الثابتة في الشريعة الإسلامية، وبين الأحكام الجزئية والتفصيلية فيها، وكشفوا عن أن الشريعة، تحفظ المصالح الحقيقية للعباد في مضمونها وقواعدها، وبينوا أن العقوبات الحدية على جرائم خطيرة وقليلة، هي سياسة جنائية حكيمة تحفظ أمن الناس، وتقلل إلى أبعد حد من انتشار الجريمة، والاستهانة بأرواح الناس وأعراضهم وأموالهم.
هذا العمل الدعوى المهم، الذي قام به علماء ودعاة مؤهلون، لمواجهة فكر يتعارض مع أصول الدين الإسلامي وشريعته وقيمه، كانت نتيجته، أن أبدى الجانب الأوروبي إعجابه بما سمع عن الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان فيها.
وقال رئيس الوفد المستر ماك برايد: (من هنا ومن هذا البلد الإسلامي، يجب أن تعلن حقوق الإنسان لا من غيره، وأنه يتوجب على العلماء المسلمين أن يعلنوا هذه الحقوق المجهولة على الرأي العام العالمي، والتي كان الجهل بها، سببا لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين والحكم الإسلامي) .
стр. 37
كما قال أحد أعضاء الوفد: (بصفتي مسيحيا، أعلن أنه في هذا البلد، يعبد الله حقيقة، وأنه يوافق السادة العلماء، في أن أحكام القرآن في حقوق الإنسان بعد أن سمعها، ورأى الواقع في تطبيقها، تتفوق بلا شك على ميثاق حقوق الإنسان) .!!
لقد ظهر في هذه الندوات جانب من الطابع المميز للنظر الإسلامي، في موضوع حقوق الإنسان.
ثانيا: إن أي حق للإنسان في الإسلام باعتباره آدميا، إنما يكون نتيجة لما تقرر في الأحكام الشرعية، التي وردت في القرآن أو السنة النبوية، وليس نتيجة تطور اجتماعي أو سياسي، كما هو الحال في التفكير الغربي، الذي بدأ يعرف ما يسمى بحقوق الإنسان في العصر الحديث، بعد تطور طويل، ونمو في الدراسات القانونية والاجتماعية والسياسية.
لقد ورد النص في القرآن الكريم على تكريم بني آدم. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] (سورة الإسراء، الآية ٧٠)
стр. 38
وبعد ذلك بقرون طويلة، تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفس اللفظ، إذ تبدأ ديباجة الإعلان بالاعتراف (بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية) .
ثالثا: إن حقوق الآدمي في الإسلام- ولفظ الآدمي بذاته ينفي كل تفرقة تقوم على العرق أو اللون- وردت جزءا من الشريعة الإسلامية، وترتبط ارتباطا وثيقا بالبناء العقدي والأخلاقي فيه.
فحقوق الآدمي، مضمونة بالنصوص الشرعية التي تنص على الحق، وعلى ضماناته، بل وعلى الجزاء المقرر عند انتهاكه.
فالحق في الحياة مضمون: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] (سورة الأنعام، الآية ١٥١) .
والجزاء مقرر عند انتهاك هذا النص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] (سورة البقرة، الآية ١٧٨) .
стр. 39
وهو جزاء يوقع بشروط شرعية دقيقة مفصلة في كتب الفقه، وهي شروط تضمن حق المجتمع وحق الفرد معا.
وكذلك، فإن الحق في التكافل الاجتماعي منصوص عليه في قول الله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ - لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] (سورة المعارج، الآيتان ٢٤، ٢٥) .
وفريضة الزكاة، وهي ركن من أركان الإسلام، بينت وحددت الأموال التي تخصص لتحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي، وبين الله تعالى في القرآن الكريم، الفئات التي تستحق أن يوفر المجتمع سبل معيشتها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] (سورة التوبة، الآية ٦٠) .
وهكذا في حقوق الآدمي التي وردت في الشريعة، كالمساواة بين الناس.
إذ جعل القرآن الكريم معيار التفاضل بين الناس،
стр. 40
هو التقوى، وهي خشية الله تعالى، والالتزام بالعمل الصالح، كما في كتاب الله، وسنة نبيه، نتيجة هذه الخشية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (سورة الحجرات، الآية ١٣) .
وحظر الإسلام تفاضل الناس على أساس العرق واللون.
وعندما قال أحد الصحابة لرجل مسلم: (يا ابن السوداء) (١) وصف الرسول- صلوات الله عليه وسلامه- هذا القول بأنه يدل على جاهلية، أي على معايير وقيم سابقة على الإسلام، لا تصلح إلا في مجتمعات التخلف والجهل، ووضع الصحابي الجليل خده على الأرض طالبا ممن أساء إليه بقوله أن يعفو عنه.
رابعا: لم تكن كرامة الآدمي في الإسلام، منذ نزول القرآن، شعارا عاما، بل كانت نظاما تشريعيا داخلا في
стр. 41
البناء العقدي والأخلاقي الإسلامي، وأهم ما يميزه أنه يستند إلى نظرية عامة في هذا البناء.
إن كرامة الإنسان، وهي الحق الأصيل والمهم من حقوق الآدمي، تستند في الإسلام إلى جملة أسباب، من أهمها:
أن الإنسان هو أكرم المخلوقات، وأنه الكائن الذي تشرف بأن سواه الله بيده: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] (سورة الحجر، الآية ٢٩) .
وعلمه الأسماء كلها: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] (سورة البقرة، الآية ٣١) .
والآيات في القرآن الكريم تدل على أن الإنسان أقوم المخلوقات، من حيث أصل الخلقة وصورتها يقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] (سورة التين، الآية ٤) .
стр. 42
وإن كان هذا الإنسان ضعيفا بحسب خلقته: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] (سورة النساء، الآية ٢٨) .
لكنه المخلوق الذي له إرادة وعقل، وهو الذي سخر الله له ما في السماوات والأرض: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] (سورة الجاثية، الآية ١٣) .
وفي العديد من الآيات في كتاب الله الكريم، ذكر تسخير الله البر والبحر والنبات والحيوان لخدمة الإنسان، بل إن الكون في سيره وانتظامه في الليل والنهار، ودوران الشمس والقمر والنجوم والكواكب في أفلاكها، إنما هو مظهر لنعم الله على الإنسان، وآية من آيات قدرته.
فالكرامة التي وهبها الله لبني آدم، ليست شعارا، ولكنها بناء أصيل في الإسلام، له مؤيداته وشواهده في كثير من نصوص الكتاب والسنة.
إنها كرامة الإنسان حين يولد، وكرامته في العيش، وكرامته حين يموت.
стр. 43
فالإنسان في الإسلام، نعمة لأبويه حين يولد، ونفس بشرية تستحق أن تحيا، وتنال حقوقها في المجتمع الإنساني، وهو يكرم حين يموت، فيغسل ويصلى عليه، ويدعو له الناس بالرحمة والمغفرة، ويحظر الإسلام، أن يمس جسد الإنسان إلا بحق، ويحرم التمثيل بجسد الإنسان حتى وهو ميت لا يشعر بشيء، وينهى النبي ﷺ عن كسر عظام الميت، احتراما لتلك الكرامة التي وهبها الله للآدمي منذ مولده وفي مسيرة حياته، وحتى بعد موته.
فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا» (١) .
فالإسلام وحده، سبق إلى تقرير تلك الكرامة قبل مواثيق البشر في صورة كاملة للكرامة الإنسانية، يعرفها المسلمون منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام.
وهذا التكريم الإلهي، عام لكل الناس، بغض النظر عن العرق واللون والوضع الاجتماعي.
стр. 44
وقد نظمت الشريعة حقوق المعاهدين، بحيث تكفل لهم حق الحياة وحرمة النفس والبدن والعرض والمال، ما داموا قائمين على العهد في المجتمع الإسلامي، أو كانوا مسالمين خارج المجتمع الإسلامي.
وتفصيل ذلك في آيات القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما يبنى عليهما من بيان وتفصيل واجتهاد في كتب الفقه الإسلامي.
стр. 45
[الفرق بين النظر الإسلامي والفكر الغربي في فكرة الحق]
الفرق بين النظر الإسلامي والفكر الغربي في فكرة الحق يكتسب التعبير في الوقت الحاضر، قدرة إعلامية وسياسية عالية، تؤثر في بحث المضامين، والمفاهيم التي يتضمنها التعبير.
فالمسلمون لديهم تعبير حقوق الآدمي، ولديهم أيضا تعبير حقوق الأمة، وكذلك يتحدث المسلمون في وضوح منذ زمن بعيد، عن حقوق الله وحقوق العباد، وهي في حقيقة الأمر، أصدق وأوفى في المضمون وفي المفاهيم من المصطلح العالمي: (حقوق الإنسان) .
ولكن ذلك لا يمنع من استعماله، وليس سببا في إهماله، بشرط أن تتضح المفاهيم، ويتميز المضمون أمام الناس.
فالمبادئ التي تتضمنها وثائق حقوق الإنسان، لا مطعن على استحقاق الآدمي لكثير منها، فلا يمكن من وجهة النظر الإسلامية، إنكار حق الآدمي في الكرامة الإنسانية، ولا حرمانه من الحق في الحرية، والحق في
стр. 46
المساواة، وفي المشاركة الاجتماعية، في المجتمع الذي يعيش فيه.
ولكن المطلوب إسلاميا، أن تتضح المفاهيم في هذه المبادئ، وأن تكون في صورتها التشريعية محررة.
فهذه الحقوق التي تأتي على رأس حقوق الإنسان في الزمن المعاصر، تمثل مبادئ عامة وشعارات، لا يمكن رد كثير منها بمجرد عرضها، ولكن الخلاف يأتي في المدى الذي تصل إليه هذه الحقوق، والمفاهيم التي تتضمنها.
هناك خلاف بين الفقه الإسلامي في جملته، وبين النظر القانوني السائد في العالم، حول فكرة الحق ذاتها.
فالحق عند المسلمين، من أسماء الله تعالى، وفي لغة العرب التي نزل بها القرآن، هو الأمر الثابت.
والمسلمون جميعا، بمجرد إسلامهم، يجب أن تتحرر إرادتهم من الخضوع لغير الله ، ومن هنا تبدأ العبودية لله تعالى وحده.
وتنظم الشريعة مفهوم هذه الحرية ومجالاتها، وشروط استعمالها ومداها، بحكم الخضوع لله ، وأمره
стр. 47
ونهيه، المتمثل في الشريعة الإلهية.
ومن المسلمات في النظر الإسلامي، أن الله تعالى هو الخالق والبارئ، والمالك لكل شيء، وله الحكم: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] (سورة الأنعام، الآية ٥٧) .
وبذلك، فإن الحقوق كلها تقررها الشريعة، وتبين مجالاتها، وتحدد مداها، ولا يوجد حق يُعترف به للمسلم، إلا إذا أقرته له الشريعة، في نصوصها أو أصولها وقواعدها الكلية.
ومدى هذه الحقوق وشروط استعمالها والمخاطب بها ومفاهيمها الواضحة، لا تخرج عن نطاق الشرع.
هذا النظر بكل المجاز، يختلف تماما عن الفكر الغربي، الذي يحاول دائما عزل الدين عن الحياة، بعد أن فصل الدين عن الدولة، في المجتمعات والدول التي تأخذ بمبدأ العلمانية.
وهي بكل إيجاز أيضا، لا تنظر إلى ما وراء هذا العالم، فالحياة الإنسانية كلها، هي الحياة الدنيا التي تتوجه إليها الأنظار والأفكار والأعمال.
ولسنا في حاجة إلى التساؤل، عمن يمنح هذه
стр. 48
الحقوق، أو يحدد مداها، أو يوضح مفاهيمها، إنه الإنسان أيضا فهو من يملك السلطة.
وليس هناك داع - من وجهة النظر الغربية - لافتراض سلطة علوية تمنح هذه الحقوق لبني الإنسان.
فالإنسان هو الذي يمنح نفسه هذه الحقوق، وهو الذي يبين مداها وشروطها، وهو الذي يتمتع بها.
ولما كانت الحقوق كلها، تتضمن أطرافا وموضوعا، وكان لا بد من مانح للحق ومن متلق له، فقد انتهت المدرسة الأوروبية الحديثة إلى القول - كما قدمنا - بأن هذه الحقوق، تصدر عن ضمير الجماعة - أي الإنسان في مجموعه - وذلك بهدف جعلها تتمتع بإقرار الجميع لها واحترامها، ويجري ذلك التصوير بطبيعة الحال، بعيدا عن أي نظر ديني، بل مع استبعاد النظر الديني عمدا.
والشريعة الإسلامية لدى المسلمين جميعا، أساس الحق ومصدره، وضمان وجوده في المجتمع.
وفي الفكر الغربي بالذات، فإن الحق الذي يمنحه الإنسان لنفسه - الفرد المسيطر أو السلطة أو ضمير الجماعة - هو أساس القانون الذي يطبقه المجتمع.
стр. 49
وحين يرى المجتمع أو السلطة القائمة عليه، أن الإنسان من حقه أن يمارس عملا، أو يتمتع بحرية معينة، يصبح ذلك قانونا، ويصير حقا للفرد، فالحق الذي يراه الإنسان لنفسه، هو أساس النظام.
هذا الفكر، هو الذي أدى في أحيان كثيرة، وفي دول أوروبية متميزة بمقاييس العصر المادية، إلى إباحة أنواع من التصرفات، تأباها الفطرة الإنسانية والأديان السماوية كلها، فأبيح الشذوذ الجنسي بين البالغين (كما في إنجلترا) ، وأبيح الزواج بين أفراد الجنس الواحد (كما يسمح به في بعض البلاد الأوروبية الشمالية) ، وجرت التسوية بين الأبناء من نكاح صحيح، وبين الأبناء من سفاح.
هكذا رأى ضمير الجماعة، ومن ثم صار قانونا توزن به، وتقوم على أساسه حقوق الإنسان.
وسوف نعرض في الصفحات التالية وبإيجاز، لمفاهيم أساسية لحقوق الإنسان من وجهة النظر الإسلامية، وخاصة حق الحياة، وسلامة البدن، والعقل، والعرض، والحرية، والمساواة، والتكافل، حتى يتبين
стр. 50
اختلافها عن المبادئ والشعارات التي تطرح في الساحة الدولية والإعلامية، باسم حقوق الإنسان.
فالإسلام يحدد حقوق الإنسان بمفاهيمها الصحيحة، وضوابطها الشرعية، التي تحقق كرامة الإنسان، وتحفظ مصالح الفرد والمجتمع.
وهي مضمونة بالشرع وأحكامه، لكل بني الإنسان على اختلاف الأعراق والألوان.
стр. 51
[حق الحياة وسلامة البدن والعقل والعرض]
حق الحياة وسلامة البدن والعقل والعرض يعتبر الإنسان في المفهوم الإسلامي، أكرم الكائنات وأشرفها، ومن أجله سخر الله ما في السماوات وما في الأرض، ومنحه نعمة العقل والتفكير والتدبر.
فالكرامة الإنسانية، تستند في الإسلام إلى نظرية متكاملة، وهذا ما يميزها عن المفهوم الغربي القاصر.
إن أسباب تلك الكرامة ومضمونها، واضحة في تسخير ما في السماوات والأرض لخدمة الإنسان.
ومن آثار هذه الكرامة، أن حياة الفرد في قيمتها تكاد تتساوى مع حياة النوع البشري واستمراره، يقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] (سورة المائدة، الآية ٣٢) .
وتمنع كل التصرفات التي تنال من حق الحياة،
стр. 52
وسلامة البدن والعرض، أو تنقص منه، كتعذيب الإنسان، والعدوان عليه في حياته ماديا أو معنويا، وحتى التمثيل بجثته بعد وفاته، ولو في الحرب، إذ يمتد التكريم للإنسان إلى ما بعد وفاته.
ومن أجل الحفاظ على حق الحياة للإنسان، لم يشرع القتال في الإسلام إلا من أجل الحق، ودفاعا عن الحق، وبعد الإنذار والإعلان.
وحرم الإسلام القتال طلبا للمغانم، أو بدافع من التعصب القومي أو العرقي.
وفي الإسلام قيود على ممارسة أعمال الحرب، فيحرم قتل غير المحاربين من النساء والأطفال وكبار السن والمنقطعين للعبادة، ويمنع قتل من يقومون بالعمل بعيدا عن ساحة القتالة، كالزراع، ما داموا لا يشتركون في القتال.
ويحرم في الإسلام، إتلاف الزرع وإهلاك الضرع، حفاظا لأقوات الناس.
بل إن النبي ﷺ ضرب مثلا عاليا في أخلاق القتال وآدابه، حينما اعترض على أصحابه في قتل امرأة،
стр. 53
وقال: «ما كانت هذه لتقاتل» (١) .
وحينما أرسل إلى أهل مكة، وهم في حالة عداء وحرب معه، ما يعاونهم على القوت الضروري لهم (٢) .
ومن أجل الاحتياط والوقاية من شيوع الاعتداء على الحياة الإنسانية، كان حكم القصاص، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (سورة المائدة، الآية ٤٥) . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (سورة البقرة، الآية ١٧٨)
стр. 54
وكل ذلك "بشروطه وضماناته المفصلة في الفقه الإسلامي.
ومن أجل حفظ النفس الإنسانية، حرم في الإسلام أن يقتل الإنسان نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] (سورة النساء، الآية ٢٩) .
وحرم أن يلقي الإنسان بنفسه إلى الهلاك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (سورة البقرة، الآية ١٩٥) .
ومن الحفاظ على عقل الإنسان في نظر الشرع الإسلامي، حرم الخمر؛ لأنها تذهب بالعقل، وتخل بالإدراك والتمييز، وحظر كل ما يؤدي إلى ذهاب العقل، أو إضعاف ملكات الإنسان الفكرية.
ولقد أدرك علماء المسلمين قدر نعمة العقل والإدراك وأثرها في حياة الإنسان.
ويدخل في حق الحياة وسلامة البدن والحواس
стр. 55
والمشاعر، أوجبه الله على المسلم، من تجنب ما يضر به.
وحرم الله أشد التحريم، تعذيب الإنسان المسلم أو انتهاك كرامته والحط من قدره، حتى بالكلمة الجارحة أو السخرية منه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] (سورة الحجرات، الآية ١١) .
وأوجب غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.
وتكفل أحكام الشريعة الحفاظ على كيان الإنسان كله، النفس والجسد والعقل والمشاعر.
ولا يتسع المقام لتفصيل أوجه الحماية والحفاظ على كيان الإنسان، الذي استخلفه الله في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] (سورة البقرة، الآية ٣٠) .
وهي خلافة تكريم وتكليف وتشريف لبني الإنسان، لعبادة الله وحده، وتعمير الأرض بالحق والخير والسلام لبني الإنسان.
стр. 56
[حرية الإنسان]
حرية الإنسان لم تصبح الحرية تلك الكلمة التي تؤثر في الأفراد والجماعات في الغرب، عقيدة راسخة في المجتمعات الغربية، إلا بعد كفاح طويل ومرير دام عدة قرون.
ولم يتخلص الناس في أوروبا من استبداد حكام الإقطاع وسلطان رجال الكنيسة، وجمودهم، ووقوفهم في وجه كل نزعة للتحرر الإنساني، والتقدم العلمي، إلا بعد جهد كبير بذله كتاب وفلاسفة، دام عشرات السنين.
ومع ذلك، لم يتحدد معنى الحرية تحديدا واضحا حتى الآن.
وفي المفهوم الإسلامي، تعتبر الشريعة أساس الحق، وليس الحق أساس الشريعة.
فالحق في الحرية، هو وسيلة كبرى لتحقيق غايات نبيلة وسامية، تتفق مع كرامة الإنسان ورسالته في استخلافه في الأرض.
ومن أجل ذلك، بدأ الإسلام بتحرير الإنسان من
стр. 57
العبودية لغير الله ، وتحريره من شهوات نفسه ونزوات غريزته.
فالحرية كما يرى علماء المسلمين، هي قدرة الإنسان على التصرف، إلا لمانع من أذى أو ضرر له أو لغيره.
وفي الإسلام يجب على الإنسان أن يتحرر من عبودية غير الله، وسمى الله عبادة الإنسان غير الله طاغوتا، وأمر الناس أن يكفروا به، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] (سورة النساء، الآية ٦٥) .
ولما كان الرق نظاما اقتصاديا عرفته كل الحضارات، فقد سلك الإسلام وسيلة ناجعة للتخلص منه، فضيق من موارده، حتى اقتصرت على ما يكون منه في قتال مشروع، مع جواز عدم اتباعه حتى في هذه الحالة، ثم وسع أشد التوسعة في تحرير الأرقاء، ولفظ "الرقيق " في ذاته، يشير إلى رقة المعاملة لهم والإحسان إليهم، ويجوز في الإسلام، أن يتفق الرقيق مع سيده على عتقه نظير
стр. 58
مال، قال الله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] (سورة النور، الآية ٣٣) . ويجب في الإسلام تحرير الرقيق جزاء على أخطاء يرتكبها الإنسان، كالقتل الخطأ أو تجاوز بعض الشعائر الدينية، حتى إن الهزل من السيد وتلفظه بعتق الرقيق خطأ أو هزلا، ينتج أثره في تحرر الرقيق.
وهو ما لم تستطع تحقيقه شعارات الحرية الزائفة مع وجود الرق فعلا وحقيقة، في مجتمعات تعرضت للغزو والنهب الاستعماري خلال القرن الماضي.
ومن قبل ذلك بقرون، اختطف الغربيون مئات الألوف من أبناء أفريقيا، ليعملوا لهم دون أجر في مزارعهم.
ويكفي أنه لم يبق في بلد إسلامي مجتمع له كيان، أصله الأول الرقيق.
بينما لا يزال في الولايات المتحدة الأمريكية، مجتمع الزنوج من عدة ملايين.
وفي القرآن الكريم، دعوة إلى التفكر والتدبر، وإعمال العقل والنظر في الكون؛ بغية الوصول إلى معرفة السنن
стр. 59
الكونية والاجتماعية، والاعتبار بما وقع: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل: ٦٩] (سورة النمل، الآية ٦٩) .
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] (سورة العنكبوت، الآية ٢٠) .
وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو واجب المجتمع كله، ولا بد من قيام أهل العلم والرأي به، حتى يكون المجتمع قد وفى بواجبه الديني، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (سورة آل عمران، الآية ١٠٤) .
والمسلمون مطالبون بالتناصح والتشاور في أمورهم العامة.
يقول الله تعالى مخاطبا نبيه- ﵊: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (سورة آل عمران، الآية ١٥٩) .
ويمتدح الله، المجتمع المسلم الذي يكون من صفاته وآدابه الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] (سورة الشورى، الآية ٣٨) .
стр. 60
فلا حرج على المسلم، أن ينصح لأولي الأمر، كما في الحديث الشريف:
«الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١) فالمشاركة بالرأي، مكفولة بحكم الشورى، الذي يجب على الأمة كلها أن تعمل به، وتستطيع الأمة أن تقوم به بأي طريق يحقق فائدة التشاور والتناصح في الأمور العامة، وفق توجيهات الإسلام وهديه.
لقد تقرر في الإسلام فيما يتعلق بالشورى أنه قيمة كبرى، وترك تطبيقها بما يحقق الهدف منها إلى أهل الحل والعقد، يختارون ما يرونه في شكلها ونظامها وإجراءاتها.
ولا حد لحرية الرأي والفكر في الإسلام، إلا الحفاظ على أصول الدين وأركان الإسلام وقيمه وحدوده، ورعاية المصالح العامة.
стр. 61
فالاجتهاد مباح ومطلوب، في أمور الدين والدنيا، ولا ينكر منه إلا ما يهدم أصلا من أصول العقيدة أو التشريع، أو يهدر قيمة خلقية من أخلاق الإسلام، أو يقصد فتنة الناس وإضلالهم.
فحرية الرأي المنضبطة بضوابط الشرع، تبني المجتمع الإسلامي، وتصحح أخطاءه، وتبصره بطريق الداية والفلاح في أموره العامة.
ولم تكن حرية الفكر والرأي، مطلقة في أي مجتمع، للذين يخرجون على ما تقرر من أصول الاعتقاد ومكارم الأخلاق، مهما كانت معتقداتهم، فالحرية المطلقة، هي الفوضى المطلقة.
وتكفل الشريعة للرجل والمرأة على السواء، ما تواضع علماء القانون على تسميته بالحرية المدنية.
إن أهلية المرأة كاملة، وذمتها المالية من شأنها، ولها أن تجري التصرفات المالية دون حرج، وهي حرة في اختيار زوجها.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: (إن البكر العاقلة الرشيدة، لا يتصرف أبوها في أي شيء من مالها إلا
стр. 62
برضاها) (١) .
ولا شك أن التشريع الإسلامي الذي مضت عليه القرون الطويلة، لم تصل إليه القوانين الوضعية الحديثة، التي وضعت قيودا على أهلية المرأة في التصرف بعد زواجها.
إن الحرية قيمة كبرى في الإسلام، تسمو بالإنسان في حياته المادية والروحية، وليست انفلاتا مما في الإسلام من قواعد السلوك الاجتماعي أو الخلقي، الذي يحفظ للمجتمع مصالحه وتماسكه.
وفي الإسلام لا حرية لأحد في نشر الفساد أو الرذيلة أو الفتنة في المجتمع؛ لأن الحرية لا تنزل بصاحبها إلى الشر والإفساد، ولا تبيح له أن يؤذي غيره، أو يعرض المجتمع للخطر.
وكم قاست مجتمعات عديدة في العصر الحديث، من الانفلات، وإهدار الفضيلة، وذبحها على مذبح الشهوات، وإهدار كرامة النفس والجسد الإنساني باسم الحرية.
стр. 63
فالحرية حق للإنسان، ولكنها مثل كل الحقوق، لها وظيفة اجتماعية، لا يجوز إهدارها، ولا تجاوزها، ولها ضوابطها وقيودها ومجالاتها.
стр. 64
[المساواة]
المساواة تعد المساواة بين الناس على اختلاف الأجناس والألوان واللغات، مبدأ أصيلا في الشرع الإسلامي، ولم يكن هذا المبدأ على أهميته وظهوره، قائما في الحضارات القديمة، كالحضارة المصرية أو الفارسية أو الرومانية؛ إذ كان سائدا تقسيم الناس إلى طبقات اجتماعية، لكل منها ميزاتها وأفضليتها، أو على العكس من ذلك، تبعا لوضعها الاجتماعي المتدني.
وكانت التفرقة بين البشر في المجتمعات القديمة، تستند إلى الجنس واللون، والغنى والفقر، والقوة والضعف، والحرية والعبودية، وكانت طبقة الحكام ورجال الدين من الطبقات المميزة، بل إن بعض المجتمعات، مثل المجتمع الهندي، كان يعرف طائفة المنبوذين، وكان محرما على أفراد الطبقة، أن ينتقلوا منها إلى طبقة أعلى، حتى ولو كانت ملكاتهم تتيح لهم ذلك.
وفي العصر الحديث، رفعت الثورة الفرنسية سنة ١٧٨٩ م، شعار المساواة.
стр. 65
غير أن التجارب العملية، تعلم الإنسان أن المبادئ والشعارات وحدها لا تكفي، دون أن يكون هناك ما يحدد المضامين، ويفتح طريق التطبيق، ويفرض الجزاء عند المخالفة.
وذلك ما نجده في التشريع الإسلامي في مبدأ المساواة بين الناس.
فهي تسوية أصلية بحكم الشرع، ومضمونها محدد، وأساليب تطبيقها واضحة، والجزاء عند مخالفتها قائم، وهو جزاء دنيوي وأخروي.
إن التسوية بين البشر، تعني التسوية بينهم في حقوق الكيان الإنساني، الذي يتساوى فيه كل الناس.
أما التسوية الحسابية في الحقوق الفرعية التي تؤدي إلى المساواة بين غير المتماثلين، فإنها معنى يختلف عن التسوية في الآدمية التي كرمها الله، والتي تستند إلى مبادئ ثابتة وأصل واضح، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] (سورة النساء، الآية ١)
стр. 66
فالناس كلهم من نفس واحدة.
ويبين الحديث الشريف هذا الأصل في المساواة:
«إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، والناس بنو آدم، وآدم من تراب، لينتهين أقوام عن فخرهم برجال أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن» (١) هذه قاعدة الإسلام الأصلية في المساواة، كما تحددت في آيات القرآن الكريم، وبينتها السنة المشرفة.
وحينما تختلف أحوال الناس، وأوضاعهم، وتختلف أزمنتهم وأمكنتهم، ويوجد التنوع في الأجناس والألوان واللغات، والغنى والفقر، والقوة والضعف، والعلم والجهل، ويختلف الموقع الاجتماعي والاقتصادي بين
стр. 67
الناس، حينذاك تفرض المجتمعات معايير للتفاضل بين الناس، إزاء هذا التنوع والاختلاف.
ولا بد من وضع معيار للتفاضل؛ لأن المساواة المطلقة لا تكون إلا في الكيان الإنساني، والمشكلة تبدأ عند وضع هذا المعيار، بحيث لا يخل بمبدأ المساواة في ذاته، ويجعل التفاضل وسيلة نمو ورقي، وليس ذريعة للظلم والتفرقة بين الناس.
وهذا ما جاء في الشرع الإسلامي، فقد ترك كل المعايير السائدة للتفاضل، كالقوة والضعف، والموقع الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الطبقة التي ينتمي إليها الإنسان، أو الجنس واللون.
فكل هذه المعايير، كانت قائمة في المجتمعات القديمة، حتى أنكر بعض الفلاسفة الأقدمين، مبدأ المساواة ذاته، مثل أفلاطون الذي قرر أن بعض الناس خلقوا؛ للحكم والسيطرة، وبعضهم خلق؛ لكي يكون محكوما يعمل من أجل غيره.
وجاء في الإسلام معيار للتفاضل، يتساوى أمامه الخلق جميعا على اختلاف الأجناس والألوان، والحرية
стр. 68
والعبودية، إنه معيار التقوى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] (سورة الحجرات، الآية ١٣) .
إن معيار التفاضل هنا، يستطيع الارتقاء إليه كل البشر، ولا يقسم الناس إلى طبقات يعلو بعضها بعضا، وهو معيار يدفع إلى الرقي والسمو بالإنسان.
إن التقوى معيار الكرامة الإنسانية عند الله ، ومع ذلك فهي معيار الصلاح في الدنيا، وهو معيار حقيقي وعملي؛ إذ إن صلاح الإنسان في دنياه، يجعله أفضل لنفسه وللمجتمع الذي يعيش فيه، من غيره الذي لا يفيد نفسه ولا مجتمعه بشيء.
وقد هدم الدين الإسلامي بهذا المعيار الحقيقي الذي يرتقي بحياة الإنسان والمجتمع، كل المعايير الزائفة، التي أشار القرآن الكريم إلى الكثير منها.
يقول الله تعالى في الإنكار على أصحاب المعايير الزائفة في التفاضل:
стр. 69
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] (سورة الشعراء، الآية ١١١) .
مما يدل على أنهم لم يؤمنوا؛ لأن مَن هم أقل منهم قد آمنوا بالرسول ﷺ .
وقالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] (سورة البقرة، الآية ١٣) .
ولما طلب وجهاء قريش ومن كانوا يحسبون أنفسهم سادة قومهم، من النبي ﷺ أن يطرد الفقراء والمساكين وضعاف الناس الذين التفوا حوله وآمنوا به، كعمار بن ياسر، وبلال، بحجة أنهم يريدون أن يستمعوا إلى النبي ﷺ ، ولكنهم لا يجلسون مجلسا يكون فيه هؤلاء محل الرعاية من الرسول الكريم، نزل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] (سورة الأنعام، الآية ٥٢) .
وبين النبي ﷺ معنى المساواة، حين شفع وجهاء من القوم، في إعفاء امرأة شريفة وجب عليها حد السرقة،
стр. 70
حتى لا توقع عليها العقوبة، فأبى النبي ﷺ ذلك، ونبه إلى عدم جواز الشفاعة في حدود الله؛ لأن ذلك يخل بمبدأ المساواة بين الناس، ويؤدي إلى إيثار ذوي الوجاهة بإعفائهم من العقاب، مع إقامة الحدود على ضعفاء الناس، وبين الرسول ﷺ أن ذلك الأمر إذا ساد في مجتمع أدى به إلى الزوال، فقال:
«إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» (١) ويعيب الرسول ﷺ على أحد أصحابه الملازمين له على الحب والتلقي منه، أنه عير صاحبا له بلونه، فحين عير أبو ذر الغفاري بِلالا بلونه الأسود، غضب النبي ﷺ ، وقال للصحابي الجليل:
«إنك امرؤ فيك جاهلية» (٢) .
стр. 71
وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع:
«لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى» (١) وأقامت الشريعة الإسلامية أصل المساواة في أحكامها، على النحو الذي يجعل هذا المبدأ وسيلة لرقي الإنسان، وتحصيل مصالح الحياة.
إن المرأة في الإسلام مكلفة مثل الرجل، بما أمر الله به وما نهى عنه، وإن جزاءها مثله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] (سورة النحل، الآية ٩٧) .
وكل من الرجل والمرأة، له حقوق وعليه واجبات، وهي حقوق وواجبات تكاملية، تجعل من حقوق الرجل وواجباته، وحقوق المرأة وواجباتها، كلا متكاملا في وحدة واحدة، تصلح بها حياة الأسرة.
стр. 72
فإذا كان من حق الرجل الطلاق، فإن من حق المرأة الخروج من زوجية تضرها- بشروط معينة- ولها الحق في طلب التطليق إذا أضيرت من زوجها، الذي لا يكون أمينا عليها.
ومن حقها العمل إذا احتاجت إليه، أو احتاج العمل إليها، كما في بعض المهن والأعمال المناسبة لها، وفق ضوابط الشرع.
ولها أهليتها الكاملة وذمتها المالية المستقلة.
وهي كما قال الرسول ﷺ :
«إنما النساء شقائق الرجال» (١) ومع التسوية في الكيان الإنساني، ومع الحقوق والواجبات التي تتكامل في الأسرة، ففي الإسلام دعوة إلى التوصية بالمرأة، ومعاشرتها بالمعروف، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] (سورة النساء، الآية ١٩) وفيه نداء إلى الرجل ألا يسارع إلى كراهة امرأته ولو
стр. 73
كان فيها بعض ما يعاب، يقول سبحانه: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] (سورة النساء، الآية ١٩) .
وفي هذه التسوية التكاملية، مصلحة المرأة والرجل، ومصلحة الأسرة، ثم المجتمع الإنساني.
وفي الإسلام يباح للرجل أن يعدد زوجاته إلى أربع، مع القدرة على ذلك، ووجوب العدل والتسوية بينهن.
والتعدد يفتح الباب لمراعاة امرأة لا يصح أن تترك في الحياة بلا معيل، ولا مسؤول بها، كما يغلق الباب أمام استغلال المرأة، وجعلها مجرد أداة للمتعة واللهو، دون تحمل للمسؤولية، ودون الالتزام نحوها بشيء.
وهذا حال المرأة التي تقبل معاشرة غير مشروعة، تكون هي الخاسرة في كل حال، حيث لا التزام نحوها ممن يتخذها خليلة له، ويتظاهر بأنه لا يعدد الزوجات.
والتعاون والتكامل بين الحاكم والمحكوم من القواعد الأساسية في الإسلام.
ويعلم النبي ﷺ أصحابه، وهو أفضل الخلق، مبدأ المساواة في أمثلة متعددة، منها أنه لما كان يصفُّ
стр. 74
أصحابه للقتال، دفع بعصا صغيرة في يده رجلا خرج من الصف، فلما شكا الرجل إليه، كشف الرسول ﷺ عن بطنه الشريفة؛ لكي يقتص منه الرجل، فإذا به يهوي ليقبل جسد النبي ﷺ ، وكان مبتغاه ومراده أن يمس جسد الرسول قبل أن يستشهد في القتال (١) ولقد تعلم أصحاب النبي ﷺ ذلك، يقول أبو بكر ﵁ للناس:
(إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني) (٢) وهي مساواة لا تخل بحق الطاعة لولي الأمر، الذي يرعى مصالح المسلمين.
فإذا كان من حق المحكومين التسوية في الحقوق والواجبات، فإن من حق الحاكم الطاعة له في المنشط والمكره.
وهذا الحق، أساسه الشريعة التي أعطت الحق في المساواة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (سورة النساء، الآية ٥٩)
стр. 75
وفي الإسلام تسوية بين البشر في الكيان الإنساني، فالكرامة الإنسانية هي للآدمي، يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] (سورة الإسراء، الآية ٧٠) .
ومال المعاهد والذمي، لا يحل للمسلم إلا برضاه، وعرضه مصون في المجتمع الإسلامي.
يقول توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام:
(إن المسيحية نعمت بتسامح ملحوظ في ظل الحكم الإسلامي، لم تعرفه منذ قرون طويلة) .
ويمكن للذمي أن يعيش في المجتمع الإسلامي آمنا على نفسه وماله وعرضه، بل ويتمتع بالبر الإحسان، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ حين أعطى