطلح؛ الذي يطلق على من يعمل في هذا المنصب، وهو مسمى الوزير لم يطلق على من يقوم بمهام هذا المنصب، بل كان يسمى كاتبا أو مشيرا، والوزارة لم تنظم قواعدها إلا في عهد الدولة العباسي حيث تقررت قوانين الوزارة، وسمي الوزير وزيرا، ويعتبر أبو سلمة الخلال حفص بن سليمان أول وزراء الدولة العباسية، أي أنه أول من تولى الوزارة بعد تنظيم
стр. 141
قواعدها، وتطورت الوزارة في العهد العباسي، حيث أضيفت إليها الكتابة، أي كانت وظيفة تابع للوزارة فالكاتب تبع الوزير، وقد يرقى الكاتب إلى رتبة وزير.
ويقسم علماء السياسة الشرعية الوزارة إلى قسمين: وزارة تفويض، ووزارة تنفيذ:
١ - فوزير التفويض يباشر الحكم وينظر في المظالم، وليس ذلك لوزير التنفيذ.
٢ - ولوزير التفويض الاستقلال في تقليد الوزراء، وليس ذلك لوزير التنفيذ.
٣ - ويقوم وزير التفويض بمهمة تسيير الجيوش وتدبير الحروب، دون وزير التنفيذ.
٤ - ويتصرف وزير التفويض في أموال الدولة العامة بقبض المستحق ودفع الواجب دون وزير التنفيذ.
٥ - يحدد علماء السياسة الشرعية شروطا لوزير التفويض هي: الحرية والإسلام، والعلم بأحكام الشرع، والمعرفة بأمور الحرب والخراج، وهذه الشروط غير معتبرة في وزير التنفيذ.
وعندما نشأ هذا الوضع الدستوري في الدولة الإسلامية وهو وجود الخليفة مع تفويض اختصاصاته إلى رجل آخر يسمى وزيرا، وليس وزيرا بالمعنى المعروف وإنما قائم عن الخليفة أو نائب له، سموا من تكون هذه صفته وله هذه الاختصاصات بوزير التفويض؛ تفريقا له عن الوزير العادي، أو من سموه بوزير التنفيذ، والذي حدد عمله في مهمة معينة، ومن وزراء التفويض في الدولة العباسية يحيى بن خالد حين قلده هارون
стр. 142
الرشيد شؤون الدولة، حيث قال له: " وقد فوضت إليك أمر الرعية، وخلصت ذلك من عنقي وجعلته في عنقك، فول من رأيت واعزل من رأيت " (١) .
وتشبه وزارة التفويض هذه منصب رئيس مجلس الوزراء في العصر الحديث.
ثم إن الدولة العباسية كذلك، عرفت نظام اللامركزية في نظام الوزارة، وذلك من خلال وجود وزراء في الأقاليم يتبعون لوالي الإقليم كما يتبع وزراء الدولة للخليفة.
وتطورت الوزارة في الدولة الإسلامية، فنجد مثلا في الأندلس أن معنى الوزارة مطابق لمعناها المعروف في العصر الحديث، حيث يستقل الوزير بمرفق من مرافق الدولة مع وجود رئيس للوزراء يسمى حاجبا (٢) .
فنظام الوزارة في الدولة الإسلامية - بتطوره الذي مر - يعتبر من الوقائع الدستورية المستجدة في العهود الإسلامية بعد عصر الخلافة الراشدة، وهو يدخل ضمن نطاق الوقائع الدستورية بمعنى الدستور الخاص أو الفني التي تعتبر أحكاما متغيرة تتغير بتغير الزمان والمكان، وقد تكون عرفا دستوريا في بعض العصور.
[الدستور غير المدون]
ثالثا: الدستور غير المدون: استمر العرف الدستوري الذي استقر في دولة الخلفاء الراشدين بعدم وجود دستور مكتوب، طيلة حكم الدولة الأموية والعباسية والدول المتتابعة وشطرا من عهد الدولة العثمانية، حيث استمر العمل طيلة هذه
стр. 143
العهود بناء على القواعد الدستورية في القرآن الكريم، والسنة النبوية، والسوابق الدستورية، والاجتهاد فيما يستجد من الوقائع، التي تؤسس مجتمعة الكيان القانوني أو الشرعي للهيئات الحاكمة في الدولة الإسلامية، وتحدد الإطار القانوني لنشاط تلك الهيئات، إضافة إلى بيان تفصيلي للحقوق والحريات (١) .
ويضاف إلى تلك القواعد الدستورية ما يصدر عن الخلفاء من كتب ومواثيق إلى الوزراء والولاة وأمراء الأجناد والقضاة، مما يتعلق بمواضيع الدستور، فمن مجموع القواعد الأصلية في القرآن والسنة، والسوابق الدستورية، والاجتهاد في الوقائع، والوثائق الدستورية، يتكون دستور غير مدون ويختلف في تفصيلاته من عهد إلى عهد، فالتطبيقات في عصر الدولة الأموية ليست كالتطبيقات في الدولة العباسية، وهي غيرها في الدولة العثمانية، بل وحتى في عصر دولة واحدة قد تختلف التطبيقات باختلاف الزمن والوضع الدستوري، ففي عهد الدولة الأموية مثلا نجده يختلف في عصر عمر بن عبد العزيز ﵀ عن غيره من الخلفاء، فلكل زمن تطبيقاته الدستورية المتكيفة مع الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لهذا الزمن.
وسبق القول: إن تدوين الدستور وعدم تدوينه ليس له تأثير على قانونية الدولة، فالمهم هو وجود القواعد الدستورية والعمل بها، دون النظر إلى كونها مجموعة في وثيقة واحدة أو متفرقة في عدة وثائق، أو أعراف دستورية أو غير ذلك (٢) .
стр. 144
[البلاد الإسلامية وتدوين الدستور في العصر الحديث]
[الدستور التونسي]
رابعا: البلاد الإسلامية وتدوين الدستور في العصر الحديث: كما مر معنا في الباب الأول بأن المعنى الشكلي للدستور برز نتيجة لانتشار حركة تدوين الدساتير التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٧٧٨م ثم دستور الثورة الفرنسية سنة ١٧٩١م وانتشرت بعد ذلك حركة تدوين الدساتير في بقية بلاد العالم، وتأثرت البلاد الإسلامية بهذه الحركة في وقت مبكر فكانت التجربة التونسية سنة ١٨٦١م ثم العثمانية سنة ١٨٧٦م، ثم أصبحت عملية إصدار دستور مكتوب من التقاليد السياسية شبه المستقرة لمعظم الدول الإسلامية، ومع توالي ظهور الدول الإسلامية في العصر الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم توالى إصدار الدساتير في هذه الدول، فكان الدستور المصري الصادر عام ١٩٢٣ (١) ثالث دستور مكتوب، بعد الدستورين التونسي والعثماني، وسوف نستعرض بإيجاز بداية حركة تدوين الدساتير في البلاد الإسلامية ممثلة في التجربتين التونسية والعثمانية، ثم نستعرض بعد ذلك التجربة الدستورية السعودية مبينين خصائصها وتفردها عن بقية التجارب في البلاد الإسلامية في العصر الحديث.
١ - الدستور التونسي: يعتبر تدوين الدستور التونسي بداية حركة تدوين الدساتير في الدول الإسلامية في العصر الحديث وكان ذلك عام ١٨٦١م، وهو الدستور الذي أصدره الباي (٢) محمد الصادق وقد صدر بعد تزايد تدخل الدول الأوروبية في شؤون تونس وكانت حينذاك خاضعة اسميا للدولة العثمانية، ويذكر بعض الباحثين أن فرنسا ساهمت بشكل مباشر في
стр. 145
وضع هذا الدستور عن طريق قنصلها في تونس، كما أن الباي قد عرض مسودة الدستور على نابليون الثالث إمبراطور فرنسا، وقد نص الدستور على وجوب الاهتداء بالشريعة الإسلامية تأسيسا على أن الإسلام هو الدين الرسمي لتونس وأن الباي والسكان مسلمون (١) ويتبين من ملابسات إصدار هذا الدستور أنه كان نتيجة للنفوذ الأوروبي كما أن مضمونه كان متأثرا بالدساتير الأوروبية (٢) ولن نتوسع في الحديث عن هذا الدستور؛ لأن الحديث في الفقرة التالية سوف يكون عن الدستور العثماني الذي تتشابه ظروف إصدارة مع إصدار الدستور التونسي كما أن تونس كانت في ذلك الوقت تحت السيادة العثمانية ولو كان ذلك اسميا.
[الدستور العثماني]
٢ - الدستور العثماني: أ - نبذة عن الأوضاع القانونية في الدولة العثمانية: قبل الحديث عن الدستور العثماني، يحسن بنا استعراض الأوضاع القانونية في الدولة العثمانية بشيء من الإيجاز، فالدولة العثمانية كانت تعتمد على الشريعة الإسلامية، وكان القضاء بالشريعة هو القضاء النافذ والمعمول به، فكانت الشريعة الإسلامية هي القانون الأساس، وكانت الدولة تحرص على أن تصبغ أعمالها بصبغة الشريعة، فكانت تلجأ إلى المفتي تستفتيه عندما تريد أن تضع قانونا سياسيا، أو نظاما عسكريا، وكثيرا ما كانت تتفاوض معه في القضية التي ستعرض عليه، ولقد ظهر في ميدان القانون خاصة المحاولة الجادة من العثمانيين لجعل الإسلام الأساس الصحيح للحياة الخاصة والعامة، ولجعل الشريعة القانون النافذ للدولة، وتطبيقها في جميع أنحاء البلاد (٣) .