← Сияса и кади

Сияса и кади · id 31485

الإسلام والدستور

توفيق بن عبد العزيز السديري

Полный текст (204 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٣ - الآيات المقررة لمبدأ المساواة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] (١) . ٤ - الآيات المقررة لضرورة الحكم بما أنزل الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (٢) . ٥ - الآيات المقررة لنظام القضاء والتقاضي بين الناس، وأنهم سواء أمام ساحة القضاء، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] (٣) . ٦ - الآيات المتضمنة أحكاما للسلم والحرب، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] (٤) وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] (٥) . ٧ - الآيات المتضمنة حقوق الأمة على الحاكم، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٦) . ٨ - الآيات المتضمنة لحقوق الحاكم على الأمة، مثل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (٧) . ٩ - الآيات المتضمنة لحق الحياة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] (٨) .

стр. 72

١٠ - الآيات المتضمنة للالتزام بالمعاهدات والوفاء بها، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢] (١) . ١١ - الآيات المتضمنة حق إبداء الرأي، مثل قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] (٢) وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١] ) الآية (٣) . ١٢ - الآيات المتضمنة لحق الملكية، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] (٤) . ١٣ - الآيات المقررة لحرمة المسكن، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] (٥) . ١٤ - الآيات المقررة لحق التكريم للإنسان، والذي تنفرد بذكره صراحة الشريعة الإسلامية، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] (٦) . ١٥ - الآيات المقررة لصيانة الأموال العامة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] (٧) . ١٦ - الآيات المقررة لقاعدة الولاء والبراء في الإسلام، وهي ما تقابل في مصطلح الفقه المعاصر الخيانة العظمى مع الاختلاف في المنطلق

стр. 73

والأساس، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] (١) . ١٧ - الآيات المقررة لعدم المساس بأمن المحايدين، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] (٢) . ١٨ - الآيات المقررة لحسن الجوار، مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] (٣) . ١٩ - الآيات المقررة لرابطة الإنسانية وأنها فوق اعتبار الجنس والنوع، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (٤) . مما تقدم يتضح أن القرآن قد تضمن مسائل دستورية مهمة، ولكن يجب أن يلاحظ أن الآيات السابق ذكرها ليس المراد من إيرادها الحصر بل التمثيل، وإلا فإن من الممكن استخراج مسائل دستورية أخرى من القرآن الكريم (٥) . أما فيما يتعلق بالأمور المنظمة للشورى، والمحققة للعدل والمساواة وغيرها من تفاصيل الأحكام الدستورية فمتروك لأولي الأمر؛ ليفرعوا

стр. 74

ويفصلوا حسب مقتضيات الحال ومصالح الناس دون أن يصطدموا بحكم تفصيلي شرعه القرآن، مراعين في ذلك تلك الأحكام الكلية، والنصوص الدالة على رفع الحرج، والدالة على إيجاب الوفاء بالعهد، والنصوص التي دلت على أن الأصل في الأشياء الإباحة (١) . [المصدر الثاني للتشريع السنة النبوية] ثانيا: السنة النبوية: تعتبر السنة مصدرا رئيسا من مصادر التشريع، وهي المصدر الثاني للتشريع بالاتفاق، وفي مجال الدستور فإن علماء القانون الدستوري المسلمين المعاصرين متفقون على أن السنة مصدر رئيس للتشريع الدستوري الإسلامي، كما اتفقوا في شأن القرآن، ولكن الاختلاف بينهم في شروط معينة يراها البعض، ويعترض عليها البعض الآخر. فبعض الباحثين (٢) في القانون الدستوري أن سنة الآحاد لا يجوز الأخذ بها في مجال الأحكام الدستورية للاعتبارات التالية: ١ - أهمية الأحكام الدستورية وخطورتها. ٢ - أن سنة الآحاد غير يقينية. ٣ - أنه ليس كل سنن الأحكام الدستورية تعد تشريعا عاما، بل إن هذه السنن بصفتها قاعدة عامة لا تعد تشريعا عاما. وقد رد على الاعتبار الأول، ونوقش (٣) بأن الأحكام الدستورية ليست إلا فرعا من فروع القانون العام، كبقية الفروع، وبالتالي لماذا يكون لها

стр. 75

هذا التخصيص، فما هي إلا جزء من الأحكام العملية التي اتفق الفقهاء على العمل بما فيها، وهي ما تقابل مباحث الإمامة، وأنها عند علماء أهل السنة من أحكام الفروع، ولا يرتفع بها إلى مرتبة الأصول سوى غلاة الشيعة (١) وبالتالي فلا مجال لعدم الأخذ بسنة الآحاد في المسائل الدستورية وأحكامها التي لا شك في أهميتها، ولكن الرسول ﷺ أعمل خبر الآحاد فيما لا يقل خطورة عن تلك الأحكام وذلك مثل إرسال مبعوثين ورسلا إلى الدول المجاورة، وهم آحاد مما قد يترتب عليه سلم أو حرب، بل إن الله تعالى أرسل رسله إلى الناس آحادا (٢) . أما فيما يتعلق بالاعتبار الثاني وهو عدم يقينيتها، فإن هذا الشرط لم يشترطه أحد من الفقهاء في أحكام الفروع، ثم إن عدم شهرة سنن الآحاد لا يعتبر دليلا على عدم صحتها، فلا علاقة بين الصحة والشهرة (٣) . وتقسيم العلماء للسنة إلى متواترة تفيد اليقين، وآحاد تفيد الظن الراجح اعتبار أصولي لا صلة له باعتبارها أساسا لابتناء الأحكام الشرعية (٤) . أما فيما يتعلق بالاعتبار الثالث، وهو أنه لا يمكن اعتبار سنن الأحكام الدستورية تشريعا عاما أو قاعدة عامة، فإنه كلام غير مسلم به على إطلاقه، فسنن الأحكام الدستورية تحتوي على تشريعات كلية وعامة وأخرى تفصيلية ووقتية، فالسنة النبوية تضمنت مبادئ دستورية شرعها الله على لسان نبيه ﷺ بماله من صفة النبوة والتبليغ، وهذا مما يعتبر تشريعا كليا.

стр. 76

ثم أنه وردت نصوص السنة في الراعي والرعية، والبيعة والإمارة والطاعة للأمير، وكذلك في السنة تشريعات لحقوق الحاكم والأفراد ومسؤولياتهم، وكذلك السلم، والحرب، والمعاهدات، والقضاء، والشورى، ومركز الأقليات الدينية، مما يؤكد أن السنة تحوي قدرا كبيرا من المسائل الدستورية التي لها أهمية كبرى في مجال الدستور في النظام الإسلامي، وهذه السنة معتبرة إذا توافرت فيها شروط الصحة، سواء كانت متواترة أو مشهورة أو آحادا (١) . والحقيقة أن سنة الآحاد متى صحت نسبتها إلى الرسول ﷺ حسب الشروط التي وضعها علماء الحديث فإنها تكون مستندا ومصدرا للأحكام الشرعية، لا فرق بين الدستوري منها وغيره، لأن الصحيح أن خبر الواحد إذا توافرت فيه شروط الصحة فهو حجة في العقائد والأحكام من غير تفريق بينهما، والعمل به على مقتضى الحكم الشرعي الذي يدل عليه، لأنه يفيد اليقين، وقيل: لا يفيد اليقين إلا إن احتفت به قرائن دالة على صدقة مثل أن يرويه الشيخان البخاري ومسلم (٢) . فالسنة هي المصدر الثاني بعد كتاب الله للدستور، في النظام الإسلامي، ثم إن تقسيم العلماء للسنن إلى عامة وغير عامة يجب ألا يحمل ما لا يحتمل بأن توضع أغلب الأحاديث والسنن في قالب التشريع الوقتي، الأمر الذي يؤدي إلى رفض السنة بشكل غير مباشر. وبهذا يتبين ضعف الرأي القائل بأن سنة الآحاد لا تؤخذ في مجال الأحكام الدستورية.

стр. 77

[الإجماع المصدر الثالث للتشريع في الإسلام] ثالثا: الإجماع: يعتبر الإجماع المصدر الثالث للتشريع في الإسلام، فهو حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم (١) . وذلك إذا توافرت فيه الأمور التالية: ١ - توافر عدد المجتهدين في عصر وقوع الحادثة. ٢ - اتفاق جميع مجتهدي العصر على حكم واحد في الواقعة. ٣ - أن يبدي كل واحد من المجتهدين حكمه صراحة، سواء عن طريق الفتوى أو طريق القضاء، وسواء أبدوا آراءهم مجتمعين أو متفرقين. ٤ - أن يكون الإجماع على حكم شرعي كالصحة والفساد، فلو حصل أن اتفقوا على حكم عقلي، أو لغوي، لا يكون ذلك إجماعا شرعيا (٢) . فإن تحققت هذه الأمور، لم يكن لأحد أن يخرج عن الإجماع، فالأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثيرا من المسائل يظن أن فيها إجماعا وهو ليس كذلك، بل قد يكون الرأي المخالف أرجح في الكتاب والسنة (٣) . أما من حيث التشريع الدستوري الإسلامي، ومدى كون الإجماع مصدرا من مصادر الدستور فإن الوقائع في التاريخ الإسلامي تظهر أنه كان مصدرا من مصادر الأحكام الدستورية، ومن أمثلة ذلك إجماع الصحابة على وجوب الإمامة، وعرف هذا الوجوب في الشرع بإجماع الصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ على بيعة أبي بكر الصديق ﵁، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذلك في كل عصر من عصور الدولة الإسلامية فلم يترك الناس فوضى في عصر من العصور، واستقر ذلك إجماعا دالا على وجوب نصب الإمام (٤) ومن

стр. 78

الأمثلة كذلك، الإجماع على البيعة بين الحاكم والمحكوم، وكذلك الإجماع على محاربة المرتدين، وغير ذلك من الوقائع الدستورية التي كان مصدرها الإجماع. أما من حيث اعتبار الإجماع مصدرا للدستور في العصر الحديث فإن للباحثين في ذلك آراء ثلاثة هي: ١ - لا مكان للإجماع في العصر الحديث، وبالذات في الأحكام الدستورية ويرجع أصحاب هذا الرأي ذلك إلى أن الإجماع يكون في الأمور الدينية والأحكام الدستورية ليست كذلك، ولاستحالة انعقاد الإجماع بعد القرون الثلاثة الأولى (١) . ٢ - أنه ما دام أن الإجماع قد وقع في العصور المتقدمة لمختلف الأحكام ومنها الدستورية، فإن ذلك ممكن جدا في العصر الحديث، عن طريق إنشاء مجمع فقهي يضم جميع الفقهاء في العالم الإسلامي، وعلماء القانون ويجتمعون دوريا وينظرون في الوقائع المستجدة كما يستفاد من وسائل الاتصالات ليضمن وصوله إلى من لم يحضر (٢) ويقصد أصحاب هذا الرأي الإجماع المعروف في الأصول. ٣ - أن الأحكام الصادرة عن الإجماع نوعان: ثابتة، ومتغيرة، فالثابتة يعتبر الإجماع فيها مصدرا ملزما، كالإجماع في أمر من أمور العبادات، والمتغيرة يعتبر الإجماع على حكم منها غير ملزم إلا في عصر الإجماع فقط، ومن هذا النوع الأحكام الدستورية (٣) . والرأي الذي يرجح في هذه المسألة، أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع الدستوري في العصر الحديث، ولكن وفق التفصيل الآتي:

стр. 79

١ - إمكانية انعقاده عقلا مع الاعتراف بصعوبة ذلك واقعا، ولكن هذه الصعوبة لا تخرج عن دائرة الممكنات إلى دائرة المستحيلات فقد تتغير الظروف والأوضاع ويصبح ممكنا. ٢ - خيالية بعض الحلول المقترحة، كالمجمع الفقهي القانوني الذي ذكره أصحاب الرأي الثاني، لصعوبة تحقيق الإجماع الأصولي. ٣ - ليست كل الأحكام الدستورية أحكاما متغيرة، بل فيها الثابت والمتغير، فبعضها ثابت وصادر عن طريق الإجماع، مثل الإجماع على وجوب الإمامة والبيعة، فهذه يكون الإجماع فيها ملزما للمسلمين في كل وقت، أما الأحكام المتغيرة مثل الإجماع على طريقة اختيار الخليفة، فيكون الإجماع في هذه الحالة غير ملزم إلا في وقت الإجماع فقط؛ لاختلاف الظروف من وقت لآخر، كما حدث في اختيار الخلفاء الراشدين، والإجماع على طريقة الشورى، وغير ذلك. [المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي الاجتهاد] رابعا: الاجتهاد: الاجتهاد هو المصدر الرابع من مصادر التشريع الإسلامي، فإذا عرضت قضية ولم ينص على حكمها في الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإن الكتاب والسنة دلا على مكانة الاجتهاد، وأنه طريق من طرق الوصول إلى الحكم الإسلامي (١) مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] (٢) وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨] (٣) ومن السنة حديث معاذ عندما بعثه الرسول صلى الله

стр. 80

عليه وسلم إلى اليمن، وأمره بالرجوع إلى الكتاب، ثم السنة، ثم الاجتهاد (١) . والفرق بين الإجماع والاجتهاد هو أن الاجتهاد رأي غير مجمع عليه، فإذا أجمع عليه كان الإجماع، ولذا تقدم الإجماع على الاجتهاد فصار أقوى منه والمجتهد لا يعتمد في اجتهاده على رأيه المجرد، بل عندما لا يجد النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع فإنه يغوص في الكتاب والسنة ويتلمس الأشباه والنظائر ثم يقيس الأمور وينظر فيها (٢) . وفي مجال التشريع الدستوري فإن الاجتهاد يعتبر مصدرا من مصادر الدستور في النظام الإسلامي، بل هو أوسع المصادر مجالا بالنسبة للأحكام الدستورية. والاجتهاد في المسائل الدستورية يصدر عن طريق أولي الأمر (٣) . وإذا صدر الاجتهاد بشأن مسألة دستورية من أولي الأمر وفقا لقواعد الاجتهاد الصحيحة يكون الحكم واجب الطاعة والتنفيذ، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] (٤) إذ هو اجتهاد صحيح مقترن بالأمر فتجب طاعته.

стр. 81

وذكر بعض الباحثين أن الحكم الصادر عن الاجتهاد بشأن مسألة دستورية إذا كان صادرا من المجتهدين سواء أكانوا من مجتهدي الصحابة أو ممن بعدهم من مجتهدي الأمة إلى هذا العصر فإن هذه الاجتهادات تشكل مصدرا يستنير به الحاكم المسلم، ولا حرج عليه بأن يأخذ بأحد الاجتهادات في مسألة ما - بعد المشاورة -، وعندئذ له أن يأمر باتباع هذا الاجتهاد، ويجب على الأفراد الطاعة له (١) . وهذا كلام لا يؤخذ على إطلاقه، فإن الاجتهاد إذا كان صحيحا وبشرائطه ولم يظهر ما يخالفه ولم يكن مرتبطا بزمن أو مكان أو قضية معينة فإنه يجب العمل به، أما إذا كان غير ذلك فالحاكم يختار ما يراه أصلح لوقته بعد التشاور مع أهل الرأي والحل والعقد. وللاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية أصول تحدثت عنها كتب الأصول والتشريع أهمها: ١ - القياس. ٢ - الاستحسان. ٣ - الاستصلاح. ٤ - الاستصحاب. ٥ - العرف. ومن الأمثلة لبعض الأحكام الدستورية التي يمكن أن تستنبط عن طريق الاجتهاد باستخدام القياس، قياس أهل القوة والشوكة ممن يصلحون للإمارة على قريش، بجامع علة مشتركة بينهما هي القوة والشوكة فيكون الأمير من غير قريش على أن يكون من أهل القوة والشوكة (٢) ومن الأمثلة كذلك ما فعله عمر ﵁ من فصله للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية في بعض الأمور والأحوال، مستخدما المصلحة المرسلة، ومن ذلك يتضح أنه تم فعلا استنباط أحكام دستورية عن طريق الاجتهاد.

стр. 82

وباب الاجتهاد هذا - بقواعده الصحيحة - هو الينبوع الذي يمد الأحكام الدستورية في العصر الحديث بالروح، والحيوية، ويجعلها مرنة ومتطورة حسب الحاجة وفق إطار ثابت وسياج قوي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، مما يعطي ثروة من الآراء والحلول في مجال الأحكام الدستورية، وهي بلا شك ليست ملزمة أو قطعية لطبيعتها الاجتهادية، ولذلك تعطى حكم المصادر الاحتياطية أو التفسيرية، ولا تكون ملزمة إلا في حالة تبني أولي الأمر لأحد الاجتهادات، وبالتالي تلزم الطاعة في وقت محدد، أي ليست ملزمة على مر العصور؛ لأنها من الأحكام المتغيرة بتغير الأحوال لا الأحكام الثابتة (١) . وبعد الكلام على مصادر الدستور الإسلامي يرد تساؤل عن مصادر الدستور الوضعي، ومكانتها من الدستور الإسلامي؟ وللإجابة عن ذلك باختصار نقول: من المعروف أن مصادر الدستور الوضعي هي الفقه القانوني، والقضاء، والعرف، والتشريع، وهذه المصادر لا يمكن قبولها هكذا مجردة، لتكون مصادر للدستور في الإسلام، إنما يمكن الأخذ بها عندما لا تكون مخالفة لنصوص وأحكام الشريعة الإسلامية، وعند ذلك تدخل هذه المصادر جميعا ضمن مصادر الدستور في الإسلام.

стр. 83

[المبحث الثالث خصائص الدستور في الإسلام] المبحث الثالث: خصائص الدستور في الإسلام: للدستور في الإسلام خصائص تميزه عن غيره من دساتير العالم، فالدساتير المعاصرة تختلف من حيث طبيعتها ونشأتها، عن الدستور في الإسلام، وذلك أن هذه الدساتير نشأت في بيئة تختلف اختلافا كبيرا عن البيئة الإسلامية، وهذا الاختلاف ليس اختلافا شكليا أو فرعيا، ولكنه اختلاف ممتد إلى الجذور والأسس والمنطلقات، فبينما يرتكز الدستور في النظم الغربية والشرقية على منطلقات فكرية بشرية هي نتاج الفكر البشري المتأثر بخليط من الحضارات الوثنية والدينية المحرفة والمادية، نجد في المقابل الدستور في الدولة الإسلامية يتكئ على قاعدة صلبة من الإيمان، والوحي بما فيه من أصالة وصفاء منبع، صحيح أن الدستور في أي دولة لا يختلف كثيرا عن الدستور في دولة أخرى من الناحية الشكلية، ومن ناحية مواضيع الدستور، ولكن الاختلاف يكمن في كيفية معالجة هذه المواضيع، فدستور الدولة الإسلامية يعالج هذه المواضيع معالجة منطلقة من أسس ومنطلقات مرتكزة على الوحي الرباني، والدساتير في الدول الأخرى تعالج هذه المواضيع معالجة منطلقة من فكر بشري ومؤثرات بيئية وتاريخية أرضية. فالحقوق مثلا عالجها دستور الدولة المسلمة، وكذلك هي في دساتير الدول الأخرى، ولكن المعالجة التي تتم لها تختلف في هذه الدساتير عن بعضها البعض، والمرجع لهذه الحقوق في دستور الدولة المسلمة، غير المرجع لها في الدساتير الوضعية. وسنتحدث في هذا المبحث عن الخصائص التي تميز دستور الدولة المسلمة عن غيرها من الدساتير الوضعية.

стр. 84

١ - تميز النشأة: من المعروف أن الدساتير نشأت إما عن طريق المنحة من الحاكم للمحكومين، أو عن طريق الاكتساب المباشر من المحكومين لحقوقهم في وضع الدستور، أو غيرها من الطرق التي مرت في المبحث الثالث من الفصل الثاني من الباب الأول. تلك الطرق كلها نشأت نشأة بشرية صرفة، أما في ظل النظام الإسلامي فإن الحقوق الدستورية والقواعد الدستورية الأساسية وردت قواعد شرعية، فهي ربانية المصدر، ليس للبشر الحق بأن يمنحوا بعضهم أو يمنحوا أنفسهم هذه القواعد والحقوق، فهي ليست تفضلا من الحاكم للمحكومين، وليست كذلك منتزعة من الحكام عن طريق كفاح المحكومين، فالحكام والمحكومين أمامها سواء، وما كان من هذه الأحكام متروكا لهم يتم اجتهادهم فيه حسب الأحوال والملابسات، فإن وسيلة وضع هذه الأحكام هو الاجتهاد الشرعي والشورى الشرعية، في إطار التوجيهات الربانية. والنظام الإسلامي يجعل الحكام والمحكومين أمام الشرع سواء، وأمام القضاء سواء، وأمام الحدود سواء، وليس للحكام في هذا المجال مزايا خاصة، بل عليهم عبء كبير في تنفيذ أحكام الله في كل أمر من أمور الحياة، وليس لهم الحكم وفق الأهواء والمصالح الشخصية أو الحزبية أو العرفية أو الإقليمية أو غيرها (١) . ٢ - تميز المصدر: من المعروف أن الدستور عبارة عن مجموعة القواعد الأساسية التي تبين شكل الدولة، ونظام الحكم فيها، ومدى سلطتها إزاء الأفراد،

стр. 85

وحقوقهم وحرياتهم، وبالتالي فإن هذه الأمور تختلف حسب الوجهة السائدة في الدولة التي تنشأ فيها، فالدستور الناشئ في النظام الإسلامي غير ذلك الدستور الناشئ في ظل النظم الوضعية؛ لأن الإسلام يصدر عن أصل واحد لا عن خليط من العناصر، وهذا الأصل ليس بشري المصدر كما هو الحال بالنسبة للنظم الأخرى، فهو إلهي المصدر، هذا الأصل هو الوحي وما انبثق منه من مصادر لا تخرج بحال عن حدوده ونطاقه، وبالتالي فإن القواعد الدستورية الإسلامية نظمت الكيان الشرعي للهيئات الحاكمة في النظام الإسلامي، وحددت الإطار القانوني لنشاط هذه الهيئات مبينة الحقوق والحريات، وهي محددة بما في القرآن الكريم والسنة المطهرة، والتطبيقات الدستورية في العهود الإسلامية، واجتهاد المجتهدين فيما كان محلا للاجتهاد، مكونة بذلك ميراثا حضاريا إسلاميا ضخما في مجال التشريع الدستوري. ٣ - السمو: يتميز الدستور في النظام الإسلامي عنه في النظم الوضعية باختلاف درجة السمو لقواعده وأحكامه ونصوصه، فمن المعروف أن الدستور في النظم الوضعية له المكانة الأولى بين القوانين، وأن قواعده تسمو على كافة القواعد القانونية الأخرى السائدة في الدولة، وأنه لا يجوز لأي قاعدة قانونية أن تخالف نصا دستوريا؛ لأن القواعد القانونية تتدرج من الأعلى للأسفل مبتدئة بقواعد الدستور، ثم قواعد التشريع العادي أو القانوني، ثم قواعد التشريع الفرعي أو اللوائح، فلا يجوز لقاعدة أدنى أن تخالف قاعدة أعلى أو تبطلها، والعكس فإن القاعدة الأعلى إذا صدرت وهي مخالفة لقواعد أدنى فإن قواعد الأدنى تبطل وينسخ حكمها.

стр. 86

أما في ظل النظام الإسلامي فإن درجة السمو هذه تختلف؛ لأن التشريع الإسلامي من عند الله، فقد يرد نص قاطع في مسألة ما وهي ليست دستورية، وبالتالي فإن على واضع الدستور في الدولة الإسلامية ألا يخالف هذا النص ولو كان محله التشريع العادي أو الفرعي؛ لأن النص يعلو على غيره، ولا مانع في الإسلام من أن ندرج القواعد القانونية على الشكل المتدرج في القانون الوضعي؛ لأن ذلك من باب الوسائل والأمور الاجتهادية، ولكن السمو للقاعدة القانونية ليس مرتبطا بمكان وجود القاعدة أو درجتها من درجات القانون، إنما هو مرتبط بالقاعدة القانونية نفسها، فإذا كانت القاعدة من الأمور الثابتة التي ورد فيها نص من الكتاب أو السنة أو كانت محل إجماع فإنها تسمو على غيرها بغض النظر عن درجتها القانونية، فهذا التدرج في ظل النظام الإسلامي تدرج شكلي فقط، وإذا كانت القاعدة تدخل ضمن الأمور الاجتهادية التي لم يرد فيها نص والتي يختلف حكمها باختلاف الظروف فإنها والحالة هذه تسمو على القواعد الاجتهادية الأدنى منها درجة، لكنها لا تسمو على القواعد المبنية على نصوص أو التي ورد فيها حكم شرعي ولو كانت في التدرج القانوني أعلى منها (١) . والمثال التالي يوضح مكانة القاعدة الاجتهادية أمام القواعد الأخرى، فلو افترضنا أنه ورد نص في دستور دولة إسلامية يقول: (يعين القضاة بأمر من رئيس الدولة) فهذه القاعدة قاعدة اجتهادية تسمو على القواعد الاجتهادية التي أدنى منها فقط، فإنه لا يجوز أن يصدر قانون يخول وزيرا من الوزراء في تلك الدولة أن يعين القضاة لمخالفة هذا القانون لنص الدستور، كما لا يجوز لوزير العدل مثلا أن يصدر أمرا وزاريا بتعيين قاض

стр. 87

معين، ففي هذه الحالة - أي حالة وجود القواعد الاجتهادية في مقابل بعضها بعضا - فإننا نرتب درجاتها ونعمل سمو الأعلى على الأدنى، ولكن هذه القاعدة لا تسمو على حكم شرعي، فيجب ألا يخالف هذا الحكم الاجتهادي الدستوري حكما شرعيا، كاشتراط القوة والأمانة في التولية ولو لم يؤكد هذا المبدأ في الدستور؛ فالسمو في هذه الحالة للحكم أو القاعدة الشرعية، فلا يجوز لرئيس الدولة مثلا أن يعين قاضيا غير مستوف لشروط التولية في الشريعة الإسلامية ولو كان تعيين القضاة من حقه بصفته رئيسا للدولة؛ وذلك لسمو الحكم الشرعي على هذا النص الدستوري. ٤ - الثبات والمرونة: تتميز القواعد الدستورية في النظام الإسلامي بالثبات والمرونة في الوقت نفسه، الثبات في الأسس والمبادئ الكلية كالشورى والعدل، والمرونة في الأمور الاجتهادية الوقتية التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، فالإسلام لم يأت فيما يتعلق بالأمور الدستورية بأمور تفصيلية صرفة، وإنما جاء بالمبادئ الدستورية الأساسية، ولم يحدد التفاصيل والجزئيات التي تختلف من عصر لآخر حسب اختلاف الزمان المكان، إذن فالقواعد الدستورية في النظام الإسلامي تنقسم إلى قسمين: قواعد ثابتة لا يمكن أن تتغير بتغير الأوضاع والأزمان والأمكنة، وأخرى متغيرة حسب الأزمان والأحوال وهي ما يتعلق بالوسائل والجزئيات، وهذا التقسيم يكسب النظام الدستوري في الإسلام ميزة الثبات في الكليات، والتطور والمرونة في إطار هذه الكليات لما هو ليس بكلي، وهذه الميزة تميز النظام الدستوري الإسلامي عن غيره من الأنظمة التي لا تعرف الثبات لشيء من القواعد إلا ما استقر عليه العرف بثباته ويزول بزوال هذا العرف، وبالتالي يفقد صفة الثبات، ويوصم بأنه متغير متحول دائما حسب الظروف والأحوال

стр. 88

لا تقيد بأصل ثابت، ولا قيمة ثابتة، ولا حقيقة ثابتة يتغير في إطارها، هذا التغير يجعله يجرى دائما وراء تصورات متقلبة منبعها الفكر البشري المحدود. ومما لا شك فيه أن مجتمعا يحكمه هذا النظام معرض دائما للهزات والتأرجح. وفي المقابل نجد أن وجود خاصتي التطور والثبات في النظام الإسلامي يوفر للمجتمع المسلم الاستقرار، والطمأنينة، وثبات الإطار الذي تتحرك فيها حياته، وثبات المحور الذي تدور حياته حوله، فيشعر أن حركته إلى الأمام ثابتة الخطى ممتدة من أمسها إلى يومها إلى غدها وفق قواعد ثابتة ومبادئ أساسية يتحاكم إليها المجتمع المسلم وحكامه على السواء. فالنظام الدستوري الإسلامي حين يتميز بهذه الخاصية ليس مستقلا بها دون غيره من النظم الإسلامية، إنما استمد ذلك من الشريعة الإسلامية التي تتميز بهذه الخاصية، حيث إنها تحوي أحكاما ثابتة وأخرى متغيرة، فالأحكام المتعلقة بحفظ الضرورات: (الدين، والنفس والنسل، والعقل، والمال) تتسم بالثبات، أما الأمور المتصلة بالأمور الحاجية والتحسينية التي تتعلق بكيفية استيفاء المتطلبات الحاجية والتحسينية أمور تختلف حسب الظروف ومقتضايات الزمن، ولذلك فهي تتطلب المرونة والتطور حسب هذه المقتضيات (١) . وبهذا يتبين أن خصائص الدستور الإسلامي هي خصائص التشريع الإسلامي والتشريع الإسلامي رباني المصدر، رباني التوجيه، ذو صبغة إنسانية عالمية، يحرص على رفع الحرج عن الناس والتيسير عليهم (٢) .

стр. 89

٥ - الشرعية مقابل الدستورية: توصف الأحكام والأوضاع والمراكز والتصرفات الموافقة للدستور بالدستورية، وذلك في النظم الوضعية؛ لأن الدستور يعتبر هو الأصل والمرجع لكافة القوانين في هذه النظم، ويشترط لكافة الأمور القانونية أن تلتزم بأحكام الدستور وألا تخالفه، أما في ظل النظام الإسلامي فإن هذا الوصف يمكن أن يطلق عليه اسم الشرعية، وذلك نسبة لأحكام الشرع، لأنه في ظل النظام الإسلامي لا بد لكافة الأوضاع والمراكز والتصرفات، الدستورية وغيرها، في الدولة الإسلامية أن تخضع للشريعة والإسلامية وأحكامها، ولا تعطي أحكام دستور أية دولة إسلامية، هذه الهيبة وهذا الاحترام دون الشريعة، بل هي المختصة بها ويجب أن يكون الدستور - بمعناه الفني والخاص - تبعا لها في ذلك، في حالة مخالفته للشريعة، يوصف بعدم الشرعية وكذلك من باب أولى سائر القوانين واللوائح التي يجب أن تتمشى مع أحكام الشريعة، وإلا وصفت بعدم الشرعية وتم إلغاؤها، أو الدفع بعدم الشرعية، وتوجب على القضاء أيا كان نوعه أن لا يقبل هذه الأحكام، ولو وردت في الدستور، في حالة مخالفتها للأحكام الشرعية، وذلك لأن الشريعة الإسلامية هي الأصل والمرجع لكافة القوانين مبتدئة بالدستور إلى القوانين العادية، واللوائح التشريعية، والقرارات الإدارية، فكلها يجب أن لا تخرج ولا تخالف حكما شرعيا، وذلك في ظل النظام الإسلامي. ٦ - حرية التدوين: يتميز الدستور في النظام الإسلامي بعدم الالتزام بالتدوين لقواعده وأحكامه، أو عدم التدوين، لأن الأحكام الثابتة للنظام الدستوري الإسلامي معروفة ومستقرة في الكتاب والسنة والإجماع، والأحكام

стр. 90

المتغيرة قد تدون في وثيقة أو عدة وثائق، أو تكون عرفية في حالة استقرار العرف الدستوري على جريان هذه الأحكام والقواعد. فالباحث في مجال الدستور في العهود الإسلامية يجد الحالتين متوفرتين في تدوين الدستور، كما حدث في عهد الدولة العثمانية، وعدم التدوين كما في عهد الراشدين مثلا. وفي حالة التدوين، أو عدمه لا اعتبار لأي حكم أو نظام يخالف الشريعة الإسلامية، وقد جرت العادة في الدساتير أن يكون لها مقدمة أو ديباجة مختصرة تعبر عن روح النظام السائد في البلد، وبالتالي فإن على الدولة الإسلامية أن تنص في مقدمة دستورها على الصدور عن الكتاب والسنة، كمواثيق وأسس يأتي الدستور، وسائر التشريعات الوقتية في حدودها (١) . فالدستور في الدولة الإسلامية منطلق من أسس الإسلام ومنطلقاته ومحدود بها ولا تتحدد هي من خلاله.

стр. 91

[الفصل الثاني تطبيقات دستورية في التاريخ الإسلامي] [المبحث الأول تطبيقات دستورية في عهد الرسول ﷺ ] [الدولة في عهد الرسول ﷺ ] الفصل الثاني تطبيقات دستورية في التاريخ الإسلامي المبحث الأول: تطبيقات دستورية في عهد الرسول ﷺ . المبحث الثاني: تطبيقات دستورية في عهد الخلفاء الراشدين. المبحث الثالث: وقائع دستورية في العهود الإسلامية الأخرى.

стр. 92

المبحث الأول: تطبيقات دستورية في عهد الرسول ﷺ : سبق الكلام في الفصل السابق عن مسائل رئيسة في موضوع الدستور في الإسلام، وهي تعريف الدستور في الإسلام، وتدوينه، وأساليب نشأته ونهايته، ثم كان الحديث عن مصادر الدستور في الإسلام، وخصائصه المميزة له. وحتى تتضح تلك المسائل لا بد من إيراد شيء من التطبيقات الدستورية من العصور الإسلامية المختلفة، بدء بعهد الرسالة بحكم أنه الأساس والقدوة في ذلك، ثم ما تلاه من العهود التي طبقت الإسلام، وحكمت به اقتداء بالرسول ﷺ وصحابته الكرام ﵃، والحديث عن تلك التطبيقات في عهد الرسالة، يستلزم الحديث عن الدولة في هذا العهد بشكل موجز، وهل اكتملت فيه أركانها، ومقوماتها، وضمانات تحقيق هذه المقومات أم لا وذلك لأن الدولة في هذا العهد هي بداية تأسيس الدولة الإسلامية وما بعدها كان استمرارا لها، وبناء على أساسها. أولا: الدولة في عهد الرسول ﷺ : يعتبر عهد النبي ﷺ بقسميه المكي والمدني مرحلة تأسيس وبناء لكيان هذه الأمة، ووضع الأسس والقواعد العامة التي تسير على ضوئها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن الفترة المكية كانت تمهيدا للفترة المدنية، ففي الأولى تكونت نواة المجتمع المسلم، وكان التركيز فيها على قواعد الإسلام، وخاصة فيما يتعلق بعقيدته، فهي أسس لا بد منها قبل البدء في المرحلة العملية، وهي إنشاء الدولة، فتلك الفترة التأسيسية لازمة لتحديد منهج الإسلام وتقريره في النفوس،

стр. 93

وكانت نقطة الانطلاق للمرحلة العملية بيعتي العقبة الأولى والثانية، وبهجرة الرسول ﷺ إلى المدينة واستقراره فيها اكتملت أركان الدولة الإسلامية وهي: ١ - العقيدة والشريعة التي تجمع بين الناس. ٢ - الشعب. ٣ - السلطة السياسية. ٤ - الإقليم. ومن المعروف أن الدولة لا تكتمل قانونيتها عند القانونيين المحدثين، إلا بوجود عدة مقومات هي: ١ - وجود الدستور. ٢ - تدرج القواعد القانونية. ٣ - خضوع الإدارة للقانونية. ٤ - الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية. وهذه المقومات توافرت في الدولة الإسلامية الأولى في الوقت الذي كانت تسيطر على العالم دول استبدادية، كدولة الفرس ودولة الروم، وبالإضافة إلى توافر مقومات الدولة القانونية في دولة الإسلام الأولى، فقد توافرت كذلك ضمانات لتحقيق هذه المقومات هي: ١ - نظام خلقي ونظام روحي كاملان يتفاعلان مع النظام السياسي، يمنعان من بيده السلطة في مختلف المناصب من النزوع إلى إساءة استعمالها، بعكس ما عمدت إليه النظم الوضعية المعاصرة من توزيع السلطات للحيلولة دون إساءة استخدامها؛ فالنظام الإسلامي وضع علاجا لهذا الاستبداد، وتلك النظم أبقت هذا الداء وأوجدت علاجا للتخفيف من مساوئه.

стр. 94

٢ - إضافة إلى ذلك فإن النظام الإسلامي تضمن فصل السلطة التشريعية وهي عمل المجتهدين من تفسير للنصوص، واجتهاد فيما لا نص فيه لاستنباط الأحكام، فصلا مرنا عن السلطتين التنفيذية والقضائية. ٣ - فيما يتعلق بالسلطتين التنفيذية والقضائية، فإن النظام الإسلامي جعل جمعهما وفصلهما مما يدخل في باب المباح، فالجمع جائز كما حدث في عهد النبي ﷺ والتوزيع جائز عند الحاجة كما حدث في عهد عمر ﵁، بشرط ألا يفضي أي منهما إلى مفسدة. ٤ - أن القضاء في النظام الإسلامي عرف الرقابة على أعمال الإدارة، وعلى شرعية القوانين بما يتضمن من استقلال للقضاء، وشروط لاختيار القضاة، ومصدر القضاء الذي هو الكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد، وفق أصول، ومسؤولية القاضي، وحمايته من العزل إلا لأسباب معينة، فذلك كله يشكل ضمانة قوية لرقابة القضاء على أعمال الإدارة وشرعية القوانين. ٥ - نظام التولية في الإسلام والقائم على ركني القوة والأمانة. ٦ - التشريع الإلهي الذي يخضع له كافة المسلمين حكاما ومحكومين وما يتضمنه من حقوق وواجبات، أو ما يمكن تسميته بسيادة القانون الإلهي، مما يشكل ضمانا للعدل والمساواة بين الناس. ٧ - الشورى. ٨ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١) .

стр. 95

وقد أدت هذه الضمانات إلى تحقيق مقومات الدولة القانونية، واحترام الناس للدستور والقوانين، واستجابتهم لمقتضياتها استجابة ذاتية، وكذلك أدت إلى تعاون عامة المسلمين مع أولي الأمر، وما نتج عن ذلك من أمن، واستقرار، وعدل واستيفاء للحقوق، وصيانة لها، وجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض، ونشر دينه بين الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتناصح والتشاور في مصالح البلاد والعباد. [نماذج من التطبيقات الدستورية في العهد النبوي] [بيعتا العقبة] ثانيا: نماذج من التطبيقات الدستورية في العهد النبوي: من المعروف أن الدولة الإسلامية تحتكم في جميع شؤونها إلى الشريعة الإسلامية، إلا أنه يتم التركيز في هذا المبحث على الأمور الدستورية، وذلك بأخذ نماذج دستورية من العهد النبوي الذي هو موضوع هذا المبحث، والعصر النبوي مليء بالتطبيقات الدستورية التي يضيق المجال عن حصرها، ولكن بشكل عام يمكن إجمالها بما أوحى الله لنبيه ﷺ في كتابه من آيات، وما ورد عن الرسول ﷺ من سنن قولية وفعلية وتقريرية من أمور تتعلق بالحكم، والإمارة، والولاية، والملك، والسلطان، والسيادة، والقضاء، والحرب، والسلم، والمعاهدات، وحقوق الأفراد، وحقوق الحكام، وحقوق أهل الذمة، والشورى، والبيعة والطاعة لأولي الأمر، والراعي، والرعية، كل هذه الأمور وما يدور في فلكها مما ورد في الكتاب والسنة من المسائل الدستورية سواء أكانت تطبيقات دستورية مباشرة، أم أسسا يجري التطبيق على أساسها، والسيرة النبوية مليئة بتلك التطبيقات لهذه الأسس. وفيما يلي استعراض لبعض تلك الوقائع الدستورية في العهد النبوي:

стр. 96

١ - بيعتا العقبة: تعتبر بيعة العقبة الأولى هي النواة لتحديد قواعد الأخلاق الاجتماعية العامة التي تعتبر الأساس لمجتمع فاضل (١) وتعتبر بيعة العقبة الثانية بداية الاضطلاع بمسئوليات الحكم الفعلية بالنسبة للرسول ﷺ بما تضمنته من شروط تتعلق بالنصرة والحرب وما تم بعدها من تعيين النقباء الاثني عشر، فاضطلاع الرسول ﷺ بمهامه بوصفه رئيسا للدولة يعتبر واقعة تعني الالتزام بشروط الدولة من قبل الأنصار. وكذلك فإن البيعتين تعتبران بحد ذاتهما واقعتين دستوريتين في العهد النبوي، بل من أهم الوقائع الدستورية في هذا العهد، لأنهما نقطة الانطلاق في إنشاء الدولة الإسلامية. وقد تضمنتا بعض المسائل الدستورية في نصوصهما مثل: أ - الأساس الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية، والمجتمع الإسلامي، وهو توحيد الله ، وهذا الأساس هو أهم المسائل الدستورية للدولة الإسلامية، جاء ذلك في نص البيعة الأولى، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: «بايعنا رسول الله ﷺ ليلة العقبة الأولي على أن لا نشرك بالله شيئا. . .» (٢) .

стр. 97

ب - حقوق الدولة على المواطنين، وذلك في قوله ﷺ في بيعة العقبة الثانية: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقوموا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني - إذا قدمت عليكم - مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم» (١) . جـ - حقوق المواطنين على الدولة ممثلة في شخص رئيسها رسول الله ﷺ ، وجاء ذلك في قول الرسول ﷺ : «. . . بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» (٢) . ومن المعروف أن حقوق الدولة وحقوق المواطنين من الأمور الدستورية المهمة التي يجب النص عليها في الدستور، والتي تنص عليها دساتير دول العالم المعاصرة. د - نتج عن البيعتين إيجاد الجو والمكان الملائمين لنشر دين الله والدعوة إلى توحيده في الأرض، وهذان الأمران هما الغاية التي قامت لأجلهما الدولة الإسلامية، ومن المعروف أن تحديد الغاية التي تقوم لأجلها أي دولة من المسائل الدستورية الرئيسة. هـ - تضمنت البيعة الثانية تعيين النقباء الاثني عشر عن طريق اختيار الأنصار لهم، وفي هذا تطبيق لمبدأ الشورى في اختيار الأشخاص،

стр. 98

حيث ترك الرسول ﷺ ذلك للأنصار، ومبدأ الشورى من المبادئ الدستورية الرئيسة في النظام الإسلامي. و تضمنت البيعة الثانية تنظيم وتحديد أطراف المعاهدة التي على أساسها ستنشأ الدولة، فرسول الله ﷺ نائب عن قومه، والنقباء نائبون عن قومهم، قال رسول الله ﷺ للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحوارين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل قومي» (١) . [الوثيقة الدستورية التي وضعها الرسول ﷺ ] بعد هجرة الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة، آخى بين المهاجرين والأنصار، ووادع اليهود، وكتب في ذلك وثيقة بين سكان الدولة الجديدة اعتبرها بعض الكتاب (٢) دستورا للدولة الإسلامية في ذلك العهد، وهي بلا شك وثيقة دستورية بالغة الأهمية، بما احتوته من تنظيمات عادة ما تكون الدولة الناشئة في حاجة لها، إضافة إلى تميزها بصياغة قانونية شاملة ودقيقة، لا مجال للاختلاف حول مفهومها وتطبيقها، وتعد هذه الوثيقة أهم واقعة دستورية في العهد النبوي، وسنورد نص الوثيقة مفصلة في فقرات، وسنحلل فقراتها ذاكرين الأحكام الدستورية المتضمنة لها.

стр. 99

أ - نص الوثيقة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - هذا كتاب من محمد النبي، بين المؤمنين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. ٢ - إنهم أمة واحدة من دون الناس. ٣ - المهاجرون من قريش على ربعتهم (١) يتعاقلون (٢) بينهم وهم يفدون عانيهم (٣) بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ٤ - وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالقسط والمعروف بين المؤمنين. ٦ - وبنو الحارث على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالقسط والمعروف بين المؤمنين. ٧ - وبنو جشم على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ٨ - وبنو النجار على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ٩ - وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ١٠ - وبنو النبيت على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

стр. 100

١١ - وبنو الأوس على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. ١٢ - وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (١) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. ١٣ - وإن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. ١٤ - وإن المؤمنين المتقين على من بغي منهم أو ابتغى دسيعة (٢) ظلم، أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم. ١٥ - ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينص كافرا على مؤمن. ١٦ - وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بغض، دون الناس. ١٧ - وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. ١٨ - وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم. ١٩ - وإن كل غازية غزت معنا، يعقب بعضها بغضا (٣) . ٢٠ - وإن المؤمنين يبيء (٤) بعضهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.

стр. 101

٢١ - وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. ٢٢ - وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن. ٢٣ - وإنه من اعتبط (١) مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. ٢٤ - وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا، أو يؤويه، وأن من نصره فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ولا يؤخذ منه عدل ولا صرف. ٢٥ - وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله والى محمد ﷺ . ٢٦ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. ٢٧ - وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ (٢) إلا نفسه وأهل بيته. ٢٨ - وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف. ٢٩ - وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف. ٣٠ - وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف. ٣١ - وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف. ٣٢ - وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.

стр. 102

٣٣ - وإن ليهود بني ثغلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. ٣٤ - وإن جفنة بطن من ثعلبه كأنفسهم. ٣٥ - وإن لبني الشطبية مثل ما ليهود بني عوف. ٣٦ - وإن البر دون الإثم. ٣٧ - وإن موالي ثعلبة كأنفسهم. ٣٨ - وإن بطانة يهود كأنفسهم. ٣٩ - وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ﷺ . ٤٠ - وإنه لا ينحجز على ثار جرح (١) . ٤١ - وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظلم. ٤٢ - وإن الله على أبر هذا (٢) . ٤٣ - وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم. ٤٤ - وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.

стр. 103

٤٥ - وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم. ٤٦ - وإنه لا يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم. ٤ - وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. ٤٨ - وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم. ٤٩ - وإنه لاتجار حزمة إلا بإذن أهلها (١) . ٥٠ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله ﷺ . ٥١ - وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره. ٥٢ - وإنه لا تجار (٢) قريش ولا من نصرها. ٥٣ - وإن بينهم النصر على من دهم يثرب وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه. ٥٤ - وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين - إلا من حارب في الدين - على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم. ٥٥ - وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة. ٥٦ - وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه. ٥٧ - وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.

стр. 104

٥٨ - وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم وأنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم. ٥٩ - وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ . انتهى نص الوثيقة (١) . ب - تخرج الوثيقة: وردت هذه الوثيقة بهذا النص المطول عن ابن إسحاق مرسلة، كما ذكر ذلك ابن كثير في البداية، وابن هشام في السيرة، وابن إسحاق هو أول من أورد نص الوثيقة كاملا، وقد ذكر ابن سيد الناس أن ابن أبي خيثمة أورد الوثيقة في تاريخه بهذا الإسناد، حدثنا أحمد بن خباب أبو الوليد حدثنا عيسى بن يوسف حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار فذكر بنحوه، أي بنحو ما أورد ابن إسحاق. ويبدو أن الوثيقة وردت في القسم المفقود من تاريخ ابن أبي خيثمة (٢) كما وردت الوثيقة في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام بإسناد آخر هو: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا حدثنا الليث بن سعد قال حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله ﷺ كتب بهذا الكتاب وسرده (٣) .

стр. 105

كما وردت الوثيقة في كتاب الأموال لابن زنجويه من طريق الزهري أيضا (١) . هذه هي الطرق التي وردت بها الوثيقة بنصها الكامل، وهي متطابقة إلى حد كبير سوى بعض التقديم والتأخير أو اختلاف بعض العبارات مما لا يؤثر على مضمونها (٢) . ويذكر أحد الباحثين (٣) أن الوثيقة موضوعة، وذلك لعدم ورودها في كتب الفقه والحديث الصحيح على الرغم من أهميتها التشريعية، بل رواها ابن إسحاق دون إسناد معتمدا على رواية كثير المزني حاذفا إسناده، وقد نقلها عنه ابن سيد الناس، وأضاف أن كثير بن عبد الله روى هذه عن أبيه عن جده وقد ذكر ابن حبان أن كثير المزني روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنها إلا على جهة التعجب، وسبب الحكم على الوثيقة بالوضع هو تصور أنه لم يروها غير ابن إسحاق، وأنه لم يعثر على إسناد لها سوى ما ذكره ابن سيد الناس من رواية ابن أبي خيثمة من طريق كثير المزني. ولكن أبا عبيد القاسم بن سلام أوردها من طريق الزهري، وهي طريق لا صلة لها بكثير هذا، ونظرا لكون ابن إسحاق من أبرز تلاميذ الزهري، فإن ثمة احتمالا كبيرا أن يكون قد أوردها من طريقه، ثم كون كتب الحديث لم ترو نص الوثيقة كاملا لا يعني عدم صحتها، فكتب الحديث أوردت مقتطفات كثيرة منها تشمل جزءا كبيرا منها (٤) بأسانيد متصلة وبعضها أوردها البخاري ومسلم، فهذه النصوص من الأحاديث

стр. 106

الصحيحة، وقد احتج بها الفقهاء وبنو عليها الأحكام، كما أن بعضها ورد في مسند أحمد، وسنن أبي داود وابن ماجه والترمذي بطرق مستقلة عن الطرق التي وردت منها الوثيقة (١) ومن ذلك ما يلي: «عن علي ﵁ لما سئل هل عندكم من رسول الله ﷺ شيء بعد القرآن، قال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه الله رجلا في القرآن، أو ما في الصحيفة، فقلت: وما في الصحيفة، قال: العقل، وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر» (٢) قال على ﵁: «ما عهد إلي رسول الله ﷺ شيئا خاصة دون الناس، إلا شيء سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي، قال: فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة قال: فإذا فيها من أحدث حدثا أو أوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، قال: وإذا فيها إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة حرام ما بين حريتها، وحماها كله، لا يختلي خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، إلا لمن أشار بها، ولا تقطع منها شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال، قال: وإذا فيها المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» (٣) . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار، أن يعقلوا معاقلهم وأن يقدوا عانيهم بالمعروف والإصلاح بين المسلمين» (٤) .

стр. 107

وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله، ثم إنه كتب أنه لا يحل أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه، قال روح: يتولى» (١) . وقال رافع بن خديج ﵁ قال: «إن مكة إن تكن حرما فإن المدينة حرمها رسول الله ﷺ ، وهو مكتوب عندنا في أديم خولاني» (٢) . عن أنس بن مالك ﵁ قال: «. . . ثم نظر إلى المدينة قال اللهم إني أحرم ما بين لابتيها بمثل ما حرم إبراهيم مكة. .» (٣) . وعن علي ﵁ قال: «ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة، فقال فيها الجراحات، وأسنان الإبل، والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا أو أوي محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك، وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك» (٤) . وعن علي ﵁ قال: « (من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه) فقد كذب، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها قال النبي صلى الله عليه

стр. 108

وسلم: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا، وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا) » (١) . وعن كعب بن مالك ﵁ في قصة قتل كعب بن الأشرف، وقال في آخر الحديث: «. . . ثم دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابا، ينتهون إلى ما فيه، فكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة» (٢) وعن عاصم بن سليمان الأحول قال: قلت لأنس: «أبلغك أن رسول الله ﷺ قال: لا حلف في الإسلام؟ فقال: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في دارى» (٣) . وفي رواية قال: (سمعت أنس بن مالك يقول: «حالف رسول الله ﷺ في دارنا، فقيل له: أليس قال رسول الله ﷺ : لا حلف في الإسلام؟ فقال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا، مرتين أو ثلاثا» (٤) . وذكر ابن القيم ﵀: «أن الرسول ﷺ صالح اليهود وكتب بينهم وبينه كتاب آمن» (٥) وقال ابن حجر: وذكر ابن إسحاق

стр. 109

أن النبي ﷺ «وادع اليهود لما قدم المدينة، وامتنعوا من اتباعه، فكتب بينهم كتابا» (١) . وقال ابن القيم ﵀ في أحكام أهل الذمة: «. . . إن النبي ﷺ لما قدم المدينة وادع جميع اليهود، الذين كانوا بها موادعة مطلقة، ولم يضرب عليهم جزية» ، وهذا مشهور عند أهل العلم بمنزلة التواتر بينهم، قال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن الرسول ﷺ لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية، وهو كما قال الشافعي رحمه الله تعالى، وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصناف من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكانوا (بنو قينقاع وبنو النضير) حلفاء الخزرج، وكانوا (قريظة) حلفاء الأوس، فلما قدم النبي ﷺ هادنهم ووادعهم مع إقراره لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه حتى أنه عاهد اليهود أن يعينوه إذا حارب، ثم نقض العهد بنو قينقاع، ثم النضير، ثم قريظة. قال محمد بن إسحاق: وكتب رسول الله ﷺ يعني أول ما قدم المدينة كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليه وشرط لهم. قال بن إسحاق حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال: (أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب كان مقرونا بكتاب الصدقة الذي كتب للعمال) (٢) ثم ذكر نحو نص الوثيقة التي نحن بصددها الآن، ثم قال:

стр. 110

(وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم) (١) ثم استشهد بحديث جابر بن عبد الله الذي رواه مسلم «أن رسول الله ﷺ كتب على كل بطن عقولة» والذي ذكرناه سابقا. ثم قال: " فكل من أقام بالمدينة ومخالفيها غير محارب من يهود دخل في هذا، ثم بين أن ليهود كل بطن من الأنصار ذمة من المؤمنين، ولم يكن أحد من اليهود إلا وله حلف إما مع الأوس أو مع بطون الخزرج، وكان بنو قينقاع وهم المجاورون للمدينة رهط عبد الله بن سلام حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط البطن الذي بدئ بهم في هذه الصحيفة " (٢) . وبذلك يتبين أن القول بأن الوثيقة موضوعة مجازفة وذلك للأسباب الآتية: ١ - ثبوت المحالفة بين المهاجرين والأنصار، وكتاب الرسول ﷺ في ذلك. ٢ - ثبوت موادعة اليهود، وكتاب الرسول ﷺ في ذلك. ٣ - أن الوثيقة وردت من طرق عديدة تتضافر في إكسابها القوة. ٤ - أن الزهري علم كبير من أعلام الرواد الأوائل في كتابة السيرة النبوية. ٥ - أن أسلوب الوثيقة يدل على أصالتها، فنصوصها مكونة من جمل قصيرة وغير معقدة، وفيها كلمات وتعابير كانت مألوفة في العهد النبوي.
следующие страницы →