[مقدمة]
حقوق الإنسان في الإسلام مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين، أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله تعالى، تبدو في هذا العصر، وعلى المستوى الإنساني كله، شاقة وعسيرة.
كما تبدو مهمة الدعاة داخل المجتمعات التي يعيشون فيها أو خارجها، معقدة ومتشابكة.
ولكن ذلك، لا يعني أن يقل الجهد في أداء الرسالة، أو ينصرف الدعاة عن مواجهة الصعاب، التي تعترضهم في أداء مهمتهم.
إن الدعوة إلى الله، وإلى الدين الحق، وإلى إصلاح النفوس والقلوب، على المستوى الإنساني كله، هي رسالة الأمة الإسلامية، إلى الناس جميعا.
ويجب أن تسير في أداء هذا الواجب، على هدي الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق إلى الناس جميعا، قال تعالى:
стр. 2
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] (سورة الأعراف، الآية ١٥٨) .
وقد وعد الله سبحانه بظهور الإسلام فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] (سورة التوبة، الآية ٣٣) .
وظهور الإسلام على الدين كله، يتحقق بالدعوة إلى الله تعالى، التي تحتاج في هذا العصر إلى التخطيط، واختيار أساليبها المناسبة، ومعرفة الواقع الذي يحياه الناس، في داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها.
كما تحتاج إلى إعداد الدعاة؛ ليكونوا أهلا لنشر كلمة الله بين الناس، لإصلاح القلوب والنفوس.
وفي كتاب الله تعالى، بيان لأساليب الدعوة التي تخاطب العقول والنفوس: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] (سورة النحل، الآية ١٢٥) .
وفي السنة الشريفة القولية والفعلية، المثل الأعلى في ممارسة الدعوة، ومخاطبة الناس، وإصلاح النفوس، وتزكيتها.
стр. 3
وفي عهد النبوة، تقررت أصول الدعوة وآدابها، والسنن التي تسير عليها، على اختلاف المخاطبين، في العقول والأفهام والظروف والأحوال.
ومعرفة هذا مما يجب أن يتسلح به الداعي إلى الله، وهو أول العلم في الدعوة، وأصدق التجربة فيها، وخير دليل لتحقيق المقصود منها.
ولا يستقيم عمل الدعاة في أي زمان ومكان، إلا بالعلم بالكتاب والسنة، ومدارسة علوم الإسلام، عقيدة وشريعة، والتحلي بفضائل الإسلام، واتباع سنة الرسول ﷺ في الإبلاغ والإعلام، والنصح والإرشاد، والشرح والبيان، للمخاطبين بالدعوة، على اختلاف الظروف والأحوال.
وفي هذا العصر بالذات، يحتاج ظهور الإسلام على الدين كله، إلى دعاة يظهرونه بعلمهم، وقدوتهم في مسلكهم، ومعرفتهم بأحوال الناس، وما يشغل حياتهم من أمور الدين والدنيا.
لقد جدت قضايا عديدة، شغلت عقول الناس وفكرهم ونالت حظا وافرا من اهتمامهم وسعيهم،
стр. 4
وينبغي أن يكون الدعاة إلى الله، على علم بهذه القضايا، وما يراد منها، والقائمين بها، وما فيها من خير للناس أو شر.
وأهم من ذلك، أن يضعها الدعاة إلى الله تعالى على ميزان الإسلام، فتوزن به، وتقوم على أساسه، حتى يتميز الخبيث من الطيب، في الأفكار والأعمال، وحتى يعرف المسلمون حقيقة ما يعرض عليهم، ويميزون بين ما ينفعهم منه، فيستفيدون منه، وما يضرهم في دينهم ودنياهم، فيعرضون عنه.
وحين يتعرف الدعاة على حقيقة القضايا التي تثار بين الناس، باسم حقوق الإنسان، أو المساواة بين الرجل والمرأة، أو التسامح الديني، يستطيعون بما عندهم من علم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وبما يعرفونه عن حقيقة هذه الدعوات، وأحوال أهلها والقائمين بها، والأهداف التي ترمي إليها، أن يكونوا هداة للناس إلى الحق فيما يثار، ودعاة إلى الخير، وروادا للإصلاح في مجتمعاتهم.
وبذلك يظهر الإسلام على الدين كله.
стр. 5
وفي هذه الصفحات، ألقي الضوء على قضية تثار في هذه الأيام، ويزداد الإلحاح على أهميتها، وهي قضية حقوق الإنسان.
إن المصطلح جذاب، يغري كثيرا من الناس، والمبادئ براقة، قد ينخدع بها المسلم المعاصر.
ومنذ أكثر من أربعة عشر قرنا، والمسلمون يسمعون عن كرامة الإنسان، والتسوية بين الناس، والتكافل والتراحم بينهم، بل إن المسلمين منذ ظهور الإسلام، وهم يقرؤون آيات الكتاب العزيز، وأحاديث المصطفى ﷺ ترشدهم، وتهديهم إلى هذه المعاني السامية.
ولكن الخطر كل الخطر، والضرر كل الضرر، على المجتمعات الإسلامية، يظهر حينما نوازن بين الشعارات التي تأتينا من كل حدب وصوب عن هذه المبادئ، وبين مفاهيمنا الإسلامية عنها.
فنحن نعرف من ديننا كرامة الإنسان، والمساواة بين الناس، والشورى، والتكافل، والتراحم بين الناس.
فهل ما يدعون إليه، هو ما نعرفه، وما نفهمه عنها، في ديننا؟
стр. 6
فالمبادئ، جذابة وبراقة، وربما تكون المصطلحات واحدة، ولكن ما هو المضمون؟ وما هي المفاهيم؟ وما أثر ذلك في عقيدتنا وأخلاقنا وسلوكنا، حين تخدعنا المبادئ والشعارات وحدها، دون أن نحقق في مضمونها، وفي المفاهيم التي تندرج تحتها؟
المقصود في هذا البحث، أن نتعرف على الحقيقة في قضية حقوق الإنسان، كما تثار في عالمنا المعاصر، وأهم من ذلك، أن نضع شعاراتها، ومفاهيمها، ونتائجها، في ميزان الإسلام، قاصدين من ذلك، الدعوة إلى سبيل الله، وإرشاد المسلمين إلى الحق، وهدايتهم إلى الخير، وإصلاح دينهم ودنياهم: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] (سورة الرعد، الآية ١٧) .
والله المستعان.
عبد الله بن عبد المحسن التركي
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
стр. 7
[حقوق الإنسان في الفكر الغربي]
حقوق الإنسان في الفكر الغربي تظفر قضية حقوق الإنسان، بأهمية كبرى في العصر الحديث، على مستوى الشعوب والدول والمنظمات الدولية.
ويعد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في١٠ / ١٢ / ١٩٤٨ م، تتويجا لحضارة الغرب، ولجهود المفكرين والمصلحين فيه في العصر الحديث.
وقد صدر الميثاق بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة، تعبيرا عن الرغبة في وحدة البشرية، ووحدة حقوق الإنسان، في المجتمع الدولي، الذي قاسى من ويلات الحرب.
وكان تناسي حقوق الإنسان، أو إهمالها، قد أفضى إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، كما ورد في الميثاق.
ولذلك، دعا في مقدمته إلى توطيد احترام الإنسان وحرياته، والعمل عن طريق التربية والتعليم، واتخاذ
стр. 8
إجراءات قومية وعالمية؛ لضمان الاعتراف بحقوق الإنسان، ومراعاتها بصورة فعالة، بين الدول الأعضاء في المنظمة العالمية، وكذلك بين الشعوب الخاضعة لسلطانها.
لقد توج الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، جهودا كثيرة لمفكرين وفلاسفة من الغرب.
وترجع هذه الجهود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، حينما صدرت الماجنا كارتا سنة ١٢١٥م في إنجلترا، التي اكتسب الشعب الإنجليزي بمقتضاها، حقه في تجنب المظالم المالية، التي كانت توقعها به السلطة وقتذاك.
وقد تضمنت وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي سنة ١٧٧٦م ما يعد من حقوق الإنسان، بتأكيدها على الحق في الحياة والحرية والمساواة.
وأصدرت الثورة الفرنسية وثيقة إعلان حقوق الإنسان في ٢٦ / ٨ / ١٧٨٩ م، وهي تعد إعلانا عن هذه الحقوق. وهكذا سبقت هذه المواثيق، الميثاق العالمي لحقوق
стр. 9
الإنسان، الذي يعد خطوة هامة وحاسمة، بعد جهود المفكرين والفلاسفة الأوروبيين لعدة قرون، والتي استهدفت حماية الشعوب من المعاناة والآلام، التي كانت ترزأ تحتها من السلطات الإدارية والدينية في أوروبا، خلال عصور الظلام، وبدايات عصر النهضة الأوروبية.
تلك المعاناة التي ترجع إلى استبداد الحكم الإقطاعي ورجال الكنيسة، واندفاع الكنيسة إلى محاربة كل الاتجاهات الفكرية، التي تسعى إلى تحرير عقل الإنسان ونفسه.
وهذه العوامل كلها، لم يكن لها وجود في الإسلام، عقيدة وشريعة، أو حضارة.
وثمة مسألة، ينبغي ذكرها، وهي:
أن فكرة حقوق الإنسان هذه، التي نشأت في داخل القارة الأوروبية، استخدمت في تحرير الإنسان الأوروبي من طغيان السلطة ورجال الكنيسة، ولم تمتد هذه الفكرة، لتشمل بالحماية شعوبا بأكملها، خضعت للاستعمار الأوروبي في العصر الحديث، بل لاقت منه
стр. 10
من المظالم والاستبداد، كل ما يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان.
إن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والذي يربط البعض بينه وبين ميثاق الأمم المتحدة، قد ركز النظر على حقوق الإنسان على المستوى الدولي.
ولم تصبح هذه القضية في كل دولة، خاضعة لاعتبارات السيادة الوطنية، بل امتزج الاعتراف بهذه الحقوق وممارساتها بطابع دولي، ولم تعد علاقة الدولة بالفرد خارجة عن إطار القانون الدولي، ولا تهم سوى القانون الداخلي.
بل أصبح لها طابعها الدولي المميز، والذي جعل موضوع حقوق الإنسان يخرج من إطار النسبية الزمانية والمكانية، التي كانت تستغل من جانب النظم الاستبدادية، كالنازية والفاشية والنظم الماركسية، في إهدار كرامة الأفراد، كما استغلت من جانب الدول الاستعمارية، في التعامل غير الإنساني، وغير العادل، مع الشعوب التي كانت خاضعة لسلطانها في العصر الحديث.
стр. 11
غير أن لذلك الأمر، وهو الطابع الدولي لحقوق الإنسان، محاذيره.
فقد أصبح موضوع حقوق الإنسان، موضوعا متشابكا ومعقدا، يختلط فيه الفكر بالمواقف، وأصبح هذا الموضوع، يشغل العالم في الوقت الحاضر، وربما لعقود قادمة.
لقد أصبحت قضية حقوق الإنسان الآن، أحد أسلحة السياسة الخارجية للدول الكبرى، يبدو ذلك في استخدام قضية حقوق الإنسان، معيارا في تقديم المساعدات الدولية للدول النامية، فتحجب هذه المساعدات عن الدول التي تخالف، أو تتهم بمخالفة حقوق الإنسان، في نظر الدول القوية.
كما ظهرت فكرة إنشاء وظيفة "مفوض سامي" في الأمم المتحدة؛ لمراعاة تطبيق مبادئ حقوق الإنسان.
ولا يخفى ما يترتب على تنفيذ ذلك من مشكلات في الواقع المعقد لنظام عالمي جديد، أعلن عن وجوده منذ سنوات، ولم تتبلور حتى الآن اتجاهاته وقيمه الأساسية وموازينه، مما يفتح الباب لصور من التدخل
стр. 12
غير المسوغ في الشؤون الداخلية للدول، تحت شعار حقوق الإنسان.
ومن ناحية أخرى، فإن أطرافا أخرى غير الدول والحكومات، أصبحت بمقتضى أهدافها وأنشطتها، ذات صلة كبيرة بالموضوع، مثل الجمعيات الأهلية، والمنظمات غير الحكومية، في البلاد المختلفة.
لقد كان للمنظمات غير الحكومية، أثر مهم في مؤتمر فينا لحقوق الإنسان، الذي انعقد في الفترة من ٢٤ ذي الحجة ١٤١٣ هـ إلى ٥ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ١٤- ٢٥ يونيه ١٩٩٣م، وشاركت فيه المملكة العربية السعودية بوفد على مستوى عال، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية.
وكان عمل المنظمات غير الحكومية فيه، مكافئا ومناظرا للدول والحكومات.
مما يفتح الباب لمزيد من الاقتناع بالحق في التدخل الدولي في البلاد التي تتهم بخرق مبادئ حقوق الإنسان، في نظر هذه الدول، أو هذه المنظمات الأهلية، تحت ستار المحافظة على تطبيق مبادئ حقوق
стр. 13
الإنسان.
ومن بينها منظمات، رسخت عملها في هذا المجال، ولها تقاريرها التي لا تخلو من افتراءات، ولا تقيم وزنا للخصوصية الاجتماعية والثقافية والدينية للشعوب، إزاء نموذجها الغربي الوحيد.
стр. 14
[نقد النظرة الأوروبية لحقوق الإنسان]
نقد النظرة الأوروبية لحقوق الإنسان لقد نشأت المدرسة الأوروبية الأولى لحقوق الإنسان، نشأة سياسية، خلال القرن الثامن عشر الميلادي، وكان هدف مفكريها وقادتها، هو تأكيد الحريات العامة في المجتمع، وجعلها بعيدة عن متناول السلطة المستبدة، حتى لا تستطيع إهدارها، دون جزاء قانوني.
ولذلك ارتبطت حقوق الإنسان في أوروبا، بموضوع الحريات العامة، التي كانت تنص عليها الدساتير.
ولم يكن ذلك سديدا؛ لأن الأنظمة السياسية تختلف، ومن شأن ذلك، إضعاف فكرة حقوق الإنسان، وإضفاء طابع النسبية عليها، وجعل الحقوق والحريات العامة، كأنها تمارس ضد السلطة أو رغما عنها.
ولقد ظل توحيد مصطلح الحريات العامة، مع مصطلح حقوق الإنسان، فترة طويلة؛ إذ كان تأكيد الحريات العامة، وترسيخ مبدأ حصول الفرد عليها في مواجهة السلطة، هو ما شغل المفكرين، لا سيما من
стр. 15
رجال القانون.
ذلك؛ لأن بعض هذه الحريات العامة، مثل حرية الفكر والرأي، شديدة الاتصال بالسلطة وبالنظام السياسي السائد، فكان الهدف، هو أن تتضمن الدساتير نصوصا هذه الحريات، وضمانات لتطبيقها.
ويرجع ذلك في الأساس، إلى أن شعوب دول أوروبا على وجه العموم، كانت تعاني من استبداد السلطة وتحكم رجال الكنيسة.
لقد تطورت المدرسة الأوروبية في حقوق الإنسان، ناظرة إلى فكرة (الحق) في ذاتها.
ومقتضى ذلك، أن تكون حقوق الإنسان، هي تلك الحقوق التي يتعين الاعتراف بها للفرد؛ لمجرد كونه إنسانا، ولا يشترط أن يكون لها حماية قانونية، بل العبرة بكونها من حقوق الإنسان، لا يكون السلطة تمنحها أو تحميها.
وهذا التطور في فكرة حقوق الإنسان، يبدأ بالانطلاق من فكرة الحق ذاتها، وهو أساس مغاير لما سبق في نشأة
стр. 16
المدرسة الأوروبية في حقوق الإنسان، التي بدأت النظر في الموضوع، باعتبار أن حقوق الإنسان، هي الحريات العامة التي تمارس ضد السلطة.
وهو نظر منتقد أيضا؛ لأن بعض الحقوق لا يمكن اعتباره حرية من الحريات، مثل حق الإنسان في التأمين الاجتماعي، فهذا الحق ليس في معنى الحرية أو غيرها من صور الحريات العامة.
أما في النظر الإسلامي، فإن تلك الحقوق ينبغي أن تكون عامة، يتمتع بها الفرد في مواجهة الغير، وليس في مواجهة السلطة وحدها.
فكرامة الإنسان في النظر الإسلامي، قيمة في ذاتها، والإنسان يتمتع بها في مواجهة الجميع، وليس في مواجهة السلطة وحدها.
وقد بدأ الإسلام، الخطوة الأولى والحاسمة بتحرير الإنسان من كل ما يضعف إرادته الحرة، في داخل الإنسان نفسه ومن خارجه، مما سنذكره فيما بعد.
والتطور الذي حدث في المدرسة الأوروبية الحديثة، قد يتفق مع النظر الإسلامي، في أن هذه الحقوق تثبت
стр. 17
للإنسان بوصفه إنسانا، وأنها لا تتوقف في وجودها وعدمها، على تقرير القانون لها؛ لأنه لا ينشئها.
وإذا كان النظر الوضعي، يرجع نشأتها إلى أنها تنبثق من ضمير الجماعة، فإن المسلمين يرجعون استحقاقهم لها، باعتبارهم آدميين، إلى إرادة الله ، وحكمته وتشريعه، وتفضله عليهم.
والسبب، في النظر الوضعي الأوروبي إلى مصدر هذه الحقوق، وأنه ضمير الجماعة، يرجع إلى الرغبة في الابتعاد عن الدين مصدرا لهذه الحقوق.
ولذلك جعل ضمير الجماعة معبرا عن الرغبة في إعلاء مصدر هذه الحقوق، دون الاقتراب من المصدر الحقيقي لكافة حقوق الإنسان، وهو شرع الله تعالى ودينه، كما هو في النظر الإسلامي.
وهذا لا يتفق مع فكر مئات الملايين من البشر، الذين يرون أن نسبة حقوق الإنسان وإسنادها إلى الله ، أعظم ضمان في الاقتناع والتطبيق العالمي؛ لأن في ذلك إعلاء ورفعة لشأنها.
إن حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية، تنبع من
стр. 18
فكرة مستقلة عن إرادة البشر، وعن النسبية الزمانية، والمكانية، والمفاهيم المتعددة، أي معايير التطبيق المختلفة في المجتمعات الإنسانية، على اختلاف النظم والقوانين.
هي بإيجاز، من نعم الله- على عباده، جاءت في الشريعة الإسلامية، في نصوصها، وأصولها العامة، وألزمت بها الكافة، الحاكم والمحكوم، والدول والشعوب، وهي ليست سلاحا في يد السلطة، أو مسوغا لخروج الناس على المجتمع أو الحكام.
والنظر الإسلامي، يتلافى عيب النسبية الزمانية والمكانية، ويجعل حقوق الإنسان في مواجهة الكافة، ويقيم ضمانا لهذه الحقوق، باعتبار مصدرها، وذلك أقوى الضمانات عند التطبيق والممارسة.
ومن الخطأ الادعاء بأن قيم حقوق الإنسان في النظر الوضعي، مثل الحرية والمساواة، مطلقة لا تتغير بحسب المجتمعات الإنسانية وأحوالها وزمانها ومكانها.
ذلك، أن مفهوم حقوق الإنسان، لا يمكن اعتباره مفهوما علميا صارما، يخضع في التقويم لمعايير واحدة،
стр. 19
في كل المجتمعات على اختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال.
وعلى سبيل المثال، فإن الحق في الحرية والعدالة والمساواة، وهي حقوق أساسية من حقوق الإنسان في العصر الحديث، لا تظفر بذات التقدير والوزن في كل المجتمعات، ولا توضع في نفس الدرجة من حيث الأهمية والأولويات.
فبعض الدول، تعطي الحرية مفهوما سياسيا ظاهرا، وبعضها يعطيها مفهوما اجتماعيا أو ثقافيا أو فرديا، بل يعطيها مفهوما جنسيا، فيما يطلق عليه الحرية الجنسية، وهي الفوضى بذاتها.
والمساواة قيمة عليا للإنسان، تخضع لظروف المصالح المادية وللمفاهيم الاجتماعية.
والعدالة، تفسر في كثير من الأحيان وفق المصالح والأهواء.
إن مفهوم القيم، يبدو متغيرا ونسبيا.
ولا يمكن الاتفاق على مفهوم واحد للحرية أو المساواة، وضوابط هذا المفهوم التي تضمن صحته
стр. 20
وبقاءه في التطبيق، مما يظهر لنا أن الاعتماد في تحديد القيم الإنسانية العليا ومفاهيمها وضوابطها، ينبغي أن يتجرد من النسبية الزمانية والمكانية.
ونعتقد عن يقين، أن ذلك لا يتأتى إلا إذا اعتمدنا في ذلك على مصدر تشريعي أسمى وأعلى من قوانين الزمان والمكان والبشر، يخضع له الإنسان بوصفه إنسانا عن إيمان واقتناع.
فالتجرد من النسبية في موضوع حقوق الإنسان، لا يتأتى إلا عبر هذا الطريق وحده، وهو لدى المسلمين، يتمثل في الشريعة الإسلامية بمصدرها الإلهي، في أصولها ونصوصها.
ولا ينكر أن ما توصلت إليه المدرسة الحديثة من تطور في فهم حقوق الإنسان، يعد خطوة على الطريق الذي ألمحنا إليه.
وبمقتضاه، فإن حقوق الإنسان، لها مصدر أعلى من التنظيم الاجتماعي، الذي يأخذ به مجتمع معين في زمن بعينه، بمقتضى قوانينه وأعرافه وتقاليده ومواريثه الثقافية.
стр. 21
غير أن هذا التجريد في إسناد حقوق الإنسان إلى ضمير الجماعة، لا يكفي في الوصول إلى العالمية التي تنشدها الإنسانية والتاريخ الإنساني.
يوضح لنا ذلك بجلاء، أن ضمير الجماعة، قد قبل في الزمان والمكان، ما يعد من أبشع المظالم وأكثرها مناقضة لفكرة حقوق الإنسان.
لقد قبل الضمير الإنساني في مجتمعات عديدة وأزمان معينة، لا سيما في الإمبراطوريات القديمة، وحتى في بعض النظم السياسية في العصر الحديث، وفي أوروبا بالذات، إهدار قيمة الحياة الإنسانية لأتفه الأسباب، وقبل إيقاع المظالم والمآسي بمجتمعات أخرى مخالفة في الدين أو العرق أو حتى في المصالح، وليس أدل على ذلك من قراءة سريعة للاستعمار الأوروبي في أفريقيا وآسيا.
إن ضمير الجماعة، لا يصلح مصدرا علويا لحقوق يفترض أنها تعم الإنسانية، ويستحقها الفرد باعتباره آدميا.
إن مفاهيم حقوق الإنسان حتى في الحقوق
стр. 22
الأساسية، مثل حق الكرامة الإنسانية والمساواة، والضمان الاجتماعي، تكتسب قيمة نسبية تبعا للمفاهيم التي يعطيها ضمير الجماعة، والذي يتكون ولا شك في زمن معين ومكان بعينه، وتبعا لظروف متباينة، وفي ذلك ما فيه من الخطورة.
ولا تصح عبارة ضمير الجماعة، إلا إذا قصد بها الضمير الإنساني السوي على امتداد الزمان والمكان، وعندئذ نصل إلى أنه الضمير، الذي غرسته قيم الرسالات الإلهية في الإنسان، على تتابع الوحي والرسالات، حتى ظهور الإسلام خاتمها وناسخها، الذي يجب أن يتعبد الناس ربهم وفق شريعته.
لقد كان القصد من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر بتاريخ ١٠ / ١٢ / ١٩٤٨ م، أن يكون نموذجا عالميا مشتركا لكل الشعوب، حتى تتعزز مكانة حقوق الإنسان، فيكون مجرد خطوة، يجب أن تتبعها صياغة لقانون دولي لحقوق الإنسان، يكون له قوته الإلزامية.
وعملت هيئة الأمم المتحدة، على أن يتحول ما ورد في
стр. 23
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى اتفاقية دولية، وفي هذا الاتجاه تم إنجاز اتفاقيتي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والمدنية والسياسية، وصدرت الاتفاقيتان في ١٦ / ١٢ / ١٩٦٦ م، وبدأ نفاذهما عام ١٩٧٦ م.
وإلى جانب هاتين الاتفاقيتين، فإن الاهتمام بقضية حقوق الإنسان ظهر في اتفاقيات عديدة، مثل: الاتفاقية الدولية لإزالة التمييز العنصري، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية حماية حقوق العمال المهاجرين.
وقد تم العمل والممارسة في التصدي لموضوع حقوق الإنسان على المستوى العالمي، عبر إطارات متعددة في هذا المجال، وعلى رأسها الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية، مثل جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
وتعتمد المنظمات الدولية على لجان من الخبراء الذين يتولون بحث الموضوعات المتعلقة بحقوق الإنسان، أو مراقبة تطبيقها في الدول المختلفة، وفحص التقارير والبيانات المقدمة بشأنها.
وقد أفرز الاهتمام بالموضوع على مستوى الشعوب،
стр. 24
منظمات غير حكومية، تمتع بعضها بتقدير مبالغ فيه، مثل منظمة العفو الدولية، التي لا تخلو تقاريرها من الهوى والغرض، ويعيبها الجهل بالخصائص الدينية والثقافية والاجتماعية للمسلمين والشعوب غير الغربية.
ولا بد من الإشارة إلى فارق أساسي وجوهري بين التشريع الإسلامي، وبين كل النظم القانونية الوضعية، يظهر أثره في موضوع حقوق الإنسان ظهورا وافيا.
ففي الشرع الإسلامي، تعتبر الشريعة الإسلامية، هي مصدر الحقوق كلها، ولا يوجد حق مقرر للإنسان يخرج عن نصوصها أو قواعدها الكلية، وبذلك تكون الشريعة الإسلامية، هي أساس الحق ومصدره، وسنده وضمان وجوده والحفاظ عليه في المجتمع.
أما في التصور الوضعي فإن الأمر على العكس من ذلك تماما.
إن الحق فيه، هو أساس التشريع والقانون.
هذه هي القاعدة، ومعناها: أن كل ما يراه المجتمع حقا، يصبح - تبعا لذلك - قانونا ونظاما في المجتمع، فالحق هنا، أساس القانون والنظام، الذي تضعه
стр. 25
السلطة القائمة، أيا كان مصدر شرعيتها.
وليس مصدره تشريعا ربانيا، ولكن مصدره، ما يراه الناس في وقت معين ومكان معين ومجتمع بذاته.
وهو أيضا، ما لا يراه جميع الناس، بل تراه الأغلبية منهم، أيا كان قدر هذه الأغلبية.
أما نحن- المسلمين- فإننا نملك معيارا عاما ومجردا لتحديد الحقوق، هو الشرع الإلهي، وهو معيار، يخضع له الجميع عن إيمان واقتناع.
بينما الأمر في النظم الوضعية على خلاف ذلك؛ إذ إن المعيار الذي تتحدد الحقوق على أساسه، معيار نسبي بطبيعته، وقابل للتغيير بحسب الزمان والمكان والمجتمعات، واختلاف مواريثها الدينية والثقافية، وهو معيار، قابل للجدل والمناقشة والإقرار والإنكار، بحسب اختلاف الظروف في المجتمع، والسلطة القائمة عليه، وقد يصبح هو الأساس، بينما لا يقر ذلك مجتمع آخر، أو المجتمع نفسه في وقت لاحق.
ومهما حاولت النظم الوضعية، أن تتجنب هذه النسبية، بإسناد حقوق الإنسان إلى ضمير الجماعة، فإن
стр. 26
هذا الضمير يتكون وفقا لمعطيات نسبية زمانيا ومكانيا، لا سيما أن لفظ الجماعة، ينبغي أن ينصرف في هذا المجال إلى الجماعة الإنسانية كلها، وهو أمر لا وجود له حتى الآن في الواقع المعيش.
بينما يترسخ هذا المبدأ، وهو الوحدة الإنسانية في الإسلام، والذي جاء أساسه في القرآن الكريم واضحا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (سورة الحجرات، الآية ١٣) .
والإنسانية كلها في النظر الإسلامي، جاءت من نفس واحدة، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] (سورة النساء، الآية ١) .
وفي الشرع الإسلامي، تظهر سلامة القاعدة وصحتها.
إن الشريعة أساس الحق ومصدره، وهي شرع الله
стр. 27
عز وجل لبني الإنسان في كل زمان ومكان.
هنا يكون للحق مصدر إلهي، علوي، بعيد عن قيود الزمان والمكان، واختلاف الظروف والأحوال في المجتمعات الإنسانية.
والسلطة في النظر الإسلامي تعد في مركز الأمين، الذي يرعى مصالح الناس، فهي ليست طرفا في مواجهة الناس يحمون أنفسهم منه، وهي سلطة تتقيد بالشريعة الإسلامية في نصوصها ومبادئها الكلية.
وهذه الفكرة، وهي أمانة السلطة ومسئوليتها عن الناس، فكرة إسلامية المنشأ والمصدر، وهي تجعل المجتمع يتعاون مع السلطة.
ونؤكد هنا، أن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في العرض والتقويم، يعبر عن فكر الغرب وحضارته فحسب.
وبعض المعايير التي يأخذ بها أساسا للحكم والتقويم، تكشف ذلك بوضوح.
فعلى سبيل المثال، وبحسب مقياس (هومانا) الذي يعتد به في هذا المجال، فإن عقوبة الإعدام، تعتبر
стр. 28
انتهاكا لحقوق الإنسان.
وحق المرأة في تكوين الأسرة بحسب هذا المعيار، يجب أن يكون مطلقا، بغض النظر عن الضوابط الدينية، التي يؤمن بها مئات الملايين من البشر.
بل إن فرض عقوبة على ممارسة الشذوذ الجنسي، يعد انتهاكا لحقوق الإنسان.
ولا يخفى أن مثل هذه المعايير، لا يمكن أن تظفر بالاحترام، أو حتى بالموافقة على المستوى العالمي.
فإن تعدد الحضارات والثقافات والمواريث الاجتماعية، فضلا عن الرسالات الإلهية، يوجب أن تكون المعايير والمفاهيم متعددة.
قد تكون مبادئ ميثاق حقوق الإنسان، مقبولة لدى البعض.
لكن المفاهيم، ومعايير التقويم، وضوابط التطبيق، يجب أن تكون نسبية، مراعاة لتعدد الثقافات والمواريث الاجتماعية في العالم المعاصر، بحيث يتاح لكل دولة أن تكون نظمها السياسية وقوانينها وتشريعاتها، معبرة عن مصالح شعبها وقيمه ومواريثه الحضارية، في
стр. 29
نطاق كرامة الإنسان، وهو أول مبادئ حقوق الإنسان وأهمها، على اختلاف الحضارات والثقافات، والمواريث التاريخية والاجتماعية في شعوب العالم.
ونشير إلى أن مداولات مؤتمر فينا الذي انعقد في الفترة من ٢٤ ذي الحجة ١٤١٣هـ الموافق ٥ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ١٤ -٢٥ يونيه ١٩٩٣ م، قد كشفت عن اقتناع كثير من الدول بهذا المنطق السليم، لا سيما الدول النامية، التي هالها اختلاف المفاهيم وازدواج المعايير عند الحكم والتقويم، حتى إن بعض المبادئ والقيم الأساسية في حقوق الإنسان تتراجع، ولا تلقى حماية، حينما يظهر تعارضها مع مصالح كثير من الدول وأهدافها السياسية.
بينما تتخذ هذه المبادئ والقيم سلاحا ضد بعض الدول، حينما تتفق مع المصالح السياسية للدول الكبرى بالذات.
ويمكن النظر إلى ازدواجية معايير الحكم والتطبيق في قضايا إسلامية عديدة في الوقت الحاضر، مثل قضية شعب البوسنة والهرسك، أو قضية كشمير، أو قضية
стр. 30
فلسطين.
إن المعايير، تتعدد بحسب المصالح، بل بحسب التعصب العرقي أو الديني.
ومن المحزن أن انتهاكات حقوق الإنسان، التي أفزعت الضمير الإنساني العالمي في هذه القضايا، لم تواجه بموقف عادل من الدول الكبرى، للدفاع عن مبادئ حقوق الإنسان، ورد العدوان عليها.
وكان النظر إلى ما جرى من مذابح وقتل وتشريد واغتصاب للنساء، محكوما بالمصالح السياسية لهذه الدول.
وحتى المنظمات الأهلية الشهيرة، مثل منظمة العفو الدولية، اكتفت بمجرد الإدانة الباهتة، ولم تلاحق المسؤولين عن هذه الجرائم الكبرى، بنفس الحماس الذي تظهره في شأن واقعة فردية تحدث في دولة أفريقية أو آسيوية.
стр. 31
[خصائص النظرة الإسلامية لحقوق الإنسان]
خصائص النظرة الإسلامية لحقوق الإنسان أولا: موقع الدين في حقوق الإنسان: من الضروري، أن نشير ابتداء إلى حقيقة كبرى تخفى على كثير من غير المتخصصين في موضوع الرسالات الإلهية والتشريع الإسلامي على وجه خاص، بل وقد تلقى هذه القضية عدم الاهتمام أو الإغفال، من جانب بعض المتخصصين، لا سيما في دائرة الفكر الغربي بالذات.
إن الدين في الفكر الغربي منذ بداية العصر الحديث، ينسحب تدريجيا من حياة الفرد والمجتمع، ويزداد الاقتناع بأن مجاله الوحيد علاقة الإنسان بربه فحسب، وأن أثره في إصلاح المجتمع أثر هامشي.
وبسبب الظروف التاريخية والسياسية في أوروبا، في العصور الوسطى، فقد ساد بعد الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩ م مبدأ فصل الدين عن الدولة، ثم بعد ذلك كانت أكبر المحاولات لعزل المجتمع عن الدين، على يد الماركسية، التي طبقت في بداية القرن العشرين
стр. 32
(١٩١٧م) ، وانهارت فكرا وتطبيقا في نهايته.
ويبدو الفكر الغربي تجاه الدين واضحا من تعريف الدين ذاته، فهناك عشرات التعريفات للدين، وهي تتسع لكل الآراء التي تحاول إبعاد الدين عن حياة الناس، أو جعله غامضا في فكرته أمام الفرد.
وذلك مرفوض رفضا قاطعا في الإسلام، لأسباب واضحة لا حاجة إلى تفصيلها.
وقد أثير الخلاف حول مفهوم الدين في موضوع حقوق الإنسان بالذات، في لقاء عقد بين علماء من المملكة العربية السعودية، وبعض كبار رجال القانون الأوروبيين.
فمنذ أكثر من عشرين عاما، أبدى بعض كبار رجال القانون والفكر في أوروبا، عن طريق سفارة المملكة العربية السعودية في باريس، رغبة في الاجتماع بعلماء من المملكة العربية السعودية، للتعمق في مفاهيم حقوق الإنسان في الإسلام.
ونظمت وزارة العدل في المملكة خلال شهر صفر ١٣٩٢ هـ (مارس ١٩٧٢م) ندوات ثلاثا، حضرها من
стр. 33
المملكة معالي وزير العدل، وعدد من العلماء وأساتذة الجامعات.
ومن الجانب الأوروبي أربعة من أساتذة القانون الكبار:
الأول: وزير خارجية إيرلندا السابق، والأمين العام للجنة الأوربية التشريعية.
والثاني: من المستشرقين، ومن أساتذة الدراسات الإسلامية.
والثالث: من أساتذة القانون العام، ومدير المجلة الدولية لحقوق الإنسان، التي تصدر في فرنسا.
والرابع: من كبار المحامين في محكمة الاستئناف في باريس.
وفي وثائق الندوة، أن الجانب الأوربي طرح مسائل عدة، كان يعتبرها من جانبه من المسائل الحساسة، ولكن الجانب السعودي استقبلها بترحاب، وأبدى استعداده للإجابة عليها.
стр. 34
وموجز هذه المسائل: أولا: أن المملكة العربية السعودية، تتخذ القرآن الكريم دستورا لها وأصلا لقوانينها، وقد نزل القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا، وهو ما يراه الجانب الأوروبي جديرا بالملاحظة.
ثانيا: ما نزل به القرآن من عقوبات الحدود، كالقتل والقطع والجلد.
ثالثا: قضية المرأة.
رابعا: مسألة حظر التنظيمات النقابية، وعدم وضع دستور (نظام حكم) .
وتساءلوا، عما إذا كان يوجد في المملكة محاكم استئناف، وهو ما يعترض على عدم وجوده رجال القانون في العالم المعاصر.
كانت إثارة هذه المسائل، فرصة للجانب السعودي، أن يبرز المفاهيم الإسلامية الصحيحة أمام الأساتذة الأوروبيين.
وكان ذلك عملا دعويا متميزا.
إذ إن كثيرين من علماء الغرب ومفكريه، يأخذون
стр. 35
علمهم عن الإسلام وأركانه وعباداته وشعائره ومعاملاته، ممن لا يعرفون حقيقة الإسلام ومفاهيمه الصحيحة وأهدافه السامية، لا سيما في موضوعات يهتم بها الغرب أشد الاهتمام، ولمجتهد في إقناع الناس بها، بعيدا عن كل هدي إلهي.
فهم في موضوع حقوق الإنسان بالذات- كما ذكرنا من قبل- لا يجعلون للدين مكانا في هذه القضية، ويعرضون عنه بالكلية.
فالحقوق عندهم، قررها الإنسان لنفسه.
وعندما يعرض إشكال لا بد من عرضه، وهو أن النظم القانونية كلها، تعرف السلطة الأعلى التي تمنح الحق، وتعرف من يتلقى الحق ويتمتع به.
بناء على ذلك يقال- وقد أشرنا إلى ذلك-: إن هذه الحقوق مصدرها ضمير الجماعة، وكلمة الضمير كلمة غامضة، أما ضمير الجماعة، فهو الضمير الغائب فعلا، والذي افترضه هؤلاء افتراضا.
وفي هذا اللقاء لشرح علماء المملكة مفهوم الدين عند المسلمين وعند غيرهم، وميزوا فيه بين القواعد العامة
стр. 36
الثابتة في الشريعة الإسلامية، وبين الأحكام الجزئية والتفصيلية فيها، وكشفوا عن أن الشريعة، تحفظ المصالح الحقيقية للعباد في مضمونها وقواعدها، وبينوا أن العقوبات الحدية على جرائم خطيرة وقليلة، هي سياسة جنائية حكيمة تحفظ أمن الناس، وتقلل إلى أبعد حد من انتشار الجريمة، والاستهانة بأرواح الناس وأعراضهم وأموالهم.
هذا العمل الدعوى المهم، الذي قام به علماء ودعاة مؤهلون، لمواجهة فكر يتعارض مع أصول الدين الإسلامي وشريعته وقيمه، كانت نتيجته، أن أبدى الجانب الأوروبي إعجابه بما سمع عن الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان فيها.
وقال رئيس الوفد المستر ماك برايد: (من هنا ومن هذا البلد الإسلامي، يجب أن تعلن حقوق الإنسان لا من غيره، وأنه يتوجب على العلماء المسلمين أن يعلنوا هذه الحقوق المجهولة على الرأي العام العالمي، والتي كان الجهل بها، سببا لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين والحكم الإسلامي) .
стр. 37
كما قال أحد أعضاء الوفد: (بصفتي مسيحيا، أعلن أنه في هذا البلد، يعبد الله حقيقة، وأنه يوافق السادة العلماء، في أن أحكام القرآن في حقوق الإنسان بعد أن سمعها، ورأى الواقع في تطبيقها، تتفوق بلا شك على ميثاق حقوق الإنسان) .!!
لقد ظهر في هذه الندوات جانب من الطابع المميز للنظر الإسلامي، في موضوع حقوق الإنسان.
ثانيا: إن أي حق للإنسان في الإسلام باعتباره آدميا، إنما يكون نتيجة لما تقرر في الأحكام الشرعية، التي وردت في القرآن أو السنة النبوية، وليس نتيجة تطور اجتماعي أو سياسي، كما هو الحال في التفكير الغربي، الذي بدأ يعرف ما يسمى بحقوق الإنسان في العصر الحديث، بعد تطور طويل، ونمو في الدراسات القانونية والاجتماعية والسياسية.
لقد ورد النص في القرآن الكريم على تكريم بني آدم. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] (سورة الإسراء، الآية ٧٠)
стр. 38
وبعد ذلك بقرون طويلة، تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفس اللفظ، إذ تبدأ ديباجة الإعلان بالاعتراف (بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية) .
ثالثا: إن حقوق الآدمي في الإسلام- ولفظ الآدمي بذاته ينفي كل تفرقة تقوم على العرق أو اللون- وردت جزءا من الشريعة الإسلامية، وترتبط ارتباطا وثيقا بالبناء العقدي والأخلاقي فيه.
فحقوق الآدمي، مضمونة بالنصوص الشرعية التي تنص على الحق، وعلى ضماناته، بل وعلى الجزاء المقرر عند انتهاكه.
فالحق في الحياة مضمون: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] (سورة الأنعام، الآية ١٥١) .
والجزاء مقرر عند انتهاك هذا النص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] (سورة البقرة، الآية ١٧٨) .
стр. 39
وهو جزاء يوقع بشروط شرعية دقيقة مفصلة في كتب الفقه، وهي شروط تضمن حق المجتمع وحق الفرد معا.
وكذلك، فإن الحق في التكافل الاجتماعي منصوص عليه في قول الله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ - لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] (سورة المعارج، الآيتان ٢٤، ٢٥) .
وفريضة الزكاة، وهي ركن من أركان الإسلام، بينت وحددت الأموال التي تخصص لتحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، وبين الله تعالى في القرآن الكريم، الفئات التي تستحق أن يوفر المجتمع سبل معيشتها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] (سورة التوبة، الآية ٦٠) .
وهكذا في حقوق الآدمي التي وردت في الشريعة، كالمساواة بين الناس.
إذ جعل القرآن الكريم معيار التفاضل بين الناس،
стр. 40
هو التقوى، وهي خشية الله تعالى، والالتزام بالعمل الصالح، كما في كتاب الله، وسنة نبيه، نتيجة هذه الخشية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (سورة الحجرات، الآية ١٣) .
وحظر الإسلام تفاضل الناس على أساس العرق واللون.
وعندما قال أحد الصحابة لرجل مسلم: (يا ابن السوداء) (١) وصف الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- هذا القول بأنه يدل على جاهلية، أي على معايير وقيم سابقة على الإسلام، لا تصلح إلا في مجتمعات التخلف والجهل، ووضع الصحابي الجليل خده على الأرض طالبا ممن أساء إليه بقوله أن يعفو عنه.
رابعا: لم تكن كرامة الآدمي في الإسلام، منذ نزول القرآن، شعارا عاما، بل كانت نظاما تشريعيا داخلا في